تفسير الآية ٢٩ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٢٩ من سورة الحجر

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ ٢٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٩ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما خلق الله الملائكة قال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا سويته فاسجدوا له ، قالوا : لا نفعل ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق ملائكة فقال لهم مثل ذلك [ فقالوا : لا نفعل ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم .

ثم خلق ملائكة أخرى فقال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم .

ثم خلق ملائكة فقال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له ] قالوا سمعنا وأطعنا ، إلا إبليس كان من الكافرين الأولين وفي ثبوت هذا عنه بعد ، والظاهر أنه إسرائيلي ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول: فإذا صوّرته فعدَّلت صورته ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) فصار بشرا حيا( فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) سجود تحية وتكرمة لا سجود عبادة.

وقد حدثني جعفر بن مكرم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة قال: إني خالق بشرا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له ، فقالوا: لا نفعل.

فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ، وخلق ملائكة أخرى، فقال: إني خالق بشرا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له ، فأبَوا، قال: فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق ملائكة أخرى، فقال: إني خالق بشرا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له ، فأبوا، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق ملائكة، فقال: إني خالق بشرا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له ، فقالوا: سمعنا وأطعنا ، إلا إبليس كان من الكافرين الأوّلين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فإذا سويته أي سويت خلقه وصورته .ونفخت فيه من روحي النفخ إجراء الريح في الشيء .

والروح جسم لطيف ، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم .

وحقيقته إضافة خلق إلى خالق ; فالروح خلق من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما ; كقوله : ( أرضي وسمائي وبيتي وناقة الله وشهر الله ) .

ومثله وروح منه وقد تقدم في " النساء " مبينا .

وذكرنا في كتاب ( التذكرة ) الأحاديث الواردة التي تدل على أن الروح جسم لطيف ، وأن النفس والروح اسمان لمسمى واحد .

وسيأتي ذلك إن شاء الله .

ومن قال إن الروح هو الحياة قال أراد : فإذا ركبت فيه الحياة .فقعوا له ساجدين أي خروا له ساجدين .

وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة .

ولله أن يفضل من يريد ; ففضل الأنبياء على الملائكة .

وقد تقدم في " البقرة " هذا المعنى .

وقال القفال : كانوا أفضل من آدم ، وامتحنهم بالسجود له تعريضا لهم للثواب الجزيل .

وهو مذهب المعتزلة .

وقيل : أمروا بالسجود لله عند آدم ، وكان آدم قبلة لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما أراد الله خلق آدم قال للملائكة: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } جسدا تاما { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } فامتثلوا أمر ربهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإذا سويته ) عدلت صورته ، وأتممت خلقه ( ونفخت فيه من روحي ) فصار بشرا حيا ، والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان ، وأضافه إلى نفسه تشريفا ( فقعوا له ساجدين ) سجود تحية لا سجود عبادة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإذا سويته» أتممته «ونفخت» أجريت «فيه من روحي» فصار حيا وإضافة الروح إليه تشريف لآدم «فقعوا له ساجدين» سجود تحية بالانحناء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإذا سوَّيته وأكملت صورته ونفخت فيه الروح، فخُرُّوا له ساجدين سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فإذا سويته ) أى : سويت خلق هذا البشر ، وكملت أجزاءه ، وجعلته فى أحسن تقويم .

.

.( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) أى : وضعت فيه ما به حياته وحركته وهو الروح ، الذى لا يعلم حقيقته أحد سواى .قال القرطبى : قوله : ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) النفخ إجراء الريح فى الشئ .

والروح جسم لطيف ، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة فى البدن مع ذلك الجسم .

وحقيقته إضافة خلق إلى خالق ، فالروح خلق من خلقه أضافه - سبحانه - إلى نفسه تشريفاً وتكريماً ، كقوله ، أرضى وسمائى وبيتى وناقة الله وشهر الله .

.

.

.وقوله ( فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ) أمر منه - سبحانه - للملائكة بالسجود لآدم .أى : فإذا سويت خلقه ، وأفضت عليه ما به حياته ، فاسقطوا وخروا له ساجدين ، سجود تحية وتكريم ، لا سجود عبادة ، فإن سجود العبادة لى وحدى .وقال - سبحانه - ( فقعوا .

.

) بفاء التعقيب ، للإشعار بأن سجودهم له واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير إبطاء أو تأخير .وهذا نوع من تكريم الله - تعالى - لعبده آدم - عليه السلام - ، وله - سبحانه - أن يكرم بعض عباده بما يشاء ، وكيف شاء ..

( لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد فإنه تعالى لما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب.

المسألة الثانية: ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها، وإذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول الحوادث، وإذا كان كذلك فلابد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس، وإذا كان كذلك فذلك الإنسان الأول غير مخلوق مع الأبوين فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.

فقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، والمفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم عليه السلام، ونقل في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر وأقول: هذا لا يقدح في حدوث العالم بل لأمر كيف كان، فلابد من الانتهاء إلى إنسان أول هو أول الناس وأما أن ذلك الإنسان هو أبونا آدم، فلا طريق إلى إثباته إلا من جهة السمع.

واعلم أن الجسم محدث، فوجب القطع بأن آدم عليه السلام وغيره من الأجسام يكون مخلوقاً عن عدم محض، وأيضاً دل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ على أن آدم مخلوق من تراب، ودلت آية أخرى على أنه مخلوق من الطين، وهي قوله: ﴿ إِنّي خالق بَشَراً مِّن طِينٍ  ﴾ وجاء في هذه الآية أن آدم عليه السلام مخلوق من صلصال من حمأ مسنون، والأقرب أنه تعالى خلقه أولاً من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار، ولا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل هو قادر على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة أو لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الجن، لأن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه.

المسألة الثالثة: في الصلصال قولان: قيل الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار.

قالوا: إذا توهمت في صوته مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة.

قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة، فصار صلصالاً كالخزف ولا يدري أحد ما يراد به، ولم يروا شيئاً من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح.

وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة فلذلك سماه الله تعالى صلصالاً.

والقول الثاني: الصلصال هو المنتن من قولهم صل اللحم وأصل إذا نتن وتغير، وهذا القول عندي ضعيف، لأنه تعالى قال: ﴿ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وكونه حمأ مسنوناً يدل على النتن والتغير وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من الحمأ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالاً مغايراً لكونه حمأ مسنوناً، ولو كان كونه صلصالاً عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالاً، وبين كونه حمأ مسنوناً تفاوت، وأما الحمأ فقال الليث الحمأة بوزن فعلة، والجمع الحمأ وهو الطين الأسود المنتن.

وقال أبو عبيدة والأكثرون حماة بوزن كمأة وقوله: ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ فيه أقوال: الأول: قال ابن السكيت سمعت أبا عمرو يقول في قوله: ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ أي متغير قال أبو الهيثم يقال سن الماء، فهو مسنون أي تغير.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ  ﴾ أي لم يتغير.

الثاني: المسنون المحكوك وهو مأخوذ من سننت الحجر إذا حككته عليه، والذي يخرج من بينهما يقال له السنن وسمي المسن مسناً لأن الحديد يسن عليه.

والثالث: قال الزجاج: هذا اللفظ مأخوذ من أنه موضوع على سنن الطريق لأنه متى كان كذلك فقد تغير.

الرابع: قال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، والسن والصب يقال سن الماء على وجهه سناً.

الخامس: قال سيبويه: المسنون المصور على صورة ومثال، من سنة الوجه وهي صورته.

السادس: روي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة، لأنه إذا كان رطباً يسيل وينبسط على الأرض، فيكون مسنوناً بمعنى أنه مصبوب.

أما قوله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه ﴾ فاختلفوا في أن الجان من هو؟

فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة.

وقال ابن عباس في رواية أخرى: الجان هو أب الجن وهو قول الأكثرين.

وسمي جاناً لتواريه عن الأعين، كما سمي الجنين جنيناً لهذا السبب، والجنين متوارٍ في بطن أمه، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك: جن الشيء إذا ستره، فالجان المذكور هاهنا يحتمل أنه سمي جاناً لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول كما يقال في لابن وتامر وماء دافق وعيشة راضية.

واختلفوا في الجن فقال بعضهم: إنهم جنس غير الشياطين والأصح أن الشياطين قسم من الجن، فكل من كان منهم مؤمناً فإنه لا يسمى بالشيطان، وكل من كان منهم كافراً يسمى بهذا الإسم، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار، فكل من كان كذلك كان من الجن، وقوله تعالى: ﴿ خلقناه مِن قَبْلُ ﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم، وقوله: ﴿ مِن نَّارِ السموم ﴾ معنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل، وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار، على ما ورد في الخبر أنها لفح جهنم.

قيل: سميت سموماً لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه.

قال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من السموم التي خلق الله بها الجان وتلا هذه الآية.

فإن قيل: كيف يعقل خلق الجان من النار؟

قلنا: هذا على مذهبنا ظاهر، لأن البنية عندنا ليست شرطاً لإمكان حصول الحياة، فالله تعالى قادر على خلق الحياة والعلم في الجوهر الفرد، فكذلك يكون قادراً على خلق الحياة والعقل في الجسم الحار، واستدل بعضهم على أن الكواكب يمتنع حصول الحياة فيها قال: لأن الشمس في غاية الحرارة وما كان كذلك امتنع حصول الحياة فيه فننقضه عليه بقوله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم ﴾ بل المعتمد في نفي الحياة عن الكواكب الإجماع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار.

قالوا: إذا توهمت في صوته مدّا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة.

وقيل: هو تضعيف (صل) إذا أنتن.

والحمأ: الطين الأسود المتغير.

والمسنون: المصوّر، من سنة الوجه، وقيل: المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها.

وقيل: المنتن، من سننت الحجرعلى الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا منتنا ﴿ مّنْ حَمَإٍ ﴾ صفة لصلصال، أي: خلقه من صلصال كائن من حمأ وحق ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ بمعنى مصور، أن يكون صفة لصلصال، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر ﴿ والجآن ﴾ للجن كآدم للناس.

وقيل: هو إبليس.

وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ﴿ والجأن ﴾ ، بالهمزة ﴿ مِن نَّارِ السموم ﴾ من نار الحرّ الشديد النافذ في المسام.

قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي خلق الله منها الجانّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ .

﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ﴾ عَدَّلْتُ خِلْقَتَهُ وهَيَّأْتُهُ لِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.

﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي ﴾ حَتّى جَرى آثارُهُ في تَجاوِيفِ أعْضائِهِ فَحَيِيَ، وأصْلُ النَّفْخِ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجْوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ يَتَعَلَّقُ أوَّلًا بِالبُخارِ اللَّطِيفِ المُنْبَعِثِ مِنَ القَلْبِ وتَفِيضُ عَلَيْهِ الحَيَوانِيَّةُ فَيَسْرِي حامِلًا لَها في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ، جَعَلَ تَعَلُّقَهُ بِالبَدَنِ نَفْخًا وإضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ لِما مَرَّ في « النِّساءِ» .

﴿ فَقَعُوا لَهُ ﴾ فاسْقُطُوا لَهُ.

﴿ ساجِدِينَ ﴾ أمْرٌ مِن وقَعَ يَقَعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فإذا سويته} أتممت

الحجر (٢٩ _ ٣٩)

خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} وجعلت فيه الروح وأحييته وليس ثمت نفخ وإنما هو تمثيل والإضافة للتخصيص {فَقَعُواْ لَهُ ساجدين} هو أمر من وقع يقع أي اسقطوا على الأرض يعني اسجدوا له ودخل الفاء لأنه جواب إذا وهو دليل على أنه يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ﴾ فَعَلْتُ فِيهِ ما يَصِيرُ بِهِ مُسْتَوِيًا مُعْتَدِلًا مُسْتَعِدًّا لِفَيَضانِ الرُّوحِ وقِيلَ: صَوَّرْتُهُ بِالصُّوَرِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ ﴿ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي ﴾ النَّفْخُ في العُرْفِ إجْراءُ الرِّيحِ مِنَ الفَمِ أوْ غَيْرِهِ في تَجْوِيفِ جِسْمٍ صالِحٍ لِإمْساكِها والِامْتِلاءِ بِها، والمُرادُ هُنا تَمْثِيلُ إفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها ولَيْسَ هُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةً.

وقالَ حُجَّةَ الإسْلامِ: عُبِّرَ بِالنَّفْخِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِعالِ فَتِيلَةِ القابِلِ مِنَ الطِّينِ الَّذِي تَعاقَبَتْ عَلَيْهِ الأطْوارُ حَتّى اعْتَدَلَ واسْتَوى واسْتَعَدَّ اسْتِعْدادًا تامًّا بِنُورِ الرُّوحِ كَما يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِعالِ الحَطَبِ القابِلِ مَثَلًا بِالنّارِ عَنْ نَتِيجَتِهِ ومُسَبِّبِهِ وهو ذَلِكَ الِاشْتِعالُ.

وقَدْ يُكَنّى بِالسَّبَبِ عَنِ الفِعْلِ المُسْتَفادِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ المُسْتَفادُ عَلى صُورَةِ الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِنهُ.

ثُمَّ هَذا الرُّوحُ عِنْدَهُ وكَذا عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ لَيْسَ بِجِسْمٍ يَحِلُّ البَدَنُ حُلُولَ الماءِ في الإناءِ مَثَلًا، ولا هو عَرَضٌ يَحِلُّ القَلْبَ أوِ الدِّماغَ حُلُولَ السَّوادِ في الأسْوَدِ والعِلْمِ في العالِمِ بَلْ هو جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ لَيْسَ داخِلَ البَدَنِ ولا خارِجَهُ ولا مُتَّصِلًا بِهِ ولا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، ولَهم عَلى ذَلِكَ عِدَّةُ أدِلَّةٍ.

الدَّلِيلُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ يُمْكِنُهُ إدْراكُ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ وذَلِكَ بِارْتِسامِ صُوَرِ المُدْرَكاتِ في المُدْرَكِ فَمَحَلُّ تِلْكَ الصُّوَرِ إنْ كانَ جِسْمًا فَإمّا أنْ يَحُلَّ غَيْرَ مُنْقَسِمٍ أوْ مُنْقَسِمًا، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ مِنَ الجِسْمِ طَرَفٌ نُقَطِيٌّ والنُّقْطَةُ تَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلصُّوَرِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّها مِمّا لا يَعْقِلُ حُصُولُ المَزاجِ لَها حَتّى يَخْتَلِفَ حالُ اسْتِعْدادِها في القابِلِيَّةِ وعَدَمِها بَلْ إنْ كانَتْ قابِلَةً لِلصُّوَرِ المَذْكُورَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَبُولُ حاصِلًا أبَدًا ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المَقْبُولُ حاصِلًا أبَدًا لِما أنَّ المَبادِئَ الفَعّالَةَ المُفارِقَةَ عامَّةُ الفَيْضِ فَلا يَتَخَصَّصُ إلّا لِاخْتِلافِ أحْوالِ القَوابِلِ فَلَوْ كانَ القابِلُ تامَّ الِاسْتِعْدادِ لَكانَ المَقْبُولُ واجِبَ الحُصُولِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ جَمِيعُ الأجْسامِ ذَواتَ النُّقَطِ عاقِلَةً، ويَجِبُ أيْضًا أنْ يَبْقى البَدَنُ بَعْدَ المَوْتِ عاقِلًا لِبَقاءِ مَحَلِّ الصُّوَرِ عَلى اسْتِعْدادِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، والثّانِي أيْضًا مُحالٌ لِأنَّ الحالَ في المُنْقَسِمِ مُنْقَسِمٌ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الصُّورَةُ مُنْقَسِمَةً أبَدًا وذَلِكَ مُحالٌ لِوُجُوهٍ مُقَرَّرَةٍ فِيما بَيْنَهم.

الدَّلِيلُ الثّانِي: ما عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ وزَعَمَ أنَّهُ أجَلُّ ما عِنْدَهُ في هَذا البابِ وهو أنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَعْقِلَ ذَواتَنا وكُلُّ مَن عَقَلَ ذاتًا فَلَهُ ماهِيَّةُ ذَلِكَ الذّاتِ فَإذًا لَنا ماهِيَّةُ ذاتِنا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ تَعَقُّلُنا لِذاتِنا لِأجْلِ صُورَةٍ أُخْرى مُساوِيَةٍ لَها تَحْصُلُ فِيها وإمّا أنْ لا يَكُونَ بَلْ لِأجْلِ أنَّ نَفْسَها حاضِرَةٌ لَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى الجَمْعِ بَيْنَ المِثْلَيْنِ فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وكُلُّ ما ذاتَهُ حاصِلٌ لِذاتِهِ كانَ قائِمًا بِذاتِهِ، فَإذَنِ القُوَّةُ العاقِلَةُ وهي الرُّوحُ والنَّفْسُ النّاطِقَةُ قائِمَةً بِنَفْسِها، وكُلُّ جِسْمٍ أوْ جُسْمانِيٍّ فَإنَّهُ غَيْرُ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، وأكْثَرَ تَلامِذَتُهُ مِنَ الِاعْتِراضاتِ وأجابَ عَنْها.

الدَّلِيلُ الثّالِثُ: ما عَوَّلَ عَلَيْهِ أفْلاطُونُ وهو أنّا نَتَخَيَّلُ صُوَرًا لا وُجُودَ لَها في الخارِجِ ونُمَيِّزُ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها فَهَذِهِ الصُّوَرُ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ ومَحَلُّها يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جُسْمانِيًّا فَإنَّ جُمْلَةَ بَدَنِنا بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمُورِ المُتَخَيَّلَةِ لَنا قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ الصُّوَرُ العَظِيمَةُ عَلى المَقادِيرِ الصَّغِيرَةِ؟

ولَيْسَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ تِلْكَ الصُّوَرِ مُنْطَبِعَةٌ في أبْدانِنا وبَعْضَها في الهَواءِ المُحِيطِ بِنا إذِ الهَواءُ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ أبْدانِنا ولا آلَةَ لِنُفُوسِنا في أفْعالِها أيْضًا وهو ظاهِرٌ، فَإذَنْ مَحَلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ شَيْءٌ غَيْرُ جُسْمانِيٍّ وذَلِكَ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ.

الدَّلِيلُ الرّابِعُ: لَوْ كانَ مَحَلُّ الإدْراكاتِ شَيْئًا جُسْمانِيًّا لَصَحَّ أنْ يَقُومَ بِبَعْضِ ذَلِكَ الجِسْمِ عِلْمٌ وبِالبَعْضِ الآخَرِ جَهْلٌ فَيَكُونُ الشَّيْءُ الواحِدُ عالِمًا جاهِلًا بِشَيْءٍ واحِدٍ في حالَةٍ واحِدَةٍ.

الدَّلِيلُ الخامِسُ: أنَّ الرُّوحَ لَوْ كانَ مُنْطَبِعًا في جِسْمٍ مِثْلِ قَلْبٍ أوْ دِماغٍ لَكانَ إمّا أنْ يَعْقِلَ دائِمًا ذَلِكَ الجِسْمَ أوْ لا يَعْقِلَهُ كَذَلِكَ أوْ يَعْقِلَهُ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ والأقْسامُ باطِلَةٌ فالقَوْلُ بِانْطِباعِهِ باطِلٌ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ تَعَقُّلَ الرُّوحِ لِذَلِكَ الجِسْمِ إمّا أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ الآلَةَ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ أوْ لِأنَّ صُورَةً أُخْرى مِن تِلْكَ الآلَةِ تَحْصُلُ لَهُ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فالرُّوحُ إنْ أمْكَنَهُ إدْراكُ تِلْكَ الآلَةِ وإدْراكُ نَفْسِ مُقارَنَتِها لَهُ فَما دامَتِ الآلَةُ مُقارَنَةً وجَبَ أنْ يَعْقِلَها الرُّوحُ فَيَكُونَ دائِمَ الإدْراكِ لِتِلْكَ الآلَةِ وإنِ امْتَنَعَ عَلى الرُّوحِ إدْراكُ الآلَةِ وجَبَ أنْ لا يُدْرِكَها أبَدًا فَظاهِرُ أنَّهُ لَوْ كانَ تَعَقُّلُ الرُّوحِ لِتِلْكَ الآلَةِ لِأجْلِ المُقارَنَةِ لَوَجَبَ أنْ يَعْقِلَها دائِمًا أوْ لا يَعْقِلَها كَذَلِكَ وكِلا القِسْمَيْنِ باطِلٌ، وأمّا إنْ كانَ تَعَقُّلُهُ لَها لِأجْلِ حُصُولِ صُورَةٍ أُخْرى مِنها فالرُّوحُ إنْ كانَتْ في تِلْكَ الآلَةِ والصُّورَةُ الثّانِيَةُ حاصِلَةٌ فِيهِ يَكُونُ الصُّورَةُ الثّانِيَةُ لِلْآلَةِ حالَةً أيْضًا في الآلَةِ لِأنَّ الحالَّ في الحالِّ في الشَّيْءِ حالٌّ في ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ المِثْلَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الرُّوحُ في تِلْكَ الحالَّةِ بَلْ مُجَرَّدَةً فَذَلِكَ المَطْلُوبُ واسْتُدِلَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا.

وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ في المَباحِثِ مِنَ الأدِلَّةِ اثْنَيْ عَشَرَ دَلِيلًا مِنها ما ذَكَرَ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ جَرْحًا وتَعْدِيلًا وعَوَّلَ في إثْباتِ هَذا المَطْلَبِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: والَّذِي نُعَوِّلُ عَلَيْهِ أنْ نَقُولَ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ الَّذِي كانَ قَبْلُ فَهَوِيَّتُهُ إمّا أنْ تَكُونَ جِسْمًا وإمّا أنْ تَكُونَ قائِمَةً بِالجِسْمِ وإمّا أنْ لا تَكُونُ شَيْئًا مِنَ الأمْرَيْنِ والأوَّلِ بِالباطِلِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ عالِمًا بِهَوِيَّتِهِ عِنْدَ ذُهُولِهِ عَنْ جُمْلَةِ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الأبْعاضَ الجُسْمانِيَّةَ دائِمَةُ التَّحَلُّلِ والتَّبَدُّلِ لِأنَّ الأسْبابَ المُحالَّةَ مِنَ الحَرارَةِ الخارِجِيَّةِ والدّاخِلِيَّةِ والحَرَكاتِ النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ مِمّا لا تَخْتَصُّ بِجُزْءٍ دُونَ جُزْءٍ والبَدَنُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ المُرَكَّبَةِ وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ مِثْلَ اللَّحْمِ والعَظْمِ فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ اللَّحْمِ مِثْلَ الآخَرِ في الِاسْتِعْدادِ لِلتَّحَلُّلِ فَإذا كانَتِ الأجْزاءُ كُلُّها مُتَساوِيَةً في ذَلِكَ كانَتْ نِسْبَةُ المُحَلَّلاتِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ كَنِسْبَتِهِ إلى الجَزاءِ الآخَرِ فَلَمْ يَكُنْ عُرُوضُ التَّحَلُّلِ لِبَعْضٍ أوْلى مِن عُرُوضِهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ فَثَبَتَ أنَّ هُوِيَّةَ الإنْسانِ لَيْسَتْ جِسْمًا ولَيْسَتْ أيْضًا قائِمَةً بِالجِسْمِ لِأنَّ القائِمَ بِهِ يَجِبُ أنْ يَتَبَدَّلَ عِنْدَ تَبَدُّلِهِ لِاسْتِحالَةِ انْتِقالِ الأعْراضِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجِدَ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا قَبْلُ، ولَمّا كانَ هَذا العِلْمُ مِنَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ عَلِمْنا أنَّ هُوِيَّةَ الإنْسانِ لَيْسَتْ جِسْمًا ولا مُحْتاجَةً إلَيْهِ فَهو جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ وهو المَطْلُوبُ.

ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِسائِرِ الحَيَواناتِ هَذا الجَوْهَرُ لِأنّا وإنْ عَرَفْنا أنَّها تَعْلَمُ هُوِيّاتِ أنْفُسَها لَكِنْ لا نَعْرِفُ أنَّها تَعْلَمُ مِن أنْفُسِها أنَّها هي الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلُ ويُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ أيْضًا عَلى هَذا المَطْلَبِ بِأنّا قَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ المُدْرَكَ بِجَمِيعِ أصْنافِ الإدْراكاتِ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ شَيْءٌ واحِدٌ في الإنْسانِ فَنَقُولُ: ذَلِكَ المُدْرَكُ إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا أوْ قائِمًا بِهِ ولا، والأوَّلُ ظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّ الجِسْمَ مِن حَيْثُ هو جِسْمٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُدْرَكًا، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ إمّا أنْ تَكُونَ قائِمَةً بِجَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ أوْ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَكانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ مُبْصِرًا سامِعًا مُتَخَيِّلًا مُتَفَكِّرًا عاقِلًا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وبَطَلَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الأعْضاءِ قامَتْ بِهِ القُوَّةُ المُدْرَكَةُ لِجَمِيعِ هَذِهِ المُدْرَكاتِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في البَدَنِ عُضْوٌ واحِدٌ سامِعٌ مُبْصِرٌ مُتَخَيِّلٌ مُتَفَكِّرٌ عاقِلٌ ولَسْنا نَجْدُ ذَلِكَ فِينا، وبِهَذا ظَهَرَ أيْضًا فَسادُ ما قِيلَ: لَعَلَّ القُوَّةَ المُدْرَكَةَ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ قائِمَةٌ بِجِسْمٍ لَطِيفٍ مَحْصُورٍ في بَعْضِ الأعْضاءِ لِظُهُورِ أنّا لا نَجْدُ مِن أبْدانِنا مَوْضِعًا مُشْتَمِلًا عَلى هَذا الجِسْمِ اللَّطِيفِ السّامِعِ المُبْصِرِ المُتَخَيِّلِ المُتَفَكِّرِ العاقِلِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّكم لا تَعْرِفُونَ هَذا المَوْضِعَ لَكِنْ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ لِأنّا نَقُولُ: إنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنّا السّامِعُونَ المُبْصِرُونَ المُتَخَيِّلُونَ العاقِلُونَ فَلَوْ كانَ بَعْضُ الأجْسامِ سَواءٌ كانَ جُزْءًا مِنَ البَدَنِ أوْ مَحْصُورًا في جُزْءٍ مِنهُ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ هَذِهِ المُدْرَكاتِ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَتُنا وهُوِيَّتُنا إلّا ذَلِكَ الجِسْمَ فَلَوْ لَمْ نَعْرِفْهُ لَكُنّا لا نَعْرِفُ حَقِيقَةَ أنْفُسِنا وذَلِكَ باطِلٌ فَثَبَتَ أنَّ المَوْصُوفَ بِالقُوَّةِ المُدْرَكَةِ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ لَيْسَ جِسْمًا أصْلًا ولا قائِمًا بِهِ فَهُوَ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ وهو المَطْلُوبُ، وذَكَرَ هَؤُلاءِ الذّاهِبُونَ إلى التَّجَرُّدِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالبَدَنِ كَتَعَلُّقِ العاشِقِ عِشْقًا جَبَلِيًّا إلْهامِيًّا بِالمَعْشُوقِ حَتّى أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ ما دامَ البَدَنُ مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ بَلْ تَعَلُّقُ الرُّوحِ أقْوى مِن هَذا التَّعَلُّقِ بِكَثِيرٍ وهو تَعَلُّقُ التَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى في الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ تَجْرِي مَجْرى الأصْلِ والمادَّةِ أوْ لِلتَّشْرِيفِ، وسُئِلَ حُجَّةُ الإسْلامِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: لَوْ نَطَقَتِ الشَّمْسُ وقالَتْ: أفْضْتُ عَلى الأرْضِ مِن نُورِي يَكُونُ ذَلِكَ صِدْقًا ويَكُونُ مَعْنى النِّسْبَةِ أنَّ النُّورَ الحاصِلَ لِلْأرْضِ مِن جِنْسِ نُورِ الشَّمْسِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

وإنْ كانَ في غايَةٍ مِنَ الضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وقَدْ عَرَفْتُ أنَّ الرُّوحَ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ والمَكانِ وفي قُوَّتِهِ العِلْمُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وذَلِكَ مُضاهاةٌ ومُناسَبَةٌ ولِذَلِكَ خُصَّ بِالإضافَةِ وهَذِهِ المُضاهاةُ لَيْسَتْ لِلْجُسْمانِيّاتِ أصْلًا، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ في تَنْزِيهِ الرُّوحِ عَنِ المَكانِ وصْفًا لَهُ بِصِفَةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وتَقَدَّسَتْ صِفاتُهُ بَلْ بِأخَصِّ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُ التَّمَيُّزِ فَقَدْ قالُوا: كَما يَسْتَحِيلُ اجْتِماعُ جِسْمَيْنِ في مَكانٍ واحِدٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَجْتَمِعَ اثْنانِ لا في مَكانٍ لِأنَّهُ إنَّما اسْتَحالَ اجْتِماعُ جِسْمَيْنِ في مَكانٍ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَمَعا لَمْ يَتَمَيَّزْ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ فَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ اثْنانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لَيْسَ في مَكانٍ لَمْ يَحْصُلِ التَّمَيُّزُ والفَرْقُ بَيْنَهُما ولِذا قالُوا: لا يَجْتَمِعُ سِوادانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ حَتّى قِيلَ المِثْلانِ كالضِّدَّيْنِ لِأنّا نَقُولُ: التَّمَيُّزُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ بِالمَكانِ بَلْ يَكُونُ بِهِ لِجِسْمَيْنِ في مَكانَيْنِ وبِالزَّمانِ كَسِوادَيْنِ في جَوْهَرٍ واحِدٍ في زَمانَيْنِ وبِالحَدِّ والحَقِيقَةِ كالأعْراضِ المُخْتَلِفَةِ في مَحَلٍّ واحِدٍ مِثْلِ الطَّعْمِ واللَّوْمِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ في جِسْمٍ واحِدٍ فَإنَّ تَمَيُّزَ كُلٍّ مِنها عَنِ الآخَرِ بِذاتِهِ لا بِمَكانٍ ولا زَمانٍ ومِثْلُ ذَلِكَ العِلْمُ والإرادَةُ والقُدْرَةُ فَإنَّ تَمَيُّزَ كُلٍّ أيْضًا بِذاتِهِ وإنْ كانَ الجَمِيعُ لِشَيْءٍ واحِدٍ فَإذا تُصُوِّرَ أعْراضٌ مُخْتَلِفَةُ الحَقائِقِ في مَحَلٍّ واحِدٍ فَبِأنْ يُتَصَوَّرَ أشْياءَ مُخْتَلِفَةَ الحَقائِقِ بِذَواتِها في غَيْرِ مَكانٍ أوْلى، وكَوْنُ الوُجُودِ لا في مَكانٍ أخَصَّ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ في حَيِّزِ المَنعِ بَلِ الأخَصُّ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قَيُّومٌ أيْ قائِمٌ بِذاتِهِ وكُلُّ ما سِواهُ قائِمٌ بِهِ وأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى مَوْجُودٌ بِذاتِهِ وكُلُّ ما سِواهُ تَعالى مَوْجُودٌ لا بِذاتِهِ بَلْ لَيْسَ لِلْأشْياءِ مِن ذَواتِها إلّا العَدَمُ وإنَّما لَها الوُجُودُ مِن غَيْرِها عَلى سَبِيلِ العارِيَةِ والوُجُودُ لَهُ سُبْحانَهُ ذاتِيٌّ غَيْرُ مُسْتَعارٍ فالقَيُّومِيَّةُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ انْتَهى.

وهَذا الَّذِي قالُوهُ مِن تَجَرُّدِ الرُّوحِ خِلافُ ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ.

قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّؤُوفِ المَناوِيُّ: قَدْ خاضَ سائِرُ الفِرَقِ غَمْرَةَ الكَلامِ في الرُّوحِ فَما ظَفِرُوا بِطائِلٍ ولا رَجَعُوا بِنائِلٍ وفِيها أكْثَرُ مِن ألْفِ قَوْلٍ ولَيْسَ فِيها- عَلى ما قالَ ابْنُ جَماعَةٍ - قَوْلٌ صَحِيحٌ بَلْ كُلُّها قِياساتٌ وتَجَلِّياتٌ عَقْلِيَّةٌ، وجُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّها جِسْمٌ لَطِيفٌ يُخالِفُ الأجْسامَ بِالماهِيَّةِ والصِّفَةِ مُتَصَرِّفٌ في البَدَنِ حالٌّ فِيهِ حُلُولَ الزَّيْتِ في الزَّيْتُونِ والنّارِ في الفَحْمِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأنا وأنْتَ.

وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، وقالَ اللَّقّانِيُّ: جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّها جِسْمٌ مُخالِفٌ بِالماهِيَّةِ لِلْجِسْمِ الَّذِي تَتَوَلَّدُ مِنهُ الأعْضاءُ نُورانِيٌّ عُلْوِيٌّ خَفِيفٌ حَيٌّ لِذاتِهِ نافِذٌ في جَوْهَرِ الأعْضاءِ سارَ فِيهِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الفَحْمِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَبَدُّلٌ ولا انْحِلالٌ بَقاؤُهُ في الأعْضاءِ حَياةٌ وانْفِصالُهُ عَنْها إلى عالَمِ الأرْواحِ مَوْتٌ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإنْسانَ هو هَذا الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ ورُوحَهُ عَرَضٌ قائِمٌ بِهِ وعَزاهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُعاصِرِينَ إلى جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ وجَعَلَهُ وامْتِناعَ اتِّحادِ القابِلِ والفاعِلِ دَلِيلًا عَلى إبْطالِ كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِهِ، وقَدْ رَدَّ الإمامُ في التَّفْسِيرِ ذَلِكَ الزَّعْمَ وارْتَضى ما نَقَلْناهُ عَنِ الجُمْهُورِ فَقالَ: إنَّهم قالُوا لا يَجُوزُ أنَّ يَكُونَ الإنْسانُ عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ لِأنَّ أجْزاءَهُ أبَدًا في الذُّبُولِ والنُّمُوِّ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والِاسْتِكْمالِ والذَّوَبانِ ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ مِن حَيْثُ هُوَ- هُوَ- أمْرٌ باقٍ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ وغَيْرُ الباقِي غَيْرُ الباقِي فالمُشارُ إلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ بُقُولِهِ أنا وجَبَ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِهَذا الهَيْكَلِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا عِنْدَ ذَلِكَ في أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِأنا أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟

والأقْوالُ فِيهِ كَثِيرَةٌ إلى أنَّ أسَدَّها تَحْصِيلًا وتَلْخِيصًا أنَّها أجْزاءٌ جُسْمانِيَّةٌ سارِيَةٌ في هَذا الهَيْكَلِ سَرَيانَ الماءِ في الوَرْدِ والدُّهْنِ في السِّمْسِمِ ثُمَّ إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنهم قالُوا إنَّ الأجْسامَ الَّتِي هي باقِيَةٌ مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِهِ مُخالِفَةٌ بِالماهِيَّةِ لِما تَرَكَّبَ مِنهُ الهَيْكَلُ وهي حَيَّةٌ لِذاتِها مُدْرَكَةٌ لِذاتِها نُورانِيَّةٌ لِذاتِها فَإذا خالَطَتْ ذَلِكَ وصارَتْ سارِيَةً فِيهِ صارَ مُسْتَنِيرًا بِنُورِها مُتَحَرِّكًا بِتَحْرِيكِها ثُمَّ إنَّهُ أبَدًا في الذَّوَبانِ والتَّحَلُّلِ والتَّبَدُّلِ وتِلْكَ الأجْزاءُ لِمُخالَفَتِها لَهُ بِالماهِيَّةِ باقِيَةٌ بِحالِها وإذا فَسَدَ انْفَصَلَتْ عَنْهُ إلى عالَمِ القُدْسِ إنْ كانَتْ سَعِيدَةً أوْ عالَمِ الآفاتِ إنْ كانَتْ شَقِيَّةً اه، ومِنهُ يُعْلَمُ بُطْلانُ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَجَرُّدِ الرُّوحِ بِإبْطالِ كَوْنِ الإنْسانِ عِبارَةً عَنِ الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ صاحِبِ الهَياكِلِ حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ شارِحِهِ الجَلالُ حَيْثُ قالَ في الهَيْكَلِ الثّانِي: أنْتَ لا تَغْفُلُ عَنْ ذاتِكَ أبَدًا وما جُزْءٌ مِن أجْزاءِ بَدَنِكَ إلّا تَنْساهُ أحْيانًا ولا يُدْرَكُ الكُلُّ إلّا بِأجْزائِهِ فَلَوْ كُنْتَ أنْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ ما كانَ يَسْتَمِرُّ شُعُورُكَ بِذاتِكَ مَعَ نِسْيانِها فَأنْتَ وراءَ هَذا البَدَنِ وقالَ الجَلالُ: فَلا تَكُونُ النَّفْسُ جِسْمًا أصْلًا لِأنَّ غايَةَ ذَلِكَ إثْباتُ النَّفْسِ وراءَ هَذا البَدَنِ لا إثْباتُ أنَّها مَعَ ذَلِكَ مُجَرَّدَةٌ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ جِسْمًا لَطِيفًا كَما عَلِمْتَ.

وزَعَمَ القاضِي أنَّ مَذْهَبَ أكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ وأنَّها هي الحَياةُ واخْتارَهُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ ولَمْ يُبالِ بِلُزُومِ قِيامِ العَرَضِ بِالعَرَضِ.

واعْتَرَضَ هَذا الزّاعِمُ القَوْلَ بِالجِسْمِيَّةِ بِأنَّها لَوْ كانَتْ جِسْمًا لَجازَ عَلَيْها الحَرَكَةُ والسُّكُونُ كَسائِرِ الأجْسامِ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ كُلُّها أرْواحًا ولَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِلرُّوحِ رُوحٌ أُخْرى لا إلى نِهايَةٍ، وفِيهِ أنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذُكِرَ أنْ لَوْ كانَ الجِسْمُ إنَّما كانَ رُوحًا لِكَوْنِهِ جِسْمًا ولَيْسَ فَلَيْسَ فَإنَّهُ إنَّما كانَ رُوحًا لِمَعْنًى خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ القائِلَ بِالجِسْمِيَّةِ يَقُولُ: إنَّهُ حَيٌّ لِذاتِهِ فَلا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ الجِسْمِ عِنْدَهُ عَلاقَةٌ بِحَسَبِ بُخارٍ لَطِيفٍ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ، وعَرَّفَهُ في الهَياكِلِ بِأنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ بُخارِيٌّ يَتَوَلَّدُ مِن لَطائِفِ الأخْلاطِ ويَنْبَعِثُ مِنَ التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ ويَنْبَثُّ في البَدَنِ بَعْدَ أنْ يَكْتَسِبَ السُّلْطانَ النُّورِيَّ مِنَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ ولَوْلا لُطْفُهُ لَما سَرى وهو مَطِيَّةُ تَصَرُّفاتِ النَّفْسِ ومَتى انْقَطَعَ انْقَطَعَ تَصَرُّفُها، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ اعْتِدالُ مَزاجِ دَمِ القَلْبِ والأمْرُ في ذَلِكَ سَهَلٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الرُّوحَ تُطْلَقُ عَلى الرُّوحِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّها جِسْمٌ لَطِيفٌ سارَ في البَدَنِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ وهو غَيْرُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ وعَلى أمْرٍ رَبّانِيٍّ شَرِيفٍ لَهُ إشْراقٌ عَلى ذَلِكَ الجِسْمِ اللَّطِيفِ ولَعَلَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ حَياةِ الرُّوحِ بِالمَعْنى الأوَّلِ وإدْراكِها ونُورانِيَّتِها ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ الأمْرِيِّ وهو المُرادُ مِنَ الرُّوحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ الآيَةَ، ويُطْلِقُونَ كَثِيرًا عَلى الرُّوحِ بِالمَعْنى الأوَّلِ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ وعَلَيْها بِالمَعْنى الثّانِي النَّفْسَ النّاطِقَةَ والَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ لَيْسَ جِسْمًا ولا جُسْمانِيًّا ولا مُتَّصِلًا ولا مُنْفَصِلًا ولا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ وأنَّهُ نُورٌ مِن أنْوارِ اللَّهِ تَعالى القائِمَةِ لا في أيْنَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَشْرِقُهُ وإلَيْهِ سُبْحانُهُ مَغْرِبُهُ هو الرُّوحُ بِهَذا الإطْلاقِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ حُدُوثَها هَلْ هو قَبْلَ الأبْدانِ أوْ بَعْدَها فَقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: الحَقُّ أنَّ الأرْواحَ حَدَثَتْ عِنْدَ اسْتِعْدادِ الجَسَدِ لِلْقَبُولِ كَما حَدَثَتِ الصُّورَةُ في المِرْآةِ بِحُدُوثِ الصِّقالَةِ وإنْ كانَ ذُو الصُّورَةِ سابِقَ الوُجُودِ عَلى الصَّقِيلِ، وقَدْ قالَ بِذَلِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ أرِسْطُو ومُتَّبِّعُوهُ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ فَإمّا أنْ تَكُونَ واحِدَةً أوْ كَثِيرَةً وعَلى الأوَّلِ إمّا أنْ تَتَكَثَّرَ عِنْدَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ أوْ لا فَإنْ لَمْ تَتَكَثَّرْ كانَتِ الرُّوحُ الواحِدَةُ رُوحًا لِكُلِّ بَدَنٍ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ ما عَلِمَهُ إنْسانٌ عَلِمَهُ الكُلُّ وما جَهِلَهُ جَهِلَهُ وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ تَكَثَّرَتْ لَزِمَ انْقِسامُ ما لَيْسَ لَهُ حَجْمٌ وهو أيْضًا مُحالٌ، وعَلى الثّانِي لا بُدَّ أنْ يَمْتازَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَنْ صاحِبَتِها إمّا بِالماهِيَّةِ أوْ لَوازِمِها أوْ عَوارِضِها، والأوَّلانِ مُحالانِ لِأنَّ الأرْواحَ مُتَّحِدَةٌ بِالنَّوْعِ والواحِدُ بِالنَّوْعِ يَتَساوى جَمِيعُ أفْرادِهِ بِالذّاتِيّاتِ ولَوازِمِها، وأمّا العَوارِضُ فَحُدُوثُها إنَّما هو بِسَبَبِ المادَّةِ وهي هُنا البَدَنُ فَقَبْلَهُ لا مادَّةَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هُناكَ عَوارِضُ مُخْتَلِفَةٌ وبَعْدَ أنْ ساقَ حُجَّةُ الإسْلامِ الدَّلِيلَ عَلى هَذا الطَّرْزِ قِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ في خَبَرِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسامِ بِألْفَيِّ عامٍ»»؟

وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنا أوَّلُ الأنْبِياءِ خَلْقًا وآخِرُهم بَعْثًا وكُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ»» فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: نَعَمْ هَذا يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى تَقَدُّمِ وُجُودِ الرُّوحِ عَلى الجَسَدِ ولَكِنَّ أمْرَ الظَّواهِرِ هَيِّنٌ لِسِعَةِ بابِ التَّأْوِيلِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ البُرْهانَ القاطِعَ لا يُدْرَأُ بِالظّاهِرِ بَلْ يُؤَوَّلُ لَهُ الظّاهِرُ كَما في ظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى المُنافِيَةِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ البُرْهانُ القَطْعِيُّ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: لَعَلَّ المُرادَ مِنَ الأرْواحِ في الخَبَرِ الأوَّلِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبِالأجْسادِ أجْسادُ العالَمِ مِنَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ والسَّماواتِ ونَحْوِها، وإذا تَفَكَّرْتَ في عِظَمِ هَذِهِ الأجْسادِ لَمْ تَكَدْ تَسْتَحْضِرُ أجْسادَ الآدَمِيِّينَ ولَمْ تَفْهَمْها مِن مُطْلَقِ لَفْظِ الأجْسادِ، ونِسْبَةُ أرْواحِ البَشَرِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَنِسْبَةِ أجْسادِهِمْ إلى أجْسادِ العالَمِ ولَوِ انْفَتَحَ عَلَيْكَ بابُ مَعْرِفَةِ أرْواحِ المَلائِكَةِ لَرَأيْتَ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ كَسِراجٍ اقْتُبِسَ مِن نارٍ عَظِيمَةٍ طَبَّقَتِ العالَمَ وتِلْكَ النّارُ هي الرُّوحُ الأخِيرَةُ مِن أرْواحِ المَلائِكَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا أوَّلُ الأنْبِياءِ خَلْقًا»» فالخَلْقُ فِيهِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ دُونَ الإيجادِ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا مَوْجُودًا ولَكِنَّ الغاياتِ سابِقَةٌ في التَّقْدِيرِ ولاحِقَةٌ في الوُجُودِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ الحَكِيمِ: أوَّلُ الفِكْرِ آخِرُ العَمَلِ، فالدّارُ الكامِلَةُ أوَّلُ الأشْياءِ في حَقِّ المُهَنْدِسِ مَثَلًا تَقْدِيرًا وآخِرُها وجُودًا وما يَتَقَدَّمُ عَلى وُجُودِها مِن ضَرْبِ اللَّبَنِ ونَحْوِهِ وسِيلَةٌ إلَيْها ومَقْصُودٌ لِأجْلِها، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن فِطْرَةِ الآدَمِيِّينَ إدْراكَهم لِسَعادَةِ القُرْبِ مِنَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ ولَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ إلّا بِتَعْرِيفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَتِ النُّبُوَّةُ مَقْصُودَةً والمَقْصُودُ كَمالُها وغايَتُها لا أوَّلُها وتَمْهِيدُ أوَّلِها وسِيلَةٌ إلى ذَلِكَ وكَمالُها بِهِ  فَلِذَلِكَ كانَ أوَّلًا في التَّقْدِيرِ وآخِرًا في الوُجُودِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ»» إشارَةٌ إلى هَذا أيْضًا وإنَّهُ لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ خَلْقَ آدَمَ إلّا لِيَنْتَزِعَ الصّافِيَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ولَمْ يَزَلْ يَسْتَصْفِي تَدْرِيجًا إلى أنْ بَلَغَ كَمالَ الصَّفاءِ، ولا يُفْهَمُ هَذا إلّا بِأنْ يُعْلَمَ أنَّ لِلدّارِ مَثَلًا وُجُودَيْنِ وُجُودًا في ذِهْنِ المُهَنْدِسِ حَتّى كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلى صُورَتِها ووُجُودًا خارِجَ الذِّهْنِ مُسَبَّبًا عَنِ الوُجُودِ الأوَّلِ فَهو سابِقٌ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ.

وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَدِّرُ أوَّلًا ثُمَّ يُوجِدُ عَلى وفْقِ التَّقْدِيرِ ثانِيًا والتَّقْدِيرُ يُرْسَمُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما يُرْسَمُ تَقْدِيرُ المُهَنْدِسِ أوَّلًا في لَوْحٍ أوْ قِرْطاسٍ فَتَصِيرُ الدّارُ مَوْجُودَةً بِكَمالِ صُورَتِها نَوْعًا مِنَ الوُجُودِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْوُجُودِ الحَقِيقِيِّ، وكَما أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تُرْتَسَمُ في لَوْحِ المُهَنْدِسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ والقَلَمُ يَجْرِي عَلى وفْقِ العِلْمِ بَلِ العِلْمُ يُجْرِيهِ كَذَلِكَ تَقْرِيرُ صُورَةِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ تُرْتَسَمُ أوَّلًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِواسِطَةِ القَلَمِ الإلَهِيِّ والقَلَمُ يَجْرِي عَلى وفْقِ العِلْمِ السّابِقِ الأزَلِيِّ، واللَّوْحُ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ قابِلٍ لِنَقْشِ الصُّوَرِ، والقَلَمُ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ مِنهُ تَفِيضُ الصُّوَرُ عَلى اللَّوْحِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِما أنْ يَكُونا جِسْمَيْنِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَلَمُ اللَّهِ تَعالى ولَوْحُهُ لائِقَيْنِ لِأُصْبُعِهِ ويَدِهِ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما يَلِيقُ بِذاتِهِ الإلَهِيَّةِ ويُقَدَّسُ عَنْ حَقِيقَةِ الجِسْمِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُما جَوْهَرانِ رَوْحانِيّانِ أحَدُهُما مُتَعَلَّمٌ وهو اللَّوْحُ والآخَرُ مُعَلِّمٌ وهو القَلَمُ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ فَإذا فَهِمْتَ مَعْنَيَيِ الوُجُودِ فَقَدْ كانَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلُ بِالمَعْنى الأوَّلِ مِنهُما دُونَ المَعْنى الثّانِي اه.

واعْتُرِضَ عَلى الِاسْتِدْلالِ مِن وُجُوهٍ مِنها ما هو جارٍ عَلى رَأْيِ الفَلاسِفَةِ المُسْتَدِلِّينَ بِذَلِكَ أيْضًا ومِنها ما لا اخْتِصاصَ لَهُ بِرَأْيِهِمْ.

الأوَّلُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ قَبْلَ الأبْدانِ واحِدَةً ثُمَّ تَكَثَّرَتْ ولا يُقالُ: الكُلُّ لَوْ كانَ واحِدًا وكانَ قابِلًا لِلِانْقِسامِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ وحْدَتُهُ اتِّصالِيَّةً فَيَكُونَ جِسْمًا لِأنّا نَقُولُ: مُسَلَّمٌ أنَّ كُلَّ ما وحْدَتُهُ اتِّصالِيَّةٌ فَإنَّهُ واحِدٌ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ ولا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ فَوَحْدَتُهُ اتِّصالِيَّةٌ لِأنَّ المُوجِبَةَ الكُلِّيَّةَ لا تَنْعَكِسُ كَنَفْسِها.

الثّانِي سَلَّمْنا أنَّها كانَتْ مُتَكَثِّرَةً لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَصَّ كُلٌّ بِصِفَةٍ مُمَيَّزَةٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّمَيُّزُ لِلِاخْتِصاصِ بِأمْرٍ ما لَكانَ ذَلِكَ الأمْرُ أيْضًا مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ فَإمّا أنْ يَكُونَ تَمَيُّزُهُ بِما بِهِ تَمَيُّزُهُ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أوْ بِثالِثٍ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ولِأنَّ التَّمَيُّزَ لا يَخْتَصُّ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ إلّا بَعْدَ تَمَيُّزِهِ فَلَوْ كانَ تَمَيُّزُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ بِاخْتِصاصِهِ بِشَيْءٍ لَزِمَ الدَّوْرُ.

الثّالِثُ سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُمَيِّزٍ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِذاتِيٍّ، وبَيانُهُ ما بَيَّنُوهُ مِنَ اخْتِلافِ النُّفُوسِ بِالنَّوْعِ.

الرّابِعُ سَلَّمْنا أنَّها لا تَتَمَيَّزُ بِشَيْءٍ مِنَ الذّاتِيّاتِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَتَمَيَّزَ بِالعَوارِضِ قَوْلُكُمْ: إنَّ حُدُوثَها بِسَبَبِ المادَّةِ وهي هُنا البَدَنُ ولا بَدَنَ فَنَقُولُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ بَدَنٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ وقَبْلَهُ آخَرُ وهَكَذا ولا مُخَلِّصَ مِن هَذا إلّا بِإبْطالِ التَّناسُخِ فَتُوقَفُ حُجَّةُ إثْباتِ حُدُوثِ الأرْواحِ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ مَعَ أنَّ الحُكَماءَ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى الحُدُوثِ حَيْثُ قالُوا بَعْدَ الفَراغِ مِن دَلِيلِهِ: إذا ثَبَتَ حُدُوثُ النَّفْسِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِحُدُوثِها سَبَبٌ وذَلِكَ هو حُدُوثُ البَدَنِ فَإذا حَدَثَ البَدَنُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ نَفْسٌ عَلى سَبِيلِ التَّناسُخِ وثَبَتَ أنَّ حُدُوثَ النَّفْسِ سَبَبٌ لِأنْ يَحْدُثَ عَنِ المَبادِئِ المُفارِقَةِ نَفْسٌ أُخْرى فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ اجْتِماعُ نَفْسَيْنِ في بَدَنٍ فَيَجِيءُ الدَّوْرُ.

الخامِسُ سَلَّمْنا عَدَمَ تَعَلُّقِها بِبَدَنٍ قَبْلُ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِعارِضٍ بِاعْتِبارِهِ كانَتْ مُتَمَيِّزَةً ثُمَّ يَكُونُ كُلُّ عارِضٍ بِسَبَبٍ عارِضٍ آخَرَ لا إلى أوَّلٍ.

السّادِسُ: المُعارَضَةُ وهي أنَّ الأرْواحَ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ باقِيَةٌ بَعْدَ المُفارَقَةِ ولا يَكُونُ تَمايُزُها بِالماهِيَّةِ ولَوازِمِها بَلْ بِالعَوارِضِ لَكِنَّ الأرْواحَ الهُيُولانِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَكْتَسِبْ شَيْئًا مِنَ العَوارِضِ إذا فارَقَتْ لا يَكُونُ فِيها شَيْءٌ مِنَ العَوارِضِ سِوى أنَّها كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِأبْدانٍ فَإنْ كَفى هَذا القَدْرُ في وُقُوعِ التَّمايُزِ فَلْيَكْفِ أيْضًا كَوْنُها بِحَيْثُ يَحْدُثُ لَها بَعْدُ التَّعَلُّقُ بِأبْدانٍ مُتَمايِزَةٍ، قَوْلُهُمْ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَبْلُ واحِدَةً فَتَكَسَّرَتْ، قُلْنا: لا يَجُوزُ لِأنَّ كُلَّ ما انْقَسَمَ وجَبَ أنْ يَكُونَ جُزْؤُهُ مُخالِفًا لِكُلِّهِ ضَرُورَةَ أنَّ الشَّيْءَ مَعَ غَيْرِهِ لَيْسَ هو لا مَعَ غَيْرِهِ فَتِلْكَ المُخالَفَةُ إنْ كانَتْ بِالماهِيَّةِ أوْ لَوازِمِها وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ مُخالِفًا لِلْآخَرِ بِالماهِيَّةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الأجْزاءِ قَدْ كانَتْ مُتَمَيِّزَةً أبَدًا وكانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ.

فَهَذِهِ الأُمُورُ المُتَعَلِّقَةُ الآنَ بِالأبْدانِ كانَتْ مُتَمَيِّزَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِها وإنْ كانَتِ المُخالَفَةُ لا بِالماهِيَّةِ ولا بِلَوازِمِها فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الجُزْءُ أصْغَرَ مِقْدارًا مِنَ الكُلِّ وإلّا لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أوْلى بِأنْ يَكُونَ جُزْءُ الآخَرِ مِنَ العَكْسِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذا مِقْدارٍ.

سَلَّمْنا أنَّ المُجَرَّدَ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْقَسِمَ بَعْدَ وحْدَتِهِ لَكِنَّ تَعْيِناتِ تِلْكَ الأجْزاءِ إنَّما تَحْدُثُ بَعْدَ الِانْقِسامِ الحاصِلِ بَعْدَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ فَيَكُونُ تَعَيِّنُ كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ بَعْدَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ فَيَكُونُ تَعَيِّنُ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النُّفُوسِ مِن حَيْثُ هي حادِثًا وهو المَطْلُوبُ.

وقَوْلُهُمْ: لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الِامْتِيازَ لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ الِاخْتِصاصِ بِوَصْفٍ، قُلْنا: يُجابُ بِنَحْوِ ما ذَكَرُوهُ في تَشَخُّصِ التَّشَخُّصِ، وقَوْلُهم لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ النُّفُوسَ لا يَجُوزُ أنْ تَتَمايَزَ بِالصِّفاتِ المُقَوِّمَةِ؟

قُلْنا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُمُوهُ إلّا أنّا لا نَعْرِفُ بِالبَدِيهَةِ أنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها فَإنَّها مَقُولَةٌ عَلى أشْخاصٍ عِدَّةٍ بِالضَّرُورَةِ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُلُّ إنْسانٍ مُخالِفًا لِجَمِيعِ النّاسِ في الماهِيَّةِ، وإذا وُجِدَ في كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها شَخْصٌ فَقَدْ تَمَّتِ الحُجَّةُ.

وقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى إبْطالِ التَّناسُخِ.

قُلْنا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنّا إذا وجَدْنا مِنَ النَّوْعِ الواحِدِ شَخْصَيْنِ عَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الشَّخْصِيَّةَ لَيْسَتْ مَعْلُولَةً لِتِلْكَ الماهِيَّةِ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ نَوْعُهُ في شَخْصِهِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ شَخْصِيَّتَهُ لَيْسَتْ مِن لَوازِمِ ماهِيَّتِهِ فَهي إذَنْ لِعِلَّةٍ خارِجِيَّةٍ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ العِلَّةَ هي المادَّةُ ومادَّةُ النَّفْسِ هي البَدَنُ فَإذَنْ تَعَيُّنُها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلتَّعَلُّقِ بِبَدَنِ مُعَيَّنٍ فَتَكُونُ لا مَحالَةَ غَيْرَ مُتَعَيِّنَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ البَدَنِ فَهي مَعْدُومَةٌ قَبْلَهُ.

وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما نَوْعُهُ مَقُولٌ عَلى كَثِيرِينَ بِالفِعْلِ فَهو مُحْدَثٌ، فاتَّضَحَ مِن هَذا أنَّهُ مَتى سُلِّمَ كَوْنُ النُّفُوسِ مُتَّحِدَةً في النَّوْعِ يَلْزَمُ حُدُوثُها وأنَّهُ لا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى إبْطالِ التَّناسُخِ لِيَجِيءَ الدَّوْرُ السّابِقُ.

قَوْلُهُمْ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِعارِضٍ إلَخْ؟

قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ امْتِيازُها بِذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ المُعَيَّنَةَ عَنْ غَيْرِها حُكْمٌ مُعَيَّنٌ لا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وتِلْكَ العِلَّةُ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حالَّةً فِيها لِأنَّ ذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلى امْتِيازِها عَنْ غَيْرِها فَلَوْ تَوَقَّفَ ذَلِكَ الِامْتِيازُ عَلى حُلُولِ ذَلِكَ الحالِ لَزِمَ الدَّوْرُ، فَإذَنْ تِلْكَ العِلَّةُ أمْرٌ عائِدٌ إلى القابِلِ وقَبْلَ البَدَنِ لا قابِلَ فَلا تَمَيُّزَ.

والمُتَكَلِّمُونَ يُبْطِلُونَ مِثْلَ ما ذُكِرَ بِلُزُومِ التَّسَلْسُلِ الَّذِي يُبْطِلُهُ بُرْهانُ التَّطْبِيقِ.

وأمّا المُعارِضَةُ فالجَوابُ عَنْها بِأنَّ النُّفُوسَ الهُيُولانِيَّةَ يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ أوَّلًا بِسَبَبِ تَعَلُّقِها بِالقابِلِ المُعَيَّنِ ثُمَّ إنَّهُ يَلْزُمُ مِن تَعَيُّنِ كُلِّ واحِدٍ مِنها شُعُورُها بِذاتِها الخاصَّةِ وقَدْ بُيِّنَ أنَّ شُعُورَ الشَّيْءِ بِذاتِهِ حالَةٌ زائِدَةٌ عَلى ذاتِهِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الشُّعُورَ يَسْتَمِرُّ فَلا جَرَمَ يَبْقى الِامْتِيازُ.

والحاصِلُ أنَّ الِامْتِيازَ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ أوَّلًا بِسَبَبٍ آخَرَ حَتّى يَحْصُلَ لِكُلٍّ مِنَ النُّفُوسِ شُعُورٌ بِذاتِهِ الخاصِّ وذَلِكَ السَّبَبُ في النُّفُوسِ الهُيُولانِيَّةِ تَعَلُّقُها بِالأبْدانِ، وأمّا الَّتِي قَبْلَ الأبْدانِ فَلَوْ تَمَيَّزَتْ لَكانَ المُمَيَّزُ سِوى الشُّعُورِ حَتّى يَتَرَتَّبَ هو عَلَيْهِ، وقَدْ بُيِّنَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ مُمَيَّزٌ فَلا جَرَمَ اسْتَحالَ حُصُولُ التَّمَيُّزِ وظَهَرَ الفَرْقُ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ صاحِبُ المُعْتَبَرِ عَلى حُدُوثِها بِأنَّها لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ لَكانَتْ إمّا مُتَعَلِّقَةً بِأبْدانٍ أُخَرَ أوَّلًا والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ قَوْلٌ بِالتَّناسُخِ وهو باطِلٌ لِأنَّ أنْفُسَنا لَوْ كانَتْ مِن قَبْلُ في بَدَنٍ آخَرَ لَكُنّا نَعْلَمُ الآنَ شَيْئًا مِنَ الأحْوالِ الماضِيَةِ ونَتَذَكَّرُ ذَلِكَ البَدَنَ ولَيْسَ فَلَيْسَ، والثّانِي كَذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ مُعَطَّلَةً ولا مُعَطَّلَ في الطَّبِيعَةِ وهو دَلِيلٌ بِجَمِيعِ مُقَدِّماتِهِ ضَعِيفٌ جِدًّا فَلا تَعْتَبِرْهُ، وزَعَمَ قَوْمٌ مِن قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ قَدَّمَها وأوْرَدُوا لِذَلِكَ أُمُورًا.

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ مادَّةٌ تَكُونُ سَبَبًا لِأنْ يَصِيرَ أوْلى بِالوُجُودِ بَعْدَ أنْ كانَ أوْلى بِالعَدَمِ فَلَوْ كانَتِ النُّفُوسُ حادِثَةً لَكانَتْ مادِّيَّةً ولَيْسَ فَلَيْسَ.

الثّانِي: أنَّها لَوْ كانَتْ حادِثَةً لَكانَ حُدُوثُها لِحُدُوثِ الأبْدانِ لَكِنَّ الأبْدانَ الماضِيَةَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ فالنُّفُوسُ الآنَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ لِكَوْنِها قابِلَةً لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والقابِلُ لَهُما مُتَناهٍ فَهي الآنَ مُتَناهِيَةٌ، فَإذَنْ لَيْسَ حُدُوثُ الأبْدانِ عِلَّةً لِحُدُوثِها فَلا يَتَوَقَّفُ صُدُورُها عَنْ عِلَلِها عَلى حُدُوثِ أمْرٍ فَتَكُونُ قَدِيمَةً.

الثّالِثُ: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ أزَلِيَّةً لَمْ تَكُنْ أبَدِيَّةً لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ كائِنٍ فاسِدٌ لَكِنَّها أبَدِيَّةٌ إجْماعًا فَهي أزَلِيَّةٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِها مادِّيَّةً أنَّ حُدُوثَها يَكُونُ مُتَوَقِّفًا عَلى حُدُوثِ البَدَنِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ أنَّها تَكُونُ مُنْطَبِعَةً في البَدَنِ فِلَمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ حُدُوثُها عَلى حُدُوثِ البَدَنِ وجَبَ أنْ تَكُونَ مُنْطَبِعَةً فِيهِ، وأيْضًا لِلْمانِعِ أنْ يَمْنَعَ فَسادَ لُزُومِ كَوْنِ النُّفُوسِ الآنَ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، والمُقَدِّمَةُ القائِلَةُ إنَّ كُلَّ قابِلٍ لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مُتَناهٍ لَيْسَتْ مِنَ الأوَّلِيّاتِ قَطْعًا كَما هو ظاهِرٌ فَإذَنْ لا تَصِحُّ إلّا بِبُرْهانٍ وهو لا يَتَقَرَّرُ إلّا فِيما يَحْتَمِلُ الِانْطِباقَ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، وقَوْلُهُمْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ أزَلِيَّةً لَمْ تَكُنْ أبَدِيَّةً قَضِيَّةٌ لا حُجَّةَ لَهم عَلى تَصْحِيحِها فَلا تُقْبَلُ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ النُّفُوسِ مُتَّحِدَةٌ بِالنَّوْعِ مِمّا قَدْ صَرَّحَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ كالغَزالِيِّ وغَيْرِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ مِنَ الفَلاسِفَةِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِذَلِكَ بِشُبْهَةٍ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ واسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّ النُّفُوسَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها نُفُوسٌ بَشَرِيَّةٌ فَلَوِ انْفَصَلَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِمُقَوِّمٍ ذاتِيٍّ مَعَ هَذا الِاشْتِراكِ لَزِمَ التَّرْكِيبُ فَكانَتْ جُسْمانِيَّةً.

الثّانِي: أنّا نَرى النّاسَ مُشْتَرِكِينَ في صِحَّةِ العِلْمِ بِالمَعْلُوماتِ، وفي صِحَّةِ التَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ فالنُّفُوسُ مُتَساوِيَةٌ في صِحَّةِ اتِّصافِها بِالأفْعالِ الإدْراكِيَّةِ والتَّحْرِيكِيَّةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً مُطْلَقًا لِأنّا لا نَعْقِلُ مِن صِفاتِها إلّا كَوْنَها مُدْرَكَةً ومُتَحَرِّكَةً بِالإرادَةِ وهي مُتَساوِيَةٌ فِيهِما فَهي إذَنْ مُتَساوِيَةٌ في جَمِيعِ صِفاتِها المَعْقُولَةِ فَلَوِ اخْتَلَفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَكانَ اخْتِلافُها في صِفاتٍ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ، ولَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَزِمَ تَعَذُّرُ الحُكْمِ بِتَماثُلِ شَيْئَيْنِ لِجَوازِ اخْتِلافِهِما في غَيْرِ مَعْقُولٍ عِنْدَنا وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى القَدْحِ في تَماثُلِ المُتَماثِلاتِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بُيِّنَ في مَحَلِّهِ أنَّ كُلَّ ماهِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ عاقِلَةً لِحَقِيقَةِ ذاتِها لَكِنَّ نَفْسَ زَيْدٍ مَثَلًا مُجَرَّدَةٌ فَهي عاقِلَةٌ لِذَلِكَ ثُمَّ إنَّها لا تَعْقِلُ إلّا ماهِيَّةً قَوِيَّةً عَلى الإدْراكِ والتَّحْرِيكِ فَإذَنْ ماهِيَّتُهُ هَذا القَدْرُ وهو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ النُّفُوسِ بِالأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوها في بَيانِ أنَّ الوُجُودَ مُشْتَرِكٌ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَمامُ ماهِيَّتِهِ مَقُولًا عَلى سائِرِ النُّفُوسِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هَذا المُشْتَرِكُ فَصْلَ مُقَوِّمٍ في غَيْرِهِ إذْ هو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ في زَيْدٍ إلى فَصْلٍ يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ فَلا يُحْتاجُ في غَيْرِهِ أيْضًا إلى فَصْلٍ فَإنَّ الطَّبِيعَةَ الواحِدَةَ لا تَكُونُ مُحْتاجَةً غَنِيَّةً مَعًا، فَثَبَتَ الِاتِّفاقُ في النَّوْعِ وهي أدِلَّةٌ واهِيَةٌ.

أمّا الأوَّلُ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً بِالنَّوْعِ فَهي غَيْرُ مُتَشارِكَةٍ في الجِنْسِ فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافِ كَوْنُها مُرَكَّبَةً والِاشْتِراكُ في كَوْنِها نُفُوسًا بَشَرِيَّةً ونَحْوَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اشْتِراكًا في أُمُورٍ لازِمَةٍ لِجَوْهَرِها ولا تَكُونُ مُقَوِّمَةً لَها فَتَكُونُ مُخْتَلِفَةً في تَمامِ ماهِيّاتِها، ومُشْتَرِكَةً في اللَّوازِمِ الخارِجِيَّةِ مِثْلَ اشْتِراكِ الفُصُولِ المُقَوِّمَةِ لِأنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ في ذَلِكَ الجِنْسِ فَلا يَلْزَمُ التَّرْكِيبُ، ولَوْ سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ ذاتِيَّةٌ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ النُّفُوسُ مُرَكَّبَةً في ماهِيّاتِها مَعَ عَدَمِ كَوْنِها جُسْمانِيَّةً فالسَّوادُ والبَياضُ مَثَلًا مُنْدَرِجانِ تَحْتَ جِنْسٍ وهو اللَّوْنُ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما مُرَكَّبًا لا تَرْكِيبًا جُسْمانِيًّا، ومِثْلُ هَذا يُقالُ هُنا كَيْفَ لا وقَدْ قالُوا: الجَوْهَرُ مَقُولٌ عَلى النَّفْسِ والجِسْمِ.

وأمّا الثّانِي فَمَدارُهُ الِاسْتِقْراءُ، ويَضْعُفُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُمْكِنُنا أنْ نَحْكُمَ عَلى كُلِّ إنْسانٍ بِكَوْنِهِ قابِلًا لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ.

وثانِيهُما أنَّهُ لا يُمْكِنُنا أنْ نَحْكُمَ عَلى النَّفْسِ الَّتِي عَلِمْنا قَبُولَها لِصِفَةٍ أنَّها قابِلَةٌ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ كَيْفَ وضَبْطُ الصِّفاتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.

وأمّا الثّالِثُ: فَهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المُفارَقاتِ نَوْعًا واحِدًا وهو مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، وذَهَبَ شِرْذِمَةٌ إلى اخْتِلافِها بِالنَّوْعِ، وهَذا المُعْتَبَرُ عِنْدَ صاحِبِ المُعْتَبَرِ وطَوَّلَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وأحْسَنُ ما عَوَّلَ عَلَيْهِ في الِاسْتِدْلالِ لَهُ اخْتِلافُ النّاسِ في العِلْمِ والجَهْلِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ والغَضَبِ والتَّحَمُّلِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَزاجِ لِما أنّا نَجْدُ مُتَساوِيَيْنِ مَزاجًا مُخْتَلَفَيْنِ أخْلاقًا وبِالعَكْسِ، وأيْضًا أنَّ نَفْسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبْلُغُ قُوَّتَها إلى حَيْثُ تَكُونُ قَوِيَّةً عَلى التَّصَرُّفِ في هَيُولى هَذا العالَمِ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِقُوَّةِ مَزاجِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ إلّا لِاخْتِلافِ الجَواهِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لَيْسَ في الحَقِيقَةِ مِنَ البَراهِينِ بَلْ هو مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةٌ لِلْكَلامِ في هَذا المَقامِ وهو لَعَمْرُ اللَّهِ تَعالى طَوِيلُ الذَّيْلِ، وبِالجُمْلَةِ إنَّ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ الرُّوحِ أمْرٌ عُسْرٌ والطَّرِيقُ إلَيْهِ وعِرٌ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى جَلالِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أجَّلَهُ ومِن رَبٍّ ما أكْمَلَهُ.

﴿ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى وجْهِ التَّحِيَّةِ والتَّعْظِيمِ أوْ لِلَّهِ تَعالى وهو عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَنزِلَةِ القِبْلَةِ حَيْثُ ظَهَرَتْ فِيهِ تَعاجِيبُ آثارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِ حَسّانَ: ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم وأعْلَمَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ وفِي أمْرِهِمْ بِالوُقُوعِ أيِ السُّقُوطِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لَيْسَ المَأْمُورُ بِهِ مُجَرَّدَ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ بَلِ السُّجُودَ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي: آدم مِنْ صَلْصالٍ أي: من طين يتصلصل إذا مشيت عليه يتقلقل، وإذا تركته يتفلّق، مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي: من طين أسود منتن.

وقال الأخفش: أي من طين مصبوب.

ويقال: مَسْنُونٍ أي: متغير الرائحة كقوله لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: 259] .

ويقال: الذي أتت عليه السنون.

وقال القتبي: الصلصال الطين اليابس الذي لم تصبه نار، إذا ضربته صوّت، وإذا مسته النار فهو فخار.

والمسنون: المتغير الرائحة، والحمأ: جمع حمئة وهو الطين المتغير وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ وهي نار لا دخان لها، وهم في الأرض مع إبليس سكان الأرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً: «البروج» : المنازلُ، واحدها بُرْج، وسمي بذلك لظهوره ومنه تَبَرُّج المرأة: ظهورُها وبدوُّها، و «حِفْظ السماء» : هو بالرجمِ بالشُّهُب على ما تضمنته الأحاديث الصّحاح، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ الشَّيَاطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَّمَاءِ أَفْوَاجاً، قَالَ: فَيَنْفَرِدُ المَارِدُ مُنْها، فَيَعْلُو فَيَسْمَعُ، فَيُرْمَى بالشِّهَابِ، فَيَقُولُ لأَصْحَابِه:

إِنَّهُ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَيَزِيدُ الشَّيَاطِينُ فِي ذَلِكَ، وَيُلْقُونَ إِلَى الكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةً وَنَحْوَ هَذَا ...

» الحديث «١» : و «إلّا» : بمعنى: «لكِنْ» ، ويظهر أن الاستثناء من الحِفْظِ: وقال محمَّد بن يحيى عن أبيه: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، فإِنها لم تُحْفَظْ منه.

وقوله: / مَوْزُونٍ: قال الجمهور: معناه: مقدَّر محرَّر بقصدٍ وإِرادةٍ، فالوزن على هذا: مستعارٌ.

وقال ابنُ زَيْد: المراد ما يُوزَنُ حقيقةً كالذهب والفضة وغير ذلك مما يوزن «٢» ، والمعايش: جمع مَعِيشَة، وقوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: يحتمل أن يكون عطْفاً على مَعايِشَ كأن اللَّه تعالى عدَّد النعم في المعايِشِ، وهي ما يؤكل ويُلْبَسُ، ثم عدَّد النعم في الحيوانِ والعَبِيدِ وغيرِ ذلك ممَّا ينتفعُ به النَّاسُ، وليس علَيْهم رِزْقُهُمْ.

وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ.

قال ابن جُرَيْج: هو المطر خاصَّة «٣» .

قال ع «٤» : وينبغي أنْ يكون أعمَّ من هذا في كثيرٍ من المخلوقات.

وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)

وقوله سبحانه: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ: أيْ: ذاتَ لقح يقال: لقحت الناقة والشجَرُ، فهي لاقحةٌ، إِذا حَمَلَتْ، فالوجْهُ في الرِّيحِ مُلْقِحَةٌ، لا لاقحة، قال الداوديّ:

وعن ابن عُمَرَ: الرِّياحُ ثمانٍ، أرْبَعٌ رحْمَةٌ، وأربعٌ عذابٌ فالرحمةُ: المرسلاتُ، والمُبَشِّرات، والنَّاشِرَاتُ، والذَّاريات، وأما العذاب: فالصَّرْصَرُ، والعقيمُ، والقاصِفُ، والعَاصِف، وهما في البَحْر.

انتهى.

وقوله جلَّت عظمته: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ...

الآيات: هذه الآياتُ مع الآيات التي قبلها تضمَّنت العِبْرَةَ والدلالةَ على قدرة اللَّه تعالى، وما يُوجِبُ توحيدَهُ وعبادَتَهُ، المعنى: وإِنا لَنَحْنُ نحيي من نشاء بإِخراجه من العَدَمِ إِلى وجودِ الحياةِ، ونميتُ بإِزالة الحياةِ عَمَّن كان حَيًّا، وَنَحْنُ الْوارِثُونَ، أي: لا يبقَى شيْءٌ سوانا، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ، لا ربَّ غيره.

وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ: أي: من لَدُنْ آدم إِلى يوم القيامة، قالَ ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ وغيره في سبب نُزُولِ هذه الآية، عن ابن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ امرأة تصلِّي خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن عبَّاس: وَلاَ، واللَّهِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قال: فَكَانَ بعْضُ المسلمين، إِذا صَلَّوْا تقدَّموا، وبعضُهم يستأَخر، فإِذا سجدوا نَظَرُوا إِليها مِنْ تَحْت أيديهم، فأنزل اللَّه الآيَةَ «١» ، ثم قال ابنُ العربيِّ:

في شَرْحِ المراد بهذه الآية خمسة أقوال:

أحدها: هذا.

القول الثاني: المتقدِّمين في الخَلْق إِلى اليوم، والمتأخِّرين الذين لم يخلقوا بَعْد، بيانٌ أن اللَّه يَعْلَمُ الموجُودَ والمَعْدُومَ، قاله قتادة وجماعة «٢» .

الثَّالثُ: مَنْ مات، ومَنْ بقي قاله ابن عبّاس أيضا «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ مِن صَلْصالٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ، فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ.

ويُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ: إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، فَصارَ لَهُ صَوْتٌ عِنْدَ نَقْرِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَأمّا الحَمَأُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ حَمْأةٍ، وهو الطِّينُ المُتَغَيِّرُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ أنَّ الحَمَأ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ.

ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: بُلَّ التُّرابُ حَتّى صارَ طِينًا، ثُمَّ تُرِكَ حَتّى أنْتَنَ وتَغَيَّرَ.

وَفِي المَسْنُونِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُنْتِنُ أيْضًا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَسْنُونُ: المُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ الرَّطِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَصْبُوبُ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وأبُو عُبَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَحْكُوكُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: فَمَن قالَ: المَسْنُونُ: المُنْتِنُ، قالَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ تَسَنّى الشَّيْءُ: إذا أنْتَنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ  ﴾ ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: مَسْنُونٌ، لِتَقادُمِ السِّنِينَ عَلَيْهِ.

ومَن قالَ: الطِّينُ الرَّطِبُ، قالَ: سُمِّيَ مَسْنُونًا، لِأنَّهُ يَسِيلُ ويَنْبَسِطُ، فَيَكُونُ كالماءِ المَسْنُونِ المَصْبُوبِ.

ومَن قالَ: المَصْبُوبُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: قَدْ سَنَنْتَ عَلَيَّ الماءَ: إذا صَبَبْتَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْبُوبَ عَلى صُورَةٍ ومِثالٍ، مِن قَوْلِهِ: رَأيْتُ سُنَّةَ وجْهِهِ، أيْ: صُورَةَ وجْهِهِ، قالَ الشّاعِرُ: تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ وَمَن قالَ: المَحْكُوكُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ: إذا حَكَكْتَهُ عَلَيْهِ.

وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا، لِأنَّ الحَدِيدَ يُحَكُّ عَلَيْهِ.

قالَ: وإنَّما كُرِّرَتْ " مِن " لِأنَّ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " خَلَقْنا " والثّانِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصَّلْصالِ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِنَ الصَّلْصالِ الَّذِي هو مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجانَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَسِيخُ الجِنِّ، كَما أنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ مَسِيخُ الإنْسِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو الجِنِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَنْهُ الضَّحّاكُ أنَّهُ قالَ: الجانُّ أبُو الجِنِّ، ولَيْسُوا بِشَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ، والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أبُو الجِنِّ هو إبْلِيسُ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هو، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ.

والثّانِي: أنَّ الجانَّ أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ، فَبَيْنَهُما إذًا فَرْقٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ العُلَماءُ: وإنَّما سُمِّيَ جانًّا، لِتَوارِيهِ عَنِ العُيُونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ ، وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مِن نارِ الرِّيحِ الحارَّةِ، وهي جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ.

والسَّمُومُ في اللُّغَةِ: الرِّيحُ الحارَّةُ وفِيها نارٌ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: وهي نارٌ لا دُخانَ لَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَمُومِ ﴾ يُقالُ: لُقِّحَتِ الناقَةُ والشَجَرَةُ فَهي لاقِحَةٌ إذا حَمَلَتْ، والرِياحُ تُلَقِّحُ الشَجَرَ والسَحابَ، فالوَجْهُ في الرِيحِ أنَّها مُلَقِّحَةٌ لا لاقِحَةٌ، وتَتَّجِهُ صِفَةُ الرِياحِ بِـ [لَواقِحَ] عَلى أرْبَعَةِ أوجُهٍ: أوَّلُها وأُولاها أنَّ جَعْلَها لاقِحَةً حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّ الرِيحَ مِنها ما فِيهِ عَذابٌ أو ضُرٌّ أو نارٌ، ومِنها ما فِيهِ رَحْمَةٌ أو مَطَرٌ أو نَصْرٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ، فَإذا بِها تَحْمِلُ ما حَمَّلَتْها القُدْرَةُ، أو ما عَلَّقَتْهُ مِنَ الهَواءِ أوِ التُرابِ أوِ الماءِ الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ، فَهي لاقِحَةٌ بِهَذا الوَجْهِ، وإنْ كانَتْ أيْضًا تُلَقِّحُ غَيْرَها وتُصَيِّرُ إلَيْهِ نَفْعَها، والعَرَبُ تُسَمِّي الجَنُوبَ الحامِلَ واللاقِحَةَ، وتُسَمِّي الشَمالَ الحائِلَ والعَقِيمَ ومَحْوَةً لَأنَّها تَمْحُو السَحابَ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "الرِيحُ الجَنُوبُ مِنَ الجَنَّةِ، وهي اللَواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ، وفِيها مَنافِعُ لِلنّاسِ"،» ومِن هَذا قَوْلٌ الطِرْماحِ: قَلِقٌ لِأفْنانِ الرِيا ∗∗∗ حِ لِلاقِحٍ مِنها وحائِلِ وقَوْلُ أبِي وجْزَةَ: .......................

مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ..

فَجَعَلَها حامِلًا بِنَسْلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَخْرُجُ هَذا عَلى أنَّها مُلَقِّحَةٌ فَلا حُجَّةَ فِيهِ.

والثانِي أنْ يَكُونَ وصْفُها بِـ [لَواقِحَ] مِن بابِ قَوْلِهِمْ: "لَيْلٌ نائِمٌ"، أيْ: فِيهِ نَوْمٌ ومَعَهُ، "وَيَوْمٌ عاصِفٌ"، ونَحْوَهُ، فَهَذا عَلى طَرِيقِ المَجازِ.

والثالِثُ أنْ تُوصَفَ الرِياحُ بِـ [لَواقِحَ] عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لُقَحٍ، كَقَوْلِ النابِغَةِ: كَلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ أيْ: ذِي نَصْبٍ.

والرابِعُ أنْ يَكُونَ [لَواقِحَ] جَمْعَ "مُلَقِّحَةٍ" عَلى حَذْفِ زَوائِدِهِ، فَكَأنَّهُ "لَقِحَةٌ" فَجَمَعَها كَما تَجْمَعُ "لاقِحَةٌ"، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَبَّيْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وأشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ وإنَّما طَوَّحَتْهُ المَطاوِحُ، وعَلى هَذا النَحْوِ فَسَّرَها أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ"، وكَذَلِكَ العِبارَةُ عنها في كِتابِ البُخارِيٍّ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ مُلَقِّحَةً".

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرِياحَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: حَمْزَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الرِيحَ" بِالإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، ومَثَّلَها الطَبَرِيُّ بِقَوْلِهِمْ: "قَمِيصُ أخْلاقٍ، وأرْضُ أغْفالٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مِن حَيْثُ هو أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ تَجْمَعُ صِفَتَهُ، فَكَذَلِكَ "رِيحٌ لَواقِحٌ" لَأنَّها مُتَفَرِّقَةُ الهُبُوبِ، وكَذَلِكَ "دارٌ بِلاقِعَ"، أيْ: كُلُّ مَوْضِعٍ مِنها بَلْقَعٌ.

وقالَ الأعْمَشُ: إنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "وَأرْسَلْنا الرِياحَ تَلْقَحُ"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "الرِيحُ مِن نَفَسِ الرَحْمَنِ".» ومَعْنى الإضافَةِ هُنا إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، كَما قالَ: "مِن رُوحِي"، ومَعْنى "مِن نَفْسِ الرَحْمَنِ" أيْ مِن تَنْفِيسِهِ وإزالَتِهِ الكُرَبَ والشَدائِدَ، فَمِنَ التَنْفِيسِ بِالرِيحِ النَصْرُ بِالصَبا، ودُرُورُ الأرْزاقِ بِها، وما لَها مِنَ الخِدْمَةِ في الأرْزاقِ وجَلْبِ الأمْطارِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ عَدُّهُ، ولَقَدْ حُدِّثَتْ أنَّ ابْنَ أبِي قُحافَةَ رَحِمَهُ اللهُ فَسَّرَ هَذا الحَدِيثَ نَحْوَ هَذا، وأنْشَدَ في تَفْسِيرِهِ: فَإنَّ الصِبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها وهَذا مِن جُمْلَةِ التَنْفِيسِ.

والعَرَبُ تَقُولُ: أسْقى وسَقى بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَ لَبِيدٌ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ فَجاءَ بِاللُغَتَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمّا إذا كانَ مِن سَقْيِ الشَفَةِ خاصَّةً فَلا يُقالُ إلّا سَقى، وأمّا إنْ كانَ لِسَقْيِ الأرْضِ والثِمارِ وجُمْلَةِ الأشْياءِ فَيُقالُ: أسْقى، وأمّا الداعِي لِأرْضٍ أو غَيْرِها بِالسَقْيِ فَإنَّما يُقالُ فِيهِ: أسْقى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وقَفَتْ عَلى رَسْمٍ لِمِيَّةَ ناقَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ بَيْتَ لَبِيدٍ دُعاءٌ، وفِيهِ اللُغَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ الآيَةُ مَعَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها تَضَمَّنَتِ العِبْرَةَ والدَلالَةَ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وما يُوجِبُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي مَن نَشاءُ بِإخْراجِهِ مِنَ العَدَمِ إلى وُجُودِ الحَياةِ، ونَرُدُّهُ عِنْدَ البَعْثِ مِن مَرْقَدِهِ مَيِّتًا، ونُمِيتُ بِإزالَةِ الحَياةِ عَمَّنْ كانَ حَيًّا.

﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ أيْ: لا يَبْقى شَيْءٌ سِوانا، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِمَن تُقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ وبِمَن تَأخَّرَ في الزَمَنِ، مِن لَدُنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأعْلَمَ أنَّهُ هو الحاشِرُ لَهُمُ، الجامِعُ لِعَرْضِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَباعُدِهِمْ في الأقْطارِ والأزْمانِ، وأنَّ حِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ يَأْتِيانِ بِهَذا كُلِّهِ عَلى أتَمِّ غاياتِهِ الَّتِي قَدَّرَها وأرادَها.

وقَرَأ الأعْرَجُ: "يَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِهَذا سِياقُ مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ ﴾ أيْ: في الطاعَةِ والبِدارِ إلى الإيمانِ والخَيْراتِ، و"المُسْتَأْخِرِينَ" بِالمَعاصِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ اللَفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ، فَلَيْسَ يَطَّرِدُ سِياقُ مَعْنى الآيَةِ إلّا كَما قَدَّمْنا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو الجَوْزاءِ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ ﴾ الآيَةُ في «قَوْمٍ كانُوا يُصَلُّونَ مَعَ النَبِيِّ  ، وكانَتِ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ تُصَلِّي وراءَهُ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمُ يَتَقَدَّمُ في الصُفُوفِ لِئَلّا تَفْتِنَهُ، وكانَ بَعْضُهم يَتَأخَّرُ لِيَسْرِقَ النَظَرَ إلَيْها في الصَلاةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَقَدَّمَ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ وما تَأخَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ ﴾ يُضَعِّفُ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ، لَأنَّها تُذْهِبُ إيصالَ المَعْنى، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ لِعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ الآيَةُ.

"الإنْسانَ" هُنا لِلْجِنْسِ، والمُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ، ودَخَلَ مِن بَعْدَهُ في ذَلِكَ إذْ هو مِن نَسَلُهُ.

و"الصَلْصالُ" الطِينُ الَّذِي إذا جَفَّ صَلْصَلَ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، مِنها مَن قالَ: هو طِينُ الخَزَفِ، ومِنها قَوْلُ الفَرّاءِ: هو الطِينُ الحُرِّ يُخالِطُهُ رَمْلٌ دَقِيقٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُلِقَ مِن ثَلاثَةٍ: مِن طِينٍ لازِبٍ، وهو اللازِقُ والجَيِّدُ، ومِن صَلْصالٍ، وهو الأرْضُ الطَيِّبَةُ يَقَعُ عَلَيْها الماءُ ثُمَّ يَنْحَسِرُ فَتُشَقَّقُ وتَصِيرُ مِثْلَ الخَزَفِ، ومِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وهو الطِينُ في الحَمْأةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ الوَجْهُ -عَلى هَذا المَعْنى- أنْ يُقالَ: "صَلّالٌ"، لَكِنْ ضُوعِفَ الفِعْلُ مِن فائِهِ، وأُبْدِلَتْ إحْدى اللامَيْنِ مِن "صَلّالٍ" صادا، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ والزُبَيْدِيُّ، ونَحْوَهُما عَلى نَحْوِ البَصْرَةِ، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُما فِعْلانِ مُتَبايِنانِ، وكَذَلِكَ قالُوا في ثَرّارٍ وثَرْثارَةٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: تَقُولُ: صَلَّ الخَزَفُ ونَحْوَهُ إذا صَوَّتَ بِتَمْدِيدٍ، فَإذا كانَ في صَوْتِهِ تَرْجِيعٌ كالجَرَسِ ونَحْوَهُ قُلْتَ: صَلْصَلَ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: فِيها العَناجِيجُ تَرْدِي في أعِنَّتِها ∗∗∗ ∗∗∗ شُعْثًا تُصَلْصِلُ في أشْداقِها اللُجُمُ وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "صَلْصالٍ" هُنا إنَّما هو مِن: "صَلَّ اللَحْمُ" إذا أنْتَنَ، فَجَعَلُوا مَعْنى "صَلْصالٍ" و"حَمَأٍ" في لُزُومِ النَتَنِ شَيْئًا واحِدًا.

و"المَسْنُونُ" قالَ مَعْمَرٌ: مَعْناهُ: المُنْتِنُ، وهو مَن "أسِنَ الماءُ" إذا تَغَيَّرَ، والتَصْرِيفُ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْنُونُ: الرَطْبُ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: سَنَّ ذُرِّيَّتَهُ عَلى خَلْقِهِ، الَّذِي يَتَرَتَّبُ في "مَسْنُونٍ" إمّا أنْ يَكُونَ: مَحْكُوكٌ مُحْكَمُ العَمَلِ أمْلَسُ السَطْحِ، فَيَكُونُ مِن مَعْنى المُسِنِّ والسِنّانِ، وقَوْلُهُمْ: "سَنَنْتُ السِكِّينَ، وسَنَنْتُ الحَجَرَ" إذا أحْكَمْتَ مَلْسَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ثُمَّ دافَعْتُها إلى القُبَّةِ الخَضْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـراءِ تَمْشِي في مَرْمَرٍ مَسْنُونٍ أيْ: مُحْكَمُ الإمْلاسِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَصْبُوبِ: تَقُولُ: "سَنَنْتُ التُرابَ والماءَ" إذا صَبَبْتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِمَن حَضَرَ وفاتَهُ: "إذا أدْخَلْتُمُونِي في قَبْرِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُرابَ سَنًّا"، ومِن هَذا سَنُّ الغارَةِ.

وقالَ الزَجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِهِ عَلى سُنَّةِ الطَرِيقِ، لَأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ إذا فارَقَ الماءَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: مَنَّ حَمَأٍ مَصْبُوبٍ يُوضَعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ عَلى مِثالٍ وصُورَةٍ.

"والجانَّ" يُرادُ بِهِ جِنْسُ الشَياطِينِ، ويُسَمَّوْنَ جِنَّةً وجانًّا وجِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العَيْنِ، وسُئِلَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم فَقالَ: هم أجْناسٌ، فَأمّا خالِصُ الجِنِّ فَهم رِيحٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ولا يَمُوتُونَ ولا يَتَوالَدُونَ، ومِنهم أجْناسٌ تَفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، مِنها السَعالِي والغُولُ وأشْباهُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "الجَأْنَ" بِالهَمْزِ، والمُرادُ بِهَذِهِ الخِلْقَةِ إبْلِيسُ أبُو الجِنِّ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن جَمِيعِ أنْواعِ التُرابِ، الطَيِّبِ والخَبِيثِ، والأسْوَدِ والأحْمَرِ"،» وفي سُورَةِ البَقَرَةِ إيعابُ هَذا.

وقَوْلُهُ: "مِن قَبْلُ" لَأنَّ إبْلِيسَ خُلِقَ قَبْلَ آدَمَ بِمُدَّةٍ، وخُلِقَ آدَمُ آخِرَ الخَلْقِ.

و"السَمُومِ" فِي كَلامِ العَرَبِ إفْراطُ الحَرِّ حَتّى يَقْتُلَ، مِن نارٍ أو شَمْسٍ أو رِيحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَمُومُ بِاللَيْلِ، والحَرُورُ بِالنَهارِ، وأمّا إضافَةُ النارِ إلى السَمُومِ في هَذِهِ الآيَةِ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النارُ أنْواعًا ويَكُونُ السَمُومُ أمْرًا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنها فَتَصِحُّ الإضافَةُ حِينَئِذٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا فَيُخَرَّجُ هَذا عَلى قَوْلِهِمْ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"دارُ الآخِرَةِ" عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تكملة لإقامة الدليل على انفراده تعالى بخلق أجناس العوالم وما فيها.

ومنه يتخلص إلى التذكير بعداوة الشيطان للبشر ليأخذوا حذرهم منه ويحاسبوا أنفسهم على ما يخامرها من وَسْواسه بما يرديهم.

جاء بمناسبة ذكر الإحياء والإماتة فإن أهم الإحياء هو إيجاد النوع الإنساني.

ففي هذا الخبر استدلال على عظيم القدرة والحكمة وعلى إمكان البعث، وموعظةٌ وذكرى.

والمراد بالإنسان آدم عليه السلام.

والصلصال: الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفَخّار؛ إلا أن الفَخّار هو ما يبس بالطبخ بالنّار.

قال تعالى: ﴿ خلق الإنسان من صلصال كالفخار ﴾ [سورة الرحمن: 14].

والحَمأ: الطين إذا اسودّ وكرهت رائحته.

وقوله: ﴿ من حمإ ﴾ صفة ل ﴿ صلصال ﴾ و ﴿ مسنون ﴾ صفة ل ﴿ حمإ ﴾ أو ل ﴿ صلصال ﴾ .

وإذ كان الصلصال من الحمأ فصفة أحدهما صفة للآخر.

والمسنون: الذي طالت مدة مكثه، وهواسم مفعول من فعل سنّهُ إذا تركه مدة طويلة تشبه السّنة.

وأحسب أن فعل (سَن) بمعنى ترك شيئاً مدة طويلة غيرُ مسموع.

ولعل (تَسَنّه) بمعنى تغيّر من طول المدّة أصله مطاوع سَنه ثم تنوسي منه معنى المطاوعة.

وقد تقدم قوله تعالى ﴿ لم يتسنّه ﴾ في سورة البقرة (259).

والمقصود من ذكر هذه الأشياء التنبيه على عجيب صنع الله تعالى إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعاً هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة.

وفيه إشارة إلى أن ماهية الحياة تتقوم من الترابية والرطوبة والتعفن، وهو يعطي حرارة ضعيفة.

ولذلك تنشأ في الأجرام المتعفّنة حيوانات مثل الدود، ولذلك أيضاً تنشأ في الأمزجة المتعفّنة الحمى.

وفيه إشارة إلى الأطوار التي مرّت على مادة خلق الإنسان.

وتوكيد الجملة بلام القسم وبحرف (قد) لزيادة التحْقيق تنبيهاً على أهميّة هذا الخلق وأنه بهذه الصفة.

وعطف جملة والجانّ خلقناه} إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين بني آدم وجُند إبليس.

وأكدت جملة ﴿ والجان خلقناه ﴾ بصيغة الاشتغال التي هي تقوية للفعل بتقدير نظيره المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال ثم التفصيل لمثل الغرض الّذي أكدت به جملة ﴿ ولقد خلقنا الإنسان ﴾ الخ.

وفائدة قوله: ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل خلق الإنسان تعليم أن خلق الجانّ أسبق لأنّه مخلوق من عنصر الحرارة والحرارة أسبق من الرطوبة.

و ﴿ السموم ﴾ بفتح السين: الريح الحارة.

فالجنّ مخلوق من النارية والهوائية ليحصل الاعتدال في الحرارة فيقبل الحياة الخاصة اللائقة بخلقة الجنّ، فكما كَوّن الله الحمأةَ الصلصالَ المسنونَ لخلق الإنسان، كَون ريحاً حارة وجعل منها الجنّ.

«فهو مكون من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان ومن تهوية قويّة.

والحكمة كلّها في إتقان المزج والتركيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ أمّا الإنْسانُ ها هُنا فَهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ والضَّحّاكِ.

أمّا الصَّلْصالُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وقاعٍ تَرى الصَّلْصالَ فِيهِ ودُونَهُ بَقايا بِلالٍ بِالقُرى والمَناكِبِ والصَّلْصَلَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ المَسْمُوعُ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ، وهو مِثْلُ القَعْقَعَةِ في الثَّوْبِ.

الثّانِي: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَّ إذا أنْتَنَ، قالَ الشّاعِرُ: ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قَدْرِهِ ∗∗∗ لا يَفْسُدُ اللَّحْمُ لَدَيْهِ الصُّلُولُ والحَمَأُ: جَمْعُ حَمْأةٍ وهو الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ.

وَفي المَسْنُونِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَسْنُونَ المُنْتِنُ المُتَغَيِّرُ، مِن قَوْلِهِمْ قَدْ أسِنَ الماءُ إذا تَغَيَّرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: سَقَتْ صَدايَ رُضابًا غَيْرَ ذِي أسَنٍ ∗∗∗ كالمِسْكِ فُتَّ عَلى ماءِ العَناقِيدِ الثّانِي: أنَّ المَسْنُونَ المَنصُوبُ القائِمُ، مِن قَوْلِهِمْ وجْهٌ مَسْنُونٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: أنَّ المَسْنُونَ المَصْبُوبُ، مِن قَوْلِهِمْ سَنَيْتُ الماءَ عَلى الوَجْهِ إذا صَبَبْتُهُ عَلَيْهِ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسُنُّ الماءَ عَلى وجْهِهِ ولا يَشُنُّهُ، والشَّنُّ تَفْرِيقُ الماءِ، والسَّنُّ صَبُّهُ.

الرّابِعُ: أنَّ المَسْنُونَ الَّذِي يَحُكُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، مِن قَوْلِهِمْ سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ إذا حَكَكْتُ أحَدَهُما بِالآخَرِ، ومِنهُ سُمِّيَ المِسَنُّ لِأنَّ الحَدِيدَ يُسَنُّ عَلَيْهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الخامِسُ: أنَّ المَسْنُونَ المَنسُوبُ.

السّادِسُ: أنَّهُ الرَّطْبُ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.

السّابِعُ: أنَّهُ المُخَلِّصُ مِن قَوْلِهِمْ سِنَّ سَيْفَكَ أيِ اجْلُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ وفي الجانِّ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الجِنُّ حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أبُو الجِنِّ قالَهُ الكَلْبِيُّ فَآدَمُ أبُو الإنْسِ، والجانُّ: أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجانُّ أبُو الجِنِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.

والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ.

والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.

﴿ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ آدَمَ.

قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ آدَمَ إنَّما خُلِقَ آخِرَ الخَلْقِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مِن لَهَبِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَعْنِي مِن نارِ الشَّمْسِ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ.

الثّالِثُ: مِن حَرِّ السَّمُومِ، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ.

ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّهُ نارُ السَّمُومِ نارُ الصَّواعِقِ بَيْنَ السَّماءِ وبَيْنَ حِجابٍ دُونَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ وسُمِّيَ سَمُومًا لِدُخُولِهِ في مَسامِّ البَدَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق الله الإِنسان من ثلاث: من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون.

فالطين اللازب، اللازم الجيد.

والصلصال المرقق، الذي يصنع منه الفخار.

والحمأ المسنون، الطين فيه الحمأة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من صلصال ﴾ قال: الصلصال، الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها فتيبس، ثم تصير مثل الخزف الرقاق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، طين خُلِطَ برمل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، طين إذا ضربته صلصل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: الصلصال، التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، الطين تعصره بيدك فيخرج الماء من بين أصابعك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من حمإ مسنون ﴾ قال: من طين رطب.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من حمإ مسنون ﴾ قال: من طين منتن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ من حمإ مسنون ﴾ قال: الحمأة السوداء، وهي الثاط أيضاً.

والمسنون، المصور.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب وهو يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

يقول: أغر كأن البدر مسنة وجهه ** جلا الغيم عنه ضوءة فتبددا وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق آدم من أديم الأرض، فألقي على الأرض حتى صار طيناً لازباً، وهو الطين الملتزق، ثم ترك حتى صار حمأ مسنوناً وهو المنتن، ثم خلقه الله بيده فكان أربعين يوماً مصوراً، حتى يبس فصار صلصالاً كالفخار إذا ضرب عليه صلصل.

فذلك الصلصال والفخار مثل ذلك والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

[[لم يفسر الآية: [28].]] قوله تعالى ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ قال الكلبي: يقول جصعت خلقه يعني عدلت صورته وسويته بالصورة الإنسانية (١) وقوله تعالى: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾ النفخ إجراء الريح في الشيء، والروح جسم رقيق يحيا به البدن، ونذكر الكلام فيها عند قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  ﴾ إن شاء الله، ولمَّا أجرى الله -عَزَّ وَجَلَّ- الروح في بدن آدم على صفة إجراء الريح؛ كأن قد نفخ فيه الروح، وأضاف روح آدم إليه تكرمةً لِما كَرَّمه وشَرَّفه، وهي إضافة الملك.

وقوله تعالى: ﴿ فَقَعُوا لَهُ ﴾ أمر من الوقوع، قال الكلبي: فَخروا له ساجدين سجدة تحية ولم تكن سجدة طاعة، ونحو هذا قال جميع المفسرين (٢) ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا  ﴾ (١) ورد مختصراً بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 31، و"تفسير السمرقندي" 2/ 218، والطوسي 6/ 332، و"تفسير البغوي" 4/ 380 وابن الجوزي 4/ 400، والفخر الرازي 19/ 182، و"تفسير القرطبي" 10/ 24، والخازن 3/ 95، والشوكاني 3/ 186 بنحوه.

(٢) ورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 31، و"تفسير السمرقندي" 2/ 219، والثعلبي 2/ 148 أ، والطوسي 6/ 332، "تفسير البغوي" 4/ 380، والفخر الرازي 19/ 182، و"تفسير القرطبي" 10/ 24، والخازن 3/ 95.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خالق بَشَراً ﴾ يعني آدم عليه السلام ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ يعني الروح التي في الجسد، وأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه إضافة مُلْك إلى مالك أي: من الروح الذي هو لي وخلق من خلق، وتقدّم الكلام على سجود الملائكة في البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً ﴾ قيل: نجوماً، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة.

ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع [ما ذكر] من الشمس والقمر والنجوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ \[يعني السماء للناظرين\].

وفي قوله: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ دلالة نقض قول من ينهي عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها [للناظرين] ثم ينهي عن النظر إليها، دل أنه لا بأس [للناظرين]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 97] وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ  ﴾ وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهاً؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد [منهما] بسلطان الآخر؛ كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ يعني: السماء، ﴿ مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم [بالمطر] في يوم كذا وكذا، وكان حقّا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو كقوله: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ  دُحُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ  ﴾ .

ويحتمل ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ : أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...

﴾ الآية [النحل: 100].

ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَيُقْذَفُونَ...

﴾ الآية.

ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.

وقال بعضهم: ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ : اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر ﴿ دُحُوراً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء [كان] طبعه التسفل والتسرب؟

إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِيهَا ﴾ : يعني في الجبال، ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ : يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، ﴿ مَّوْزُونٍ ﴾ : أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزوناً في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت.

والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ : أي: صاروا يومهم ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ : يرتفعون ويصعدون.

وقال غيره: ظلوا: أي: ما لوا، كقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ  ﴾ أي: مالت، وقال: قوله: ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ : أي: حيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضاً تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكراً: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكراً: أي: حبسته، والسكر: السدّ، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكراً؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ  ﴾ أي: شدته.

وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.

وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُرُوجاً ﴾ : قال: إثنا عشر برجاً، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئاً إلا استراقاً، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ : يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوماً حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم.

و ﴿ شِهَابٌ ﴾ : كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.

وقال بعضهم: ﴿ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ لرسول الله كان له خاصّةً لم يكن قبل والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي: في الأرض والجبال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ .

قال الحسن: أي: جعلنا [لكم] في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضاً، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ : الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنّون على رسول الله  ، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جواباً لهم: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ أي: محمداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ .

يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ [أي]: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

على هذا ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ ﴾ : أي: ما نعطيه ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ : أي: وإن كان عندكم مخزوناً محبوساً - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.

وقال الحسن: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ : أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهراً.

هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.

ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.

أو ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ محدود؛ أي: ليس ينزل جزافاً؛ ولكن معلوماً محدوداً.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : حوامل.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.

قال القتبي: قال أبو عبيدة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ .

هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.

﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء.

ويحتمل ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ ﴾ أي: لله ﴿ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل.

وعلى تأويل الآخر: ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ .

أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثاً؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.

وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ : من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.

وقال الحسن: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ في الخير ﴿ ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ في الشّر.

وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.

والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله.

وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم.

أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإذا عدَّلتُ صورته، وكمَّلت خلقه فاسجدوا له امتثالًا لأمري وتحية له.

<div class="verse-tafsir" id="91.1D5Mo"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله