تفسير الآية ٩١ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٩١ من سورة الحجر

ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ ٩١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 135 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩١ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذين جعلوا القرآن عضين ) أي : جزءوا كتبهم المنزلة عليهم ، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض .

قال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أنبأنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( جعلوا القرآن عضين ) قال : هم أهل الكتاب ، جزءوه أجزاء ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا ببعضه حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس : ( كما أنزلنا على المقتسمين ) قال : آمنوا ببعض ، وكفروا ببعض : اليهود والنصارى قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، والضحاك مثل ذلك .

وقال الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( جعلوا القرآن عضين ) قال : السحر .

وقال عكرمة : العضه : السحر بلسان قريش ، تقول للساحرة : إنها العاضهة وقال مجاهد : عضوه أعضاء ، قالوا : سحر ، وقالوا : كهانة ، وقالوا : أساطير الأولين .

وقال عطاء : قال بعضهم : ساحر ، وقال بعضهم : مجنون .

وقال بعضهم كاهن .

فذلك العضين ، وكذا روي عن الضحاك وغيره .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس : أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا شرف فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا .

فقالوا : وأنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأيا نقول به .

قال : بل أنتم قولوا لأسمع .

قالوا : نقول كاهن " .

قال : ما هو بكاهن .

قالوا : فنقول : " مجنون " .

قال : ما هو بمجنون !

قالوا فنقول : " شاعر " .

قال : ما هو بشاعر .

قالوا : فنقول : " ساحر " .

قال : ما هو بساحر .

قالوا : فماذا نقول ؟

قال : والله إن لقوله حلاوة ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول أن تقولوا : هو ساحر .

فتفرقوا عنه بذلك ، وأنزل الله فيهم : ( الذين جعلوا القرآن عضين ) أصنافا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

واختلف أهل التأويل في معنى قوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) فقال بعضهم: معناه: الذين جعلوا القرآن فِرَقا مفترقة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: فرقا.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جزّءوه فجعلوه أعضاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: جزّءوه فجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة، عن عطاء ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: المشركون من قريش، عضُّوا القرآن فجعلوه أجزاء، فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: مجنون ، فذلك العِضُون.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله ( جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) : جعلوا كتابهم أعضاء كأعضاء الجزور، وذلك أنهم تقطعوه زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون، وهو قوله فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا .

حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) عضهوا كتاب الله ، زعم بعضهم أنه سِحْر، وزعم بعضهم أنه شِعْر، وزعم بعضهم أنه كاهن .

قال أبو جعفر: هكذا قال كاهن، وإنما هو كهانة ، وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.

حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: جعلوه أعضاء كما تُعَضَّى الشاة.

قال بعضهم: كَهانة، وقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ..

الآية ، جعلوه أعضاء كما تُعَضَّى الشاة فوجه قائلو هذه المقالة قوله ( عِضِينَ) إلى أن واحدها: عُضْو، وأن عِضِينَ جمعه، وأنه مأخوذ من قولهم عَضَّيت الشيء تعضية: إذا فرقته، كما قال رؤبة: وليس دينُ اللَّهِ بالمُعَضَّى (1) يعني بالمفرّق ، وكما قال الآخر: وعَضَّـى بَنِـي عَـوْف فأمَّـا عَدُوَّهُمْ فـأرْضَى وأمَّـا الْعِـزُّ منهُـمُ فغـيَّرا (2) يعني بقوله: وعَضَّى: سَبَّاهُمْ ، وقَطَّعاهُمْ بألسنتهما (3) .

وقال آخرون: بل هي جمع عِضَة، جمعت عِضين ، كما جمعت البُرّة بُرِين، والعِزة عِزِين ، فإذا وُجِّه ذلك إلى هذا التأويل كان أصل الكلام عِضَهَة، ذهبت هاؤها الأصلية، كما نقصوا الهاء من الشَّفَة وأصلها شَفَهَة، ومن الشاة ، وأصلها شاهة ، يدل على أن ذلك الأصل تصغيرهم الشفة: شُفَيْهة، والشاة: شُوَيْهة، فيردّون الهاءَ التي تسقط في غير حال التصغير ، إليها في حال التصغير، يقال منه: عَضَهْتُ الرجل أعضَهُه عَضْهًا.

إذا بَهَتَّه ، وقذفته ببُهتان ، وكأن تأويل من تأوّل ذلك كذلك: الذين عَضَهوا القرآن، فقالوا: هو سِحْر، أو هو شعر، نحو القول الذي ذكرناه عن قتادة.

وقد قال جماعة من أهل التأويل: إنه إنما عَنَى بالعَضْه في هذا الموضع، نسبتهم إياه إلى أنه سِحْر خاصة دون غيره من معاني الذمّ، كما قال الشاعر: للماءِ مِنْ عِضَاتهنَّ زَمْزَمهْ (4) يعني: من سِحْرهنْ.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: سحرا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (عِضِينَ) قال: عَضَهوه وبَهَتُوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كان عكرمة يقول: العَضْه: السحر بلسان قريش، تقول للساحرة: إنها العاضهة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل ، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: سِحْرا أعضاء الكتب كلها وقريش فرقوا القرآن ، قالوا: هو سحر.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلِم قوما عَضَهُوا القرآن أنه لهم نذير من عقوبة تنـزل بهم بِعضْهِهِمْ إياه مثل ما أنـزل بالمقتسمين، وكان عَضْهُهُم إياه: قذفهموه بالباطل، وقيلهم إنه شعر وسحر، وما أشبه ذلك.

وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات به لدلالة ما قبله من ابتداء السورة وما بعده، وذلك قوله إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ على صحة ما قلنا، وإنه إنما عُنِيَ بقوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) مشركي قومه ، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لم يكن في مشركي قومه من يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعض، بل إنما كان قومه في أمره على أحد معنيين: إما مؤمن بجميعه، وإما كافر بجميعه.

وإذ كان ذلك كذلك، فالصحيح من القول في معنى قوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) الذين زعموا أنهم عَضَهوه، فقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو كهانة ، وما أشبه ذلك من القول، أو عَضَّهُوه ففرقوه، بنحو ذلك من القول ، وإذا كان ذلك معناه احتمل قوله عِضِين، أن يكون جمع: عِضة، واحتمل أن يكون جمع عُضْو، لأن معنى التعضية: التفريق، كما تُعَضى الجَزُور والشاة، فتفرق أعضاء.

والعَضْه: البَهْت ، ورميه بالباطل من القول ، فهما متقاربان في المعنى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين جعلوا القرآن عضين هذه صفة المقتسمين .

وقيل : هو مبتدأ وخبره لنسألنهم .

وواحد العضين عضة ، من عضيت الشيء تعضية أي فرقته ; وكل فرقة عضة .

وقال بعضهم : كانت في الأصل عضوة فنقصت الواو ، ولذلك جمعت عضين ; كما قالوا : عزين في جمع عزة ، والأصل عزوة .

وكذلك ثبة وثبين .

ويرجع المعنى إلى ما ذكرناه في المقتسمين .

قال ابن عباس : ( آمنوا ببعض وكفروا ببعض ) .

وقيل : فرقوا أقاويلهم فيه فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا .

عضوته أي فرقته .

قال الشاعر - هو رؤبة - :وليس دين الله بالمعضىأي بالمفرق .

ويقال : نقصانه الهاء وأصله عضهة ; لأن العضه والعضين في لغة قريش السحر .

وهم يقولون للساحر : عاضه وللساحرة عاضهة .

قال الشاعر :أعوذ بربي من النافثا ت في عقد العاضه المعضهوفي الحديث : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العاضهة والمستعضهة ، وفسر : الساحرة والمستسحرة .والمعنى : أكثروا البهت على القرآن ونوعوا الكذب فيه ، فقالوا : سحر وأساطير الأولين ، وأنه مفترى ، إلى غير ذلك .

ونظير عضة في النقصان شفة ، والأصل شفهة .

كما قالوا : سنة ، والأصل سنهة ، فنقصوا الهاء الأصلية وأثبتت هاء العلامة وهي للتأنيث .

وقيل : هو من العضه وهي النميمة .

والعضيهة البهتان ، وهو أن يعضه الإنسان ويقول ، فيه ما ليس فيه .

يقال عضهه عضها رماه بالبهتان .

وقد أعضهت أي جئت بالبهتان .

قال الكسائي : العضة الكذب والبهتان ، وجمعها عضون ; مثل عزة وعزون ; قال - تعالى - : الذين جعلوا القرآن عضين .

ويقال : عضوه أي آمنوا بما أحبوا منه وكفروا بالباقي ، فأحبط كفرهم إيمانهم .

وكان الفراء يذهب إلى أنه مأخوذ من العضاة ، وهي شجر الوادي ويخرج كالشوك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ الذين جعلوا القرآن عضين } أي: أصنافا وأعضاء وأجزاء، يصرفونه بحسب ما يهوونه، فمنهم من يقول: سحر ومنهم من يقول: كهانة ومنهم من يقول: مفترى إلى غير ذلك من أقوال الكفرة المكذبين به، الذين جعلوا قدحهم فيه ليصدوا الناس عن الهدى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين جعلوا القرآن عضين ) جزءوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه .

وقال مجاهد : هم اليهود ، والنصارى قسموا كتابهم ففرقوه وبدلوه .

وقيل : " المقتسمون " قوم اقتسموا القرآن .

فقال بعضهم : سحر .

وقال بعضهم : شعر .

وقال بعضهم : كذب ، وقال بعضهم : أساطير الأولين .

وقيل : الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ساحر كاهن شاعر .

وقال مقاتل : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقاب مكة وطرقها ، وقعدوا على أنقابها يقولون لمن جاء من الحجاج : لا تغتروا بهذا الرجل الخارج الذي يدعي النبوة منا .

وتقول طائفة منهم : إنه مجنون ، وطائفة : إنه كاهن ، وطائفة : إنه شاعر والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكما فإذا سئل عنه قال : صدق أولئك [ يعني ] المقتسمين .

وقوله : ( عضين ) قيل : هو جمع عضو ، مأخوذ من قولهم : عضيت الشيء تعضية ، إذا فرقته .

ومعناه : أنهم جعلوا القرآن أعضاء ، فقال بعضهم : سحر .

وقال بعضهم : كهانة .

وقال بعضهم : أساطير الأولين .

وقيل : هو جمع عضة : يقال : عضة وعضين مثل برة وبرين وعزة وعزين ، وأصلها : عضهة ذهبت هاؤها الأصلية ، كما نقصوا من الشفة وأصلها شفهة ، بدليل : أنك تقول في التصغير شفيهة ، والمراد بالعضة الكذب والبهتان .

وقيل : المراد بالعضين العضه وهو السحر ، يريد : أنهم سموا القرآن سحرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين جعلوا القرآن» أي كتبهم المنزلة عليهم «عضين» أجزاء، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل المراد بهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإسلام، وقال بعضهم في القرآن سحر وبعضهم كهانة وبعضهم شعر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهم الذين جعلوا القرآن أقسامًا وأجزاء، فمنهم من يقول: سحر، ومنهم من يقول كَهَانة، ومنهم من يقول غير ذلك، يصرِّفونه بحسب أهوائهم؛ ليصدوا الناس عن الهدى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق ، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى - : ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) .

.والكاف فى قوله ( كما ) للتشبيه ، و ( ما ) موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني ) .ولفظ ( المقتسمين ) افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقسامًا .

.والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب ، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر .أو المراد بهم - كما قال ابن كثير : " ( المقتسمين ) أى المتحالفين ، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم .

.

.

" .ولفظ ( عضين ) جمع عضة - بزنة عزة - ، وهى الجزء والقطعة من الشئ .

تقول : عضيت الشئ تعضية ، أى : فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة .قال القرطبى ما ملخصه : وواحد العضين عضة ، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته ، وكل فرقة عضة .

قال الشاعر : وليس دين الله بالمعضى .

أى : بالمفرق .والعضة والعضين فى لغة قريش السحر .

وهم يقولون للساحر عاضه ، وللساحرة عاضهة .

.

.وفى الحديث : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة " .

وقيل : هو من العضة ، وهى التميمة .

والعضيهة : البهتان .

.

.

يقال : أعضهت يا فلان أى : جئت بالبهتان .والمعنى : ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم ، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين ، أى الذين قسموا كتابهم أقسامًا ، فأظهروا قسمًا وأخفوا آخر ، والذين جعلوا - أيضًا - القرآن أقسامًا ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا بالبعض الآخر ..

فجعله ( الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) بيان وتوضيح للمقتسمين .ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين .

.

.

) متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك ، ( وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين ) ، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة .

وأن المراد بالمقتسمين : جماعة من مشركى قريش ، قسموا أنفسهم أقسامًا لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم .والمعنى : وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين .

.

.وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين .

.

.

) متعلق بقوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً .

.

.

) على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى : آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا ، وهو فى معنى : أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب ( الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) أى قسموه إلى حق وباطل .

.وقيل : هو متعلق بقوله - تعالى - : ( وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين ) .

.

وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش .

.

.

أرسلهم الوليد بن المغيرة ، أيام موسم الحج ، ليقفوا على مداخل طرق مكة ، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل ، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر .

.أى : وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين .وقيل المراد بالمقتسمين ، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله .

.

.ثم قال - رحمه الله - : والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله ( كما أنزلنا .

.

) متعلق بقوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً .

.

.

) وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين ، وأن الموصول مع صلته ، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم .

.

.والمعنى : لقد آتيناك سبعًا من المثانى والقرآن العظيم ، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما .

.

.

.ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين ، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه الله - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه : " والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال : إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه ، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته ، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم " .

.

.وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين : أهل الكتابين ..

وجائز أن يكون عنى بذلك : المشركين من قريش ، لأنهم اقتسموا القرآن ، فسماه بعضهم شعرا ، وسماه بعضهم كهانة .

.

.وجائز أن يكون عنى به الفريقين .

.

.

وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه .

لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل ، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين ، وإذا فكل من اقتسم كتابًا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض ، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد .

.

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا، وخفض الجناح للمؤمنين، أمره بأن يقول للقوم: ﴿ إِنّى أَنَا النذير المبين ﴾ فيدخل تحت كونه نذيراً، كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلاً تحت لفظ النذير، ويدخل تحته أيضاً كونه شارحاً لمراتب الثواب والعقاب والجنة والنار، ثم أردفه بكونه مبيناً، ومعناه كونه آتياً في كل ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية، ثم قال بعده: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: اختلفوا في أن المقتسمين من هم؟

وفيه أقوال: القول الأول: قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرب عددهم من أربعين.

وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا، والمدعي للنبوة فإنه مجنون، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر، فأنزل الله تعالى بهم خزياً فماتوا شر ميتة، والمعنى: أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين.

والقول الثاني: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين؟

فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي.

وقال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به، فقال بعضهم: سورة كذا لي.

وقال بعضهم: سورة كذا لي.

وقال مقاتل بن حبان: اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر.

وقال بعضهم شعر، وقال بعضهم كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين.

والقول الثالث: في تفسير المقتسمين.

قال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم، فعلى هذا والاقتسام من القسم لا من القسمة، وهو اختيار ابن قتيبة.

البحث الثالث: أن قوله: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين ﴾ يقتضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء؟

والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: التقدير: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل.

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ  ﴾ إلى آخره؟

قلنا: لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم.

والوجه الثاني: أن يتعلق هذا الكلام بقوله: ﴿ وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين ﴾ .

واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين: إما التزام إضمار أو التزام حذف، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذاباً كما أنزلناه على المقتسمين، وعلى هذا الوجه، المفعول محذوف وهو المشبه، ودل عليه المشبه به، وهذا كما تقول: رأيت كالقمر في الحسن، أي رأيت إنساناً كالقمر في الحسن، وأما الحذف فهو أن يقال: الكاف زائدة محذوفة، والتقدير: إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين، وزيادة الكاف له نظير وهو قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ والتقدير: ليس مثله شيء، وقال بعضهم: لا حاجة إلى الإضمار والحذف، والتقدير: إني أنا النذير أي أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين وقوله: ﴿ الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: في هذا اللفظ قولان: الأول: أنه صفة للمقتسمين.

والثاني: أنه مبتدأ، وخبره هو قوله: ﴿ لَنَسْئَلَنَّهُمْ  ﴾ وهو قول ابن زيد.

البحث الثاني: ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين: القول الأول: أن واحدها عضة مثل عزة وبرة وثبة، وأصلها عضوة من عضيت الشيء إذا فرقته، وكل قطعة عضة، وهي مما نقص منها واو هي لام الفعل، والتعضية التجزئة والتفريق، يقال: عضيت الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها أعضاء وقسمتها، وفي الحديث: «لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة» أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة والسيف.

فقوله: ﴿ جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ يريد جزؤه أجزاء، فقالوا: سحر وشعر وأساطير الأولين ومفترى.

والقول الثاني؛ أن واحدها عضة وأصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين، فقالوا: عضة كما قالوا شفة، والأصل شفهة بدليل قولهم: شافهت مشافهة، وسنة وأصلها سنهة في بعض الأقوال، وهو مأخوذ من العضة بمعنى الكذب، ومنه الحديث: «إياكم والعضة» وقال ابن السكيت: العضة بأن يعضه الإنسان ويقول فيه ما ليس فيه.

وهذا قول الخليل فيما روى الليث عنه، فعلى هذا القول معنى قوله تعالى: ﴿ جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ أي جعلوه مفترى.

وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف، فجعل الجمع بالواو والنون عوضاً مما لحقها من الحذف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما، أن يتعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتيناك ﴾ [الحجر: 87] أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون ﴿ الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل، وعضوه.

وقيل: كانوا يستهزؤن به فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي، ويجوز أن يراد بالقرآن: ما يقرؤنه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريفهم، وبأنّ اليهود أقرّت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم، وقولهم سحر وشعر وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.

والثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين ﴾ [الحجر: 89] أي: وأنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعني اليهود، وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز؛ لأنه إخبار بما سيكون وقد كان.

ويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوباً بالنذير، أي: أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، فقعدوا في كل مدخل متفرّقين لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر.

ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات، كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب وغيرهم، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً عليه السلام، والاقتسام بمعنى التقاسم.

فإن قلت: إذا علقت قوله: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا ﴾ بقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتيناك ﴾ [الحجر: 87] فما معنى توسط ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ ﴾ [الحجر: 88] إلى آخره بينهما؟

قلت: لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدد لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم، ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين ﴿ عِضِينَ ﴾ أجزاء، جمع عضة، وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء.

قال رؤبة: وَلَيْسَ دينُ اللَّهِ بِالْمَعْضِيِّ وقيل: هي فعلة، من عضهته إذا بهته.

وعن عكرمة: العضة السحر، بلغة قريش، يقولون للساحر عاضهة.

ولعن النبي صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة، نقصانها على الأوّل واو، وعلى الثاني هاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ مِثْلَ العَذابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلَيْهِمْ، فَهو وصْفٌ لِمَفْعُولِ النَّذِيرِ أُقِيمَ مَقامَهُ والمُقْتَسِمُونَ هُمُ الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالرَّسُولِ  فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ أوِ الرَّهْطُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا أيْ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ هو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ ﴾ فَإنَّهُ بِمَعْنى أنْزَلَنا إلَيْكَ، والمُقْتَسِمُونَ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ حَيْثُ قالُوا عِنادًا: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، أوْ قَسَّمُوهُ إلى شِعْرٍ وسَحْرٍ وكَهانَةٍ وأساطِيرَ الأوَّلِينَ، أوْ أهْلُ الكِتابِ آمَنُوا بِبَعْضِ كُتُبِهِمْ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ عَلى أنَّ القُرْآنَ ما يَقْرَءُونَ مِن كُتُبِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ  ، وقَوْلُهُ ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ الخَ اعْتِراضًا مُمِدًّا لَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين جعلوا القرآن عِضِينَ} أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء حيث قالوا بعنادهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه وقيل كانوا يستهزءون به فيقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول

الحجر (٩١ _ ٩٩)

الآخر سورة آل عمران لي أو أريد بالقرآن ما يقرءونه من كتبهم وقد اقتسموه فاليهود أقرت ببعض التوارة وكذبت ببعض والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض ويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوبا بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزءون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر ويقول الآخر كذاب والآخر شاعر فأهلكهم الله ولا تمدن عينيك على الوجه الآول اعترض بينهما لأنه لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الإلتفات

إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الأمر بأن يقبل بكليته عن المؤمنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ أيْ قَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ حَيْثُ قالُوا عِنادًا وعَداوَةً: بَعْضُهُ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، وتَفْسِيرُ ﴿ المُقْتَسِمِينَ ﴾ المَذْكُورِينَ بِأهْلِ الكِتابِ مِمّا رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ، وفي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ البُخارِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هم أهْلُ الكِتابِ جَزَّؤُوهُ أجْزاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وجاءَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ الحَبْرِ قالَ: ««سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اليَهُودُ والنَّصارى قالَ: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ما عِضِينَ؟

قالَ  : آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ»».

أوِ اقْتَسَمُوهُ لِأنْفُسِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي وبَعْضَهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي وهَكَذا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ ويُرادَ مِنَ القُرْآنِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ أيِ المَقْرُوءُ مِن كُتُبِهِمْ أيِ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا ما قَرَؤُوا مِن كُتُبِهِمْ وحَرَّفُوهُ وأقَرُّوا بِبَعْضٍ وكَذَّبُوا بِبَعْضٍ، وحُمِلَ تَوَسُّطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلَخْ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ عَلى إمْدادِ ما هو المُرادُ بِالكَلامِ مِنَ التَّسْلِيَةِ.

وتُعِقِّبَ القَوْلُ بِهَذا التَّعَلُّقِ بِأنَّهُ جُلُّ هَذا المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ فَلَقَدْ أُوتِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وفي حَمْلِ القُرْآنِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ ما فِيهِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ﴾ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإنْذارِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي اليَهُودَ هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ بِأنْ جُعِلَ المُتَوَقَّعِ كالواقِعِ وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ العَذابَ المُنْذِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا حالَ النُّزُولِ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَلْغُو التَّشْبِيهُ، وتَنْزِيلُ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لَهُ مَوْقِعٌ جَلِيلٌ مِنَ الإعْجازِ لَكِنْ إذا صادَفَ مَقامًا يَقْتَضِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ونَظائِرِهِ، عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الِاقْتِسامِ بِاليَهُودِ بِمُجَرَّدِ اخْتِصاصِ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ شِرْكَتِهِمْ لِلنَّصارى في الِاقْتِسامِ المُتَفَرِّعِ عَلى المُوافَقَةِ والمُخالَفَةِ، وفي الِاقْتِسامِ بِمَعْنى التَّحْرِيفِ الشّامِلِ لِلْكِتابَيْنِ بَلْ تَخْصِيصُ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مِن نَتائِجِ الِاقْتِسامِ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ جَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ وهي اثْنا عَشَرَ، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصُ بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ وزَمَعَةُ بْنُ الحَجّاجِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ، أرْسَلَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أيّامَ المَوْسِمِ لِيَقِفُوا عَلى مَداخِلِ طُرُقِ مَكَّةَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانْقَسَمُوا عَلى هاتِيكَ المَداخِلِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: كَذّابٌ، والآخَرُ: شاعِرٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذَيانِهِمْ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ وقَبْلَهُ بِآفاتٍ، ويُجْعَلُ الَّذِينَ مَنصُوبًا- بِالنَّذِيرِ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ (وكَما) مَفْعُولُهُ الثّانِي أيْ أنْذِرِ المُعِضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّئُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ وهَذَوْا مِثْلَ هَذَيانِهِمْ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ فِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُشارَكَةِ لِما سَبَقَ في عَدَمِ كَوْنِ العَذابِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ العَذابُ المُنْذِرُ واقِعًا ومَعْلُومًا لِلْمُنْذِرِينَ أنَّهُ لا داعِيَ إلى تَخْصِيصِ وصْفِ التَّعْضِيَةِ بِهِمْ وإخْراجِ المُقْتَسِمِينَ مِن بَيْنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في ذَلِكَ فَإنَّ وصْفَهم لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما وصَفُوا بِهِ مِنَ السَّحَرِ والشِّعْرِ والكَذِبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى وصْفِهِمْ لِلْقُرْآنِ بِذَلِكَ وهَلْ هو إلّا نَفْسُ التَّعْضِيَةِ ولا إلى إخْراجِهِمْ مِن حُكْمِ الإنْذارِ، عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشِّدَّةِ بِحَيْثُ يُشَبَّهُ بِهِ عَذابُ غَيْرِهِمْ ولا مَخْصُوصًا بِهِمْ بَلْ هو عامٌّ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ وغَيْرِهِمْ، مَعَ أنَّ بَعْضَ مَن عُدَّ مِنَ المُنْذَرِينَ عَلى قَوْلٍ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والأسْوَدِ وغَيْرِهِما قَدْ هَلَكُوا قَبْلَ مَهْلِكِ أكْثَرِ المُقْتَسِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، ولا إلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ لِمَفْعُولِ الَّذِينَ أُقِيمَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ والمُقْتَسِمُونَ هُمُ القاعِدُونَ في مَداخِلِ الطُّرُقِ كَما حُرِّرَ، أيِ النَّذِيرُ عَذابًا مِثْلَ العَذابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ.

وتُعِقِّبَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ مَعَ ما مَرَّ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿ كَما أنْزَلْنا ﴾ مِن مَقُولِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، واعْتُذِرَ لَهُ بِأنَّهُ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ أمَرْنا بِكَذا والآمِرُ المَلِكُ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ أوْ حِكايَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ ما لا يَخْفى، وأيْضًا فِيهِ إعْمالُ الوَصْفِ المَوْصُوفِ في المَفْعُولِ وهو مِمّا لا يَجُوزُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الكُوفِيَّةَ تَجَوُّزُهُ والقائِلُ بَنى الكَلامَ عَلى ذَلِكَ أوْ أنَّ المُرادَ بِالمَفْعُولِ المَفْعُولُ الغَيْرُ الصَّرِيحِ وتَقْدِيرُهُ بِعَذابٍ وهو لا يَمْنَعُ الوَصْفَ مِنَ العَمَلِ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقْتَسِمِينَ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ الرَّهْطُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، والِاقْتِسامُ بِمَعْنى التَّقاسُمِ، ولا إشْكالَ في التَّشْبِيهِ لِأنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ العَظِيمُ فَيَصِحُّ أنْ يَقَعَ مُشَبَّهًا بِهِ لِلْعَذابِ المُنْذِرِ، والمَوْصُولُ إمّا مَفْعُولٌ أوَّلُ- لِلنَّذِيرِ- أوْ لِما دَلَّ هو عَلَيْهِ مِن أنْذَرَ.

وتُعِقِّبَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ بَعْدَ إغْماضِ العَيْنِ عَمّا في المَفْعُولِيَّةِ مِنَ الخِلافِ أوِ الخَفاءِ أنَّهُ لا يَكُونُ لِلتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولا لِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ بِالمَعْنى المَزْبُورِ في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي فائِدَةٌ لِما أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الصِّلَةِ والصِّفَةِ لِلْحُكْمِ الثّابِتِ لِلْمَوْصُولِ والمَوْصُوفِ فَلا يَكُونُ هُناكَ وجْهُ شَبَهٍ يَدُورُ عَلَيْهِ تَشْبِيهُ عَذابِهِمْ بِعَذابِهِمْ خاصَّةً لِعَدَمِ اشْتِراكِهِمْ في السَّبَبِ، فَإنَّ المُعِضِينَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقاسُمِ عَلى التَّبْيِيتِ الَّذِي هو السَّبَبُ لِهَلاكِ أُولَئِكَ مَعَ أنَّ أُولَئِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّعْضِيَةِ الَّتِي هي السَّبَبُ لِهَلاكِ هَؤُلاءِ ولا عَلاقَةَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ مَفْهُومًا ولا وُجُودًا تُصَحِّحُ وُقُوعَ أحَدِهِما في جانِبٍ والآخَرِ في جانِبٍ، واتِّفاقُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مُطْلَقِ الِاتِّفاقِ عَلى الشُّرُورِ المَفْهُومِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الشَّرِّ المَخْصُوصِ الَّذِي هو التَّبْيِيتُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالتَّقاسُمِ غَيْرُ مُفِيدٍ إذْ لا دَلالَةَ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ عَلى ذَلِكَ وإنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِسامُ المَداخِلِ، وجَعْلُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ خَبَرَهُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ وجَلالَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ اه، وهَذا الجُعْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخْرَجَها البَيْهَقِيُّ.

وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ ما يَقْتَضِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ بِمَنعِ عَدَمِ اللِّياقَةِ، وبَعْضُ مَن يُسَلِّمُها يَقُولُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةَ ﴿ المُقْتَسِمِينَ ﴾ مُرادًا بِهِمْ أُولَئِكَ الرَّهْطُ، ومَعْنى جَعْلَهُمُ القُرْآنَ عِضِينَ حُكْمُهم بِأنَّهُ مُفْتَرًى وتَكْذِيبُهم بِهِ والمُرادُ مِنهُ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ فَيُؤَوَّلُ إلى وصْفِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِكِتابِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِهِ والعَمَلِ بِما فِيهِ ويُوافِقُ ما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ وفي قَوْمِهِمْ: ﴿ وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ آياتُ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما قِيلَ بِهِ فِيما سَبَقَ، وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ هُنالِكَ التَزَمْنا كَوْنَ المَوْصُولِ مَفْعُولًا وقُلْنا: فائِدَةُ التَّعَرُّضِ لِلْعُنْوانَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الإشارَةُ إلى تَفْظِيعِ أمْرِ التَّكْذِيبِ وكَوْنُهُ في سَبَبِيَّتِهِ لِلْعَذابِ كالِاقْتِسامِ عَلى قَتْلِ النَّبِيِّ، ويُلْتَزَمُ ما يُشْعِرُ بِهِ هَذا مِن أفْظَعِيَّةِ الِاقْتِسامِ المَزْبُورِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ تَكْذِيبٍ ومَزِيدِ عَداوَةٍ لِلنَّبِيِّ، وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: المُصَحِّحُ لِوُقُوعِ أحَدِ العُنْوانَيْنِ في جانِبٍ والآخَرِ في جانِبٍ أنَّ التَّكْذِيبَ يَنْجَرُّ بِزَعْمِ المُكَذِّبِينَ إلى إبْطالِ أمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإطْفاءِ نُورِهِ وهو العِلَّةُ الغائِيَّةُ لِذَلِكَ والِاقْتِسامُ المَذْكُورُ كَذَلِكَ وهو كَما تَرى، وقالَ أبُو البَقاءِ ولَيْتَهُ لَمْ يَقُلْ: ﴿ كَما أنْزَلْنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ مَتَّعْناهم تَمْتِيعًا كَما أنْزَلْنا، والمَعْنى نَعَّمْنا بَعْضَهم كَما عَذَّبْنا بَعْضَهم.

وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى قُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا عَلى المُقْتَسِمِينَ أيْ أهْلِ الكِتابِ، ومُرادُهم عَلى ما قِيلَ أنَّ ما في ( كَما ) مَوْصُولَةٌ، والمُرادُ مِنَ المُشابَهَةِ المُسْتَفادَةِ في الكافِ المُوافَقَةُ وهي مَعَ ما في حَيِّزِها في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( قُلْ ) أيْ قُلْ هَذا القَوْلَ حالَ كَوْنِهِ كَما أنْزَلَنا عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ أيْ مُوافِقًا لِذَلِكَ، والأنْسَبُ عَلى هَذا حَمْلُ الِاقْتِسامِ عَلى التَّحْرِيفِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِما فَعَلُوا مِن تَحْرِيفِهِمْ وكِتْمانِهِمْ لِنَعْتِ النَّبِيِّ  .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِ بُعْدًا لَكِنَّهُ أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: المَعْنى ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي إيتاءً مُوافِقًا لِلْإيتاءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ وأخْبَرْناهم بِهِ في كُتُبِهِمْ، وفِيهِ ما فِيهِ.

وأمّا جَعْلُها زائِدَةً والمَعْنى أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ما أنْزَلْنا فَحالُهُ غَنِيٌّ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ بَعْدَ نَقْلِ أقْوالٍ عَقَّبَها بِما عَقَّبَها: والأقْرَبُ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ أنَّ ﴿ كَما أنْزَلْنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ ﴾ إلَخْ، وأنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابَيْنِ، وأنَّ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ اقْتِسامِهِمْ ومُحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وحَدِيثُ جَلالَةِ المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ مِن لَوائِحِ النَّظَرِ الجَلِيلِ.

والمَعْنى لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ إيتاءً مُماثِلًا لِإنْزالِ الكِتابَيْنِ عَلى أهْلِهِما، وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ المُماثَلَةِ بَيْنَ الإيتاءَيْنِ لا بَيْنَ مُتَعَلِّقِيهِما، والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ ما في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما في جانِبِ المُشَبَّهِ بِأنْ يُقالَ: كَما آتَيْنا المُقْتَسِمِينَ حَسْبَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ) إلَخْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما بَيْنَ الإيتاءَيْنِ مِنَ التَّنائِي فَإنَّ الأوَّلَ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ والِامْتِنانِ فَشَتّانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في وُقُوعِهِ مُشَبَّهًا بِهِ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِمُسَلَّمِيتِّهِ عِنْدَهم.

وتَقَدَّمَ وجُودُهُ عَلى المُشَبَّهِ زَمانًا لا لِمَزِيَّةٍ تَعُودُ إلى ذاتِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما قِيلَ في الصَّلَواتِ الإبْراهِيمِيَّةِ فَلَيْسَ في التَّشْبِيهِ إشْعارٌ بِأفْضَلِيَّةِ المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ المُشَبَّهِ فَضْلًا عَنْ إيهامِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الأوَّلُ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الثّانِي، وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ إنْكارًا لِاتِّصافِهِمْ بِهِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِنَ الإنْزالِ المَذْكُورِ وإيذانًا بِأنَّهم كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّهِ حَسَبَ إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الِاشْتِراكِ في العِلَّةِ والِاتِّحادِ في الحَقِيقَةِ الَّتِي هي مُطْلَقُ الوَحْيِ، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلَخْ لِكَمالِ اتِّصالِهِ بِما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ حالِ ما أُوتِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ولَقَدْ بَيَّنَ أوَّلًا عُلُوَّ شَأْنِهِ ورِفْعَةَ مَكانِهِ  بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُ اغْتِباطَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانِهِ واسْتِغْناءَهُ بِهِ عَمّا سِواهُ، ثُمَّ نُهِيَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زَهْرَةِ الدُّنْيا وعَبَّرَ سُبْحانِهِ عَنْ إيتائِها لِأهْلِها بِالتَّمَتُّعِ المُنْبِئِ عَنْ وشْكِ زَوالِها عَنْهُمْ، ثُمَّ عَنِ الحُزْنِ لِعَدَمِ إيمانِ المُنْهَمِكِينَ فِيها، وأُمِرَ بِمُراعاةِ المُؤْمِنِينَ والِاكْتِفاءِ بِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ وبِإظْهارِ قِوامِهِ بِمُواجِبِ الرِّسالَةِ ومَراسِمِ النِّذارَةِ حَسْبَما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ ما أُوتِيَ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى كَيْفِيَّةِ إتْيانِهِ عَلى وجْهٍ أُدْمِجَ فِيهِ ما يُزِيحُ شُبَهَ المُنْكِرِينَ ويَسْتَنْزِلُهم مِنَ العِنادِ مِن بَيانِ مُشارَكَتِهِ لِما لا رَيْبَ لَهم في كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ اه.

وهو كَلامٌ ظاهِرٌ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ.

وفِي البَحْرِ بَعْدَ نَقْلِ أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ: وهَذِهِ أقْوالٌ وتَوْجِيهاتٌ مُكَلَّفَةٌ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ لا يَحْزَنَ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن وأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم أنَّهُ هو النَّذِيرُ المُبِينُ لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم لَمّا أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَفْضِ جَناحِهِ لَهم خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ النِّذارَةِ فَأُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ﴾ لَكم ولِغَيْرِكم كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ وتَكُونُ الكافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ وقُلْ قَوْلًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ أنَّكَ نَذِيرٌ لَهُمْ، فالقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ لِلْكُفّارِ المُقْتَسِمِينَ لِئَلّا يُظَنَّ إنْذارُكَ لِلْكَفّارِ مُخالِفًا لِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتَ في وصْفِ النِّذارَةِ لَهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ تُنْذِرُ المُؤْمِنَ كَما تُنْذِرُ الكافِرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ اه بِحُرُوفِهِ، وهو كَما تَرى رَكِيكٌ لَفْظًا ومَعْنًى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ وعِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ، وعِضِينَ جَمْعُ عِضَةٍ وأصْلُها عِضَوَةٌ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ بِمَعْنى جُزْءٍ فَهو مُعْتَلُّ اللّامِ مِن عَضّاهُ بِالتَّشْدِيدِ جَعَلَهُ أعْضاءً وأجْزاءً فالمَعْنى جَعَلُوا القُرْآنَ أجْزاءً.

وقِيلَ: العَضَهُ في لُغَةِ قُرَيْشٍ السِّحْرُ فَيَقُولُونَ لِلسّاحِرِ: عاضِهٌ ولِلسّاحِرَةِ عاضِهَةٌ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ، وأبُو يُعْلى في مَسْنَدِهِ ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ»».

وأرادَ  السّاحِرَةَ والمُسْتَسْحِرَةَ أيِ المُسْتَعْمِلَةَ لِسِحْرِ غَيْرِها، وهو عَلى هَذا مَأْخُوذٌ مِن عَضَهْتُهُ فاللّامُ المَحْذُوفَةُ هاءٌ كَما في شَفَةٍ وشاةٍ عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْلَهُما شَفَهَةٌ وشاهَةٌ بِدَلِيلِ جَمْعِهِما عَلى شِفاهٍ وشِياهٍ وتَصْغِيرِهِما عَلى شُفَيْهَةٍ وشُوَيْهَةٍ.

وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ مِن عَضَهَهُ عَضَهًا وعَضِيهَةً رَماهُ بِالبُهْتانِ، قِيلَ: وأخْذُ العَضَهِ بِمَعْنى السِّحْرِ مِن هَذا لِأنَّ البُهْتانَ لا أصْلَ لَهُ والسَّحَرَ تَخْيِيلُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ مِنَ العِضاهِ وهي شَجَرَةٌ تُؤْذِي كالشَّوْكِ واخْتارَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ، وجَمْعُ السَّلامَةِ لِجَبْرِ ما حُذِفَ مِنهُ كَعَزِينَ وسِنِينَ وإلّا فَحَقُّهُ أنْ لا يَجْمَعَ جَمْعَ السَّلامَةِ المُذَكَّرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عاقِلٍ ولِتَغَيُّرِ مُفْرَدِهِ ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُلْزِمُهُ الياءَ ويَجْعَلُ الإعْرابَ عَلى النُّونِ فَيَقُولُ: عِضِينَكَ كَسِنِينَكَ وهَذِهِ اللُّغَةُ كَثِيرَةٌ في تَمِيمٍ وأسَدٍ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ تَجْزِئَةِ القُرْآنِ بِالتَّعْضِيَةِ الَّتِي هي تَفْرِيقُ الأعْضاءِ مِن ذِي الرُّوحِ المُسْتَلْزِمِ لِإزالَةِ حَياتِهِ وإبْطالِ اسْمِهِ دُونَ مُطْلَقِ التَّجْزِئَةِ والتَّفْرِيقِ اللَّذَيْنِ رُبَّما يُوجَدانِ فِيما لا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى قُبْحِ ما فَعَلُوهُ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي أي: فاتحة الكتاب وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أي: سائر القرآن، وهذا قول: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: «السبع المثاني، السبع الطوال» .

وعن سعيد بن جبير قال: «البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس» .

قال: «لأنه يثني فيها حدود الفرائض والقرآن» .

ويقال: السبع المثاني، والقرآن كله وهو سبعة أسباع.

سمي مثاني: لأن ذكر الأقاصيص فيه مثنى كقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: 23] وقال طاوس: «القرآن كله مثاني» .

وقال أبو العالية: «المثاني، فاتحة الكتاب سبع آيات، وإنما سمي مثاني، لأنه يثنى مع القرآن كلما قرئ القرآن» .

قيل إنهم يزعمون أنها السبع الطوال.

قال: لقد أنزلت هذه الآية، وما أنزل شيء من الطوال.

وسئل الحسن عن قوله: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى أتى على آخرها.

وروى أبو هريرة عن رسول الله  أنه قال: «الحمد لله رَبِّ العَالَمِينَ أُمُّ الكِتَابِ وَأَمُّ القُرْآنِ وَالسَّبْعُ المَثَانِي» .

وقال قتادة: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة مكتوبة أو تطوع، يعني: في كل صلاة.

ويقال: مِنَ الْمَثانِي أي: مما أثني به على الله تعالى، لأن فيها حمدَ الله تعالى وتوحيده ومِنَ هاهنا على ضربين: يكون للتبعيض من القرآن أي: أعطيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن يكون السبع هي المثاني كقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] أي: اجتنبوا الأوثان.

قوله: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي: لا تنظرن بعين الرغبة إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أي: إلى ما أعطيناك في الدنيا من القرآن خير وأفضل مما أعطيناهم من الأموال، فاستغن بما أعطيناك من القرآن والدين والعلم، ولا تنظر إلى أموالهم.

أَزْواجاً مِنْهُمْ أي: أصنافاً منهم، وألواناً من الأموال، وقوله: مِنْهُمْ أي أعطينا رجلا من المشركين منهم وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي: على كفار مكة إن لم يؤمنوا، لأن مقدوري عليهم الكفر.

ويقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن نزل بهم العذاب وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ يقول: ليّن جناحك عليهم أي: تواضع للمؤمنين وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ أخوفكم بعذاب مبين، بلغة تعرفونها.

قال عز وجل: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ أي: كما أنزلنا العذاب عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وهم الذين اقتسموا على عقاب مكة، ليردوا الناس عن دين الإسلام، وعن الإيمان بمحمد  .

ويقال: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ بالقرآن، كما أنزلنا التوراة والإنجيل على المقتسمين، وهم اليهود والنصارى، اقتسموا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى، فرقوا القرآن، آمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه.

ويقال: إن أهل مكة قالوا أقاويل مختلفة.

الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي: فرقوا القول فيه.

قال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: شعر، وهذا قول قتادة.

ويقال: أصله في اللغة الفرقة.

يقال: فرّقوه أي: عضوه أعضاء.

يقال: ليس دين الله بالتعضية أي: بالتفريق.

وروى الضحاك، عن ابن عباس، أنه قال: «جزّءوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِلى أن السبْعَ هنا: آيات الفاتحةِ، وهو نصُّ حديثِ أبي بن كَعْب وغيره «١» .

ت: وهذا هو الصحيحُ، وقد تقدَّم بيان ذلك أوّل الكتاب.

وقوله سبحانه: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ: حكى الطبريُّ عن سفيانَ بْنِ عُيَيْنة أَنه قال: هذه الآيةُ آمرة بالاستغناء بكتابِ اللَّهِ عَنْ جميع زينَةِ الدنْيَا «٢» .

قال ع «٣» : فكأنه قال: آتَينَاك عظيماً خطيراً، فلا تَنظر إِلى غيْرِ ذلك من أمورِ الدنيا وزينَتِها التي مَتَّعْنا بها أنواعاً من هؤلاءِ الكَفَرَةِ ومن هذا المعنَى: قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«مَنْ أُوتِيَ القُرْآنَ، فَرَأَى أَنَّ أَحَداً أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ، فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيراً وَصَغَّرَ عظيماً» .

ت: وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: «لا وَاللَّهِ، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِلاَّ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ...

» الحديث، وفي رواية: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا» ، قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «بَرَكَاتُ الأَرْضِ ...

» الحديث، وفي روايةٍ: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ...

»

الحديثَ، انتهى.

والأحاديثُ في هذه البابِ أكثرُ من أنْ يحصيها كتابٌ، قال الغَزَّالِيُّ في «المنهاج» : وإِذا أنعم اللَّهُ عَلَيْكَ بنعمةَ الدِّينِ، فإِيَّاكَ أَنْ تَلتفتَ إِلى الدنيا وحُطَامها، فإِن ذلك منك لا يكُونُ إِلاَّ بضَرْبٍ من التهاوُنِ بما أولاكَ مَوْلاَكَ مِنْ نعمِ الدارَيْنِ أَمَا تَسمعُ قولَهُ تعالَى لسيِّد المرسلين: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ...

الآية، تقديره: إِن من أوتي القرآن العظيمَ حُقَّ له ألاَّ ينظر إِلى الدنيا الحقيرةِ نظرةً باستحلاء، فضلاً عن أنْ يكون له فيها رغبةٌ، فليلتزم الشكْرَ على ذلك، فإِنه الكرامة التي حَرَصَ عليها الخليلُ لأَبيهِ، والمصطفى عليه السلام لعمِّه، فلم يفعلْ، وأما حطامُ الدنيا، فإِن اللَّه سبحانه يصبُّه على كلّ كافر وفرعون وملحد وزنديق

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سَبْعَ قَوافِلَ وافَتْ مَن بُصْرى وأذْرِعاتٍ لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فِيها أنْواعٌ مِنَ البَزِّ والطِّيبِ والجَواهِرِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأمْوالُ لَنا لَتَقَوَّيْنا بِها وأنْفَقْناها في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أعْطَيْتُكم سَبْعَ آياتٍ هي خَيْرٌ لَكم مِن هَذِهِ السَّبْعِ القَوافِلِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ.

.

.

﴾ الآيَةُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

وَفِي المُرادِ بِالسَّبْعِ المَثانِي أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها فاتِحَةُ الكِتابِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الأكْثَرِينَ عَنْهُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

فَعَلى هَذا، إنَّما سُمِّيَتْ بِالسَّبْعِ، لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ.

وَفِي تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ اسْتَثْناها لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  فَلَمْ يُعْطِها أُمَّةً قَبْلَهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: آتَيْناكَ السَّبْعَ الآياتِ الَّتِي تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وإنَّما دَخَلَتْ " مِن " لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ " الحَمْدُ " مَثانِيَ، لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّها ما أُثْنِيَ بِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ فِيها حَمْدَ اللَّهِ وتَوْحِيدَهُ وذِكْرَ مَمْلَكَتِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: لِأنَّ فِيها " الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ " مَرَّتَيْنِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَرى التَّسْمِيَةَ مِنها.

والخامِسُ: لِأنَّها مَقْسُومَةٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ عَبْدِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ " «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي» " .

والسّادِسُ: لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، ذَكَرَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والسّابِعُ: لِأنَّ كَلِماتِها مُثَنّاةٌ، مِثْلُ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إيّاكَ إيّاكَ، الصِّراطَ صِراطَ، عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ غَيْرِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

ومِن أعْظَمِ فَضائِلِها أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها في حَيِّزٍ، والقُرْآنَ كُلَّهُ في حَيِّزٍ، وامْتَنَّ عَلَيْهِ بِها كَما امْتَنَّ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها السَّبْعُ الطُّوَلُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ.

فالسَّبْعُ الطُّوَلُ هي: (البَقَرَةُ)، و (آلُ عِمْرانَ)، و (النِّساءُ)، و (المائِدَةُ)، و (الأنْعامُ)، و (الأعْرافُ)، وفي السّابِعَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها (يُونُسُ) قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: (بَراءَةٌ) قالَهُ أبُو مالِكٍ.

والثّالِثُ: (الأنْفالُ) و (بَراءَةٌ) جَمِيعًا، رَواهُ سُفْيانُ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وكانُوا يَرَوْنَ (الأنْفالَ) و (بَراءَةً) سُورَةً واحِدَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَهُما، قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: هي الطُّوَلُ، ولا تَقُلْها بِالكَسْرِ، فَعَلى هَذا، في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي قَوْلانِ: أحَدُهُما لِأنَّ الحُدُودَ والفَرائِضَ والأمْثالَ ثُنِّيَتْ فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِأنَّها تُجاوِزُ المِائَةَ الأُولى إلى المِائَةِ الثّانِيَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَ المَثانِيَ سَبْعُ مَعانٍ أُنْزِلَتْ في القُرْآنِ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وبِشارَةٌ، وإنْذارٌ، وضَرْبُ الأمْثالِ، وتَعْدادُ النِّعَمِ، وأخْبارُ الأُمَمِ، قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المَثانِيَ: القُرْآنُ كُلُّهُ، قالَهُ طاوُوسُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ، فَعَلى هَذا، في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالمَثانِي أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِأنَّ بَعْضَ الآياتِ يَتْلُو بَعْضًا، فَتُثَنّى الآخِرَةُ عَلى الأُولى، ولَها مَقاطِعُ تَفْصِلُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ حَتّى تَنْقَضِيَ السُّورَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِالمَثانِي لِما يَتَرَدَّدُ فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّالِثُ: لِما يَتَرَدَّدُ فِيهِ مِن ذِكْرِ الجَنَّةِ، والنّارِ، والثَّوابِ، والعِقابِ.

والرّابِعُ: لِأنَّ الأقاصِيصَ، والأخْبارَ، والمَواعِظَ، والآدابَ، ثُنِّيَتْ فِيهِ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ يَكُونُ المَثانِي سُوَرَ القُرْآنِ كُلِّهِ، قِصارَها وطُوالَها، وإنَّما سُمِّيَ مَثانِيَ، لِأنَّ الأنْباءَ والقَصَصَ تُثَنّى فِيهِ، فَعَلى هَذا القَوْلِ، المُرادُ بِالسَّبْعِ: سَبْعَةُ أسْباعِ القُرْآنِ، ويَكُونُ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وهي القُرْآنُ العَظِيمُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المَثانِي ﴾ فَفي " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المَعْنى: آتَيْناكَ سَبْعًا مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي يُثْنى بِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وآتَيْناكَ القُرْآنَ.

والثّانِي: أنَّها لِلصِّفَةِ، فَيَكُونُ السَّبْعُ هي المَثانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ  ﴾ لا أنَّ بَعْضَها رِجْسٌ، ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّجّاجُ، وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ قَرِيبًا مِن هَذا المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ يَعْنِي: العَظِيمَ القَدْرِ، لِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ووَحْيُهُ.

وَفِي المُرادِ بِهِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمِيعُ القُرْآنِ.

قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ الفاتِحَةُ، أيْضًا، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وقَدْ رَوَيْنا فِيهِ حَدِيثًا في أوَّلِ تَفْسِيرِ (الفاتِحَةِ) .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ قَدْ نُسِقَ الكُلُّ عَلى البَعْضِ، كَما يَقُولُ العَرَبِيُّ: رَأيْتُ جِدارَ الدّارِ والدّارَ، وإنَّما يَصْلُحُ هَذا، لِأنَّ الزِّيادَةَ الَّتِي في الثّانِي مِن كَثْرَةِ العَدَدِ أشْبَهَ بِها ما يُغايِرُ الأوَّلَ، فَجَوَّزَ ذَلِكَ عَطْفَهُ عَلَيْهِ.

وعَلى القَوْلِ الثّانِي، نُسِقَ الشَّيْءُ عَلى نَفْسِهِ لَمّا زِيدَ عَلَيْهِ مَعْنى المَدْحِ والثَّناءِ، كَما قالُوا: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمْرَ، وابْنِ الخَطّابِ.

يُرِيدُونَ بِابْنِ الخَطّابِ: الفاضِلَ العالِمَ الرَّفِيعَ المَنزِلَةِ، فَلَمّا دَخَلَتْهُ زِيادَةٌ، أشْبَهَ ما يُغايِرُ الأوَّلَ؛ فَعُطِفَ عَلَيْهِ.

وَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَّتَهُ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ؛ نَهاهُ عَنِ النَّظَرِ إلى الدُّنْيا لِيَسْتَغْنِيَ بِما آتاهُ مِنَ القُرْآنِ عَنِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ أيْ: أصْنافًا مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ نَهاهُ عَنِ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

والثّانِي: لا تَحْزَنُ بِما أنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: ألِنْ جانِبَكَ لَهم.

وخَفْضُ الجَناحِ: عِبارَةٌ عَنِ السُّكُونِ وتَرْكِ التَّصَعُّبِ والإباءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ارْفُقْ بِهِمْ ولا تَغْلُظْ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ﴾ حَرَّكَ ياءَ " إنِّيَ " ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناها مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ ﴾ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ ﴾ "الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.

و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو....

نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ وَقَوْلُ جَرِيرٍ: وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ: ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.

و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.

و ﴿ أصْحابُ الحِجْرِ ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.

والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ ﴾ الآيَةُ.

يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.

ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.

و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ.

المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

التشبيه الذي أفاده الكاف تشبيه بالذي أنزل على المقتسمين.

و (ما) موصولة أو مصدرية، وهي المشبه به.

وأما المشبه فيجوز أن يكون الإيتاءَ المأخوذ من فعل ﴿ آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ [سورة الحجر: 87]، أي إيتاء كالذي أنزلنا أو كإنزالنا على المقتسمين.

شُبّه إيتاء بعض القرآن للنبيء بما أنزل عليه في شأن المقتسمين، أي أنزلناه على رسل المقتسمين بحسب التفسيرين الآتيين في معنى المقتسمين } .

ويجوز أن يكون المشبّهُ الإنذارَ المأخوذَ من قوله تعالى: ﴿ إني أنا النذير المبين ﴾ [سورة الحجر: 89]، أي الإنذار بالعقاب من قوله تعالى: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ [سورة الحجر: 92 93].

وأسلوب الكلام على هذين الوجهين أسلوب تخلّص من تسلية النبي إلى وعيد المشركين الطاعنين في القرآن بأنهم سيحاسبون على مطاعنهم.

وهو إما وعيد صريح إن أريد بالمقتسمين نفسُ المراد من الضميرين في قوله تعالى: ﴿ أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم ﴾ [سورة الحجر: 88].

وحرف على } هنا بمعنى لام التّعليل كما في قوله تعالى: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ [سورة البقرة: 185] وقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ [سورة المائدة: 4]، وقول علقمة بن شيبان من بني تيم الله بن ثعلبة: ونطاعن الأعداء عن أبنائنا *** وعلى بصائرنا وإن لم نُبصر ولفظ ﴿ المقتسمين ﴾ افتعال من قَسم إذا جَعل شيئاً أقساماً.

وصيغة الافتعال هنا تقتضي تكلف الفعل.

والمقتسمون يجوز أن يراد بهم جمع من المشركين من قريش وهم ستّة عشر رجلاً، سنذكر أسماءهم، فيكون المراد بالقرآن مسمى هذا الاسم العَلَم، وهو كتاب الإسلام.

ويجوز أن يراد بهم طوائف أهل الكتاب قَسّموا كتابهم أقساماً، منها ما أظهروه ومنها ما أنسوه، فيكون القرآن مصدراً أطلق بمعناه اللغوي، أي المقروء من كتبهم؛ أو قسّموا كتاب الإسلام، منه ما صدّقوا به وهو ما وافق دينهم، ومنه ما كذّبوا به وهو ما خالف ما هم عليه.

وقد أجمل المراد بالمقتسمين إجمالاً بيّنه وصفهم بالصلة في قوله تعالى: ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ ؛ فلا يَحتمل أن يكون المقتسمون غير الفريقيْن المذكوريْن آنفاً.

ومعنى التقسيم والتجزئة هنا تفرقة الصّفات والأحوال لا تجزئة الذّات.

و ﴿ القرآن ﴾ هنا يجوز أن يكون المراد به الاسم المجعول علماً لكتاب الإسلام.

ويجوز أن يكون المراد به الكتاب المقروء فيصدق بالتوراة والإنجيل.

و ﴿ عضين ﴾ جمع عضة، والعضة: الجزء والقطعة من الشيء.

وأصلها عضو فحذفت الواو التي هي لام الكلمة وعوض عنها الهاء مثل الهاء في سنة وشفّة.

وحذف اللاّم قصد منه تخفيف الكلمة لأن الواو في آخر الكلمة تثقل عند الوقف عليها، فعوضوا عنها حرفاً لئلا تبقى الكلمة على حرفين، وجعلوا العوض هاء لأنّها أسعد الحروف بحالة الوقف.

وجمع (عضة) على صيغة جمع المذكر السّالم على وجه شاذ.

وعلى الوجهين المتقدّمين في المراد من القرآن في هذه الآية فالمقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين هم أهل الكتاب اليهود والنصارى فهم جحدوا بعض ما أنزل إليهم من القرآن، أطلق على كتابهم القرآن لأنه كتاب مقروء، فأظهروا بعضاً وكتموا بعضاً، قال الله تعالى: ﴿ تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً ﴾ [سورة الأنعام: 91] فكانوا فيما كتموه شبيهين بالمشركين فيما رفضوه من القرآن المنزّل على محمد وهم أيضاً جعلوا القرآن المنزل على محمد عضين فصدّقوا بعضه وهو ما وافق أحوالهم، وكذبوا بعضه المخالف لأهوائهم مثل نسخ شريعتهم وإبطال بنوّة عيسى لله تعالى، فكانوا إذا سألهم المشركون: هل القرآن صدق؟

قالوا: بعضه صدق وبعضه كذب، فأشبه اختلافُهم اختلافَ المشركين في وصف القرآن بأوصاف مختلفة، كقولهم: ﴿ أساطيرُ الأولين ﴾ [سورة الأنعام: 25]، وقولُ كاهن، وقول شاعر.

وروي عن قتادة أن المقتسمين نفر من مشركي قريش جمعهم الوليد بن المغيرة لما جاءَ وقت الحجّ فقال: إن وفود العرب ستقدَم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجْمعوا فيه رأياً واحداً، فانتدب لذلك ستة عشر رجلاً فتقاسموا مداخل مكة وطرقها ليُنفّروا الناس عن الإسلام، فبعضهم يقول: لا تغترّوا بهذا القرآن فهو سحر، وبعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: كلام مجنون، وبعضهم يقول: قول كاهن، وبعضهم يقول: هو أساطير الأولين اكتتبها، فقد قسموا القرآن أنواعاً باعتبار اختلاف أوصافه.

وهؤلاء النّفر هم: حنظلة بن أبي سفيان، وعتبة بن ربيعة، وأخوه شَيبة، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وأخوه العاص، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أميّة، وهلال بن عبد الأسود، والسائب بن صيفي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الحجّاج، وأميّة بن خلف، وأوس بن المغيرة.

واعلم أن معنى المقتسمين على الوجه المختار المقتسمون القرآن.

وهذا هو معنى جعلوا القرآن عضين}، فكان ثاني الوصفين بياناً لأولهما وإنّما اختلفت العبارتان للتفنّن.

وأن ذمّ المشبّه بهم يقتضي ذمّ المشبهين فعلم أن المشبهين قد تلقوا القرآن العظيم بالردّ والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السَّبْعَ المَثانِي هي الفاتِحَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى كُلَّما قُرِئَ القُرْآنُ وصُلِّيَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وأبُو العالِيَةِ والحَسَنُ.

وَقِيلَ: لِأنَّها يُثْنِي فِيها الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: نَشَدْتُكم بِمَنزِلِ القُرْآنِ أُمِّ الكِتابِ السَّبْعِ مِن مَثانِي ∗∗∗ ثُنِّينَ مِن آيٍ مِنَ القُرْآنِ ∗∗∗ والسَّبْعِ سَبْعِ الطُّوَّلِ الدَّوانِي الثّانِي: أنَّها السَّبْعُ الطُّوَلُ: البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ والنِّساءُ والمائِدَةُ والأنْعامُ والأعْرافُ ويُونُسُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَتِ المَثانِي لِما تَرَدَّدَ فِيها مِنَ الأخْبارِ والأمْثالِ والعِبَرِ، وقِيلَ: لِأنَّها قَدْ تَجاوَزَتِ المِائَةَ الأُولى إلى المِائَةِ الثّانِيَةِ.

قالَ جَرِيرٌ: جَزى اللَّهُ الفَرَزْدَقَ حِينَ يُمْسِي ∗∗∗ مُضِيعًا لِلْمُفَصَّلِ والمَثانِي الثّالِثُ: أنَّ المَثانِيَ القُرْآنُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ تَرْثِي رَسُولَ اللَّهِ  : فَقَدْ كانَ نُورًا ساطِعًا يُهْتَدى بِهِ ∗∗∗ يُخَصُّ بِتَنْزِيلِ المَثانِي المُعْظَّمِ الرّابِعُ: أنَّ المَثانِيَ مَعانِي القُرْآنِ السَّبْعَةُ أمْرٌ ونَهْيٌ وتَبْشِيرٌ وإنْذارٌ وضَرْبُ أمْثالٍ وتَعْدِيدُ نِعَمٍ وأنْباءُ قُرُونٍ، قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ.

الخامِسُ: أنَّهُ سَبْعُ كَراماتٍ أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها، أوَّلُها الهُدى ثُمَّ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ الرَّحْمَةُ ثُمَّ الشَّفَقَةُ ثُمَّ المَوَدَّةُ ثُمَّ الأُلْفَةُ ثُمَّ السَّكِينَةُ وضُمَّ إلَيْها القُرْآنُ العَظِيمُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي ما مَتَّعْناهم بِهِ مِنَ الأمْوالِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأشْباهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الأصْنافُ قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ زِيادٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الأغْنِياءُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ بِما أنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ في دُنْياهم.

الثّانِي: لا تَحْزَنْ بِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ.

﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اخْضَعْ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ ألِنْ جانِبَكَ لَهم، قالَ الشّاعِرُ: وحَسْبُكَ فِتْيَةٌ لِزَعِيمِ قَوْمٍ ∗∗∗ يَمُدُّ عَلى أخِي سُقْمٍ جَناحا وَرَوى أبُو رافِعٍ «أنَّ النَّبِيَّ  نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَلْقَ عِنْدَهُ أمْرًا يُصْلِحُهُ، فَأرْسَلَ إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ يَسْتَسْلِفُ مِنهُ دَقِيقًا إلى هِلالِ رَجَبٍ، فَقالَ: لا إلّا بِرِهْنٍ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (أما واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ وأمِينٌ في الأرْضِ، ولَوْ أسْلَفَنِي أوْ باعَنِي لَأدَّيْتُ إلَيْهِ)، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان مدين وأصحاب الأيكة، أمتان بعث الله إليهما شعيباً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة ﴾ قال: قوم شعيب و ﴿ الأيكة ﴾ ذات آجام وشجر كانوا فيها.

وأخرج ابن جرير عن خصيف في قوله: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: الشجر.

وكانوا يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة، وفي الشتاء اليابسة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ ذكر لنا أنهم كانوا أهل غيضة، وكان عامة شجرهم هذا الدوم، وكان رسولهم فيما بلغنا شعيب، أرسل إليهم وإلى أهل مدين، أرسل إلى أمتين من الناس وعذبتا بعذابين شتى.

أما أهل مدين، فأخذتهم الصيحة.

وأما ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ فكانوا أهل شجرٍ متكاوش.

ذكر لنا أنه سلط عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة فجعلوا يلتمسون الروح منها، فجعلها الله عليهم عذاباً، بعث عليهم ناراً فاضطرمت عليهم فأكلتهم.

فذلك ﴿ عذاب يوم الظلة أنه كان عذاب يوم عظيم ﴾ [ الشعراء: 189] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: الغيضة.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: أصحاب غيضة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ﴿ الأيكة ﴾ الشجر الملتف.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ أهل مدين.

و ﴿ الأيكة ﴾ الملتفة من الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ الأيكة ﴾ مجمع الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فملا خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا أبرد!...

هلموا أيها الناس.

فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح فيهم صيحة واحدة فماتوا جميعاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ يقول: على الطريق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: طريق ظاهر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ قال: بطريق معلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: طريق واضح.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: بطريق مستبين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أصحاب الحجر ﴾ قال: أصحاب الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان ﴿ أصحاب الحجر ﴾ ثمود، قوم صالح.

وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور.

وعلفوا العجين الإِبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: «إني أخشى أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر: أن الناس لما نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، استقوا من أبيارها وعجنوا به العجين.

فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا ما استقوا ويعلفوا الإِبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت ترد الناقة.

وأخرج ابن مردويه عن سبرة بن معبد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بالحجر لأصحابه: «من عمل من هذا الماء شيئاً فليلقه.

قال: ومنهم من عجن العجين، ومنهم من حاس الحيس» .

وأخرج ابن مردويه وابن النجار، عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: الرضا بغير عتاب.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: هو الرضا بغير عتاب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: هذا الصفح الجميل، كان قبل القتال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق، عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب ﴿ والقرآن العظيم ﴾ قال: سائر القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أنه سئل عن السبع المثاني قال: فاتحة الكتاب، استثناها الله لأمة محمد، فرفعها في أم الكتاب فدخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحداً قبله.

قيل: فأين الآية السابعة؟

قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: دُخرَتْ لنبيكم صلى الله عليه وسلم، لم تُدَّخَرَ لنبي سواه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي أم القرآن، تثنى في كل صلاة.

وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: السبع المثاني، الحمد لله رب العالمين.

وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن يعمر وأبي فاختة في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ﴾ قالا: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن الضريس عن مجاهد في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي أم الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن الحسن مثله.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة مكتوبة وتطوّع.

وأخرج ابن الضريس عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب سبع آيات.

وإنما سميت ﴿ المثاني ﴾ لأنه ثنى بها، كلما قرأ القرآن قرأها.

قيل للربيع: إنهم يقولون السبع الطول.

قال: لقد أنزلت هذه الآية.

وما نزل من الطول شيء.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول.

وأخرج الفريابي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي السبع الطول.

ولم يُعْطَهُنَّ أحدٌ إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن اثنتين.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ الطول.

وأوتي موسى ستاً، فلما ألقى الألواح، ذهب اثنتان وبقي أربعة.

وأخرج الدارمي وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاتحة الكتاب هي السبع المثاني» .

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

فقيل لابن جبير: ما قوله: ﴿ المثاني ﴾ قال: ثنى فيها القضاء والقصص.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والكهف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان ﴿ المثاني ﴾ المئين: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف وبراءة والأنفال سورة واحدة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول.

قلت: لم سميت ﴿ المثاني ﴾ ؟

قال: يتردد فيهن الخبر والأمثال والعبر.

وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ فاتحة الكتاب والسبع الطول منهن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زياد بن أبي مريم في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: أعطيتك سبعاً أخر أؤمر وأنه وبشر وأنذر واضرب الأمثال واعدد النعم واتل نبأ القرون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مالك قال: القرآن كله مثاني.

وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي السبع الطول الأول ﴿ والقرآن العظيم ﴾ سائره.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: ﴿ المثاني ﴾ ما ثني من القرآن.

ألم تسمع لقول الله: ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ [ الواقعة: 16] .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: ﴿ المثاني ﴾ القرآن، يذكر الله القصة الواحدة مراراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ، ﴿ الَّذِينَ ﴾ من صفة المقتسمين، إلا على قول ابن زيد، فإنه يكون ابتداءً وخبره في (لنسألنهم)، وذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين، أحدهما: أن واحدها عِضَة؛ مثل: عزة ونزة وثبة، وأصلها عِضْوة من: عضَّيتُ الشيء، إذا فرَّقته (١) وفي الحديث: "لا تَعْضية في ميراثٍ إلا فيما حمل القَسْمَ" (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) القول الثاني: أنها عِضَة، وأصلها عِضْهة، فاستثقلوا الجمعَ بين هاءين، فقالوا: عِضَة؛ كما قالوا: شَفَة والأصل شَفْهة (٨) (٩) (١٠) وقال ابن السكيت: العَضِيْةُ أن يَعْضِه الإنسانَ ولقول فيه ما ليس فيه (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال ابن الأعرابي: العضة والتُّوَلة (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لِمَا لحقها من الحذف؛ فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف، وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ (١٨) (١٩) قال الفراء: ومن العرب من يجعلها بالياء على كل حال، ويعرب نونها فيقول: عِضِينُك، ومررت بعِضِينِك، وأنشد: (٢٠) دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنينَه ....

لَعِبْنَ بَنا شِيبًا وشيَّبْنَنَا مُرْدا (٢١) (٢٢) مِثْل المَقَالِي ضُرِبَتْ قُلِينُها (٢٣) قال وإنما يجوز هذا فيما نقص لامها؛ لأنهم توهموا أن النون أصلية وأن الحرف على فعيل، ألا ترى أنهم لا يقولون هذا في الصالحين والمسلمين!

وكذلك قولهم: الثبات واللغات، ربما أعربوا التاء منها بالنصب والخفض فيتوهَّمون أنها هاء وأن الألف قبلها من الفعل، وأنشد (٢٤) (٢٥) ولا يجوز ذلك في: الصالحات والأخوات؛ لأنها تامة لم يُنقص من واحدها شيء، قال وما كان من حرف نُقِص من أوّله مثل: زِنة ولِدة (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (١) انظر: (عضه) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2477، "الصحاح" 6/ 2241، "عمدة الحفاظ" 3/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب.

(٢) أخرجه الدارقطني كتاب: الأقضية والأحكام، باب: المرأة تقتل إذا ارتدت 4/ 219 بنحوه بروايتين عن أبي بكر، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب: آداب القاضي، باب: مالا يحتمل القسمة 10/ 133 بنحوه بروايتين، وورد في "النهاية" 3/ 256، و"الكنز" 11/ 9، والحديث ضعيف كما قال الشافعي: قال ولا يكون مثل هذا الحديث حجة لأنه ضعيف، وهو قول من لقينا من فقهائنا، وقال البيهقي: وإنما ضعفه لانقطاعه، وهو قول الكافة، وعلة أخرى أن الحديث يدور على صديق بن موسى، وهو ليس بحجة كما في "الميزان" 3/ 28، وقد أشار إلى ذلك الآبادي في ذيل "سنن الدارقطني" 4/ 219.

(٣) في جميع النسخ بدوك (لا)، ولا يستقيم المعنى إلا بها؛ لأن المراد النهي عن تفريق ما يكون تفريقه ضررًا علي الورثة؛ كأن تقسم جوهرة نفيسة أو ثوب نفيس فتنقص بذلك قيمته.

(٤) أخرجه البخاري (4705) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنحوه عن ابن عباس، والطبري 14/ 64 - 66 عنهما بنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 عنهما، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر 2/ 355 بنحوه، والماوردي 3/ 173 عن ابن عباس، والطوسي 6/ 354 عن قتادة، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 418 عنهما، و"تفسير القرطبي" 10/ 59، والخازن 3/ 103، وابن كثير 2/ 614، و"تنوير المقباس" ص 281، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بنحوه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 419.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) "مجاز القرآن" 1/ 355 بمعناه.

(٨) انظر: (عضة) في "تهذيب اللغة" 3/ 2478، مجمل اللغة 2/ 673، "الصحاح" 6/ 2241، "شرح الفصيح" للزمخشري 2/ 611، "عمدة الحفاظ" 3/ 111، "تفسير الطبري" 14/ 65، الثعلبي 2/ 152ب.

(٩) ذكر أبو علي الفارسي أن لام الكلمة المحذوفة يجوز أن تكون واوًا أو هاءً، لقولهم في (سنة) (أسْنَتُوا) -أجدبوا- ومنها؛ (سنوات)، أصلها واو، وفي قولهم: (ساناه) -عامله بالسنة- ومنها: (نخلة سَنْهاء) -أصابتها السنة- أصلها هاء، وقولهم في (عضه): (عِضوات) أصلها واو، وفي قولهم: (عِضاه، وبعير عاضه، وناقة == عاضهة) أصلها هاء.

انظر: "المسائل الحلبيات" ص 345، "المسائل البغداديات" ص 158، "سر صناعة الإعراب" 1/ 418، "المحكم" (عضه) 1/ 59.

(١٠) جزء من حديث طويل يتكون من عدة فقرات، كهجر المسلم، والصدق والكذب، وأحسن الكلام ..

، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب القدر 11/ 116 بنصه، والطبراني في "الكبير" 9/ 98 بنصه، قال محقق "المعجم الكبير": (قال شيخ الإسلام في إقامة الدليل ص 59: رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم بأسانيد جيدة إلى محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -  - قال ..

فذكره، وهذا إسناد جيد، لكن المشهور أنه موقوف على ابن مسعود.

وأفاد كذلك المحقق أن الألباني ضعفه - دون أن يذكر أين.

وورد برواية: ألا أُنبِّئكم ما العَضْه؟

هي النميمةُ القالةُ بين الناس)، أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم النميمة.

(١١) إصلاح المنطق ص 353 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، وفيهما: (العَضِيْهَةُ) بدل (العضية).

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477، "تفسير ابن عطية" 8/ 356.

(١٣) كتاب "العين" 1/ 99 بمعناه.

(١٤) أخرجه عبد الرزاق 2/ 350 بنصه، والطبري 14/ 66 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 43، و"تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 173، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 320، وأبن عطية 8/ 357، وابن الجوزي 4/ 419، وابن كثير 2/ 614، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.

(١٥) التُّولة والتِّوَلة: شيءٌ يُشبه السحر، يُحببُ المرأة إلى زوجها.

"المحيط في اللغة" (تول) 9/ 462.

(١٦) لم أقف عليه.

(١٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 92 مختصرًا، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 213 نقلهما عن الواحدي بنصه بلا نسبة.

(١٨) واحد الثُبات: ثُبَةٌ، انظر: " لغريب" لابن قتيبة 1/ 127، "تهذيب اللغة" (ثاب) 1/ 465، "عمدة الحفاظ" 1/ 317.

(١٩) لم أقف على الآية التي أشار أنه تعرض فيها لجمع أرض، وقد جمعت (أرضون)، والقياس يقتضي جمعها (أرضات) لأنها مؤنث، فلما حذفت الهاء -أي من أرضة- عوضوا عنها في الجمع بالواو والنون، فقالوا (أرضون) وفتحوا الراء في الجمع ليدخل الكلمة ضرب من التغيير تميزًا لها لمخالفة الأصل، وليعلم أن سبيلها لو جمعت بالتاء أن يفتح راؤها، فيقال: (أرَضات).

انظر: "شرح المفصل" 5/ 5.

(٢٠) البيت للصمة بن عبد الله القُشَيْري ت 95 هـ.

(٢١) ورد في:"تكملة الإيضاح" العضدي ص 207، "شرح شواهد الإيضاح" ص 597، "شرح المفصل" 5/ 11، "شرح التصريح" 1/ 77، "الخزانة" 8/ 58، وورد بلا == نسبة في "المخصص" 9/ 66، "الاقتضاب" ص 193، "أمالي ابن الشجري" 2/ 261، "اللسان" (نجد) 7/ 4346، (سنه) 4/ 2127، "أوضح المسالك" ص 14 (صدر)، "شرح ابن عقيل" (1/ 65، وفي بعض هذه المصادر (ذراني) بدل (دعاني)، والمعنى واحد، وهو أمر ومعناه: اتركاني من ذكر نجد، (سنينه): جمع سنة، وهي هنا إما بمعنى العام وإما بمعنى القحط.

(شِيباً): جمع أشيب، وهو الذي ابيضَّ شعره، (مُردًا) جمع أمرد، وهو الذي لا شعر بعارضيه.

والشاهد قوله: (سِنينَه) بإثبات النون ولم تسقط للإضافة، وعلامة نصبه الفتحة لا الياء وإلا لقال: (سِنِيْه) بحذف النون للاضافة وهذه لغة بني عامر، فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات الثلاث على النون مع لزوم الياء؛ لأنها أخف عليهم، ولأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودًا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، وكذلك يكون ما قام مقامه.

انظر: "شرح التصريح على التوضيح" 1/ 77.

(٢٢) لم أقف على القائل، وفي المصدرين -الذين وقفت عليهما- نُسب إلى الفراء.

(٢٣) ورد في: "تهذيب اللغة" (قلا) 3/ 3025، "اللسان" (قلا) 6/ 3732، القُلَة والمِقْلَى والمِقلاء: عودان يلعب بهما الصبيان، فالمِقلى العود الكبير الذي يُضرب به، والقُلَة الخشبة الصغيرة التي تُنصب، وهي قَدر ذراع، وجمع المقلى المقالي، الشاهد: (قُلِينُها) حيث جعل النون كالأصلية فرفعها، وذلك على التوهم، ووجه الكلام فتح النون لأنها نون الجمع.

(٢٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي (جاهلي).

(٢٥) "ديوان الهذليين" ص 79، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 53 وفيهما برواية: (فلمِّا اجتلاها)، وورد في: "أدب الكاتب" ص 441، "جمهرة اللغة" 1/ 248، 3/ 1334 وفيهما (ثباتٍ) بكسر التاء، "المنصف" 3/ 63، "المحتسب" 8/ 111، الاقتضاب ص 403، "شرح الجواليقي" ص 226، "اللسان" (أيم) 1/ 192، وورد بلا نسبة في: "الخصائص" 4/ 303، "المخصص" 8/ 182، 40/ 11، "شرح المفصل" 5/ 4.

(اجتلاها): كشفها وأبرزها وأخرجها، (الإِيام): الدُّخان؛ وجمعُه أُيُم، وآمَ الدُّخانُ يَئيم إياماً: دخَّن، وآمَ الرجُلُ إيامًا إذا دَخَّن على النَّحْل ليَخرج من الخلِيَّة فيأخذ ما فيها من العسل، وقيل: الإيامُ: عُود يجعل في رأسه نارٌ ثم يُدخَّنُ به على النحل ليُشْتارَ العَسَلُ، (تحيزت): اجتمع بعضها إلى بعض، ويقال: تفرَّقت؛ صارت فِرقًا في كلِّ حيّز شيء، وُيروى (تحيرت) من الحَيرة؛ أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب، (ثبات): جمع ثُبَةٍ؛ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء، (الاكتئاب): الحزن.

والشاهد: (ثباتًا) حيث نُصبت بالفتحة وحقها الكسرة -كما هو الأصل في جمع المؤنث السالم- وحجة من نصبها أن لام الكلمة محذوف ولم تُرَد إليه في الجمع كما حكى الكسائي: سمعت لغاتَهم بفتح التاء؛ لأن أصل ثُبَةٍ ثُبْوَة، وأصل لُغَة لُغْوَة.

انظر: "شرح المفصل" 5/ 8.

(٢٦) ساقطة من (د)، ولِدَةُ الرجل: تِرْبُهُ، قال الجوهري: والهاء عوضٌ من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة، وهما لِدَان، والجمع لِداتٌ ولِدُون.

انظر: (ولد) في "المحيط في اللغة" 9/ 357، "الصحاح" 2/ 554، "اللسان" 8/ 4915.

(٢٧) ما بين القوسين كتب على هامش أ.

(٢٨) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في المصدر.

(٢٩) في جميع النسخ: (ولا هتك) ولم يتبين لي معناها، ولعلها من تصحيفات النساخ، والتصويب من المصدر.

(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 92 - 93 وهو نقل طويل نقله بتصرف واختصار.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أي لا تنظر إلى ما متعناهم به في الدنيا كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم، فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها ﴿ أزواجا مِّنْهُمْ ﴾ يعني أصنافاً من الكفار ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ أي لا تتأسف لكفرهم ﴿ واخفض جَنَاحَكَ ﴾ أي تواضع ولِنْ ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ والجناح هنا استعارة ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين ﴾ الكاف من كما متعلقة بقوله: أنا النذير أي أنذر قريشاً عذاباً مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وقيل: متعلق بقوله: ولقد آتيناك أي أنزلنا عليك كتاباً كما أنزلنا على المقتسمين، واختلف في المقتسمين، فقيل: هم أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فاقتسموا إلى قسمين، وقيل: هم قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، يقول أحدهم: هو شاعر، ويقول الآخر: هو ساحر، وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.

و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.

الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.

الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون بالإسكان.

الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.

﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.

التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.

وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً  والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.

أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.

و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.

وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.

ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟

وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.

والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.

وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.

فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.

وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".

ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".

ومتى تكون هذه الودادة؟

قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.

وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.

وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.

وقيل: إذا اسودت وجوههم.

روي عن النبي  "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.

فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟

قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟

فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

وقرأ رسول الله  الآية" .

وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه  في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله  بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه  وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.

وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.

وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.

لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.

وألهاني غيره.

عن أنس أن النبي  خط خطاً وقال: هذا الإنسان.

وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.

وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.

فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.

ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.

قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.

وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.

قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.

وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: أراد مجموع الأمرين.

قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.

فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.

وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.

ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.

فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه  .

ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.

﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟

والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟

فأجاب الله  عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه  يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.

وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.

قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.

وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.

ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.

وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله  كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ والقول الأول أوضح.

ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.

ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.

وقيل: حفظ بالدرس.

والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.

ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه  أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.

وههنا نكتة هي أنه  تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.

ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي  .

وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.

ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.

قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين  ﴾ و ﴿ بجانب الغربي  ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله  ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.

قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.

وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.

والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.

وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.

وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.

والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.

ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.

واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه  سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟

أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.

ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.

والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.

فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.

عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله  وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي  من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.

قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.

وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.

وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟

وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.

ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.

ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.

ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.

الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.

وقال المنجمون.

إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.

ونظير هذه الآية قوله  في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح  ﴾ ومثله في سورة الملك.

الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.

وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.

قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى  منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد  منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.

والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.

قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي  إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.

وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى  ثم في زمن محمد  .

أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟

والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.

آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟

وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  قال: بينما النبي  جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟

قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.

فقال النبي  : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا  إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟

فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟

والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.

آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي  بقي بعد وفاته؟

الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.

آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟

وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله  أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.

آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟

وأجيب بأنه  أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.

وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.

آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي  عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.

لا يقال: إنه  أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي  لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟

والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.

الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.

الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.

وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.

وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.

وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.

يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.

وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.

﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".

﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.

وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله  وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.

يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.

ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.

قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.

وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.

والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.

فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.

قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه  نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.

الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.

قاله الحسن وقتادة والضحاك.

وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.

وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.

وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.

وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله  : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً  ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.

والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه  ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.

﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.

الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.

قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.

ويروى أنه  رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.

والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.

وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله  وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.

وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.

وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.

وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد  .

وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.

والظاهر العموم وأن علمه  شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.

ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.

الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.

وقد أجمع المفسرون على أنه آدم  ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر  أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.

والأقرب أنه  خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.

وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.

وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.

أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.

وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.

والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.

المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.

وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.

وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.

قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.

قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.

قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.

والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.

ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.

قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.

الله منها الجان.

ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.

على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.

ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.

والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.

والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.

﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.

﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.

فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.

قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.

وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح  ﴾ .

ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.

قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.

وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.

ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟

فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.

ثم قال  وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟

قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.

وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض  ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.

قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.

أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.

وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.

﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".

ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.

وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".

ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.

قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.

ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله  ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.

وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته  فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.

﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.

﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.

وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله  في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.

وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم  ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.

﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.

وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.

وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله  .

والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.

فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.

وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.

والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.

والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.

ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله  : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان  ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن  ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.

ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.

ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.

فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.

ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.

قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.

وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.

إخوة الدين والتعاطف.

والسرر جمع سرير.

قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.

والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.

عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.

والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.

ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".

التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.

ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.

﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.

ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله  بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.

﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.

وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.

﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.

﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.

فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.

﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.

وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ .

أي: وقد كان أصحاب الأيكة لظالمين.

والأيكة: ذكر أنها الغيضة من الشجر؛ وهي ذات آجام وشجر، كانوا فيها فبعث إليهم شعيب وهم في الغيضة.

وذكر [بعض] أهل التأويل: أن شعيباً بعث إلى قومين: إلى أهل غيضة مرة، وإلى أهل مدين مرة؛ على ما ذكر: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً  ﴾ وقال في آية [أخرى]: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ  إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ سمى الله  الكفرة بأسماء مختلفة: سماهم مرة ظالمين، ومرة [فاسقين، ومرة مشركين]، واسم الظلم قد يقع فيما دون الكفر والشرك، وكذلك اسم الفسق يقع فيما دون الكفر والشرك، ثم الكفر لم يقبح لاسم الكفر، وكذلك الإيمان لم يحسن لاسم الإيمان؛ إذ ما من مؤمن إلا وهو يكفر بأشياء ويؤمن بأشياء؛ قال الله  : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ  ﴾ المؤمن يكفر بالطاغوت وبالأصنام؛ التي كان أهل الكفر عبدوها، وكذلك الكافر يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء: يؤمن بالأصنام ويكفر بالله؛ فثبت أن الكفر لاسم الكفر - ليس بقبيح، وكذلك الإيمان لاسم الإيمان - ليس بحسن، ولكن إنما حسن؛ لأنه إيمان بالله، والكفر إنما قبح؛ لأنه كفر بالله.

وأما الظلم: فهو لاسم الظلم قبيح، وكذلك الفسق لاسم الفسق قبيح؛ فسماهم بأسماء هي لاسمها قبيحة، لكن الإيمان المطلق هو الإيمان بالله، والكفر المطلق هو الكفر بالله، وإن كان يسمى بدون الله كفراً وإيماناً؛ كما قلنا: الكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله؛ وإن كان اسم الكتاب والدين يقع على ما دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ .

ذكر الانتقام منهم؛ ولم يذكر هاهنا بِمَ كان الانتقام، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ  ﴾ فيحتمل أن يكون الرجفة لقوم؛ والصيحة لقوم؛ وعذاب يوم الظلة لقوم منهم، أو كان كله واحداً؛ فسماها بأسماء مختلفة، وليس لنا إلى معرفة ذلك العذاب حاجة - سوى ما عرف أنهم إنما أهلكوا أو عذبوا بالتكذيب؛ ليكون ذلك آية لمن بعدهم؛ ليحذروا مثل صنيعهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ للرسل؛ كما انتقمنا من قوم لوط للوط؛ بسوء صنيعهم، وسوء معاملتهم إياه، فعلى ذلك ننتقم من أهل مكة لمحمد  ؛ بسوء صنيعهم ومعاملتهم إياه، وقد كان ما نزل بأصحاب الأيكة كفاية مزجر لهم، وعظة لا يحتاج إلى ذكر ما نزل بقوم لوط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمَا ﴾ قال بعضهم: يعني قوم لوط، وقوم شعيب.

وقوله: ﴿ لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : أي: طريق مستبين؛ أي: بين هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ - واحد؛ أي: بيّن واضح آثارهم من سلك ذلك الطريق؛ أو دخل قراهم ومكانهم - لاستبان له آثار هلاكهم؛ وما حل بهم.

وقوله: ﴿ لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : أي: طريق يُؤمّ، ويقصد؛ بيّن واضح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل:أصحاب الحجر: هم قومُ صالحٍ ثمودُ، وقالوا: الحجر: هو اسم واد.

وقيل: هو اسم القرية على شط الوادي؛ نسبوا إليه.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ قال أهل التأويل: يعني بالمرسلين [ولم يذكر]؛ صالحاً وحده، لكن ذكر المرسلين؛ لأن صالحاً كان يدعوهم إلى ما كان دعا سائر الرسل، فإذا كذبوه فكأن قد كذبوا الرسل جميعاً؛ إذ كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعاً، فإذا كذب واحد منهم - فقد كذب الكل.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ .

تحتمل الآيات: آيات وحدانية الله وحججه، ويحتمل: جميع الآيات: آيات الوحدانية، وحججه، وآيات رسالتهم.

﴿ مُعْرِضِينَ ﴾ : أي: لم يقبلوها؛ فإذا لم يقبلوها - فقد أعرضوا عنها؛ [أو أعرضوا عنها]، أي: كذبوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ﴾ .

يحتمل آمنين عما وعدهم صالح من عذاب الله؛ حيث قالوا: ﴿ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ كانوا آمنين عن ذلك.

وقال بعضهم: كانوا آمنين عن أن يقع عليهم ما نحتوا لحذاقتهم، وهو ما قال: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ  ﴾ على تأويل بعضهم: حاذقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ يحتمل: أخذتهم ظاهرة بالنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ ﴾ : أي: ما كانوا ينحتون، لا يغنيهم من عذاب الله من شيء.

ويحتمل: فما أغنى عنهم ما عملوا من عبادة الأصنام والأوثان؛ حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ولقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ أي: لم يغنهم ما عبدوا من عذاب الله.

أو يقول: ما أغنى عنهم ما متعوا وأنعموا في هذه الدنيا؛ في دفع عذاب الله عن أنفسهم؛ كقوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 26] أي: وإن أعطوا ما ذكر؛ من السمع، والبصر، والأفئدة، إذا لم ينظروا ولم يتفكروا في آيات الله فجحدوها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين صَيَّروا القرآن أجزاء، فقالوا: هو سحر، أو كهانة، أو شعر.

<div class="verse-tafsir" id="91.MvloX"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله