تفسير الآية ١٩ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ١٩ من سورة الحجر

وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ ١٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٩ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها وما جعل فيها من الجبال الرواسي والأودية والأراضي والرمال وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة وقال ابن عباس " من كل شيء موزون " أي معلوم وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عيينة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة ومنهم من قول مقدر بقدر وقال ابن زيد من كل شيء يوزن ويقدر بقدر وقال ابن زيد ما يزنه أهل الأسواق.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره بقوله ( وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا ) والأرض دحوناها فبسطناها( وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ) يقول: وألقينا في ظهورها رَوَاسِي، يعني جبالا ثابتة.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا ).

وقال في آية أخرى وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا وذُكر لنا أن أمّ القرى مكة، منها دُحيت الأرض ، قوله ( وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ) رواسيها: جبالها.

يقول: وألقينا في ظهورها رواسي، يعني جبالا ثابتة، وقد بيَّنا معنى الرسوّ فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته.

وقوله ( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) يقول: وأنبتنا في الأرض من كلّ شيء: يقول: من كلّ شيء مقدّر، وبحدّ معلوم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) يقول: معلوم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: تني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) يقول: معلوم.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، أو عن أبي مالك، في قوله ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: بقدر.

حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح أو عن أبي مالك، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن عكرمة ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: بقدْر.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليّ، يعني ابن الجعد، قال: أخبرنا شريك، عن خصيف، عن عكرمة ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: بقدْر.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: بقدْر.

حدثنا أحمد، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: معلوم.

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: سمعت الحكم بن عتيبة وسأله أبو مخزوم عن قوله ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: من كلّ شيء مقدور.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: سمعت الحكم، وسأله أبو عروة عن قول الله عزّ وجلّ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: من كلّ شيء مقدور ، هكذا قال الحسن ، وسأله أبو عروة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: مقدور بقدْر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: مقدور بقدْر.

حدثني المثنى، قال: ثنا عليّ بن الهيثم، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: مقدور بقدْر.

حدثنا المثنى، قال: ثنا عليّ بن الهيثم، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: بقدْر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) يقول: معلوم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) يقول: معلوم.

وكان بعضهم يقول: معنى ذلك وأنبتنا في الجبال من كلّ شيء موزون: يعني من الذهب والفضة والنحاس والرصاص ونحو ذلك من الأشياء التي توزن.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) قال: الأشياء التي توزن.

وأولى القولين عندنا بالصواب القول الأوّل لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزونقوله تعالى : والأرض مددناها هذا من نعمه أيضا ، ومما يدل على كمال قدرته .قال ابن عباس : بسطناها على وجه الماء ; كما قال : والأرض بعد ذلك دحاها أي بسطها .

وقال : والأرض فرشناها فنعم الماهدون .

وهو يرد على من زعم أنها كالكرة .

وقد تقدم .وألقينا فيها رواسي جبالا ثابتة لئلا تتحرك بأهلها .وأنبتنا فيها من كل شيء موزون أي مقدر معلوم ; قاله ابن عباس وسعيد بن جبير .

وإنما قال موزون لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء .

قال الشاعر :قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانهوقال قتادة : موزون يعني مقسوم .

وقال مجاهد : موزون معدود ; ويقال : هذا كلام موزون ; أي منظوم غير منتثر .

فعلى هذا أي أنبتنا في الأرض ما يوزن من الجواهر والحيوانات والمعادن .

وقد قال الله - عز وجل - في الحيوان : وأنبتها نباتا حسنا .

والمقصود من الإنبات [ ص: 13 ] الإنشاء والإيجاد .

وقيل : أنبتنا فيها أي في الجبال من كل شيء موزون من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقصدير ، حتى الزرنيخ والكحل ، كل ذلك يوزن وزنا .

روي معناه عن الحسن وابن زيد .

وقيل : أنبتنا في الأرض الثمار مما يكال ويوزن .

وقيل : ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدرا وأعم نفعا مما لا ثمن له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ والأرض مددناها } أي: وسعناها سعة يتمكن الآدميون والحيوانات كلها على الامتداد بأرجائها والتناول من أرزاقها والسكون في نواحيها.

{ وألقينا فيها رواسي } أي: جبالا عظاما تحفظ الأرض بإذن الله أن تميد وتثبتها أن تزول { وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } أي: نافع متقوم يضطر إليه العباد والبلاد ما بين نخيل وأعناب وأصناف الأشجار وأنواع النبات والمعادن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والأرض مددناها ) بسطناها على وجه الماء ، يقال : إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة ( وألقينا فيها رواسي ) جبالا ثوابت ، وقد كانت الأرض تميد إلى أن أرساها الله بالجبال ( وأنبتنا فيها ) أي : في الأرض ( من كل شيء موزون ) مقدر معلوم .

وقيل : يعني في الجبال ، وهي جواهر من الذهب ، والفضة ، والحديد ، والنحاس وغيرها ، حتى الزرنيخ ، والكحل كل ذلك يوزن وزنا .

وقال ابن زيد : هي الأشياء التي توزن وزنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والأرض مددناها» بسطناها «وألقينا فيها رواسي» جبالا ثوابت لئلا تتحرك بأهلها «وأنبتنا فيها من كل شيء موزون» معلوم مقدر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والأرض مددناها متسعة، وألقينا فيها جبالا تثبتها، وأنبتنا فيها من كل أنواع النبات ما هو مقدَّر معلوم مما يحتاج إليه العباد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - بعض الدلائل السماوية الدالة على قدرته ووحدانيته ، أتبع ذلك ببيان بعض الدلائل الأرضية فقال - تعالى - : ( والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ) .

وقوله : ( رواسى ) من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة .

يقال رسا الشئ يرسو أى ثبت .أى : ومن الأدلة - أيضاً - على وحدانيتنا وقدرتنا ، أننا مددنا الأرض وفرشناها وبسطناها ، لتتيسر لكم الحياة عليها قال - تعالى - ( والأرض فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الماهدون ) وأننا - أيضاً وضعنا فيها جبالاً ثوابت راسخات تمسكها عن الاضطراب وعن أن تميد بكم .

قال - تعالى - : ( خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ .

.

.

) وأننا - أيضًا - أنبتنا فى الأرض من كل شئ ( موزون ) أى : مقدر بمقدار معين وموزون بميزان الحكمة ، بحيث تتوفر فيه كل معانى الجمال والتناسق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد.

ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية، ومنها أرضية، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية، فقال: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجًا وزيناها للناظرين ﴾ قال الليث: البرج واحد من بروج الفلك، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السماء بُرُوجاً  ﴾ وقال: ﴿ والسماء ذَاتِ البروج  ﴾ ووجه دلالتها على وجود الصانع المختار، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة، وكل مركب فلابد له من مركب يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار، وهو المطلوب، وأما قوله: ﴿ وزيناها للناظرين * وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ استرق السمع فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين  ﴾ فلا نعيد هاهنا إلا القدر الذي لابد منه قوله: ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على توحيد صانعها وقوله: ﴿ وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ ﴾ .

فإن قيل: ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم، والشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه.

قلنا: لما منعه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ الله السماء منهم كما قد يحفظ منازلنا عن متجسس يخشى منه الفساد ثم نقول: معنى الرجم في اللغة الرمي بالحجارة.

ثم قيل للقتل رجم تشبيهاً له بالرجم بالحجارة، والرجم أيضاً السب والشتم لأنه رمي بالقول القبيح ومنه قوله: ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ أي لأسبنك، والرجم اسم لكل ما يرمى به، ومنه قوله: ﴿ وجعلناها رُجُوماً للشياطين  ﴾ أي مرامي لهم، والرجم القول بالظن، ومنه قوله: ﴿ رَجْماً بالغيب  ﴾ لأنه يرميه بذلك الظن والرجم أيضاً اللعن والطرد، وقوله الشيطان الرجيم، قد فسروه بكل هذه الوجوه.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات، فكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاثة سموات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها، فكل واحد منهم إذا أراد استراق السمع رمى بشهاب.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ استرق السمع ﴾ لا يمكن حمل لفظة ﴿ إِلا ﴾ هاهنا على الاستثناء، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها، وإنما يحاولون القرب منها، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق، فوجب أن يكون معناه: لكن من استرق السمع.

قال الزجاج: موضع ﴿ مِن ﴾ نصب على هذا التقدير.

قال: وجائز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممن.

قال ابن عباس: في قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ استرق السمع ﴾ يريد الخطفة اليسيرة، وذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه ولا يقتله، ومنهم من يحيله فيصير غولاً يضل الناس في البراري.

وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ﴾ ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة بلعم بن باعورا في قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشيطان  ﴾ معناه لحقه، والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكواكب شهاباً، والسنان شهاباً لأجل أنهما لما فيهما من البريق يشبهان النار.

واعلم أن في هذا الموضع أبحاثاً دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة الجن، ونذكر منها هاهنا إشكالاً واحداً، وهو أن لقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السموات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار الغيوب عنهم، ثم إنها تنزل وتلقي تلك الغيوب على الكهنة فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً لأن كل غيب يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم قام فيه هذا الاحتمال وحينئذ يخرج عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق، لا يقال إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد رسولاً وكون القرآن حقاً، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل محال، ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق، وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجز، وبهذا الطريق يندفع الدور، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ يعرجون ﴾ بالضم والكسر.

و ﴿ سُكّرَتْ ﴾ حيرت أو حبست من الإبصار، من السكر أو السكر.

وقرئ: ﴿ سُكِرَت ﴾ بالتخفيف أي حبست كما يحبس النهر من الجري.

وقرئ: ﴿ سَكِرَت ﴾ من السكر، أي حارت كما يحار السكران.

والمعنى أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد: أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك.

وقيل: الضمير للملائكة، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك.

وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.

وقال: إنما، ليدل على أنهم يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ اثْنَيْ عَشَرَ مُخْتَلِفَةَ الهَيْئاتِ والخَواصِّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الرَّصْدُ والتَّجْرِبَةُ مَعَ بَساطَةِ السَّماءِ.

﴿ وَزَيَّنّاها ﴾ بِالأشْكالِ والهَيْئاتِ البَهِيَّةِ.

﴿ لِلنّاظِرِينَ ﴾ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ بِها عَلى قُدْرَةِ مُبْدِعِها وتَوْحِيدِ صانِعِها.

﴿ وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ فَلا يَقْدِرُ أنْ يَصْعَدَ إلَيْها ويُوَسْوِسَ إلى أهْلِها ويَتَصَرَّفَ في أمْرِها ويَطَّلِعَ عَلى أحْوالِها.

﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾ بَدَلٌ مِن كُلِّ شَيْطانٍ واسْتِراقُ السَّمْعِ اخْتِلاسُهُ سِرًّا، شَبَّهَ بِهِ خَطْفَتَهُمُ اليَسِيرَةَ مِن قُطّانِ السَّمَواتِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ في الجَوْهَرِ أوْ بِالِاسْتِدْلالِ مِن أوْضاعِ الكَواكِبِ وحَرَكاتِها.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهم كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَمَواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ  مُنِعُوا مِن كُلِّها بِالشُّهُبِ.

ولا يَقْدَحُ فِيهِ تَكَوُّنُها قَبْلَ المَوْلِدِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ لَها أسْبابٌ أُخَرُ.

وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ.

﴿ فَأتْبَعَهُ ﴾ فَتَبِعَهُ ولَحِقَهُ.

﴿ شِهابٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرٌ لِلْمُبْصِرِينَ، والشِّهابُ شُعْلَةُ نارٍ ساطِعَةٌ، وقَدْ يُطْلَقُ لِلْكَوْكَبِ والسِّنانِ لِما فِيهِما مِنَ البَرِيقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والأرض مددناها} بسطناها من تحت الكعبة والجمهور على أنه تعالى مدها على وجه الماء {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي} في الأرض جبالاً ثوابت {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} وزن بميزان الحكمة وقدر بمقدار تقتضيه لا تصلح فيه زيادة ولا نقصان أو له وزن وقدر في أبواب المنفعة والنعمة أو ما يوزن كالزعفران والذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها وخص ما يوزن لانتهاء الكيل إلى الوزن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ بَسَطْناها، قالَ الحَسَنُ: أخَذَ اللَّهُ تَعالى طِينَةً فَقالَ لَها: انْبَسِطِي فانْبَسَطَتْ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ أُمَّ القُرى مَكَّةُ ومِنها دُحِيَتِ الأرْضُ وبُسِطَتْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: بَسَطْناها عَلى وجْهِ الماءِ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَعَلْناها مُمْتَدَّةً في الجِهاتِ الثَّلاثِ الطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بَسْطُها وتَوْسِعَتُها لِيَحْصُلَ بِها الِانْتِفاعُ لِمَن حَلَّها ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ كَرَوِيَّتِها لِما أنَّ الكَرَّةَ العَظِيمَةَ لِعَظَمِها تُرى كالسَّطْحِ المُسْتَوِي، ونَسْبُ ( الأرْضَ ) عَلى الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ أرْجَحُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِلْعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ جَعَلْنا ﴾ إلَخْ ولْيُوافِقَ ما بَعْدَهُ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ جُمَعُ راسِيَةٍ جَمْعُ رَأْسٍ عَلى ما قِيلَ، وقَدْ بَيَّنَ حِكْمَةُ إلْقاءِ ذَلِكَ فِيها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَسَطَ الأرْضَ عَلى الماءِ مالَتْ كالسَّفِينَةِ فَأرْساها بِالجِبالِ الثِّقالِ لِئَلّا تَمِيلَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لِتَكُونَ الجِبالُ دالَّةً عَلى طُرُقِ الأرْضِ ونَواحِيها فَلا تَمِيدُ النّاسُ عَنِ الجادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ ولا يَقَعُونَ في الضَّلالِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا الوَجْهُ ظاهِرُ الِاحْتِمالِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُسَوَّغُ الذَّهابُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ أخْبارٍ تَأْباهُ كالجِبالِ ﴿ وأنْبَتْنا فِيها ﴾ أيْ في الأرْضِ، وهي إمّا شامِلَةٌ لِلْجِبالِ لِأنَّها تُعَدُّ مِنها أوْ خاصَّةٌ بِغَيْرِها لِأنَّ أكْثَرَ النَّباتِ وأحْسَنَهُ في ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْجِبالِ والأرْضِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُوراتِ مَثَلًا أوْ لِلْأرْضِ بِمَعْنى ما يُقابِلُ السَّماءَ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، وعَوْدُهُ عَلى الرَّواسِي لِقُرْبِها وحَمْلُ الإنْباتِ عَلى إخْراجِ المَعادِنِ بَعِيدٌ ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ أيْ مُقَدَّرٍ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ أوْ كِنايَةٌ أوْ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٍ مُتَناسِبٍ مِن قَوْلِهِمْ: كَلامٌ مَوْزُونٌ، وأنْشَدَ المُرْتَضى في دُرَرِهِ لِهَذا المَعْنى قَوْلَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: وحَدِيثٍ ألَذُّهُ وهو مِمّا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ يُوزَنُ وزْنا وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ في كَلامِ العَجَمِ والمُوَلِّدِينَ فَيَقُولُونَ: قِوامٌ مَوْزُونٌ أيْ مُتَناسِبٌ مُعْتَدِلٌ، أوْ ما لَهُ قَدْرٌ واعْتِبارٌ عِنْدَ النّاسِ في أبْوابِ النِّعْمَةِ والمَنفَعَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ ما يُوزَنُ حَقِيقَةً كالذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، (ومِن) كَمّا في البَحْرِ لِلتَّبْعِيضِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ أيْ كُلَّ شَيْءٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يعني: قد أرسلنا قَبْلِكَ يا محمد رُسُلاً فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ أي: في أمم وقرون الأولين قبل أمتك وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: كانوا يسخرون منهم كما سخر منك قومك كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ قرأ بعضهم نَسْلُكُهُ بضم النون، وكسر اللام.

وقراءة العامة: بنصب النون، وضم اللام.

وهما لغتان.

يقال: سلكت الخيط في الإبرة، إذا أدخلته فيها.

ومعناه: هكذا ندخل الإضلال في قلوب المجرمين أي: المشركين عقوبة ومجازاة لكفرهم.

ويقال: معناه هكذا نطبع على قلوب المجرمين.

ويقال: نجعل حلاوة التكذيب بالعذاب.

ويقال: للشرك في قلوب المشركين الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني: لا يصدقون بالله.

ويقال: بمحمد  ويقال: بالعذاب إنه غير نازل بهم.

وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي: مضت بالعذاب عند التكذيب.

ويقال: تقدمت سيرة الأولين بالهلاك.

قوله عز وجل: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ أي: فصاروا يصعدون فيه وينزلون، يعني: الملائكة، ويراهم المشركون، وهم أهل مكة لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا يقول: أخذت، وأغشيت أبصارنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ أي: ولقالوا سحرنا فلا نبصر.

وروى قتادة عن ابن عباس أنه قال: «لو فتح الله عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء، فظلت الملائكة يعرجون فيه لقالوا: أخذت أبصارنا» .

قرأ ابن كثير سُكِّرَتْ بالتخفيف.

وهكذا قرأ الحسن.

وقرأ الباقون بالتشديد.

وقال القتبي: سُكِّرَتْ بالتشديد أي: غُشِّيَتْ.

ومنه يقال: سُكِّر النهر إذا سدّ، ومنه إذا أسكر الشراب وهو الغطاء على العقل.

ومن قرأ سُكِّرَتْ بالتخفيف أي: سحرت، يعني: إنهم لا يعتبرون به، كما لم يعتبروا بانشقاق القمر حين رأوه معاينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَوْ مَا تَأْتِينا: هَلاَّ تأتينا.

وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ: قال مجاهدٌ: المعنى: بالرسالةِ والعذاب «١» ، والظاهرُ أنَّ معناه كما ينبغي ويَحِقُّ من الوحْيِ والمنافعِ التي أراها اللَّه لعباده، لا على اقتراح كافرٍ، ثم ذكَر عادَتَهُ سبحانَهُ في الأُمَمِ من أنَّه لم يأتهم بآيَةِ اقتراح، إِلا ومعها العَذَابُ في إِثِرها إِن لم يُؤْمِنوا، والنَّظِرَة: التأخير.

وقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ: رَدٌّ على المستَخفِّين في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ: قال مجاهدٌ وغيره: الضميرُ في «له» عائدٌ على القرآن «٢» ، المعنى: وإِنا له لحافِظُونَ من أن يبدّل أو يغيّر.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ الآية: تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

أيْ: لا يضقْ صدْرُكَ، يا محمَّد، بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وغير ذلك، و «الشيعة» : الفرقة التابعة لرأْسٍ مَّا.

ت: قال الفرَّاء فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ إِنَّه من إِضافة الموصوفِ إِلى صفته ك حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥] ، و «جَانِبِ الغَرْبِيِّ» [القصص: ٤٤] ، وتأوَّله البصريُّون على حذف الموصوفِ، أي: شيع الأمم الأولين.

انتهى من ص.

وقوله سبحانه: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ: يحتمل أنْ يكون الضَّميرُ في نَسْلُكُهُ يعودُ على الذكْر المحفوظِ المتقدِّم، وهو القرآن، ويكون الضميرُ في «به» عائداً عليه أيضاً، ويحتمل أن يعود الضميران معاً على الاستهزاء والشرك ونحوه، والباء في «به» : باء السبب، أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويحتملُ أنْ يكون الضمير في نَسْلُكُهُ عائداً على الاستهزاء والشركِ، والضمير في «به» عائداً على القرآن، والمعنى، في ذلك كلِّه، ينظر بعضه إلى بعض،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ في البُرُوجِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها بُرُوجُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، أيْ: مَنازِلُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ في آخَرِينَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأسْماؤُها: الحَمَلُ، والثَّوْرُ، والجَوْزاءُ، والسَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ، والمِيزانُ، والعَقْرَبُ، والقَوْسُ، والجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ.

والثّانِي: أنَّها قُصُورٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وقالَ عَطِيَّةُ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ البُرُوجِ: الحُصُونُ.

والثّالِثُ: أنَّها الكَواكِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

قالَ أبُو صالِحٍ: هي النُّجُومُ العِظامُ.

قالَ قَتادَةُ: سُمِّيَتْ بُرُوجًا، لِظُهُورِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيَّنّاها ﴾ أيْ: حَسَّنّاها بِالكَواكِبِ.

وَفِي المُرادِ بِالنّاظِرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُبْصِرُونَ.

والثّانِي: المُعْتَبِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ أيْ: حَفِطْناها أنْ يَصِلَ إلَيْها شَيْطانٌ أوْ يَعْلَمَ مِن أمْرِها شَيْئًا إلّا اسْتِراقًا، ثُمَّ يَتْبَعُهُ الشِّهابُ.

والرَّجِيمُ مَشْرُوحٌ في (آلِ عِمْرانَ:٣٦) .

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالنُّجُومِ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّنا  ، أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تُرْمَ حَتّى بُعِثَ  ، وهَذا المَعْنى: مَذْكُورٌ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ أخْرَجَ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ  في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظَ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ» "، وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ أنَّها لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى أنَّها إنَّما كانَتْ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّ شُعَراءَ العَرَبِ الَّذِينَ يُمَثَّلُونَ بِالبَرْقِ والأشْياءِ المُسْرِعَةِ لَمْ يُوجَدْ في أشْعارِها ذِكْرُ الكَواكِبِ المُنْقَضَّةِ، فَلَمّا حَدَثَتْ بَعْدَ مَوْلِدِ نَبِيِّنا  اسْتَعْمَلَتِ الشُّعَراءُ ذِكْرَها، فَقالَ ذُو الرُّمَّةِ: كَذا كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مُسَوَّمٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ والثّانِي: أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نَبِيِّنا  ، فَرَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ  جالِسٌ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ، فاسْتَنارَ، فَقالَ: " ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ إذا كانَ مِثْلُ هَذا في الجاهِلِيَّةِ " ؟

قالُوا: كُنّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ، أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ، قالَ: " فَإنَّها لا يُرْمى بِها لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنَّ رَبَّنا إذا قَضى أمْرًا، سَبَّحَ حَمَلَةُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ الَّذِينَ يَلُونَهم، حَتّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أهْلَ هَذِهِ السَّماءِ، ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ حَمَلَةَ العَرْشِ: ماذا قالَ رَبُّكم ؟

فَيُخْبِرُونَهم، ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ أهْلَ سَماءٍ، حَتّى يَنْتَهِيَ الخَبَرُ إلى هَذِهِ السَّماءِ، وتَخْطِفُ الجِنُّ ويُرْمَوْنَ، فَما جاؤُوا بِهِ عَلى وجْهِهِ فَهو حَقٌّ، ولَكِنَّهم يَقْرِفُونَ فِيهِ ويَزِيدُونَ» " .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ لا تُحْجَبُ عَنِ السَّمَواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى، مُنِعَتْ مِن ثَلاثِ سَماواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ  ، مُنِعُوا مِنَ السَّمَواتِ كُلِّها.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: قَدْ كانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ، ولَكِنَّها غَلُظَتْ حِينَ بُعِثَ  ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قالَ: وعَلى هَذا وجَدْنا الشِّعْرَ القَدِيمَ، قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ، وهو جاهِلِيٌّ: والعَيْرُ يُرْهِقُها الغُبارُ وجَحْشُها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقِضاضَ الكَوْكَبِ وَقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ، وهو جاهِلِيٌّ: فانْقَضَّ كالدِّرِّيءِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾ أيِ: اخْتَطَفَ ما سَمِعَهُ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: اسْتَرَقَ السَّمْعَ: إذا سَمِعَ مُسْتَخْفِيًا.

﴿ فَأتْبَعَهُ ﴾ أيْ: لَحِقَهُ ﴿ شِهابٌ مُبِينٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَوْكَبٌ مُضِيءٌ.

وقِيلَ: " مُبِينٌ " بِمَعْنى: ظاهِرٌ يَراهُ أهْلُ الأرْضِ.

وإنَّما يَسْتَرِقُ الشَّيْطانُ ما يَكُونُ مِن أخْبارِ الأرْضِ، فَأمّا وحْيُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ صانَهُ عَنْهم.

واخْتَلَفُوا، هَلْ يَقْتُلُ الشِّهابُ، أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُحْرِقُ ويُخَبِّلُ ولا يَقْتُلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ يَقْتُلُ، قالَهُ الحَسَنُ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ، هَلْ يُقْتَلُ الشَّيْطانُ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ بِما سَمِعَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقْتَلُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا، لا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكِهانَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ يُقْتَلُ بَعْدَ إلْقائِهِ ما سَمِعَ إلى غَيْرِهِ مِنَ الجِنِّ، ولِذَلِكَ يَعُودُونَ إلى الِاسْتِراقِ، ولَوْ لَمْ يَصِلْ، لَقَطَعُوا الِاسْتِراقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ أوالشِرْكِ ونَحْوَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ زَيْدٍ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وتَكُونُ باءَ السَبَبِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى "الذِكْرِ المَحْفُوظِ" المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ وهو القُرْآنُ، أيْ: مُكَذَّبًا بِهِ مَرْدُودًا مُسْتَهْزَءًا بِهِ نُدْخِلُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدًا عَلَيْهِ أيْضًا، أيْ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والشِرْكِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، فَيَخْتَلِفُ عَلى هَذا عَوْدُ الضَمِيرَيْنِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْظُرُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.

و"نَسْلُكُهُ" مَعْناهُ نَدْخُلُهُ، يُقالُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ إذا أدْخَلَتْهُ فِيهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لِمَ أُعَرِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في أمْرٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شَلّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُرُدا وَمِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ يَصِفُ حُمُرُ وحْشٍ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ قالَ الزُجاجُ: ويُقْرَأُ: "نُسْلِكُهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ اللامِ.

و"المُجْرِمِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن خُتِمَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ، وتَقُولُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ وأسْلَكْتُهُ، بِمَعْنى واحِدٍ، ويُرْوى: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ وكَفَرَةِ العَصْرِ المَخْتُومِ عَلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَظَلُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلَيْهِمْ، وهو أبْلَغُ في إصْرارِهِمْ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ.

و"يَعْرُجُونَ" مَعْناهُ: يَصْعَدُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَعْرُجُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، والمَعارِجِ: الأدْراجُ، ومِنهُ المِعْراجُ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ: إلى حَسْبٍ عَوْدٍ بَنى المَرْءَ قَبْلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أبُوهُ لَهُ فِيهِ مَعارِجُ سُلَّمِ وَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ  ﴾ ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: "وَلَوْ رَأوُا المَلائِكَةَ يَصْعَدُونَ ويَتَصَرَّفُونَ في بابٍ مَفْتُوحٍ في السَماءِ، لَما آمَنُوا"، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ كَثِيرٍ: "سُكِّرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وشَدِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الكافِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وقَرَأ ابْنُ الزَهْرِيِّ بِفَتْحِ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: "سُحِّرَتْ أبْصارُنا"، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ انْتِقالًا إلى دَرَجَةٍ عُظْمى مِن سِحْرِ العَقْلِ.

وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتِ الرِيحُ تَسْكَرُ سُكُورًا" إذا رَكَدَتْ ولَمْ تَنْفَذْ لِما كانَتْ بِسَبِيلِهِ أوَّلًا، وتَقُولُ: "سَكِرَ الرَجُلِ مِنَ الشَرابِ يَسْكَرُ سُكْرًا": إذا تَغَيَّرَتْ حالُهُ ورَكَدَ ولَمْ يَنْفُذْ فِيما لِلْإنْسانِ أنْ يَنْفُذَ فِيهِ، ومِن هَذا المَعْنى: "سَكْرانُ لا يَبِتُّ"، أيْ: لا يَقْطَعُ أمْرًا، وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتُ الفَتْقَ في مَجارِي الماءِ سَكْرًا" إذا طَمَسَتْهُ وصَرَفَتِ الماءَ عنهُ فَلَمْ يَنْفُذْ لِوَجْهِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ اللَفْظَةُ: "سُكِّرَتْ" بِشَدِّ الكافِ إذا كانَتْ مِن سُكْرِ الشَرابِ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَهي فِعْلٌ عُدِّيَ بِالتَضْعِيفِ، وإنْ كانَتْ مَن سَكْرِ مَجارِي الماءِ فَتَضْعِيفُها لِلْمُبالَغَةِ، لا لِلتَّعْدِيَةِ، لَأنَّ المُخَفَّفَ مَن فَعْلِهُ مُتَعَدٍّ، ورَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، لَأنَّ "الأبْصارَ" جَمْعٌ، والتَثْقِيلُ مَعَ الجَمْعِ أكْثَرُ، كَما قالَ: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ  ﴾ ، ومَن قَرَأ: "سَكِرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، فَإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَن سَكِرَ الماءُ فَهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، وإنْ كانَتْ مَن سَكِرَ الشَرابُ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَيَضْمَنا أنَّ الفِعْلَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ إلى أنْ نَنْزِلَهُ مُتَعَدِّيًا، ويَكُونُ هَذا الفِعْلُ مِن قَبِيلِ: رَجَعَ زَيْدٌ ورَجَعَهُ غَيْرَهُ، وغارَتِ العَيْنُ وغارَها الرَجُلُ، فَتَقُولُ -عَلى هَذا-: سَكِرَ الرَجُلُ وسَكَرَهُ غَيْرُهُ، وسَكَرَتِ الرِيحُ وسَكَرَها شَيْءٌ غَيْرَها، ومَعْنى هَذِهِ المَقالَةِ مِنهُمْ: أيْ غُيِّرَتْ أبْصارُنا عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ، فَهي لا تُعْطِينا حَقائِقَ الأشْياءِ كَما كانَتْ تَفْعَلُ.

وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن هَذِهِ اللَفْظَةِ بِقَوْلِهِ: غُشِيَ عَلى أبْصارِنا، وقالَ بَعْضُهُمْ: عُمِّيَتْ أبْصارُنا، وهَذا ونَحْوَهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى لا يَرْتَبِطُ بِاللَفْظِ، ويُقالُ أيْضًا: هَؤُلاءِ المُبْصِرُونَ عُرُوجَ المَلائِكَةِ أو عُرُوجَ أنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: "سُكِّرَتْ أبْصارُنا" بَلْ سُحِرْنا حَتّى لا نَعْقِلَ الأشْياءَ كَما يَجِبُ، أيْ صَرِفَ فِينا السِحْرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جرى الكلام السابق في شأن تكذيب المشركين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما توركوا به في ذلك، وكان الأصلُ الأصيل الذي بَنوا عليه صَرْح التكذيب أصلين هما إبطاله إلهية أصنامهم، وإثباته البعث، انبرى القرآن يبيّن لهم دلائل تفرد الله تعالى بالإلهية، فذكر الدلائل الواضحة من خلق السماوات والأرض، ثم أعقبها بدلائل إمكان البعث من خلق الحياة والموت وانقراض أمم وخلفها بأخرى في قوله تعالى: ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ﴾ [سورة الحجر: 23] الآية.

وصادف ذلك مناسبة ذكر فتح أبواب السماء في تصوير غلوائهم بعنادهم، فكان الانتقال إليه تخلصاً بديعاً.

وفيه ضرب من الاستدلال على مكابرتهم فإنهم لو أرادوا الحق لكان لهم في دلالة ما هو منهم غنية عن تطلب خوارق العادات.

والخبر مستعمل في التذكير والاستدلال لأن مدلول هذه الأخبار معلوم لديهم.

وافتتح الكلام بلام القسم وحرف التحقيق تنزيلاً للمخاطبين الذاهلين عن الاستدلال بذلك منزلة المتردّد فأكّد لهم الكلام بمؤكدين.

ومرجع التأكيد إلى تحقيق الاستدلال وإلى الإلجاء إلى الإقرار بذلك.

والبروج: جمع بُرج بضم الباء.

وحقيقته البناء الكبير المتّخذ للسكنى أو للتحصّن.

وهو يرادف القصر، قال تعالى: ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ في سورة النساء (78).

وأطلق البرج على بقعة معينة من سمت طائفة من النجوم غير السيارة (وتسمى النجوم الثوابت) متجمع بعضها بقرب بعض على أبعاد بينها لا تتغير فيما يُشاهد من الجو، فتلك الطائفة تكون بشكل واحد يشابه نقطاً لو خططت بينها خطوطٌ لخرج منها شِبه صورة حَيوان أو آلة سموا باسمها تلك النجوم المشابهة لهيئتها وهي واقعة في خط سير الشمس.

وقد سماها الأقدمون من علماء التوقيت بما يرادف معنى الدار أو المكان.

وسماها العرب بُروجاً ودارات على سبيل الاستعارة المجعولة سبباً لوضع الاسم؛ تخيّلوا أنها منازل للشمس لأنهم وقتوا بجهتها سمت موقع الشمس من قُبة الجو نهاراً فيما يخيل للناظر أن الشمس تسير في شبه قوس الدائرة.

وجعلوها اثني عشر مكاناً بعدد شهور السنة الشمسية وما هي في الحقيقة إلا سُموت لجهاتتٍ تُقابلُ كل جهة منها الأرضَ من جهة وراءِ الشمس مدة معينة.

ثم إذا انتقل موقع الأرض من مدارها كل شهر من السنة تتغير الجهة المقابلة لها.

فبِما كان لها من النظام تَسنّى أن تجعل علامات لمواقيت حلول الفصول الأربعة وحلول الأشهر الاثني عشر، فهم ضبطوا لتلك العلامات حدوداً وَهمية عينوا مكانها في اللّيل من جهة موقع الشمس في النهار وأعادوا رصدها يوماً فيوماً، وكلما مضت مدة شهر من السنة ضبطوا للشهر الذي يليه علامات في الجهة المقابلة لموقع الشمس في تلك المدة.

وهكذا، حتى رأوا بعد اثني عشر شهراً أنهم قد رجعوا إلى مقابلة الجهة التي ابتدأوا منها فجعلوا ذلك حولاً كاملاً.

وتلك المسافة التي تخال الشمس قد اجتازتها في مدة السّنة سموها دائرة البروج أو مِنْطقة البروج.

وللتمييز بين تلك الطوائف من النجوم جعلوا لها أسماء الأشياء التي شبهوها بها وأضافوا البرج إليها.

وهي على هذا الترتيب ابتداء من برج مدخل فصل الربيع: الحمَل، الثور، الجوزاء، (مشتقة من الجوز بفتح فسكون الوسط لأنها معترضة في وسط السماء)، السَرَطان، الأسَد، السُنبلة، الميزان، العَقرب، القَوْس، الجَدْي، الدَلْو، الحوت.

فاعتبروا لبرج الحمل شهر (أبرير) وهكذا، وذلك بمصادفة أن كانت الشمس يومئذٍ في سَمتتِ شكللٍ نجمي شبهوه بنُقَط خطوط صورة كبش.

وبذلك يعتقد أن الأقدمين ضبطوا السنة الشمسية وقسموها إلى الفصول الأربعة، وإلى الأشهر الاثني عشر قبل أن يضبطوا البروج.

وإنما ضبطوا البروج لقصد توقيت ابتداء الفصول بالضبط ليعرفوا ما مضى من مدتها وما بقي.

وأول من رسم هذه الرسوم الكلدانيون، ثم انتقل علمهم إلى بقية الأمم؛ ومنهم العرب فعرفوها وضبطوها وسموها بلغتهم.

ولذلك أقام القرآن الاستدلال بالبروج على عظيم قدرته وانفراده بالخلق لأنهم قد عرفوا دقائقها ونظامها الذي تهيأت به لأن تكون وسيلة ضبط المواقيت بحيث لا تُخلف ملاحظة راصدها.

وما خلقها الله بتلك الحالة إلا ليجعلها صالحة لضبط المواقيت كما قال تعالى: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ [سورة يونس: 5].

ثم ارتقى في الاستدلال بكون هذه البروج العظيمة الصنع قد جُعلت بأشكال تقع موقع الحسن في الأنظار فكانت زينة للناظرين يتمتعون بمشاهدتها في الليل فكانت الفوائد منها عديدة.

وأما قوله: وحفظناها من كل شيطان رجيم } فهو إدماج للتعليم في أثناء الاستدلال.

وفيه التنويه بعصمة الوحي من أن يتطرقه الزيادة والنقص، بأن العوالم التي يصدر منها الوحي وينتقل فيها محفوظة من العناصر الخبيثة.

فهو يرتبط بقوله: ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ [سورة الحجر: 9].

وكانوا يقولون: محمد كاهن؛ ولذلك قال الوليد بن المغيرة لما حاورهم فيما أعدوا من الاعتذار لوفود العرب في موسم الحجّ إذا سألوهم عن هذا الرجل الذي ادّعى النبوءة.

وقد عرضوا عليه أن يقولوا هو كاهن، فكان من كلام الوليد أن قال..

ولا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزة الكاهن ولا سجعه، قال تعالى: ﴿ ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون ﴾ [سورة الحاقة: 42].

وكان الكهان يزعمون أن لهم شياطين تأتيهم بخبر السماء، وهم كاذبون ويتفاوتون في الكذب.

والمراد بالحفظ من الشياطين الحفظ من استقرارها وتمكنها من السماوات.

والشيطان تقدم في سورة البقرة.

والرجيم: المحقر؛ لأن العرب كانوا إذا احتقروا أحداً حصبوه بالحصباء، كقوله تعالى: ﴿ قال فاخرج منها فإنك رجيم ﴾ [سورة الحجر: 34]، أي ذميم محقر.

والرّجام بضم الراء الحجارة.

قيل وهي أصل الاشتقاق.

ويحتمل العكس.

وقد كان العرب يرجمون قبر أبي رِغال الثقفي الذي كان دليل جيش الحبشة إلى مكة.

قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه *** كما تَرمون قبر أبي رِغال والرجم عادة قديمة حكاها القرآن عن قوم نوح ﴿ قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ﴾ [سورة الشعراء: 116].

وعن أبي إبراهيم ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ [سورة مريم: 46].

وقال قوم شعيب: ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ [سورة هود: 91].

وليس المراد به الرجم المذكور عقبه في قوله: فأتبعه شهاب مبين } لأن الاستثناء يمنع من ذلك في قوله: ﴿ إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ﴾ .

واستراق السمع: سرقتهُ.

صيغ وزن الافتعال للتكلف.

ومعنى استراقه الاستماع بخفية من المتحدث كأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذي يخفيه عنه.

و«أتبعه» بمعنى تَبعه.

والهمزة زائدة مثل همزة أبان بمعنى بان.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ﴾ في سورة الأعراف (175).

والمبين: الظاهر البين.

وفيه تعليم لهم بأن الشهب التي يشاهدونها متساقطةً في السماء هي رجوم للشياطين المسترِقة طرداً لها عن استراق السمع كاملاً، فقد عرفوا ذلك من عهد الجاهلية ولم يعرفوا سببه.

والمقصود من منع الشياطين من ذلك منعهم الاطلاع على ما أراد الله عدمَ اطلاعهم عليه من أمر التكوين ونحوه؛ مما لو ألقته الشياطين في علم أوليائهم لكان ذلك فساداً في الأرض.

وربما استدرج الله الشياطين وأولياءهم فلم يمنع الشياطين من استراق شيء قليل يلقونه إلى الكهان، فلما أراد الله عصمة الوحي منعهم من ذلك بتاتاً فجعل للشهب قوة خرق التموجات التي تتلقى منها الشياطين المسترقون السمعَ وتمزيققِ تلك التدرجات الموصوفة في الحديث الصحيح.

ثم إن ظاهر الآية لا يقتضي أكثر من تحكك مسترق السمع على السماوات لتحصيل انكشافات جبل المسترق على الحرص على تحصيلها.

وفي آية الشعراء ما يقتضي أن هذا المسترق يلقي ما تَلقاه من الانكشافات إلى غيره لقوله: ﴿ يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ﴾ [سورة الشعراء: 223].

ومقتضى تكوين الشهب للرجم أن هذا الاستراق قد مُنع عن الشياطين.

وفي سورة الجن دلالة على أنه منع بعد البعثة ونزول القرآن إحكاماً لحفظ الوحي من أن يلتبس على الناس بالكهانة، فيكون ما اقتضاه حديث عائشة وأبي هُريرة رضي الله عنهم من استراق الجن السمع وصفاً للكهانة السابقة.

ويكون قوله: ﴿ ليسوا بشيء ﴾ وصفاً لآخر أمرهم.

وقد ثبت بالكتاب والسنّة وجود مخلوقات تسمى بالجن وبالشياطين مع قوله: ﴿ والشياطين كل بناء وغواص ﴾ [سورة ص: 37] الآية.

والأكثر أن يخص باسم الجن نوع لا يخالط خواطر البشر، ويخص باسم الشياطين نوع دأبه الوسوسة في عقول البشر بإلقاء الخواطر الفاسدة.

وظواهر الأخبار الصحيحة من الكتاب والسنة تدل على أن هذه المخلوقات أصناف، وأنها سابحة في الأجواء وفي طبقات مما وراء الهواء وتتصل بالأرض، وأن منها أصنافاً لها اتصَال بالنفوس البشرية دون الأجسام وهو الوسواس ولا يخلو منه البشر.

وبعضُ ظواهر الأخبار من السنة تقتضي أن صنفاً له اتصال بنفوس ذات استعداد خاص لاستفادة معرفة الواقعات قبل وقوعها أو الواقعات التي يبعد في مجاري العادات بلوغ وقوعها، فتسبق بعضُ النفوس بمعرفتها قبل بلوغها المعتاد.

وهذه النفوس هي نفوس الكهان وأهل الشعوذة، وهذا الصنف من المخلوقات من الجن أوالشياطين هو المسمى بمسترق السمع وهو المستثنى بقوله تعالى: إلا من استرق السمع}.

فهذا الصنف إذا اتصل بتلك النفوس المستعدة للاختلاط به حجز بعض قواها العقلية عن بعض فأكسب البعض المحجوز عنه ازدياد تأثير في وظائفه بما يرتد عليه من جرّاء تفرغ القوة الذهنية من الاشتغال بمزاحمه إلى التوجه إليه وحده، فتكسبه قدرة على تجاوز الحد المعتاد لأمثاله، فيخترق الحدود المتعارفة لأمثاله اختراقاً ما، فربما خلصت إليه تموجات هي أوساط بين تموجات كرة الهواء وتموجات الطبقات العليا المجاورة لها، مما وراء الكرة الهوائية.

ولنفرض أن هذه الطبقة هي المسماة بالسماء الدنيا وأن هذه التموجات هي تموجات الأثير فإنها تحفظ الأصوات مثلاً.

ثم هذه التموجات التي تخلُص إلى عقول أهل هذه النفوس المستعدة لها تخلص إليها مقطّعة مُجملة فيستعين أصحاب تلك النّفوس على تأليفها وتأويلها بما في طباعهم من ذكاء وزكانة، ويخبرون بحاصل ما استخلصوه من بين ما تلقفوه وما ألّفوه وما أولوه.

وهم في مصادفة بعض الصدق متفاوتون على مقدار تفاوتهم في حدة الذكاء وصفاء الفهم والمقارنة بين الأشياء، وعلى مقدار دُربتهم ورسوخهم في معالجة مهنتهم وتقادم عهدهم فيها.

فهؤلاء هم الكهان، وكانوا كثيرين بين قبائل العرب.

وتختلف سمعتهم بين أقوامهم بمقدار مصادفتهم لما في عقول أقوامهم.

ولا شك أن لسذاجة عقول القوم أثراً ما، وكان أقوامهم يعُدون المعمّرين منهم أقرب إلى الإصابة فيما ينبئون به، وهم بفرط فطنتهم واستغفالهم البله من مريديهم لا يصدرون إلاّ كلاماً مجملاً موجهاً قابلاً للتأويل بعدة احتمالات، بحيث لا يؤخذون بالتكذيب الصريح، فيكلون تأويل كلماتهم إلى ما يحدث للنّاس في مثل الأغراض الصادرة فيها تلك الكلماتُ، وكلامهم خلو من الإرشاد والحقائق الصالحة.

وهم بحيلتهم واطلاعهم على ميادين النفوس ومؤثراتها التزموا أن يصوغوا كلامهم الذي يخبرون به في صيغة خاصة ملتزماً فيها فقرات قصيرة مختتمة بأسجاع، لأن الناس يحسبون مزاوجة الفقرة لأختها دليلاً على مصادفتها الحق والواقع، وأنها أمارة صدق.

وكانوا في الغالب يلوذون بالعزلة، ويكثرون النظر في النجوم ليلاً لتتفرغ أذهانهم.

فهذا حال الكهان وهو قائم على أسس الدجل والحيلة والشعوذة مع الاستعانة باستعداد خاص في النفس وقوة تخترق الحواجز المألوفة.

وهذا يفسره ما في كتاب الأدب من «صحيح البخاري» عن عائشة: أن ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: " ليسوا بشيء (أي لا وجود لما يزعمونه).

فقيل: يا رسول الله فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حَقاً.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنيّ فَيقرُّها في أذن وليّه قَرّ الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة ".

وما في تفسير سورة الحجر من «صحيح البخاري» من حديث سفيان عن أبي هُريرة قال نبي الله صلى الله عليه وسلم " إذا قضى الله الأمر في السماء (أي أمر أو أوحى) وضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله «فإنهم المأمورون كل في وظيفته» كالسلسلة على صَفواننٍ ينفُذُهم ذلك (أي يحصل العلم لهم.

وتقريبها حركات آلة تلقي الرسائل البرقية تلغراف)...

فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر (أي هي طبقات مفاوتة في العلو).

ووصف سفيان بيده فحرّفها وفَرّج بين أصابع يده اليمنى نَصَبها بعضَها فوق بعض (فيسمع المسترق الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخَر إلى من تحته حتّى يلقيها على لسان الكاهن أو الساحر)، فربّما أدرك الشّهاب المستمع قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركها فيكذب معها مائة كَذبة.

فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقاً للكلمة التي سُمعت من السماء ".

أما أخبار الكهان وقصصهم فأكثرها موضوعات وتكاذيب.

وأصحها حديث سواد بن قارب في قصة إسلام عُمر رضي الله عنه من «صحيح البخاري».

وهذه الظواهر كلها لا تقتضي إلا إدراك المسموعات من كلام الملائكة.

ولا محالة أنها مقرّبة بالمسموعات، لأنها دلالة على عزائم النّفوس الملكية وتوجهاتها نحو مسخراتها.

وعبر عنه بالسمع لأنه يؤول إلى الخبر، فالذي يحصل لمسترق السمع شعور ما تتوجه الملائكة لتسخيره، والذي يحصل للكاهن كذلك.

والمآل أن الكاهن يخبر به فيؤول إلى مسموع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَظَلَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَعْرُجُونَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: فَظَلَّتِ المَلائِكَةُ فِيهِ يَعْرُجُونَ وهم يَرَوْنَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ في ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما بِتَشْدِيدِ الكافِ، والثّانِيَةُ بِتَخْفِيفِها، وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُما واحِدٌ، فَعَلى هَذا سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سُدَّتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: عَمِيَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أُخِذَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: خُدِعَتْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

الخامِسُ: غُشِيَتْ وغُطِّيَتْ، قالَهُ أبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وطَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْها مِغْفَرُ وجَعَلَتْ عَيْنُ الحَرُورِ تُسْكَرُ السّادِسُ: مَعْناهُ حُبِسَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَمِنهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ فَصِرْنَ عَلى لَيْلَةٍ ساهِرَةْ ∗∗∗ فَلَيْسَتْ بِطَلْقٍ ولا ساكِرَةْ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى سُكِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مُخْتَلِفٌ، وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ بِالتَّخْفِيفِ سُحِرَتْ، وبِالتَّشْدِيدِ: أُخِذَتْ.

الثّانِي: أنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ مِن سُكْرِ الشَّرابِ، وبِالتَّشْدِيدِ مَأْخُوذٌ مِن سَكَّرْتُ الماءُ.

" بَلْ نَحْنُ مَسْحُورُونَ " فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ سُحِرْنا فَلا نُبْصِرُ.

الثّانِي: مُضَلَّلُونَ، حَكاهُ ثَعْلَبٌ.

الثّالِثُ: مُفْسِدُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ يقول: ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه، يختلفون فيه ذاهبين وجائين لقال أهل الشرك: إنماأخذت أبصارنا وشبه علينا وسحرنا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ قال: رجع إلى قوله: ﴿ لو ما تأتينا بالملائكة...

﴾ ما بين ذلك قال ابن جريج: قال ابن عباس: لظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم ﴿ لقالوا إنما سكرت ﴾ سدت ﴿ أبصارنا ﴾ قال: قريش تقوله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سكرت أبصارنا ﴾ قال: سدت.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه قرأ ﴿ سكرت أبصارنا ﴾ خفيفة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: من قرأ ﴿ سكرت ﴾ مشددة، يعني سدّت؛ ومن قرأ ﴿ سكرت ﴾ مخففة، فإنه يعني سحرت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾ قال ابن عباس وغيره: بسطناها على وجه الماء (١) ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ وهي الجبال الثوابت لئلا تميد بأهلها؛ كما قال: ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ  ﴾ ، ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ اختلفوا في معنى موزون هاهنا، فذهب الأكثرون إلى أن معناه: المحصل المعلوم المقدور، ذلك (٢) وقد كُنْتُ قبْلَ لقائِكُم ذا مِرَّةٍ (٣) (٤) يعني: قدر ما يستحق أن يجاب به من الكلام.

وهذا معنى قول ابن عباس (٥) ﴿ مَوْزُونٍ ﴾ : بقدر (٦) ووقال سعيد: معلوم (٧) (٨) وقال مجاهد: مقدور بقدر (٩) وهذا القول اختيار أبي عبيدة (١٠) (١١) ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ  ﴾ وهذا عام في كل ما خلقه الله تعالى على وجه الأرض ما ليس من جنس الأرض بما يكون في المعادن، وذلك للفظ (١٢) ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  ﴾ ويقال الرجل يُنَبِّتُ الجارية، أي يَغْذُوها ويُحسنُ القيامَ عليها، حكاه الليث (١٣) ﴿ وَالْأَرْضَ ﴾ ولا تدخل في الإنبات.

وذهب آخرون في قوله: ﴿ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ إلى حقيقة الوزن، وقال عطاء: يريد الثمار مما يكال أو يوزن (١٤) وقال الكلبي: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ : في الجبال، ﴿ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ، وكل شيء يوزن وزنًا (١٥) قال ابن زيد: هي الأشياء التي توزن (١٦) (١٧) وقال الفراء: ﴿ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ ، يقول من الذهب والفضة والرَّصاص والنحاس، فذلك الموزون (١٨) (١٩) (١) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 170، و"تفسير القرطبي" 10/ 12، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 ب، وابن الجوزي 4/ 390، والخازن 3/ 92.

(٢) في (ش)، (ع) زيادة (واو) قبل ذلك.

(٣) ساقط من (د)، والمرَّة: الشدّة.

"المحيط في اللغة" (مر) 10/ 225.

(٤) ورد بلا نسبة في "تفسير الماوردي" 3/ 154، "تفسير القرطبي" 15/ 13، "اللسان" (وزن) 8/ 4829، "تفسير الشوكاني" 3/ 180.

(٥) "أخرجه الطبري" 14/ 15 من طريق ابن أبي طلحة، صحيحة، ومن طريق العوفي، ضعيفة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 17، "تفسير الماوردي" 3/ 153، الطوسي 6/ 326، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 13، == الخازن 3/ 92، ابن كثير 2/ 603، "الدر المنثور" 4/ 177 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٦) "أخرجه الطبري" 7/ 501، بلفظه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 17، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، الخازن 3/ 92، ابن كثير 2/ 603، "الدر المنثور" 2/ 603، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٧) "أخرجه الطبري" 14/ 16، بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 153، والطوسي 6/ 326، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 13، الخازن 3/ 92، وابن كثير 2/ 603.

(٨) "أخرجه الطبري" 14/ 16 بلفظه، وانظر: تفسيرابن كثير 2/ 603.

(٩) "تفسير مجا هد" ص 340 بنحوه، و"أخرجه الطبري" 14/ 16 بلفظه، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 17، و"تفسير الطوسي" 6/ 326، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، و"تفسير القرطبي" 10/ 13، والخازن 3/ 92، وابن كثير 2/ 603.

(١٠) "مجاز القرآن" 1/ 348 قال: بقدر.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 176 بنصه.

(١٢) في جميع النسخ: (اللفظ)، وبالمثبت يستقيم الكلام.

(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (نبت) 4/ 3491 بنصه.

(١٤) لم أقف عليه (١٥) "تفسير هود الهواري" 2/ 345، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 17، "معاني القرآن" للنحاس 4/ 17، "تفسير السمرقندي" 2/ 217، الثعلبي 2/ 146 ب.

(١٦) " أخرجه الطبري" 17/ 14 بنصه، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 ب، والماوردي 3/ 154، والطوسي 6/ 326، انظر: "تفسير البغوي" 4/ 374، وابن عطية 7/ 293، وابن الجوزي 4/ 391، و"تفسير القرطبي" 10/ 13، والخازن 3/ 92، وابن كثير 2/ 603، و"الدر المنثور" 4/ 177، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(١٧) لم أقف على هذا القول، والمنسوب إليه هو قول الكلبي السابق، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 13، الخازن 3/ 92.

(١٨) "معانى القرآن" للفراء 2/ 86 بنصه.

(١٩) زيادة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، ولعلها سقطت.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بُرُوجاً ﴾ يعني المنازل الاثني عشر ﴿ إِلاَّ مَنِ استرق السمع ﴾ استثناء من حفظ السموات فهو في موضع نصب ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ أي: مقدر بقدر، فالوزن على هذا استعارة وقيل: المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والأطعمة، والأول أعم وأحسن.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

قيل: في ملك الأولين.

وقيل: في فرق الأولين.

وقيل: في جماعات [الأولين]، وهو واحد.

﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له.

يقول - والله أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصاً به، من بين سائر الخلائق.

والله أعلم.

كأن هذه الآية صلة قولهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ ، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ...

﴾ إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليداً لآبائهم، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأولئك - أعني: الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليداً بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن استهزأ بآخر [فشتمه؛ تقليداً] واقتداء وتلقناً - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ لا يؤمنون به، يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نجعل الكفر والتكذيب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ بكفرهم؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...

﴾ الآية [الأنعام: 25] وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً  ﴾ ونحوه.

ويحتمل قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ الحجج والآيات؛ ليكون تكذيبهم وردّهم [الآيات والحجج]، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها.

هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب، والردّ، والمعاندة، والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات.

ويحتمل: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله، ومعاندتهم إياها.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر بالعذاب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: لا يصدقون بالعذاب ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهؤلاء يستنون بسنتهم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ : أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ  ﴾ وقال: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ  ﴾ أي: أدخل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ .

يخبر - عز وجل - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة بقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ يقول: إن سؤالهم الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ...

﴾ الآية [الأنعام: 109] ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ وذلك أن المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين مكابرين - ليسوا بمسترشدين.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم ﴾ : يعني على الملائكة بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ وقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ قيل: حيرت وسدت، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ : أي: سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ﴾ أي: لهم ﴿ بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ حتى ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ فيه ويعاينون نزول الآيات ويشاهدون كل شيء ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ يؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، وقوله  : ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والأرض بسطناها ليستقر الناس عليها، وجعلنا فيها جبالًا ثوابت حتى لا تميد بالناس، وأنبتنا فيها من أنواع النبات ما هو مقدّر محدد بما تقتضيه الحكمة.

<div class="verse-tafsir" id="91.d37e4"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد