تفسير الآية ١٥١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٥١ من سورة البقرة

كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًۭا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ ١٥١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٥١ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٥١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ، يتلو عليهم آيات الله مبينات ويزكيهم ، أي : يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويعلمهم الكتاب وهو القرآن والحكمة وهي السنة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون .

فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفرى ، فانتقلوا ببركة رسالته ، ويمن سفارته ، إلى حال الأولياء ، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علما ، وأبرهم قلوبا ، وأقلهم تكلفا ، وأصدقهم لهجة .

وقال تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ) الآية [ آل عمران : 164 ] .

وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة ، فقال تعالى : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ) [ إبراهيم : 28 ] .

قال ابن عباس : يعني بنعمة الله محمدا صلى الله عليه وسلم ; ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " كما أرسلنا فيكم رسولا "، ولأتمّ نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية, وأهديَكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام, فأجعل لكم دَعوتَه التي دعاني بها ومسألتَه التي سألنيها فقال: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة: 128]، كما جعلت لكُم دعوته التي دعاني بها، ومسألته التي سألنيها فقال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو &; 3-209 &; عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سورة البقرة: 129]، فابتعثت منكم رَسولي الذي سألني إبراهيمُ خليلي وابنُهُ إسماعيل، أنْ أبعثه من ذرّيتهما.

ف " كما " -إذ كان ذلك معنى الكلام- صلةٌ لقول الله عز وجل: وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ .

ولا يكون قوله: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم "، متعلقًا بقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .

* * * وقد قال قوم: إنّ معنى ذلك: فاذكرُوني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم.

وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، (53) فأغرقوا النـزع، (54) وبعدوا من الإصابة, وحملوا الكلام على غير معناه المعروف، وسِوَى وجهه المفهوم.

وذلك أنّ الجاريَ من الكلام على ألسن العرب، المفهومَ في خطابهم بينهم - إذا قال بعضهم لبعض: " كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن " - أن لا يَشترطوا للآخر, لأن " الكاف " في" كما " شرطٌ معناه: افعل كما فعلت.

ففي مجيء جواب: " اذكروني" بعده، وهو قوله: أَذْكُرْكُمْ ، أوضحُ دليل على أن قوله: " كما أرسلنا " من صلة الفعل الذي قبله, وأن قوله: " اذكروني أذكركم " خبرٌ مبتدأ منقطعٌ عن الأول, وأنه =من سبب قوله: " كما أرْسلنا فيكم "= بمعزل.

* * * وقد زعم بعض النحويين أن قوله: فَاذْكُرُونِي -إذا جُعل قوله: " كما أرسلنا فيكم " جوابًا له، مع قوله: أَذْكُرْكُمْ - نظيرُ الجزاء الذي يجاب بجوابين, كقول القائل: إذا أتاك فلانٌ فأته تَرْضَه ", فيصير قوله: " فأته " و " ترضه " جوابين لقوله: " إذا أتاك ", وكقوله: " إن تأتني أحسِن إليك أكرمك ".

(55) وهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهب, فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب.

والذي هو أولى بكتاب الله عز وجل أن يوجِّه إليه من اللغات، الأفصح الأعرفُ من كلام العرب، دون الأنكر الأجهل من منطقها.

هذا، مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل.

* * * ذكر من قَال: إنّ قوله: " كما أرسلنا "، جوابُ قوله: " فاذكروني".

2309- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله عز وجل: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم "، كما فعلتُ فاذكروني.

2310- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

* * * قوله: " كما أرسلنا فيكم رَسولا منكم "، فإنه يعني بذلك العرب, قال لهم جل ثناؤه: الزموا أيها العربُ طاعتي, وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجُّه إليها, لتنقطع حُجة اليهود عنكم, فلا تكون لهم عليكم حجَة, ولأتم نعمتي عليكم، وتهتدوا, كما ابتدأتكم بنعمتي، فأرسلت فيكم رسولا منكم.

وذلك الرسول الذي أرسلَه إليهم منهم: محمد صلى الله عليه وسلم، كما:- 2311- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " كما أرْسلنا فيكم رسولا منكم "، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.

* * * وأمّا قوله: " يتلو عليكم آياتنا "، فإنه يعني آيات القرآن, وبقوله: " ويزكيكم " ويطهّركم من دَنَس الذنوب, و " يعلمكم الكتاب " وهو الفرقان, يعني: أنه يعلمهم أحكامه.

ويعني: ب " الحكمة " السننَ والفقهَ في الدين.

وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده.

(56) * * * وأمّا قوله: " ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون "، فإنه يعني: ويعلمكم من أخبار الأنبياء, وقَصَص الأمم الخالية, والخبر عما هو حادثٌ وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها, فعلِموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأخبرهم جل ثناؤه أنّ ذلك كله إنما يدركونه برَسوله صلى الله عليه وسلم.

----------------------- الهوامش : (53) هو الفراء ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .

(54) أغرق النازع في القوس : إذا شدها ، وجاوز الحد في مد القوس ، وبلغ النصل كبد القوس ، فربما قطع يد الرامي .

ونزع الرامي في قوسه نزعًا : جذب السهم بالوتر .

وقولهم : "أغرق في النزع" ، مثل في الغلو والإفراظ .

(55) هو من قول الفراء أيضًا ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .

(56) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 86-88 والمراجع .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون قوله تعالى : كما أرسلنا الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف ، المعنى : ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا ، قاله الفراء .

قال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال ، أي ولأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام مثل ما أرسلنا .

وقيل : المعنى ولعلكم تهتدون اهتداء مثل ما أرسلنا .

وقيل : هي في موضع نصب على الحال ، والمعنى : ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال .

والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة ، وأن الذكر المأمور به في عظمه كعظم النعمة .

وقيل : معنى الكلام على التقديم والتأخير ، أي فاذكروني كما أرسلنا روي عن علي رضي الله عنه واختاره الزجاج .

أي كما أرسلنا فيكم رسولا تعرفونه بالصدق فاذكروني بالتوحيد والتصديق به .

والوقف على تهتدون على هذا القول جائز .[ ص: 160 ] قلت : وهذا اختيار الترمذي الحكيم في كتابه ، أي كما فعلت بكم هذا من المنن التي عددتها عليكم فاذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد ; لأن في ذكركم ذلك شكرا لي ، وقد وعدتكم بالمزيد على الشكر ، وهو قوله : لئن شكرتم لأزيدنكم ، فالكاف في قوله كما هنا ، وفي الأنفال كما أخرجك ربك وفي آخر الحجر كما أنزلنا على المقتسمين متعلقة بما بعده ، على ما يأتي بيانه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع والنعم المتممة, ليس ذلك ببدع من إحساننا, ولا بأوله, بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها, فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم, تعرفون نسبه وصدقه, وأمانته وكماله ونصحه.

{ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا } وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها، فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل, والهدى من الضلال, التي دلتكم أولا, على توحيد الله وكماله, ثم على صدق رسوله, ووجوب الإيمان به, ثم على جميع ما أخبر به من المعاد والغيوب, حتى حصل لكم الهداية التامة, والعلم اليقيني.

{ وَيُزَكِّيكُمْ } أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم, بتربيتها على الأخلاق الجميلة, وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة, وذلك كتزكيتكم من الشرك, إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص, ومن الكذب إلى الصدق, ومن الخيانة إلى الأمانة, ومن الكبر إلى التواضع, ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق, ومن التباغض والتهاجر والتقاطع, إلى التحاب والتواصل والتوادد, وغير ذلك من أنواع التزكية.

{ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ } أي: القرآن, ألفاظه ومعانيه، { وَالْحِكْمَةَ } قيل: هي السنة, وقيل: الحكمة, معرفة أسرار الشريعة والفقه فيها, وتنزيل الأمور منازلها.

فيكون - على هذا - تعليم السنة داخلا في تعليم الكتاب, لأن السنة, تبين القرآن وتفسره, وتعبر عنه، { وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } لأنهم كانوا قبل بعثته, في ضلال مبين, لا علم ولا عمل، فكل علم أو عمل, نالته هذه الأمة فعلى يده صلى الله عليه وسلم, وبسببه كان، فهذه النعم هي أصول النعم على الإطلاق, ولهي أكبر نعم ينعم بها على عباده، فوظيفتهم شكر الله عليها والقيام بها؛ فلهذا قال تعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } فأمر تعالى بذكره, ووعد عليه أفضل جزاء, وهو ذكره لمن ذكره, كما قال تعالى على لسان رسوله: { من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم } وذكر الله تعالى, أفضله, ما تواطأ عليه القلب واللسان, وهو الذكر الذي يثمر معرفة الله ومحبته, وكثرة ثوابه، والذكر هو رأس الشكر, فلهذا أمر به خصوصا, ثم من بعده أمر بالشكر عموما فقال: { وَاشْكُرُوا لِي } أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر يكون بالقلب, إقرارا بالنعم, واعترافا, وباللسان, ذكرا وثناء, وبالجوارح, طاعة لله وانقيادا لأمره, واجتنابا لنهيه, فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة, وزيادة في النعم المفقودة، قال تعالى: { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ } وفي الإتيان بالأمر بالشكر بعد النعم الدينية, من العلم وتزكية الأخلاق والتوفيق للأعمال, بيان أنها أكبر النعم, بل هي النعم الحقيقية؟

التي تدوم, إذا زال غيرها وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل, أن يشكروا الله على ذلك, ليزيدهم من فضله, وليندفع عنهم الإعجاب, فيشتغلوا بالشكر.

ولما كان الشكر ضده الكفر, نهى عن ضده فقال: { وَلَا تَكْفُرُونِ } المراد بالكفر هاهنا ما يقابل الشكر, فهو كفر النعم وجحدها, وعدم القيام بها، ويحتمل أن يكون المعنى عاما, فيكون الكفر أنواعا كثيرة, أعظمه الكفر بالله, ثم أنواع المعاصي, على اختلاف أنواعها وأجناسها, من الشرك, فما دونه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم} هذه الكاف للتشبيه وتحتاج إلى شيء يرجع إليه، فقال بعضهم: ترجع إلى ما قبلها معناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا رسولاً قال محمد بن جرير: "دعا إبراهيم عليه السلام بدعوتين - إحداهما - قال {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [128-البقرة] فبعث الله الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ووعد إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل من ذريته أمة مسلمة، كما أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية".

وقال مجاهد وعطاء والكلبي: "هي متعلقة بما بعدها وهو قوله {فاذكروني أذكركم}".

معناه كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني، وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب يعني كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب.

{رسولاً منكم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.

{يتلوا عليكم آياتنا} يعني القرآن.

{ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} قيل: الحكمة السنة، وقيل: مواعظ القرآن.

{ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} من الأحكام وشرائع الإسلام.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كما أرسلنا» متعلق بأتم أي إتماما كإتمامها بإرسالنا «فيكم رسولا منكم» محمد «يتلو عليكم آياتنا» القرآن «ويزكيكم» يطهركم من الشرك «ويعلمكم الكتاب» القرآن «والحكمة» ما فيه من الأحكام «ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كما أنعمنا عليكم باستقبال الكعبة أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل، ويطهركم من دنس الشرك وسوء الأخلاق، ويعلمكم الكتاب والسنة وأحكام الشريعة، ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقصص الأمم السابقة ما كنتم تجهلونه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : ( كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ ) .

.

إلخ متصل بما قبله ، والكاف للتشبيه وهي في موضع نصب على أنها نعت لمصدر محذوف وما مصدرية ، والتقدير : لقد حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام لأتم نعمتي عليكم إتماماً مثل إتمام نعمتي عليكم بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم فيكم ، إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا ( رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ .

.

.

) وقيل إن قوله - تعالى - : ( كَمَآ أَرْسَلْنَا ) .

.

إلخ متصل بما بعده ، فتكون الكاف للمقابلة ، أي : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين القويم ، والخلق المستقيم ومنحتكم هذه النعمة فلا مني وكرماً ، فاذكروني بالشكر عليها أذكركم برحمتي وثوابي .

وقوله : ( فِيكُمْ ) متعلق " بأرسلنا " وقدم على المفعول تعجيلا بإدخال السرور : وقوله : ( مِّنْكُمْ ) في موضع نصب ، لأنه صفة لقوله : ( رَسُولاً ) والمخاطبون بهذه الآية الكريمة هم العرب .وفي إرساله الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وهو منهم نعمة تستوجب المزيد من الشكر ، لأن إرساله منهم يسبقه معرفتهم لنشأته الطيبة وسيرته العطرة ، ومن شأن هذه المعرفة أن تحملهم على المسارعة إلى تصديقه والإِيمان به ، ولأن في إرساله فيهم وهو منهم شرف عظيم لهم ، ومجد لا يعد له مجد ، حيث جعل - سبحانه - خاتم رسله من هذه الأمة ، ولأن المشهور من حالهم الأنفة الشديدة من الانقياط ، فكون الرسول منهم ادعى إلى إيمانهم به وقبولهم لدعوته .

وقوله : ( يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ) صفة ثانية للرسول صلى الله عليه وسلم .والتلاوة : ذكرالكلمة بعد الكلمة على نظام متسق ، وأصله من الإِتباع ومنه تلاه ، أي : تبعه .

والمراد من الآيات : آيات القرآن الكريم ، وتلاوتها قراءتها ، فإن البصير بأسليب البيان العربي يدرك من مجرد تلاوة آيات القرآن كيف ارتفع إلى الذروة التي كان بها معجزة ساطعة .وفي هذه الجملة - كما قال الآلوسي - " إشارة إلى طريق إثبات نبوته - عليه الصلاة والسلام - لأن تلاوة الأمي للآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإِخبار بالمغيبات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوته "وعبر بقوله : ( يَتْلُواْ ) لأن نزول القرآن مستمر ، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم له متوالية ، وفي كل قراءة يحصل علم المعجزات للسامعين .ويجوز أن يراد بالآيات : دلائل التوحيد والنبوة والبعث ، وبتلاوتها التذكير بها حتى يزداد المؤمنون إيماناً بصدقها .وقوله : ( وَيُزَكِّيكُمْ ) صفة ثالثة للرسول صلى الله عليه وسلم ، أي : ويطهركم من الشرك ، ومن الأخلاق الذميمة .

وإذا أشرقت النفوس بنور الحق ، وتحلت بالأخلاق الحميدة ، قوبت على تلقى ما يرد عليها من الحقائق السامية .وقوله : ( وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ) صفة رابعة للرسول صلى الله عليه وسلم .والمراد بالكتاب : القرآن ، وتعليمه بيان ما يخفى من معانيه ، فهو غير التلاوة ، فلا تكرار بين قوله ( يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ) وبين قوله ( وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب ) .والحكمة : ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال التي جعل الله للناس فيها أسوة حسنة .قال بعضهم : وقدمت جملة ( وَيُزَكِّيكُمْ ) هنا على جملة ( وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب والحكمة ) عكس ما جاء في الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم ( رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكِّيهِمْ ) لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين ، فقدم ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتماماً بها ، وبعثاً لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلا للبشارة بها .

أما في دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته في الخارج ، مع ما في ذلك التخالف من التفنن " .وقوله - تعالى - : ( وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ) صفة خامسة له صلى الله عليه وسلم .أي : " ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه مما لا طريق إلى معرفته سوى الوحي .

ومما لم يكونوا يعملونه وعلمهم إياه صلى الله عليه وسلم وجوه واستنباط الأحكام من النصوص أو الأصول المستمدة منها ، وأخبار الأمم الماضية ، وقصص الأنبياء ، وغير ذلك مما لم تستقل بعلمه عقولهم .

وبهذا النوع من التعليم صار الدين كاملا قبل انتهاء عهد النبوة .ولقد كان العرب قبل الإِسلام في حالة شديدة من ظلام العقول وفساد العقائد .

.

.

فلما أكرمهم الله - تعالى - برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم الآيات ، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ، خرج منهم رجال صاروا أمثالا عالية في العقيدة السليمة ، والأخلاق القويمة والأحكام العادلة ، والسياسة الرشيدة لمختلف البيئات والنزعات .قال الآلوسي : وكان الظاهر أن يقول : " ويعلمكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون " بحذف الفعل " يعلمكم " من الجملة الآخيرة ، ليكون الكلام من عطف المفرد على المفرد ، إلا أنه - تعالى - كرر الفعل للدلالة على أنه جنس آخر غير مشارك لما قبله أصلا ، فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة ، ولولاه لكان الخلق متحيرين في أمر دينهم لا يدرون ماذا يصنعون " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة والسلام بوجوه، بعضها إلزامية، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله، وهو المراد بقوله: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ وبعضها برهانية وهو قوله: ﴿ قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط  ﴾ ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية شبهتين لهم.

إحداهما: قوله: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ  ﴾ .

والثانية: استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة، وهو قول: ﴿ سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا  ﴾ وأطنب الله تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام النسخ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة، وختم ذلك الجواب بقوله: ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ ﴾ فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيهاً على عظيم نعم الله تعالى، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوباً فيه، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب.

أما قوله: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده، فإن قلنا: إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه: الأول: أنه راجع إلى قوله: ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ  ﴾ أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف، وفي الآخرة بالفوز بالثواب، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول.

الثاني: أن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُزَكّيهِمْ  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا  ﴾ فكأنه تعالى قال: ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابة لدعوته عن ابن جرير.

الثالث: قول أبي مسلم الأصفهاني، وهو أن التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، أي كما أرسلنا فيكم رسولاً من شأنه وصفته كذا وكذا، فكذلك جعلناكم أمة وسطاً، وأما إن قلنا: أنّه متعلق بما بعده، فالتقدير: كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يعلمكم الدين والشرع، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتاباً، ولا تعلمون رسولاً، ومحمد صلى الله عليه وسلم رجل منكم ليس بصاحب كتاب، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء، وفيه الخبر عن أحوالهم، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة، والنهي عن أخلاق السفهاء، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال: كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلاً، فاذكروني بالشكر عليها، أذكركم برحمتي وثوابي، والذي يؤكده قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ  ﴾ فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل: ﴿ كما ﴾ هل يجوز أن يكون جواباً؟

قلنا: جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين.

أحدهما: ﴿ كَمَا ﴾ .

والثاني: ﴿ أَذْكُرْكُمْ ﴾ ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته، قال القاضي: والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى.

المسألة الثانية: في وجه التشبيه قولان: إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى: ﴿ اذكروني ﴾ دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة.

المسألة الثالثة: ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ مصدرية كأنه قيل: كإرسالنا فيكم، ويحتمل أن تكون كافة.

أما قوله تعالى: ﴿ فيكُمْ ﴾ فالمراد به العرب وكذلك قوله: ﴿ مّنكُمْ ﴾ وفي إرساله فيهم ومنهم، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.

أما قوله تعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءاياتنا ﴾ فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فيستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة، فكأنه يحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة.

أما قوله: ﴿ وَيُزَكِيكُمْ ﴾ ففيه أقوال.

أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن.

وثانيها: يزكيهم بالثناء والمدح، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به، كما يقال: إن المزكي زكي الشاهد، أي وصفه بالزكاء.

وثالثها: أن التزكية عبارة عن التنمية، كأنه قال يكثركم، كما قال: ﴿ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ  ﴾ وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا، عن أبي مسلم، قال القاضي: وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب ﴾ فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم، وأما ﴿ الحكمة ﴾ فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه ﴿ الحكمة ﴾ هي سنة الرسول عليه السلام.

أما قوله: ﴿ وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمداً بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَدْ نرى ﴾ ربما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية، كقوله: قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنَامِلُهُ ﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ﴾ تردّد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوّله إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل ﴿ فَلَنُوَلّيَنَّكَ ﴾ فلنعطينّك ولنمكننك من استقبالها، من قولك: وليته كذا.

إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس ﴿ تَرْضَاهَا ﴾ تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته ﴿ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ نحوه.

قال: وَأَظْعَنُ بِالْقَوْمِ شَطْرَ الْمُلُوكِ وقرأ أبيّ: ﴿ تلقاء المسجد الحرام ﴾ .

وعن البراء بن عازب: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة وقيل: كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمى المسجد مسجد القبلتين.

و ﴿ شَطْرَ المسجد ﴾ نصب على الظرف، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد.

وذكر المسجد الحرام دون الكعبة: دليل في أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين ﴿ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق ﴾ أن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنه يصلّي إلى القبلتين ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ قرئ بالياء والتاء ﴿ مَّا تَبِعُواْ ﴾ جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط.

﴿ بِكُلّ ءايَةٍ ﴾ بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق، ما تبعوا ﴿ قِبْلَتَكَ ﴾ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق ﴿ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ حسم لأطماعهم إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم.

وقرئ: ﴿ بتابع قبلتهم ﴾ على الإضافة ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم، كما لا ترجى موافقتهم لك.

وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس.

أخبر عز وجل عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده.

وقوله: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم ﴾ بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله ﴿ وما أنت بتابع قبلتهم ﴾ كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ولئن اتبعتم مثلاً بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر ﴿ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين ﴾ المرتكبين الظلم الفاحش.

وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير.

واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى، وتهييج وإلهاب للثبات على الحق.

فإن قلت: كيف قال: (وما أنت بتابع قبلتهم) ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟

قلت: كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ ﴾ ومِن أيِّ مَكانٍ خَرَجْتَ لِلسَّفَرِ ﴿ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ إذا صَلَّيْتَ ﴿ وَإنَّهُ ﴾ وإنَّ هَذا الأمْرَ ﴿ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ.

﴿ وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ ﴾ كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ.

تَعْظِيمُ الرَّسُولِ  بِابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، وجَرْيُ العادَةِ الإلَهِيَّةِ عَلى أنْ يُوَلِّيَ أهْلَ كُلِّ مِلَّةٍ وصاحِبَ دَعْوَةٍ وِجْهَةً يَسْتَقْبِلُها ويَتَمَيَّزُ بِها.

ودَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ عَلى ما نُبَيِّنُهُ.

وقَرَنَ بِكُلِّ عِلَّةٍ مَعْلُولَها كَما يُقْرَنُ المَدْلُولُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن دَلائِلِهِ تَقْرِيبًا وتَقْرِيرًا، مَعَ أنَّ القِبْلَةَ لَها شَأْنٌ.

والنَّسْخُ مِن مَظانَّ الفِتْنَةِ والشُّبْهَةِ فَبِالحَرِيِّ أنْ يُؤَكَّدَ أمْرُها ويُعادَ ذِكْرُها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.

﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ فَوَلُّوا ﴾ ، والمَعْنى أنَّ التَّوْلِيَةَ عَنِ الصَّخْرَةِ إلى الكَعْبَةِ تَدْفَعُ احْتِجاجَ اليَهُودِ بِأنَّ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ قِبْلَتُهُ الكَعْبَةُ، وأنَّ مُحَمَّدًا يَجْحَدُ دِينَنا ويَتْبَعُنا في قِبْلَتِنا.

والمُشْرِكِينَ بِأنَّهُ يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النّاسِ، أيْ لِئَلّا يَكُونَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ حُجَّةٌ إلّا المُعانِدِينَ مِنهم فَإنَّهم يَقُولُونَ: ما تَحَوَّلَ إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ وحُبًّا لِبَلَدِهِ، أوْ بَدا لَهُ فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ آبائِهِ ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ.

وسَمّى هَذِهِ حُجَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ لِأنَّهم يَسُوقُونَها مَساقَها.

وقِيلَ الحُجَّةُ بِمَعْنى الِاحْتِجاجِ.

وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الحُجَّةِ رَأْسًا كَقَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم...

بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ الظّالِمَ لا حُجَّةَ لَهُ، وقُرِئَ: « ألا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم» .

عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.

﴿ فَلا تَخْشَوْهُمْ ﴾ فَلا تَخافُوهُمْ، فَإنَّ مَطاعِنَهم لا تَضُرُّكم.

﴿ واخْشَوْنِي ﴾ فَلا تُخالِفُوا ما أمَرْتُكم بِهِ.

﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ عِلَّةُ مَحْذُوفٍ أيْ وأمَرْتْكم لِإتْمامِي النِّعْمَةَ عَلَيْكم وإرادَتِي اهْتِداءَكُمْ، أوْ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ: واخْشَوْنِي لِأحْفَظَكم مِنهم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ، أوْ لِئَلّا يَكُونَ وفي الحَدِيثِ «تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ» .

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ « تَمامُ النِّعْمَةِ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الكاف في {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} إما أن يتعلق بما قبله أي ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول أو بما بعده أي كما ذكر تكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب فعلى هذا يوقف على تهتدون وعلى الأول لا {رسولا منكم} نم العرب {يتلو عليكم} يقرا عليكم {آياتنا} القرآن {وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب} القرآن {والحكمة} السنة والفقه {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} مالا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، فالكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في أمْرِ القِبْلَةِ أوْ في الآخِرَةِ، إتْمامًا مِثْلَ إرْسالِ الرَّسُولِ، وذِكْرُ الإرْسالِ وإرادَةُ الإتْمامِ مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ، وفِيكم مُتَعَلِّقٌ بِـ أرْسُلِنا وقُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ تَعْجِيلًا بِإدْخالِ السُّرُورِ، ولِما في صِفاتِهِ مِنَ الطَّوْلِ، وقِيلَ: مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ أيِ: اذْكُرُونِي ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِي لَكم بِالإرْسالِ، أوِ اذْكُرُونِي بَدَلُ إرْسالِنا فِيكم رَسُولًا، فالكافُ لِلْمُقابَلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرُونِي، ومِنها يُسْتَفادُ التَّشْبِيهُ؛ لِأنَّ المُتَقابِلَيْنِ مُتَشابِهانِ ومُتَبادِلانِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ افْتِنانٌ وجَرَيانٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وإشارَةٌ إلى عَظَمَةِ نِعْمَةِ هَذا الإرْسالِ، وهَذا الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ﴾ صِفَةُ (رَسُولًا)، وفِيهِ إشارَةٌ إلى طَرِيقِ إثْباتِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ تِلاوَةَ الأُمِّيِّ الآياتِ الخارِجَةَ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ بِاعْتِبارِ بَلاغَتِها واشْتِمالِها عَلى الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والمَصالِحِ الَّتِي يَنْتَظِمُ بِها أمْرُ المَعادِ والمَعاشِ أقْوى دَلِيلٍ عَلى نُبُوَّتِهِ.

﴿ ويُزَكِّيكُمْ ﴾ أيْ: يُطَهِّرُكم مِنَ الشِّرْكِ، وهي صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّسُولِ، وأتى بِها عَقِبَ التِّلاوَةِ؛ لِأنَّ التَّطْهِيرَ عَنْ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ إظْهارِ المُعْجِزَةِ لِمَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - تَوْفِيقَهُ.

﴿ ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ صِفَةٌ إثْرَ صِفَةٍ، وأُخِّرَتْ؛ لِأنَّ تَعْلِيمَ الكِتابِ وتَفْهِيمَ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ والأسْرارِ الرَّبّانِيَّةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ التَّخَلِّي عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ ونَجَسِ الشَّكِّ بِالاتْباعِ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فالكُفْرُ حِجابٌ، وقَدَّمَ التَّزْكِيَةَ عَلى التَّعْلِيمِ في هَذِهِ الآيَةِ وأخَّرَها عَنْهُ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ لِاخْتِلافِ المُرادِ بِها في المَوْضِعَيْنِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، وقِيلَ: التَّزْكِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وتَهْذِيبُها المُتَفَرِّعُ عَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلُ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ، إلّا أنَّها وُسِّطَتْ بَيْنَ التِّلاوَةِ والتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ كَوْنَ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً، وقِيلَ: قُدِّمَتِ التَّزْكِيَةُ تارَةً وأُخِّرَتْ أُخْرى؛ لِأنَّها عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِتَعْلِيمِ ( الكِتابِ والحِكْمَةِ )، وهي مُقَدَّمَةٌ في القَصْدِ والتَّصَوُّرِ مُؤَخَّرَةٌ في الوُجُودِ والعَمَلِ، فَقُدِّمَتْ وأُخِّرَتْ رِعايَةً لِكُلٍّ مِنهُما، واعْتُرِضَ بِأنَّ غايَةَ التَّعْلِيمِ صَيْرُورَتُهم أزْكِياءَ عَنِ الجَهْلِ لا تَزْكِيَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إيّاها المُفَسَّرَةَ بِالحَمْلِ عَلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إمّا بِتَعْلِيمِهِ إيّاهم أوْ بِأمْرِهِمْ بِالعَمَلِ بِهِ، فَهي إمّا نَفْسُ التَّعْلِيمِ أوْ أمْرٌ لا تَعْلُّقَ لَهُ بِهِ، وغايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْلِيمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ زَوالُ الشَّكِّ وسائِرُ الرَّذائِلِ تَزْكِيَتُهُ إيّاهُمْ، فَهو بِاعْتِبارٍ غايَةٌ وبِاعْتِبارٍ مُغَيًّا - كالرَّمْيِ والقَتْلِ - في قَوْلِهِمْ: رَماهُ فَقَتَلَهُ فافْهَمُ ﴿ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ 151 مِمّا لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ سِوى الوَحْيِ وكانَ الظّاهِرُ وما لَمْ تَكُونُوا لِيَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، إلّا أنَّهُ تَعالى كَرَّرَ الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ مُشارِكٍ لِما قَبْلَهُ أصْلًا، فَهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ إرْسالِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، ولَوْلاهُ لَكانَ الخَلْقُ مُتَحَيِّرِينَ في أمْرِ دِينِهِمْ لا يَدْرُونَ ماذا يَصْنَعُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ، يعني محمدا  يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا أي القرآن وقوله: مِنْكُمْ أي من العرب.

ويقال: آدمي مثلكم لأنه لو كان من الملائكة لا يستطيعون النظر إليه، فأرسل آدمياً مثلكم يتلو عليكم القرآن وَيُزَكِّيكُمْ.

قال الكلبي: ويصلحكم بالزكاة.

وقال مقاتل: يطهركم من الشرك والكفر.

وقال الزجاج: خاطب به العرب أنه بعث رسولاً منكم، وأنتم كنتم أهل الجاهلية لا تعلمون الكتاب والحكمة، فكما أنعمت عليكم بالرسالة فاذكروني بالتوحيد.

ويقال قوله: كما وصل بما قبله ومعناه: ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم.

ويقال: وصل بما بعده، ومعناه: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ.

وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فاعرفوا هذه النعمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ...

الآية: الضمير في يعرفونه عائدٌ على الحق في القبلة، والتحوُّل إلى الكعبة، قال ابن عبَّاس وغيره «١» ، وقال مجاهدٌ وغيره:

هو عائدٌ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، أي: يعرفون صدْقَه ونبوَّته «٢» .

ت: بل وصفاتِهِ.

وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ: الفريقُ: الجماعةُ، وخص، [لأن] منهم من أسلم ولم يكتم والإشارة بالحق إلى ما تقدَّم على الخلاف في ضمير يَعْرِفُونَهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ظاهرٌ في صحَّة الكفر عناداً.

وقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أي: هو الحق، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:

الخطاب للنبيّ/ صلّى الله عليه وسلم والمرادُ أمَّته، وامترى في الشيء، إِذا شك فيه ومنه: المراء، لأن ٣٨ ب هذا يشك في قول هذا.

وقوله تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ

: الوجهةُ: من المواجهة كالقبلة، والمعنى: ولكلِّ صاحبِ ملَّة وجهةٌ هو مولِّيها نفْسَه، قاله ابن عبّاس وغيره «٣» .

وقرأ ابن عامر «١» : «هُوَ مَولاَّهَا» ، أيْ: اللَّه مُوَلِّيها إياهم، ثم أمر تعالى عباده باستباق الخَيْرات، والبدارِ، إلى سبيل النجاة، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده أَن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الخَيْرِ فَلْيَنْتَهُزْهُ «٢» ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، متى يُغْلَقُ عَنْهُ» .

انتهى.

ثم وعظهم سبحانه بذكْر الحشر موعظةً تتضمَّن وعيداً وتحذيراً.

ص: «أينما» ظرفٌ مضمَّن معنى الشرط في موضعِ خَبَرِ «كان» .

انتهى.

وقوله: أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً

يعني به البعْثَ من القبور.

وقوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ معناه: حيثُ كنْتَ، وأَنى توجَّهْتَ من مشارقِ الأرض، ومغاربِها، وكرَّرت هذه الآية تأكيداً من اللَّه سبحانه لأن موقع التحويلِ كان صَعْباً في نفوسهم جدًّا، فأكَّد الأمر ليرى الناسُ التهمُّم به، فيخفَّ عليهم وتسكُنَ نفوسُهم إليه.

وقوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ...

الآية: المعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لذلك لئلاَّ يكون للناسِ عليكم حجةٌ، والمراد ب «النَّاس» العمومُ في اليهودِ والعربِ وغيرهم إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، أي: من المذكورين ممَّن تكلَّم في النازلة في قولهم: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [البقرة: ١٤٢] .

وقوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ...

الآية: [فيه] تحقيرٌ لشأنهم، وأمر باطراح أمرهم، ومراعاة أمره سبحانه، قال الفَخْر «٣» : وهذه الآية تدلُّ على أن الواجب علَى المَرْء في كلِّ أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه خشيةَ ربه تعالى، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخَلْقِ شيء البتَّةَ وألاَّ يكون مشتغل القَلْب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم.

انتهى.

قال ص: إِلَّا الَّذِينَ استثناءٌ متَّصِلٌ، قاله ابن عباس وغيره، أي: لئلاَّ تكون حجةٌ من اليهود المعاندين القائلين ما ترك قبلتنا، وتوجَّه للكعبة إِلاَّ حبًّا لبلده، وقيل:

منقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم فإِنهم يتعلَّقون عليكم بالشُّبَه، وزعم أبو عُبَيْدة مَعْمَرُ بْنُ المثنى: إن «إِلاَّ» في الآية بمعنى «الواو» ، قال ومنه: [الوافر] :

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوه ...

لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ «١»

أي: والَّذين ظلموا، وَالفَرْقَدَان، ورُدَّ بأنَّ «إِلاَّ» بمعنى الواو ولا يقوم علَيْه دليلٌ.

انتهى.

وقوله تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أمر باستقبال القبْلَة، وهو شرطٌ في الفرض إِلاَّ في القتالِ حالة الالتحامِ، وفي النوافل إِلا في السفرِ الطويلِ للرَّاكب، والقدرةُ على اليقينِ في مصادفتها تَمْنَعُ من الاِجتهادِ، وعلى الاِجتهادِ تَمْنَعُ من التقليد.

وقوله سبحانه: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عطْفٌ على قوله: «لَئِلاَّ» وقيل: هو في موضع رفع بالاِبتداء، والخبرُ مضمرٌ، تقديره: ولأتمَّ نعمتي عليكم، عرَّفتكم قبلتي، ونحوهُ، وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ترجٍّ في حقِّ البشر، والكافُ في قوله: «كَمَا» ردٌّ على قوله:

«وَلأُتِمَّ» ، أي: إِتماماً كما، وهذا أحسنُ الأقوال، أي: لأتم نعمتي عليكم في بيان سُنَّة إِبراهيم عليه السلام/ كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ إِجابة لدعوته في قوله: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: ١٢٩] .

٣٩ أ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "كَما" لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِما قَبْلَها، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِقَوْلِهِ: ﴿ فاذْكُرُونِي ﴾ وقَدْ رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ عَلَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، مُقاتِلٍ.

والآَيَةُ خِطابٌ لِمُشْرِكِي العَرَبِ.

وفي قَوْلِهِ: (وَيُزَكِّيهِمْ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها في قِصَّةِ إبْراهِيمَ.

والكِتابُ: القُرْآَنُ.

والحِكْمَةُ: السُّنَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمُ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ ﴾ ، هو فَرْضُ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ عَلى المُصَلِّينَ، وفَرْضُ المُصَلِّي ما دامَ يَرى الكَعْبَةَ أنْ يُصادِفَها بِاسْتِقْبالِهِ، فَإذا غابَتْ عنهُ فَفَرْضُهُ الِاجْتِهادُ في مُصادَفَتِها، فَإنِ اجْتَهَدَ ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنَّهُ أخْطَأ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ أنْ يُعِيدَ في الوَقْتِ إحْرازًا لِفَضِيلَةِ القِبْلَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الباقُونَ "لِئَلّا" بِالهَمْزِ.

والمَعْنى: عَرَّفْتُكم وجْهَ الصَوابِ في قِبْلَتِكم والحُجَّةُ في ذَلِكَ "لِئَلّا" وقَوْلُهُ: "لِلنّاسِ" عُمُومٌ في اليَهُودِ والعَرَبِ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالناسِ اليَهُودُ، ثُمَّ اسْتَثْنى كُفّارَ العَرَبِ، وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" يَرُدُّ هَذا التَأْوِيلَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: "إلّا الَّذِينَ" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا مَعَ كَوْنِ الناسِ اليَهُودُ فَقَطْ، وقَدْ ذَكَرْنا ضِعْفَ هَذا القَوْلِ، والمَعْنى: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مَن تَكَلَّمَ في النازِلَةِ مِن غَيْرِ اليَهُودِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ زَيْدٍ: "ألا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللامِ عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحٍ لِكَلامٍ، فَيَكُونُ "الَّذِينَ" ابْتِداءً، أو عَلى مَعْنى الإغْراءِ بِهِمْ فَيَكُونُ "الَّذِينَ" نَصْبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ﴾ الآيَةُ، تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وأمْرٌ بِاطِّراحِ أمْرِهِمْ ومُراعاةِ أمْرِهِ، وقَوْلَهُ: "وَلِأُتِمَّ" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِئَلّا"، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، والتَقْدِيرُ: لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي ونَحْوَهُ.

﴿ وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، والكافُ في قَوْلِهِ "كَما" رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: "لِأُتِمَّ" أيْ إتْمامًا كَما، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، أيْ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في بَيانِ سُنَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿ كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ ﴾ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ  ﴾ الآيَةُ، وقِيلَ: الكافُ مِن "كَما" رَدٌّ عَلى "تَهْتَدُونَ" أيِ اهْتِداءً كَما، وقِيلَ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقِيلَ: هو في مَعْنى التَأْخِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "فاذْكُرُونِي".

وهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَسُولا مِنكُمْ ﴾ ، و"يَتْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِفَةِ، والآياتُ: القُرْآنُ، و"يُزَكِّيكُمْ": يُطَهِّرُكم مِنَ الكُفْرِ ويُنَمِّيكم بِالطاعَةِ، و"الكِتابَ" القُرْآنُ، و"الحِكْمَةَ" ما يُتَلَقّى عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن سُنَّةٍ وفِقْهٍ في دِينٍ.

و ﴿ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ قِصَصُ مَن سَلَفَ، وقِصَصُ ما يَأْتِي مِنَ الغُيُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تشبيهن للعلتين من قوله: ﴿ لأتم ﴾ [البقرة: 150] وقوله: ﴿ ولعلكم تهتدون ﴾ [البقرة: 150] أي ذلك من نعمتي عليكم كنعمة إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وجعل الإرسال مشبهاً به لأنه أسبق وأظهر تحقيقاً للمشبه أي إن المبادئ دلت على الغايات وهذا كقوله في الحديث «كما صليت على إبراهيم» ونكر (رسول) للتعظيم ولتجري عليه الصفات التي كل واحدة منها نعمة خاصة، فالخطاب في قوله: ﴿ فيكم ﴾ وما بعده للمؤمنين من المهاجرين والأنصار تذكيراً لهم بنعمة الله عليهم بأن بعث إليهم رسولاً بين ظهرانيهم ومن قومهم لأن ذلك أقوى تيسيراً لهدايتهم، وهذا على نحو دعوة إبراهيم: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ [البقرة: 129] وقد امتن الله على عموم المؤمنين منالعرب وغيرهم بقوله: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164] أي جنسهم الإنساني لأن ذلك آنس لهم مما لو كان رسولهم من الملائكة قال تعالى: ولذلك علق بفعل ﴿ أرسلنا ﴾ حرفُ فِي ولم يعلَّق به حرف إلى كما في قوله: ﴿ إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم ﴾ [المزمل: 15]، لأن ذلك مقام احتجاج وهذا مقام امتنان فناسب أن يذكر ما به تمام المنة وهي أن جعل رسولهم فيهم ومنهم، أي هو موجود في قومهم وهو عربي مثلهم، والمسلمون يومئذٍ هم العرب أي الذين يتكلمون باللغة العربية فالأمة العربية يومئذٍ تتكلم بلسان واحد سواء في ذلك العدنانيون والقحطانيون ومن تبعهم من الأحلاف والموالي مثل سلمانَ الفارسي وبلال الحبشي وعبدِ الله بن سَلاَم الإسرائيلي، إذ نعمة الرسالة في الإبلاغ والإفهام، فالرسول يكلمهم بلسانهم فيفهمون جميع مقاصده، ويدركون إعجاز القرآن، ويفوزون بمزية نقل هذا الدين إلى الأمم، وهذه المزية ينالها كل من تعلَّم اللسان العربي كغالب الأمم الإسلامية، وبذلك كان تبليغ الإسلام بواسطة أمة كاملة فيكون نقله متواتراً، ويسهل انتشاره سريعاً.

والرسول المُرسَل فهو فَعُول بمعنى المفعول مثل ذَلول، وسيأتي الكلام عليه من جهة مطابقة موصوفة عند قوله تعالى: ﴿ فقولا إنا رسول رب العالمين ﴾ [الشعراء: 16] في سورة الشعراء.

وقوله: ﴿ يتلوا عليكم أياتنا ﴾ أي يقرأ عليكم القرآن وسماه أولاً آيات باعتبار كون كل كلام منه معجزة، وسماه ثانياً كتاباً باعتبار كونه كتاب شريعة، وقد تقدم نظيره آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ [البقرة: 129].

عبر بيتلو لأن نزول القرآن مستمر وقراءة النبي له متوالية وفي كل قراءة يحصل علم بالمعجزة للسامعين.

وقوله: ﴿ ويزكيكم ﴾ الخ التزكية تطهير النفس مشتقة من الزكاة وهي النماء، وذلك لأن في أصل خلقة النفوس كمالاتتٍ وطهاراتتٍ تعترضُها أرجاس ناشئة عن ضلال أو تضليل، فتهذيب النفوس وتقويمها يزيدها من ذلك الخير المودع فيها، قال تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تكوين، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [التين: 4 6]، وفي الحديث: «بُعثت لأُتمم حُسْن الأخلاق» ففي الإرشاد إلى الصلاح والكمال نماء لما أودع الله في النفوس من الخير في الفطرة.

وقوله: ﴿ ويعلمكم الكتاب والحكمة ﴾ أي يعلمكم الشريعة فالكاب هنا هو القرآن باعتبار كونه كتاب تشريع لا باعتبار كونه معجزاً ويعلمكم أصولَ الفضائل، فالحكمة هي التعاليم المانعة من الوقوع في الخطأ والفساد، وتقدم نظيره في دعوة إبراهيم وسيأتي أيضاً عند قوله تعالى: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ [البقرة: 269] في هذه السورة.

وقدمت جملة: ﴿ يتلوا عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ﴾ [البقرة: 129]، لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين فقدم فيها ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتماماً بها وبعثاً لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلاً للبشارة بها.

فأما في دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته في الخارج، مع ما في ذلك التخالف من التفنن.

وقوله: ﴿ ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ تعميم لكل ما كان غير شريعة ولا حكمة من معرفة أحوال الأمم وأحوال سياسة الدول وأحوال الآخرة وغير ذلك.

وإنما أعاد قوله: ﴿ ويعلمكم ﴾ مع صحة الاستغناء عنه بالعطف تنصيصاً على المغايرة لئلا يظن أن: ﴿ ما لم تكونوا تعلمون ﴾ هو الكتاب والحكمة، وتنصيصاً على أن: ﴿ ما لم تكونوا ﴾ مفعولاً لا مبتدأ حتى لا يترقب السامع خبراً له فيضل فهمه في ذلك الترقب، واعلم أأن حرف العطف إذا جيء معه بإعادة عامل كان عاطفه عاملاً على مثله فصار من عطف الجمل لكن العاطف حينئذٍ أشبه بالمؤكد لمدلول العامل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ أمْرَهُ في اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، لِما جَرى مِن خَوْضِ المُشْرِكِينَ ومُساعَدَةِ المُنافِقِينَ، بِإعادَتِهِ فَقالَ: ﴿ وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ تَبْيِينًا لِنَبِيِّهِ وصَرْفًا لَهُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ اليَهُودِ: أنَّهم يَتْبَعُونَهُ إنْ عادَ.

﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهم في الخَيْرِ.

والثّانِي: تَحْذِيرًا مِنَ المُخالَفَةِ.

ثُمَّ أعادَ اللَّهُ تَعالى تَأْكِيدَ أمْرِهِ، لِيَخْرُجَ مِن قُلُوبِهِمْ ما اسْتَعْظَمُوهُ مِن تَحْوِيلِهِمْ إلى غَيْرِ ما ألِفُوهُ، فَقالَ: ﴿ وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ ﴾ فَأفادَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ مَعَ اسْتِوائِها في التِزامِ الحُكْمِ فائِدَةً مُسْتَجَدَّةً: أمّا الأمْرُ الأوَّلُ فَمُفِيدٌ لِنَسْخِ غَيْرِهِ، وأمّا الأمْرُ الثّانِي فَمُفِيدٌ لِأجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ أنَّهُ لا يَتَعَقَّبُهُ نَسْخٌ.

وَأمّا الأمْرُ الثّالِثُ فَمُفِيدٌ أنْ لا حُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ أنَّ لَهم عَلَيْكم حُجَّةً.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى، ولَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَدْ يَحْتَجُّونَ عَلَيْكم بِأباطِيلِ الحُجَجِ، وقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الحُجَّةِ عَلى ما بَطَلَ مِنها، لِإقامَتِها في التَّعَلُّقِ بِها مَقامَ الصَّحِيحِ حَتّى يَظْهَرَ فَسادُها لِمَن عَلِمَ، مَعَ خَفائِها عَلى مَن جَهِلَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ فَسَمّاها حُجَّةً، وجَعَلَها عِنْدَ اللَّهِ داحِضَةً.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ بَعْدَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَتَكُونُ (إلّا) بِمَعْنى (بَعْدَ) كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ  ﴾ أيْ بَعْدَما قَدْ سَلَفَ.

وَكَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى  ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتَةِ الأُولى.

وَأرادَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا قُرَيْشًا واليَهُودَ، لِقَوْلِ قُرَيْشٍ حِينَ اسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ: قَدْ عَلِمَ أنَّنا عَلى هُدًى، ولِقَوْلِ اليَهُودِ: إنْ رَجَعَ عَنْها تابَعْناهُ.

﴿ فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ﴾ في المُخالَفَةِ ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما هَدَيْناكم إلَيْهِ مِنَ القِبْلَةِ.

والثّانِي: ما أعْدَدْتُهُ لَكم مِن ثَوابِ الطّاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم ﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ ﴾ الآية، تكلم النحويون وأرباب المعاني في أن الكاف في قوله: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ بماذا تتعلق، فذكروا فيه قولين (١) ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي ﴾ ، فيكون المعنى: ولأتم نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولًا، أي: أتم هذه كما أتممت تلك، وبيان هذا: ما ذكر محمد بن جرير، قال: إن إبراهيم  دعا بدعوتين: إحداهما: قوله ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا  ﴾ .

الثانية: قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ  ﴾ وهو محمد  ، فالله تعالى قال: ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعمَتِى ﴾ ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم، ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ﴾ يعني (٢) ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً ﴾ (٣) (٤) القول الثاني: أن ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ جواب لقوله: ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾ معناه: فاذكروني أذكركم كما أرسلنا، فيكون هذا بمنزلة جزاءٍ له جوابان، أحدهما: مقدم، والآخر: مؤخر، ومثله من الكلام: إذا أتاك عبد الله فأتِه (٥) (٦) قال ابن الأنباري: وفسر بعض (٧) ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾ جوابه، و ﴿ أَذْكُرْكُمْ ﴾ جواب الشرط المقدر من الأمر في ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾ وكذلك: إذا أتاك عبد الله فأتِه تُرضِه، (إذا) محمولة على معنى الشرط، والفاء جواب (٨) ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾ كان (كما) جوابًا له، فلما جُعِلَ له جوابٌ كان (كما) مذهوبًا به مذهب الشرط.

وهذا القول موافق لتفسير الآية؛ لأن الآية خطاب لمشركي العرب (٩)  فقال: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ ﴾ محمدًا، وهو رجل منكم أمي، تعلمون أنه لم يتلُ كتابًا، فأنبأكم (١٠) ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾ بتوحيدي، وتصديقه ﴿ أَذْكُرْكُمْ ﴾ برحمتي ومغفرتي والثناء عليكم (١١) قال ابن عباس: قوله: ﴿ وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ﴾ قال: هذا كله للمهاجرين والأنصار، فأوّل الآية الخطابُ عامٌّ؛ لأن الإرسال عام، وباقي الآية خاص؛ لأن تلاوته وتعليمه وتزكيته مما خص الله به أقوامًا دون (١٢) ومعنى قوله: ﴿ وَيُزَكِّيكُمْ ﴾ أي: يعرضكم لما تكونون به أزكياء، من الأمر بطاعة الله، واتباع مرضاته (١٣) (١٤) (١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 36، والثعلبي 1/ 1262.

(٢) في (ش): (معنى).

(٣) "تفسير الطبري" 1/ 35 - 36 بتصرف.

ورجحه مكي بن أبي طالب في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 114، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 444.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 92، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1262.

(٥) في (ش): كتبت: (فأنه).

(٦) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 92، وذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 262، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 444 أن هذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل، وهو اختيار الأخفش والزجاج وابن كيسان والأصم، وردّ الطبري في "تفسيره" 2/ 36 قول من قال: معنى الآية: فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم == وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، فأغربوا النزع وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف، وسوى وجهه المفهوم.

ثم فسر ذلك، ثم ذكر الرد على من قال بالجزاء الذي له جوابان، فقال: وهذا القول وإن كان مذهبا من المذاهب، فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب.

وذكر في "البحر المحيط" 1/ 444: أن مكي بن أبي طالب رد هذا القول، وقال: لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به فاقبله لاشتغاله بجوابه، وقد رد كلامه أبو حيان في "البحر" وفصَّل.

(٧) في (م): (وفسر هذا).

(٨) في نسخة (ش): (والفاء جوابها وترضه جواب الشرط مقدر من الإتيان ..) والمثبت من نسختي (أ)، (م).

(٩) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 1/ 1262.

(١٠) سقطت من (ش).

(١١) من كلام الزجاج 1/ 228، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 37، والثعلبي 1/ 1262 - 1265، والبغوي 1/ 167.

(١٢) سقط في نسختي: (أ)، (م).

وأما في (ش) فبياض بمقدار كلمة ولعلها (أقوام).

(١٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 36 - 37.

(١٤) ينظر ما تقدم في قوله: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة ﴿ شَطْرَ المسجد ﴾ جهة ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ خبر يتضمن النهي ووحدت قبلتهم، وإن كانت جهتين لاتحادهم في البطلان ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ لأن اليهود لعنهم الله يستقبلون المغرب والنصارى المشرق ﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ أي يعرفون القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر القبلة ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ مبالغة في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي صلى الله عليه وسلم أشدّ من معرفتي بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشك ﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ ولك أي لكل أحد أو لكل طائفة ﴿ وِجْهَةٌ ﴾ أي جهة، ولم تحذف الواو لأنه ظرف مكان، وقيل: إنه مصدر، وثبت فيه الواو على غير قياس ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ أي بادروا إلى الأعمال الصالحات ﴿ يَأْتِ بِكُمُ الله ﴾ أي يبعثكم من قبوركم ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾ الأمر كرر للتأكيد أو ليناط به ما بعده ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ ﴾ الآية: معناها أن الصلاة إلى الكعبة تدفع حجة المعترضين من الناس، فإن أريد اليهود فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يتحوّل إلى الكعبة، فلما صلى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين، وإن أريد قريش فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به ﴿ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ أي من يتكلم بغير حجة ويعترض التحوّل إلى الكعبة، والاستثناء متصل؛ لأنه استثناء من عموم الناس.

ويحتمل الانقطاع على أن يكون استثناء ممن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة ﴿ وَلأُتِمَّ ﴾ متعلق بمحذوف أي فعلت ذلك لأتمّ، أو معطوف على لئلا يكون ﴿ كَمَآ أَرْسَلْنَا ﴾ متعلق بقوله لأتم، أو بقوله فاذكروني والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أم تقولون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة.

الوقوف: ﴿ تهتدوا ﴾ (ط) ﴿ المشركين ﴾ (ه) ﴿ ومن ربهم ﴾ (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه حال أي آمنا غير مفرقين ﴿ منهم ﴾ (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ اهتدوا ﴾ (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ شقاق ﴾ ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول الفاء ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال ﴿ العليم ﴾ (ط) لأن الجملة الناصبة لقوله ﴿ صبغة الله ﴾ محذوفة يدل عليها قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ وقوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ شرط معترض ﴿ صبغة الله ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال ﴿ صبغة ﴾ (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا ﴿ عابدون ﴾ (ه) ﴿ وربكم ﴾ (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفاً على الحال الأولى ويصلح أن يكون مستأنفاً ﴿ أعمالكم ﴾ (ج) ﴿ مخلصون ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ أم يقولون ﴾ بياء الغيبة، ومن قرأ بالتاء لم يقف لكون "أم" معادلة للهمزة في ﴿ أتحاجوننا ﴾ ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أم الله ﴾ (ط) ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ تعملون ﴾ (ه) ﴿ فدخلت ﴾ (ج) ﴿ ما كسبتم ﴾ (ج) ﴿ يعملون ﴾ .

التفسير: إنه  لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعاً من شبه الطاعنين منها: أن اليهود قالوا ﴿ كونوا هوداً ﴾ تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر مثل هذا في قوله  ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ أي نكون أهل ملته مثل ﴿ وسئل القرية  ﴾ أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرئ بالرفع أي ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفاً حال من المضاف إليه كقولك "رأيت وجه هند قائمة" وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقاً هو الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول.

فالحال عن المضاف إليه ترجع في التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال وحاصل الجواب أن المعّول في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف.

وقد اتفق الكل على صحة دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله ﴿ وما كان من المشركين ﴾ لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضاً قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد وخالص الإسلام في شيء ﴿ قولوا ﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله ﴿ بل ملة إبراهيم ﴾ يجوز أن يكون أمراً لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد  وجب الاعتراف بنبوته والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن أن قوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ خطاب للنبي وقوله ﴿ قولوا ﴾ خطاب لأمته والظاهر العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوقفة على معرفته وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب والسنة، قال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب.

وقيل: السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي النبي  فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، عدّد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل.

﴿ لا نفرق بين أحد منهم ﴾ لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كأهل الكتاب.

ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أولا نقول إنهم متفرقون في أصول الديانة ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً  ﴾ وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ إذعاناً وإخلاصاً فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان إسلامه تقليداً أو هوى.

ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وههنا سؤال وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله ﴿ بمثل ما آمنتم به ﴾ ؟

والجواب أن قوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد ﴿ فقد اهتدوا ﴾ لكن لا دين صحيحاً سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه "هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به" وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم.

وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ﴿ فإن آمنوا بما آمنتم به ﴾ وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد  .

وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله  وكشف عن وجوهها، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى.

وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، فلا جرم آمنه الله  والمؤمنين من كيدهم وقال ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ وناهيك به من كاف كافل.

ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة "لن" قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح ﴿ وهو السميع العليم ﴾ وعد لرسول الله  أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك ﴿ صبغة الله ﴾ مصدر مؤكد منتصب عن قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من ﴿ ملة إبراهيم ﴾ أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام.

والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة.

والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس.

وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرام، ونظيره قوله ﴿ إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم  ﴾ وقيل: اللفظة من قولهم "فلان يصبغ فلاناً في الشر" أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب.

وقيل: سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه.

﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود  ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان.

وقيل: صبغة الله فطرته.

أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به.

وقيل: صبغة الله الختان.

وقيل: حجة الله.

وقيل: سنة الله.

﴿ ومن أحسن من الله صبغة ﴾ معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك.

﴿ ونحن له عابدون ﴾ عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مراراً.

﴿ قل أتحاجوننا ﴾ أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ وقولهم ﴿ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلاً له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي ﴿ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ فكما أن لكم أعمالاً ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن ﴿ نحن له مخلصون ﴾ موحدون لا نقصد بالعبادة أحداً سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد الكرامة من عنده.

﴿ أم تقولون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون "أم" منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في ﴿ أتحاجوننا ﴾ واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكاراً عليهم واستجهالاً لهم بما كان منهم.

وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟

ومن قرأ بياء الغيبة فلا تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات.

﴿ قل أأنتم أعلم أم الله ﴾ بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل والقرآن بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وكيف لا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟

ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما التجهيل.

﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قوله ﴿ من الله ﴾ إما أن يتعلق بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند الله وكتمها وأخفاها منه وأما أن يتعلق بشهادة كقولك "عندي شهادة من فلان" ومثله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم.

﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحداً كان عليه رقيب من قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم أسراره ويعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟

﴿ تلك أمة ﴾ إشارة إلى إبراهيم وبنيه.

كما مر، وإنما أعيدت الآية ههنا لغرض آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قد ذكرنا أنه يخرج على الوعد له.

قوله: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ .

قال بعض المُفْتُون: إنه كان يقلب بصره إلى السماء لما يكره أن تكون قبلته قبلة اليهود.

ولكن هذا بعيد؛ لأن مثل هذا لا يظن بأحد من المسلمين، فكيف برسول الله  ؟

إلا أن يقال: كره كراهة الطبع والنفس، وأما كراهة الاختيار، فلا يحتمل.

ويقال: إنه كان حبب إليه الصلاة حتى لا يصبر عنها، وقد نهى عن الصلاة إلى بيت المقدس، ولم يؤمر بعد التوجه إلى غيرها، فكان تقلب وجهه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالتوجه إلى غيرها، أو أن يقال: "قبلة ترضاها"؛ لأنها كانت قبلة الأنبياء من قبل، فلا شك أنه كان يرضاها.

وهذا جائز في الكلام.

يقول الرجل لآخر: أعطيك شيئاً ترضاه، وإن لم يظهر منه الكراهية في ذلك، ولا التردد.

وقوله: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .

وقد ذكرنا القول في القبلة، والاختلاف فيه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي علموا أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حق، لكنهم يعاندون ويتبعون هواهم.

والثاني: أي علموا بما بُيِّن له في كتبهم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه سلم، وأنه حق.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ .

وهو على ما ذكرنا أنه على الوعيد والتهديد.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ .

في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يتابعون محمداً  في قبلته حيث آيسه عن متابعتهم إياه؛ لأنها لو كانت في أهل الكتاب كلهم لكان لهم الاحتجاج على رسول الله  ، ودعوى الكذب عليه؛ لأن من أهل الكتاب من قد آمن.

فدل أنهم لم يفهموا من عموم اللفظ عموم المراد، ولكن فهموا من عموم اللفظ خصوصاً.

وكان ظاهراً في أهل الإسلام وأهل الكفر جميعاً المعنى الذي وصفنا لك.

فظهر أنه لا يجوز أن يفهم من مخرج عموم اللفظ عموم المراد.

وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه في موضع الإخبار بالإياس عن الاتباع له.

ولا يوصل إلى مثله إلا بالوحي عن الله عز وجل.

وفيه أن كثرة الآيات وعظمها في نفسها لا يعجز المعاند عن اتباع هواه والاعتقاد لما يخالف هواه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ .

فيه الوعد له بالعصمة في حادث الوقت وما يتلوه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ ، أي: وما لك أن تتابعهم في القبلة، وهذا التأويل كأنه أقرب لما خرج آخر الآية على الوعيد له بقوة.

وقوله: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي.

ويحتمل: أن يكون المراد من الخطاب غيره.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .

لأن الأولاد إنما تعرف بالأعلام وأسباب تتقدم، فعلى ذلك معرفة الرسل، عليهم السلام، إنما تكون بالدلائل والأعلام، وقد كانت تلك الدلائل والأسباب في رسول الله ظاهرة، لكنهم تعاندوا وتناكروا وكتموا بعد معرفتهم به أنه الحق، دليله قوله: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

والكتمان أبداً إنما يكون بعد العلم بالشيء؛ لأن الجاهل بالشيء لا يوصف بالكتمان.

وروي عن عبد الله بن سلام، أنه قال: أعرفه أكثر مما أعرف ولدي؛ لأني لا أدري ما أحدث النساء بعدي.

وفيه الدلالة أن نعته وصفته كانت غير مغيرة يومئذ، وإنما غيرت بعد حيث أخبر أنهم كتموا ذلك.

وقيل: ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ  ﴾ : لا يؤمنون؛ وهو على ما بينا من نفي بذهاب نفعه، وجائز أن يكونوا عرفوه بما وجدوه بنعته في كتبهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون الخطاب له والمراد غيره.

ويحتمل: هو، وإن كان يعلم أنه لا يمتري؛ لما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء.

وقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: "هو موليها" [يعني الله موليها] ومحولها.

وقيل: "هو" يعني المصلي، هو موليها.

وقيل: ولى - أقبل وأدبر - ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ هو مستقبلها.

ويقال في قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ لكل ملة من المسلمين قبلكم جعلت قبلتها الكعبة.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: بادروا الأمم السالفة بالخيرات والطاعات.

وقيل: ﴿ فَٱسْتَبِقُواْ ﴾ هو اسم الازدحام، يقول: يبادر بعضكم بعضاً بالخيرات.

ويحتمل: أي استبقوا في أمر القبلة والتوجه إليها غيركم من الكفرة.

والله ورسوله أعلم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً ﴾ .

قيل: إينما كنتم يقبض الله أرواحكم من البقاع البعيدة والأمكنة الحصينة.

وقيل: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ ﴾ أي في أي حال كنتم - عظاماً ناخرة أو بالية أو رفاتاً - يجمعكم الله ويحييكم، ولا يتعذر عليه ذلك، وهو كقوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً  قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً  أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، أخبر أن شدة الحال عندكم لا يتعذر عليه، ولا يشتد من الإحياء والإماتة.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

من جمع ما ذكرنا من الأشياء المتفرقة وإحياء العظام البالية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كما أنعمنا عليكم نعمة أخرى؛ حيث أرسلنا إليكم رسولًا من أنفسكم، يقرأ عليكم آياتنا، ويطهركم بما يأمركم به من الفضائل والمعروف، وما ينهاكم عنه من الرذائل والمنكر، ويعلمكم القرآن والسُّنَّة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من أمور دينكم ودنياكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.l1rKJ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قالوا كان النبي  يتشوف لتحويل القبلة من بيت المقدس ويرجوه، بل قال (الجلال) إنه كان ينتظره، لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم والتوجه إليها أدعى إلى إيمان العرب، أي وعلى العرب المعول في ظهور هذا الدين العام، لأنهم كانوا أكمل استعدادًا له من جميع الأنام ..

ولا يعد في تشوفه إلى قبلة إبراهيم، وقد جاء بإحياء ملته، وتجديد دعوته، لا يعد هذا من الرغبة عن أمر الله تعالى إلى هوى نفسه، كلا إن هوى الأنبياء لا يعدو أمر الله تعالى وموافقة رضوانه.

ولو كان لأحد منهم هوى ورغبة في أمر مباح مثلًا وأمره الله بخلافه لانقلبت رغبته فيه إلى الرغبة عنه إلى ما أمر الله تعالى به ورضيه، بل المقام أدق، والسر أخفى، إن روح النبي منطوية على الدين في جملته من قبل أن ينزل عليه الوحي بتفصيل مسائله، فهي تشعر بصفائها وإشراقها بحاجة الأمة التي بعث فيها شعورًا إجماليًا كليًا لا يكاد يتجلى في جزئيات المسائل وآحاد الأحكام إلا عند شدة الحاجة إليها، والاستعداد لتشريعها، عند ذلك يتوجه قلب النبي إلى ربه طالبًا بلسان استعداده بيان ما يشعر به مجملًا، وإيضاح ما يلوح له مبهمًا، فينزل الروح الأمين على قلبه، ويخاطبه بلسان قومه عن ربه، وهكذا الوحي إمداد، في موطن استعداد، لا كسب فيه للعباد، وإذا كان حكم شرع لسبب مؤقت، وزمن في علم الله معين، فإن روح النبي تشعر بذلك في الجملة، فإذا تم الميقات، وأزف وقت الرقي إلى ما هو آت، وجدت من الشعور بالحاجة إلى النسخ ما يوجهها إلى الشارع العليم، والديان الحكيم، كما كان يتقلب وجه نبينا في السماء تشوقًا إلى تحويل القبلة فذلك قوله تعالى ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ  ﴾ أي أننا نرى تقلب وجهك أيها الرسول وتردده المرة بعد المرة في السماء، مصدر الوحي وقبلة الدعاء، انتظارًا لما ترجوه من نزول الأمر بتحويل القبلة.

فسّر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء، وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجه إليه فيما يرغب، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالألفاظ، فإن الله ينظر إلى القلوب وما أسرت فإن وافقتها الألسنة فهي تبع لها، وإلا كان الدعاء لغوًا يبغضه الله تعالى، فالدعاء الديني لا يتحقق إلا بإحساس الداعي بالحاجة إلى عناية الله تعالى، وعن هذا الإحساس يعبر اللسان بالضراعة والابتهال، فهذا التفسير ليس بأجنبي من سابقه.

فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه إلى الله تعالى انتظارًا لما كانت تشعر به روح النبي  وترجوه من نزول الوحي بتحويل القبلة.

ولا تدل الآية على أنه كان يدعو بلسانه طالبًا هذا التحويل ولا تنفي ذلك.

وقال بعض المحققين: من كمال أدبه  أنه انتظر ولم يسأل، وهذا التوجه هو الذي يحبه الله تعالى ويهدي قلب صاحبه إلى ما يرجوه ويطلبه لذلك قال  ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا  ﴾ أي فلنجعلنك متوليًا قبلة تحبها وترضاها، وقرن الوعد بالأمر فقال ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ .

تولية الوجه المكان أو الشيء هي جعله قبالته وأمامه، والتولي عنه جعله وراءه.

والشطر في الأصل القسم المنفصل من الشيء تقول جعله شطرين ومنه شطر البيت من الشعر وهو المصراع منه، وكذا المتصل كشطري الناقة وأشطرها وهي أخلافها: شطران أماميان وشطران خلفيان.

ويطلق على النحو والجهة وهو المراد هنا، فالواجب استقبال جهة الكعبة في حال البعد عنها وعدم رؤيتها ولا يجب استقبال عينها إلا على من يراها بعينه، أو يلمسها بيده أو بدنه.

فإن صح إطلاق الشطر على عين الشيء في اللغة فلا يصح أن يراد هنا لما فيه من الحرج الشديد لا سيما على الأمة الأمية.

ثم أمر بذلك المؤمنين عامة فقال ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ أي وفي أي مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم في صلاتكم، وهذا يقتضي أن يصلي المسلمون في بقاع الأرض إلى جميع الجهات لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، ويقتضي أن يعرفوا موقع البيت الحرام وجهته حيثما كانوا ولذلك وضعوا علم سمت القبلة وتقويم البلدان (الجغرافية الفلكية والأرضية).

وقد عهد من أسلوب القرآن أن يكون الأمر يؤمر به النبي، أمرًا له وللمؤمنين به، فإذا أريد التخصيص جيء بما يدل عليه كقوله تعالى ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ  ﴾ وقوله ﴿ خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وإنما أمر الله المؤمنين في هذه الآية بما أمر به النبي فيها نصًا صريحًا للتأكيد الذي اقتضته الحال في حادثة القبلة، فإنها كانت حادثة كبيرة استتبعت فتنة عظيمة، فأراد الله أن يعلم المؤمنين بعنايته بها ويقررها في أنفسهم، فأكد الأمر بها وشرفهم بالخطاب مع خطاب الرسول  لتشتد قلوبهم وتطمئن نفوسهم، ويتلقوا تلك الفتنة التي أثارها المنافقون والكافرون بالحزم والثبات على الاتباع ولئلا يتوهم من سابق الكلام أنه خاص به  .

بعد هذا عاد إلى بيان حال السفهاء مثيري الفتنة في مسألة تحويل القبلة فقال ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ  ﴾ أي أن تولي المسجد الحرام هو الحق المنزل من الله على نبيه.

وجمهور المفسرين على أن أكثر أولئك الفاتنين كانوا من أهل الكتاب المقيمين في الحجاز، ولولا ذلك لم تكن الفتنة عظيمة، لأن كلام المشركين في مسائل الوحي والتشريع قلما يلتفت إليه، وأما أهل الكتاب فقد كانوا معروفين بين العرب بالعلم، ومن كان كذلك فإن عامة الناس تتقبل كلامه، ولو نطق بالمحال، لأن الثقة بمظهره تصد عن تمحيص خبره، فهو في حاله الظاهرة شبهة إذا أنكر وحجة إذا اعترف، ولأن الجماهير من الناس قد اعتادوا تقليد مثله من غير بحث ولا دليل.

وقد جرى أصحاب المظاهر العلمية والدينية على الانتفاع بغرور الناس بهم، فصار الغرض لهم من أقوالهم التأثير في نفوس الناس، فهو يقولون ما لا يعتقدون لأجل ذلك ويسندون ما يقولون إلى كتبهم كذبًا صريحًا أو تأويلًا بعيدًا، كما كان أحبار اليهود يطعنون في النبي  وما جاء به ويذكرون للناس أقوالًا على أنها من كتبهم وما هي من كتبهم، إن يريدون إلا خداعًا، وقد كذب الله هؤلاء الخادعين، وبيّن أنهم يقولون غير ما يعتقدون، كأنه يقول إن هؤلاء قد قام عندهم الدليل على ما سبقت به بشارة أنبيائهم من صحة نبوة الرسول ويعلمون أن أمر القبلة كغيرها من أمور الدين ما جاء به الوحي عن الله تعالى وأنه الحق لا محيص عنه، لا مكان معين بذاته، لذاته، ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ  ﴾ فهو المطلع على الظواهر والضمائر، الحسيب على ما في السرائر، الرقيب على الأعمال، فيخبر نبيه بما شاء أن يخبره وإليه المرجع والمصير وعليه الحساب والجزاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ تَعْمَلُونَ  ﴾ بالتاء للخطاب: سبق القول بأن النبي  كان حريصًا على هداية أهل الكتاب راجيًا بإيمانهم ما لا يرجوه من إيمان المشركين، فبمقدار حرصه ورجائه كان يحزنه عروض الشُّبه لهم في الدين، ويتمنى لو أعطي من الآيات والدلائل ما يمحو كل شبهة لهم، فلما كانت فتنة تحويل القبلة بمخادعتهم الناس أخبره الله تعالى بأنهم غير مشتبهين في الحق فتزال شبهتهم، وإنما هم قوم معاندون جاحدون على علم، ثم أعلمه بأن الآيات لا تؤثر في المعاند ولا ترجع الجاحد عن غيه، فقال: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  ﴾ أي وتالله لئن جئتهم بكل آية على نبوتك وكل حجة على صدقك، ما تبعوا قبلتك فضلًا عن ملتك فلا يحزنك قولهم ولا إعراضهم، ولا تحسبن الآيات والدلائل مقنعة أو صارفة لهم عن عنادهم، فهم قوم مقلدون لا نظر لهم ولا استدلال، وكما أيأسه من اتباعهم قبلته أيأسهم من اتباعه قبلتهم فقال ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ  ﴾ فإنك الآن على قبلة إبراهيم الَذي يجلونه جميعًا ولا يختلف في حقيقة ملته أحد منهم، فهي الأجدر بالاجتماع عليها، وترك الخلاف إليها، فإذا كان أتباع إبراهيم لا يزحزحهم عن تعصبهم لما ألفوا، وعنادهم فيما اختلفوا، وإذا كان التقليد يحول بينهم وبين النظر في حقيقة معنى القبلة، وكون الجهات كلها لله تعالى، وأن الفائدة فيها الاجتماع دون الافتراق، فأي دليل أم آية ترجعهم عن قبلتهم؟

وأي فائدة ترجى من موافقتك إياهم عليها؟

ألم تر كيف اختلفوا هم في القبلة فجعل النصارى لهم قبلة غير قبلة اليهود التي كان عليها عيسى بعد موسى ﴿ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ  ﴾ لأن كلًا منهم قد جمد بالتقليد على ما هو عليه، والمقلد لا ينظر في آية ولا دليل، ولا في فائدة ما هو فيه والمقارنة بينه وبين غيره، فهو أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع، أغلف القلب لا يعقل ﴿ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ  ﴾ .

هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقامًا عند الله تعالى هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل، فإنه أفرده بالخطاب مع أن المراد به أمته، إذ يستحيل أن يتبع هو أهواءهم أو أن يجاريهم على شيء نهاه الله تعالى عنه، لينتبه الغافل ويعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس في مهاوي الباطل، كأنه يقول إن هذا ذنب عظيم لا يتسامح فيه مع أحد حتى لو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله تعالى لسجل عليه الظلم، وجعله من أهله الذين صار وصفًا لازمًا لهم ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ فكيف حال من ليس له ما يقارب من مكانته عند ربه  ؟

نقرأ هذا التشديد والوعيد، ونسمعه من القارئين، ولا نزدجر عن اتباع أهواء الناس ومجاراتهم على بدعهم وضلالاتهم، حتى إنك ترى الذين يشكون من هذه البدع والأهواء ويعترفون ببعدها عن الدين يجارون أهلها عليها، ويمازحونهم فيها، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا ماذا نعمل؟

ما في اليد حيلة.

العامة عمي.

آخر زمان.

وأمثال هذه الكلمات هي جيوش الباطل تؤيده وتمكنه في الأرض، حتى يحل بأهله البلاء ويكونوا من الهالكين.

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ذكر في الآية السابقة أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن ما جاء به النبي في أمر القبلة هو الحق من ربهم ولكنهم ينكرون ويمكرون، وذكر في هذه ما هو الأصل والعلة في ذلك العلم، وذلك الإنكار وهو أنهم يعرفون النبي  بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيء.

قال عبد الله بن سلام  وكان من علماء اليهود وأحبارهم: أنا أعلم به مني بابني؟

فقال له عمر  : لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت.

فقد اعترف من هداه الله من أحبارهم كهذا العالم الجليل وتميم الداري من علماء النصارى أنهم عرفوه  معرفة لا يتطرق إليها الشك ﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ أنه الحق الذي لا مرية فيه، فماذا يرجى منهم بعد هذا؟

وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في ﴿ يعْرِفُونَهُ  ﴾ لما ذكر من أمر القبلة، واستبعدوا عوده إلى الرسول مع تقدم ذكره في الآيات، ومع ما يعهد من الاكتفاء بالقرائن في مثل هذا التعبير.

وقد أسند هذا الكتمان إلى فريق منهم إذا لم يكونوا كلهم كذلك، فإن منهم من اعترف بالحق وآمن واهتدى به، ومنهم من كان يجحده عن جهل ولو علم به لجاز أن يقبله، وهذا من دقة حكم القرآن على الأمم بالعدل.

ثم قال عز شأنه: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ  ﴾ الامتراء الشك والتردد وإنما يعرض لمن لا يعرفون الحق.

والمعنى أن هذا الذي أنت عليه أيها الرسول هو الحق -أو أن جنس الحق في الدين هو الوحي- من عند ربك المعتني بسأنك، فلا تلتفت إلى أوهام هؤلاء الجاحدين، فإنها لا تصلح شبهة على الحق الصريح الذي علمك الله فتمتري به والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة وجه الخطاب به إلى النبي  والمراد أمته من كان منهم غير راسخ في الإيمان، وخشي عليه الاغترار بمظاهر أولئك المخادعين الذين يغتر بأمثالهم الأغرار في كل زمان ومكان، ولذلك ارتد بفتنة القبلة بعض ضعفاء الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل