الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٩٩ من سورة الحجر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٩٩ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) قال البخاري : قال سالم : الموت وسالم هذا هو : سالم بن عبد الله بن عمر ، كما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، حدثني طارق بن عبد الرحمن ، عن سالم بن عبد الله : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) قال : الموت وهكذا قال مجاهد ، والحسن ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيره والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارا عن أهل النار أنهم قالوا : ( لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ) [ المدثر : 43 - 47 ] وفي الصحيح من حديث الزهري ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أم العلاء - امرأة من الأنصار - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دخل على عثمان بن مظعون - وقد مات - قلت : رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما يدريك أن الله أكرمه ؟
" فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله ، فمن ؟
فقال : " أما هو فقد جاءه اليقين ، وإني لأرجو له الخير " ويستدل من هذه الآية الكريمة وهي قوله : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) - على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا فيصلي بحسب حاله ، كما ثبت في صحيح البخاري ، عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب " ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة ، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم .
وهذا كفر وضلال وجهل ، فإن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته ، وما يستحق من التعظيم ، وكانوا مع هذا أعبد الناس وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة .
وإنما المراد باليقين هاهنا الموت ، كما قدمناه .
ولله الحمد والمنة ، والحمد لله على الهداية ، وعليه الاستعانة والتوكل ، وهو المسئول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها [ فإنه جواد كريم ] [ وحسبنا الله ونعم الوكيل ]
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك الموت، الذي هو مُوقَن به.
وقيل: يقين، وهو موقَن به، كما قيل: خمر عتيق، وهي معتَّقَة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، قال : ثني طارق بن عبد الرحمن ، عن سالم بن عبد الله ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) قال : الموت .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حُذيفة ، قال : ثنا شبل ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
حدثني عباس بن محمد ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج : أخبرني ابن كثير أنه سمع مجاهدا يقول : ( حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) قال : الموت .
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) قال : يعني الموت .
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) قال : اليقين : الموت .
حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرّزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله .
حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، في قوله ( حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) قال : الموت .
حدثنا ابن وكيع ، قال ثنا أبي ، عن سفيان عن طارق ، عن سالم ، مثله .
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) قال : الموت ، إذا جاءه الموت ، جاءه تصديق ما قال الله له ، وحدّثه من أمر الآخرة .
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب " أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره عن أمّ العلاء امرأة من الأنصار قد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قُرْعة قالت : وطار لنا عثمان بن مظعون ، فأنـزلناه في أبياتنا ، فوَجع وجعه الذي مات فيه ، فلما تُوُفِّي وغسِّل وكُفِّن في أثوابه ، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا عثمان بن مظعون رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتي عليك ، لقد أكرمك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمَّا هُوَ فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ ، وَوَاللَّهِ إنّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ " .
حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا مالك بن إسماعيل ، قال : ثنا إسماعيل ، قال : ثنا إبراهيم بن سعد ، قال / ثنا ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد ، عن أمّ العلاء امرأة من نسائهم ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه .
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا جعفر بن عون ، قال : أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل ، عن محمد بن شهاب ، أن خارجة بن زيد ، حدثه عن أمّ العلاء امرأة منهم ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، بنحوه ، إلا أنه قال في حديثه : فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : " أمَّا هُوَ فَقَدْ عايَنَ اليَقِينَ ".
قوله تعالى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين فيه مسألة واحدة : وهو أن اليقين الموت .
أمره بعبادته إذ قصر عباده في خدمته ، وأن ذلك يجب عليه .
فإن قيل : فما فائدة قوله : حتى يأتيك اليقين وكان قوله : واعبد ربك كافيا في الأمر بالعبادة .
قيل له : الفائدة في هذا أنه لو قال : واعبد ربك مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا ; وإذا قال حتى يأتيك اليقين كان معناه لا تفارق هذا حتى تموت .
فإن قيل : كيف قال سبحانه : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ولم يقل أبدا ; فالجواب أن اليقين أبلغ من قوله : أبدا ; لاحتمال لفظ الأبد للحظة الواحدة ولجميع الأبد .
وقد تقدم هذا المعنى .
والمراد استمرار العبادة مدة حياته ، كما قال العبد الصالح : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا .
ويتركب على هذا أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت طالق أبدا ، وقال : نويت يوما أو شهرا كانت عليه الرجعة .
ولو قال : طلقتها حياتها لم يراجعها .
والدليل على أن اليقين الموت حديث أم العلاء الأنصارية ، وكانت من المبايعات ، وفيه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما عثمان - أعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به وذكر الحديث .
انفرد بإخراجه البخاري - رحمه الله - !
وكان عمر بن عبد العزيز يقول : ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له ; يعني كأنهم فيه شاكون .
وقد قيل : إن اليقين هنا الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك ; قاله ابن شجرة ; والأول أصح ، وهو قول مجاهد وقتادة والحسن .
والله أعلم .
وقد روى جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه يقول إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين لكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين .
{ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات، فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فلم يزل دائبا في العبادة، حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
تم تفسير سورة الحجر
( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) أي الموت الموقن به ، وهذا معنى ما ذكر في سورة مريم : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا .
أخبرنا المطهر بن علي الفارسي ، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحي ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ ، حدثنا أمية بن محمد الصواف البصري ، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي ، حدثنا أبي والهيثم بن خارجة قالا حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن شرحبيل بن مسلم ، عن أبي مسلم الخولاني عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ، ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين .
وروي عن عمر رضي الله عنه قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انظروا إلى هذا الذي قد نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطيب الطعام والشراب ، ولقد رأيت عليه حلة شراها ، أو شريت له بمائتي درهم ، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترونه " .
والله أعلم .
«واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» الموت.
واستمِرَّ في عبادة ربك مدة حياتك حتى يأتيك اليقين، وهو الموت.
وامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فلم يزل دائبًا في عبادة الله، حتى أتاه اليقين من ربه.
والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى ( واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ) المداومة عليها وعدم التقصير فيها .والمراد باليقين : الموت ، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق .أى : ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا ، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى - .ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين : ( قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين حتى أَتَانَا اليقين ) أى : الموت .ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخارى عن أم العلاء " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات ، قالت : قلت : رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما يدريك أن الله قد أكرمه .
.
.
أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير " " .قال الإِمام ابن كثير : ويستدل بهذه الآية الكريمة ، على أن العبادة كالصلاة ونحوها ، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتًا ، فيصلى بحسب حاله ، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صل قائمًا ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب " .ويستدل بها أيضًا على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة ، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة ، سقط عنه التكليف عندهم .
وهذا كفر وضلال وجهل .
.
.
.
اعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون وأولئك المستهزؤون قال له: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال له: ﴿ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ فأمره بأربعة أشياء بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة واختلف الناس في أنه كيف صار الإقبال على هذه الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب والحزن؟
فقال العارفون المحققون إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الإنكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم.
وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله تعالى عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق، فإنه يعلم أنه عدل منزه عن إنزال المشاق به من غير غرض ولا فائدة فحينئذ يطيب قلبه، وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات كأنه يقول: تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات، وقوله: ﴿ واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الموت وسمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن.
فإن قيل: فأي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟
قلنا: المراد منه: ﴿ واعبد رَبَّكَ ﴾ في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة، والله أعلم.
﴿ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ من أقاويل الطاعنين فيك وفي القرآن ﴿ فَسَبّحْ ﴾ فافزع فيما نابك إلى الله، والفزع إلى الله: هو الذكر الدائم وكثرة السجود، يكفك ويكشف عنك الغم.
ودم على عبادة ربك ﴿ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ﴾ أي الموت، أي ما دمت حياً فلا تخل بالعبادة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار، والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم»
﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ والطَّعْنِ في القُرْآنِ والِاسْتِهْزاءِ بِكَ.
﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ فافْزَعْ إلى اللَّهِ تَعالى فِيما نابَكَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ يَكْفِكَ ويَكْشِفُ الغَمَّ عَنْكَ، أوْ فَنَزِّهْهُ عَمّا يَقُولُونَ حامِدًا لَهُ عَلى أنْ هَداكَ لِلْحَقِّ.
﴿ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ مِنَ المُصَلِّينَ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « (أنَّهُ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إلى الصَّلاةِ)» .
﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ أيِ المَوْتُ فَإنَّهُ مُتَيَقَّنٌ لَحاقُهُ كُلَّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ، والمَعْنى فاعْبُدْهُ ما دُمْتَ حَيًّا ولا تُخَلِّ بِالعِبادَةِ لَحْظَةً.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «مَن قَرَأ سُورَةَ الحِجْرِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والمُسْتَهْزِئِينَ بِمُحَمَّدٍ » واللَّهُ أعْلَمُ.
{واعبد رَبَّكَ} ودم على عبادة ربك {حتى يَأْتِيَكَ اليقين} أي الموت يعني ما دمت حيا فاشتغل بالعبادة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة
سورة النحل مكية وهي مائة وثمان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
النحل (١ _ ٥)
﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ ﴾ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، قِيلَ: وفي الإظْهارِ بِالعُنْوانِ السّالِفِ آنِفًا تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ ﴿ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ أيِ المَوْتُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُتَيَقِّنُ اللُّحُوقِ بِكُلِّ حَيٍّ، وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الحَيِّ طالِبٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ، والمَعْنى دُمْ عَلى العِبارَةِ ما دُمْتَ حَيًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِها لَحْظَةً، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: اليَقِينُ النَّصْرُ عَلى الكافِرِينَ الَّذِي وعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِهِ ما زَعَمَهُ بَعْضُ المُلْحِدِينَ مِمّا يُسَمُّونَهُ بِالكَشْفِ والشُّهُودِ، وقالُوا: إنَّ العَبْدَ مَتى حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِالعِبادَةِ وهي لَيْسَتْ إلّا لِلْمَحْجُوبِينَ، ولَقَدْ مَرَقُوا بِذَلِكَ مِنَ الدِّينِ وخَرَجُوا مِن رِبْقَةِ الإسْلامِ وجَماعَةِ المُسْلِمِينَ.
وذَكَرَ بَعْضُ الثِّقاتِ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ بَعْدَ الإسْراءِ والعُرُوجِ إلى السَّماءِ، أفَتَرى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ لَيْلَتَئِذٍ صُبْحُ الكَشْفِ والشُّهُودُ ولَمْ يَمَنَّ عَلَيْهِ بِاليَقِينِ عَظِيمُ الكَرَمِ والجُودِ؟
اللَّهُ أكْبَرُ لا يَتَجاسَرُ عَلى ذَلِكَ مَن في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ أوْ رِزْقِ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِن عَقْلٍ يَنْتَظِمُ بِهِ في سَلْكِ الإنْسانِ، وأيْضًا لَمْ يَزَلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما دامَ حَيًّا آتِيًا بِمَراسِمِ العِبادَةِ قائِمًا بِأعْباءِ التَّكْلِيفِ لَمْ يَنْحَرِفْ عَنِ الجادَّةِ قَدْرَ حادَّةٍ أفَيُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى تُوُفِّيَ ذَلِكَ اليَقِينُ ولِذَلِكَ بَقِيَ في مَشاقِّ التَّكْلِيفِ إلى أنْ قَدَمَ عَلى رَبِّ العالَمِينَ؟
لا أرى أحَدًا يَخْطُرُ لَهُ ذَلِكَ بِجَنانٍ ولَوْ طالَ سُلُوكُهُ في مَهامِّهِ الضَّلالَةُ وبانَ.
نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ الكِرامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ نَعْلَمُ ﴾ إلَخْ كَلامًا مُتَضَمِّنًا شَيْئًا مِمّا يَذْكُرُهُ الصُّوفِيَّةُ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَرامِ أُولَئِكَ اللِّئامِ، فَفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما هَدَمَ قَواعِدَ جَهالاتِ الكَفَرَةِ وأبْرَقَ وأرْعَدَ بِما أظْهَرَ مِن صَنِيعِهِ بِالقائِلِينَ نَحْوَ مَقالاتِ أُولَئِكَ الفَجَرَةِ فَذَلِكَ الكَلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ نَعْلَمُ ﴾ مُؤَكِّدًا هَذا التَّأْكِيدَ البالِغَ الصّادِرَ عَنْ مَقامِ تَسَخُّطٍ بالِغٍ وكِبْرِياءٍ لِيُنَفِّسَ عَنْ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ التَّنْفِيسِ، ثُمَّ أرْشَدَ إلى ما هو أعْلى مِن ذَلِكَ مِمّا تَأهَّلَهُ لِمُسامَرَةِ الجَلِيسِ لِلْجَلِيسِ وقالَ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ والتَّجَرُّدِ التّامِّ عَنِ الأغْيارِ والتَّحَلِّي بِصِفاتٍ مِن تَوَجُّهٍ إلَيْهِ بِحُسْنِ القَبُولِ والِافْتِقارِ إذْ ذَلِكَ مُقْتَضى التَّسْبِيحِ والحَمْدِ لِمَن عَقِلَهُما، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ دَلالَةً عَلى الِاقْتِرابِ المُضْمَرِ فِيهِ لِأنَّ السُّجُودَ غايَةُ الذِّلَّةِ والِافْتِقارِ وهو مَظْهَرُ الفَناءِ حَتّى نَفْسِهِ وشِرْكِ البَقاءِ بِمَن أمْرُهُ بِخَمْسِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ ﴾ إلَخْ ظاهِرُهُ ظاهِرٌ وباطِنُهُ يُومِئُ إلى أنَّ السَّفَرَ في اللَّهِ تَعالى لا يَنْقَطِعُ والشُّهُودُ الَّذِي عَلَيْهِ يَسْتَقِرُّ لا يَحْصُلُ أبَدًا فَما مِن طامَّةٍ إلّا وفَوْقَها طامَّةٌ.
إذا تَغَيَّبْتُ بَدا وإنْ بَدا غَيَّبَنِي وعَنْ لِسانِ هَذا المَقامِ ﴿ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ اه، هَذا ولا يَخْفى مِمّا ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ مُناسَبَةُ خاتِمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ لِفاتِحَتِها، وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ نَعْلَمُ ﴾ إلَخْ في مُقابَلَةِ ﴿ وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وأحْكَمُ.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ: ما قالُوهُ مِمّا مُلَخَّصُهُ ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ أيْ أخْبِرْهم بِأنِّي أغْفِرُ خَطِراتِ قُلُوبِ العارِفِينَ بَعْدَ إدْراكِهِمْ مَواضِعَ خَطَرِها وتَدارُكِهِمْ ما هو مَطْلُوبٌ مِنهم وأرْحَمُهم بِأنْواعِ الفَيُوضاتِ وأُوصِلُهم إلى أعْلى المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ ﴿ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ والطَّرْدِ عَنِ البابِ.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: هَذِهِ الآيَةُ إرْشادٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى كَيْفِيَّةِ الإرْشادِ كَأنَّهُ قِيلَ: أقِمْ عِبادِي بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ لِيَصِحَّ لَهم سَبِيلُ الِاسْتِقامَةِ في الطّاعَةِ فَإنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ رَجاؤُهُ عَطَّلَهُ ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ خَوْفُهُ أقْنَطَهُ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ فِيها إشارَةً إلى تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى الرَّجاءِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أجْرى وصْفَيِ الرَّحْمَةِ عَلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يَجْرِ العَذابُ عَلى ذَلِكَ السُّنَنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَذْكُورَ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُعْتَدِلَ الرَّجاءِ والخَوْفِ إلّا عِنْدَ المَوْتِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ رَجاؤُهُ أزْيَدَ مِن خَوْفِهِ، وفي المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ يُطْلَبُ مِن مَوْضِعِهِ ﴿ لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ قالَ النَّوَوِيُّ: أيْ بِحَياتِكَ الَّتِي خُصِّصْتَ بِها مِن بَيْنِ العالَمِينَ، وقالَ القُرَشِيُّ: هَذا قَسَمٌ بِحَياةِ الحَبِيبِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وإنَّما أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِها لِأنَّها كانَتْ بِهِ تَعالى ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ أيِ المُتَفَرِّسِينَ، وذَكَرُوا أنَّ لِلْفِراسَةِ مَراتِبَ فَبَعْضُها يَحْصُلُ بِعَيْنِ الظّاهِرِ، وبَعْضُها ما يُدْرِكُهُ آذانُ العارِفِينَ مِمّا يَنْطِقُ بِهِ الحَقُّ بِألْسِنَةِ الخَلْقِ، وبَعْضُها ما يَبْدُو في صُورَةِ المُتَفَرِّسِ مِن أشْكالِ تَصَرُّفِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإنْطاقِهِ وجُودِهِ لَهُ حَتّى يَنْطِقَ جَمِيعُ شَعَراتِ بَدَنِهِ بِألْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيَرى ويَسْمَعُ مَن ظاهِرِ نَفْسِهِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ بِحَواسِّ الباطِنِ حَيْثُ وجَدَتْ بِلُطْفِها أوائِلَ المُغَيَّباتِ بِاللّائِحَةِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ مِنَ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِما يَبْدُو فِيها مِنَ التَّمَنِّي والِاهْتِزازِ وذَلِكَ سِرُّ مَحَبَّتِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرادَ فَتْحَ الغَيْبِ ألْقى في النَّفْسِ آثارَ بِوادِيهِ إمّا مَحْبُوبَةٌ فَتُتَمَنّى وإمّا مَكْرُوهَةٌ فَتُنَفَّرُ ولا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا رَبّانِيُّ الصِّفَةِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ إمّا بِالإلْهامِ وإمّا بِالكَشْفِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ لِلْعَقْلِ وذَلِكَ ما يَقَعُ مِن أثْقالِ الوَحْيِ الغَيْبِيِّ عَلَيْهِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ لِلرُّوحِ بِالواسِطَةِ وغَيْرِ الواسِطَةِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ لِعَيْنِ السِّرِّ وسَمْعِهِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ في سِرِّ السِّرِّ ظُهُورُ عَرائِسِ أقْدارِ الغَيْبَةِ مُلْتَبِساتٍ بِإشْكالٍ إلَهِيَّةٍ رَبّانِيَّةٍ رُوحانِيَّةٍ فَيُبْصِرُ تَصَرُّفَ الذّاتِ في الصِّفاتِ ويَسْمَعُ الصِّفاتِ بِوَصْفِ الحَدِيثِ والخِطابِ مِنَ الذّاتِ بِلا واسِطَةٍ وهُناكَ مُنْتَهى الكَشْفِ والفِراسَةِ.
وسُئِلَ الجُنَيْدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الفِراسَةِ فَقالَ: آياتٌ رَبّانِيَّةٌ تَظْهَرُ في أسْرارِ العارِفِينَ فَتَنْطِقُ ألْسِنَتُهم بِذَلِكَ فَتُصادِفُ الحَقَّ، ولَهم في ذَلِكَ عِباراتٌ أُخْرى.
﴿ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ ﴾ رَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ أبِيهِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: الصَّفْحُ الجَمِيلُ صَفْحٌ لا تَوْبِيخَ فِيهِ ولا حِقْدَ بَعْدَهُ مَعَ الرُّجُوعِ إلى ما كانَ قَبْلَ مُلابَسَةِ المُخالَفَةِ، وقِيلَ: الصَّفْحُ الجَمِيلُ مُواساةُ المُذْنِبِ بِرَفْعِ الخَجَلِ عَنْهُ ومُداواةِ مَوْضِعِ آلامِ النَّدَمِ في قَلْبِهِ ﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي ﴾ وهي الصِّفاتُ السَّبْعَةُ أعْنِي الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ والإرادَةَ والبَصَرَ والسَّمْعَ والكَلامَ، ومَعْنى كَوْنِها مَثانِي أنَّها ثُنِّيَ وكُرِّرَ ثُبُوتُها لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكانَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلًا في مَقامِ وُجُودِ القَلْبِ وتَخَلُّقِهِ بِأخْلاقِهِ واتِّصافِهِ بِأوْصافِهِ، وثانِيًا في مَقامِ البَقاءِ بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ، وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِها مَثانِي أنَّها ثَوانِي الصِّفاتِ القائِمَةِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ ومَوالِيدِها، وجاءَ ««لازالَ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ»» الحَدِيثَ ﴿ والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ وهو عِنْدُهُمْ: الذّاتُ الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ.
قالَ بَعْضُهم في ذَلِكَ: غارَ الحَقُّ سُبْحانُهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْتَحْسِنَ مِنَ الكَوْنِ شَيْئًا ويُعِيرَهُ طَرَفَهُ وأرادَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ تَكُونَ أوْقاتُهُ مَصْرُوفَةً إلَيْهِ وحالاتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وأنْفاسُهُ النَّفِيسَةُ حَبِيسَةً عِنْدَهُ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أرادَ مِنهُ سُبْحانَهُ ولِذَلِكَ وقَعَ في المَحَلِّ الأعْلى ﴿ ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى ﴾ ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ ﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ قَدْ مَرَّ عَنِ الكَشْفِ ما فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَن أرادَ الإشارَةَ مِنَ المُسْتَرْشِدِينَ، هَذا وأسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْفَظَنا مِن سُوءِ القَضا ويَمُنَّ عَلَيْنا بِالتَّوْفِيقِ إلى ما يُحِبُّ ويَرْضى بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآلِهِ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ما جَرى في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى قَلَمٌ.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ من تكذيبهم إياك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ يقول: صلِّ بأمر ربك.
ويقال: استعن بعبادة ربك، ولا تشغل قلبك بهم وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ من المصلين.
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي: واستقم على التوحيد حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي: الموت.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.
قال: حدثنا محمد بن جعفر.
قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف.
قال: حدثنا المحاربي، عن إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل، عن مسلم عن جبير بن نفير، عن أبي مسلم الخولاني أن النبيّ قال: «مَا أَوْحَى الله تَعَالَى إَليَّ أَنْ أَجْمَعَ المال وأكون من التّجار، ولكن أَوْحَى إِليَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّىَ يَأْتِيَكَ اليَقِينُ» (١) (١) عزاه السيوطي: 5/ 105 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم في التاريخ وابن مردويه والديلمي.
وجاهلٍ وفاسقٍ الذين هم أهْوَنُ خَلْقِهِ عليه، ويَصْرِفُه عن كلِّ نبيٍّ وصفيٍّ وصِدِّيقٍ وعالمٍ وعابدٍ الذين هم أَعَزُّ خَلْقِهِ عليه حتى إِنهم لا يكادُونَ يُصِيبُونَ كِسْرةً وخِرْقَةً، ويمنُّ عليهم سبحانه بأَلاَّ يلطخهم بقَذَرها، انتهى.
وقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١» : قوله تعالى: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ: المعنى: أعطيناكَ الآخِرَةَ، فلا تنظُرْ إِلى الدنيا، وقد أعطيناك العلْم، فلا تتشاغلْ/ بالشهواتِ، وقد مَنَحْنَاكَ لَذَّةَ القَلْب، فلا تنظر إِلى لذة البَدَن، وقد أعطينَاكَ القرآن، فاستغن به، فمَنِ استغنى به، لا يطمَحُ بنظره إِلى زخارف الدنيا، وعنده مَعَارِفُ المولَى، حَيِيَ بالباقِي، وفَنِيَ عن الفاني.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ.
قال ع «٢» : والذي أقولُ به في هذا: أنّ المعنَى: وقل أنا نذيرٌ، كما قال قبلك رُسُلنا، ونزَّلنا عليهم كما أنزلنا عليك، واختلف في الْمُقْتَسِمِينَ، مَنْ هُمْ؟
فقال ابن عباس، وابن جُبَيْر: «المقتسمون» : هم أهْلُ الكتابِ الذينَ فَرَّقوا دينهم، وجَعَلُوا كتابَ اللَّهِ أعضاءً، آمنوا ببعضٍ، وكَفَروا ببعض وقال نحْوَه مجاهدٌ «٣» ، وقالت فرقةٌ: «المقتسمون» :
هم كفَّار قريشٍ جعلوا القرآن سِحْراً وشِعْراً وَكَهَانة، وجعلوه أعضاءً بهذا التقسيم، وقالت فرقة: «عِضِينَ» : جمعُ عضةَ، وهي اسم للسحْرِ خاصَّة بلغةِ قريشٍ وقالَه عكرمة «٤» .
ت: وقال الواحديُّ: كما أنزلنا عذاباً على المقتسمين الذينَ اقتسموا طُرُقَ مكَّة يصُدُّون الناسَ عن الإيمان.
انتهى من «مختصره» .
وقوله سبحانه: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ...
الآية: ضميرٌ عامٌّ، ووعيدٌ محضٌ، يأخذ كلُّ أحد منه بحَسَب جُرْمه وعِصْيانه، فالكافرُ يسأل عن التوحيدِ والرسالةِ، وعن كُفْره وقَصْدِهِ به، والمؤمنُ العاصِي يُسْأل عَنْ تضْييعه، وكلُّ مكلَّف عما كُلِّف القيامَ به وفي هذا المعنى أحاديثُ، قال ابن عباس في هذه الآية يقال لهم: لِمَ عَمِلْتُمْ كذا وكذا، قال: وقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩] : معناه: لا يقال له: مَاذَا أذنَبْتَ، لأَنَّ اللَّه تعالى أعلم بذنبه منه «١» ، وقوله سبحانه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: «اصدع» : معناه: أنْفِذْ، وصرِّح بما بُعِثْتَ به.
وقوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ: من آيات المهادَنَةِ التي نَسَخَتْها آية السَّيْف «٢» قاله ابن عباس، ثم أعلمه اللَّه تعالَى بأنه قد كَفَاه المُسْتهزئين به مِنْ كُفَّار مَكَّة ببوائِقَ أصابَتْهم من اللَّه تعالى.
قال ابن إسحاق وغيره: وهُمُ الذين قُذِفُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ كأبِي جَهْل وغيره.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ: آية تأنيس للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والْيَقِينُ هنا: الموتُ قاله ابن «٣» عمر وجماعةٌ، قال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ المَالَ، وأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، واعبد رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِين «٤» .
انتهى، وباقي الآية بيِّن، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ المَعْنى: فاصْدَعْ بِأمْرِي كَما كَفَيْتُكَ المُسْتَهْزِئِينَ، وهم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وبِالقُرْآنِ.
وفي عَدَدِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا خَمْسَةً: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
واسْمُ أبِي زَمْعَةَ: الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ.
وكَذَلِكَ ذَكَرَهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، إلّا أنَّهُ قالَ مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ: الحارِثَ بْنَ غَيْطَلَةَ، قالَ الزُّهْرِيُّ: غَيْطَلَةُ أُمُّهُ، وقَيْسٌ أبُوهُ، فَهو واحِدٌ.
وإنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ، لِئَلّا يُظَنُّ أنَّهُ غَيْرُهُ.
وقَدْ ذَكَرْتُ في كِتابِ " التَّلْقِيحِ " مَن يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم، وسَمَّيْتُ آباءَهم لِيُعْرَفُوا إلى أيِّ الأبَوَيْنِ نُسِبُوا.
وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ: عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ أبِي بَزَّةَ، وعَدَّهُمُ ابْنُ أبِي بَزَّةَ، فَقالَ: العاصُ بْنُ وائِلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ عَدِيٍّ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وأصْرَمُ وبُعْكُكُ ابْنا عَبْدِ الحارِثِ بْنِ السَّبّاقِ.
وَكَذَلِكَ عَدَّهم مُقاتِلٌ، إلّا أنَّهُ قالَ مَكانَ الحارِثِ بْنِ عَدِيٍّ: الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ السَّهْمِيَّ، وقالَ: أصْرَمُ وبُعْكُكُ ابْنا الحَجّاجِ بْنِ السَّبّاقِ.
ذِكْرُ ما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِهِ وكَفى رَسُولَهُ أمْرَهُمْ قالَ المُفَسِّرُونَ: «أتى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ، والمُسْتَهْزِئُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، فَمَرَّ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَقالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ، كَيْفَ تَجِدُ هَذا ؟
فَقالَ: " بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ "، قالَ: قَدْ كُفِيتَ، وأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ، فَمَرَّ الوَلِيدُ بِرَجُلٍ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ، فَتَعَلَّقَتْ شَظْيَةٌ مِن نَبْلٍ بِإزارِهِ، فَمَنَعَهُ الكِبْرُ أنْ يُطامِنَ لِيَنْزِعَها، وجَعَلَتْ تَضْرِبُ ساقَهُ، فَمَرِضَ وماتَ.
وقِيلَ: تَعَلَّقَ سَهْمٌ بِثَوْبِهِ فَأصابَ أُكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ، فَماتَ.
ومَرَّ العاصُ بْنُ وائِلٍ، فَقالَ جِبْرِيلُ: كَيْفَ تَجِدُ هَذا يا مُحَمَّدُ ؟
فَقالَ: " بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ " فَأشارَ إلى أخْمَصِ رِجْلِهِ، وقالَ: قَدْ كُفِيتَ، فَدَخَلَتْ شَوْكَةٌ في أخْمَصِهِ، فانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ وماتَ.
ومَرَّ الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُ هَذا ؟
قالَ: " عَبْدُ سُوءٍ " فَأشارَ بِيَدِهِ إلى عَيْنَيْهِ، فَعَمِيَ وهَلَكَ.
وقِيلَ: جَعَلَ يَنْطَحُ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَ ويَضْرِبُ وجْهَهُ بِالشَّوْكِ، فاسْتَغاثَ بِغُلامِهِ، فَقالَ: لا أرى أحَدًا يَصْنَعُ بِكَ هَذا غَيْرَ نَفْسِكَ، فَماتَ وهو يَقُولُ: قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ.
ومَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: كَيْفَ تَجِدُ هَذا ؟
فَقالَ: " بِئْسَ عَبْدُ اللهِ "، فَقالَ: قَدْ كُفِيتَ، وأشارَ إلى بَطْنِهِ، فَسَقى بَطْنُهُ، فَماتَ.
وقِيلَ: أصابَ عَيْنَهُ شَوْكٌ، فَسالَتْ حَدَقَتاهُ.
وقِيلَ: خَرَجَ عَنْ أهْلِهِ فَأصابَهُ السَّمُومُ، فاسْوَدَّ حَتّى عادَ حَبَشِيًّا، فَلَمّا أتى أهْلَهُ لَمْ يَعْرِفُوهُ، فَأغْلَقُوا دُونَهُ الأبْوابَ حَتّى ماتَ.
وَمَرَّ بِهِ الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُ هَذا ؟
قالَ: " عَبْدُ سُوءٍ " فَأوْمَأ إلى رَأْسِهِ، وقالَ: قَدْ كُفِيتَ، فانْتَفَخَ رَأْسُهُ فَماتَ، وقِيلَ: أصابَهُ العَطَشُ، فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ الماءَ حَتّى انْقَدَّ بَطْنُهُ.
وأمّا أصْرَمُ وبُعْكُكُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَتْ أحَدَهُما الدُّبَيْلَةُ والآخَرَ ذاتُ الجَنْبِ، فَماتا جَمِيعًا» .
قالَ عِكْرِمَةُ: هَلَكَ المُسْتَهْزِئُونَ قَبْلَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: أُهْلِكُوا جَمِيعًا في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّكْذِيبُ.
والثّانِي: الِاسْتِهْزاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: فَصَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ المُصَلِّينَ.
والثّانِي: مِنَ المُتَواضِعِينَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.
وسُمِّيَ يَقِينًا، لِأنَّهُ مُوقَنٌ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: اعْبُدْ رَبَّكَ أبَدًا، ولَوْ قِيلَ: اعْبُدْ رَبَّكَ، بِغَيْرِ تَوْقِيتٍ، لَجازَ إذا عَبَدَ الإنْسانُ مَرَّةً أنْ يَكُونَ مُطِيعًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ أُمِرَ بِالإقامَةِ عَلى العِبادَةِ ما دامَ حَيًّا.
والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ مِن نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ "اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ.
ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الساجِدِينَ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
لما كان الوعيد مؤذناً بإمهالهم قليلاً كما قال تعالى: ﴿ ومهّلهم قليلا ﴾ [سورة المزمل: 11] كما دلّ عليه حرف التنفيس في قوله تعالى: ﴿ فسوف يعلمون ﴾ [سورة الحجر: 96] طمأن الله نبيه بأنه مطّلع على تحرّجه من أذاهم وبهتانهم من أقوال الشرك وأقوال الاستهزاء فأمره بالثبات والتفويض إلى ربّه لأن الحكمة في إمهالهم، ولذلك افتتحت الجملة بلام القسم وحرف التحقيق.
وليس المخاطب ممن يداخله الشكّ في خبر الله تعالى ولكن التحقيق كناية عن الاهتمام بالمخبر وأنه بمحل العناية من الله؛ فالجملة معطوفة على جملة ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ [سورة الحجر: 95] أو حال.
وضيق الصدر: مجاز عن كدر النفس.
وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وضائق به صدرك ﴾ في سورة هود (12).
وفرع على جملة ولقد نعلم } أمره بتسبيح الله تعالى وتنزيهه عمّا يقولونه من نسبة الشريك، أي عليك بتنزيه ربّك فلا يضرّك شركهم.
على أن التسبيح قد يستعمل في معناه الكنائي مع معناه الأصلي فيفيد الإنكار على المشركين فيما يقولون، أي فاقتصر في دفعهم على إنكار كلامهم.
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً ﴾ [سورة الإسراء: 93].
والباء في بحمد ربك} للمصاحبة.
والتقدير: فسبح ربّك بحمده؛ فحُذف من الأول لدلالة الثاني.
وتسبيح الله تنزيهه بقول: سُبحان الله.
والأمر في ﴿ وكن من الساجدين واعبد ربك ﴾ مستعملان في طلب الدّوام.
و ﴿ من الساجدين ﴾ أبلغ في الاتّصاف بالسجود من (ساجداً) كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ في سورة براءة (119)، وقوله ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة البقرة (67) ونظائرهما.
والساجدون: هم المصلّون.
فالمعنى: ودم على الصلاة أنتَ ومن معكَ.
وليس هذا موضع سجدة من سجود التلاوة عند أحد من فقهاء المسلمين.
وفي تفسير القرطبي} عن أبي بكر النقاش أن أبا حُذيفة (لعلّه يعني به أبا حذيفة اليمان بن المغيرة البصري من أصحاب عكرمة وكان منكر الحديث) واليمان بن رئاب (كذا) رأياها سجدةَ تلاوة واجبة.
قال ابن العربي: شاهدت الإمام بمحراب زكرياء من البيت المقدس سجد في هذا الموضع حين قراءته في تراويح رمضان وسجدتُ معه فيها.
وسجود الإمام عجيب وسجود أبي بكر بن العربي معه أعجب للإجماع؛ على أنه لا سجدة هنا، فالسجود فيها يعدّ زيادة وهي بدعة لا محالة.
و ﴿ اليقين ﴾ : المقطوع به الذي لا شكّ فيه وهو النصر الذي وعده الله به.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فامْضِ بِما تُؤْمَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ فاظْهَرْ بِما تُؤْمَرُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قالَ الشّاعِرُ: ومَن صادِعٌ بِالحَقِّ بَعْدَكَ ناطِقٌ بِتَقْوًى ومَن إنْ قِيلَ بِالجَوْرِ عَيَّرا الثّالِثُ: يَعْنِي اجْهَرْ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: يَعْنِي أعْلِنْ بِما يُوحى إلَيْكَ حَتّى تُبَلِّغَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ افْرُقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
السّادِسُ: مَعْناهُ فَرِّقِ القَوْلَ فِيهِمْ مُجْتَمِعِينَ وفُرادى، حَكاهُ النَّقّاشُ.
وَقالَ رُؤْبَةُ: ما في القُرْآنِ أعْرَبُ مِن قَوْلِهِ ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أعْرِضْ عَنِ الِاهْتِمامِ بِاسْتِهْزائِهِمْ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اصْدَعِ الحَقَّ بِما تُؤْمَرُ مِن إظْهارِهِ.
الثّانِي: اصْدَعِ الباطِلَ بِما تُؤْمَرُ مِن إبْطالِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ وهم خَمْسَةٌ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والحارِثُ بْنُ الطُّلاطِلَةِ.
أهْلَكَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا قَبْلَ بَدْرٍ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ .
وسَبَبُ هَلاكِهِمْ ما حَكاهُ مِقْسَمٌ وقَتادَةُ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ ارْتَدى فَعَلِقَ سَهْمٌ بِرِدائِهِ، فَذَهَبَ فَجَلَسَ فَقَطَعَ أكْحَلَهُ فَنَزَفَ فَماتَ.
وَأمّا العاصُ بْنُ وائِلٍ فَوَطِئَ عَلى شَوْكَةٍ، فَتَساقَطَ لَحْمُهُ عَنْ عِظامِهِ، فَماتَ، وأمّا أبُو زَمْعَةَ فَعَمِيَ.
وَأمّا الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَإنَّهُ أتى بِغُصْنِ شَوْكٍ فَأصابَ عَيْنَيْهِ، فَسالَتْ حَدَقَتاهُ عَلى وجْهِهِ، فَكانَ يَقُولُ: [دَعا] عَلِيَّ مُحَمَّدٌ فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ فاسْتُجِيبَ لِي، دَعا عَلَيَّ أنْ أعْمى فَعَمِيتُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ طَرِيدًا بِيَثْرِبَ، فَكانَ كَذَلِكَ، وأمّا الحارِثُ بْنُ الطُّلاطِلَةِ فَإنَّهُ اسْتَسْقى بَطْنَهُ، «وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ قالَ لِجِبْرِيلَ [حِينَ] نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ (دَعْ لِي خالِي) يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ الطُّلاطِلَةِ فَقالَ لَهُ: كُفِيتَ.
» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ ﴾ أيْ قَلْبُكَ لِأنَّ الصَّدْرَ مَحَلُّ القَلْبِ.
﴿ بِما يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ مِنَ الكَذِبِ بِالحَقِّ.
﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الخاضِعِينَ.
الثّانِي: المُصَلِّينَ.
﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحَقُّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ مِن نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ، قالَهُ شَجَرَةُ.
الثّانِي: المَوْتُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم في التاريخ، وابن مردويه والديلمي، عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أوحي لي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن ﴿ سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أوحي إليّ أن أكون تاجراً ولا أجمع المال متكاثراً، ولكن أوحي إلي أن ﴿ سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ قال: الموت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ قال: الموت.
وأخرج ابن المبارك في الزهد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ قال: الموت.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ قال: الموت إذا جاءه الموت جاءه تصديق ما قال الله له، وحدثه من أمر الآخرة.
وأخرج البخاري وابن جرير عن أم العلاء: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله.
فقال: وما يدريك أن الله أكرمه..؟
أمّا هو، فقد جاءه اليقين إني لأرجو له الخير» .
وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير ما عاين الناس له، رجل يمسك بعنان فرسه فالتمس القتل في مظانه: ورجل في شعب من هذه الشعاب، أو في بطن وادٍ من هذه الأودية في غنيمة أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب ما عند الله، كانت السماء ظلاله والأرض فراشه، لم يهتم بشيء من أمر الدنيا.
فهو لا يزرع الزرع وهو يأكل الخبز، وهو لا يغرس الشجر ويأكل الثمار؛ توكّلاً على الله وطلب مرضاته فضمن الله السموات السبع والأرضين السبع رزقه، فهم يتعبأون به ويأتون به حلالاً، واستوفى هو رزقه بغير حساب عبد الله حتى أتاه اليقين» .
وأخرج ابن المبارك في الزهد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله، ومن كانت راحته في لقاء الله فكان قد كفي.
والله أعلم بالصواب.
قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ قال ابن عباس: يريد الموت (١) (٢) (٣) (٤) قال أبو إسحاق: مجاز هذا الكلام مجاز أبدًا؛ المعنى: اعبد ربك أبدًا؛ لأنه لو قيل: اعْبُدْ ربك بغير توقيت، لجاز إذا عبد الإنسانُ مدةً أن يكون مطيعًا، فإذا قال: ﴿ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ أي: أبدًا وما دمت حيًّا، فقد أُمر بالإقامة على العبادة (٥) (١) "تفسير ابن الجوزي" 4/ 423، الفخر الرازي 19/ 216، "تنوير المقباس" ص 281.
(٢) "تفسير مجاهد" ص 419 بلفظه، وورد في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 352 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 74 بلفظه عنهم، وأورده البخاري في "الفتح" 8/ 383 معلقًا بصيغة الجزم عن سالم بن عبد الله، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 47 عن مجاهد، "تفسير السمرقندي" 2/ 226، و"هود الهواري" 2/ 358 عن مجاهد، والثعلبي 2/ 153 ب، والماوردي 3/ 176 عنهم، والطوسي 6/ 356 عنهم، "تفسير البغوي" 4/ 397، والزمخشري 2/ 320، وابن العربي 3/ 1139، وابن عطية 8/ 362 عنهم، وابن الجوزي 4/ 423 عن مجاهد، "تفسير القرطبي" 10/ 64 عنهم، الخازن 3/ 105، وابن كثير 2/ 616 - 617 عنهم، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 203 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.
(٣) هكذا في جميع النسخ، والقياس يقتضي أن تكون: مُرْبَص ورَبِيْصٌ.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 187 بنصه، وفي هذا رد على أهل الضلال الذين جعلوا للعبادة أجلاً تنتهي عنده؛ لذلك فسروا اليقين بالمعرفة، فإذا وصل أحدهم إلى مقام المعرفة سقط عنه التكليف!.
انظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 617، والألوسي 14/ 87، والقاسمي 10/ 75.
﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ أي صرح به وأنفذه ﴿ إِنَّا كفيناك المستهزئين ﴾ يعني قوماً من أهل مكة؛ أهلكهم الله بأنواع الهلاك من غير سعي النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث وعدي بن قيس، وقصة هلاكهم مذكورة في السير، وقيل: الذين قتلوا ببدر كأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم، والأول أرجح، لأن الله كفاه إياهم بمكة قبل الهجرة ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتأنيس ﴿ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ﴾ أي الموت.
القراءات: ﴿ إذ دخلوا ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام ﴿ إنا نبشرك ﴾ بسكون الباء وضم الشين: حمزة.
الآخرون بالتشديد ﴿ تبشرون ﴾ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله.
ولكن مشددة النون: ابن كثير.
الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع ﴿ يقنط ﴾ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه.
الآخرون بالفتح ﴿ آل لوط ﴾ مدغماً حيث كان شجاع ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف.
الباقون بالتشديد ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد ﴿ بناتي إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أني أنا ﴾ بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ه ج لئلا يصير ﴿ إذا دخلوا ﴾ ظرفاً ﴿ لنبئهم ﴾ فإنه محال ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ وجلون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تبشرون ﴾ ه ﴿ القانطين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه لا للاستثناء.
﴿ آل لوط ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ قدرنا ﴾ لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ يمترون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ تؤمرون ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ فلا تفضحون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا تخزون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ط لابتداء القسم ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مشرقين ﴾ ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة ﴿ من سجيل ﴾ ط ﴿ للمتوسمين ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط لتمام القصة ﴿ لظالمين ﴾ ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم ﴿ منهم ﴾ ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال ﴿ مبين ﴾ ه ط لتمام قصتهم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم ﴿ معرضين ﴾ ه لا للعطف ﴿ آمنين ﴾ ه ط ﴿ مصبحين ﴾ ه ط للاتصال معنى ﴿ يكسبون ﴾ ه م لتمام القصص ﴿ إلا بالحق ﴾ ط ﴿ الجميل ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ أو بقوله: ﴿ فانتقمنا ﴾ ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير.
﴿ المقتسمين ﴾ ه لا ﴿ عضين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ المستهزئين ﴾ ه لا ﴿ آخر ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يقولون ﴾ ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية ﴿ الساجدين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اليقين ﴾ ه.
التفسير: إنه عطف ﴿ ونبئهم ﴾ على ﴿ نبىء عبادي ﴾ ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين.
وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم.
وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام.
فقوله: ﴿ وجلون ﴾ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت.
﴿ إنا نبشرك ﴾ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل.
بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته.
وقيل: العلم مطلقاً.
وقوله: ﴿ على أن مسني ﴾ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله ولذلك قال: ﴿ فبم تبشرون ﴾ "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟
وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق.
المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه ﴿ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر.
قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز.
وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة.
قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب.
وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء.
وقوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ .
ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم.
وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين.
ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: ﴿ فما خطبكم ﴾ والخطب الشأن العظيم.
فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟
وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟.
وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً.
وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة.
قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم ﴿ قالوا إنا أرسلنا ﴾ زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى.
وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين ﴾ فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم ﴿ إلا آل لوط ﴾ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط.
يكون قوله: ﴿ إنا لمنجوهم ﴾ جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط ﴿ إلا امرأته ﴾ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ إلا آل لوط ﴾ مستثنى من الضمير في ﴿ مجرمين ﴾ حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم.
ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن ﴿ آل لوط ﴾ مستثنى من معمول ﴿ أرسلنا ﴾ أو ﴿ مجرمين ﴾ و ﴿ إلا امرأته ﴾ من معمول ﴿ منجوهم ﴾ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله.
قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر.
وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا.
وقال الزجاج: دبرنا.
وقيل: قضينا.
والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟
فقيل: ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ أي الباقين في الهوالك.
ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد.
قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم.
وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده.
ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ﴾ أي لوط ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ تنكركم نفسي وتنفر منكم.
وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه.
﴿ وأتيناك بالحق ﴾ باليقين الثابت.
وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه ﴿ وإنا لصادقون ﴾ فيما أخبرناك به ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم.
ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴾ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا.
وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه.
وقال في الكشاف: عدى ﴿ وامضوا ﴾ إلى ﴿ حيث ﴾ تعديته إلى الظرف المبهم لأن ﴿ حيث ﴾ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في ﴿ تؤمرون ﴾ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك.
عن ابن عباس: إنه الشام.
وقيل: مصر.
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط.
ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: ﴿ وقضينا ﴾ ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا.
﴿ إليه ذلك الأمر ﴾ مقتضياً مبتوتاً.
ثم فسر ذلك الأمر بقوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه.
وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له.
ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: ﴿ وجاء أهل المدينة ﴾ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم.
﴿ يستبشرون ﴾ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه ﴿ قال ﴾ لوط لما قصدوا أضيافه ﴿ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ﴾ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف.
يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ مر في "هود" ﴿ قالوا ﴾ في جواب لوط ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟
وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم ﴿ قال هؤلاء بناتي ﴾ من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود".
قال جار الله ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون.
وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم.
ثم قالت الملائكة للوط ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به.
والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ﴿ إنهم لفي سكرتهم ﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك ﴿ يعمهون ﴾ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟
وقيل: إنه خاطب رسول الله وأقسم بحياته كرامة له وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: ﴿ مصبحين ﴾ أليس الصبح بقريب؟
وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل.
قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم.
قال بعض المفسرين: إنما قال: ﴿ وأمطرنا عليهم ﴾ وفي سورة هود ﴿ وأمطرنا عليها ﴾ لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم.
وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ للمتفرسين.
وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر ﴿ وإنها ﴾ يعني تلك القرى وآثارها ﴿ لبسبيل مقيم ﴾ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك.
قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم.
وقال في الثانية ﴿ وإنها ﴾ أي القرية ﴿ لبسبيل ﴾ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" { ﴿ خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ .
ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها.
كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها.
والآيكة الشجر الملتف.
والضمير في قوله: ﴿ وإنهما ﴾ يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة.
وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر ﴿ لبإمام مبين ﴾ لبطريق واضح.
قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع.
وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.
ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ وهو واد بين الشأم والمدينة.
وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، ﴿ وآتيناهم ﴾ أي أعطينا رسولهم ﴿ آياتنا ﴾ أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" ﴿ فكانوا عنها ﴾ أي عن النظر فيها والاعتبار بها ﴿ معرضين ﴾ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ﴾ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر.
﴿ فما أغنى عنهم ﴾ لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد.
ولم فرغ من القصص قال: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل.
وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها.
ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟
ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ ﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ كثير الخلق ﴿ العليم ﴾ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك.
وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح.
ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي ما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة.
وذلك أنها سبع آيات.
والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة.
وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها.
وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب.
وأيضاً كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ إياك ﴾ و ﴿ إياك ﴾ ﴿ الصراط ﴾ ﴿ صراط ﴾ ﴿ عليهم ﴾ ﴿ عليهم ﴾ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب.
فقيل: كأنه رأى أنه عطف عليه قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن.
والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل ﴾ أو بالعكس كما في الآية.
والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه.
فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل.
قلنا: يكفي بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ دليلاً على أنه من القرآن.
وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.
وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية.
وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر.
وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" .
قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني.
وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله : ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف.
ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام.
وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً.
قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في ﴿ من المثاني ﴾ للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.
ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا" وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.
فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها.
قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.
وقال في الكشاف: معنى ﴿ لا تمدن ﴾ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ﴿ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة.
وقال الجوهري: الأزواج القرناء.
وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا.
وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟
ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته.
ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله.
فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ لا تمدن ﴾ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه.
ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق.
وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأنه قال قبله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة.
ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾ ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب.
ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار.
فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها.
وفي متعلق قوله: ﴿ كما أنزلنا ﴾ وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا ﴿ على المقتسمين ﴾ ومن هم؟
قيل: أهل الكتاب ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو.
وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة.
ولعن رسول الله العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً.
وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين.
فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما.
ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: { ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ وفي هذا تسلية لرسول الله عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: ﴿ لا تمدن ﴾ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين.
الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ النذير المبين ﴾ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح.
قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله.
يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.
وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه.
قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين.
وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذين جعلوا ﴾ منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين.
ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ﴾ .
والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام.
ثم شجع نبيه قائلاً ﴿ فاصدع ﴾ أي اجهر ﴿ بما تؤمر ﴾ وأظهره وفرق بين الحق والباطل.
وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً.
وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً.
قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير".
وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول.
وقالوا: وما زال النبي مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.
ثم قال: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها.
ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره.
والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم.
والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.
وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر.
وقال جبرائيل لرسول الله : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات.
وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك.
ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين.
عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد.
وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟
قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها.
وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره.
وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه.
التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.
فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب.
وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات ﴿ إلا بالحق ﴾ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات ﴿ وإن الساعة ﴾ يعني قيامة العشق ﴿ لآتية ﴾ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته ﴿ فاصفح ﴾ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.
﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ﴿ العليم ﴾ بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً ﴾ أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ﴿ من المثاني ﴾ أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات.
﴿ والقرآن العظيم ﴾ ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً ﴾ من أهل الدنيا والآخرة ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه ﴿ على المتقسمين ﴾ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم.
﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله ﴿ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ لأنك لست منهم ﴿ وكن من الساجدين ﴾ سجدة الشكر ﴿ واعبد ربك ﴾ بالإخلاص ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
يحتمل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الحق الذي جعل لنفسه على أهلها، والحق الذي لبعض على بعض، والحق: هو اسم كل محمود مختار من القول والفعل، والباطل: اسم كل مذموم من القول والفعل.
قال بعضهم: تأويله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا شهوداً لله بالحق على أهلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: لم يخلقهما لغير شيء؛ ولكن خلقهما للمحنة؛ يمتحنهم بالعبادة فيها، وإلى هذا ذهب الحسن.
وقيل: خلقهما وما بينهما لأمر كائن؛ أي: لعاقبة: للثواب أو الجزاء، لم يخلقهم للفناء خاصة؛ ولكن للعاقبة؛ لأن خلق الشيء للفناء خاصة عبث؛ وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] أخبر أن خلقهم لا للرجوع إليه ولا للعاقبة - عبث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ على الاحتجاج على أولئك لإنكارهم الساعة، لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنه لو لم تكن الساعة حصل خلقهما وما بينهما للفناء خاصة؛ وخلقُ الشيء للفناء خاصةً عبث باطل؛ كبناء البناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد - عبث.
والثاني: أنه يكون في ذلك التسوية بين الأعداء والأولياء، وفي الحكمة التفريق بينهما، وما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [ص: 27] لم يكن ظنهم أنه خلقهما باطلا؛ ولكن لما أنكروا البعث صار في ظنهم خلقهما باطلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ : [أي: أعرض عنهم]، ولا تكافئهم بما آذوك بألسنتهم وفعلهم ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فإني أكافئهم عنك على أذاهم إياك وصنيعهم يومئذ.
والصفح الجميل: هو ما لا نقض فيه ولا منّة في العُرف؛ أي: اصفح الصفح ما يوصف فيه بتمام الأخلاق، ومالا نقض فيه ولا منّة يحتمل الصفح الجميل: هو أن يصفح ولا يمنّ عليهم، كأنه أمره أن يصفح صفحاً لا منّة فيه.
﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فتجزى أنت على صفحك الجميل؛ وهم على أذاك.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه على علم بما يكون منهم من المعصية والخلاف خلقهم، لا خلقهم عن غفلة وجهل بذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق الخلق لحاجة نفسه ولا لمنفعة نفسه، ولكن خلقهم ليمتحنهم بما أمرهم به ونهاهم، ولما يرجع إلى منافعهم وحوائجهم.
والثاني: إن ربك هو الخلاق لخلقه؛ العليم بمصالحهم بأن الصفح الجميل لهم، ذلك أصلح في دينهم من المكافأة.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : المثاني: هو القرآن كله؛ كقوله : ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ ﴾ .
وقيل: سمي مثانياً لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء؛ فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : أي: سبعاً من القرآن العظيم.
ثم يحتمل السبع الطوال؛ على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ كأنه قال: آتيناك سبعاً من القرآن العظيم.
ويحتمل: ﴿ سَبْعاً ﴾ يعني فاتحة الكتاب من القرآن؛ أي: آتيناك فاتحة الكتاب من القرآن.
وقال قوم: يقولون: سبع المثاني: فاتحة الكتاب، ويروون على ذلك حديثاً عن رسول الله مروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : [ "الحمدُ لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبعُ المثاني" وعن أُبَيٍّ قال: قال رسول الله ]: "ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل" ومنهم من يقول: المثاني: القرآن كله؛ يذهب إلى ما ذكرنا من الآية؛ وبما يروى عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور والقرآن مثلُها - يعني أمّ القرآن - وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت" ذكروا أنها سبع من المثاني، فإن كان سبع المثاني فاتحة الكتاب، يصير كأنه قال: ولقد آتيناك سبعاً؛ وهي المثاني، وإن كان سبعاً من المثاني [هي السبع] الطوال يكون هكذا: أي: آتيناك سبعاً؛ وهو المثاني.
وروي أيضاً عن نبي الله وقال: "آتاني السبع الطوال مكان التوراة والمثاني مكان الإنجيل، وفضّلني ربي بالمفصل" ثم إن ثبت ما روي في الخبر أن سبع المثاني فاتحة الكتاب وإلا الكفّ والإمساك عن ذلك أوْلى؛ لأنه لا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، وليس يكون تسميتنا إياها سوى الشهادة، وما خرج مخرج الشهادة - من غير حصول النفع لنا - فالكف عنه والإمساك أولى.
ومنهم من يقول: هنّ المفصّل.
ومن قال: المثاني فاتحةُ الكتاب - قال: لأنها تثنى في كل ركعة أو ما جعل فيها مكررة معادة؛ لأن كل حرف منها يؤدي معنى حرف آخر؛ فسمي مثاني بذلك.
ومن قال: المثاني: هو القرآن؛ قال: لما ذكرنا؛ لأن أمثاله، وأنباءه، وغيره معادة مردّدة.
ومن قال: المثاني السبع الطوال - فقال: لأنه يثني فيها حدود القرآن، وفرائضه، وعامة أحكامه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .
سماه عظيماً، وسماه مجيداً، وحكيماً؛ وهو اسم الفاعلين، ولا عمل له ولا فعل في الحقيقة؛ لكنه يخرج - والله أعلم - على وجوه: يحتمل: سمّاه عظيماً مجيداً؛ لما عظمه وشرفه ومجده، فهو عظيم مجيد حكيم: أي: محكم، الفعيل بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة.
أو سماه بذلك لأن من تمسك به؛ وعمل به؛ يصير عظيماً مجيداً، حكيماً، أو سماه عظيماً مجيداً حكيماً: أي: جاء من عند عظيم هو مجيد حكيم، وأصل الحكيم: هو المصيب، الواضع كلَّ شيء موضعه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .
يحتمل المراد بقوله: ﴿ عَيْنَيْكَ ﴾ نفس العين.
ثم هو يحتمل وجهين: أحدهما: نهى رسوله أن ينظر إلى ما متع أولئك مثل نظرهم؛ لأنهم ظنوا أنهم إنما متعوا هذه الأموال في الدنيا لخطرهم وقدرهم عند الله، وعلى ذلك قالوا: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ وقال: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ...
﴾ الآية [فصلت: 50] ونحوه، ظنوا أنهم إنما متعوا في هذه الدنيا؛ لخطرهم وقدرهم عند الله؛ لذلك قالوا ما قالوا؛ فنهاه أن ينظر إلى ذلك بعين الذين نظروا هم إليه؛ ولكن بالاعتبار.
والثاني: نهاه أن ينظر إلى ذلك نظر الاستكبار والتجبر على المؤمنين، والاستهزاء بهم على ما نظروا هم؛ لأنهم بما متعوا من أنواع المال استكبروا على الناس، واستهزءوا بهم؛ إذ البصر قد يقع [على ما ذكر] من غير تكلف؛ فيصير كأنه نهاه عن الرغبة والاختيار فيما متعوا فيه؛ لأن ما متعوا به هو ما ذكر، ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ فيما متعوا فإنهم إنما متعوا لما ذكر، ويحتمل النهي عن مدّ العين لا العين نفسه ولكن نفسه؛ كأنه قال: لا تمنيّن نفسك فيما متعوا هم ولا ترغبنها في ذلك؛ فإنه ليس يوسع ذلك عليهم لخطرهم وقدرهم؛ ولكن ليعلم أن ليس لذلك خطر عند الله وقدر؛ حيث أعطى من افترى [على الله] وجحد نعمه وفضْله.
وفي الآية تفضيل الفقر على الغنى؛ لأنه نهى رسوله أن يمد عينيه إلى ما متعوا، ومعلوم أن رسول الله إذا مدّ إلى ذلك ليس يمد للدنيا ولا لشهواته؛ ولكن يستعين به في أمر جهاد عدوه، ويعين به أصحابه في سبيل الخيرات، ثم نهاه مع ذلك عنه؛ دلّ أن الأخير والأفضل ما اختاره من الفقر، وقصور ذات يده.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .
أي: أصنافاً من الأموال، وألواناً من النعم.
وقال بعضهم: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي: الأغنياء منهم وأشباهه؛ فإن كان قوله: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ هو أصناف الأموال - فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا منهم أزواجاً.
وإن كان أزواجاً منهم هو أصناف الناس فهو على النظم الذي جرى به التنزيل؛ أي: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به قوماً منهم.
وفي قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلى ﴿ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ولو كان ما متع هؤلاء أصلح لهم في الدين - لم ينه رسوله عن مدّ عينيه إليه، دلّ أنه قد يعطي ما ليس بأصلح في الدين، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ أخبر أنه إنما يملي لهم ليزدادوا إثماً، وهم يقولون: يملي لهم ليزدادوا خيراً.
وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 180] هذه الآيات كلها تنقض عليهم قولهم، وقد ذكرنا هذا في غير موضع فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
يحتمل النهي نفسه نهاه أن يحزن عليهم؛ إشفاقاً عليهم؛ بل أمره أن يغلظ عليهم؛ كقوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: ارفق بهم، ولِنْ عليهم، واشدد على أولئك، واغلظ عليهم؛ وهو ما وصفهم: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أخبر أنهم أهل شدة على الكفار وأهل غلظة، رحماء بينهم، وأهل ذلّة على المؤمنين، وأهل شدة عليهم؛ أي: على الكفار، فعلى ذلك هذا.
ويحتمل أن ليس على النهي؛ ولكن على التخفيف والتسلي، ودفع الحزن عن نفسه؛ لأنه كان يحزن لكفرهم بالله وتركهم الإيمان؛ حتى كادت نفسه تتلف لذلك؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ ﴾ الآية [فاطر: 8] وأمثاله.
ويحتمل أيضاً وجهاً آخر: وهو أنه كان يحزن عليهم، ويضيق صدره؛ لما مكروا به وكادوه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ فإني أكافئهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
يحتمل: أنا النذير على معاصيه، المبين على طاعاته، أو النذير على العصاة من عذاب الله، المبين لأموره ونواهيه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ * ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .
قال الحسن: الكتب كلها قرآن؛ يعني كتب الله اقتسموها وجعلوها عضين؛ أي: فرقوها بالتحريف والتبديل؛ فما وافقهم أخذوه، ومالم يوافقهم غيّروه وبدلوه؛ كقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ونحوه، فذلك اقتسامهم وتعضيتهم على قوله، وكقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ \[المؤمنون: 53\] ونحوه.
وقال بعضهم: اقتسامهم: وهو أن نفراً من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة؛ ليصدّوا الناس عن رسول الله ؛ فيقول طائفة منهم - إذا سئلوا عنه -: هو كاهن، وطائفة أخرى: هو شاعر، ساحر، مجنون، ونحوه.
وعضين: قولهم: هو: سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين، افترى على الله كذباً، وأمثال ما قالوا: فذلك اقتسامهم وعضتهم.
وقال بعضهم: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب الله؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وقال أبو عوسجة: يقال: عضيت الجزور: أي: قسمتها عضواً عضواً.
وقال غيره: هو من العضة: وهو السحر؛ بلسان قريش؛ يقال للساحر عاض.
وقال القتبي: المقتسمون: قوم تحالفوا على عضة النبي ؛ وأن يذيعوا ذلك بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم.
وعضين: أي: فرقوه [وعضوه].
وقيل: فرقوا القول فيه، وهو ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ ﴾ : قيل: قسم أقسم به .
﴿ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : قال بعضهم: الخلائق كلها؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ أخبر أنه يسألهم جميعاً: الرسل عن تبليغ الرسالة، والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : هؤلاء الذين سبق ذكرهم؛ المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين استهزءوا برسول الله وأصحابه؛ يسألهم عن حجج ما فعلوا، والمعنى الذي حملهم على سوء معاملة رسوله وكتابه، لأي: شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى السحر، والكذب، والكهانة، والافتراء على الله؟
لا يسألون ما فعلتم؟
وأي شيء عملتم؛ لأن ذلك يكون مكتوباً في كتبهم؛ يقرءونه؛ كقوله: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ وهو وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة؛ لأنه وعيد مقرون بالقسم، وكل وعيد قرن بالقسم فهو في غاية الشدة؛ إذ لو جاءنا ذلك الوعيد من ملك من ملوك البشر يجب أن يخاف؛ فكيف من ربنا؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: استقم كما تؤمر؛ كقوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ .
فهو في كل ما أمر به.
وقال بعضهم: اصدع: أي: امض بما تؤمر من تبليغ الرسالة.
﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
أي: أعرض عن مكافأتهم؛ ومعناه - والله أعلم - امض على ما تؤمر؛ من تبليغ الرسالة إليهم ولا تخفهم، ولا تهبهم، ولا يمنعنك شيء عن تبليغ الرسالة؛ الخوف، ولا القرابة، ولا شيء من ذلك، ولكن امض على ما تؤمر؛ وهو كما قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ ﴾ وقال: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي: لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم إياهم، ولا قرابتكم التي فيما بينكم، فعلى ذلك قوله: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة، ولا يمنعنك عن ذلك: الخوف، والوعيد، والقرابة التي فيما بينك وبينهم.
وقال القتبي: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: أظهر ذلك، وأصله: الفرق والفتح؛ يريد: اصدع الباطل بحقك؛ حتى يأتيك الموقن به؛ وهو الموت.
وقال أبو عوسجة: اصدع: أي: امض على ما تؤمر، وصدعت: أي: مضيت؛ وذلك من المضي، وأصل هذا كله: الشق، ويقال: تصدعوا: أي: تفرقوا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: أعرض عن مكافأتهم؛ فأنا أكافئهم عنك على ما آذوك.
وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ هو منسوخ بآية السيف؛ لكن على الوجه الذي ذكرنا ليس بمنسوخ، ويحتمل: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ إن كان أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت دون وقت أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يجيبونه ولا يؤمنون به أيئس رسوله عن إيمانهم فقال: أعرض عن هؤلاء ولا تشتغل بهم ولا تدعهم فإنهم لا يؤمنون ولكن ادع قوماً آخرين والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ : الكفرة جميعاً؛ فمنعناهم عن أن يصلوا إليك؛ على ما [قصدوا إليك] من إهلاكك، وغيره؛ كقوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين كانوا على الطرق والمراصد؛ ليصدوا الناس عن سبيل الله؛ على ما ذكر في القصّة؛ العدد الذي ذكر سبعة أو خمسة؛ كفاه الله بأن أهلكهم بما ذكر أهل التأويل: أن الذين استهزءوا به هلكوا جميعاً بعقوبات مختلفة.
وقوله : ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ ﴾ .
قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ ليس على الجعل؛ لأنهم لو جعلوا لكان؛ لأن كل مجعول كائن موجود؛ ولكن قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ : أي: يزعمون أن مع الله إلهاً آخر؛ إما في التسمية أو في العبادة، وكذلك قوله: ﴿ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ هم لا يقدرون على أن يجعلوه عضين، ولكن زعموا أنه كذا؛ لأن الله وكل حفظه إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ أخبر أنه يحفظه حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فلو قدروا على جعله عضين - لكان قد أتى الباطل من بين يديه، دلّ أنه على القول الذي قالوا؛ وهو على المجاز [كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ ، فهو على المجاز] على ما عندهم، إما بحق التسمية لها أنها آلهة، وإما بصرف العبادة إليها، ظاهر هذا أن المستهزئين الذين ذكرهم أنه كفاه عنهم هم الكفرة جميعاً؛ لكن يحتمل في الذين ذكرهم أهل التأويل كانوا على مراصد مكة، أضاف ذلك إليهم ونسب؛ لأنهم هم الذين أمروا غيرهم أن يجعلوا دونه إلهاً؛ فكأنهم فعلوا ذلك، وهم قالوا.
وقوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ ﴾ على إضمار (كان)؛ أي: الذين كانوا يجعلون مع الله إلهاً آخر.
وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر؛ يجعلون على المستقبل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء برسول الله وأصحابه، إذا نزل العذاب بهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ .
وما قالوا؛ من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء به، وأنواع الأذى الذي كان منهم برسول الله ؛ أي: نعلم ذلك، وهو محفوظ عندنا، نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى، والتسلي عن ذلك، وترك المكافأة لهم، والله أعلم.
وكان يضيق صدره؛ مرة لتركهم الإجابة له، ومرة للأذى باللسان.
والثاني: على علم منا بما يكون منهم، ومن ضيق صدرك بذلك، لكن أنشأناهم ومكناهم على علم منا بذلك؛ امتحاناً منا إياك بذلك وإياهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك وكن من الساجدين؛ أي: من المصلين.
وقوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ : هو أمر؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه؛ فلا معنى لذكر الأمر من بعد قوله: ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ إن كان الحمد هو الأمر؛ على ما قال بعض أهل التأويل.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ أي: نزّه الله عن جميع ما قالت الملحدة فيه؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ؛ أي: بثناء ربك؛ أي: نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه، وكن من الساجدين؛ أي: من الخاضعين؛ إذ السجود هو الخضوع.
أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم؛ أي: فسبح ربك مكان ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ ﴾ .
يحتمل التوحيد؛ أي: وحّد ربك، وكذلك قال ابن عباس : كل عبادة ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر، ويحتمل العبادة نفسها؛ يأمره بالعبادة له؛ شكراً له؛ على ما روي في الخبر عن نبي الله : "أنه صلى حتى تورمت ساقاه؛ فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!
فقال: بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً؟!" وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ : أي: ما تيقنت به؛ وهو الموقن به.
وكذلك قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ أي: من يكفر بالمؤمن به فقد حبط عمله؛ لأن الإيمان لا يكفر به، فعلى ذلك اليقين لا يأتيه؛ ولكن يأتيه الموقن به.
وكذلك ما ذكر: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله، وهو المأمور به؛ لأن الصلاة لا تكون أمر الله، لكن بأمر الله، وكذلك ما يجيء من هذا النحو.
ويحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ فيهم؛ وهو ما وعد من العذاب فيهم؛ أي: يتيقنون بذلك والله أعلم.
ودوام على عبادة ربك، واستمرّ عليها ما دمت حيًّا حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك.