الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١١ من سورة البقرة
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١١١ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه ، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها ، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) [ المائدة : 18 ] .
فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم ، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك ، وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة ، ثم ينتقلون إلى الجنة .
ورد عليهم تعالى في ذلك ، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة ، فقال ( تلك أمانيهم ) وقال أبو العالية : أماني تمنوها على الله بغير حق .
وكذا قال قتادة والربيع بن أنس .
ثم قال : ( قل ) أي : يا محمد ، ) هاتوا برهانكم ) وقال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس : حجتكم .
وقال قتادة : بينتكم على ذلك .
( إن كنتم صادقين ) كما تدعونه .
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَقَالُوا } وَقَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى : { لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة } .
فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف جَمَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الْخَبَر مَعَ اخْتِلَاف مَقَالَة الْفَرِيقَيْنِ , وَالْيَهُود تَدْفَع النَّصَارَى عَنْ أَنْ يَكُون لَهَا فِي ثَوَاب اللَّه نَصِيب , وَالنَّصَارَى تَدْفَع الْيَهُود عَنْ مِثْل ذَلِكَ ؟
قِيلَ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي ذَهَبَتْ إلَيْهِ , وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ : وَقَالَتْ الْيَهُود : لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا , وَقَالَتْ النَّصَارَى : لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا النَّصَارَى .
وَلَكِنَّ مَعْنَى الْكَلَام لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا عِنْد الْمُخَاطَبِينَ بِهِ مَعْنَاهُ جُمِعَ الْفَرِيقَانِ فِي الْخَبَر عَنْهُمَا , فَقِيلَ : { قَالُوا لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } الْآيَة , أَيْ قَالَتْ الْيَهُود : لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا , وَقَالَتْ النَّصَارَى : لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا .
وَأَمَّا قَوْله : { مَنْ كَانَ هُودًا } فَإِنَّ فِي الْهُود قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون جَمْع هَائِد , كَمَا جَاءَ عُوط جَمْع عَائِط , وَعُوذ جَمَعَ عَائِذ , وَحُول جَمْع حَائِل , فَيَكُون جَمْعًا لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّث بِلَفْظِ وَاحِد ; وَالْهَائِد : التَّائِب الرَّاجِع إلَى الْحَقّ .
وَالْآخَر أَنْ يَكُون مَصْدَرًا عَنْ الْجَمِيع , كَمَا يُقَال : " رَجُل صَوْم وَقَوْم صَوْم " , و " رَجُل فِطْر وَقَوْم فِطْر وَنِسْوَة فِطْر " .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ قَوْله : { إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا } إنَّمَا هُوَ قَوْله : إلَّا مَنْ كَانَ يَهُودًا ; وَلَكِنَّهُ حَذَفَ الْيَاء الزَّائِدَة , وَرَجَعَ إلَى الْفِعْل مِنْ الْيَهُودِيَّة .
وَقِيلَ : إنَّهُ فِي قِرَاءَة أُبَيٍّ : " إلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا " .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى النَّصَارَى وَلِمَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ وَجُمِعَتْ كَذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته .
تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ وَأَمَّا قَوْله : { تِلْكَ أَمَانِيّهمْ } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ قَوْل الَّذِينَ قَالُوا : { لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } أَنَّهُ أَمَانِيّ مِنْهُمْ يَتَمَنَّوْنَهَا عَلَى اللَّه بِغَيْرِ حَقّ وَلَا حُجَّة وَلَا بُرْهَان وَلَا يَقِين عِلْم بِصِحَّةِ مَا يَدَّعُونَ , وَلَكِنْ بِادِّعَاءِ الْأَبَاطِيل وَأَمَانِيّ النَّفُوس الْكَاذِبَة .
كَمَا : 1492 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { تِلْكَ أَمَانِيّهمْ } أَمَانِيّ يَتَمَنَّوْنَهَا عَلَى اللَّه كَاذِبَة .
1493 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { تِلْكَ أَمَانِيّهمْ } قَالَ : أَمَانِيّ تَمَنَّوْا عَلَى اللَّه بِغَيْرِ الْحَقّ .
قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .
وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُعَاءِ الَّذِينَ { قَالُوا لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } إلَى أَمْر عَدْل بَيْن جَمِيع الْفِرَق مُسْلِمهَا وَيَهُودِهَا وَنَصَارَاهَا , وَهُوَ إقَامَة الْحُجَّة عَلَى دَعْوَاهُمْ الَّتِي ادَّعَوْا مِنْ أَنَّ الْجَنَّة لَا يَدْخُلهَا إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى .
يَقُول اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد قُلْ لِلزَّاعِمِينَ أَنَّ الْجَنَّة لَا يَدْخُلهَا إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى دُون غَيْرهمْ مِنْ سَائِر الْبَشَر : هَاتُوا بُرْهَانكُمْ عَلَى مَا تَزْعُمُونَ مِنْ ذَلِكَ فَنُسَلِّم لَكُمْ دَعْوَاكُمْ إنْ كُنْتُمْ فِي دَعْوَاكُمْ مِنْ أَنَّ الْجَنَّة لَا يَدْخُلهَا إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى مُحِقِّينَ .
وَالْبُرْهَان : هُوَ الْبَيَان وَالْحُجَّة وَالْبَيِّنَة .
كَمَا : 1494 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } هَاتُوا بَيِّنَتكُمْ .
1495 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } هَاتُوا حُجَّتكُمْ .
1496 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } قَالَ : حُجَّتكُمْ .
1497 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } أَيْ حُجَّتكُمْ .
وَهَذَا الْكَلَام وَإِنْ كَانَ ظَاهِره ظَاهِر دُعَاء الْقَائِلِينَ : { لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } إلَى إحْضَار حُجَّة عَلَى دَعْوَاهُمْ مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ بِمَعْنَى تَكْذِيب مِنْ اللَّه لَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ وَقَيْلهمْ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى إحْضَار بُرْهَان عَلَى دَعْوَاهُمْ تِلْكَ أَبَدًا .
وَقَدْ أَبَانَ قَوْله : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن } عَلَى أَنَّ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ الْكَلَام بِمَعْنَى التَّكْذِيب لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ مَا ذَكَرَ اللَّه عَنْهُمْ .
وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } فَإِنَّهُ : أَحْضَرُوا وَأَتَوْا بِهِ .
قوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقينقوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى المعنى : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا .
وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا .
وأجاز الفراء أن يكون هودا بمعنى يهوديا ، حذف منه الزائد ، وأن يكون جمع هائد .
وقال الأخفش سعيد : إلا من كان جعل كان واحدا على لفظ من ، ثم قال هودا فجمع ; لأن معنى من جمع .
ويجوز تلك أمانيهم وتقدم الكلام في هذا ، والحمد لله .قوله تعالى : قل هاتوا برهانكم أصل هاتوا هاتيوا ، حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين ، يقال في الواحد المذكر : هات ، مثل رام ، وفي المؤنث : هاتي ، مثل رامي .
والبرهان : الدليل الذي يوقع اليقين ، وجمعه براهين ، مثل قربان وقرابين ، وسلطان وسلاطين .
قال الطبري : طلب الدليل هنا يقضي إثبات النظر ويرد على من ينفيه .
إن كنتم صادقين يعني في إيمانكم أو في قولكم تدخلون الجنة ، أي بينوا ما قلتم ببرهان ،
قوله: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً} أي يهودياً، قال الفراء: "حذف الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية"، وقال الأخفش : "الهود: جمع هائد، مثل عائد وعود، وحائل وحول".
{أو نصارى} وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً ولا دين إلا دين النصرانية.
وقيل: نزلت في وفد نجران وكانوا نصارى اجتمعوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود فكذب بعضهم.
قال الله تعالى: {تلك أمانيهم} أي شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير الحق.
{قل} يامحمد.
{هاتوا} أصله آتوا.
{برهانكم} حجتكم على ما زعمتم.
{إن كنتم صادقين}.
«وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً» جمع هائد «أو نصارى» قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبي أي قال اليهود لن يدخلها إلا اليهود وقال النصارى لن يدخلها إلا النصارى «تلك» القولة «أمانيهم» شهواتهم الباطلة «قل» لهم «هاتوا برهانكم» حجتكم على ذلك «إن كنتم صادقين» فيه.
ادَّعى كلٌّ من اليهود والنصارى أن الجنة خاصة بطائفته لا يدخلها غيرهم، تلك أوهامهم الفاسدة.
قل لهم -أيها الرسول-: أحضروا دليلكم على صحة ما تدَّعون إن كنتم صادقين في دعواكم.
الضمير في ( قَالُواْ ) يعود على أهل الكتاب من الفريقين .والهود : جمع هائد أي متبع اليهودية وقدمهم القرآن الكريم على النصارى لتقدمهم في الزمان .والمعنى : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان نصرانياً ، إلا أن الآية الكريمة سلكت في طريق الإِخبار عما زعموه مسلك الإِيجاز ، فحكت القولين في جملة واحدة ، وعطفت أحد الفريقين على الآخر بحرف " أو " ثقة بفهم السامع ، وأمنا من اللبس ، لما عرف من التعادي بين الفريقين ، وتضليل كل واحد منهما لصاحبه ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ) أي : قالت اليهود : كونوا هودا تهتدوا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى تهتدوا .ولذا قال الإِمام ابن جرير : " فإن قال قائل : وكيف جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين ، واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب ، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك؟قيل : إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه ، وإنما عني به وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا النصارى ، ولكن معنى الكلام لما كان مفهوماً عند المخاطبين به جمع الفريقان في الخبر عنهما فقيل : ( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى ) .وقوله تعالى : ( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ) جملة معترضة قصد بها بيان أن ما يدعونه من أن الجنة خاصة بهم ، ما هو إلا أماني منهم يتمنونها على الله بغير حق ولا برهان .
سولتها لهم أنفسهم التي استحوذ عليها الشيطان فخدعها بالأباطيل والأكاذيب .واسم الإِشارة ( تِلْكَ ) مشار به إلى ما تضمنه قوله تعالى : ( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى ) وهو يتضمن أماني كثيرة : منها ، أن اليهود أمنيتهم أنه لن يدخل الجنة غيرهم ، والنصارى كذلك أمنيتهم أنهم هم وحدهم أصحاب الجنة ، وكلا الفريقين يعتقد أن المسلمين ليسوا أهلالها ، ولهذا جاء خبر اسم الإِشارة جمعاً فقال تعالى ( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ) .ويرى صاحب الكشاف أنه المشار إليه أمور قد تعددت لفظاً وحكاها القرآن عنهم في قوله ( مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) وفي قوله : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) وفي قوله : ( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى ) ، وعبارته :فإن قلت : لم قيل ( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ) وقولهم لن يدخل الجنة أمنية واحدة؟
قلت : أشير بها إلى الأماني المذكورة وهو إمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً ، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم .أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم .ويرى صاحب الانتصاف : أن المشار إليه واحد وهو قولهم ( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى ) وجمع لإِفادة أن تلك الأمنية قد تمكنت من نفوسهم وأشربتها قلوبهم .
فقال : والجواب القريب أنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية ، ومعاودتهم لها ، وتأكدها في نفوسهم جمعت ليفيد جمعها أنها متأكدة في قلوبهم بالغة منهم كل مبلغ ، والجمع يفيد ذلك ، وإن كان مؤداه واحداً ونظيره قولهم : معي جياع ، فجمعوا الصفة ومؤداها واحد ، لأن موصوفها واحد ، تأكيداً لثبوتها وتمكنها ، وهذا المعني أحد ما روى في قوله تعالى : ( إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) فإنه جمع " قليلا " وقد كان الأصل إفراده فيقال " لشرذمة قليلة " كقوله تعالى ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ) لولا ما قصد إليه من تأكيد القلة بجمعها ، ووجه إفادة الجمع في مثل هذا التأكيد ، أن الجمع يفيد بوضعه الزيادة في الآحاد فنقل إلى تأكيد الواحد ، وإبانته زيادة على نظرائه ، نقلا مجازياً بديعاً فتدبر هذا الفصل فإنه من نفائس صناعة البيان والله المرفق " .ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل على صحة ما يدعون ، فقال تعالى ( قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) .أي قل - يا محمد - لهؤلاء الزاعمين أن الجنة لهم خاصة من دون الناس ، هاتوا حجتكم على خلوص الجنة لكم ، إن كنتم صادقين في دعواكم ، لأنه لما كانت دعواهم الاختصاص بدخول الجنة لا تثبت إلا بوحي من الله وليس المجرد المني ، أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل من كتبهم على صحة دعواهم ، وهذه المطالبة من قبيل التعجيز لأن كتبهم خالية مما يدل على صحتها .قال الإِمام ابن جرير : " وهذا الكلام وإن كان ظاهره دعاء القائلين ( لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى ) إلى إحضار حجة على دعواهم ، فإنه بمعنى التكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم ، لأنهم ليسوا بقادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبداً " .هذا ، ويؤخذ من الآية الكريمة بطلان التقليد في أمور الدين ، وهو قبول قول الغير مجرداً من الدليل ، فلا ينبغي للإِنسان أن يقرر رأياً في الدين إلا أن يسنده إلى دليل ، كما أنه لا يقبل من غيره قولا إلا أن يكون مؤيداً بدليل .أما عدم صحة التقليد في أصول الدين : أي فيما يرجع إلى حقيقة الإِيمان فالأمر فيه جلى ، لأنه يكتفي في إيمان الشخص بأي دليل ينشرح به صدره للإِسلام ، وتحصل له به الطمأنينة ، كأن يستمد إيمانه بالله من التنبيه لحكة الله في إتقان المخلوقات ، أو في رعاية اللطف والرفق بالإِنسان ، ويستمد إيمانه بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستماع إلى القرآن الكريم ، أو من سيرته التي لم يظهر بمثلها أو بما يقرب منها بشر غير رسول ، والقصد أن لا يكون إسلامه لمجرد أنه في بيئة إسلامية أو ولد من أب وأم مسلمين .وأما التقليد في الفروع أي في الأحكام العملية ، فالناس بالنظر إلى القدرة على تمييز الخطأ من الصواب درجات ، فمن له قدرة على فهم الأدلة ومعرفة الراجح من الأحكام ، لا يجوز أن يتلقى الحكم من غيره إلا مقروناً بدليل ، وإن كان قاصراً عن هذه الدرجة أخذ بما يفتيه به العالم المشهود له بالرسوخ في علم الشريعة ، والمعروف بالمحافظة على لباس التقوى ما استطاع " .ثم أبطل القرآن الكريم مدعاهم بطريق آخر وهو إيراد قاعدة كلية رتبت دخول الجنة على الإِيمان والعمل الصالح بلا محاباة لأمة أو لجنس أو لطائفة فقال تعالى :
اعلم أنه تعالى أمر بالعفو والصفح عن اليهود، ثم عقبه بقوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ تنبيهاً على أنه كما ألزمهم لحظ الغير وصلاحه العفو والصفح، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم وصلاحها القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات.
ثم قال بعده: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ ﴾ والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه، فبقي أن المراد وجدان ثوابه وجزائه، ثم قال: ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي أنه لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿ وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
روى أنهم طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟
فنزلت.
وقرئ: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ وما نُنسخ، بضم النون، من أنسخ، أو ننسأها.
وقرئ: ﴿ ننسها ﴾ و ﴿ ننسها ﴾ بالتشديد، و ﴿ تنسها ﴾ ، و ﴿ تنسها ﴾ ، على خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقرأ عبد الله: ﴿ ما ننسك من آية أو ننسخها ﴾ وقرأ حذيفة: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسكها ﴾ .
ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها.
ونسؤها، تأخيرها وإذهابها.
لا إلى بدل.
وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب.
والمعنى أن كل آية يذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معاً، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل ﴿ نَأْتِ ﴾ بآية خير منها للعباد، أي بآية العمل بها أكثر للثواب أو مثلها في ذلك ﴿ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات والارض ﴾ فهو يملك أموركم يدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ.
لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره، وقررهم على ذلك بقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالاً عليهم كقولهم: ﴿ اجعل لَّنَا إلها ﴾ [الأعراف: 138] ، ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ، وغير ذلك ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان ﴾ ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ .
روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلاً، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟
قالوا: شديد.
قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت.
فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.
وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً.
ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: «أصبتما خيراً وأفلحتما» فنزلت.
فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بوَدَّ، على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق؟
وإما أن يتعلق بحسدا، أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل أنفسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة ﴿ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ ﴾ الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ مّنْ خَيْرٍ ﴾ من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما ﴿ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ تجدوا ثوابه عند الله ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ عالم لا يضيع عنده عمل عامل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي أحْبارَهم.
﴿ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ﴾ أنْ يَرُدُّوكُمْ، فَإنَّ لَوْ تَنُوبُ عَنْ أنْ في المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ: ﴿ مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا ﴾ مُرْتَدِّينَ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ﴿ حَسَدًا ﴾ عِلَّةُ ودَّ.
﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِوَدَّ، أيْ تَمَنَّوْا ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ وتَشَهِّيهِمْ، لا مِن قِبَلِ التَّدَيُّنِ والمَيْلِ مَعَ الحَقِّ.
أوْ بِحَسَدًا أيْ حَسَدًا بالِغًا مُنْبَعِثًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ والنُّعُوتِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ.
﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا ﴾ العَفْوُ تَرْكُ عُقُوبَةِ المُذْنِبِ، والصَّفْحُ تُرْكُ تَثْرِيبِهِ.
﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ الَّذِي هو الإذْنُ في قِتالِهِمْ وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الأمْرُ غَيْرُ مُطْلَقٍ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ عَطْفٌ عَلى فاعْفُوا كَأنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ والمُخالَفَةِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ والبِرِّ ﴿ وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ ﴾ كَصَلاةٍ وصَدَقَةٍ.
وقُرِئَ « تُقْدِمُوا» مِن أقْدَمَ ﴿ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ ثَوابَهُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلٌ.
وقُرِئَ بِالياءِ فَيَكُونُ وعِيدًا.
<div class="verse-tafsir"
والضمير في {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى} لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أي وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلفّ بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمناً من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما صاحبه ألا ترى إلى قوله تعالى وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء
وهود جمع هائد كعائد
البقرة (١١١ _ ١١٤)
وعوذ ووحد اسم كان للفظ من جمع الخبر لمعناه {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أشير بها إلى الأمانى المذكورة وهى أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم والأمنية أفعولة من التمني مثل الأضحوكة {قُلْ هَاتُواْ برهانكم} هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة وهات بمنزلة هاء بمعنى أحضر وهو متصل بقولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتلك أمانيهم اعتراض {إِن كُنتُمْ صادقين} في دعواكم
﴿ وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ﴾ عَطْفٌ عَلى (ودَّ) وما بَيْنَهُما أعْنِي ﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا ﴾ إمّا اعْتِراضٌ بِالفاءِ أوْ عَطْفٌ عَلى (ودَّ) أيْضًا، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ بِما سِوى الواوِ جائِزٌ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ لا لِكَثِيرٍ مِنهُمْ، كَما يَتَبادَرُ مِنَ العَطْفِ، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى جَمِيعًا، وكَأنَّ أصْلَ الكَلامِ: قالَتِ اليَهُودُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَتِ النَّصارى لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى، فَلَفَّ بَيْنَ هَذَيْنِ المَقُولَيْنِ، وجُعِلا مَقُولًا واحِدًا اخْتِصارًا، وثِقَةً بِفَهْمِ السّامِعِ أنْ لَيْسَ المَقْصِدَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُ هَذا القَوْلَ المُرَدَّدَ، ولِلْعِلْمِ بِتَضْلِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، بَلِ المَقْصِدُ تَقْسِيمُ القَوْلِ المَذْكُورِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَكَلِمَةُ أوْ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ لِلتَّفْصِيلِ، والتَّقْسِيمِ، لا لِلتَّرْدِيدِ، فَلا غُبارَ، وهُودٌ جَمْعُ هائِدٍ كَعُوذٍ جَمْعِ عائِذٍ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخَفَّفُ يَهُودَ بِحَذْفِ الياءِ، وهو ضَعِيفٌ، وعَلى القَوْلِ بِالجَمْعِيَّةِ يَكُونُ اسْمَ كانَ مُفْرَدًا عائِدًا عَلى (مَن) بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وجُمِعَ الخَبَرُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ خِلافًا لِمَن مَنَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِيامًا وقَرَأ أُبَيٌّ (يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا)، فَحُمِلَ الخَبَرُ والِاسْمُ مَعًا عَلى اللَّفْظِ.
﴿ تِلْكَ أمانِيُّهُمْ ﴾ الأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي ما يُتَمَنّى كالأُضْحُوكَةِ والأُعْجُوبَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وطَلَبِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُمْ، (وتِلْكَ) إشارَةٌ إلى ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ﴾ إلَخْ، وجُمِعَ الخَبَرُ مَعَ أنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أُمْنِيَّةٌ واحِدَةٌ لِيَدُلَّ عَلى تَرَدُّدِ الأُمْنِيَّةِ في نُفُوسِهِمْ، وتَكَرُّرِها فِيها، وقِيلَ: إشْعارًا بِأنَّها بَلَغَتْ كُلَّ مَبْلَغٍ، لِأنَّ الجَمْعَ يُفِيدُ زِيادَةَ الآحادِ، فَيُسْتَعْمَلُ لِمُطْلَقِ الزِّيادَةِ، وهَذا مِن بَدِيعِ المَجازِ ونَفائِسِ البَيانِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا كُلِّهِ، بَلِ الجَمْعُ لِأنَّ (تِلْكَ) مُحْتَوِيَةٌ عَلى أمانِ أنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا اليَهُودُ، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا النَّصارى، وحِرْمانِ المُسْلِمِينَ مِنها، وأيْضًا فَقائِلُهُ مُتَعَدِّدٌ، وهو بِاعْتِبارِ كُلِّ قائِلٍ أُمْنِيَّةٌ، وبِاعْتِبارِ الجَمِيعِ أمانٍ كَثِيرَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها إشارَةً إلى أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهُمْ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أمانِيُّهم تَغْلِيبًا، لِأنَّ الأوَّلَيْنِ مِن قَبِيلِ المُتَمَنَّياتِ حَقِيقَةً، والثّالِثَ دَعْوى باطِلَةٌ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى ما في الآيَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهُمْ، فَإنْ جَعَلَ الأمانِيَّ بِمَعْنى الأكاذِيبِ، فَإطْلاقُ الأُمْنِيَّةِ عَلى دَعْواهم عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى المُتَمَنَّياتِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا بِالمُتَمَنّى في الِاسْتِحالَةِ، ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ، لا سِيَّما أوَّلُهُما، لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ ذُكِرَ فِيها وُدُّهم لِشَيْءٍ، قَدِ انْفَصَلَتْ، وكَمُلَتْ، واسْتَقَلَّتْ في النُّزُولِ، فَيَبْعُدُ جِدًّا أنْ يُشارَ إلَيْها.
﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ أيْ عَلى ما ادَّعَيْتُمُوهُ مِنِ اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَهو مُتَّصِلٌ مَعْنًى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ جَوابٌ لَهُ، لا غَيْرُ، (وهاتُوا) بِمَعْنى أحْضِرُوا، والهاءُ أصْلِيَّةٌ لا بَدَلٌ مِن هَمْزَةِ آتُوا، ولا لِلتَّنْبِيهِ، وهي فِعْلُ أمْرٍ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، أوْ صَوْتٌ بِمَنزِلَةِ ها، وفي مَجِيءِ الماضِي والمُضارِعِ والمَصْدَرِ مِن هَذِهِ المادَّةِ خِلافٌ وأثْبَتَ أبُو حَيّانَ هاتى يُهاتِي مُهاتاةً، والبُرْهانُ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ الدَّعْوى، قِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ البَرَهِ وهُوَ القَطْعُ، فَتَكُونُ النُّونُ زائِدَةً، وقِيلَ: مِنَ البَرْهَنَةِ، وهو البَيانُ، فَتَكُونُ النُّونُ أصْلِيَّةٌ لِفِقْدانِ فَعْلَنَ، ووُجُودِ فَعْلَلَ، ويُبْنى عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ الخِلافُ في بُرْهانٍ إذا سُمِّيَ بِهِ هَلْ يَنْصَرِفُ أوْ لا؟
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ دَعْواهُمُ السّابِقَةُ لا الإيمانُ، ولا الأمانِيُّ كَما قِيلَ، وأفْهَمَ التَّعْلِيقُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البُرْهانِ لِلصّادِقِ لِيُثْبِتَ دَعْواهُ، وعُلِّلَ بِأنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ غَيْرُ ثابِتٍ عِنْدَ الخَصْمِ، فَلا يُعْتَدُّ بِهِ، ولِذا قِيلَ: مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَنعِ التَّقْلِيدِ، فَإنَّ دَلِيلَ المُقَلِّدِ دَلِيلُهُ، كَما لا يَخْفى، وتَفْسِيرُ الصِّدْقِ هُنا بِالصَّلاحِ مِمّا لا يَدْعُو إلَيْهِ سِوى فَسادُ الذِّهْنِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، أي أقروا بالصلاة وأدوها في مواقيتها بركوعها وسجودها وخشوعها، وَآتُوا الزَّكاةَ، أي وأعطوا الزكاة المفروضة وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، أي ما تصدقتم من صدقة وعملتم من العمل الصالح، تجدوه عند الله محفوظاً يجزيكم به.
ونظير هذا ما قال في آية أخرى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آل عمران: 30] ، وقال في آية أخرى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7] .
وروي أنه مكتوب في بعض الكتب: يا بني آدم، ضع كنزك عندي لا سرق ولا حرق ولا فساد، تجده حين تكون أحوج إليه.
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، يعني عالم بأعمالكم يجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً.
<div class="verse-tafsir"
[الصافات: ٥٥] وقال حَسَّانُ بنُ ثابتٍ في رثاء النبيِّ صلّى الله عليه وسلم [الكامل] :
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِه ...
بَعْدَ المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المُلْحَدِ «١»
والسبيلُ: عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله تعالى لعباده.
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)
وقوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ...
الآيةَ: قال ابنُ عَبَّاس: المراد ابنا أَخْطَبَ حُيَيٌّ وأَبُو يَاسِرً، أي: وأتباعهما «٢» ، واختلف في سبب هذه الآيةِ، فقيل: إن حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ «٣» ، وعمّار بن ياسر «٤» أتيا بيت
المِدْرَاس «١» ، فأراد اليهودُ صرْفَهما عن دينهما، فثبتا عليه، ونزلت الآية، وقيل: إن هذه الآية تابعةٌ في المعنى لما تقدَّم من نَهْيِ اللَّه عزَّ وجلَّ عن متابعة أقوال اليهود في: راعِنا [البقرة: ١٠٤] وغيره، وأنهم لا يودُّون أن ينزل على المؤمنين خيْرٌ، ويودُّون أن يردوهم كفاراً من بعد ما تبيَّن لهم الحق، وهو نبوءة محمّد صلّى الله عليه وسلم.
ت: وقد جاءَتْ أحاديث صحيحةٌ في النهيِ عن الحسدِ، فمنْها حديثُ مالكٍ في الموطَّإ عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَاد اللَّهِ إخْوَاناً، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهُجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ» «٢» وأسند أبو عمر بن عبد البَرِّ عن الزُّبَيْر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، حَالِقَتَا الدِّينِ، لاَ حَالِقَتَا الشَّعْرِ» «٣» .
انتهى من «التمهيد» .
والعَفْوُ: تركُ العُقُوبةِ، والصفْح: الإِعراض عن المُذْنِبِ كأنَّه يولي صفحة العُنُق، قال ابنُ عَبَّاس: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [التوبة: ٢٩] الآيةَ إلى قوله: صاغِرُونَ «١» .
وقيل: بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ «٢» [التوبة: ٥] ، وقال قوم: ليس هذا حدَّ المنسوخِ لأن هذا في نفْس الأمر كان التوقيفَ على مدَّته.
ت: وينبغي للمؤمن أَن يتأدَّب بآداب هذه الآية، وفي الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَال: «أَلاَ أَدُلُّكُمْ على مَا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» ؟
قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
«تَحْلُمُ على مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ» خرَّجه النسائيُّ «٣» .
انتهى من «الكوكب الدرِّيِّ» لأبي العبَّاس أحمد بن سعيد التُّجِيبِيِّ.
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: مقتضاه في هذا الموضِعِ: وَعْدٌ للمؤمنين.
وقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ...
الآية: قال الطبريُّ «٤» : إِنما أمر اللَّه المؤمنين هنا بالصَّلاة والزَّكاة ليحطَّ ما تقدَّم من ميلهم إِلى قول اليهودِ: راعِنا [البقرة: ١٠٤] لأنَّ ذلك نَهْيٌ عن نوعه، وقوله: تَجِدُوهُ، أي: تجدوا ثوابه، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» بسنده قال: «جَاءَ رجل من الأنصار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي لاَ أُحِبُّ المَوْتَ؟
فَقَالَ: هَلْ لَكَ مَالٌ؟
قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَدِّمْ مَالَكَ بَيْنَ يديك فإنّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجِدُوهُ ﴾ أيْ: تَجِدُوا ثَوابَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ المُلْكُ: السُلْطانُ، ونُفُوذُ الأمْرِ، والإرادَةِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "لَكُمْ" دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِخِطابِ النَبِيِّ خِطابُ أُمَّتِهِ.
والوَلِيُّ: فَعِيلٌ مِن ولِيَ إذا جاوَرَ ولَصِقَ، فالناصِرُ، والمُعِينُ، والقائِمُ بِالأمْرِ، والحافِظُ، كُلُّهم مُجاوِرٌ بِوَجْهٍ ما، و"النَصِيرُ": فَعِيلٌ مِنَ النَصْرِ، وهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِن ناصَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تُرِيدُونَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: "أمْ" رَدٌّ عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ فَهي مُعادَلَتُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أمِ" اسْتِفْهامٌ مَقْطُوعٌ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: أتُرِيدُونَ؟
وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، قالَ مَكِّيٌّ، وغَيْرُهُ: وهَذا يَضْعُفُ، لِأنَّ "أمْ" لا تَقَعُ بِمَعْنى بَلْ إلّا إذا اعْتَرَضَ المُتَكَلِّمَ شَكٌّ فِيما يُورِدُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَما قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ، لِأنَّ "بَلْ" قَدْ تَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ اللَفْظِ الأوَّلِ لا عن مَعْناهُ، وإنَّما يَلْزَمُ ما قالَ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْ "بَلْ"، وهو الإضْرابُ عَنِ اللَفْظِ والمَعْنى، ونَعَمْ ما قالَ سِيبَوَيْهِ: بَلْ هي لِتَرْكِ كَلامٍ وأخْذٍ في غَيْرِهِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ «قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ لِلنَّبِيِّ : لَيْتَ ذُنُوبَنا جَرَتْ مَجْرى ذُنُوبِ بَنِي إسْرائِيلَ بِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ في الدُنْيا، فَقالَ النَبِيُّ : قَدْ أعْطاكُمُ اللهُ خَيْرًا مِمّا أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ" وتَلا: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ »، فَتَجِيءُ إضافَةُ الرَسُولِ إلى الأُمَّةِ عَلى هَذا حَسَبَ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وحَسَبَ إقْرارِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّ رافِعَ بْنَ حُرَيْمَلَةَ اليَهُودِيَّ سَألَ النَبِيَّ تَفْجِيرَ عُيُونٍ وغَيْرَ ذَلِكَ»، وقِيلَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ سَألُوا النَبِيَّ أنْ يَأْتِيَهم بِاللهِ جَهْرَةً، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِاللهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وقالَ مُجاهِدٌ: سَألُوهُ أنْ يَرُدَّ الصَفا ذَهَبًا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوا ذَلِكَ كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ونَكَصُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَجِيءُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ إضافَةُ الرَسُولِ إلَيْهِمْ حَسَبَ الأمْرِ في نَفْسِهِ لا عَلى إقْرارِهِمْ.
وما سُئِلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو أنْ يَرى اللهَ جَهْرَةً.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وَغَيْرُهُ "سِيلَ" بِكَسْرِ السِينِ وياءٍ، وهي لُغَةٌ يُقالُ: سَلْتُ أسالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن هَمْزٍ أبْدَلَ الهَمْزَةَ ياءً عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ثُمَّ كَسَرَ السِينَ مِن أجْلِ الياءِ.
وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ مَعَ ضَمِّ السِينِ.
وكُنِّيَ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى الكُفْرِ بِالتَبْدِيلِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكُفْرُ هُنا الشِدَّةُ، والإيمانُ الرَخاءُ، وهَذا ضَعِيفٌ، إلّا أنْ يُرِيدَهُما مُسْتَعارَتَيْنِ أيِ الشِدَّةُ عَلى نَفْسِهِ والرَخاءُ لَها عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ والنَعِيمِ.
وأمّا المُتَعارَفُ مِن شِدَّةِ أُمُورِ الدُنْيا ورَخائِها فَلا تُفَسَّرُ الآيَةُ بِهِ.
و"ضَلَّ" أخْطَأ الطَرِيقَ، و"السَواءُ" مِن كُلِّ شَيْءٍ الوَسَطُ والمُعْظَمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ ، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَتَبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سِوائِي"، وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ في رِثاءِ النَبِيِّ عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: يا ويْحَ أنْصارَ النَبِيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المَلْحَدِ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهو عِنْدِي وهم مِنهُ.
و"السَبِيلُ" عِبارَةٌ عَنِ الشَرِيعَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللهُ لِعِبادِهِ، لَمّا كانَتْ كالسَبَبِ إلى نَيْلِ رَحْمَتِهِ كانَتْ كالسَبِيلِ إلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ ، كَثِيرٌ: مُرْتَفِعٌ بـ "وَدَّ"، وهو نَعْتٌ لِنَكِرَةٍ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ النَكِرَةِ قَلِيلٌ، ولَكِنْ جازَ هُنا لِأنَّها صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ تَرْفَعُ الإشْكالَ، بِمَنزِلَةِ فَرِيقٍ.
قالَ الزُهْرِيُّ: عَنى بِـ "كَثِيرٌ" واحِدٌ، وهو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهَذا تَحامُلٌ، وقَوْلُهُ: "يَرُدُّونَكُمْ" يَرُدُّ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ ابْنا أخْطُبَ: حُيَيُّ وأبُو ياسِرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي الضِمْنِ الأتْباعُ فَتَجِيءُ العِبارَةُ مُتَمَكِّنَةً.
و"الكِتابُ" هُنا التَوْراةُ.
و"لَوَ" هُنا بِمَنزِلَةِ "أنْ" لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، وقِيلَ: يَتَقَدَّرُ جَوابُها في "وَدَّ"، التَقْدِيرُ: لَوْ يَرُدُّونَكم لَوَدُّوا ذَلِكَ، فَـ "وَدَّ" دالَّةٌ عَلى الجَوابِ، لَأنَّ مَن شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عن "لَوَ"، و"كُفّارًا" مَفْعُولٌ ثانٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا.
و"حَسَدًا" مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
واخْتَلَفَ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ فَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بـِ "وَدَّ"، لِأنَّهُ بِمَعْنى ودُّوا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ "حَسَدًا"، فالوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: "كُفّارًا"، والمَعْنى عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ: أنَّهم لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ في كِتابٍ، ولا أمَرُوا بِهِ، فَهو مِن تِلْقائِهِمْ.
ولَفْظَةُ الحَسَدِ تُعْطِي هَذا، فَجاءَ ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ تَأْكِيدًا وإلْزامًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ﴾ و ﴿ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ ، و ﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ ، وقِيلَ: فَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: "يَرُدُّونَكُمْ"، فالمَعْنى: أنَّهم ودُّوا الرَدَّ بِزِيادَةِ أنْ يَكُونَ مِن تِلْقائِهِمْ، أيْ بِإغْوائِهِمْ وتَزْيِينِهِمْ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ أتَيا بَيْتَ المَدارِسِ، فَأرادَ اليَهُودُ صَرْفَهم عن دِينِهِمْ فَثَبَتا عَلَيْهِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّما هَذِهِ الآيَةُ تابِعَةٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ مِن نَهْيِ اللهِ عن مُتابَعَةِ أقْوالِ اليَهُودِ في "راعِنا" وغَيْرِهِ، وأنَّهم لا يَوَدُّونَ أنْ يَنْزِلَ خَيْرٌ، ويَوَدُّونَ أنْ يَرُدُّوا المُؤْمِنِينَ كُفّارًا.
و"الحَقُّ" المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ، وصِحَّةُ ما المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الظَواهِرِ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا، واخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في جَوازِ ذَلِكَ، والصَحِيحُ عِنْدِي جَوازُهُ عَقْلًا وبَعْدَهُ وُقُوعًا، ويَتَرَتَّبُ في كُلِّ آيَةٍ تَقْتَضِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ تُسْلَبُ في ثانِي حالٍ مِنَ العِنادِ.
والعَفْوُ: تَرْكُ العُقُوبَةِ وهو مِن عِفَّتِ الآثارِ، والصَفْحُ: الإعْراضُ عَنِ المُذْنِبِ كَأنَّهُ يُوَلِّي صَفْحَةَ العُنُقِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: "صاغِرُونَ".
وقِيلَ بِقَوْلِهِ: ( اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ) وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ هَذا حَدُّ المَنسُوخِ لِأنَّ هَذا في نَفْسِ الأمْرِ كانَ التَوْقِيفُ عَلى مُدَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى مَن يَجْعَلُ الأمْرَ المُنْتَظَرَ أوامِرَ الشَرْعِ، أو قَتْلَ قُرَيْظَةَ وإجْلاءَ النَضِيرِ، وأمْرَ مَن يَجْعَلُهُ آجالَ بَنِي آدَمَ فَيَتَرَتَّبُ النَسْخُ في هَذِهِ الآيَةِ بِعَيْنِها لِأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ أنَّ آياتِ المُوادَعَةِ المُطْلَقَةِ قَدْ نُسِخَتْ كُلُّها، والنَسْخُ هو مَجِيءُ الأمْرِ في هَذِهِ المُقَيَّدَةِ، وقِيلَ: مَجِيءُ الأمْرِ هو فَرْضُ القِتالِ، وقِيلَ: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَضِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، لِأنَّ كُلَّ آيَةٍ فِيها تَرْكُ القِتالِ فَهي مَكِّيَّةٌ مَنسُوخَةٌ، وحُكْمُهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ مُعانَداتِ اليَهُودِ إنَّما كانَتْ بِالمَدِينَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مُقْتَضاهُ في هَذا المَوْضُوعِ وعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
مناسبته لما قبله أن ما تقدم إخبار عن حسد أهل الكتاب وخاصة اليهود منهم، وآخرتها شبهة النسخ، فجيء في هذه الآية بتصريح بمفهوم قوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ [البقرة: 105] الآية لأنهم إذا لم يودوا مجيء هذا الدين الذي اتبعه المسلمون فهم يودون بقاء من أسلم على كفره ويودون أن يرجع بعد إسلامه إلى الكفر.
وقد استطرد بينه وبين الآية السابقة بقوله: ﴿ ما ننسخ ﴾ [البقرة: 106] الآيات للوجوه المتقدمة، فلأجل ذلك فصلت هاته الجملة لكونها من الجملة التي قبلها بمنزلة البيان إذ هي بيان لمنطوقها ولمفهومها.
وفي «تفسير ابن عطية» و«الكشاف» و«أسباب النزول» للواحدي أن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس وفيه فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس وغيرهما من اليهود فقالوا لحذيفة وعمار: «ألم تروا ما أصابكم يوم أحد ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير ونحن أهدى منكم» فردا عليهم وثبتا على الإسلام.
والود تقدم في الآية السالفة.
وإنما أسند هذا الحكم أي الكثير منهم وقد أسند قوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ [البقرة: 105] إلى جميعهم لأن تمنيهم أن لا ينزل دين إلى المسلمين يستلزم تمنيهم أن يتبع المشركون دين اليهود أو النصارى حتى يعم ذلك الدين جميع بلاد العرب فلما جاء الإسلام شرقت لذلك صدورهم جميعاً فأما علماؤهم وأحبارهم فخابوا وعلموا أن ما صار إليه المسلمون خير مما كانوا عليه من الإشراك لأنهم صاروا إلى توحيد الله والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه وفي ذلك إيمان بموسى وعيسى وإن لم يتبعوا ديننا، فهم لا يودون رجوع المسلمين إلى الشرك القديم لأن في مودة ذلك تمني الكفر وهو رضي به.
وأما عامة اليهود وجهلتهم فقد بلغ بهم الحسد والغيظ إلى مودة أن يرجع المسلمون إلى الشرك ولا يبقوا على هذه الحالة الحسنة الموافقة لدين موسى في معظمه نكاية بالمسلمين وبالنبيء صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ [النساء: 51] وفي هذا المعنى المكتنز ما يدلكم على وجه التعبير بِ ﴿ يردونكم ﴾ دون لو كفرتم ليشار إلى أن ودادتهم أن يرجع المسلمون إلى الشرك لأن الرد إنما يكون إلى أمر سابق ولو قيل لو كفرتم لكان فيه بعض العذر لأهل الكتاب لاحتماله أنهم يودون مصير المسلمين إلى اليهودية.
وبه يظهر وجه مجيء ﴿ كفاراً ﴾ معمولاً لمعمول ﴿ ود كثير ﴾ ليشار إلى أنهم ودوا أن يرجع المسلمون كفاراً بالله أي كفارا كفراً متفقاً عليه حتى عند أهل الكتاب وهو الإشراك فليس ذلك من التعبير عن ما صْدق ما ودوه بل هو من التعبير عن مفهوم ما ودوه، وبه يظهر أيضاً وجه قوله تعالى: ﴿ من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ فإنه تبيُّنُ أن ما عليه المسلمون حق من جهة التوحيد والإيمان بالرسل بخلاف الشرك، أو من بعد ما تبين لهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم إذا كان المراد بالكثير منهم خاصة علمائهم والله مطلع عليهم.
و ﴿ لو ﴾ هنا بمعنى أن المصدرية ولذلك يؤول ما بعدها بمصدر.
و ﴿ حسداً ﴾ حال من ضمير ﴿ وَدَّ ﴾ أي إن هذا الود لا سبب له إلا الحسد لا الرغبة في الكفر.
وقوله: ﴿ من عند أنفسهم ﴾ جيء فيه بمن الابتدائية للإشارة إلى تأصل هذا الحسد فيهم وصدوره عن نفوسهم.
وأُكد ذلك بكلمة (عند) الدالةِ على الاستقرار ليزداد بيانُ تمكنه وهو متعلق بحسداً لا بقوله: ﴿ ود ﴾ .
وإنّما أمر المسلمون بالعفو والصفح عنهم في هذا الموضع خاصة لأن ما حكى عن أهل الكتاب هنا مما يثير غضب المسلمين لشدة كراهيتهم للكفر قال تعالى: ﴿ وكره إليكم الكفر ﴾ [الحجرات: 7] فلا جرم أن كان من يود لهم ذلك يعدونه أكبر أعدائهم فلما كان هذا الخبر مثيراً للغضب خيف أن يفتكوا باليهود وذلك ما لا يريده الله منهم لأن الله أراد منهم أن يكونوا مستودع عفو وحلم حتى يكونوا قدوة في الفضائل.
والعفو ترك عقوبة المذنب.
والصفح بفتح الصاد مصدر صفح صفحاً إذا أعرض لأن الإنسان إذا أعرض عن شيءٍ ولاه من صفحة وجهه، وصفح وجهه أي جانبه وعرضه وهو مجاز في عدم مواجهته بذكر ذلك الذنب أي عدم لومه وتثريبه عليه وهو أبلغ من العفو كما نقل عن الراغب ولذلك عطف الأمر به على الأمر بالعفو لأن الأمر بالعفو لا يستلزمه ولم يستغن باصفحوا لقصد التدريج في أمرهم بما قد يخالف ما تميل إليه أنفسهم من الانتقام تلطفاً من الله مع المسلمين في حملهم على مكارم الأخلاق.
وقوله: ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ أي حتى يجيء ما فيه شفاء غليلكم قيل هو إجلاء بني النضير وقتل قريظة، وقيل الأمر بقتال الكتابيين أو ضرب الجزية.
والظاهر أنه غاية مبهمة للعفو والصفح تطميناً لخواطر المأمورين حتى لا ييأسوا من ذهاب أذى المجرمين لهم بطلاً وهذا أسلوب مسلوك في حمل الشخص على شيء لا يلائمه كقول الناس حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً فإذا جاء أمر الله بترك العفو انتهت الغاية، ومن ذلك إجلاء بني النضير.
ولعل في قوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تعليماً للمسلمين فضيلة العفو أي فإن الله قدير على كل شيء وهو يعفو ويصفح وفي الحديث الصحيح «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل يدعون له نداً وهو يرزقهم» ، أو أراد أنه على كل شيء قدير فلو شاء لأهلكهم الآن ولكنه لحكمته أمركم بالعفو عنهم وكل ذلك يرجع إلى الائتساء بصنع الله تعالى وقد قيل: إن الحكمة كلها هي التشبه بالخالق بقدر الطاقة البشرية.
فجملة ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تذييل مسوق مساق التعليل، وجملة ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ إلى قوله: ﴿ وقالوا لن يدخل ﴾ [البقرة: 111] تفريع مع اعتراض فإن الجملة المعترضة هي الواقعة بين جملتين شديدتي الاتصال من حيث الغرض المسوق له الكلام والاعتراض هو مجيء ما لم يسق غرض الكلام له ولكن للكلام والغرض به علاقة وتكميلاً وقد جاء التفريع بالفاء هنا في معنى تفريع الكلام على الكلام لا تفريع معنى المدلول على المدلول لأن معنى العفو لا يتفرع عن ود أهل الكتاب ولكن الأمر به تفرع عن ذكر هذا الود الذي هو أذى وتجيء الجملة المعترضة بالواو وبالفاء بأن يكون المعطوف اعتراضاً.
وقد جوزه صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ في سورة النحل (43)، وجوزه ابن هشام في «مغني اللبيب» واحتج له بقوله تعالى: ﴿ فالله أولى بهما ﴾ [النساء: 135] على قول ونقل بعض تلامذة الزمخشري أنه سئل عن قوله تعالى في سورة عبس (11 13) ﴿ إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة ﴾ أنه قال لا يصح أن تكون جملة ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ اعتراضاً لأن الاعتراض لا يكون مع الفاء ورده صاحب «الكشاف» بأنه لا يصح عنه لمنافاته كلامه في آية سورة النحل.
وقوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أريد به الأمر بالثبات على الإسلام فإن الصلاة والزكاة ركناه فالأمر بهما يستلزم الأمر بالدوام على ما أنتم عليه على طريق الكناية.
وقوله: ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾ مناسب للأمر بالثبات على الإسلام وللأمر بالعفو والصفح.
وفيه تعريض باليهود بأنهم لا يقدرون قدر عفوكم وصفحكم ولكنه لا يضيع عند الله ولذلك اقتصر على قوله: ﴿ عند الله ﴾ قال الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوائزه *** لا يذهب العرف بين الله والناس وقوله تعالى: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ تذييل لما قبله.
والبصير العليم كما تقدم، وهو كناية عن عدم إضاعة جزاء المحسن والمسيء لأن العليم القدير إذا علم شيئاً فهو يرتب عليه ما يناسبه إذ لا يذهله جهل ولا يعوزه عجز، وفي هذا وعد لهم يتضمن وعيداً لغيرهم لأنه إذا كان بصيراً بما يعمل المسلمون كان بصيراً بما يعمل غيرهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها، ما رُوِيَ أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ، مِنهم فِنْحاصُ، وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا إلى دِينِهِما، وقالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا، فَقالَ لَهم عَمّارٌ: وكَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ عِنْدَكُمْ؟
قالُوا: شَدِيدٌ، قالَ عَمّارٌ: فَإنِّي عاهَدْتُ رَبِّي ألّا أكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ أبَدًا، ولا أتَّبِعَ دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا عَمّارٌ فَقَدْ صَبَأ وضَلَّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، فَكَيْفَ أنْتَ يا حُذَيْفَةُ؟
فَقالَ حُذَيْفَةُ: اللَّهُ رَبِّي، ومُحَمَّدٌ نَبِيِّي، والقُرْآنُ إمامِي، أُطِيعُ رَبِّي، وأقْتَدِي بِرَسُولِي، وأعْمَلُ بِكِتابِ رَبِّي.
فَقالا: وإلَهِ مُوسى، لَقَدْ أُشْرِبَتْ قُلُوبُكُما حُبَّ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ.
﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لِلْيَهُودِ، أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ صادِقٌ، وأنَّ الإسْلامَ دِينُ حَقٍّ.
﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فاعْفُوا، أيِ اتْرُكُوا اليَهُودَ، واصْفَحُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ يَعْنِي ما أذِنَ بِهِ في (بَنِي قُرَيْظَةَ)، مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، وفي (بَنِي النَّضِيرِ) مِنَ الجَلاءِ والنَّفْيِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، أو فجر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ إلى قوله: ﴿ سواء السبيل ﴾ وكان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد اليهود حسداً للعرب إذ خصهم الله برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإِسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: قال رجل «يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعطيتم خير، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة، وقد أعطاكم الله خيراً من ذلك قال: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ [ النساء: 110] الآية، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن.
فأنزل الله: ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم...
﴾ الآية.» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال: سألت العرب محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة، فنزلت هذه الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: «سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً.
فقال: نعم، وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، فأبوا ورجعوا.
فأنزل الله: ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ﴾ أن يريهم الله جهرة» .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإِيمان ﴾ يقول: يتبدل الشدة بالرخاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فقد ضل سواء السبيل ﴾ قال: عدل عن السبيل.
وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن كعب بن مالك قال: «كان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، ففيهم أنزل الله: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾ [ آل عمران: 186] الآية.
وفيهم أنزل الله: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً ﴾ الآيه» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن أسامة بن زيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾ [ آل عمران: 186] وقال: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري وقتادة في قوله: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب ﴾ قالا: كعب بن الأشرف.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ حسداً من عند أنفسهم ﴾ قال: من قبل أنفسهم ﴿ من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ يقول: يتبين لهم أن محمداً رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ من بعد تبين لهم الحق ﴾ قال: من بعد ما تبين لهم أن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل نعته وأمره ونبوته، ومن بعد ما تبين لهم أن الإِسلام دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ قال: أمر الله نبيه أن يعفو عنهم ويصفح حتى يأتي الله بأمره، فأنزل الله في براءة وأمره فقال: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ [ التوبة: 29] الآية.
فنسختها هذه الآية، وأمره الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ وقوله: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ [ الأنعام: 106] ونحو هذا في العفو عن المشركين قال: نسخ ذلك كله بقوله: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ [ التوبة: 29] وقوله: ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج ابن جرير والنحاس في تاريخه عن السدي في قوله: ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ قال: هي منسوخه نسختها ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ [ التوبة: 29] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير ﴾ يعني من الأعمال من الخير في الدنيا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ تجدوه عند الله ﴾ قال: تجدوا ثوابه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ المعنى: أن اليهود قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، والنصارى قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولكنهم أُجملوا، وضم النصارى إلى اليهود في قوله: ﴿ وَقَالُوا ﴾ ؛ لأن الفريقين يُقِرَّانِ بالتوراة (١) أمَنْ يهجُو رسولَ اللهِ منكمْ ...
ويمدحُه وينصرُه سواءُ (٢) تقديره: ومن يمدحه وينصره، إلا أنه لما كان اللفظ واحدًا جُمع مع الأول، يعنى إلى أصل الفعل، وصار كأنه إخبار عن جملة واحدة، وإنما حقيقته عن بعضين مختلفين.
وقوله: ﴿ هُودًا ﴾ قال الفراء: أراد: يهودًا، فحذف الياء الزائدة، ورجع إلى الفعل من اليهودية، وقد يكون أن تجعل الهود جمعًا، واحده هائد، مثل حائل (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا ﴾ ، أي: دخلوا في اليهودية، وقد مرَّ هذا.
وقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ أي: التي تمنّوْها على الله باطلًا، وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿ إِلَا أَمَانىِّ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ هَاتُوا ﴾ قيل: إن الهاء فيه أصلية، وهو من المُهَاتَاة.
وقيل: إنه بدل عن الألف، من آتى، ولكن العرب قد أَمَاتَتْ كلَّ شيء من فعلها غير الأمر، فإذا أمرت رجلًا أن يعطيك شيئا قلتَ: هاتِ (٩) ثعلب عن ابن الأعرابي: هاتِ وهاتِيَا، وهاتوا: أي: قَرِّبُوا قال (١٠) ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: قَرِّبُوا، قال: ومن العرب من يقول: هاتِ: أعط (١١) و (البرهان): الحُجَّةُ، قال الأزهريُّ: والنون فيه ليست بأصلية، وقولهم: بَرْهَنَ فلانٌ، إذا جاء بِبُرهانٍ، مُوَلَّدٌ، والصوابُ أن يقال في معناه: أَبْرَهَ.
كذلك قال ابن الأعرابي [[عبارة "تهذيب اللغة" بتمامها 1/ 322: كما قاله ابن الأعرابي [إن صح عنه == وهي في رواية أبي عمرو، ويجوز أن تكون النون في البُرهان نون جمعٍ على فُعْلان، ثم جعلت كالنون الأصلية، كما جمعوا مُصَادًا على مُصْدَانٍ، ومصيرًا على مصرانٍ، ثم جمعوا: مُصران على مَصَارين، على توهم أنها أصلية] ..]].
أَبْرَهَ الرجلُ إذا غلبَ الناسَ وأتى بالعجائب (١٢) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 194.
(٢) البيت لحسان في "ديوانه" ص 8، وينظر: "السيرة النبوية" 4/ 46، "تذكرة النحاة" ص 70، "الخزانة" 9/ 232، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 353، "البحر المحيط" 1/ 640.
(٣) في (ش): (حائل إلى أصل الفعل).
(٤) حائل: ناقة حائل: حمل عليها فلم تَلْقَح، أو التي لم تَلْقح سنة أو سنوات، وجمعها: حُول وحِيال وحُوَّل وحُولَل.
القاموس ص 989.
عائط: عاطت الناقة والمرأة: لم تحمل سنين من غير عُقْرٍ فهي عائط، وجمعها: عُوط وعِيْط وعُيَّط وعُوطَط، وعِيطات.
"لسان العرب" 5/ 3172.
(٥) كذا أورده الفراء في "معاني القرآن" 1/ 73، وعنه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 207، وينظر مثله في: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 151، "تفسير الطبري" 1/ 491 - 492، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 194.
(٦) بازل: هو الجمل أو الناقة إذا بلغ التاسعة من سنينه، وليس بعده سِنٌّ تسمى جمعه: بُزْل، وبُزَّل، وبَوَازل.
(٧) "تفسير الطبري" 1/ 492، "اللسان" (مادة: هود) 8/ 4718.
(٨) نقله في "تهذيب اللغة" 4/ 3689.
(٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3816، ولفظه: كل شيء من فعلها غير الأمر بهات.
وينظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 1/ 449.
"اللسان" 8/ 4732 (هيت).
(١٠) ساقطة من (ش) و (م).
(١١) في (أ) و (م): (اعطى).
(١٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 322 وليس عنده: أبْرَةَ الرجل إذا غلبَ الناسَ وأتى بالعجائب.
وبنحوه في "اللسان" لابن منظور نقلًا عن الأزهري 1/ 271.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ ﴾ أي تطلبوا الآيات، ويحتمل السؤال عن العلم، والأوّل أرجح لما بعده، فإنه شبهه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم لهم: ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ أي تمنوا، ونزلت الآية في حيي بن أخطب وأمية بن ياسر، وأشباههما من اليهود، الذين كانوا يحرصون على فتنة المسلمين، ويطمعون أن يردّوهم عن الإسلام ﴿ حَسَداً ﴾ مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والعامل في ما قبله، فيجب وصله معه، وقيل: هو مصدر، والعامل فيه محذوف تقديره: يحسدونكم حسداً، فعلى هذا يوقف على ما قبله، والأوّل أظهر وأرجح ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يتعلق بحسداً، وقيل: بيودّ ﴿ فاعفوا ﴾ منسوخ بالسيف ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ يعني إباحة قتالهم أو وصول آجالهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما ننسخ ﴾ بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان ﴿ ننسأها ﴾ مهموزاً: ابن كثير وأبو عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء ﴿ نأت بخير ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن يهمز كل ما كان نسقاً أي عطفاً على المجزوم أو جواباً للمجزوم كل القرآن مثل قوله عز وجل ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ وقوله ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وأشباه ذلك ﴿ فقد ضل ﴾ بالإظهار: حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء حيث وقعتا مثل قوله : ﴿ فقد ظلم ﴾ ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ وأشباه ذلك.
الوقوف: ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ أليم ﴾ (ه) ﴿ من ربكم ﴾ (ط) ﴿ من يشاء ﴾ (ط) ﴿ العظيم ﴾ (ه) ﴿ أو مثلها ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) ﴿ ولا نصير ﴾ (ه) ربع الجزء ﴿ ومن قبل ﴾ (ط) ﴿ السبيل ﴾ (ه).
التفسير: لما شرح الله قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق المعاصرين لرسول الله وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.
قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بـ "يا أيها المساكين" فكأنه لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخراً حيث قال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أوّلاً فإنه يعطيهم الأمان من العذاب آخراً ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ﴾ ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل على أنه يقرّبهم منه في دار السلام.
وقيل: آمنوا على الغيبة نظراً إلى المظهر وهو "الذين" ولو قيل آمنتم نظراً إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية.
فلا يبعد أن يمنع الله من قول ﴿ راعنا ﴾ ويأذن في قول ﴿ انظرنا ﴾ وإن كانا مترادفين.
ولكن جمهور المفسرين على أنه إنما منع من قول ﴿ راعنا ﴾ لاشتماله على مفسدة.
ثم ذكروا وجوهاً منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها "اسمع لا سمعت" كما صرح بذلك في سورة النساء ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ﴾ فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون "راعنا" افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي ﴿ انظرنا ﴾ .
روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟
فنزلت، ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود كانوا يقولون "راعينا" أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه.
وقيل: إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة، تدل علىالمساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ وقيل: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في ﴿ انظرنا ﴾ إلا سؤال الانتظار.
وقيل: إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم "عائذاً بك" أي أعوذ عياذاً.
فقولهم ﴿ راعنا ﴾ أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولاً راعناً أي منسوباً إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن ﴿ راعناً ﴾ بالتنوين.
وانظرنا من نظره إذا انتظره ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ أمرهم الله أن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا.
وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصاً منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك.
وقيل: انظرنا معناه انظر إلينا مثل ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أي من قومه.
والغرض أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى.
وفي قراءة أبيّ ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه.
﴿ واسمعوا ﴾ معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله وسبوه عذاب أليم قوله ﴿ ما يود ﴾ الآية.
"من" الأولى للبيان، لأن ﴿ الذين كفروا ﴾ جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون.
كقوله ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴾ "ولا" مزيدة لتأكيد النفي وقرئ ﴿ ولا المشركون ﴾ والثانية مزيدة لاستغراق الخير فـ ﴿ أن ينزل ﴾ في سياق النفي: فمعنى ما يود أن ينزل يود أن لا ينزل.
والثالثة لابتداء الغاية، والخير الوحي وكذلك الرحمة ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة.
﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله ﴿ إن فضله كان عليك كبيراً ﴾ .
قوله عز من قائل ﴿ وما ننسخ من آية ﴾ نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم الله في الإسلام.
روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً فنزلت.
وفي الآية مسائل: الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته.
والنقل أيضاً وهو أ ن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم.
فقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس.
وفي الاصطلاح: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع بضده رافعاً لإباحته فإنه لا يسمى نسخاً إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضاً الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضاً بخلاف الرفع بنحو "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإنه لا مجال للعقل فيه.
ويخرج الرفع بنحو "صم إلى آخر الشهر" فإن "إلى" أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخاً لأنه ليس متأخراً، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك.
ونحو "صم إلى كذا" وأمثاله من أنواع التخصيص متصلاً كان أو منفصلاً، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام.
ونعني بالحكم ههنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلاً عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث.
وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟
وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعدما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع.
وأيضاً نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولاً وهو المعنى بالرفع، ويحسن أيضاً أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، فيخرج بقولنا "شرعي" بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و"بطريق شرعي" يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله.
وقولنا "متراخ" ليخرج التخصيص بالغاية.
ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم الله ، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق بياناً لذلك.
المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلاً وعلى الوقوع شرعاً، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز.
لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ.
وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد ، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله.
ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخاً.
حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر "هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السموات والأرض" وأيضاً إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله ، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا يستتبع غاية.
والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى ، ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحاً عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم.
وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئاً فشيئاً بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود إليه بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات.
فالظهور والخفاء والسابق واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.
والحاصل أن كل حكم فله غاية في علم الله ، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما بالإضافة إليه فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور متقدماً أحدهما ومتأخراً الآخر.
وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطراً بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر.
المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية أعني ما ننسخ من آية.
وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه الآية.
وأيضاً لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب.
وأيضاً إن ما ههنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه وثانيها: الاعتداد بالحول في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول ﴾ نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ أجاب أبو مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا نسخاً.
ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلاً بالكلية.
وثالثها: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾ منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون عن المؤمنين.
ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقاً وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق غير علي ، وبدليل ﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ﴾ ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في قوله ﴿ فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ﴾ وخامسها: تحويل القبلة.
قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر.
ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء.
وسادسها: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ﴾ والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم.
وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها تدل على وقوع النسخ في الجملة.
حجة أبي مسلم ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضاً نسخة بالنسبة إلى المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآناً عربياً.
المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، أو الحكم والتلاوة معاً كما روي عن عائشة "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ثم نسخن بخمس" فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم.
ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان.
ولنرجع إلى تفسير الآية ﴿ ما ننسخ ﴾ محمول على نسخ الحكم وإزالته دون التلاوة، أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعاً.
وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فتصير بهذا الوجه منسية من الصدور أو يكون ذلك معجزة له كما يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها.
قال عز من قائل ﴿ سنقرئك فلا تنسى.
إلا ما شاء الله ﴾ وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل.
وقيل: ما ننسخ من آية أي نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك.
وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.
ولا يخفى أن قوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي.
ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر.
وقد عرفت أنه يمكن حملها على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ ومعنى ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إن حملنا الآية على ما يتضمن حكماً على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته.
فالثاني خير بالنسبة إلى وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثواباً من العمل بالأول أو مساوٍ له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ثواباً، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح.
قال أهل الإشارة أراد بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبداً ناضر، ونجم وصالهم دائماً زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم مكانها أشياء من أقمار الربوبية.
وأيضاً إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها.
ثم الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل لقوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا.
سلمنا لكنه مخصوص بنسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل.
سلمنا عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيراً للمكلف لمصلحة علمت.
الثانية: زعم قوم أن النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.
وردّ الجمهور عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل "أجرك على قدر نصبك" وأيضاً قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتماً، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد.
وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها.
وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.
الثالثة: عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ وذلك يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان "ما آخذ منك من ثوب آتك بخير منه" يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن.
وأيضاً ﴿ نأت ﴾ يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول.
وأيضاً المأتي به خير والسنة لا تكون خيراً من القرآن.
وأيضاً قوله ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ دل على أن الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله .
وأجيب بأن قوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بذلك الخير لزم الدور.
قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها.
ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله "ألا لا وصية لوارث" وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم.
أجاب الشافعي: بأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله "الشيخ والشيخة" الخ.
﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ.
والخطاب في ﴿ ألم تعلم ﴾ إما للنبي فتدخل الأمة تبعاً، أو لكل من له أهلية الخطاب.
ومعنى الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه.
وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان.
والولي ضد العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير.
والواو في ﴿ وما لكم ﴾ يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف على ﴿ له ملك السموات ﴾ فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله ﴿ من دون الله ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على ﴿ والأرض ﴾ .
﴿ أم تريدون ﴾ قيل: الخطاب للمسلمين لقوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ وهذا لا يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن "أم" للعطف ولا معطوف ظاهراً.
فالتقدير: وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة وهذا قول الأصم والجبائي وأبي مسلم.
وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله في رهط من قريش فقال: يا محمد، ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه.
فقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله السبعون، وعن مجاهد: أن قريشاً سألت محمداً أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً.
فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.
وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ﴾ حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفراً بإيمان، وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات المذكورة.
وههنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟
ومعلوم أن طلب الدليل علىالشيء لا يكون كفراً وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم يكن ذلك كفراً.
فالتفكير إما لأنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج.
قلت: والأصوب في الآية أن يكون ﴿ أم تريدون ﴾ معطوفاً على ﴿ ألم تعلم ﴾ على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون في معنى الجمع.
ثم "أم" إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير.
أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من حقه أن يقتصر على علمه الإجمالي ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر.
ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير.
وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام الأول واستأنف استفهاماً ثانياً، ويحتمل أن لا يكون قوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ حكماً بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيهاً للمكلفين، على أن السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله أو لا يهم معرفتها.
وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ .
قال بعض أهل الكلام: ﴿ مَا نَنسَخْ ﴾ من اللوح المحفوظ ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ : نَدعُها في اللوح.
وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ أي نرفع بآيةٍ أُخرى أو نتركها في الآخرى.
وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ فنرفع حكمها، والعملَ بها، ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ أَي: نترك قراءتها وتلاوتها.
فيجوز رفع عينها، ويجوز رفع حكمها وإبقاء عينها؛ لأَوجه: أَحدها: ظهور المنسخ؛ فبطل قول من أَنْكر النسخ؛ إذ وجد.
ومن أَنكر ذلك فإنما أَنكر لجهل بالمنسوخ؛ لأَن النسخ بيان الحكم إلى وقت، ليس على البداءِ، على ما قالت اليهود.
والثاني: أَن للتلاوة فيها فضلاً - كما للعمل - فيجوز رفع فضل العمل، وبقاءُ فضل التلاوة.
والثالث: على جعل الأَول في حالة الاضطرار، والثاني في وقت السعة، كقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ ﴾ .
ثم يجوز أَن يرفع عينُها فيُنْسى ذكرُها، كما رُوي عن عمر - - أنه قال: "كنا نعدل سورة الأَحزاب بسورة البقرة، حتى رفع منها آيات، منها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" وأَما قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ .
فاختلف فيه: قيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ أي: أخفَّ وأَهونَ على الأَبدان؛ كقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ ، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت؛ إذ رجع الحكم عند الطاقة إلى غَيره.
وكذا ما كان من الحكم في تحريم الأَكل عند النوم والجماع، وكذا تحريم الميتة: لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكُنَّا نعرفه بالحرمة، وذلك أَخف وأَهون، والله أعلم.
وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في الثواب في العاقبة.
وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في المنفعة ﴿ أَوْ مِثْلِهَا ﴾ في المنفعة.
وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وهو أَن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع.
والمثلُ: في حق الأَمر؛ فيشترك أَصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل، ويفضلونهم بظهور الأَخير.
وهو كالصلاة إلى بيت المقدس؛ كان لهم مثلُ ما لليهود في حق الائتمار ما كان ظهر لهم الأَخير في وقت ظهور الأَمر، وأَبهم الخير.
وظهر عنده فيمن أَبى: أَن اتباعه لم يكن لأَجل حق المتابعة، بل لما كان عنده الحجة.
فأَما من جعله خيراً على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة، والإباحة ورودها للتخفيف.
ومن استدل على أَن النسخ - أَبداً - يَرِدُ على ما هو أَغلظ، عورض بقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ ﴾ ، فأبدل بعقوبة أَشد من الأَول - وهو الرجم - بقوله: "خذوا عني، خذوا عني".
ويحتمل قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وجهاً آخر: وهو آيةٌ والآيات هي الحجج؛ فيكون معناه: ما نرفع من حجة فننفيها عن الأَبصار، إلا نأْت بخير منها يعني أقوى منها في إلزام الحجة، أَو مثلها.
ولا شك أن ما يعترض هو أقوى حالة الاعتراض في لزوم الحجة على ما غاب عن الأَبصار؛ فيكون قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ على هذا الوزن، أي: نأْت بحجة هي أقوى وأكثر من الأُولى، أَو مثلها في القوة.
فإن قيل: ما الحكمة في النسخ؟
وما وجهُه؟
قيل: محنة يمتحن بها الخلق، ولله أَن يمتحن خلقه بما يشاءُ، في أَي وقت شاء: يأْمر بأَمرٍ في وقت، ثم ينهى عن ذلك، ويأْمر بآخر.
وليس في ذلك خروج عن الحكمة، ولا كان ذلك منه لبداءٍ يبدو له، بل لم يزل عالما بما كان ويكون، حكيماً يحكم بالحق والعدل؛ فنعوذ بالله من السرف في القول.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
يحتمل: أن يكون الخطاب له - - والمرادُ بالخطابِ الذين سبق ذكْرُهم في قوله: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ .
إنه قادر على إنزال الخير على من يشاء، واختصاصِ بعضٍ على بعض، وتفضِيلِ بعضهم على بعض.
ويحتمل: أَن يكون المراد في الخطاب له - عليه الصلاة والسلام - على حقيقة العلم على التذكير والتنبيه، أي: تعلم أنت أَن الله على كل شىء قدير، وهو كقوله: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .
على حقيقة العلم له.
ويحتمل: على الإعلام والإخبار لقومه، وقد ذكرنا.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: من كان يملك ملك السماوات والأرض، يملك تخصيص بعض على بعض، وتفضيلهم فيها، ويحكم فيها بما يشاء، ويُحْدِث من الأَمر ما أَراد، والله أعلم.
ويحتمل: نزوله على أَثر نوازلَ لم تذكر فيه، وذلك في القرآن كثير، وإنما يقال هذا الحرف عند ضيق القلب؛ تسكيناً له.
ومعنى تخصيص السَّماوات والأرض بالملك له؛ لمنتهى علم الخلق بهما، وإن كان له ملك الدنيا والآخرة، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .
يدل هذا على أَنه خرج على أَثر نوازل وإن لم تذكر.
وقوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ .
سؤالَ تعنت: لن نؤمن لك - تعنتاً - حتى نرى الله جهرة.
وقيل: إنهم سأَلوا ذلك رسول الله كما سأَل قوم موسى موسى.
وقيل: سأَلوا رسول الله أَن يجعل الصفا - لهم - ذهباً إن كان ما يقوله حقّاً.
وقيل: سؤالهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ ، وكانوا يسأَلون سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد واهتداء.
وقوله: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ .
قيل: اختار الكفر بالإيمان.
وقيل: ومن يختر شدة الآخرة على رخائها وسعتها.
وفي حرف ابن مسعود - -: "ومن يشتر الكفر بالإيمان" وذلك كله واحد.
وقوله: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
قيل: عدل عن الطريق.
وقيل: عدل عن قصد الطريق.
وقيل: أَخطأَ قصد طريق الهدى، وكله واحد.
وقوله: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً ﴾ .
إنهم كانوا يجهدون كل جهدهم حتى يصرفوا ويردوا أَصحاب محمد عن دين الله - الإسلام - إلى ما هم عليه؛ كقوله : ﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 149].
وذلك - والله أعلم - لخوفِ فوت رياستهم التي كانت لهم، وذهاب منافعهم التي ينالون من الأَتباع والسفلة، فودُّوا ردَّهم وصرفهم إلى دينهم.
ثم احتجت المعتزلة علينا بظاهر قوله : ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، قالوا: دلت الآية على أَن الحسد ليس من عند الله بما نفاه - عز وجل - عنه، وأَضافه إلى أَنفسهم بقوله: ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .
قيل: صدقتم في زعمكم بأَن الحسد ليس من عند الله، وكذلك نقول، ولا نجيز إضافة الحسد إليه بحال ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في الأَنجاس، والأَقذار، والحيَّات والعقارب ونحوها: إِنه لا يجوز أن تضاف إلى الله فيقال: يا خالق الأَنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو خالق كل شيء.
فعلى ذلك، نقول بخلق فعل الحسد، وفعل الكفر من العبد، ولا نجوِّز أن يضاف إلى الله .
ثم يقولون في الطاعات والخيرات كلها: إنها من عند الله، غير مخلوقة، فلئن كانت العلة في الذي لا يكون مخلوقاً، أنه ليس هو من عنده لوجب القول بخلقه ما هو من عنده، ثم لم يقولوا به؛ فَبان أَن ما يقولون فاسد، باطل، ليس بشيء.
ثم جهة الحسد ما ذكرنا أنهم أَحبوا أَن تكون الرسالةُ فيهم، أَو أَن يكون من عنده سعَةٌ؛ كقوله: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ؛ فبهذين الوجهين يخرج حسدهم.
قوله: ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .
أى: من قِبَلِها، لا أَن الله - - أَمرهم.
وليس يضاف إلى الله - - بأَنه من عنده بما يخلق، ولكن بما يأمر أو يلزم.
أَلاَ ترى أَن الأَنجاس كلها، والخبائث، والشياطين، كلهم مخلوقة وإن لم يجز نسبتها إلى الله - - بمعنى أنه مِن عنده؟
كذلك ما ذكر من الحسد.
على أَنه معلوم أَنهم لم يكونوا يدعون مِن دون الله خَلْقاً فبذلك الوجه ينكر عليهم، بل كانوا يدعون الأَمر في كل ما نُسب إلى الله ؛ فعلى ذلك ورد العقاب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
أي: بين لهم في التوراة أن محمداً نبي، وأَن دينه الإسلام؛ كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ .
يحتمل: النهي عن مكافأَة ما يؤذونه في الدُّنيا، ثم لم ينسخ.
وقيل: فيه نهي عن قتالهم، حتى يأْتي أَمر الله في ذلك، ثم جاءَ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [التوبة: 29].
وقيل: حتى يأتي الله بأمره، أي: بعذابه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
من التعذيب والانتقام، وبكل شيء.
ولم ينسخ هذا.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .
كرر الله - عز وجل - الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، في القرآن تكراراً كثيراً، حتى كانت لا تخلو سورة إلا وذكرهما فيها - في غير موضع - وذلك لعظم شأْنهما، وأَمرهما، وعلو منزلتهما عند الله، وفضل قدرهما.
وعلى ذلك جعلهما شريعة في الرسل السالفة، صلوات الله عليهم.
أَلا ترى إلى قول إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي ﴾ .
وقوله لموسى وهارون: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
وقول عيسى: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .
وذلك - والله أعلم - أَن الصلاة قُربة فيما بين العبد وبين ربه، تجمع جميع أفعال الخير، وفيها غاية منتهى الخضوع له، والطاعة: من القيام بين يديه، والمناجاة فيه، والركوع له، والسجود على الأَرض، وتعفير الوجه فيها حتى لو أَن أَحداً ممن خلص دينه لله لو أُعطى ما في الدنيا على أَن يعفِّر وجهه في الأَرض لأَحد من الخلق ما فعل، وبالله التوفيق.
والزكاةُ فيما بين العبد وبين الخلق؛ لتآلف القلوب واجتماعها، وفيها إظهار الشفقة لهم والرحمة.
لذلك عظَّم الله شَأْنهما، وشرف أَمرهما، وأَعلى منزلتهما؛ وعلى ذلك قرنهما بالإيمان في المواضع كلها، وأَثبت بين الخلق الأُخوّة بهما بقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .
ثم هما تكرمان بالعقل؛ لأَن الصلاة تجمع جميع أَنواع خيرات الأَفعال، وفيها غايةُ الخضوع له، والخشوع - على ما ذكرنا - وذلك مما يوجبه العقل، وإن لم يرد فيه السمع.
وكذلك الزكاة: فيها تزكية الأَنفس وتطهيرها، وذلك مما في العقل واجب.
فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها؟
قيل: إظهار ما أَنعم الله [على العبد]، من الأَموال والسَّعة فيها، وما أَعطاهم من سلامة الجوارح عن جميع الآفات، يخرج مخرج الأَمر بأَداءِ شكر ما أَنعم عليهم عز وجل.
فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها فيما أُعْطي منهما، يعني من النفس، والمال دون غيره؟
قيل: لأَن الوُجوب من غيره يخرج مخرج المعاوضة والمبادلة، لا مخرج أَداءِ الشكر، والله أعلم.
ثم الحكمة في: إيجاب الصلاة والزكاة، وغيرهما من العبادات أَن الله - - إذ عمهم بنعمه فيما فضلهم بالجوهر، وسخر لهم جميعَ ما في الأرض، وبسط عليهم النعم، حتى صار كل منهم لا يُبصر غير نعمه، من استحقاق منهم شيئاً من ذلك - لزمهم الشكر عليها.
ثم كانت الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح فيما لله فيها القيام بها شكراً له، مع ما فيها توقف أَحوال نفسه بالاختيار بما هي عليه بالاضطراب والخلقة والقلب بالنية، والخوف والرجاء، وإحضار الذهن والعقل بالتعظيم والتبجيل؛ فيكون كل شيء منه في شكره؛ لما له فيه من سبوغ النعمة، والله أعلم.
وكذلك بالأموال فضلوا - في هذه الدنيا - واستمتعوا بلذيذ العيش؛ فأمروا بالإِخراج لله، مع ما إذ سخرت هذه الأَرض - بما فيها - لجميع البشر، ألزم من ذلك صلةَ من لم يملك، ليستووا في الاستمتاع بالتسخير لهم، من الوجه الذي عَلِم الله لهم فى ذلك صلاح الدارين، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
الآية تخرج على خلاف قول المتعزلة؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة ثم أَقام الصلاة وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله، وحج بيت الله الحرام، فقدم خيراتٍ كثيرةً - فإنه لا يجد مما قدم شيئاً، ولكن يجد ما قدم من شر.
وذلك ليس من فعل الكريم والجواد، ولا كذلك وصف الله نفسه، بل وصف نفسه على خلاف ما وَصفوا هم، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
وهم يقولون: لا يتقبل عنهم ما قدموا من الخيرات، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، وذلك سرف في القول؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والحكم على الله، وبالله العصمة والتوفيق.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .
بما قدمتم من الخير والشر؛ تنبيه منه عز وجل ليكونوا على حَذرٍ من الشر، وترغيب منه لهم بالخيرات.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقالت كل طائفة من اليهود والنصارى: إن الجنّة خاصة بهم، فقال اليهود: لن يدخلها إلا من كان يهوديًّا، وقال النصارى: لن يدخلها إلا من كان نصرانيًّا، تلك أمنياتهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة، قل -أيها النبي- رادًّا عليهم: هاتوا حجتكم على ما تزعمون إن كنتم صادقين حقًّا في دعواكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.k9q6z"
بين الله تعالى في الآية الأولى من هاتين الآيتين أن أهل الكتاب المتعصبين لدينهم من حيث هو جنسية لهم تقوم بها منافع جنسهم لم يكتفوا بكفرهم بالنبي والكيد له ونقض ما عاهدهم عليه حسدًا له ولقومه على نعمة النبوة، بل هم يزيدون على ذلك ما قصه تعالى بقوله ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ فهو بيان لما يضمرونه وما تكنه صدورهم للمسلمين من الحسد على نعمة الإسلام التي عرفوا أنها الحق وأن وراءها السعادة في الدارين، ولكنهم شق عليهم أن يتبعوهم فتمنوا أن يُحْرَموا هذه النعمة ويرجعوا كفارًا كما كانوا، وذلك شأن الحاسد يتمنى أن يسلب محسوده النعمة ولو لم تكن ضارة به فكيف إذا كان يعلم أن تلك النعمة إذا تمت وثبتت يكون من أثرها سيادة المحسود عليه وإدخاله تحت سلطانه، كما كان يتوقع علماء يهود في عصر التنزيل، وقد جاء هذا التنبيه تتمة لقوله تعالى قبل آيات ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ وقد بين الله لنا ما كان من محاولة أهل الكتاب وتحيلهم على تشكيك المسلمين في دينهم كقول بعضهم لبعض بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره لعل ضعفاء الإيمان يرجعون عن الإسلام اقتداء بهم كما سيأتي في سورة آل عمران، وفي هذه الآية وما بعدها إشارة إلى أن لذلك بعض الأثر في نفوس بعض المسلمين.
وفائدة هذا التنبيه أو التنبيهات أن يعلم المسلمون أن ما يبدو من أهل الكتاب أحيانًا من إلقاء التبعة على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه إنما هو مكر السوء يبعث عليه الحسد لا النصح الذي يبعث عليه الاعتقاد.
وقال ﴿ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ليبين أن حسدهم لم يكن عن شبهة دينية أو غيره على حق يعتقدونه، وإنما هو خبث النفوس وفساد الأخلاق والجمود على الباطل وإن ظهر لصاحبه الحق، ولذلك قفاه بقوله ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ أي بالآيات التي جاء بها النبي وبانطباق ما يحفظون من بشارات كتبهم بنبي آخر الزمان .
ثم أمر الله تعالى المؤمنين بأن يقابلوا هذا الحسد وما ينبعث عنه بما يليق بهم من محاسن الأخلاق فقال: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ﴾ ولم يقل فاعفوا واصفحوا عنهم لإرادة العموم، أي عاملوا جميع الناس بالصفح والعفو فإن هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ .
وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قتلهم هم أصحاب القدرة والشوكة، لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه كأنه يقول: لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوي العادل، للقوي الجاهل.
وفي إنزال المؤمنين، على ضعفهم، منزل الأقوياء، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ما يثبتوا على حقهم، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذي يصرع الباطل كما قلنا غير مرة، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه.
ثم قال تعالى ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ فوعدهم بأن سيمدهم بمعونته، ويؤيدهم بنصره، ثم أحالهم بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ على قدرته النافذة التي لا يشذ عنها في العالمين تأييدًا للوعد وكشفًا لشبهة من عساه يقول: أَنَّى لهذه الشرذمة القليلة العدد، الضعيفة القوى، أن تنتحل لنفسها وصف الملوك العالين وتقف مع الأمم القوية موقف العافين القادرين؟
فجاء الجواب يقول لمثل هذا المشتبه: إن الذي أوقفها هذا الموقف، ومنحها هذا الوصف، هو القادر على أن يهبها من القوة ما تتضاءل دونه جميع القوى، وهو ما يؤيد به سبحانه من يقوم بالحق ويثبت عليه ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ وقد فعل.
ثم بعد الوعد بالنصر والإرشاد إلى الاعتماد فيه على القدرة دلهم على بعض وسائل تحققه وهي الصلاة التي توثق عروة الإيمان وتعلي الهمة وترفع النفس بمناجاة الله العلي الكبير، وتؤلف بين القلوب بالاجتماع لها، والتعارف في مساجدها، والزكاة التي تصل بين الأغنياء والفقراء فتتكون باتصالهم وحدة الأمة حتى تكون كجسم واحد، فقال ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾ ولم تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في موضع من الكتاب الحكيم إلا والمقام يقتضي الذكر لبيان فائدة خاصة لهذا الأمر لا يمكن أن تستفاد من ذكرهما في موضع آخر.
وقد تقدم أن إقامة الصلاة ليست عبارة عن أدائها مطلقًا، وإنما هي عبارة عن القيام بحقوقها الروحية في صورتها العملية وذلك بالتوجه إلى الله تعالى ومناجاته والانقطاع إليه عما عداه وإشعار القلب عظمته وكبرياءه فبهذا الشعور ينمو الإيمان وتقوي الثقة بالله، وتتنزه النفس أن تأتي الفواحش والمنكرات، وتستنير البصيرة فتكون أقوى نفاذًا في الحق وأشد بعدًا عن الأهواء، فنفوس المصلين جديرة بالنصر لما تعطيها الصلاة من القوة المعنوية ومن الثقة بقدرة الله تعالى، فإذا كان قوله تعالى بعد الوعد بالنصر ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ دليلًا أيد به الوعد فقوله ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ هداية إلى طريق الاقتناع التام بهذا الدليل حتى يكون وجدانًا للنفس لا تزلزله الشبهات، ولا تؤثر فيه المشاغبات والمجادلات.
وقد مضت سنة القرآن بقرن الزكاة بالصلاة لأن الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، والزكاة لإصلاح شؤون الاجتماع.
ثم إن فيها من معنى العباد ما في الصلاة فإن المال -كما يقولون- شقيق الروح فمن جاد به ابتغاء مرضاة الله تعالى كان بذله مزيدًا في إيمانه فهي إصلاح روحي أيضًا.
وبعد أن أمر الصلاة والزكاة في سياق كشف شبهة من يشتبه من ضعفاء الإيمان في نصر الله المؤمنين، وجعل السلطان لهم على الكافرين، وبيان أن إقامة هذين الركنين من وسائل النصر والسلطان في الدنيا بَيّنَ لهم أنها من أسباب السعادة في الآخرة فقال ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ولكن البيان جاء في صورة عامة وهذا من الأسباب التي لا نكاد نجد لها في غير القرآن نظيرًا.
ينتقل من بيان حكم إلى آخر فيكون الثاني قائمًا بنفسه وشاملًا للأول بعمومه وتكون صلة العموم والخصوص هي الرابط في النظم.
وقوله تعالى ﴿ تَجِدُوهُ ﴾ هو كقوله ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وقالوا إن المراد بأنه يرى ويجد جزاءه، ولكن لما كان الجزاء مبنيًا على أثر العمل في نفس العامل وارتقائها به كان الجزاء بمثابة العمل نفسه، ووصل الوعد بالجزاء على العمل بما يبعث المؤمن على الإحسان فيه ويدل على تحققه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فلا يخفى عليه منه شيء فتخافوا أن ينقصكم من أجوركم شيئًا.
هذه الآيات هي آخر ما أدب الله تعالى به المؤمنين في هذا المقام على ما يخامر البعض منهم وما يعن له من الشبه في مستقبل الإسلام وتأييده تعالى لنبيه وإعزازه لحزبه، وكان أولها قوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ﴾ وكان منشأ تلك الخواطر هو ما يرونه في التنزيل المرة بعد المرة وما يشاهدونه من عمل النبي من الجزم بأن الأسباب مقرونة بمسبباتها وأن حوادث الكون جارية على سنن مطردة، وما كان هذا الفريق من المؤمنين يعلم قبل إعلام الله تعالى إياهم بأن الإيمان الصحيح الذي يتوكل صاحبه بعد اتخاذ الأسباب والوسائل على القدرة الإلهية والعناية الغيبية، وعمل الصالحات الذي يصلح النفوس، ويؤلف مع الاعتقاد بين القلوب، هما أكبر أسباب القوة، وأقرب وسائل السيادة والسعادة، وقد جاء هذا الإرشاد والتأديب في سياق الكلام على أهل الكتاب لأن مكرهم السيء كان مثارًا لبعض الخواطر في المسلمين، فالكلام تأديب للمؤمنين ورد على اليهود.
ثم انتقل إلى الكلام على أهل الكتاب عامة وما يلام عليه الفريقان منهم -اليهود والنصارى- فقال: <div class="verse-tafsir"