تفسير الآية ٨ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٨ من سورة الرعد

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء ، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات ، كما قال تعالى : ( ويعلم ما في الأرحام ) [ لقمان : 34 ] أي : ما حملت من ذكر أو أنثى ، أو حسن أو قبيح ، أو شقي أو سعيد ، أو طويل العمر أو قصيره ، كما قال تعالى : ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) [ النجم : 32 ] .

وقال تعالى : ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ) [ الزمر : 6 ] أي : خلقكم طورا من بعد طور ، كما قال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) [ المؤمنون : 12 - 14 ] وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه ، وعمره ، وعمله ، وشقي أو سعيد " .

وفي الحديث الآخر : " فيقول الملك : أي رب ، أذكر أم أنثى ؟

أي رب ، أشقي أم سعيد ؟

فما الرزق ؟

فما الأجل ؟

فيقول الله ويكتب الملك " .

وقوله : ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثنا معن ، حدثنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وما تغيض الأرحام ) يعني : السقط ( وما تزداد ) يقول : ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما .

وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهن من تزيد في الحمل ، ومنهن من تنقص ، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى ، وكل ذلك بعلمه تعالى .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) قال : ما نقصت من تسعة وما زاد عليها .

وقال الضحاك : وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين ، وولدتني وقد نبتت ثنيتي .

وقال ابن جريج ، عن جميلة بنت سعد ، عن عائشة قالت : لا يكون الحمل أكثر من سنتين ، قدر ما يتحرك ظل مغزل .

وقال مجاهد : ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) قال : ما ترى من الدم في حملها ، وما تزداد على تسعة أشهر .

وبه قال عطية العوفي وقتادة ، والحسن البصري ، والضحاك .

وقال مجاهد أيضا : إذا رأت المرأة الدم دون التسعة زاد على التسعة ، مثل أيام الحيض .

وقاله عكرمة ، وسعيد بن جبير ، وابن زيد .

وقال مجاهد أيضا : ( وما تغيض الأرحام ) إراقة المرأة حتى يخس الولد ( وما تزداد ) إن لم تهرق المرأة تم الولد وعظم .

وقال مكحول : الجنين في بطن أمه لا يطلب ، ولا يحزن ولا يغتم ، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها فمن ثم لا تحيض الحامل .

فإذا وقع إلى الأرض استهل ، واستهلاله استنكار لمكانه ، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم ، ثم يصير طفلا يتناول الشيء بكفه فيأكله ، فإذا هو بلغ قال : هو الموت أو القتل ، أنى لي بالرزق ؟

فيقول مكحول : يا ويلك !

غذاك وأنت في بطن أمك ، وأنت طفل صغير ، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت : هو الموت أو القتل ، أنى لي بالرزق ؟

ثم قرأ مكحول : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار ) وقال قتادة : ( وكل شيء عنده بمقدار ) أي : بأجل ، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم ، وجعل لذلك أجلا معلوما .

وفي الحديث الصحيح : أن إحدى بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثت إليه : أن ابنا لها في الموت ، وأنها تحب أن يحضره .

فبعث إليها يقول : " إن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى ، فمروها فلتصبر ولتحتسب " الحديث بتمامه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ منكرين قدرة الله على إعادتهم خلقًا جديدًا بعد فنائهم وبلائهم, ولا ينكرون قدرته على ابتدائهم وتصويرهم في الأرحام، وتدبيرهم وتصريفهم فيها حالا بعد حال فابتدأ الخبر عن ذلك ابتداءً, والمعنى فيه ما وصفت, (13) فقال جل ثناؤه: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد) ، يقول: وما تنقص الأرحام من حملها في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض (14) (وما تزداد) في حملها على الأشهر التسعة لتمام ما نقص من الحمل في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض( وكل شيء عنده بمقدار) لا يجاوز شيء من قَدَره عن تقديره, ولا يقصر أمر أراده فَدَبَره عن تدبيره, كما لا يزداد حمل أنثى على ما قُدِّرَ له من الحمل, ولا يُقصِّر عما حُدّ له من القدر.

* * * و " المقدار ", مِفْعال من " القدر " .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك: 20163- حدثني يعقوب بن ماهان قال: حدثنا القاسم بن مالك, عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: (يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ، قال: ما رأت المرأة من يوم دمًا على حملها زاد في الحمل يومًا .

(15) 20164- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ، يعني السِّقْط(وما تزداد) ، يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا.

وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر, ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص.

فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله, وكل ذلك بعلمه .

20165- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا عبد السلام قال: حدثنا خصيف, عن مجاهد أو سعيد بن جبير في قول الله: (وما تغيض الأرحام) قال: غَيْضُها، دون التسعة والزيادة فوق التسعة .

20166- حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر, عن مجاهد, أنه قال: " الغيض "، ما رأت الحامل من الدم في حملها فهو نقصان من الولد, و " الزيادة " ما زاد على التسعة أشهر, فهو تمام للنقصان وهو زيادة .

20167- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن مجاهد, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: ما ترى من الدم, وما تزداد على تسعة أشهر .

20168- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن مجاهد, أنه قال: (يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد) ، قال: ما زاد على التسعة الأشهر(وما تغيض الأرحام) ، قال: الدم تراه المرأة في حملها .

20169- حدثني المثنى حدثنا عمرو بن عون، والحجاج بن المنهال قالا حدثنا هشيم, عن أبي بشر, عن مجاهد, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: الغيض: الحامل ترى الدم في حملها فهو " الغيض ", وهو نقصانٌ من الولد.

وما زاد على تسعة أشهر فهو تمام لذلك النقصان, وهي الزيادة .

20170- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عبد السلام, عن خصيف, عن مجاهد: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: إذا رأت دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض .

20171- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وما تغيض الأرحام) قال: خروج الدم(وما تزداد) قال: استمساك الدم .

20172- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وما تغيض الأرحام) إراقة المرأة حتى يخِسّ الولد(وما تزداد) قال: إن لم تُهْرِق المرأةُ تَمَّ الولد وعَظُم .

20173- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة, عن جعفر, عن مجاهد, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: المرأة ترى الدم، وتحمل أكثر من تسعة أشهر .

20174- حدثنا الحسن قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير, في قوله: (وما تغيض الأرحام) ، قال: هي المرأة ترى الدم في حملها .

20175- ......

قال: حدثنا شبابة, قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) إهراقُ الدم حتى يخسّ الولد و " تزداد " إن لم تهرق المرأة تَمَّ الولد وعَظُم .

20176- ......

قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا هقل, عن عثمان بن الأسود قال: قلت لمجاهد: امرأتي رأت دمًا, وأرجو أن تكون حاملا!

قال أبو جعفر: هكذا هو في الكتاب (16) فقال مجاهد: ذاك غيضُ الأرحام: (يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار)، الولد لا يزال يقع في النقصان ما رأت الدَّم, فإذا انقطعَ الدم وقع في الزيادة, فلا يزال حتى يتمّ, فذلك قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار) .

(17) 20177- ......

قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر, عن مجاهد, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) ، قال: " الغيض ": الحامل ترى الدم في حملها, وهو " الغيض " وهو نقصان من الولد.

فما زادت على التسعة الأشهر فهي الزيادة, وهو تمامٌ للولادة .

20178- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا داود, عن عكرمة في هذه الآية: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ، قال: كلما غاضت بالدم، زاد ذلك في الحمل .

20179- ......

قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود, عن عكرمة نحوه.

20180- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عباد بن العوّام, عن عاصم, عن عكرمة: (وما تغيض الأرحام) قال: غيض الرحم: الدم على الحمل كلما غاض الرحم من الدم يومًا زاد في الحمل يومًا حتى تستكمل وهي طاهرةٌ .

20181- ......

قال: حدثنا عباد, عن سعيد, عن يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير, مثله .

20182- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا الوليد بن صالح قال: حدثنا أبو يزيد, عن عاصم, عن عكرمة في هذه الآية: (وما تغيض الأرحام) ، قال: هو الحيض على الحمل(وما تزداد) قال: فلها بكل يوم حاضت على حملها يوم تزداده في طهرها حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرًا .

20183- ......

قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمران بن حدير, عن عكرمة في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: ما رأت الدم في حملها زاد في حملها .

20184- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال: أخبرنا إسحاق, عن جويبر, عن الضحاك, في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) ما " تغيض ": أقل من تسعة وما تزداد: أكثر من تسعة .

20185- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى قال: سمعت الضحاك يقول: قد يولد المولود لسنتين.

قد كان الضحاك وُلد لسنتين, و " الغيض ": ما دون التسعة(وما تزداد) فوق تسعة أشهر .

20186- ......

قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن جويبر, عن الضحاك: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: دون التسعة, وما تزداد: قال: فوق التسعة .

20187- ......

قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن جويبر, عن الضَّحاك قال: ولدت لسنتين .

20188- حدثني المثنى قال: حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى قال: حدثنا الضحاك: أن أمه حملته سنتين.

قال: (وما تغيض الأرحام) قال: ما تنقص من التسعة(وما تزداد) قال: ما فوق التسعة .

(18) 20189- ...

قال: حدثنا عمرو بن عون ; قال: أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ، قال: كل أنثى من خلق الله .

20190- ...

قال: حدثنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك ومنصور، عن الحسن قالا " الغيض " ما دون التسعة الأشهر .

20191- ...

قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن داود بن عبد الرحمن, عن ابن جريج, عن جميلة بنت سعد, عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين, قدر ما يتحوَّل ظِلُّ مِغْزَل .

20192- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية العوفي: (وما تغيض الأرحام) قال: هو الحمل لتسعة أشهر وما دون التسعة(وما تزداد) قال: على التسعة .

20193-...

قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه, عن سعيد بن جبير: (وما تغيض الأرحام) قال: حيضُ المرأة على ولدها .

20194- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) .

قال: " الغيض "، السَّقْط(وما تزداد)، فوق التسعة الأشهر .

20195- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن سعيد بن جبير: إذا رأت المرأة الدمَ على الحمل, فهو " الغيض " للولد .

يقول: نقصانٌ في غذاء الولد, وهو زيادة في الحمل .

20196- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد) قال: كان الحسن يقول: " الغيضوضة "، (19) أن تضع المرأة لستة أشهر أو لسبعة أشهر, أو لما دون الحدّ قال قتادة: وأما الزيادة, فما زاد على تسعة أشهر .

20197- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا قيس, عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جبير قال: غيض الرحم: أن ترى الدم على حملها.

فكل شيء رأت فيه الدم على حملها، ازدادت على حملها مثل ذلك .

20198- ....قال حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن قيس بن سعد, عن مجاهد قال: إذا رأت الحاملُ الدمَ كان أعظمَ للولد .

20199- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) ،" الغيض ": النقصان من الأجل," والزيادة ": ما زاد على الأجل.

وذلك أن النساء لا يلدن لعدّةٍ واحدة, يولد المولود لستة أشهر فيعيش, ويولد لسنتين فيعيش, وفيما بين ذلك .

قال: وسمعت الضحاك يقول: ولدت لسنتين, وقد نبتت ثناياي .

20200- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وما تغيض الأرحام) قال: غيض الأرحام: الإهراقة التي تأخذ النساء على الحمل, وإذا جاءت تلك الإهراقة لم يعتدَّ بها من الحمل، ونقص ذلك حملها حتى يرتفع ذلك.

وإذا ارتفع استقبلت عِدّةً مستقبلةً تسعة أشهر.

وأما ما دامت ترى الدم، فإن الأرحام تغيض وتنقص، والولد يرقّ.

فإذا ارتفع ذلك الدم رَبَا الولد واعتدّت حين يرتفع عنها ذلك الدم عدّة الحمل تسعة أشهر, وما كان قبله فلا تعتدُّ به، هو هِرَاقةٌ، يبطل ذلك أجمع أكتع .

* * * وقوله: (وكل شيء عنده بمقدار) .

20201- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وكل شيء عنده بمقدار) إي والله, لقد حفظ عليهم رزقهم وآجالهم, وجعل لهم أجلا معلومًا .

-------------------------- الهوامش : (13) في المطبوعة والمخطوطة :" ما وصف" ، والصواب ما أثبت .

(14) انظر تفسير" الغيض" فيما سلف 15 : 334 ، وما بعدها .

(15) الأثر : 20163 -" يعقوب بن ماهان البغدادي" ، ثقة ، مضى برقم : 4901 ، 10339 ، 19908 .

و" القاسم بن مالك المزني" ، ثقة من شيوخ أحمد ، مضى برقم : 10339 .

(16) موضع الإشكال الذي شكك فيه أبو جعفر أن عثمان بن الأسود قال :" امرأتي رأت الدم" ، وذلك يعني الطمث ، وهي إذا رأت الدم لم تكن حاملا .

ثم قال :" وأرجو أن تكون حاملا" ، يوهم أنه من جل رؤية الدم ، رجا أن تكون حاملا .

ولكني أخالف أبا جعفر ، وأجعل" أرجو" بمعنى التحقيق لا بمعنى الرجاء ، كأنه قال :" امرأتي رأت الدم وهي حامل" ، وهم يضعون" أرجو" بهذا المكان من التحقيق في كثير من كلامهم .

هذا ، وبعض النساء ترى الدم وهي حامل في ميقات طمثها ، هكذا أخبرني النساء .

(17) الأثر : 20176 -" الحكم بن موسى بن أبي زهير البغدادي" ، ثقة ، روى عنه البخاري تعليقًا ومسلم .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 342 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 128 و" هقل" هو :" الهقل بن زياد بن عبد الله الدمشقي" ، كاتب الأوزاعي ، و" هقل" لقب ، قيل اسمه :" محمد" ، وقيل :" عبد الله" ، ثقة الثقات ، من أعلى أصحاب الأوزاعي .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 248 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 122 .

و" عثمان بن الأسود بن موسى المكي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .

(18) الآثار : 20185 ، 20187 ، 20188 -" الضحاك بن مزاحم" ، صاحب التفسير ، مضى مرارًا لا تحصى ، ولكن يزاد هنا هذا الخبر في ترجمته أنه قال عن نفسه أنه ولد لسنتين .

ثم انظر رقم : 20199 ، أنه ولد وقد نبتت ثناياه .

(19) " الغيضوضة" ، مصدر" غاض" ، لم تذكره كتب اللغة ، وهو حقيق أن يثبت فيها ، لأنه من كلام الحسن البصري ، وناهيك به فصيحًا وحجة في العربية .

(20) انظر تفسير" الغيب والشهادة" فيما سلف 11 : 464 ، 465 .

(21) انظر تفسير" الكبير" فيما سلف 8 : 318 .

(22) وانظر تفسير" التعالي" فيما سلف 15 : 47 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدارفيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى أي من ذكر وأنثى ، صبيح وقبيح ، صالح وطالح ; وقد تقدم في سورة " الأنعام " أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب وحده لا شريك [ ص: 250 ] له ; وذكرنا هناك حديث البخاري عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : مفاتيح الغيب خمس الحديث .

وفيه لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله .واختلف العلماء في تأويل قوله : وما تغيض الأرحام وما تزداد فقال قتادة : المعنى ما تسقط قبل التسعة الأشهر ، وما تزداد فوق التسعة ; وكذلك قال ابن عباس .

وقال مجاهد : إذا حاضت المرأة في حملها كان ذلك نقصانا في ولدها ; فإن زادت على التسعة كان تماما لما نقص ; وعنه : الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم ، والزيادة ما تزداد منه .

وقيل : الغيض والزيادة .

يرجعان إلى الولد ، كنقصان إصبع أو غيرها ، وزيادة إصبع أو غيرها .

وقيل : الغيض انقطاع دم الحيض .

" وما تزداد " بدم النفاس بعد الوضع .الثانية : في هذه الآية دليل على أن الحامل تحيض ; وهو مذهب مالك والشافعي في أحد قوليه .

وقال عطاء والشعبي وغيرهما : لا تحيض ; وبه قال أبو حنيفة ; ودليله الآية .

قال ابن عباس في تأويلها : إنه حيض الحبالى ، وكذلك روي عن عكرمة ومجاهد ; وهو قول عائشة ، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة ; والصحابة إذ ذاك متوافرون ، ولم ينكر منهم أحد عليها ، فصار كالإجماع ; قاله ابن القصار .

وذكر أن رجلين ، تنازعا ولدا ، فترافعا إلى عمر - رضي الله عنه - فعرضه على القافة ، فألحقه القافة بهما ، فعلاه عمر بالدرة ، وسأل نسوة من قريش فقال : انظرن ما شأن هذا الولد ؟

فقلن : إن الأول خلا بها وخلاها ، فحاضت على الحمل ، فظنت أن عدتها انقضت ; فدخل بها الثاني ، فانتعش الولد بماء الثاني ; فقال عمر : الله أكبر !

وألحقه بالأول ، ولم يقل إن الحامل لا تحيض ، ولا قال ذلك أحد من الصحابة ; فدل أنه إجماع ، والله أعلم .

واحتج المخالف بأن قال لو كانت الحامل تحيض ، وكان ما تراه المرأة من الدم حيضا لما صح استبراء الأمة بحيض ; وهو إجماع وروي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض .الثالثة : في هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر ، وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر ، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر .الرابعة : وهذه الستة الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة ; ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك ، وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها ; حكاه ابن عطية .[ ص: 251 ] الخامسة : واختلف العلماء في أكثر الحمل ; فروى ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت : يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحول ظل المغزل ; ذكره الدارقطني .

وقالت جميلة بنت سعد - أخت عبيد بن سعد ، وعن الليث بن سعد - إن أكثره ثلاث سنين .

وعن الشافعي أربع سنين ; وروي عن مالك في إحدى روايتيه ، والمشهور عنه خمس سنين ; وروي عنه لا حد له ، ولو زاد على العشرة الأعوام ; وهي الرواية الثالثة عنه .

وعن الزهري ست وسبع .

قال أبو عمر : ومن الصحابة من يجعله إلى سبع ; والشافعي : مدة الغاية منها أربع سنين .

والكوفيون يقولون : سنتان لا غير .

ومحمد بن عبد الحكم يقول : سنة لا أكثر .

وداود يقول : تسعة أشهر ، لا يكون عنده حمل أكثر منها .

قال أبو عمر : وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد ، والرد إلى ما عرف من أمر النساء وبالله التوفيق .

روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال : قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة أنها قالت : لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل ، فقال : سبحان الله !

من يقول هذا ؟

!

هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان ، تحمل وتضع في أربع سنين ، امرأة صدق ، وزوجها رجل صدق ; حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة ، تحمل كل بطن أربع سنين .

وذكره عن المبارك بن مجاهد قال : مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين ، وكانت تسمى حاملة الفيل .

وروى أيضا قال : بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال : يا أبا يحيى !

ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد ; فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال : ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء !

ثم قرأ ، ثم دعا ، ثم قال : اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة ، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب ، ورفع مالك يده ، ورفع الناس أيديهم ، وجاء الرسول إلى الرجل فقال : أدرك امرأتك ، فذهب الرجل ، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ، ابن أربع سنين ، قد استوت أسنانه ، ما قطعت سراره ; وروي أيضا أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين !

إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى ; فشاور عمر الناس في رجمها ، فقال معاذ بن جبل : يا أمير المؤمنين !

إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل ; فاتركها حتى تضع ، فتركها ، فوضعت غلاما قد خرجت ثنيتاه ; فعرف الرجل الشبه فقال : ابني ورب الكعبة !

; فقال [ ص: 252 ] عمر : عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ ; لولا معاذ لهلك عمر .

وقال الضحاك : وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين ، فولدتني وقد خرجت سني .

ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتين ، وقيل : ثلاث سنين .

ويقال : إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين ، فماتت به وهو يضطرب اضطرابا شديدا ، فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه .

وقال حماد بن سلمة : إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين .

وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين ، وقد طلعت سنه فسمي ضحاكا .

وقال عباد بن العوام : ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاما شعره إلى منكبيه ، فمر به طير فقال : كش .السادسة : قال ابن خويز منداد : أقل الحيض والنفاس وأكثره وأقل الحمل وأكثره مأخوذ من طريق الاجتهاد ; لأن علم ذلك استأثر الله به ، فلا يجوز أن يحكم في شيء منه إلا بقدر ما أظهره لنا ، ووجد ظاهرا في النساء نادرا أو معتادا ; ولما وجدنا امرأة قد حملت أربع سنين وخمس سنين حكمنا بذلك ، والنفاس والحيض لما لم نجد فيه أمرا مستقرأ رجعنا فيه إلى ما يوجد في النادر منهن .السابعة : قال ابن العربي : نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر الحمل تسعة أشهر ; وهذا ما لم ينطق به قط إلا مالكي ، وهم الطبائعيون الذين يزعمون أن مدبر الحمل في الرحم الكواكب السبعة ; تأخذه شهرا شهرا ، ويكون الشهر الرابع منها للشمس ; ولذلك يتحرك ويضطرب ، وإذا تكامل التداول في السبعة الأشهر بين الكواكب السبعة عاد في الشهر الثامن إلى زحل ، فيبقله ببرده ; فيا ليتني تمكنت من مناظرتهم أو مقاتلتهم !

ما بال المرجع بعد تمام الدور يكون إلى زحل دون غيره ؟

الله أخبركم بهذا أم على الله تفترون ؟

!

وإذا جاز أن يعود إلى اثنين منها لم لا يجوز أن يعود التدبير إلى ثلاث أو أربع ، أو يعود إلى جميعها مرتين أو ثلاثا ؟

!

ما هذا التحكم بالظنون الباطلة على الأمور الباطنة !

.الثامنة : قوله تعالى : وكل شيء عنده بمقدار يعني من النقصان والزيادة .

ويقال : بمقدار قدر خروج الولد من بطن أمه ، وقدر مكثه في بطنها إلى خروجه .

وقال قتادة : في الرزق والأجل .

والمقدار القدر ; وعموم الآية يتناول كل ذلك ، والله سبحانه أعلم .

[ ص: 253 ] قلت : هذه الآية تمدح الله سبحانه وتعالى بها بأنه عالم الغيب والشهادة

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى بعموم علمه وسعة اطلاعه وإحاطته بكل شيء فقال: { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى } من بني آدم وغيرهم، { وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ } أي: تنقص مما فيها إما أن يهلك الحمل أو يتضاءل أو يضمحل { وَمَا تَزْدَادُ } الأرحام وتكبر الأجنة التي فيها، { وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } لا يتقدم عليه ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى ) من ذكر أو أنثى ، سوي الخلق أو ناقص الخلق ، واحدا أو اثنين أو أكثر ( وما تغيض الأرحام ) أي ما تنقص ( وما تزداد ) .

قال أهل التفسير غيض الأرحام : الحيض على الحمل; فإذا حاضت الحامل كان نقصانا في الولد ، لأن دم الحيض غذاء الولد في الرحم ، فإذا أهرقت الدم ينقص الغذاء فينتقص الولد ، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتم ، فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم ، والزيادة تمام خلقته باستمساك الدم .

وقيل : إذا حاضت ينتقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر ظاهرا ، فإن رأت خمسة أيام دما وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام ، فالنقصان في الغذاء ، والزيادة في المدة .

وقال الحسن : غيضها : نقصانها من تسعة أشهر ، والزيادة زيادتها على تسعة أشهر .

وقيل النقصان : السقط ، والزيادة : تمام الخلق .

وأقل مدة الحمل : ستة أشهر ، فقد يولد المولود لهذه المدة ويعيش .

واختلفوا في أكثرها : فقال قوم : أكثرها سنتان ، وهو قول عائشة رضي الله عنها ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله .

وذهب جماعة إلى أن أكثرها أربع سنين ، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله ، قال حماد بن سلمة .

إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين .

( وكل شيء عنده بمقدار ) أي : بتقدير وحد لا يجاوزه ولا يقصر عنه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله يعلم ما تحمل كل أنثى» من ذكر وأنثى وواحد ومتعدد وغير ذلك «وما تغيض» تنقص «الأرحام» من مدة الحمل «وما تزداد» منه «وكل شيء عنده بمقدار» بقدر وحدٍّ لا يتجاوزه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله تعالى يعلم ما تحمل كلُّ أنثى في بطنها، أذكر هو أم أنثى؟

وشقي هو أم سعيد؟

ويعلم ما تنقصه الأرحام، فيسقط أو يولد قبل تسعة أشهر، وما يزيد حمله عليها.

وكل شيء مقدَّر عند الله بمقدار من النقصان أو الزيادة لا يتجاوزه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صور - سبحانه - سبعة علمه تصويراً عميقاً ، تقشعر منه الجلود ، وترتجف له المشاعر ، وساق سنة من سننه التى لا تتغيير ولا تتبدل ، فقال - تعالى - :( لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ .

.

.

) .قوله - سبحانه - ( الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ) كلام مستأنف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه - .( وتغيض ) من الغيض النقص .

يقال : غاض الماء إذا نقص .و ( ما ) موصولة والعائد محذوف .

أى : الله وحده هو الذى يعلم ما تحمله كل أنثى فى بطنها من علقة أو مضغة ومن ذكر أو أنثى .

.

.

وهو وحده - سبحانه - الذى يعلم ما يكون فى داخل الأرحام من نقص فى الخلقة أو زيادة فيها ، ومن نقص فى مدة الحمل أو زيادة فيها ، ومن نقص فى العدد أو زيادة فيه .

.

.قال ابن كثير : " قوله ( وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ) قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن المنذر .

حدثنا معن ، حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتيح الغيب خمس لا يعملها إلا الله : لا يعلم ما فى غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله ، ولا تدري نفس بأى أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " .وقال العوفى عن ابن عباس ( وَمَا تَغِيضُ الأرحام ) يعنى السقط ( وَمَا تَزْدَادُ ) .يقول : ما زادت الرحم فى الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما .

وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهم من تزيد فى الحمل ومنهن من تنقص .

فذلك الغيض والزيادة التى ذكر الله - تعالى - وكل ذلك بعلمه - سبحانه- .وقوله : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) أى : وكل شئ عنده - سبحانه - بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كما قال - تعالى - ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) وكما قال - تعالى - ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) فهو - سبحانه - يعلم كمية كل شئ وكيفيته وزمانه ومكانه وسائر أحواله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر أولاً، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانياً، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة ثالثاً، وهو المذكور في هذه الآية.

واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزة ألبتة، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة والسلام سوى القرآن.

قالوا: إن هذا الكلام، إنما يصح إذا طعنوا في كون القرآن معجزاً، مع أنه ما ظهر عليه نوع آخر من المعجزات، لأن بتقدير أن يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات لامتنع أن يقولوا: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له معجز سوى القرآن.

واعلم أن الجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوا منه صلى الله عليه وسلم كحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه الأمور: مثل فلق البحر بالعصا، وقلب العصا ثعباناً.

فإن قيل: فما السبب في أن الله تعالى منعهم وما أعطاهم؟

قلنا إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكماً وظهور القرآن معجزة، فما كان مع ذلك حاجة إلى سائر المعجزات، وأيضاً فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات الملتمسة، وكانوا يصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب الاستئصال، فلهذا السبب ما أعطاهم الله تعالى مطلوبهم، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ  ﴾ بين أنه لم يعطهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به، وأيضاً ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له.

وهو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر، فطلب منه معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام، وأنه باطل.

الوجه الثاني: وفي الجواب لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات.

ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اتفق القراء على التنوين في قوله: ﴿ هَادٍ ﴾ وحذف الياء في الوصل، واختلفوا في الوقف، فقرأ ابن كثير: بالوقف على الياء، والباقون: بغير الياء، وهو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف.

المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية وجوه: الأول: المراد أن الرسول عليه السلام منذر لقومه مبين لهم، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع، وأنه تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ولما كان الغالب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان وهو فصاحة القرآن فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى فهذا هو الذي قرره القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظماً.

والوجه الثاني: وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزاً فلا يضيق قلبك بسببه إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في صدورهم ولست بقادر عليهم ولكل قوم هاد، قادر على هدايتهم بالتخليق وهو الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار، وأما الهداية فمن الله تعالى.

واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا هاهنا أقوالاً: الأول: المنذر والهادي شيء واحد والتقدير: إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة كل واحد منهم غير معجزة الآخر.

الثاني: المنذر محمد صلى الله عليه وسلم والهادي هو الله تعالى روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك.

والثالث: المنذر النبي.

والهادي علي.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: أنا المنذر ثم أومأ إلى منكب علي رضي الله عنه وقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عناداً، فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى، من انقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل أرسلت منذراً ومخوّفاً لهم من سوء العاقبة.

وناصحاً كغيرك من الرسل، وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت، والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوة بها لا تفاوت بينها، والذي عنده كل شيء بمقدار يعطي كل نبي آية على حسب ما اقتضاه علمه بالمصالح وتقديره لها ﴿ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ من الأنبياء يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية، وبآية خص بها، ولم يجعل الأنبياء شرعاً واحداً في آيات مخصوصة.

ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آيات ويعاندون، فلا يهمنك ذلك، إنما أنت منذر، فما عليك إلا أن تنذر لا أن تثبت الإيمان في صدورهم، ولست بقادر عليه، ولكل قوم هاد قادر على هدايتهم بالإلجاء، وهو الله تعالى.

ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضاء حكمته أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره: أمر مدبر بالعلم النافذ مقدّر بالحكمة الربانية، ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيراً ومصلحة، لأجابهم إليه.

وأما على الوجه الثاني، فقد دل به على أن من هذه قدرته وهذا علمه، هو القادر وحده على هدايتهم، العالم بأي طريق يهديهم، ولا سبيل إلى ذلك لغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ أيْ حَمْلَها أوْ ما تَحْمِلُهُ عَلى أيِّ حالٍ هو مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ.

﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ وما تُنْقِصُهُ وما تَزْدادُهُ في الجِنَّةِ والمُدَّةِ والعَدَدِ، وأقْصى مُدَّةُ الحَمْلِ أرْبَعُ سِنِينَ عِنْدَنا وخَمْسٌ عِنْدَ مالِكٍ وسَنَتانِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ.

رُوِيَ أنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ وهَرَمَ بْنَ حَيّانَ لِأرْبَعِ سِنِينَ وأعْلى عَدَدِهِ لا حَدَّ لَهُ.

وَقِيلَ نِهايَةُ ما عُرِفَ بِهِ أرْبَعَةٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أخْبَرَنِي شَيْخٌ بِاليَمَنِ أنَّ امْرَأتَهُ ولَدَتْ بُطُونًا في كُلِّ بَطْنٍ خَمْسَةٌ.

وقِيلَ المُرادُ نُقْصانُ دَمِ الحَيْضِ وازْدِيادُهُ، وغاضَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا وكَذا ازْدادَ قالَ تَعالى: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ فَإنْ جَعَلْتَهُما لازِمَيْنِ تَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.

وإسْنادُهُما إلى الأرْحامِ عَلى المَجازِ فَإنَّهُما لِلَّهِ تَعالى أوْ لِما فِيها.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ بِقَدْرٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَإنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ حادِثٍ بِوَقْتٍ وحالٍ مُعَيَّنَيْنِ، وهَيَّأ لَهُ أسْبابًا مَسُوقَةً إلَيْهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ هادٍ ﴾ و ﴿ والٍ ﴾ و و ﴿ واقٍ ﴾ ﴿ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ﴾ بِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ فَإذا وقَفَ وقَفَ بِالياءِ في هَذِهِ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ حَيْثُ وقَعَتْ لا غَيْرَ، والباقُونَ يَصِلُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِغَيْرِ ياءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ} ما في هذه المواضع الثلاثة موصولة أي يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وتمام وخداج وحسن وقبح وطول وقصر وغير ذلك وما تغيضه الأرحام أي ويعلم ما تنقصه يقال غاض الماء وغضته أنا وما تزداده والمراد عدد الولد فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثا وأربعة أو جسد الولد فإنه يكون تاماً ومخدجاً أو مدة الولادة فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عندنا وإلى أربع عند الشافعي وإلى خمس عند مالك أو مصدرية اي يعلم حمل كل أثنى ويعلم غيض الأرحام وازديادها {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بمقدار} بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه لقوله إِنَّا كُلَّ شَيْء خلقناه بقدر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن يَقُولُ: لِماذا لَمْ يُجابُوا إلى المُقْتَرَحِ فَتَنْقَطِعُ حُجَّتُهم ولَعَلَّهم يَهْتَدُونَ بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُدَبَّرٍ بِبالِغِ العِلْمِ ونافِذِ القُدْرَةِ لا عَنِ الجُزافِ واتِّباعِ آرائِهِمُ السِّخافِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالهادِي هو اللَّهُ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ فالتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الآياتِ عِنادًا لِكُفْرِهِمُ النّاشِئِ عَنِ التَّقْلِيدِ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا الآياتِ قِيلَ: إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ هادٍ مُثْبِتٌ لِلْأيْمانِ في صُدُورِهِمْ صادٌّ لَهم عَنْ جُحُودِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وهو سُبْحانَهُ القادِرُ عَلَيْهِ وعَلى هَذا قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو اللَّهُ ويَكُونُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِهادٍ و ﴿ يَعْلَمُ ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِاسْتِقْلالِهِ تَعالى بِالهِدايَةِ كالعِلَّةِ لِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ مُقَرِّرَةً ويَكُونُ مِن بابِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ كَأنَّهُ هو تَعالى يَعْلَمُ أيْ ذَلِكَ الهادِيَ والأوَّلُ بَعِيدٌ جِدًّا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وأبِي الضُّحى أنَّ المُنْذِرَ والهادِيَ هو رَسُولُ اللَّهِ  ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ﴿ هادٍ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ مُنْذِرٌ ﴾ و( لِكُلِّ قَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ  وشُمُولِ دَعَوْتِهِ وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ والنَّحْوِيُّونَ في جَوازِهِ مُخْتَلِفُونَ وقَدْ يُجْعَلُ ﴿ هادٍ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ وهو هادٍ أوْ وأنْتَ هادٍ وعَلى الأوَّلِ فِيهِ التِفاتٌ وقالَ أبُو العالِيَةِ: الهادِي العَمَلُ وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو السّابِقُ إلى الهُدى ﴿ ولِكُلِّ قَوْمٍ ﴾ سابِقٌ سَبَقَهم إلى الهُدى قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا يَرْجِعُ إلى أنَّ الهادِيَ هو النَّبِيُّ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْبِقُ إلى ذَلِكَ وعَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ والكُلُّ كَما تَرى وقالَتِ الشِّيعَةُ: إنَّهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ورَوَوْا في ذَلِكَ أخْبارًا وذَكَرَ ذَلِكَ القُشَيْرِيُّ مِنّا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ الآيَةَ وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: أنا المُنْذِرُ وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي» وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ عَساكِرَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُنْذِرُ وأنا الهادِي وفي لَفْظٍ والهادِي رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ يَعْنِي نَفْسَهُ.

واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الشِّيعَةُ عَلى خِلافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  بِلا فَصْلٍ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الخَبَرِ وتَصْحِيحُ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ عَلى أنَّ قُصارى ما فِيهِ كَوْنُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِهِ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي إلّا إثْباتَ مَرْتَبَةِ الإرْشادِ وهو أمْرٌ والخِلافَةُ الَّتِي نَقُولُ بِها أمْرٌ لا تَلازُمَ بَيْنَهُما عِنْدَنا.

وقالَ بَعْضُهم: إنْ صَحَّ الخَبَرُ يَلْزَمُ القَوْلُ بِصِحَّةِ خِلافَةِ الثَّلاثَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَيْثُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى الحَقِّ فِيما يَأْتِي ويَذَرُ وأنَّهُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ وهو قَدْ بايَعَ أُولَئِكَ الخُلَفاءَ طَوْعًا ومَدَحَهم وأثْنى عَلَيْهِمْ خَيْرًا ولَمْ يَطْعَنْ في خِلافَتِهِمْ فَيَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِهِ والجَرْيُ عَلى سَنَنِهِ في ذَلِكَ ودُونَ إثْباتِ خِلافِ ما أظْهَرَ خَرْطُ القَتادِ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ  عَلى فَرْضٍ مِن صِحَّةِ الرِّوايَةِ إنَّما جَعَلَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِثالًا مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ وهُداتِها إلى الدِّينِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: يا عَلِيُّ هَذا وصْفُكَ فَيَدْخُلُ الخُلَفاءُ الثَّلاثُ وسائِرُ عُلَماءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَلْ وسائِرُ عُلَماءِ الأُمَّةِ وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ في القَدِيمِ والحَدِيثِ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى هُداةٌ دُعاةٌ إلى الخَيْرِ.

اهَـ.

وظاهِرُهُ أنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى الحَصْرِ الحَقِيقِيِّ وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِكَثْرَةِ مَن يُهْتَدى بِهِ ويُؤَيِّدُ عَدَمَ الحَصْرِ ما جاءَ عِنْدَنا مِن قَوْلِهِ  : «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ» وأخْبارٌ أُخَرُ مُتَضَمِّنَةٌ لِإثْباتِ مَن يُهْتَدى بِهِ غَيْرَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأنا أظُنُّكَ لا تَلْتَفِتُ إلى التَّأْوِيلِ ولا تَعْبَأُ بِما قِيلَ وتَكْتَفِي بِمَنعِ صِحَّةِ الخَبَرِ وتَقُولُ لَيْسَ في الآيَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَيْنُ ولا أثَرُ هَذا و( ما ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى مِن أيِّ الإناثِ كانَتْ والحَمْلُ عَلى هَذا بِمَعْنى المَحْمُولِ وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي تَحْمِلُهُ في بَطْنِها مِن حِينِ العُلُوقِ إلى زَمَنِ الوِلادَةِ بَعْدَ تَكامُلِ الخَلْقِ فَقَطْ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً و ﴿ يَعْلَمُ ﴾ قِيلَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ فَهي عِرْفانِيَّةٌ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ المَعْرِفَةَ لا يَصِحُّ اسْتِعْمالُها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهو ناشِئٌ مِن عَدَمِ المَعْرِفَةِ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُعَلَّقَةً لِيَعْلَمَ وهي مُبْتَدَأٌ أوْ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ أيْ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ تَحْمِلُ وعَلى أيِّ حالٍ هو مَنِ الأحْوال المُتَوارِدَةِ عَلَيْهِ طَوْرًا فَطَوْرًا ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافَ الظّاهِرِ المُتَبادَرِ وكَما جُوِّزَ في ( ما ) هَذِهِ هَذِهِ الأوْجُهُ جُوِّزَتْ في بَعْدِها أيْضًا ووَجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها قَدْ عَلِمَ مِمّا سَبَقَ وقِيلَ: وجْهُها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وكانَ مِن شُبَهِهِمْ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ واخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ بِحَيْثُ لا يَتَهَيَّأُ الِامْتِيازُ بَيْنَها نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ إزاحَةً لَشُبْهَتِهِمْ وقِيلَ: وجْهُها أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا بِالسَّيِّئَةِ نَبَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى لِيُفِيدَ أنَّهُ جَلَّتْ حِكْمَتُهُ إنَّما يُنَزِّلُ العَذابَ حَسْبَما يَعْلَمُ مِنَ المَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ وفي مُصْحَفِأُبَيٍّ ومَرَّ ما قِيلَ في نَظِيرِهِ ( ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَضَعُ ) .

﴿ وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ أيْ ما تَنْقُصُهُ وما تَزْدادُهُ في الجُثَّةِ كالخَدِيجِ والتّامِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي المُدَّةِ كالمَوْلُودِ في أقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ والمَوْلُودِ في أكْثَرِها وفِيما بَيْنَهُما وهو رِوايَةٌ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ قِيلَ: إنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ وإنَّ هَرَمَ بْنَ حَيّانَ لِأرْبَعٍ ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ هَرَمًا وإلى كَوْنِ أقْصى مُدَّةِ الحَمْلِ أرْبَعَ سِنِينَ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ وعِنْدَ مالِكٍ أقْصاها خَمْسٌ وعِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أقْصاها سَنَتانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْها لا يَكُونُ الحَمْلُ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ قَدْرَ ما تَتَحَرَّكُ فَلَكَةُ مِغْزَلٍ وفي العَدَدِ كالواحِدِ فَما فَوْقَ قِيلَ: ونِهايَةُ ما عُرِفَ أرْبَعَةٌ فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي نُمَيْرٍ القُرَشِيِّ كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ وهو الَّذِي وقَفَ عَلَيْهِ إمامُنا الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: أخْبَرَنِي شَيْخٌ بِاليَمَنِ أنَّ امْرَأتَهُ ولَدَتْ بُطُونًا في كُلِّ بَطْنٍ خَمْسَةٌ وهَذا مِنَ النَّوادِرِ وقَدِ اتَّفَقَ مِثْلُهُ لَكِنَّ ما زادَ عَلى اثْنَيْنِ لِضَعْفِهِ لا يَعِيشُ إلّا نادِرًا.

وما يُحْكى أنَّهُ وُلِدَ لِبَعْضِهِمْ أرْبَعُونَ في بَطْنٍ واحِدَةٍ كُلٌّ مِنهم مِثْلُ الإصْبَعِ وأنَّهم عاشُوا كُلُّهم فالظّاهِرُ أنَّهُ كَذِبٌ وقِيلَ: المُرادُ نُقْصانُ دَمِ الحَيْضِ وازْدِيادُهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ وفِيهِ جَعْلُ الدَّمِ في الرَّحِمِ كالماءِ في الأرْضِ يَغِيضُ تارَةً ويَظْهَرُ أُخْرى وغاضَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا كَنَقَصَ وكَذا ازْدادَ وهو مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ فَإنْ جَعَلْتَهُما لازِمَيْنِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً لِعَدَمِ العائِدِ وإسْنادُ الفِعْلَيْنِ كَيْفَما كانا إلى الأرْحامِ فَإنَّهُما عَلى اللُّزُومِ لِما فِيها وعَلى التَّعَدِّي لِلَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿ عِنْدَهُ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ .

(8) .

بِقَدْرٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَإنَّ كُلَّ حادِثٍ مِنَ الأعْراضِ والجَواهِرِ لَهُ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبَ التَّكْوِينِ ومَبادِيها وقْتٌ مُعَيَّنٌ وحالٌ مَخْصُوصٌ لا يَكادُ يُجاوِزُهُ ولَعَلَّ حالَ المَعْدُومِ مَعْلُومٌ بِالدَّلالَةِ إذا قُلْنا: إنَّ الشَّيْءَ هو المَوْجُودُ و( عِنْدَ ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ أوْ لِكُلٍّ و ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ خَبَرُ ( كُلُّ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مِقْدارٍ وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ لَكِنَّهُ لَمّا قُدِّمَ أُعْرِبَ حالًا وفاءً بِالقاعِدَةِ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ الحُضُورُ العِلْمِيُّ بَلِ العِلْمُ الحُضُورِيُّ عَلى ما قِيلَ فَإنَّ تَحَقُّقَ الأشْياءِ في أنْفُسِها في أيِّ مَرْتَبَةٍ كانَتْ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ والِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى وقِيلَ: مَعْنى ( عِنْدَهُ ) في <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل على محمد  علامة من ربه لنبوته.

قال الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يعني: مخوفا ومبلغا لهذه الأمة الرسالة وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال الكلبي: داعٍ يدعوهم إلى الضلالة، أو إلى الحق.

وقال الضحاك: يعني: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وأنا الهادي.

وقال سعيد بن جبير الهادي هو الله.

وقال عكرمة: محمد  هو النذير، وهو الهادي.

يعني: يدعوهم إلى الهدى.

وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وقال مجاهد: يعني: لكل قوم نبي.

قرأ ابن كثير: هَادِيَ بالياء عند الوقف، وكذلك قوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد: 37] وقرأ الباقون: بغير ياء.

قوله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ذكراً أو أُنثى، وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام سوياً أو غير سوي.

ثم قال: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل وَما تَزْدادُ يعني: على التسعة أشهر في ذلك الحمل وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ قال قتادة: «رزقهم وأجلهم» ، وقال ابن عباس: «من الزيادة، والنقصان، والمكث في البطن، والخروج، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى، فلا يزيد ولا ينقص على ذلك» .

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: «الحامل إن ترى الدم نقص من الولد، وإن لم تر الدم يزيد في الولد» .

وروى أسباط عن السدي قال: «إن المرأة إذا حملت واحتبس حيضها، كان ذلك الدم رزقاً للولد.

فإذا حاضت على ولدها خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه» وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وهي الحيضة التي على الولد، وَما تَزْدادُ.

فحين يستمسك الدم، فلا تحيض وهي حبلى.

قال الفقيه: هذا الذي قال السدي، إن الحامل تحيض، إنما هو على سبيل المجاز، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً.

ولكن معناه: إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن خزيمة.

قال: حدثنا عليّ.

قال: حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر  يقول: قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحد إلا الله، ولا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ الساعة إلا الله تعالى» (١) (١) حديث ابن عمر: أخرجه البخاري (4697) (4778) و (3739) وأحمد: 2/ 24، 52 والبغوي (1170) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، المعنى: وإِن تعجبْ، يا محمَّد، مِنْ جهالتهم وإِعراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فهم أهْلٌ لذلك، وَعَجَبٌ غريبٌ قولُهم: أنعود بعد كوننا تراباً، خلقاً جديداً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ لتصميمهم على الجُحُود وإِنكارهم للبَعْث، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ: أي: في الآخرة، ويحتملُ أنْ يكون خبراً عن كونهم مغلَّلين عن الإِيمان كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس: ٨] .

وقوله سبحانه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ...

الآية: تبيينٌ لِخَطَئِهِمْ كطلبهم سقوطَ كِسَفٍ من السماء، وقولِهِمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال:

٣٢] ونحو هذا مع نزول ذلك بأناسٍ كثيرٍ، وقرأ الجمهور «١» : الْمَثُلاتُ- بفتح الميم وضم الثاء-، وقرأ مجاهد «٢» «المثلات» - بفتح الميم والثاء- أي: الأخذة الفَذَّة بالعقوبة، ثم رجَّى سبحانه بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، ثم خوَّف بقوله:

وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ: قال ابن المسيِّب: لما نَزِلَتْ هذه الآية، قال رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم:

«لَوْلاَ عَفْوُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ مَا تَهَنَّأَ أَحَدٌ عَيْشاً، وَلَوْلاَ عِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلَّ أَحَدٍ» «٣» ، وقال ابن عبَّاس: ليس في القرآن أَرجَى من هذه الآية «٤» : والْمَثُلاتُ: هي العقوباتُ المنكِّلات التي تجعل الإِنسان مثلاً يُتَمَثَّلُ به ومنه التمثيلُ بالقَتْلى ومنه: المُثْلَةُ بالعبيد.

ويقولون: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ: هذه من اقتراحاتهم، / والآية هنا يرادُ بها الأشياءُ التي سمَّتها قريشٌ كالمُلْكِ، والكَنْزِ، وغيرِ ذلك، ثم أخبر تعالى بأنه منذر وهاد، قال عكرمةُ، وأبو الضُّحَى: المرادُ ب «الهادي» محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٥» ف «هاد» عطف على «منذر»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعْجَبْ ﴾ أيْ: مِن تَكْذِيبِهِمْ وعِبادَتِهِمْ مالا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ بَعْدَما رَأوْا مِن تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِ الأشْياءِ، فَإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَوْضِعُ عَجَبٍ.

وقِيلَ: المَعْنى وإنْ تَعْجَبْ بِما وقَفْتَ عَلَيْهِ مِنَ القِطَعِ المُتَجاوِراتِ وقُدْرَةِ رَبِّكَ في ذَلِكَ، فَعَجَبٌ جَحَدُهُمُ البَعْثَ، لِأنَّهُ قَدْ بانَ لَهم مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَعْثَ أسْهَلُ في القُدْرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " آيِذا كُنّا تُرابًا آيِنّا " جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو يَمُدُّ الهَمْزَةَ ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ.

وقَرَأ نافِعٌ " آيِذا " مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، واخْتُلِفَ عَنْهُ في المَدِّ، وقَرَأ " إنّا لَفي خَلْقٍ " مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ " أإذا كُنّا " " أإنّا " بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إذا كُنّا تُرابًا " مَكْسُورَةَ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، " آإنّا " يَهْمِزُ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ عَلى وزْنِ: عاعِنّا.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أيْضًا " أإذا " بِهَمْزَتَيْنِ لا ألِفَ بَيْنَهُما.

والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أغْلالُ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّها الأعْمالُ الَّتِي هي أغْلالٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ آيَةُ تَوْبِيخٍ لِلْكَفَرَةِ، أيْ: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ فَهم أهْلٌ لِذَلِكَ، وعَجَبٌ وغَرِيبٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْلُهُمْ: "أنَعُودُ بَعْدَ كَوْنِنا تُرابًا خَلْقًا جَدِيدًا"؟

ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ مَنزَعًا آخَرَ، أيْ: وإنْ كُنْتَ تَزِيدُ عَجَبًا فَهَلُمَّ فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ قَوْلُهم.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ -فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أئِذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ" جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو مَدَّ الهَمْزَةَ ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ.

وقَرَأ نافِعٌ: "أيْذا كُنّا تُرابًا" مِثْلَ أبِي عَمْرٍو واخْتَلَفَ عنهُ في المَدِّ، وقَرَأ: "إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ" مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في اكْتِفائِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ عَنِ الثانِي، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ هَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: "أئِذا كُنّا تُرابًا أإنّا" بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إذا كُنّا تُرابًا" مَكْسُورَةَ الألْفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ "آئِنًا" بِهَمْزٍ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ.

فَمَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامَيْنِ فَذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ والتَحَفِّي والِاهْتِبالِ بِهَذا التَقْدِيرِ، ومَنِ اسْتَفْهَمَ في الأوَّلِ فَقَطْ فَإنَّما القَصْدُ بِالِاسْتِفْهامِ المَوْضِعُ الثانِي، و"إذا" ظَرْفٌ لَهُ، و"إذا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ إذا؟

ومَنِ اسْتَفْهَمَ في الثانِي فَقَطْ فَهو بَيِّنٌ، والإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ" إلى القَوْمِ القائِلِينَ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ ، وتِلْكَ المَقالَةُ إنَّما هي تَقْرِيرُ مُصَمِّمٍ عَلى الجَحْدِ والإنْكارِ لِلْبَعْثِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الحَقِيقَةُ وأنَّهُ أخْبَرَ عن كَوْنِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ في الآخِرَةِ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ  ﴾ ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا وأنَّهُ أخْبَرَ عن كَوْنِهِمْ مُغَلَّلِينَ عَنِ الإيمانِ، فَهي إذًا تَجْرِي مَجْرى الطَبْعِ والخَتْمِ عَلى القُلُوبِ، وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ، فَهم مُقْمَحُونَ  ﴾ ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: الأغْلالُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الأعْمالِ، أيْ: أعْمالُهُمُ الفاسِدَةُ في أعْناقِهِمْ كالأغْلالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْرِيرُ هَذا هو في التَأْوِيلِ الثانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ الآيَةَ، هَذِهِ آيَةُ تَبْيِّينٍ لِخَطَئِهِمْ في أنْ يَتَمَنَّوُا المَصائِبَ ويَطْلُبُوا سُقُوطَ كِسَفٍ مِنَ السَماءِ أو حِجارَةٍ تُمْطَرُ عَلَيْهِمْ ونَحْوَ هَذا مَعَ خُلُوِّ ذَلِكَ في الأُمَمِ ونُزُولِهِ بِأُناسٍ كَثِيرٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ لَكانَ لَهُمُ العُذْرُ.

و"المَثُلاتُ" جَمْعُ مَثُلَةٍ كَسَمُرَةٍ وسَمُراتٍ وصَدَقَةٍ وصَدَقاتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَثُلاتُ" بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الثاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ، وذَلِكَ جَمْعُ مَثَلَةٍ فِي الآخِرَةِ بِمَعْنى العِدَةِ بِالعُقُوبَةِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "المُثُلاتُ" بِضَمِّ المِيمِ والثاءِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابَ: "المُثْلاتُ" بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثاءِ، وهاتانِ جَمْعُ مُثْلَةٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "المَثْلاتُ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثاءِ.

ثُمَّ رَجّى تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ .

قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: إذا تابُوا، و"شَدِيدُ العِقابِ" إذا كَفَرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن مَعْنى المَغْفِرَةِ هُنا إنَّما هُوَ: سِتْرُهُ في الدُنْيا وإمْهالُهُ لِلْكَفَرَةِ، ألا تَرى التَيْسِيرَ في لَفْظِ "مَغْفِرَةٍ"، وأنَّها مُنَكَرَّةٌ مُقَلَّلَةٌ، ولَيْسَ فِيها مُبالَغَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ  ﴾ ، ونَمَطُ الآيَةِ يُعْطِي هَذا، ألا تَرى حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ بِالنارِ؟

ثُمَّ قالَ: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ"، فَلَمّا ظَهَرَ سُوءُ فِعْلِهِمْ وجَبَ في نَفْسِ السامِعِ تَعْذِيبُهم فَأخْبَرَ بِسِيرَتِهِ في الأُمَمِ وأنَّهُ يُمْهِلُ مَعَ ظُلْمِ الكُفْرِ؟

ولَمْ يَرِدْ في الشَرْعِ أنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ ظُلْمَ العِبادِ.

ثُمَّ خَوَّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لَوْلا عَفْوُ اللهِ ومَغْفِرَتُهُ لَما تَمَنّى أحَدٌ عَيْشًا، ولَوْلا عِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لَيْسَ في القُرْآنِ أرْجى مِن هَذِهِ الآيَةِ"، و"المَثُلاتُ" هي العُقُوباتُ المُنَكِّلاتُ الَّتِي تَجْعَلُ الإنْسانَ مَثَلًا يُتَمَثَّلُ بِهِ، ومِنهُ التَمْثِيلُ بِالقَتْلى، ومِنهُ المُثْلَةُ بِالعَبِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ آيَةُ غَضٍّ مِنِ اقْتِراحاتِهِمُ المُتَشَطِّطَةِ الَّتِي لَمْ يُجْرِ اللهُ بِهِ عادَةً إلّا لِلْأُمَّةِ الَّتِي حَتَّمَ بِعَذابِها واسْتِئْصالِها، والآيَةُ هُنا- يُرادُ بِها الأشْياءُ الَّتِي سَمَّتْها قُرَيْشٌ كالمَلَكِ والكَنْزِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنْذِرٌ، وهَذا الخَبَرُ قُصِدَ هو بِلَفْظِهِ والناسُ أجْمَعُونَ بِمَعْناهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُحى: المُرادُ بِالهادِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

و"هادٍ" عَطْفٌ عَلى "مُنْذِرٌ" كَأنَّهُ قالَ: "إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ"، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى يَجْرِي مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ"،» "وَهادٍ" -عَلى هَذا في هَذِهِ الآيَةِ- داعٍ إلى طَرِيقِ الهُدى.

وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: "إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، ولِكُلِّ أُمَّةٍ سَلَفَتْ هادٍ، أيْ نَبِيٌّ يَدْعُوهُمْ، والمَقْصِدُ: فَلَيْسَ أمْرُكَ يا مُحَمَّدُ بِبِدْعٍ ولا مُنْكَرٍ"، وهَذا يُشْبِهُ غَرَضَ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الهادِي -فِي هَذِهِ الآيَةِ- اللهُ عَزَّ وجَلَّ"، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.

و"هادٍ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: مُخْتَرِعٌ لِلرَّشادِ، تُطْلَقُ بِهَذا المَعْنى، ويُعْرَفُ أنَّ اللهَ تَعالى هو الهادِي مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الهادِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "، ورَدَتْ «عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وعَلِيٌّ حاضِرٌ فَأومَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ وقالَ: ("أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ، بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُشْبِهُهُ -إنَّ صَحَّ هَذا- أنَّ النَبِيَّ  إنَّما جَعَلَ عَلِيًّا مِثالًا مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ وَهُداتِها إلى الدِينِ، كَأنَّهُ قالَ: يا عَلِيُّ أنْتَ وصِنْفُكَ، فَيَدْخُلُ في هَذا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وسائِرُ عُلَماءِ الصَحابَةِ عَلَيْهِمْ رِضْوانُ اللهِ أجْمَعِينَ -ثُمَّ كَذَلِكَ مِن كُلِّ عَصْرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى -عَلى هَذا-: إنَّما أنْتَ يا مُحَمَّدُ مُنْذِرٌ، ولِكُلِّ قَوْمٍ في القَدِيمِ والحَدِيثِ رُعاةٌ وهُداةٌ إلى الخَيْرِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ ما تُؤُوِّلُ في الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ الآية.

وهذه حالة من أعجوباتهم وهي عدم اعتدادهم بالآيات التي تأيّد بها محمّد صلى الله عليه وسلم وأعظمها آيات القرآن، فلا يزالون يسألون آية كما يقترحونها، فله اتصال بجملة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ [هود: 17].

ومرادهم بالآية في هذا خارق عادة على حساب ما يقترحون، فهي مخالفة لما تقدم في قوله: ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } لأن تلك في تعجيل ما توعدهم به، وما هنا في مجيء آية تؤيده كقولهم: ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ [الأنعام: 8].

ولكون اقتراحهم آية يُشفّ عن إحالتهم حصولها لجهلهم بعظيم قدرة الله تعالى سيق هذا في عداد نتائج عظيم القدرة، كما دل عليه قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ [الأنعام: 36] فبذلك انتظم تفرع الجمل بعضها على بعض وتفرع جميعها على الغرض الأصلي.

والذين كفروا هم عين أصحاب ضمير يستعجلونك}، وإنما عدل عن ضميرهم إلى اسم الموصول لزيادة تسجيل الكفر عليهم، ولما يومئ إليه الموصول من تعليل صدور قولهم ذلك.

وصيغة المضارع تدل على تجدد ذلك وتكرره.

و ﴿ لولا ﴾ حرف تحضيض.

يموهون بالتحضيض أنهم حريصون وراغبون في نزول آية غير القرآن ليؤمنوا، وهم كاذبون في ذلك إذ لو أوتوا آية كما يقترحون لكفروا بها، كما قال تعالى: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ [الإسراء: 59].

وقد رد الله اقتراحهم من أصله بقوله: إنما أنت منذر}، فقصر النبي صلى الله عليه وسلم على صفة الإنذار وهو قصر إضافي، أي أنت منذر لا مُوجد خوارق عادٍ.

وبهذا يظهر وجه قصره على الإنذار دون البشارة لأنه قصر إضافي بالنسبة لأحواله نحو المشركين.

وجملة ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ تذييل بالأعم، أي إنما أنت منذر لهؤلاء لهدايتهم، ولكل قوم هاد أرسله الله ينذرهم لعلهم يهتدون، فما كنت بِدعاً من الرسل وما كان للرسل من قبلك آيات على مقترح أقوامهم بل كانت آياتهم بحسب ما أراد الله أن يظهر على أيديهم.

على أن معجزات الرسل تأتي على حسب ما يلائم حال المرسل إليهم.

ولما كان الذين ظهرت بينهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم عرباً أهل فصاحة وبلاغة جعل الله معجزته العظمى القرآن بلسان عربي مبين.

وإلى هذا المعنى يشير قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح؛ «ما من الأنبياء نبيء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيتُ وحَيْا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة».

وبهذا العموم الحاصل بالتذييل والشامل للرسول عليه الصلاة والسلام صار المعنى إنما أنت منذر لقومك هادٍ إياهم إلى الحق، فإن الإنذار والهدي متلازمان فما من إنذار إلاّ وهو هداية وما من هداية إلا وفيها إنذار، والهداية أعمّ من الإنذار ففي هذا احتباك بديع.

وقرأ الجمهور ﴿ هادٍ ﴾ بدون ياء في آخره في حالتي الوصل والوقف.

أما في الوصل فلالتقاء الساكنين سكون الياء وسكون التنوين الذي يجب النطق به في حالة الوصل، وأما في حالة الوقف فتبعا لحالة الوصل، وهو لغة فصيحة وفيه متابعة رسم المصحف.

وقرأه ابن كثير في الوصل مثل الجمهور.

وقرأه بإثبات الياء في الوقف لزوال مُوجب حذف الياء وهو لغة صحيحة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ يَعْنِي: النَّبِيُّ  نَذِيرٌ لِأُمَّتِهِ ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ أيْ نَبِيٌّ يَهْدِيهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ مَعْناهُ ولِكُلِّ قَوْمٍ قادَةٌ وهُداةٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الرّابِعُ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ ، أيْ دُعاةٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: مَعْناهُ ولِكُلِّ قَوْمٍ عَمَلٌ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

السّادِسُ: مَعْناهُ ولِكُلِّ قَوْمٍ سابِقٌ بِعِلْمٍ يَسْبِقُهم إلى الهُدى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ قال: يعلم ذكر هو أو أنثى ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: هي المرأة ترى الدم في حملها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال خروج الدم ﴿ وما تزداد ﴾ قال: استمساكه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: أن ترى الدم في حملها ﴿ وما تزداد ﴾ قال: في التسعة أشهر.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ قال: ما تزداد على التسعة، وما تنقص من التسعة.

قال الضحاك- رضي الله عنه-: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني قد خرجت ثنيتي.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: ما دون تسعة أشهر، وما تزداد فوق التسعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ﴾ يعني السقط ﴿ وما تزداد ﴾ يقول: ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص.

فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه قال: ما دون التسعة أشهر فهو غيض، وما فوقها فهو زيادة.

وأخرج ابن جرير عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين، قدرٌ ما يتحول فلكة مغْزَل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: ما غاضت الرحم بالدم يوماً، إلا زاد في الحمل يوماً حتى تستكمل تسعة أشهر طاهراً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال: السقط.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: إذا رأت الدم، هش الولد.

وإذا لم تر الدم، عظم الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول رضي الله عنه قال: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهل.

واستهلاله استنكار لمكانه، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثدي أمه، حتى لا يطلب ولا يغتم ولا يحزن، ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا بلغ قال: أنى لي بالرزق، يا ويحك، غَذَّاكَ وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: أنى لي بالرزق؟!

ثم قرأ مكحول رضي الله عنه ﴿ يعلم ما تحمل كل أنثى....

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ أي بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلاً معلوماً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ ﴾ الغيض النقصان لازمًا وواقعًا، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ  ﴾ ، وضده الازدياد، وهو أيضًا لازم وواقع، وهما واقعان في الآية، ومفعولهما محذوف؛ لأنهما من صلة (ما) والراجع إلى الموصول يحذف كثيراً.

واختلفوا في الذي تغيضه الأرحام وتزداده؛ فقال مجاهد (٤) (٥) (٦) (٧) قال المفسرون (٨) قال ابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ ق ال ابن عباس (١٤) وأما معنى المقدار في اللغة (١٥) (١٦) لو كانَ خَلْفَكَ أو أمَامَكَ هَائِبًا ...

بَشَرًا سِوَاكَ لَهَابَكَ المِقْدَارُ يعني الموت، وقال: المقدار أيضًا الهنداز (١٧) (١) "زاد المسير" 4/ 308، والقرطبي 9/ 285، والبغوي 3/ 297، والرازي 19/ 13.

(٢) كذا في النسخ والوسيط والمطبوع 3/ 7، وفي "الوسيط" النسخة المحققة 265: يريد ذكراً أم أنثى واحداً أم اثنين أم أكثر، وهو الصواب، والله أعلم.

(٣) "زاد المسير" 4/ 308.

(٤) الطبري 13/ 109 - 111، وابن أبي حاتم 7/ 2246.

(٥) في (أ)، (ج): (الجامع مل).

(٦) الطبري 13/ 111.

(٧) الطبري 13/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 2226.

(٨) الثعلبي 7/ 123 أ.

(٩) "زاد المسير" 4/ 358، والقرطبي 9/ 286، وابن أبي حاتم 7/ 2226، 2227، عن الضحاك.

(١٠) الطبري 13/ 112.

(١١) الطبري 13/ 111، و"زاد المسير" 4/ 308، و"تفسير القرآن العزيز" 2/ 295.

(١٢) الطبري 13/ 111 - 112، و"زاد المسير" 4/ 308.

(١٣) "تنوير المقباس" ص 156، وانظر: الطبري 13/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 2226 (١٤) "زاد المسير" 4/ 308.

(١٥) "تهذيب اللغة" (قدر) 3/ 2897، و"اللسان" (قدر) 6/ 3548.

(١٦) البيت بلا نسبة في "اللسان" (قدر) 6/ 3548، و"تاج العروس" (قدر) 7/ 375.

(١٧) الهنداز: معرب، وأصله بالفارسية أنْدازاه، يقال: أعطاه بلا حساب ولا هنْداز، ومنه: المُهَندزِ: الذي يقدر مجاري القُني والأبنية، إلا أنهم صيروا الزاي سينًا؛ لأنه ليس في كلام العرب زاي قبلها دال.

"اللسان" (هندز) 8/ 4710.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ كقوله: يعلم ما في الأرحام، وهي من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، ويعني يعلم هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو خداج، أو حسن أو قبيح، أو غير ذلك ﴿ وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ﴾ معنى تغيض تنقص، ومعنى تزداد من الزيادة، وقيل: إن الإشارة بدم الحيض فإنه يقل ويكبر وقيل: للولد فالغيض السقط، أو الولادة لأقل من تسعة أشهر، والزيادة إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر، ويحتمل أن تكون ما في قوله: ما تحمل وما تغيض وما تزداد: موصولة أو مصدرية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

الاستفعال يكون على وجهين: يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ قيل: أجيب لكم، وقوله  : ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي  ﴾ أي: ليجيبوا لي، وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ فإن كان على طلب الفعل؛ فهو ما سألوا [رسول الله العذاب] كقوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ  ﴾ وقولهم: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...

﴾ الآية [الأنفال: 32] فبدءوا بسؤالهم [الهلاك قبل سؤالهم] تأخير العذاب وإمهاله، [وتأخير العذاب عندهم وإمهاله] من الحسنة؛ فاستعجلوا بهذا قبل هذا.

وإن كان الفعل نفسه.

فقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ أي: عجلوك - يا محمد - بالسيئة إليك، قبل أن تكون منهم إليك حسنة؛ حيث كذبوك في الرسالة، وآذوك في نفسك، ولم يكن منهم إليك إحسان من قبل والله أعلم بذلك.

وقيل: ﴿ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : العذاب؛ على ما ذكرنا.

﴿ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

أي: قبل العفو، وسؤالهم السيئة والعذاب بجهل منهم أنه رسول وأنه صادق؛ [لأنهم لو علموا أنه رسول، وأنه صادق] فيما يخبر ويوعد من العذاب، كانوا لا يسألون؛ لأنهم يعلمون أن الله يقدر على أن ينزل عليهم العذاب، لكن سألوا ذلك؛ بجهلهم بأنه رسول سؤال استهزاء وسخرية.

فإن كان على هذا سؤالهم - كان فيه دلالة أن العقوبة والعذاب؛ قد يلزم من جهل الأمر؛ إذا كان بسبيل العلم به والنظر والتفكر فيه، وهؤلاء جهلوا أنه رسول الله؛ لتركهم النظر والتفكر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ ﴾ .

قال بعضهم: العقوبات؛ أي: قد كان في الأمم الخالية العقوبات؛ بسؤالهم العذاب والمعاندة في الآيات إذا جاءت؛ كأنه - والله أعلم - يصبر رسوله على سفه قومه؛ لسؤالهم العذاب والآيات ثم المعاندة فيها، يقول: كان في الأمم الماضية من سؤال العذاب والآيات ثم المعاندة من بعد نزولها؛ فنزلت لهم العقوبات؛ فعلى ذلك هؤلاء.

وقال بعضهم: المثلات: الأمثال والأشباه.

وكذلك ذكر في حرف حفصة (وقد خلت من قبلهم الأمثال) وتأويله - والله أعلم - أي: فقد خلت من [قبلهم الأمثال]؛ ما لو اعتبروا بها كان مثلا لهم، ولكن لا يعتبرون؛ فيمنعهم عن أمثال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ أي: لذو ستر على ظلمهم؛ وتأخير العذاب إلى وقت؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: لذو مغفرة [للناس على ظلمهم إذا تابوا، وماتوا عليها، أو يكون قوله ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمؤمنين على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب] لمن لم يتب، ومات على الظلم والشرك.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ للكفار؛ وعلى التأويل الأول: وإن ربك لشديد العقاب؛ إذا عاقب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فيحتمل سؤالهم الآية ﴿ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ عين تلك الآيات التي أتت بها الرسل الأولون، وليس عليه أن يأتي بعين تلك الآية؛ إنما عليه أن يأتي بآية تخرج عن عرفهم وطباعهم، والرسل جميعاً لم يأتوا بآية واحدة؛ إنما جاءوا بآيات مختلفات، كلٌّ جاء بآية سوى ما جاء بها الآخر؛ فقال له: ليس عليك ذلك إنما أنت منذر.

أو سألوا آيات سؤال الاعتناد لدى هلاكهم، [على ما فعل الأولون؛ فقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ قد عفا هذه الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم] وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات معاندين؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات؛ على إثبات رسالته وإظهارها؛ ما كفتهم، لكنهم يعاندون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : لا تملك إتيان الآيات، ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وقال: ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ الآية [الأنعام: 58].

أو يقول: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها؛ ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ .

أي: داع يدعو إلى توحيد الله ودينه؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ يحتمل: لكل وقت هادٍ.

ثم اختلفوا أنه: مَنْ ذلك الداعي؟

قال بعضهم: الله، وقال بعضهم: نبي من الأنبياء، وقال بعضهم: داع؛ دليل سوى النبي.

وقالت الباطنية: هو إمام يكون معصوماً مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق؛ ولكن عندنا معصوماً [أو لم يكن معصوماً] فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ؛ ويعرف ذلك منه إذا زاغ؛ وضل عن الحق.

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ أي: داع وهو كما قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله يعلم ما تحمل كل أنثى في بطنها، يعلم كلَّ شيء عنه، ويعلم ما يحصل في الأرحام من نقص وزيادة وصحة واعتلال، وكل شيء عنده سبحانه مُقَدَّر بمقدار لا يزيد عليه ولا ينقص عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.z0Ko1"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله