الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٣٣ من سورة الحجر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 44 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٣ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما خلق الله الملائكة قال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا سويته فاسجدوا له ، قالوا : لا نفعل ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق ملائكة فقال لهم مثل ذلك [ فقالوا : لا نفعل ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم .
ثم خلق ملائكة أخرى فقال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم .
ثم خلق ملائكة فقال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له ] قالوا سمعنا وأطعنا ، إلا إبليس كان من الكافرين الأولين وفي ثبوت هذا عنه بعد ، والظاهر أنه إسرائيلي ، والله أعلم .
يقول تعالى ذكره ( قَالَ ) إبليس: ( لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) وهو من طين وأنا من نار، والنار تأكل الطين.
قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنونبين تكبره وحسده , وأنه خير منه , إذ هو من نار والنار تأكل الطين ; كما تقدم في " الأعراف " بيانه .
قال الله: { يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } فاستكبر على أمر الله وأبدى العداوة لآدم وذريته وأعجب بعنصره، وقال: أنا خير من آدم.
( قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ) أراد : أنا [ أفضل ] منه لأنه طيني ، وأنا ناري ، والنار تأكل الطين .
«قال لم أكن لأسجد» لا ينبغي لي أن أسجد «لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون».
قال إبليس مظهرًا كبره وحسده: لا يليق بي أن أسجد لإنسان أَوجدْتَهُ من طين يابس كان طينًا أسود متغيرًا.
فكان رد إبليس : ما كان ليليق بشأنى ومنزلتى أن أسجد مع الساجدين لبشر خلقته - أيها الخالق العظيم - من صلصال من حمأ مسنون .ومقصود إبليس بهذا الرد إثبات أنه خير من آدم .كما حكى عنه - سبحانه - ذلك فى قوله - تعالى - ( قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) وهذا الرد منه يدل على عصيانه لأمر ربه ، وعدم الرضا بحكمه ، وسوء أدبه مع خالقه - سبحانه - .قال الآلوسى : وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله باعتبار المادة ، وما درى أنه يكون باعتبار الفاعل ، وباعتبار الصورة ، وباعتبار الغاية ، بل إن ملاك الفضل والكمال هو التخلى عن الملكات الردية ، والتحلى بالمعارف الربانية .فشمال والكأس فيها يمين ...
ويمين لا كأس فيها شمال
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد فإنه تعالى لما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب.
المسألة الثانية: ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها، وإذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول الحوادث، وإذا كان كذلك فلابد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس، وإذا كان كذلك فذلك الإنسان الأول غير مخلوق مع الأبوين فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، والمفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم عليه السلام، ونقل في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر وأقول: هذا لا يقدح في حدوث العالم بل لأمر كيف كان، فلابد من الانتهاء إلى إنسان أول هو أول الناس وأما أن ذلك الإنسان هو أبونا آدم، فلا طريق إلى إثباته إلا من جهة السمع.
واعلم أن الجسم محدث، فوجب القطع بأن آدم عليه السلام وغيره من الأجسام يكون مخلوقاً عن عدم محض، وأيضاً دل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ على أن آدم مخلوق من تراب، ودلت آية أخرى على أنه مخلوق من الطين، وهي قوله: ﴿ إِنّي خالق بَشَراً مِّن طِينٍ ﴾ وجاء في هذه الآية أن آدم عليه السلام مخلوق من صلصال من حمأ مسنون، والأقرب أنه تعالى خلقه أولاً من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار، ولا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل هو قادر على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة أو لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الجن، لأن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه.
المسألة الثالثة: في الصلصال قولان: قيل الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار.
قالوا: إذا توهمت في صوته مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة.
قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة، فصار صلصالاً كالخزف ولا يدري أحد ما يراد به، ولم يروا شيئاً من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح.
وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة فلذلك سماه الله تعالى صلصالاً.
والقول الثاني: الصلصال هو المنتن من قولهم صل اللحم وأصل إذا نتن وتغير، وهذا القول عندي ضعيف، لأنه تعالى قال: ﴿ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وكونه حمأ مسنوناً يدل على النتن والتغير وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من الحمأ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالاً مغايراً لكونه حمأ مسنوناً، ولو كان كونه صلصالاً عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالاً، وبين كونه حمأ مسنوناً تفاوت، وأما الحمأ فقال الليث الحمأة بوزن فعلة، والجمع الحمأ وهو الطين الأسود المنتن.
وقال أبو عبيدة والأكثرون حماة بوزن كمأة وقوله: ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ فيه أقوال: الأول: قال ابن السكيت سمعت أبا عمرو يقول في قوله: ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ أي متغير قال أبو الهيثم يقال سن الماء، فهو مسنون أي تغير.
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ أي لم يتغير.
الثاني: المسنون المحكوك وهو مأخوذ من سننت الحجر إذا حككته عليه، والذي يخرج من بينهما يقال له السنن وسمي المسن مسناً لأن الحديد يسن عليه.
والثالث: قال الزجاج: هذا اللفظ مأخوذ من أنه موضوع على سنن الطريق لأنه متى كان كذلك فقد تغير.
الرابع: قال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، والسن والصب يقال سن الماء على وجهه سناً.
الخامس: قال سيبويه: المسنون المصور على صورة ومثال، من سنة الوجه وهي صورته.
السادس: روي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة، لأنه إذا كان رطباً يسيل وينبسط على الأرض، فيكون مسنوناً بمعنى أنه مصبوب.
أما قوله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه ﴾ فاختلفوا في أن الجان من هو؟
فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة.
وقال ابن عباس في رواية أخرى: الجان هو أب الجن وهو قول الأكثرين.
وسمي جاناً لتواريه عن الأعين، كما سمي الجنين جنيناً لهذا السبب، والجنين متوارٍ في بطن أمه، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك: جن الشيء إذا ستره، فالجان المذكور هاهنا يحتمل أنه سمي جاناً لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول كما يقال في لابن وتامر وماء دافق وعيشة راضية.
واختلفوا في الجن فقال بعضهم: إنهم جنس غير الشياطين والأصح أن الشياطين قسم من الجن، فكل من كان منهم مؤمناً فإنه لا يسمى بالشيطان، وكل من كان منهم كافراً يسمى بهذا الإسم، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار، فكل من كان كذلك كان من الجن، وقوله تعالى: ﴿ خلقناه مِن قَبْلُ ﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم، وقوله: ﴿ مِن نَّارِ السموم ﴾ معنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل، وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار، على ما ورد في الخبر أنها لفح جهنم.
قيل: سميت سموماً لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه.
قال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من السموم التي خلق الله بها الجان وتلا هذه الآية.
فإن قيل: كيف يعقل خلق الجان من النار؟
قلنا: هذا على مذهبنا ظاهر، لأن البنية عندنا ليست شرطاً لإمكان حصول الحياة، فالله تعالى قادر على خلق الحياة والعلم في الجوهر الفرد، فكذلك يكون قادراً على خلق الحياة والعقل في الجسم الحار، واستدل بعضهم على أن الكواكب يمتنع حصول الحياة فيها قال: لأن الشمس في غاية الحرارة وما كان كذلك امتنع حصول الحياة فيه فننقضه عليه بقوله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم ﴾ بل المعتمد في نفي الحياة عن الكواكب الإجماع.
<div class="verse-tafsir"
الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار.
قالوا: إذا توهمت في صوته مدّا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة.
وقيل: هو تضعيف (صل) إذا أنتن.
والحمأ: الطين الأسود المتغير.
والمسنون: المصوّر، من سنة الوجه، وقيل: المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها.
وقيل: المنتن، من سننت الحجرعلى الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا منتنا ﴿ مّنْ حَمَإٍ ﴾ صفة لصلصال، أي: خلقه من صلصال كائن من حمأ وحق ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ بمعنى مصور، أن يكون صفة لصلصال، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر ﴿ والجآن ﴾ للجن كآدم للناس.
وقيل: هو إبليس.
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ﴿ والجأن ﴾ ، بالهمزة ﴿ مِن نَّارِ السموم ﴾ من نار الحرّ الشديد النافذ في المسام.
قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي خلق الله منها الجانّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ ﴾ أيُّ غَرَضٍ لَكَ في أنْ لا تَكُونَ.
﴿ مَعَ السّاجِدِينَ ﴾ لِآدَمَ.
﴿ قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ ﴾ اللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أيْ لا يَصِحُّ مِنِّي ويُنافِي حالِي أنْ أسْجُدَ.
﴿ لِبَشَرٍ ﴾ جُسْمانِيٍّ كَثِيفٍ وأنا مَلَكٌ رُوحانِيٌّ.
﴿ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ وهو أخَسُّ العَناصِرِ وخَلَقْتَنِي مِن نارٍ وهي أشْرَفُها، اسْتَنْقَصَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاعْتِبارِ النَّوْعِ والأصْلِ وقَدْ سَبَقَ الجَوابُ عَنْهُ في سُورَةِ « الأعْرافِ» .
<div class="verse-tafsir"
{قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ} اللام لتأكيد النفي أي أي لا يصح مني أن أسجد {لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ ﴿ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ ﴾ اللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أيْ يُنافِي حالِي ولا يَسْتَقِيمُ مِنِّي أنْ أسْجُدَ ﴿ لِبَشَرٍ ﴾ جُسْمانِيٍّ كَثِيفٍ ﴿ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى ادِّعاءِ خَيْرِيَّتِهِ وشَرَفِ مادَّتِهِ، وقَدْ نُقِلَ عَنْهُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى، وقَدْ عَنى اللَّعِينُ بِهَذا الوَصْفِ بَيانَ مَزِيدِ خِسَّةِ أصْلِ مَن لَمْ يَسْجُدْ لَهُ وحاشاهُ وقَدِ اكْتَفى في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِحِكايَةِ بَعْضِ ما زَعَمَهُ مُوجِبًا لِلْخِسَّةِ، وفي عُدُولِهِ عَنْ تَطْبِيقِ جَوابِهِ عَلى السُّؤالِ رَوْمٌ لِلتَّفَصِّي عَنِ المُناقَشَةِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ أمْتَنِعْ عَنِ الِانْتِظامِ في سَلْكِ السّاجِدِينَ بَلْ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي مِنَ السُّجُودِ لِلْمَفْضُولِ، وقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ حَيْثُ ظَنَّ أنَّ الفَضْلَ كُلَّهُ بِاعْتِبارِ المادَّةِ وما دَرى أنَّهُ يَكُونُ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ وبِاعْتِبارِ الصُّورَةِ وبِاعْتِبارِ الغايَةِ بَلْ إنَّ مَلاكَ الفَضْلِ والكَمالِ هو التَّخَلِّي عَنِ المَلَكاتِ الرَّدِيَّةِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ: فَشِمالٌ والكَأْسُ فِيها يَمِينُ ويَمِينٌ لا كاسَ فِيها شِمالُ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: كُنِ ابْنَ مَن شِئْتَ واكْتَسِبْ أدَبًا ∗∗∗ يُغْنِيكَ مَضْمُونُهُ عَنِ النَّسَبِ إنَّ الفَتى مَن يَقُولُ ها أنا ذا ∗∗∗ لَيْسَ الفَتى مَن يَقُولُ كانَ أبِي عَلى أنَّ فِيما زَعَمَهُ مِن فَضْلِ النّارِ عَلى التُّرابِ مَنعًا ظاهِرًا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي: آدم مِنْ صَلْصالٍ أي: من طين يتصلصل إذا مشيت عليه يتقلقل، وإذا تركته يتفلّق، مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي: من طين أسود منتن.
وقال الأخفش: أي من طين مصبوب.
ويقال: مَسْنُونٍ أي: متغير الرائحة كقوله لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: 259] .
ويقال: الذي أتت عليه السنون.
وقال القتبي: الصلصال الطين اليابس الذي لم تصبه نار، إذا ضربته صوّت، وإذا مسته النار فهو فخار.
والمسنون: المتغير الرائحة، والحمأ: جمع حمئة وهو الطين المتغير وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ وهي نار لا دخان لها، وهم في الأرض مع إبليس سكان الأرض.
<div class="verse-tafsir"
الرابع: المستَقْدِمِين: سائرُ الأمم، والمستأخرِينَ أمَّة سيِّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم قاله مجاهد «١» .
الخامس: قال الحَسَنُ: معناه: المتقدِّمين في الطاعة، والمستأخرين في المعصية «٢» .
انتهى.
ت: والحديثُ المتقدِّم، إِنْ صحَّ، فلا بد من تأويله، فإِن الصحابة ينزَّهُونَ عن فعْلِ ما ذُكِرَ فيه، فيؤوَّل بأنَّ ذلك صَدَرَ من بعضِ المنافقين، أوْ بعضِ الأعراب الذين قَرُبَ عهدهم بالإِسلام، ولم يَرْسَخِ الإِيمان في قلوبهم، وأما ابنُ عبَّاس، فإِنه كان يومَئِذٍ/ صغيراً بلا شك، هذا إِن كانت الآيةُ مدنيَّةً، فإِن كانت مكيَّةً، فهو يومئذٍ في سِنِّ الطفوليَّة، وبالجملة فالظاهرُ ضَعْفُ هذا الحديثِ من وجوه.
انتهى، وباقي الآية بيّن.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ: يعني: آدم، قال ابن عباس: خُلِقَ من ثلاثَةٍ: مِنْ طينٍ لازبٍ، وهو اللازقُ الجَيِّد، ومِنْ صلصالٍ، وهو الأرضُ الطَّيِّبَةُ يقع عليها الماءُ، ثم ينحسرُ فيتشقَّقُ وتصيرُ مثْلَ الخزف، ومِنْ حَمإٍ مسنون، وهو الطينُ فيه الحماة «٣» ، وال مَسْنُونٍ: قال مَعمرٌ: هو المُنْتِنُ «٤» ، وهو مِنْ أَسِنَ الماءُ إِذا تَغَيَّر، وَرُدَّ من جهة التصريف، وقيل غير هذا، وفي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّرَابِ: الطَّيِّبِ وَالخَبِيثِ، وَالأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ» «٥» .
وقوله: وَالْجَانَّ: يراد به: جنسُ الشياطينِ، وسئل وهبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم، فقال هم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ مِن صَلْصالٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ، فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ.
ويُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ: إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، فَصارَ لَهُ صَوْتٌ عِنْدَ نَقْرِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
فَأمّا الحَمَأُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ حَمْأةٍ، وهو الطِّينُ المُتَغَيِّرُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ أنَّ الحَمَأ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ.
ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: بُلَّ التُّرابُ حَتّى صارَ طِينًا، ثُمَّ تُرِكَ حَتّى أنْتَنَ وتَغَيَّرَ.
وَفِي المَسْنُونِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُنْتِنُ أيْضًا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَسْنُونُ: المُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ الرَّطِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المَصْبُوبُ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وأبُو عُبَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المَحْكُوكُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: فَمَن قالَ: المَسْنُونُ: المُنْتِنُ، قالَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ تَسَنّى الشَّيْءُ: إذا أنْتَنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: مَسْنُونٌ، لِتَقادُمِ السِّنِينَ عَلَيْهِ.
ومَن قالَ: الطِّينُ الرَّطِبُ، قالَ: سُمِّيَ مَسْنُونًا، لِأنَّهُ يَسِيلُ ويَنْبَسِطُ، فَيَكُونُ كالماءِ المَسْنُونِ المَصْبُوبِ.
ومَن قالَ: المَصْبُوبُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: قَدْ سَنَنْتَ عَلَيَّ الماءَ: إذا صَبَبْتَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْبُوبَ عَلى صُورَةٍ ومِثالٍ، مِن قَوْلِهِ: رَأيْتُ سُنَّةَ وجْهِهِ، أيْ: صُورَةَ وجْهِهِ، قالَ الشّاعِرُ: تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ وَمَن قالَ: المَحْكُوكُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ: إذا حَكَكْتَهُ عَلَيْهِ.
وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا، لِأنَّ الحَدِيدَ يُحَكُّ عَلَيْهِ.
قالَ: وإنَّما كُرِّرَتْ " مِن " لِأنَّ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " خَلَقْنا " والثّانِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصَّلْصالِ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِنَ الصَّلْصالِ الَّذِي هو مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجانَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَسِيخُ الجِنِّ، كَما أنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ مَسِيخُ الإنْسِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الجِنِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورَوى عَنْهُ الضَّحّاكُ أنَّهُ قالَ: الجانُّ أبُو الجِنِّ، ولَيْسُوا بِشَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ، والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أبُو الجِنِّ هو إبْلِيسُ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هو، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ.
والثّانِي: أنَّ الجانَّ أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ، فَبَيْنَهُما إذًا فَرْقٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ العُلَماءُ: وإنَّما سُمِّيَ جانًّا، لِتَوارِيهِ عَنِ العُيُونِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ ، وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مِن نارِ الرِّيحِ الحارَّةِ، وهي جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ.
والسَّمُومُ في اللُّغَةِ: الرِّيحُ الحارَّةُ وفِيها نارٌ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: وهي نارٌ لا دُخانَ لَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ ﴿ إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ "إذْ" نُصِبَتْ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ، و"البَشَرُ" ها هَنا آدَمُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ، وهي وجْهُ الجِلْدِ في الأشْهَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَأنْقُوا البَشَرَةَ".» وقِيلَ: البَشَرَةُ ما يَلِي اللَحْمَ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: "إنَّما يُعاتَبُ الأدِيمُ ذُو البَشَرَةِ"، لَأنَّ تِلْكَ الجِهَةَ هي الَّتِي تُبَشِّرُ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ بِعَجَبٍ عِنْدَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَخْلُوقِينَ مِن نُورٍ، فَهي أجْسامٌ لِطافٌ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يَخْلُقُ جِسْمًا حَيًّا ذا بَشَرَةٍ، وأنَّهُ يَخْلُقُهُ مِن صَلْصالٍ، والبِشْرُ والبِشارَةُ أيْضًا أصْلُهُما البَشَرَةُ لَأنَّهُما فِيها يَظْهَرانِ.
و"سَوَّيْتُهُ" مَعْناهُ: كَمَّلْتُهُ وأتْقَنَتْهُ حَتّى إذا اسْتَوَتْ أجْزاؤُهُ عَلى ما يَجِبُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن رُوحِي ﴾ إضافَةُ خَلْقٍ ومُلْكٍ إلى خالِقٍ مالِكٍ، أيْ: مِنَ الرُوحِ الَّذِي هو لِي، ولَفْظَةُ الرُوحِ هُنا لِلْجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "فَقَعُوا" مَن وقَعَ يَقَعُ، وفُتِحَتِ القافُ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ تُقَوِّي أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ إنَّما كانَ عَلى المَعْهُودِ عِنْدَنا، لا أنَّهُ خُضُوعٌ وتَسْلِيمٌ وإشارَةٌ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ، وشَبَّهُوهُ بِقَوْلِ الشاعِرِ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وهَذا البَيْتُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ السُجُودُ فِيهِ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا، وحَكى الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "خَلَقَ اللهُ مَلائِكَةً وأمَرَهم بِالسُجُودِ لِآدَمَ فَأبَوْا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَأمَرَهم بِالسُجُودِ فَأطاعُوا إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ كانَ مِنَ الأوَّلِينَ"، وقَوْلُهُ: "مِنَ الأوَّلِينَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الأوَّلِينَ في حالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في أنَّهُ بَقِيَ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ هو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، يَتَضَمَّنُ الآخَرُ ما تَضَمَّنَ الأوَّلُ، وقالَ غَيْرُهُ: "كُلُّهُمْ" لَوْ وقَفَ عَلَيْهِ لَصَلَحَتْ لِلِاسْتِثْناءِ، وصَلَحَتْ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ مَعَ أنْ يَكُونَ البَعْضُ لَمْ يَسْجُدْ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: "كُلُّ الناسِ يَعْرِفُ كَذا"، وهو يُرِيدُ أنَّ المَذْكُورَ أمْرٌ مُشْتَهِرٌ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" رَفَعَ الِاحْتِمالَ في أنْ يَبْقى مِنهم أحَدٌ، واقْتَضى الكَلامُ أنْ جَمِيعَهم سَجَدَ، وقالَ المُبَرِّدُ: لَوْ وقَفَ عَلى" كُلُّهُمْ" لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُجُودُهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" دَلَّ عَلى أنَّهم سَجَدُوا في مَوْطِنٍ واحِدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واعْتَرِضَ قَوْلُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "أجْمَعُونَ" حالًا.
بِمَعْنى "مُجْتَمِعِينَ"، ويَلْزَمُهُ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "أجْمَعُونَ" هُنا عَلى أنْ يَقْرُبَ مِنَ التَنْكِيرِ إذْ هو مَعْرِفَةٌ لِكَوْنِهِ يُلْزِمُ اتِّباعَ المَعارِفِ، والقِراءَةُ بِالرَفْعِ تَأْبى قَوْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مَنَ الأوَّلِ، وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى الخِلافِ في إبْلِيسَ، هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا؟
والظاهِرُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ ومِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَ المَلائِكَةَ بِالسُجُودِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُذْنِبْ في تَرْكِ السُجُودِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما كانَ مِن قَبِيلِ الجِنِّ، ولَمْ يَكُنْ قَطُّ مَلِكًا، ونَسَبَ ابْنُ فَوْرِكٍ القَوْلَ إلى المُعْتَزِلَةِ، وتَعَلَّقَ مَن قالَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِ: " كانَ مِنَ الجِنِّ "، وقالَتِ الفِرْقَةُ الأُخْرى: لا حُجَّةَ في هَذا لَأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُسَمّى جِنًّا لِاسْتِتارِها وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ حِينَئِذٍ سَمّاهُ إبْلِيسَ، وإنَّما كانَ اسْمُهُ قَبْلُ عَزازِيلُ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الإبْعادُ، أيْ: يا مُبْعَدُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إبْلِيسُ كانَ اسْمُهُ، ولَيْسَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ، بَلْ هو أعْجَمِيٌّ، ويَقْضِي بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا لَكانَ كَإجْفِيلٍ، مِن أجَفَلَ، وغَيْرَهُ، ولَكانَ مُنْصَرِفًا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ألا تَكُونَ ﴾ ، "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والأصْلُ: "مالَكَ ألّا تَكُونَ"، وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ ﴾ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ كُفْرِهِ عِنْدَ الحُذّاقِ، لَأنَّ إبايَتَهُ إنَّما هي مَعْصِيَةٌ فَقَطْ، وأمّا تَعْلِيلُهُ فَإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقًا مَفْضُولًا وكَلَّفَ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهُ أنْ يَذِلَّ لَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا جَوْرٌ"، وذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ لِما ظَنَّ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ ظَنَّ أنَّ نَفْسَهُ أفْضَلُ مِن آدَمَ مِن حَيْثُ النارُ يَأْكُلُ الطِينَ، فَقاسَ وأخْطَأ في قِياسِهِ، وجَهِلَ أنَّ الفَضائِلَ إنَّما هي حَيْثُ جَعَلَها اللهُ المالِكُ لِلْجَمِيعِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
تكملة لإقامة الدليل على انفراده تعالى بخلق أجناس العوالم وما فيها.
ومنه يتخلص إلى التذكير بعداوة الشيطان للبشر ليأخذوا حذرهم منه ويحاسبوا أنفسهم على ما يخامرها من وَسْواسه بما يرديهم.
جاء بمناسبة ذكر الإحياء والإماتة فإن أهم الإحياء هو إيجاد النوع الإنساني.
ففي هذا الخبر استدلال على عظيم القدرة والحكمة وعلى إمكان البعث، وموعظةٌ وذكرى.
والمراد بالإنسان آدم عليه السلام.
والصلصال: الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفَخّار؛ إلا أن الفَخّار هو ما يبس بالطبخ بالنّار.
قال تعالى: ﴿ خلق الإنسان من صلصال كالفخار ﴾ [سورة الرحمن: 14].
والحَمأ: الطين إذا اسودّ وكرهت رائحته.
وقوله: ﴿ من حمإ ﴾ صفة ل ﴿ صلصال ﴾ و ﴿ مسنون ﴾ صفة ل ﴿ حمإ ﴾ أو ل ﴿ صلصال ﴾ .
وإذ كان الصلصال من الحمأ فصفة أحدهما صفة للآخر.
والمسنون: الذي طالت مدة مكثه، وهواسم مفعول من فعل سنّهُ إذا تركه مدة طويلة تشبه السّنة.
وأحسب أن فعل (سَن) بمعنى ترك شيئاً مدة طويلة غيرُ مسموع.
ولعل (تَسَنّه) بمعنى تغيّر من طول المدّة أصله مطاوع سَنه ثم تنوسي منه معنى المطاوعة.
وقد تقدم قوله تعالى ﴿ لم يتسنّه ﴾ في سورة البقرة (259).
والمقصود من ذكر هذه الأشياء التنبيه على عجيب صنع الله تعالى إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعاً هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة.
وفيه إشارة إلى أن ماهية الحياة تتقوم من الترابية والرطوبة والتعفن، وهو يعطي حرارة ضعيفة.
ولذلك تنشأ في الأجرام المتعفّنة حيوانات مثل الدود، ولذلك أيضاً تنشأ في الأمزجة المتعفّنة الحمى.
وفيه إشارة إلى الأطوار التي مرّت على مادة خلق الإنسان.
وتوكيد الجملة بلام القسم وبحرف (قد) لزيادة التحْقيق تنبيهاً على أهميّة هذا الخلق وأنه بهذه الصفة.
وعطف جملة والجانّ خلقناه} إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين بني آدم وجُند إبليس.
وأكدت جملة ﴿ والجان خلقناه ﴾ بصيغة الاشتغال التي هي تقوية للفعل بتقدير نظيره المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال ثم التفصيل لمثل الغرض الّذي أكدت به جملة ﴿ ولقد خلقنا الإنسان ﴾ الخ.
وفائدة قوله: ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل خلق الإنسان تعليم أن خلق الجانّ أسبق لأنّه مخلوق من عنصر الحرارة والحرارة أسبق من الرطوبة.
و ﴿ السموم ﴾ بفتح السين: الريح الحارة.
فالجنّ مخلوق من النارية والهوائية ليحصل الاعتدال في الحرارة فيقبل الحياة الخاصة اللائقة بخلقة الجنّ، فكما كَوّن الله الحمأةَ الصلصالَ المسنونَ لخلق الإنسان، كَون ريحاً حارة وجعل منها الجنّ.
«فهو مكون من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان ومن تهوية قويّة.
والحكمة كلّها في إتقان المزج والتركيب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ أمّا الإنْسانُ ها هُنا فَهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ والضَّحّاكِ.
أمّا الصَّلْصالُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وقاعٍ تَرى الصَّلْصالَ فِيهِ ودُونَهُ بَقايا بِلالٍ بِالقُرى والمَناكِبِ والصَّلْصَلَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ المَسْمُوعُ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ، وهو مِثْلُ القَعْقَعَةِ في الثَّوْبِ.
الثّانِي: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَّ إذا أنْتَنَ، قالَ الشّاعِرُ: ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قَدْرِهِ ∗∗∗ لا يَفْسُدُ اللَّحْمُ لَدَيْهِ الصُّلُولُ والحَمَأُ: جَمْعُ حَمْأةٍ وهو الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ.
وَفي المَسْنُونِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَسْنُونَ المُنْتِنُ المُتَغَيِّرُ، مِن قَوْلِهِمْ قَدْ أسِنَ الماءُ إذا تَغَيَّرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: سَقَتْ صَدايَ رُضابًا غَيْرَ ذِي أسَنٍ ∗∗∗ كالمِسْكِ فُتَّ عَلى ماءِ العَناقِيدِ الثّانِي: أنَّ المَسْنُونَ المَنصُوبُ القائِمُ، مِن قَوْلِهِمْ وجْهٌ مَسْنُونٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: أنَّ المَسْنُونَ المَصْبُوبُ، مِن قَوْلِهِمْ سَنَيْتُ الماءَ عَلى الوَجْهِ إذا صَبَبْتُهُ عَلَيْهِ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسُنُّ الماءَ عَلى وجْهِهِ ولا يَشُنُّهُ، والشَّنُّ تَفْرِيقُ الماءِ، والسَّنُّ صَبُّهُ.
الرّابِعُ: أنَّ المَسْنُونَ الَّذِي يَحُكُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، مِن قَوْلِهِمْ سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ إذا حَكَكْتُ أحَدَهُما بِالآخَرِ، ومِنهُ سُمِّيَ المِسَنُّ لِأنَّ الحَدِيدَ يُسَنُّ عَلَيْهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الخامِسُ: أنَّ المَسْنُونَ المَنسُوبُ.
السّادِسُ: أنَّهُ الرَّطْبُ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.
السّابِعُ: أنَّهُ المُخَلِّصُ مِن قَوْلِهِمْ سِنَّ سَيْفَكَ أيِ اجْلُهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ وفي الجانِّ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الجِنُّ حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أبُو الجِنِّ قالَهُ الكَلْبِيُّ فَآدَمُ أبُو الإنْسِ، والجانُّ: أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجانُّ أبُو الجِنِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ.
والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
﴿ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ آدَمَ.
قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ آدَمَ إنَّما خُلِقَ آخِرَ الخَلْقِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مِن لَهَبِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَعْنِي مِن نارِ الشَّمْسِ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ.
الثّالِثُ: مِن حَرِّ السَّمُومِ، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّهُ نارُ السَّمُومِ نارُ الصَّواعِقِ بَيْنَ السَّماءِ وبَيْنَ حِجابٍ دُونَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ وسُمِّيَ سَمُومًا لِدُخُولِهِ في مَسامِّ البَدَنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق الله الإِنسان من ثلاث: من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون.
فالطين اللازب، اللازم الجيد.
والصلصال المرقق، الذي يصنع منه الفخار.
والحمأ المسنون، الطين فيه الحمأة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من صلصال ﴾ قال: الصلصال، الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها فتيبس، ثم تصير مثل الخزف الرقاق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، طين خُلِطَ برمل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، طين إذا ضربته صلصل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: الصلصال، التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، الطين تعصره بيدك فيخرج الماء من بين أصابعك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من حمإ مسنون ﴾ قال: من طين رطب.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من حمإ مسنون ﴾ قال: من طين منتن.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ من حمإ مسنون ﴾ قال: الحمأة السوداء، وهي الثاط أيضاً.
والمسنون، المصور.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب وهو يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
يقول: أغر كأن البدر مسنة وجهه ** جلا الغيم عنه ضوءة فتبددا وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق آدم من أديم الأرض، فألقي على الأرض حتى صار طيناً لازباً، وهو الطين الملتزق، ثم ترك حتى صار حمأ مسنوناً وهو المنتن، ثم خلقه الله بيده فكان أربعين يوماً مصوراً، حتى يبس فصار صلصالاً كالفخار إذا ضرب عليه صلصل.
فذلك الصلصال والفخار مثل ذلك والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد لحمًا ودمًا، وإبليس رُوحاني لا لحم ولا دم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خالق بَشَراً ﴾ يعني آدم عليه السلام ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ يعني الروح التي في الجسد، وأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه إضافة مُلْك إلى مالك أي: من الروح الذي هو لي وخلق من خلق، وتقدّم الكلام على سجود الملائكة في البقرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً ﴾ قيل: نجوماً، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة.
ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع [ما ذكر] من الشمس والقمر والنجوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ \[يعني السماء للناظرين\].
وفي قوله: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ دلالة نقض قول من ينهي عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها [للناظرين] ثم ينهي عن النظر إليها، دل أنه لا بأس [للناظرين]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا...
﴾ الآية [الأنعام: 97] وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ ﴾ وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهاً؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد [منهما] بسلطان الآخر؛ كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ يعني: السماء، ﴿ مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم [بالمطر] في يوم كذا وكذا، وكان حقّا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو كقوله: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً ﴾ وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ .
ويحتمل ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ : أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...
﴾ الآية [النحل: 100].
ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَيُقْذَفُونَ...
﴾ الآية.
ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.
وقال بعضهم: ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ : اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر ﴿ دُحُوراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء [كان] طبعه التسفل والتسرب؟
إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فِيهَا ﴾ : يعني في الجبال، ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ : يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، ﴿ مَّوْزُونٍ ﴾ : أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .
ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزوناً في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.
ويحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت.
والله أعلم.
قال أبو عوسجة: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ : أي: صاروا يومهم ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ : يرتفعون ويصعدون.
وقال غيره: ظلوا: أي: ما لوا، كقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ ﴾ أي: مالت، وقال: قوله: ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ : أي: حيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضاً تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكراً: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكراً: أي: حبسته، والسكر: السدّ، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكراً؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾ أي: شدته.
وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.
وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بُرُوجاً ﴾ : قال: إثنا عشر برجاً، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئاً إلا استراقاً، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.
وقال أبو عوسجة: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ : يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوماً حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم.
و ﴿ شِهَابٌ ﴾ : كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.
وقال بعضهم: ﴿ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ لرسول الله كان له خاصّةً لم يكن قبل والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي: في الأرض والجبال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ .
قال الحسن: أي: جعلنا [لكم] في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضاً، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ : الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنّون على رسول الله ، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جواباً لهم: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ أي: محمداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ .
يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ [أي]: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.
﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .
على هذا ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ ﴾ : أي: ما نعطيه ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ : أي: وإن كان عندكم مخزوناً محبوساً - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.
ويحتمل قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.
وقال الحسن: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ : أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهراً.
هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.
ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه.
ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.
أو ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ محدود؛ أي: ليس ينزل جزافاً؛ ولكن معلوماً محدوداً.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : حوامل.
وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.
وقال أبو عوسجة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.
قال القتبي: قال أبو عبيدة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ .
هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.
﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء.
ويحتمل ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ ﴾ أي: لله ﴿ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل.
وعلى تأويل الآخر: ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ .
أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثاً؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .
قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.
وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ : من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.
وقال الحسن: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ في الخير ﴿ ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ في الشّر.
وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .
الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.
والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله.
وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم.
أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.
<div class="verse-tafsir"
قال إبليس متكبرًا: ما يصح لي أن أسجد لبشر خلقته من طين يابس كان طينًا أسود متغيرًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.5Q52r"