تفسير الآية ٢٥١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥١ من سورة البقرة

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٥١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 179 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٥١ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٥١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( فهزموهم بإذن الله ) أي : غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم ( وقتل داود جالوت ) ذكروا في الإسرائيليات : أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به فأصابه فقتله ، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه في أمره فوفى له ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة ; ولهذا قال تعالى : ( وآتاه الله الملك ) الذي كان بيد طالوت ( والحكمة ) أي : النبوة بعد شمويل ( وعلمه مما يشاء ) أي : مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) أي : لولاه يدفع عن قوم بآخرين ، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ) الآية [ الحج : 40 ] .

وقال ابن جرير ، رحمه الله : حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " .

ثم قرأ ابن عمر : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) وهذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد [ هذا ] هو أبو زكريا العطار الحمصي وهو ضعيف جدا .

ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ، ولا يزالون في حفظ الله عز وجل ما دام فيهم " .

وهذا أيضا غريب ضعيف لما تقدم أيضا .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد أخبرنا زيد بن الحباب ، حدثني حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان رفع الحديث قال : " لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون حتى يأتي أمر الله " .

وقال ابن مردويه أيضا : وحدثنا محمد بن أحمد حدثنا محمد بن جرير بن يزيد ، حدثنا أبو معاذ نهار بن عثمان الليثي أخبرنا زيد بن الحباب أخبرني عمر البزار ، عن عنبسة الخواص ، عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض ، وبهم تمطرون وبهم تنصرون " قال قتادة : إني لأرجو أن يكون الحسن منهم .

وقوله : ( ولكن الله ذو فضل على العالمين ) أي : من عليهم ورحمة بهم ، يدفع عنهم ببعضهم بعضا وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت القول في تأويل قوله تعالى : { فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت } يعني تعالى ذكره بقوله : فهزم طالوت وجنوده أصحاب جالوت , وقتل داود جالوت .

وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر منه عليه .

وذلك أن معنى الكلام : ولما برزوا لجالوت وجنوده , قالوا : ربنا أفرغ علينا صبرا , وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين !

فاستجاب لهم ربهم , فأفرغ عليهم صبره , وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين , فهزموهم بإذن الله .

ولكنه ترك ذكر ذلك اكتفاء بدلالة قوله : { فهزموهم بإذن الله } على أن الله قد أجاب دعاءهم الذي دعوه به .

ومعنى قوله : { فهزموهم بإذن الله } قتلوهم بقضاء الله وقدره , يقال منه : هزم القوم الجيش هزيمة وهزيمي .

{ وقتل داود جالوت } وداود هذا هو داود بن إيشا نبي الله صلى الله عليه وسلم .

وكان سبب قتله إياه كما : 4477 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا بكار بن عبد الله , قال : سمعت وهب بن منبه يحدث , قال : لما خرج , أو قال : لما برز طالوت لجالوت , قال جالوت : أبرزوا لي من يقاتلني , فإن قتلني , فلكم ملكي , وإن قتلته فلي ملككم !

فأتي بداود إلى طالوت , فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله .

فألبسه طالوت سلاحا , فكره داود أن يقاتله , وقال : إن الله لم ينصرني عليه لم يغن السلاح .

فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار , ثم برز له , قال له جالوت : أنت تقاتلني ؟

قال داود : نعم .

قال : ويلك أما تخرج إلي إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة ؟

لأبددن لحمك , ولأطعمنه اليوم الطير والسباع !

فقال له داود : بل أنت عدو الله شر من الكلب .

فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع , فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه , فصرع جالوت , وانهزم من معه , واحتز داود رأسه .

فلما رجعوا إلى طالوت ادعى الناس قتل جالوت , فمنهم من يأتي بالسيف وبالشيء من سلاحه أو جسده , وخبأ داود رأسه , فقال طالوت : من جاء برأسه فهو الذي قتله .

فجاء به داود .

ثم قال لطالوت : أعطني ما وعدتني !

فندم طالوت على ما كان شرط له , وقال : إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق , وأنت رجل جريء شجاع , فاحتمل صداقها ثلثمائة غلفة من أعدائنا !

وكان يرجو بذلك أن يقتل داود .

فغزا داود وأسر منهم ثلثمائة , وقطع غلفهم وجاء بها , فلم يجد طالوت بدا من أن يزوجه .

ثم أدركته الندامة , فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل , فنهض إليه طالوت فحاصره .

فلما كان ذات ليلة سلط النوم على طالوت وحرسه , فهبط إليهم داود , فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب منه ويتوضأ , وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه , ثم رجع داود إلى مكانه , فناده أن حرسك , فإني لو شئت أقتلك البارحة فعلت , فإنه هذا إبريقك وشيء من شعر لحيتك وهدب ثيابك , وبعث إليه .

فعلم طالوت أنه لو شاء قتله , فعطفه ذلك عليه فأمنه , وعاهده بالله لا يرى منه بأسا .

ثم انصرف .

ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدس لقتله , وكان طالوت لا يقاتل عدوا إلا هزم , حتى مات .

قال بكار : وسئل وهب وأنا أسمع : أنبيا كان طالوت يوحى إليه ؟

فقال : لم يأته وحي , ولكن كان معه نبي يقال له أشمويل , يوحى إليه , وهو الذي ملك طالوت .

4478 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : كان داود النبي وإخوة له أربعة , معهم أبوهم شيخ كبير , فتخلف أبوهم وتخلف معه داود من بين إخوته في غنم أبيه يرعاها له , وكان من أصغرهم وخرج إخوته الأربعة مع طالوت , فدعاه أبوه وقد تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض .

قال ابن إسحاق : وكان داود فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه رجلا قصيرا أزرق قليل شعر الرأس , وكان طاهر القلب نقيه , فقال له أبوه : يا بني إنا قد صنعنا لإخوتك زادا يتقوون به على عدوهم , فاخرج به إليهم , فإذا دفعته إليهم فأقبل إلي سريعا !

فقال : أفعل .

فخرج وأخذ معه ما حمل لإخوته , ومعه مخلاته التي يحمل فيها الحجارة ومقلاعه الذي كان يرمي به عن غنمه .

حتى إذا فصل من عند أبيه , فمر بحجر , فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت , فإني حجر يعقوب !

فأخذه فجعله في مخلاته , ومشى .

فبينا هو يمشي إذ مر بحجر آخر , فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت , فإني حجر إسحاق !

فأخذه فجعله في مخلاته , ثم مضى .

فبينا هو يمشي إذ مر بحجر , فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت , فإني حجر إبراهيم !

فأخذه فجعله في مخلاته .

ثم مضى بما معه حتى انتهى إلى القوم , فأعطى إخوته ما بعث إليهم معه .

وسمع في العسكر خوض الناس بذكر جالوت , وعظم شأنه فيهم , وبهيبة الناس إياه , ومما يعظمون من أمره , فقال لهم : والله إنكم لتعظمون من أمر هذا العدو شيئا ما أدري ما هو , والله إني لو أراه لقتلته , فأدخلوني على الملك !

فأدخل على الملك طالوت , فقال : أيها الملك إني أراكم تعظمون شأن هذا العدو , والله إني لو أراه لقتلته !

فقال : يا بني ما عندك من القوة على ذلك ؟

وما جربت من نفسك ؟

قال : قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي , فأدركه فآخذ برأسه , فأفك لحييه عنها , فآخذها من فيه , فادع لي بدرع حتى ألقيها علي !

فأتي بدرع , فقذفها في عنقه ومثل فيها فملأ عين طالوت ونفسه ومن حضر من بني إسرائيل , فقال طالوت : والله لعسى الله أن يهلكه به !

فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت , فلما التقى الناس قال داود : أروني جالوت !

فأروه إياه على فرس عليه لامته ; فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تواثب من مخلاته , فيقول هذا : خذني !

ويقول هذا : خذني !

ويقول هذا : خذني !

فأخذ أحدها فجعله في مقذافه , ثم قتله به , ثم أرسله فصك بين عيني جالوت فدمغه , وتنكس عن دابته فقتله .

ثم انهزم جنده , وقال الناس : قتل داود جالوت , وخلع طالوت .

وأقبل الناس على داود مكانه , حتى لم يسمع لطالوت بذكر ; إلا أن أهل الكتاب يزعمون أنه لما رأى انصراف بني إسرائيل عنه إلى داود , هم بأن يغتال داود وأراد قتله فصرف الله ذلك عنه وعن داود وعرف خطيئته , والتمس التوبة منها إلى الله .

وقد روي عن وهب بن منبه في أمر طالوت وداود قول خلاف الروايتين اللتين ذكرنا قبل , وهو ما : 4479 - حدثني به المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم , قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه , قال : لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت أوحى إلى نبي بني إسرائيل أن قل لطالوت : فليغز أهل مدين , فلا يترك فيها حيا إلا قتله , فإني سأظهره عليهم !

فخرج بالناس حتى أتى مدين , فقتل من كان فيها إلا ملكهم , فإنه أسره , وساق مواشيهم .

فأوحى الله إلى أشمويل : ألا تعجب من طالوت إذ أمرته فاختان فيه , فجاء بملكهم أسيرا , وساق مواشيهم , فالقه فقل له : لأنزعن الملك من بيته , ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة , فإني إنما أكرم من أطاعني , وأهين من هان عليه أمري !

فلقيه , فقال ما صنعت ؟

لم جئت بملكهم أسيرا , ولم سقت مواشيهم ؟

قال : إنما سقت المواشي لأقربها .

قال له أشمويل : إن الله قد نزع من بيتك الملك , ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة .

فأوحى الله إلى أشمويل أن انطلق إلى إيشا , فيعرض عليك بنيه , فادهن الذي آمرك بدهن القدس يكن ملكا على بني إسرائيل !

فانطلق حتى أتى إيشا , فقال : اعرض علي بنيك !

فدعا إيشا أكبر ولده , فأقبل رجل جسيم حسن المنظر , فلما نظر إليه أشمويل أعجبه , فقال : الحمد لله إن الله لبصير بالعباد !

فأوحى الله إليه : إن عينيك تبصران ما ظهر , وإني أطلع على ما في القلوب ليس بهذا , اعرض علي غيره , فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول : ليس بهذا , فقال : هل لك من ولد غيرهم ؟

فقال : بني لي غلام وهو راع في الغنم .

فقال : أرسل إليه !

فلما أن جاء داود جاء غلام أمعر , فدهنه بدهن القدس , وقال لأبيه : اكتم هذا , فإن طالوت لو يطلع عليه قتله ; فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل , فعسكر وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر , وتهيئوا للقتال , فأرسل جالوت إلى طالوت : لم تقتل قومي وأقتل قومك ؟

ابرز لي أو أبرز لي من شئت , فإن قتلتك كان الملك لي , وإن قتلتني كان الملك لك !

فأرسل طالوت في عسكره صائحا من يبرز لجالوت , فإن قتله , فإن الملك ينكحه ابنته , ويشركه في ملكه .

فأرسل إيشا داود إلى إخوته وكانوا في العسكر , فقال : اذهب فرد إخوتك , وأخبرني خبر الناس ماذا صنعوا .

فجاء إلى إخوته , وسمع صوتا : إن الملك يقول : من يبرز لجالوت فإن قتله أنكحه الملك ابنته .

فقال داود لإخوته : ما منكم رجل يبرز لجالوت فيقتله , وينكح ابنة الملك ؟

فقالوا : إنك غلام أحمق , ومن يطيق جالوت وهو من بقية الجبارين ؟

فلما لم يرهم رغبوا في ذلك , قال : فأنا أذهب فأقتله !

فانتهروه وغضبوا عليه .

فلما غفلوا عنه , ذهب حتى جاء الصائح , فقال : أنا أبرز لجالوت .

فذهب به إلى الملك , فقال له : لم يجبني أحد إلا غلام من بني إسرائيل هو هذا ؟

قال : يا بني أنت تبرز لجالوت فتقاتله ؟

قال : نعم .

قال : وهل آنست من نفسك شيئا ؟

قال : نعم , كنت راعيا في الغنم , فأغار علي الأسد , فأخذت بلحييه ففككتهما .

فدعا له بقوس وأداة كاملة , فلبسها وركب الفرس , ثم سار منهم قريبا .

ثم صرف فرسه , فرجع إلى الملك , فقال الملك ومن حوله : جبن الغلام !

فجاء فوقف على الملك , فقال : ما شأنك ؟

قال داود : إن لم يقتله الله لي لم يقتله هذا الفرس وهذا السلاح , فدعني فأقاتل كما أريد .

فقال : نعم يا بني .

فأخذ داود مخلاته , فتقلدها وألقى فيها أحجارا , وأخذ مقلاعه الذي كان يرعى به .

ثم مضى نحو جالوت ; فلما دنا من عسكره , قال : أين جالوت يبرز لي ؟

فبرز له على فرس عليه السلاح كله , فلما رآه جالوت قال : إليك أبرز ؟

قال نعم .

قال : فأتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى إلى الكلب ؟

قال : هو ذاك .

قال : لا جرم إني سوف أقسم لحمك بين طير السماء وسباع الأرض .

قال داود : أو يقسم الله لحمك .

فوضع داود حجرا في مقلاعه , ثم دوره فأرسله نحو جالوت , فأصاب أنف البيضة التي على جالوت حتى خالط دماغه , فوقع من فرسه , فمضى داود إليه , فقطع رأسه بسيفه , فأقبل به في مخلاته , وبسلبه يجره , حتى ألقاه بين يدي طالوت , ففرحوا فرحا شديدا , وانصرف طالوت .

فلما كان داخل المدينة , سمع الناس يذكرون داود , فوجد في نفسه , فجاءه داود , فقال : أعطني امرأتي !

فقال : أتريد ابنة الملك بغير صداق ؟

فقال داود : ما اشترطت علي صداقا , وما لي من شيء .

قال : لا أكلفك إلا ما تطيق , أنت رجل جريء , وفي جبالنا هذه جراجمة يحتربون الناس وهم غلف , فإذا قتلت منهم مائتي رجل , فأتني بغلفهم .

فجعل كلما قتل منهم رجلا نظم غلفته في خيط , حتى نظم مائتي غلفة , ثم جاء بهم إلى طالوت , فألقى إليه , فقال : ادفع لي امرأتي قد جئت بما اشترطت !

فزوجه ابنته .

وأكثر الناس ذكر داود , وزاده عند الناس عجبا , فقال طالوت لابنه : لتقتلن داود !

قال : سبحان الله ليس بأهل ذلك منك !

قال : إنك غلام أحمق , ما أراه إلا سوف يخرجك وأهل بيتك من الملك .

فلما سمع ذلك من أبيه , انطلق إلى أخته , فقال لها : إني قد خفت أباك أن يقتل زوجك داود , فمريه أن يأخذ حذره , ويتغيب منه .

فقالت له امرأته ذلك فتغيب .

فلما أصبح أرسل طالوت من يدعو له داود , وقد صنعت امرأته على فراشه كهيئة النائم ولحفته .

فلما جاء رسول طالوت قال : أين داود ؟

ليجب الملك !

فقالت له : بات شاكيا ونام الآن ترونه على الفراش .

فرجعوا إلى طالوت فأخبروه ذلك , فمكث ساعة ثم أرسل إليه , فقالت : هو نائم لم يستيقظ بعد .

فرجعوا إلى الملك فقال : ائتوني به وإن كان نائما !

فجاءوا إلى الفراش , فلم يجدوا عليه أحدا .

فجاءوا الملك فأخبروه , فأرسل إلى ابنته فقال : ما حملك على أن تكذبيني ؟

قالت : هو أمرني بذلك , وخفت إن لم أفعل أمره أن يقتلني .

وكان داود فارا في الجبل حتى قتل طالوت , وملك داود بعده .

4480 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : كان طالوت أميرا على الجيش , فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته , فقال داود لطالوت : ماذا لي فأقتل جالوت ؟

قال : لك ثلث مالي , وأنكحك ابنتي .

فأخذ مخلاته , فجعل فيها ثلاث مروات , ثم سمى حجارته تلك إبراهيم وإسحاق ويعقوب , ثم أدخل يده فقال : باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب !

فخرج على إبراهيم , فجعله في مرجمته , فخرقت ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه , وقتلت ثلاثين ألفا من ورائه .

4481 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : عبر يومئذ النهر مع طالوت أبو داود فيمن عبر مع ثلاثة عشر ابنا له , وكان داود أصغر بنيه .

فأتاه ذات يوم فقال : يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته .

فقال : أبشر يا بني , فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك !

ثم أتاه مرة أخرى قال : يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال , فوجدت أسدا رابضا , فركبت عليه , فأخذت بأذنيه , فلم يهجني .

قال : أبشر يا بني , فإن هذا خير يعطيكه الله !

ثم أتاه يوما آخر فقال : يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال , فأسبح , فما يبقى جبل إلا سبح معي .

فقال : أبشر يا بني , فإن هذا خير أعطاكه الله !

.

وكان داود راعيا , وكان أبوه خلفه يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام .

فأتى النبي بقرن فيه دهن وبثوب من حديد , فبعث به إلى طالوت , فقال : إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه , يكون على رأسه كهيئة الإكليل , ويدخل في هذا الثوب فيملؤه .

فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم , فلم يوافقه منهم أحد .

فلما فرغوا , قال طالوت لأبي داود : هل بقي لك من ولد لم يشهدنا ؟

قال : نعم , بقي ابني داود , وهو يأتينا بطعامنا .

فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار , فكلمنه , وقلن له : خذنا يا داود تقتل بنا جالوت !

قال : فأخذهن فجعلهن في مخلاته .

وكان طالوت قال : من قتل جالوت زوجته ابنتي , وأجريت خاتمه في ملكي .

فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه , فغلى حتى ادهن منه , ولبس الثوب فملأه , وكان رجلا مسقاما مصفارا , ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه .

فلما لبسه داود تضايق الثوب عليه حتى تنقض .

ثم مشى إلى جالوت , وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم ; فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه , فقال له : يا فتى ارجع فإني أرحمك أن أقتلك !

قال داود : لا , بل أنا أقتلك .

فأخرج الحجارة فجعلها في القذافة , كلما رفع حجرا سماه , فقال : هذا باسم أبي إبراهيم , والثاني باسم أبي إسحاق , والثالث باسم أبي إسرائيل .

ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا , ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت , فنقب رأسه فقتله .

ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ منه , حتى لم يكن بحيالها أحد .

فهزموهم عند ذلك , وقتل داود جالوت .

ورجع طالوت , فأنكح داود ابنته , وأجرى خاتمه في ملكه ; فمال الناس إلى داود فأحبوه .

فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده , فأراد قتله .

فعلم به داود أنه يريد به ذلك , فسجى له زق خمر في مضجعه , فدخل طالوت إلى منام داود , وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه , فسالت الخمر منه , فوقعت قطرة من خمر في فيه , فقال : يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر !

ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم , فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين ; فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها , فقال : يرحم الله داود هو خير مني , ظفرت به فقتلته , وظفر بي فكف عني .

ثم إنه ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس , فقال طالوت : اليوم أقتل داود !

وكان داود إذا فزع لا يدرك , فركض على أثره طالوت , ففزع داود , فاشتد فدخل غارا , وأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا ; فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت , فقال : لو كان دخل ها هنا لخرق بيت العنكبوت , فخيل إليه فتركه .

4482 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذكر لنا أن داود حين أتاهم كان قد جعل معه مخلاة فيها ثلاثة أحجار .

وإن جالوت برز لهم , فنادى : ألا رجل لرجل !

فقال طالوت : من يبرز له , وإلا برزت له .

فقام داود فقال : أنا فقام له طالوت فشد عليه درعه , فجعل يراه يشخص فيها ويرتفع .

فعجب من ذلك طالوت , فشد عليه أداته كلها .

وإن داود رماهم بحجر من تلك الحجارة فأصاب في القوم , ثم رمى الثانية بحجر فأصاب فيهم , ثم رمى الثالثة فقتل جالوت .

فآتاه الله الملك والحكمة , وعلمه مما يشاء , وصار هو الرئيس عليهم , وأعطوه الطاعة .

4483 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني ابن زيد في قول الله تعالى ذكره : { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل } فقرأ حتى بلغ : { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين } قال : أوحى الله إلى نبيهم إن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت , ومن علامته هذا القرن تضعه على رأسه , فيفيض ماء .

فأتاه فقال : إن الله أوحى إلي أن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت , فقال : نعم يا نبي الله , قال : فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري , وفيهم رجل بارع عليهم , فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا , فيقول لذلك الجسيم : ارجع فيرده عليه , فأوحى الله إليه : إنا لا نأخذ الرجال على صورهم , ولكن نأخذهم على صلاح قلوبهم , قال : يا رب قد زعم أنه ليس له ولد غيره , فقال : كذب , فقال : إن ربي قد كذبك , وقال : إن لك ولدا غيرهم , فقال : صدق يا نبي الله , لي ولد قصير استحييت أن يراه الناس , فجعلته في الغنم , قال : فأين هو ؟

قال في شعب كذا وكذا من جبل كذا وكذا , فخرج إليه , فوجد الوادي قد سال بينه وبين التي كان يريح إليها قال : ووجده يحمل شاتين يجيز بهما , ولا يخوض بهما السيل , فلما رآه قال : هذا هو لا شك فيه , هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم , قال : فوضع القرن على رأسه ففاض , فقال له : ابن أخي هل رأيت ها هنا من شيء يعجبك ؟

قال : نعم إذا سبحت , سبحت معي الجبال , وإذا أتى النمر أو الذئب أو السبع أخذ شاة قمت إليه , فافتح لحييه عنها فلا يهيجني , وألفى معه صفنه , قال : فمر بثلاثة أحجار يأثر بعضها على بعض : كل واحد منها يقول : أنا الذي يأخذ , ويقول هذا : لا بل إياي يأخذ , ويقول الآخر مثل ذلك , قال : فأخذهن جميعا , فطرحهن في صفنه ; فلما جاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا قال لهم نبيهم : { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } فكان من قصة نبيهم وقصتهم ما ذكر الله في كتابه , وقرأ حتى بلغ : { والله مع الصابرين } قال : واجتمع أمرهم وكانوا جميعا , وقرأ : { وانصرنا على القوم الكافرين } وبرز جالوت على برذون له أبلق , في يده قوس ونشاب , فقال : من يبرز ؟

أبرزوا إلي رأسكم , قال : ففظع به طالوت , قال : فالتفت إلى أصحابه فقال : من رجل يكفيني اليوم جالوت , فقال داود أنا , فقال تعال , قال : فنزع درعا له , فألبسه إياها , قال : ونفخ الله من روحه فيه حتى ملأه , قال : فرمى بنشابة , فوضعها في الدرع , قال : فكسرها داود ولم تضره شيئا ثلاث مرات , ثم قال له : خذ الآن , فقال داود : اللهم اجعله حجرا واحدا , قال : وسمى واحدا إبراهيم , وآخر إسحاق , وآخر يعقوب , قال : فجمعهن جميعا فكن حجرا واحدا , قال : فأخذهن وأخذ مقلاعا , فأدارها ليرمي بها , فقال : أترميني كما ترمي السبع والذئب , ارمني بالقوس , قال : لا أرميك اليوم إلا بها , فقال له مثل ذلك أيضا , فقال نعم , وأنت أهون علي من الذئب , فأدارها وفيها أمر الله وسلطان الله , قال : فخلى سبيلها مأمورة , قال : فجاءت مظلة فضربت بين عينيه حتى خرجت من قفاه , ثم قتلت من أصحابه وراءه كذا وكذا , وهزمهم الله .

4484 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : لما قطعوا ذلك يعني النهر الذي قال الله فيه مخبرا عن قيل طالوت لجنوده : { إن الله مبتليكم بنهر } وجاء جالوت وشق على طالوت قتاله , فقال طالوت للناس : لو أن جالوت قتل أعطيت الذي يقتله نصف ملكي , وناصفته كل شيء أملكه , فبعث الله داود , وداود يومئذ في الجبل راعي غنم , وقد غزا مع طالوت تسعة إخوة لداود , وهم أند منه وأعتى منه , وأعرف في الناس منه , وأوجه عند طالوت منه , فغزا وتركوه في غنمهم , فقال داود حين ألقى الله في نفسه ما ألقى وأكرمه : لأستودعن ربي غنمي اليوم , ولآتين الناس فلأنظرن ما الذي بلغني من قول الملك لمن قتل جالوت , فأتى داود إخوته , فلاموه حين أتاهم , فقالوا : لم جئت ؟

قال : لأقتل جالوت , فإن الله قادر أن أقتله , فسخروا منه .

قال ابن جريج : قال مجاهد : كان بعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته , فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات , ثم سماهن إبراهيم وإسحاق ويعقوب .

قال ابن جريج : قالوا : وهو ضعيف رث الحال , فمر بثلاثة أحجار , فقلن له : خذنا يا داود فقاتل بنا جالوت .

فأخذهن داود وألقاهن في مخلاته , فلما ألقاهن سمع حجرا منهن يقول لصاحبه : أنا حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا وكذا ; وقال الثاني : أنا حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا ; وقال الثالث : أنا حجر داود الذي أقتل جالوت , فقال الحجران : يا حجر داود نحن أعوان لك , فصرن حجرا واحدا ; وقال الحجر : يا داود اقذف بي فإني سأستعين بالريح , وكانت بيضته فيما يقولون والله أعلم فيها ستمائة رطل , فأقع في رأس جالوت فأقتله .

قال ابن جريج : وقال مجاهد : سمى واحدا إبراهيم , والآخر إسحاق , والآخر يعقوب , وقال : باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب , وجعلهن في مرجمته .

قال ابن جريج : فانطلق حتى نفذ إلى طالوت , فقال : إنك قد جعلت لمن قتل جالوت نصف ملكك ونصف كل شيء تملك .

أفلي ذلك إن قتلته ؟

قال : نعم , والناس يستهزءون بداود , وإخوة داود أشد من هنالك عليه , وكان طالوت لا ينتدب إليه أحد زعم أنه يقتل جالوت إلا ألبسه درعا عنده , فإذا لم تكن قدرا عليه نزعها عنها , وكانت درعا سابغة من دروع طالوت , فألبسها داود ; فلما رأى قدرها عليه أمره أن يتقدم , فتقدم داود , فقام مقاما لا يقوم فيه أحد وعليه الدرع , فقال له جالوت : ويحك من أنت إني أرحمك , ليتقدم إلي غيرك من هذه الملوك , أنت إنسان ضعيف مسكين , فارجع , فقال داود : أنا الذي أقتلك بإذن الله , ولن أرجع حتى أقتلك , فلما أبى داود إلا قتاله , تقدم جالوت إليه ليأخذه بيده مقتدرا عليه , فأخرج الحجر من المخلاة , فدعا ربه , ورماه بالحجر , فألقت الريح بيضته عن رأسه , فوقع الحجر في رأس جالوت حتى دخل في جوفه , فقتله .

قال ابن جريج : وقال مجاهد : لما رمى جالوت بالحجر خرق ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه , وقتلت من ورائه ثلاثين ألفا , قال الله تعالى : { وقتل داود جالوت } فقال داود لطالوت : وف بما جعلت , فأبى طالوت أن يعطيه ذلك , فانطلق داود , فسكن مدينة من مدائن بني إسرائيل , حتى مات طالوت ; فلما مات عمد بنو إسرائيل إلى داود , فجاءوا به , فملكوه , وأعطوه خزائن طالوت , وقالوا : لم يقتل جالوت إلا نبي , قال الله : { وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء }وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء القول في تأويل قوله تعالى : { وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء } يعني تعالى ذكره بذلك : وأعطى الله داود الملك والحكمة وعلمه مما يشاء .

والهاء في قوله : { وآتاه الله } عائدة على داود والملك السلطان والحكمة النبوة .

وقوله : { وعلمه مما يشاء } يعني علمه صنعة الدروع , والتقدير في السرد , كما قال الله تعالى ذكره : { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } 21 80 وقد قيل : إن معنى قوله : { وآتاه الله الملك والحكمة } أن الله آتى داود ملك طالوت ونبوة أشمويل .

ذكر من قال ذلك : 4485 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : ملك داود بعدما قتل طالوت , وجعله الله نبيا , وذلك قوله : { وآتاه الله الملك والحكمة } قال : الحكمة : هي النبوة , آتاه نبوة شمعون , وملك طالوت .ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين القول في تأويل قوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين } يعني تعالى ذكره بذلك : ولولا أن الله يدفع ببعض الناس , وهم أهل الطاعة له والإيمان به , بعضا وهم أهل المعصية لله , والشرك به , كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداء من بعثة ملك عليهم ليجاهدوا معه في سبيله بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر , جالوت وجنوده , لفسدت الأرض , يعني لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم , ففسدت بذلك الأرض , ولكن الله ذو من على خلقه , وتطول عليهم بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر , وبالمطيع عن العاصي منهم , وبالمؤمن عن الكافر .

وهذه الآية إعلام من الله تعالى ذكره أهل النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن مشاهده والجهاد معه للشك الذي في نفوسهم ومرض قلوبهم والمشركين وأهل الكفر منهم , وأنه إنما يدفع عنهم معاجلتهم العقوبة , على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله , الذين هم أهل البصائر والجد في أمر الله , وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعده على جهاد أعدائه , وأعداء رسوله من النصر في العاجل , والفوز بجناته في الآخرة .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 4486 - حدثني محمد بن عمر , قال : ثنا أبو عاصم عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول : ولولا دفع الله بالبار عن الفاجر , ودفعه ببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأرض بهلاك أهلها .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا سبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول : ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر , وببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لهلك أهلها .

4487 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن حنظلة , عن أبي مسلم , قال : سمعت عليا يقول : لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم .

4488 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول : لهلك من في الأرض .

4489 - حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا حفص بن سليمان , عن محمد بن سوقة , عن وبرة بن عبد الرحمن , عن ابن عمر , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " ثم قرأ ابن عمر : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } 4490 - حدثني أحمد أبو حميد الحمصي , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا عثمان بن عبد الرحمن , عن محمد بن المنكدر , عن جابر بن عبد الله , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله , ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " .

وقد دللنا على قوله العالمين , وذكرنا الرواية فيه .

وأما القراء فإنها اختلفت في قراءة قوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } .

فقرأته جماعة من القراء : { ولولا دفع الله } على وجه المصدر من قول القائل : دفع الله عن خلقه , فهو يدفع دفعا .

واحتجت لاختيارها ذلك بأن الله تعالى ذكره , هو المتفرد بالدفع عن خلقه , ولا أحد يدافعه فيغالبه .

وقرأت ذلك جماعة أخرى من القراء : " ولولا دفاع الله الناس " على وجه المصدر من قول القائل : دافع الله عن خلقه , فهو يدافع مدافعة ودفاعا .

واحتجت لاختيارها ذلك بأن كثيرا من خلقه يعادون أهل دين الله , وولايته والمؤمنين به , فهو بمحاربتهم إياهم ومعاداتهم لهم لله مدافعون بباطلهم , ومغالبون بجهلهم , والله مدافعهم عن أوليائه وأهل طاعته والإيمان به .

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القراء وجاءت بهما جماعة الأمة , وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالة معنى الآخر .

وذلك أن من دافع غيره عن شيء , فمدافعه عنه دافع , ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع , فهو لمدافعه مدافع ; ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده , محاولين مغالبة حزب الله وجنده , وكان في محاولتهم ذلك محاولة مغالبة الله ودفاعه عما قد تضمن لهم من النصرة , وذلك هو معنى مدافعة الله عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه .

فتبين إذا أن سواء قراءة من قرأ : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } وقراءة من قرأ : " ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض " في التأويل والمعنى .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمينقوله تعالى : فهزموهم بإذن الله أي فأنزل الله عليهم النصر فهزموهم : فكسروهم .

والهزم : الكسر ومنه سقاء متهزم ، أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف ، ومنه ما قيل في زمزم : إنها هزمة جبريل أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء .

والهزم : ما تكسر من يابس الحطب .قوله تعالى : وقتل داود جالوت وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت ، وكان رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أصغر أزرق ، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده ، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده .

وهو داود بن إيشى - بكسر الهمزة ، ويقال : داود بن زكريا بن رشوى ، وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيا وكان أصغر إخوته وكان يرعى غنما ، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت ، فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبن إلى رؤية هذه الحرب ، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه : يا داود خذني فبي تقتل جالوت ، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار ، فخرج جالوت يطلب مبارزا فكع الناس عنه حتى قال طالوت : من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي ، فجاء داود عليه السلام فقال : أنا أبرز إليه وأقتله ، فازدراه طالوت حين رآه لصغر سنه وقصره فرده ، وكان داود أزرق قصيرا ، ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود ، فقال طالوت له : هل جربت نفسك بشيء ؟

قال نعم ، قال بماذا ؟

قال : وقع ذئب [ ص: 235 ] في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده .

قال طالوت : الذئب ضعيف ، هل جربت نفسك في غيره ؟

قال : نعم ، دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما ، أفترى هذا أشد من الأسد ؟

قال لا ، وكان عند طالوت درع لا تستوي إلا على من يقتل جالوت ، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت ، فقال طالوت : فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل ، فلما مشى قليلا رجع فقال الناس : جبن الفتى فقال داود : إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي .

قال : وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع ، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت ، وهو شاك في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل ، فيما ذكر الماوردي وغيره ، فقال له جالوت : أنت يا فتى تخرج إلي!

قال نعم ، قال : هكذا كما تخرج إلى الكلب!

قال نعم ، وأنت أهون .

قال : لأطعمن لحمك اليوم للطير والسباع ، ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافا به ، فأدخل داود يده إلى الحجارة ، فروي أنها التأمت فصارت حجرا واحدا ، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله ، وحز رأسه وجعله في مخلاته ، واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة .

وقد قيل : إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه ، وقيل : عينه وخرج من قفاه ، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم .

وقيل : إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه ، وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هوازن يوم حنين ، والله أعلم .

وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي ، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود .قلت : وفي قول طالوت : ( من يبرز له ويقتله فإني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي ) معناه ثابت في شرعنا ، وهو أن يقول الإمام : من جاء برأس فله كذا ، أو أسير فله كذا على ما يأتي بيانه في ( الأنفال ) إن شاء الله تعالى .

وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الإمام ، كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما .

واختلف فيه عن الأوزاعي فحكي عنه أنه قال : لا يحمل أحد إلا بإذن إمامه .

وحكي عنه أنه قال : لا بأس به ، فإن نهى الإمام عن البراز فلا يبارز أحد إلا بإذنه .

وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه ، هذا قول مالك .

سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين : من يبارز ؟

فقال : ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس ، قد كان يفعل ذلك فيما مضى .

وقال الشافعي : لا بأس بالمبارزة .

قال ابن [ ص: 236 ] المنذر : المبارزة بإذن الإمام حسن ، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج ، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه .وآتاه الله الملك والحكمة قال السدي : أتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون .

والذي علمه ، هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن عباس : هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ورأسها عند صومعة داود ، فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث ، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ ، وكانت علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم ، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت .قوله تعالى : ( مما يشاء ) أي مما شاء ، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي ، وقد تقدم .قوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض كذا قراءة الجماعة ، إلا نافعا فإنه قرأ " دفاع " ويجوز أن يكون مصدرا لفعل كما يقال : حسبت الشيء حسابا ، وآب إيابا ، ولقيته لقاء ، ومثله كتبه كتابا ، ومنه " كتاب الله عليكم " .

النحاس : وهذا حسن ، فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع وهو مذهب سيبويه .

وقال أبو حاتم : دافع ودفع بمعنى واحد ، مثل طرقت النعل وطارقت ، أي خصفت إحداهما فوق الأخرى ، والخصف : الخرز .

واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور ولولا دفع الله .

وأنكر أن يقرأ " دفاع " وقال : لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد .

قال مكي : هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به ، واسم الله في موضع رفع بالفعل ، أي لولا أن يدفع الله .

و " دفاع " مرفوع بالابتداء عند سيبويه .

" الناس " مفعول ، " بعضهم " بدل من الناس ، " ببعض " في موضع المفعول الثاني عند سيبويه ، وهو عنده مثل قولك : ذهبت بزيد ، فزيد في موضع مفعول فاعلمه .الثانية : واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم ؟

فقيل : هم الأبدال وهم أربعون رجلا كلما مات واحد بدل الله آخر ، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم ، اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق .

وروي عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 237 ] يقول : ( إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا ، يسقى بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء ) ذكره الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " .

وخرج أيضا عن أبي الدرداء قال : إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض ، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوما من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الأبدال ، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مذلة ، فهم خلفاء الأنبياء ، قوم اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه ، وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن ، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس ، وبهم يمطرون ويرزقون ، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه .

وقال ابن عباس : ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد .

وقال سفيان الثوري : هم الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق .

وحكى مكي أن أكثر المفسرين على أن المعنى : لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم ، وكذا ذكر النحاس والثعلبي أيضا .

قال الثعلبي وقال سائر المفسرين : ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض ، أي هلكت وذكر حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله يدفع العذاب بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض .

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن لله ملائكة تنادي كل يوم لولا عباد ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا خرجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض .

حدثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المؤمنين صبا .

أخذ بعضهم هذا المعنى فقال :لولا عباد للإله ركع وصبية من اليتامى رضع ومهملات في الفلاة رتعصب عليكم العذاب الأوجعوروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهل [ ص: 238 ] دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم .

وقال قتادة : يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعافي الكافر بالمؤمن .

وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء .

ثم قرأ ابن عمر ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض .

وقيل : هذا الدفع بما شرع على ألسنة الرسل من الشرائع ، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا ، وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله .

ولكن الله ذو فضل على العالمين .

بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

من هاهنا نعلم أنَّ جالوت وجنوده كانوا كفارا، فاستجاب الله لهم ذلك الدعاء لإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك، ونصرهم عليهم { فهزموهم بإذن الله وقتل داود } عليه السلام، وكان مع جنود طالوت، { جالوت } أي: باشر قتل ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره { وآتاه الله } أي: آتى الله داود { الملك والحكمة } أي: منَّ عليه بتملكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، ولهذا قال { وعلمه مما يشاء } من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان من قبله من الأنبياء يكون الملك لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك فلهذا قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } أي: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه { ولكن الله ذو فضل على العالمين } حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فهزموهم بإذن الله ) أي بعلم الله تعالى ( وقتل داود جالوت ) وصفة قتله : قال أهل التفسير عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال لأبيه يوما يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته فقال : أبشر يا بني فإن الله جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى فقال : يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته فأخذت بأذنيه فلم يهجني فقال : أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك ثم أتاه يوما آخر فقال : يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فما يبقى جبل إلا سبح معي ، فقال : أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله تعالى فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إلي أو أبرز إلي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره : من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا الله في ذلك فأتى بقرن فيه دهن القدس وتنور في حديد فقيل : إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل فيه فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم يوافقه منهم أحد فأوحى الله إلى نبيهم أن في ولد إيشا من يقتل الله به جالوت فدعا طالوت إيشا فقال : اعرض علي بنيك فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فقال : لإيشا هل بقي لك ولد غيرهم فقال : لا فقال النبي : يا رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم فقال كذب فقال النبي : إن ربي كذبك فقال : صدق الله يا نبي الله إن لي ابنا صغيرا يقال له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته ( فخلفته ) في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا وكذا وكان داود رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أزرق أمعر ، فدعاه طالوت ويقال : بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء فلما رآه قال : هذا هو لا شك فيه هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض فقال طالوت : هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي قال : نعم قال : وهل آنست من نفسك شيئا تتقوى به على قتله؟

قال : نعم أنا أرعى فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم إليه فأفتح لحييه عنها وأضرقها إلى قفاه فرده إلى عسكره فمر داود عليه السلام في طريقه بحجر فناداه الحجر يا داود احملني فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا فحمله في مخلاته ثم مر بحجر آخر فقال : احملني فإني حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا فحمله في مخلاته ثم مر بحجر آخر فقال : احملني فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت فوضعها في مخلاته فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة انتدب له داود فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريبا ثم انصرف إلى الملك فقال من حوله جبن الغلام فجاء فوقف على الملك فقال : ما شأنك؟

فقال : إن الله إن لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح شيئا فدعني أقاتل كما أريد قال : فافعل ما شئت قال : نعم فأخذ داود مخلاته فتقلدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت وكان جالوت من أشد الرجال وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد فلما نظر إلى داود ألقي في قلبه الرعب فقال له : أنت تبرز إلي؟

قال : نعم .

وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام قال : فأتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟

قال : نعم أنت شر من الكلب قال لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء قال داود : أو يقسم الله لحمك فقال داود : باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال : باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال : باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ودور داود المقلاع ورمى به فسخر الله له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلا فأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ففرح المسلمون فرحا شديدا وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود فجاء داود طالوت وقال انجز لي ما وعدتني فقال : أتريد ابنة الملك بغير صداق؟

فقال داود : ما شرطت علي صداقا وليس لي شيء فقال لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء وفي حيالنا أعداء لنا غلف فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم نظم غلفته في خيط حتى نظم غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال ادفع إلي امرأتي فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه وأكثروا ذكره فحسده طالوت وأراد قتله فأخبر ذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فقالت لداود إنك مقتول في هذه الليلة قال : ومن يقتلني؟

قالت أبي قال وهل أجرمت جرما قالت : حدثني من لا يكذب ولا عليك أن تغيب هذه الليلة حتى تنظر مصداق ذلك فقال : لئن كان أراد الله ذلك لا أستطيع خروجا ولكن ائتيني بزق خمر فأتت به فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه ودخل تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل فقال لها : أين بعلك؟

فقالت : هو نائم على السرير فضربه بالسيف ضربة فسال الخمر فلما وجد ريح الشراب قال : يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر وخرج .

فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئا فقال : إن رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتى يدرك مني ثأره فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون فأعمى الله سبحانه الحجبة وفتح له الأبواب فدخل عليه وهو نائم على فراشه فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال : يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكف عني ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه فلما كانت القابلة أتاه ثانيا وأعمى الله الحجاب فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه ثم خرج وهرب وتوارى فلما أصبح طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البرية فقال : اليوم أقتله فركض على أثره فاشتد داود وكان إذا فزع لم يدرك فدخل غارا فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسج عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال : لو كان دخل هاهنا لخرق بناء العنكبوت فتركه ومضى فانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه فطعن العلماء والعباد على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله وأغرى بقتل العلماء فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل يطيق قتله إلا قتله حتى أتي بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر خبازه بقتلها فرحمها الخباز وقال : لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم على ما فعل وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس .

وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي : أنشد الله عبدا يعلم أن لي توبة إلا أخبرني بها فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الخباز فقال : ما لك أيها الملك؟

قال : هل تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من توبة فقال الخباز : إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال : لا تتركوا في القرية ديكا إلا ذبحتموه فلما أراد أن ينام قال لأصحابه : إذا صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج فقالوا له : وهل تركت ديكا نسمع صوته؟

ولكن هل تركت عالما في الأرض؟

فازداد حزنا وبكاء فلما رأى الخباز ذلك قال له : أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله قال : لا فتوثق عليه الخباز فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال : انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة؟

وكانت من أهل بيت يعلم الاسم الأعظم فإذا فنيت رجالهم علمت نساؤهم فلما بلغ طالوت الباب قال الخباز إنها إذا رأتك فزعت فخلفه خلفه ثم دخله عليها فقال لها : ألست أعظم الناس منة عليك أنجيتك من القتل وآويتك قالت : بلى قال : فإن لي إليك حاجة هذا طالوت يسأل هل لي من توبة؟

فغشي عليها من الفرق فقال لها : إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك : هل له من توبة؟

قالت : لا والله لا أعلم لطالوت توبة ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي؟

فانطلق بهما إلى قبر إشمويل فصلت ودعت ثم نادت يا صاحب القبر فخرج إشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر إلى ثلاثتهم قال : ما لكم أقامت القيامة؟

قالت : لا ولكن طالوت يسألك : هل له من توبة؟

قال إشمويل : يا طالوت ما فعلت بعدي؟

قال : لم أدع من الشر شيئا إلا فعلته وجئت أطلب التوبة قال : كم لك من الولد؟

قال : عشرة رجال قال : ما أعلم لك من توبة إلا أن تتخلى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم؟

ثم رجع إشمويل إلى القبر وسقط ميتا ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه ولده وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه أولاده فقال لهم : أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تفدونني؟

قالوا : نعم نفديك بما قدرنا عليه قال : فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم قالوا : فاعرض علينا فذكر لهم القصة قالوا : وإنك لمقتول قال : نعم قالوا : فلا خير لنا في الحياة بعدك قد طابت أنفسنا بالذي سألت فتجهز بماله وولده فتقدم ولده وكانوا عشرة فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا ثم شد هو بعدهم حتى قتل فجاء قاتله إلى داود ليبشره وقال : قتلت عدوك فقال داود : ما أنت بالذي تحيا بعده فضرب عنقه وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة وأتى بنو إسرائيل إلى داود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم .

قال الكلبي والضحاك : ملك داود بعد قتل طالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى : ( وآتاه الله الملك والحكمة ) يعني : النبوة; جمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن من قبل بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط وقيل : الملك والحكمة هو العلم مع العمل .

قوله تعالى : ( وعلمه مما يشاء ) قال الكلبي وغيره يعني صنعة الدروع وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل إلا من عمل يده وقيل : منطق الطير ( وكلام الحكل ) والنمل والكلام الحسن وقيل هو الزبور وقيل هو الصوت الطيب والألحان فلم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته وكان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يأخذ بأعناقها وتظله الطير مصيخة له ويركد الماء ( الجاري ) ويسكن الريح .

وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته قوتها قوة الحديد ولونها لون النار وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب فلا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فعلم داود ذلك الحدث ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت فمن تعدى على صاحبه وأنكر له حقا أتى السلسلة فمن كان صادقا مد يده إلى السلسلة فتناولها ومن كان كاذبا لم ينلها فكانت كذلك إلى أن ظهر بهم المكر والخديعة فبلغنا أن بعض ملوكها أودع رجلا جوهرة ثمينة فلما استردها أنكر فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكازة فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة فقال صاحب الجوهرة : رد علي الوديعة فقال صاحبه : ما أعرف لك عندي من وديعة فإن كنت صادقا فتناول السلسلة فتناولها بيده فقيل للمنكر : قم أنت فتناولها فقال لصاحب الجوهرة : خذ عكازي هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة فأخذها عنده ثم قام المنكر نحو السلسلة فأخذها فقال الرجل : اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة فمد يده فتناولها فتعجب القوم وشكوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة .

قوله تعالى : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) قرأ أهل المدينة ويعقوب " دفاع الله " ) بالألف هاهنا وفي سورة الحج وقرأ الآخرون بغير الألف لأن الله تعالى لا يغالبه أحد وهو الدافع وحده ومن قرأ بالألف قال : قد يكون الدفاع من واحد مثل قول العرب : أحسن الله عنك الدفاع ، قال ابن عباس ومجاهد : ولولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخربوا المساجد والبلاد وقال سائر المفسرين : لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله بن فنجويه أنا أبو بكر بن خرجة أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل أنا أبو حميد الحمصي أنا يحيى بن سعيد العطار أنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة عن عبد الرحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " ثم قرأ " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض..

( لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فهزموهم» كسروهم «بإذن الله» بإرادته «وقتل داود» وكان في عسكر طالوت «جالوت وآتاه» أي داود «الله الملك» في بني إسرائيل «والحكمة» النبوة بعد موت شمويل وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله «وعلّمه مما يشاء» كصنعة الدروع ومنطق الطير «ولولا دفع الله الناس بعضهم» بدل بعض من الناس «ببعض لفسدت الأرض» بغلبة المشركين وقتل المسلمين وتخريب المساجد «ولكنّ الله ذو فضل على العالمين» فدفع بعضهم ببعض.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فهزموهم بإذن الله، وقتل داود -عليه السلام- جالوتَ قائدَ الجبابرة، وأعطى الله عز وجل داود بعد ذلك الملك والنبوة في بني إسرائيل، وعَلَّمه مما يشاء من العلوم.

ولولا أن يدفع الله ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا، وهم أهل المعصية لله والشرك به، لفسدت الأرض بغلبة الكفر، وتمكُّن الطغيان، وأهل المعاصي، ولكن الله ذو فضل على المخلوقين جميعًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع الخالص؟

كانت نتيجته النصر المؤزر الذي حكاه القرآن في قوله : ( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله ) .وأصل الهزم في اللغة الكسر .ومنه سقاء منهزم أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف .

ويقال للسحاب هزيم ، لأنه يتشقق بالمطر .

والفاء هنا فصيحة أو سببه أي أنهم بسبب دعائهم المخلص ، وإيمانهم القوى ، واستجابتهم لما أمرهم الله به ، استطاعوا أن يكسروا أعداءهم ويهزموهم ، وقوله ، ( بِإِذْنِ الله ) أي بتوفيقه وتيسيره وتأييده .

والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة .

ثم قال - تعالى - : ( وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ) أي : وقتل داود بن إيشا - وكان في جيش طالوت - جالوت الذي كان يقود جيش الكفر ، وبقتله مزق أتباعه شر ممزق ، ورزق الله طالوت ومن معه النصر والغلبة .ثم بين - سبحانه - ما منحه لداود من نعم فقال : ( وَآتَاهُ الله الملك والحكمة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ) والحكمة المراد بها هنا النبوة ، ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله في بني إسرائيل ، وورثه فيهما ابنه سليمان - عليه السلام - .أي : وأعطى الله - تعالى - عبده داود ملك بني إسرائيل وأعطاه النبوة التي هي أشرف من الملك زيادة في ترقيته في درجات الشرف والكمال ، وعلمه - سبحانه - مما يشاء من فنون العلم ، ومن أمور الدين والدنيا كمعرفته لغة الطيور ، وكلام الدواب ، وصناعة آلات الحرب وغير ذلك من ألوان العلوم المختلفة التي لا تحدها إلا مشيئة الله وإرادته .وفي قوله - تعالى - : ( وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ) بعد الإِخبار بأنه - سبحانه - آتى داود الحكمة ، إشعار بأن الإِنسان لا يستغني عن التعلم سواء أكان نبيا أم لم يكن ، لأن داود - عليه السلام - مع حصولة على النبوة لم يستغن عن تعليم الله إياه ، وقد أمر الله - تعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يلتمس المزيد من العلم فقال : ( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ) ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده فقال : ( وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ) .أي : ولولا أن الله - تعالى - يدفع أهل الباطل بأهل الحق ، لفسدت الأرض ، وعمها الخراب لأن أهل الفساد إذا تركوا من غير أن يقاوموا استطارت شرورهم ، وتغلبوا على أهل الصلاح والاستقامة ، وتعطلت مصالح الناس ، وانتشر الفساد في الأرض .فلولا في الجملة الكريمة حرف امتناع لوجود .

أي : امتنع فساد الأرض لأجل وجود دفع الناس بعضهم ببعض .فالجملة الكريمة تأمر في كل زمان ومكان أن يقفوا في وجوه الأشرار ، وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن تحول بينهم وبين الفساد والطغيان .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين ) .أي : ولكن الله - تعالى - صاحب فضل عظيم ، وإنعام كبير على الناس أجمعين ، لأنه وضع لهم هذا التنظيم الحكيم الذي أوجب فيه على المصلحين أن يدافعوا المفسدين ، وأن يقاوموهم بالطريقة التي تمنع فسادهم حتى ولو أدى ذلك إلى رفع السلاح في وجوههم ، لأن السكوت عن فساد المفسدين سيؤدي إلى العقاب الذي يعمهم ويصيب معهم المصلحين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المعنى: أن الله تعالى استجاب دعاءهم، وأفرغ الصبر عليهم، وثبت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين: جالوت وجنوده وحقق بفضله ورحمته ظن من قال: ﴿ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وهزموهم بِإِذُنِ الله ﴾ وأصل الهزم في اللغة الكسر، يقال سقاء منهزم إذا تشقق مع جفاف، وهزمت العظم أو القصبة هزماً، والهزمة نقرة في الجبل، أو في الصخرة، قال سفيان بن عيينة في زمزم: هي هَزْمَةُ جبريل يريد هزمها برجله فخرج الماء، ويقال: سمعت هزمة الرعد كأنه صوت فيه تشقق، ويقال للسحاب: هزيم، لأنه يتشقق بالمطر، وهزم الضرع وهزمه ما يكسر منه، ثم أخبر تعالى أن تلك الهزيمة كانت بإذن الله وبإعانته وتوفيقه وتيسيره، وأنه لولا إعانته وتيسيره لما حصل ألبتة ثم قال: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن داود عليه السلام كان راعياً وله سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم إيشاً أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجبار وكان من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم فقال داود لإخوته أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟

فسكتوا، فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرض الناس، فقال له داود: ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟

فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي فقال داود: فأنا خارج إليه وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في الرعي، وكان طالوت عارفاً بجلادته، فلما هم داود بأن يخرج رماه فأصابه في صدره، ونفذ الحجر فيه، وقتل بعده ناساً كثيراً، فهزم الله جنود جالوت ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ فحسده طالوت وأخرجه من مملكته، ولم يف له بوعده، ثم ندم فذهب يطلبه إلى أن قتل، وملك داود وحصلت له النبوة، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة إلا له.

اعلم أن قوله: ﴿ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ يدل على أن هزيمة عسكر جالوت كانت من طالوت وإن كان قتل جالوت ما كان إلا من داود ولا دلالة في الظاهر على أن انهزام العسكر كان قبل قتل جالوت أو بعده، لأن الواو لا تفيد الترتيب.

أما قوله تعالى: ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم آتاه الله الملك والنبوة جزاء على ما فعل من الطاعة العظيمة، وبذل النفس في سبيل الله، مع أنه تعالى كان عالماً بأنه صالح لتحمل أمر النبوة، والنبوة لا يمتنع جعلها جزاء على الطاعات كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  وَءَاتَيْنَٰهُم مِّنَ ٱلْءَايَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٌا مُّبِينٌ  ﴾ وقال: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ وظاهر هذه الآية يدل أيضاً على ذلك لأنه تعالى لما حكى عن داود أنه قتل جالوت، قال بعده: ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾ والسلطان إذا أنعم على بعض عبيده الذين قاموا بخدمة شاقة، يغلب على الظن أن ذلك الإنعام لأجل تلك الخدمة، وقال الأكثرون: إن النبوة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال، بل ذلك محض التفضل والإنعام، قال تعالى: ﴿ الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس  ﴾ .

المسألة الثانية: قال بعضهم: ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبيان المناسبة أنه عليه السلام لما قتل مثل ذلك الخصم العظيم بالمقلاع والحجر، كان ذلك معجزاً، لا سيما وقد تعلقت الأحجار معه وقالت: خذنا فإنك تقتل جالوت بنا، فظهور المعجز يدل على النبوة، وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك العمل القليل، فلا شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضي حصول الملك له ظاهراً، وقال الأكثرون: إن حصول الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين على ما قاله الضحاك، قالوا والروايات وردت بذلك، قالوا: لأن الله تعالى كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال حياته، والمشهور في أحوال بني إسرائيل كان نبي ذلك الزمان أشمويل، وملك ذلك الزمان طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود، ولما مات طالوت أعطى الله تعالى الملك لداود، فاجتمع الملك والنبوة فيه.

المسألة الثالثة: ﴿ الحكمة ﴾ هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة هاهنا النبوة، قال تعالى: ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً  ﴾ وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة  ﴾ .

فإن قيل: فإذا كان المراد من الحكمة النبوة، فلم قدم الملك على الحكمة؟

مع أن الملك أدون حالاً من النبوة.

قلنا: لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي، فكل ما كان أكثر تأخراً في الذكر كان أعلى حالاً وأعظم رتبة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن المراد به ما ذكره في قوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًا يَٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ  أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَٰتٍ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُوا صَٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ .

وثانيها: أن المراد كلام الطير والنمل، قال تعالى حكاية عنه: ﴿ عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير  ﴾ .

وثالثها: أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك، فإنه ما ورث الملك من آبائه، لأنهم ما كانوا ملوكاً بل كانوا رعاة.

ورابعها: علم الدين، قال تعالى: ﴿ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً  ﴾ وذلك لأنه كان حاكماً بين الناس، فلابد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء.

وخامسها: الألحان الطيبة، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل.

فإن قيل: إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة، وكان المراد بالحكمة النبوة، فقد دخل العلم في ذلك، فلم ذكر بعده ﴿ علمه مِمَّا يَشَاء ﴾ .

قلنا: المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم، سواء كان نبياً أو لم يكن، ولهذا السبب قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً  ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت وجنوده، وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا الباب، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض، فقال: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله ﴾ بغير ألف، وكذلك في سورة الحج ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله  ﴾ وقرآ جميعاً ﴿ إِنَّ الله يدفع عَنِ الذين ءامَنُواْ  ﴾ بغير ألف ووافقهما عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا ﴿ إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ ﴾ بالألف، وقرأ نافع ﴿ وَلَوْلاَ دفاع الله ﴾ و ﴿ إِنَّ الله يُدَافِعُ ﴾ بالألف.

إذا عرفت هذه الروايات فنقول: أما من قرأ: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله ﴾ ، ﴿ إِنَّ الله يدفع ﴾ فوجهه ظاهر، وأما من قرأ: ﴿ وَلَوْلاَ دفاع الله ﴾ ، ﴿ إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ ﴾ فوجه الإشكال فيه أن المدافعة مفاعلة، وهي عبارة عن كون كل واحد من المدافعين دافعاً لصاحبه ومانعاً له من فعله، وذلك من العبد في حق الله تعالى محال، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين أحدهما: أنه مصدر لدفع، تقول: دفعته دفعاً ودفاعاً، كما تقول: كتبته كتباً وكتاباً، قالوا: وفعال كثيراً يجيء مصدراً للثلاثي من فعل وفعل، تقول: جمح جماحاً، وطمح طماحاً، وتقول: لقيته لقاء، وقمت قياماً، وعلى هذا التأويل كان قوله: ﴿ وَلَوْلاَ دفاع الله ﴾ معناه ولولا دفع الله.

والقول الثاني: قول من جعل دفاع من دافع، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة، كما قال: ﴿ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ ، ﴿ وَشَاقُّواْ الله  ﴾ وكما قال: ﴿ قاتلهم الله  ﴾ ونظائره والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع والمدفوع به، فقوله: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم ﴾ إشارة إلى المدفوع، وقوله: ﴿ بِبَعْضِ ﴾ إشارة إلى المدفوع به، فأما المدفوع عنه فغير مذكور في الآية، فيحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ويحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدنيا، ويحتمل أن يكون مجموعهما.

أما القسم الأول: وهو أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين، فتلك الشرور إما أن يكون المرجع بها إلى الكفر، أو إلى الفسق، أو إليهما، فلنذكر هذه الاحتمالات.

الاحتمال الأول: أن يكون المعنى: ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب البعض، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى فإنهم الذين يمنعون الناس عن الوقوع في الكفر بإظهار الدلائل والبراهين والبينات قال تعالى: ﴿ كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور  ﴾ .

والاحتمال الثاني: أن يكون المراد: ولولا دفع الله بعض الناس عن المعاصي والمنكرات بسبب البعض، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم القائمون بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على ما قال تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر  ﴾ ويدخل في هذا الباب: الأئمة المنصوبون من قبل الله تعالى لأجل إقامة الحدود وإظهار شعائر الإسلام ونظيره قوله تعالى: ﴿ ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ السيئة  ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة  ﴾ .

الاحتمال الثالث: ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج والمرج وإثارة الفتن في الدنيا بسبب البعض، واعلم أن الدافعين على هذا التقدير هم الأنبياء عليهم السلام، ثم الأئمة والملوك الذابون عن شرائعهم، وتقريره: أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده، لأنه ما لم يخبز هذا لذاك ولا يطحن ذاك لهذا، ولا يبني هذا لذاك، ولا ينسج ذاك لهذا، لا تتم مصلحة الإنسان الواحد، ولا تتم إلا عند اجتماع جمع في موضع واحد، فلهذا قيل: الإنسان مدني بالطبع، ثم إن الاجتماع بسبب المنازعة المفضية إلى المخاصمة أولاً، والمقاتلة ثانياً، فلابد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة بين الخلق، لتكون الشريعة قاطعة للخصومات والمنازعات، فالأنبياء عليهم السلام الذين أوتوا من عند الله بهذه الشرائع هم الذين دفع الله بسببهم وبسبب شريعتهم الآفات عن الخلق فإن الخلق ما داموا يبقون متمسكين بالشرائع لا يقع بينهم خصام ولا نزاع، فالملوك والأئمة متى كانوا يتمسكون بهذه الشرائع كانت الفتن زائلة، والمصالح حاصلة فظهر أن الله تعالى يدفع عن المؤمنين أنواع شرور الدنيا بسبب بعثة الأنبياء عليهم السلام واعلم أنه كما لابد في قطع الخصومات والمنازعات من الشريعة فكذا لابد في تنفيذ الشريعة من الملك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الإسلام والسلطان أخوان توأمان» وقال أيضاً: «الإسلام أمير، والسلطان حارس، فما لا أمير له فهو منهزم، وما لا حارس له فهو ضائع».

ولهذا يدفع الله تعالى عن المسلمين أنواع شرور الدنيا بسبب وضع الشرائع وبسبب نصب الملوك وتقويتهم، ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله: ﴿ لَفَسَدَتِ الأرض ﴾ أي لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي، وذلك يسمى فساداً قال الله تعالى: ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد  ﴾ وقال: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ من المصلحين  ﴾ وقال: ﴿ إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد  ﴾ وقال: ﴿ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض  ﴾ وقال: ﴿ ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس  ﴾ وهذا التأويل يشهد له قوله في سورة الحج: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ لوات ومساجد  ﴾ الاحتمال الرابع: ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، لفسدت الأرض ولهلكت بمن فيها، وتصديق هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي، وبمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يصوم عمن لا يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على صحة هذا القول من القرآن قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِي المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله: ﴿ لَفَسَدَتِ الأرض ﴾ أي لأهلك الله أهلها لكثرة الكفار والعصاة.

والاحتمال الخامس: أن يكون اللفظ محمولاً على الكل، لأن بين هذه الأقسام قدراً مشتركاً وهو دفع المفسدة، فإذا حملنا اللفظ عليه دخلت الأقسام بأسرها فيه.

المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية من أقوى ما يدل على بطلان الجبر، لأنه إذا كان الفساد من خلقه فكيف يصلح أن يقول تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ﴾ ويجب أن لا يكون على قولهم لدفاع الناس بعضهم ببعض تأثير في زوال الفساد وذلك لأن على قولهم الفساد إنما لا يقع بسبب أن لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه لا لأمر يرجع إلى الناس.

والجواب: أن الله تعالى لما كان عالماً بوقوع الفساد، فإذا صح مع ذلك العلم أن لا يفعل الفساد كان المعنى أنه يصح من العبد أن يجمع بين عدم الفساد وبين العلم بوجود الفساد، فيلزم أن يكون قادراً على الجمع بين النفي والإثبات وهو محال.

أما قوله: ﴿ ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين ﴾ فالمقصود منه أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام يعم الناس كلهم، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكل بقضاء الله تعالى، فقالوا: لو لم يكن فعل العبد خلقاً لله تعالى، لم يكن دفع المحققين شر المبطلين فضلاً من الله تعالى على أهل الدنيا لأن المتولي لذلك الدفع إذا كان هو العبد من قبل نفسه وباختياره ولم يكن لله تعالى ﴿ ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين ﴾ عقيب قوله: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ﴾ يدل على أنه تعالى ذو فضل على العالمين بسبب ذلك الدفع، فدل هذا على أن ذلك الدفع الذي هو فعلهم هو من خلق الله تعالى ومن تقديره.

فإن قالوا: يحمل هذا على البيان والإرشاد والأمر.

قلنا: كل ذلك قائم في حق الكفار والفجار ولم يحصل منه الدفع، فعلمنا أن فضل الله ونعمته علينا إنما كان بسبب نفس ذلك الدفع وذلك يوجب قولنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

و(جَالُوتَ) جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد، وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحر من قوّة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك من الأسباب.

كان إيشى أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه، وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم، فأوحي إلى اشمويل أنّ داود بن إيشى هو الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه، فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له: إنك تقتل بنا جالوت، فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله، وزوّجه طالوت بنته.

وروي أنه حسده وأراد قتله ثم تاب ﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدّسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود ﴿ والحكمة ﴾ والنبوّة ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ من صنعة الدروع، وكلام الطير والدواب وغير ذلك ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس ﴾ ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض.

وقيل: ولولا أن الله ينصر المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين.

أو لو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ ﴾ أيْ ظَهَرُوا لَهم ودَنَوْا مِنهم.

﴿ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ التَجَأُوا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدُّعاءِ، وفِيهِ تَرْتِيبٌ بَلِيغٌ إذْ سَألُوا أوَّلًا إفْراغَ الصَّبْرِ في قُلُوبِهِمُ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ، ثُمَّ ثَباتَ القَدَمِ في مَداحِضِ الحَرْبِ المُسَبَّبَ عَنْهُ، ثُمَّ النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِما غالِبًا.

﴿ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فَكَسَرُوهم بِنَصْرِهِ، أوْ مُصاحِبِينَ لِنَصْرِهِ إيّاهم إجابَةً لِدُعائِهِمْ.

﴿ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ﴾ قِيلَ: كانَ إيشا في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَهُ سِتَّةٌ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهم وكانَ صَغِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِمْ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ فَجاءَ وقَدْ كَلَّمَهُ في الطَّرِيقِ ثَلاثَةُ أحْجارٍ وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ بِنا تَقْتُلُ جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ ورَماهُ بِها فَقَتَلَهُ ثُمَّ زَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ.

﴿ وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ أيْ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَجْتَمِعُوا قَبْلَ داوُدَ عَلى مُلْكٍ.

والحِكْمَةُ أيِ النُّبُوَّةِ.

﴿ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ﴾ كالسَّرْدِ وكَلامِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ.

﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ ﴾ ولَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْفَعُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ ويَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكَفّارِ ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهُمْ، لَغَلَبُوا وأفْسَدُوا في الأرْضِ، أوْ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِشُؤْمِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ « دِفاعُ اللَّهِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)

{فَهَزَمُوهُم} أي طالوت والمؤمنون جالوت وجنوده {بِإِذُنِ

الله} بقضائه {وقتل داود جالوت} كان بيشا أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم فأوحى الله إلى نبيهم أن داود هو الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد

البقرة (٢٥١ _ ٢٥٣)

مر في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له إنك تقتل بنا جالوت فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله وزوجه طالوت بنته ثم حسده وأراد قتله ثم مات تائباً {وآتاه الله الملك} في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها وما اجتمعت بنوإسرائيل على ملك قط قبل داود {والحكمة} والنبوة {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} من صنعة الدروع وكلام الطيور والدواب وغير ذلك {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس} هو مفعول به {بَعْضُهُمْ} بدل من الناس دفاع مدني مصدر دفع أو دافع {بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض} أي ولولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها من الحرث والنسل أو ولولا أن الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض بغلبة الكفار وقتل الأبرار وتخريب البلاد وتعذيب العباد {ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين} بإزالة الفساد عنهم وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَهَزَمُوهُمْ ﴾ أيْ: كَسَرُوهم وغَلَبُوهُمْ، والفاءُ فِيهِ فَصِيحَةٌ؛ أيِ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُمْ، فَصَبَرُوا وثُبِّتُوا ونُصِرُوا فَهَزَمُوهم ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ انْهِزامَهُمْ، ويُأوَّلُ إلى نَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، والباءُ إمّا لِلِاسْتِعانَةِ والسَّبَبِيَّةِ، وإمّا لِلْمُصاحَبَةِ ﴿ وقَتَلَ داوُدُ ﴾ هو ابْنُ إيشا ﴿ جالُوتَ ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا بَرَزَ طالُوتُ لِجالُوتَ؛ قالَ جالُوتُ: أبْرِزُوا إلَيَّ مَن يُقاتِلُنِي، فَإنْ قَتَلَنِي فَلَكم مُلْكِي، وإنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلْكُكُمْ، فَأُتِيَ بِداوُدَ إلى طالُوتَ فَقاضاهُ إنْ قَتَلَهُ أنْ يُنْكِحَهُ ابْنَتَهُ، وأنْ يُحَكِّمَهُ في مالِهِ، فَألْبَسَهُ طالُوتُ سِلاحًا، فَكَرِهَ داوُدُ أنْ يُقاتِلَهُ بِسِلاحٍ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنْ لَمْ يَنْصُرْنِي عَلَيْهِ؛ لَمْ يُغْنِ السِّلاحُ شَيْئًا، فَخَرَجَ إلَيْهِ بِالمِقْلاعِ ومِخْلاةٍ فِيها أحْجارٌ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ فَقالَ لَهُ جالُوتُ: أنْتَ تُقاتِلُنِي؟

قالَ داوُدُ: نَعَمْ، قالَ: ويْلَكَ، ما خَرَجْتَ إلّا كَما تَخْرُجُ إلى الكَلْبِ بِالمِقْلاعِ والحِجارَةِ، لَأُبَدِّدَنَّ لَحْمَكَ ولَأُطْعِمَنَّهُ اليَوْمَ لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، فَقالَ لَهُ داوُدُ: بَلْ أنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى، شَرٌّ مِنَ الكَلْبِ، فَأخَذَ داوُدُ حَجَرًا فَرَماهُ بِالمِقْلاعِ، فَأصابَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتّى قَعَدَتْ في دِماغِهِ، فَصَرَخَ جالُوتُ وانْهَزَمَ مَن مَعَهُ واحْتَزَّ رَأسَهُ ﴿ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ في بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما قَتَلَ جالُوتَ وهَلَكَ طالُوتُ، وذَلِكَ أنَّ طالُوتَ كَما رُوِيَ في بَعْضِ الأخْبارِ: لَمّا رَجَعَ وفّى بِالشَّرْطِ، فَأنْكَحَ داوُدَ ابْنَتَهُ وأجْرى خاتَمَهُ في مُلْكِهِ، فَمالَ النّاسُ إلى داوُدَ وأحَبُّوهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ طالُوتُ؛ وجَدَ في نَفْسِهِ وحَسَدَهُ، فَأرادَ قَتْلَهُ فَعَلِمَ بِهِ داوُدُ، فَسَجّى لَهُ زِقَّ خَمْرٍ في مَضْجَعِهِ، فَدَخَلَ طالُوتُ إلى مَنامِ داوُدَ وقَدْ هَرَبَ داوُدُ فَضَرَبَ الزِّقَّ ضَرْبَةً فَخَرَقَهُ، فَسالَ الخَمْرُ مِنهُ، فَقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى داوُدَ ما كانَ أكْثَرَ شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ، ثُمَّ إنَّ داوُدَ أتاهُ مِنَ القابِلَةِ في بَيْتِهِ وهو نائِمٌ، فَوَضَعَ سَهْمَيْنِ عِنْدَ رَأْسِهِ وعِنْدَ رِجْلَيْهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ سَهْمَيْنِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ طالُوتُ بَصُرَ بِالسِّهامِ فَعَرَفَها، فَقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى داوُدَ هو خَيْرٌ مِنِّي ظَفِرْتُ بِهِ فَقَتَلْتُهُ، وظَفِرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي، ثُمَّ إنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَوَجَدَهُ يَمْشِي في البَرِّيَّةِ، وطالُوتُ عَلى فَرَسٍ فَقالَ: اليَوْمَ أقْتُلُ داوُدَ، وكانَ داوُدُ إذا فَزِعَ لا يُدْرَكُ، فَرَكَضَ عَلى أثَرِهِ طالُوتُ فَفَزِعَ داوُدُ فاشْتَدَّ فَدَخَلَ غارًا، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى العَنْكَبُوتِ، فَضَرَبَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا، فَلَمّا انْتَهى طالُوتُ إلْى الغارِ ونَظَرَ إلى بِناءِ العَنْكَبُوتِ؛ قالَ: لَوْ كانَ دَخَلَ هَهُنا لَخَرَقَ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ فَرَجَعَ، وجَعَلَ العُلَماءُ والعِبادُ يَطْعَنُونَ عَلَيْهِ؛ بِما فَعَلَ مَعَ داوُدَ، وجَعَلَ هو يَقْتُلُ العُلَماءَ وسائِرَ مَن يَنْهاهُ عَنْ قَتْلِ داوُدَ حَتّى قَتَلَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ إنّهُ نَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ وخَلّى المُلْكَ، وكانَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ فَأخَذَهم وخَرَجَ يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى؛ كَفّارَةً لِما فَعَلَ حَتّى قُتِلَ هو وبَنُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فاجْتَمَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى داوُدَ ومَلَّكُوهُ أمْرَهُمْ، فَهَذا إيتاءُ المُلْكِ ﴿ والحِكْمَةَ ﴾ المُرادُ بِها: النُّبُوَّةُ، ولَمْ يَجْتَمِعِ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ لِأحَدٍ قَبْلَهُ، بَلْ كانَتِ النُّبُوَّةُ في سِبْطٍ، والمُلْكُ في سِبْطٍ، وهَذا بَعْدَ مَوْتِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وكانَ مَوْتُهُ قَبْلَ طالُوتَ، وذِكْرُ الحِكْمَةِ بَعْدَ المُلْكِ؛ لِأنَّها كانَتْ بَعْدَهُ وُقُوعًا، أوْ لِلتَّرَقِّي مِن ذِكْرِ الأدْنى إلى ذِكْرِ الأعْلى ﴿ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ﴾ كَصَنْعَةِ اللَّبُوسِ، ومَنطِقِ الطَّيْرِ، وكَلامِ الدَّوابِّ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَوْدُهُ إلى داوُدَ _ كَما قالَ السَّمِينُ _ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ ما عَلَّمَهُ تَعالى لَهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ، ولا يَقَعُ في أُمْنِيَةِ بَشَرٍ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن طَلَبِهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ ﴾ وهم أهْلُ الشُّرُورِ في الدُّنْيا، أوْ في الدِّينِ، أوْ في مَجْمُوعِهِما ﴿ بِبَعْضٍ ﴾ آخَرَ مِنهُمْ، يَرُدُّهم عَمّا هم عَلَيْهِ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القَتْلِ، كَما في القِصَّةِ المَحْكِيَّةِ أوْ غَيْرِهِ وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ: دِفاعُ، عَلى أنَّ صِيغَةَ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ﴾ وبَطَلَتْ مَنافِعُها، وتَعَطَّلَتْ مَصالِحُها مِنَ الحَرْثِ والنَّسْلِ وسائِر ما يُصْلِحُ الأرْضَ ويُعَمِّرُها، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ فَسادِ أهْلِها، وعُمُومِ الشَّرِّ فِيهِمْ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى فَضِيلَةِ المُلْكِ، وأنَّهُ لَوْلاهُ ما اسْتَتَبَّ أمْرُ العالَمِ؛ ولِهَذا قِيلَ: الدِّينُ والمُلْكُ تَوْأمانِ، فَفي ارْتِفاعِ أحَدِهِما ارْتِفاعُ الآخَرِ؛ لِأنَّ الدِّينَ أُسٌّ، والمُلْكُ حارِسٌ، وما لا أُسَّ لَهُ فَمَهْدُومٌ، وما لا حارِسَ لَهُ فَضائِعٌ ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ ﴾ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ كافَّةً، وهَذا إشارَةٌ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ، مُؤَلَّفٍ مِن وضْعِ نَقِيضِ المُقَدَّمِ مُنْتِجٍ لِنَقِيضِ التّالِي، خَلا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ مَوْضِعُهُ ما يَسْتَتْبِعُهُ ويَسْتَوْجِبُهُ؛ أعْنِي: كَوْنَهُ تَعالى ذا فَضْلٍ عَلى العالِمَيْنِ؛ إيذانًا بِأنَّهُ تَعالى يَتَفَضَّلُ في ذَلِكَ الدَّفْعِ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وأنَّ فَضْلَهُ تَعالى غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيهِ، بَلْ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ فَضْلِهِ العَظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ فَسادَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلا تَفْسَدُ الأرْضُ، ويَنْتَظِمُ بِهِ مَصالِحُ العالَمِ، ويَنْصَلِحُ أحْوالُ الأُمَمِ، قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ _ قُدِّسَ سِرُّهُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِقَوْلِ المَنطِقِيِّينَ أنَّ المُتَّصِلَةَ يُنْتِجُ اسْتِثْناءُ عَيْنِ مُقَدَّمِها عَيْنَ تالِّيها؛ لِاسْتِلْزامِ وُجُودِ المَلْزُومِ وُجُودَ اللّازِمِ، واسْتِثْناءُ نَقِيضِ تالِّيها نَقِيضَ المُقَدَّمِ؛ لِاسْتِلْزامِ عَدَمِ اللّازِمِ وعَدَمِ المَلْزُومِ، ولا يَنْعَكِسُ فَلا يُنْتِجُ اسْتِثْناءُ عَيْنِ التّالِي عَيْنَ المُقَدَّمِ، ولا نَقِيضَ المُقَدَّمِ نَقِيضَ التّالِي؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التّالِي أعَمَّ مِنَ المُقَدَّمُ، فَلا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ اللّازِمِ وُجُودُ المَلْزُومِ، ولا مِن عَدَمِ المَلْزُومِ عَدَمُ اللّازِم، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِاعْتِبارِ الهَيْئَةِ، وقَدْ يَسْتَلْزِمُهُ بِواسِطَةِ خُصُوصِيَّةِ مادَّةِ المُساواةِ، وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ سِينا في الفُصُولِ بِأنَّ المُلازَمَةَ إذا كانَتْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَما بَيْنَ العِلَّةِ والمَعْلُولِ؛ يَنْتُجُ اسْتِثْناءُ كُلٍّ مِنَ المُقَدَّمِ، والتّالِي عَيْنُ الآخَرِ، ونَقِيضُهُ نَقِيضُ الآخَرِ، وفي تَعْلِيلِ القَوْمِ أيْضًا إشارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ قالُوا بِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللّازِمُ أعَمَّ، وكَأنَّ في عِبارَةِ المَوْلى إشارَةً إلى أنَّ المُلازَمَةَ في الشَّرْطِيَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، حَيْثُ قالَ: مُنْتِجٌ، ولَمْ يَقُلْ يُنْتِجُ وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الِاطِّرادِ، بَلْ إذا كانَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ أعَمَّ مِن نَقِيضِ التّالِي، وأمّا إذا كانَ نَقِيضُهُ بِعَكْسِ هَذا _ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وأمْثالِها _ فَإنَّهُ يُنْتِجُ التّالِي، وذَلِكَ أنَّ الدَّفْعَ المَذْكُورَ لَمّا كانَ مَلْزُومًا لِعَدَمِ فَسادِ الأرْضِ؛ كانَتِ المُلازَمَةُ ثابِتَةً بَيْنَهُما؛ لِأنَّ وُجُودَ المَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ اللّازِمِ، كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وادِّعاءُ أنَّ المُلازَمَةَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ هُنا كَما زَعَمَهُ المُجِيبُ الأوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ اللّازِمُ هَهُنا أعَمُّ مِنَ المَلْزُومِ، كَما لا يَخْفى عَلى ذِي رَوِيَّةٍ، وكَوْنُ عِبارَةِ المَوْلى مُشِيرَةً إلى أنَّ المُلازَمَةَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ في حَيِّزِ المَنعِ وما ذَكَرَهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَما لا يَخْفى فافْهَمْ وتَدَبَّرْ، فَإنَّ نَظَرَ المَوْلى دَقِيقٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.

نزلت في شأن أبي الدحداح، قال: يا رسول الله، إن لي حديقتين لو تصدقت بواحدة منهما، أيكون لي مثلها في الجنة؟

قال «نَعَمْ» .

قال: وأم الدحداح معي؟

يعني امرأته.

قال: «نَعَمْ» .

قال: والدحداح معي؟

يعني ابنه.

فقال: «نَعَمْ» .

قال: أشهدك أني قد جعلت حديقتي لله تعالى.

ثم جاء إلى الحديقة، فقام على الباب وتحرج الدخول فيها، بعد ما جعلها لله تعالى ونادى: يا أم الدحداح اخرجي، فإني جعلت حديقتي لله تعالى، فخرجت وتحولت إلى حديقة أخرى، وقالت له: هنيئاً لك بما فعلت أو كما فعلت، فنزل قوله تعالى: فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً يعني ألفي ألف ضعف.

قال الفقيه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: حدّثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل قال: حدثنا المعلى بن منصور قال: حدثنا جعفر قال: حدّثنا علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله تعالى يكتب للعبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فحججت ذلك العام لألقى أبا هريرة، فأكلمه في هذا الحديث فلقيته فأخبرته فقال: ليس كذا قلت، ولم يحفظ الذي حدثك عني.

وإنما قلت: ألفي ألف حسنة.

ثم قال أبو هريرة: أو لستم تجدون في كتاب الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً.

فقوله: كَثِيرَةً أكثر من ألف ألف ومن ألفي ألف.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ، أي يقتر الرزق على من يشاء وَيَبْصُطُ، أي يوسع على من يشاء من عباده.

ويقال: يقبض الصدقات ويخلفها الثواب في الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم يسلب قوماً ما أنعم عليهم ويوسع على آخرين.

وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة قرأ حمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو: فَيُضاعِفَهُ بالألف وبضم الفاء، وقرأ عاصم فَيُضاعِفَهُ بالألف وبنصب الفاء، وقرأ ابن كثير فَيُضْعِفُهُ بغير ألف وبضم الفاء، وقرأ ابن عامر: فَيُضْعِفُهُ بغير ألف وبنصب الفاء.

فأما من قرأ: فَيُضاعِفَهُ بالألف والضم، يضعفه فهما لغتان بمعنى واحد.

يقال: ضاعفت الشيء وضعفته.

ومن قرأ بضم الفاء عطفه على قوله: يُقْرِضُ اللَّهَ.

ومن نصبه فعلى جواب الاستفهام.

وقرأ نافع يَبْصُطُ بالصاد، وقرأ الباقون: بالسين وهو أظهر عند أهل اللغة.

وفي كل موضع يكون الصاد قريباً من الطاء، جاز أن يقرأ بالسين وبالصاد مثل المصيطرون ومثل: الصراط، لأنه يشتد فرق الصاد عند ذلك فيجوز القراءة بالسين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وإذا ذكرت «القابضَ» منْفرداً عن «البَاسِطِ» ، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله: «المُعِزُّ المُذِلّ» ، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر.

انتهى.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ...

الآية: هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلمّا أمروا، كعّ أكثرهم «١» ، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين ليحذروا المَكْرُوه منْه ويقتدوا بالحسن.

والْمَلَإِ: في هذه الآية جميعُ القَوْم لأن المعنى يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ «المَلأَ» تشبيها، ومِنْ بَعْدِ مُوسى: معناه: مِنْ بعد موته، وانقضاء مدَّته.

وقوله تعالى: لِنَبِيٍّ لَهُمُ، قال ابن إِسحاق وغيره: هو شمويلُ بْن بَابِل «٢» .

وقال السدِّيُّ: هو شَمْعُونُ «٣» ، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حاربها، وروي أنها

كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالى أقام أمورهم بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُمماً من الكَفَرة، فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم.

وقال السُّدِّيُّ: كان الغالبُ لهم «جَالُوتَ» ، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم «١» حتى اجتمع ملأهم على أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً ...

الآية، وإِنما طلبوا مَلِكاً يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل يقال لهم: بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ: «نُقَاتِلْ» بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور- عليه السلام- أن يتوثَّق منهم، فوقفهم على جهة/ التّقرير، وسبر ما عندهم بقوله: ٦٢ أهَلْ عَسَيْتُمْ، ومعنى هذه المقالةِ، هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار، إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ.

ص: لِنَبِيٍّ متعلِّق ب قالُوا، واللامُ معناها: التبليغُ.

انتهى.

ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ، تولَّوْا، أي: اضطربت نياتهم، وفَتَرت عزائمهم، إلا قليلاً منهم، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب، كَعَّتْ، وعن هذا المعنى نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، واسألوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فاثبتوا» «٢» .

ثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر بقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.

وقوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ...

الآية: قال وهب بن منبّه «٣» :

وكان طالوتُ رجلاً دبَّاغاً «١» ، وقال السُّدِّيُّ: سَقَّاءً «٢» ، وكان من سِبْط «بِنْيَامِينَ» ، وكان سبطاً لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ، فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ، أي: لم يؤت مالاً واسعاً، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ.

قال ع «٣» : وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوى، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ فاحتج عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاء طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و «اصطفى» : مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ على أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل: المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت «٤» .

ت: قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ: قوله: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، أي:

انبساطا وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم.

انتهى من شرحه لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ عليه السلام.

ولما علم نبيُّهم- عليه السلام- تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّم كلامه بالقَطْع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم- عليه السلام-، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وواسِعٌ: معناه: وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء، وأما قول النبيّ لهم: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم: وما آية مُلْكِ طالُوتَ؟

وذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله: إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ.

قال ع: ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه على هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ فإنّهم أهل تكذيب وتعنّت واعوجاج.

وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس وغيره «١» .

واختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب: لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم/ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلّا لهذا التابوت، ٦٢ ب فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ حتى دخَلَتَا به على بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر.

وقال قتادةُ، والربيعُ: كان هذا التابوتُ مما تركه موسى عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور حتى جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء حتى وضعْته بينهم، فاستوثقت بنو إِسرائيل عند ذلك على طالوت «٢» ، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم.

وقوله تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: قال ابن عَبَّاس: السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة «٣» ، وقال مجاهدٌ: السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب «٤» .

وقال عطاءٌ: السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها «٥» ، وقال قتادة: سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: وقار لكم من ربِّكم «٦» .

قال ع: والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالى أن مجيء التابوتِ آية لهم، إن كانوا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ ﴾ أيْ: كَسَرُوهم ورَدُّوهم، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الهَزْمِ في اللُّغَةِ: كَسْرُ الشَّيْءِ، وثَنْيُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ، يُقالُ: سِقاءٌ مُنْهَزِمٌ [وَمُهَزَّمٌ ] إذا كانَ بَعْضُهُ قَدْ ثُنِيَ عَلى بَعْضٍ مَعَ جَفافٍ، وقَصَبٍ مُنْهَزِمٍ: قَدْ كُسِرَ وشَقَّقَ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَزَمْتُ عَلى زَيْدٍ، أيْ: عَطَفْتُ عَلَيْهِ.

قالَ الشّاعِرُ: هَزَمْتُ عَلَيْكَ اليَوْمَ يا ابْنَةَ مالِكٍ فَجُودِي عَلَيْنا بِالنَّوالِ وأنْعِمِي وَيُقالُ: سَمِعْتُ هَزْمَةَ الرَّعْدِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: كَأنَّهُ صَوْتٌ فِيهِ تَشَقُّقٌ.

وَدُوادُ: هو نَبِيُّ اللَّهِ أبُو سُلَيْمانَ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: إنَّ إخْوَةَ داوُدَ كانُوا مَعَ طالُوتَ، فَمَضى داوُدَ لِيَنْظُرَ إلَيْهِمْ، فَنادَتْهُ أحْجارٌ: خُذْنِي، فَأخَذَها، وجاءَ إلى طالُوتَ، فَقالَ: ما لِي إنْ قَتَلْتُ جالُوتَ، فَقالَ: ثُلُثُ مُلْكِي، وأُنْكِحَكَ ابْنَتِي، فَقُتِلَ جالُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ يَعْنِي آَتى داوُدَ مُلَكَ طالُوتَ.

وفي المُرادِ بِـ"الحِكْمَةِ" هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الزَّبُورُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها صَنْعَةُ الدُّرُوعِ، والثّانِي: الزَّبُورُ، والثّالِثُ: مَنطِقُ الطَّيْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (دَفْعَ اللَّهُ) بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا، وفي "الحَجِّ" وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وأبانُ (وَلَوْلا دِفاعُ) بِألِفٍ فِيهِما.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَقَدْ حَرِصْتُ بِأنْ أُدافِعَ عَنْهُمُ ∗∗∗ فَإذا المَنِيَّةُ أقْبَلَتْ لا تَدْفَعُ وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِمَن أطاعَهُ عَمَّنْ عَصاهُ، كَما دَفَعَ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ طالُوتَ بِمَن أطاعَهُ، لَهَلَكَ العُصاةُ بِسُرْعَةِ العُقُوبَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ المُشْرِكِينَ بِالمُسْلِمِينَ، لَغَلَبَ المُشْرِكُونَ عَلى الأرْضِ، فَقَتَلُوا المُسْلِمِينَ، وخَرَّبُوا المَساجِدَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ومَعْنى: ﴿ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ﴾ لَهَلَكَ أهْلُها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللهِ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ﴾ بَرَزُوا مَعْناهُ: صارُوا في البَرازِ وهو الأفْيَحُ مِنَ الأرْضِ، المُتَّسِعُ، وجالُوتُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ - والإفْراغُ أعْظَمُ الصَبِّ، كَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عُمُومَ المُفْرَغِ عَلَيْهِ - والهَزْمُ أصْلُهُ أنْ يُضْرَبَ الشَيْءُ فَيَدْخُلَ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، وكَذَلِكَ الجَيْشُ الَّذِي يُرَدُّ يَرْكَبُ رَدْعَهُ، ثُمَّ قِيلَ في مَعْنى الغَلَبَةِ: هَزَمَ- وكانَ جالُوتُ أمِيرَ العَمالِقَةِ ومَلِكَهُمْ، وكانَ فِيما رُوِيَ في ثَلاثِمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ.

وَرُوِيَ في قِصَّةِ داوُدَ وقَتْلِهِ جالُوتَ أنَّ أصْحابَ طالُوتَ كانَ فِيهِمْ إخْوَةُ داوُدَ وهم بَنُو إيشِي، وكانَ داوُدُ صَغِيرًا يَرْعى غَنَمًا لِأبِيهِ، فَلَمّا حَضَرَتِ الحَرْبُ قالَ في نَفْسِهِ: لَأذْهَبَنَّ لِرُؤْيَةِ هَذِهِ الحَرْبِ، فَلَمّا نَهِضَ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِحَجَرٍ فَناداهُ: يا داوُدُ خُذْنِي فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثُمَّ ناداهُ حَجَرٌ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، فَأخَذَها، وجَعَلَها في مِخْلاتِهِ.

وسارَ، فَلَمّا حَضَرَ الناسُ خَرَجَ جالُوتُ يَطْلُبُ مُبارِزًا، فَكَعَّ الناسُ عنهُ حَتّى قالَ طالُوتُ: مَن يَبْرُزْ لَهُ ويَقْتُلْهُ فَأنا أُزَوِّجْهُ بِنْتِي وأُحَكِّمْهُ في مالِي، فَجاءَ داوُدُ، فَقالَ: أنا أبْرُزُ لَهُ وأقْتُلُهُ، فَقالَ لَهُ طالُوتُ: فارْكَبْ فَرَسِي، وخُذْ سِلاحِي، فَفَعَلَ، وخَرَجَ في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فَلَمّا مَشى قَلِيلًا رَجَعَ، فَقالَ الناسُ: جَبُنَ الفَتى، فَقالَ داوُدُ: إنْ كانَ اللهُ لَمْ يَقْتُلْهُ لِي ويُعِنِّي عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْنِي هَذا الفَرَسُ، ولا هَذا السِلاحُ، ولَكِنِّي أُحِبُّ أنْ أُقاتِلَهُ عَلى عادَتِي قالَ: وكانَ داوُدُ مِن أرْمى الناسِ بِالمِقْلاعِ، فَنَزَلَ وأخَذَ مِخْلاتَهُ فَتَقَلَّدَها، وأخَذَ مِقْلاعَهُ وخَرَجَ إلى جالُوتَ وهو شاكٍ في سِلاحِهِ، فَقالَ لَهُ جالُوتُ: أنْتَ يا فَتى تَخْرُجُ إلَيَّ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: هَكَذا كَما يُخْرَجُ إلى الكَلْبِ؟

قالَ: نَعَمْ، وأنْتَ أهْوَنُ، قالَ: لَأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطَيْرَ والسِباعَ، ثُمَّ تَدانَيا فَأدارَ داوُدُ مِقْلاعَهُ، وأدْخَلَ يَدَهُ إلى الحِجارَةِ فَرُوِيَ أنَّها التَأمَتْ فَصارَتْ حَجَرًا واحِدًا، فَأخَذَهُ فَوَضَعَهُ في المِقْلاعِ، وسَمّى اللهَ وأدارَهُ ورَماهُ، فَأصابَ بِهِ رَأْسَ جالُوتَ فَقَتَلَهُ، وحَزَّ رَأْسَهُ وجَعَلَهُ في مِخْلاتِهِ واخْتَلَطَ الناسُ، وحَمَلَ أصْحابُ طالُوتَ، وكانَتِ الهَزِيمَةُ - ثُمَّ إنَّ داوُدَ جاءَ يَطْلُبُ شَرْطَهُ مِن طالُوتَ فَقالَ لَهُ: إنَّ بَناتِ المُلُوكِ لَهُنَّ غَرائِبُ مِنَ المَهْرِ ولا بُدَّ لَكَ مِن قَتْلِ مِائَتَيْنِ مِن هَؤُلاءِ الجَراجِمَةِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الناسَ، وتَجِيئُنِي بِغُلُفِهِمْ، وطَمِعَ طالُوتُ أنْ يُعَرِّضَ داوُدَ لِلْقَتْلِ بِهَذِهِ الفَزْعَةِ، فَقَتَلَ داوُدُ مِنهم مِائَتَيْنِ، وجاءَ بِذَلِكَ وطَلَبَ امْرَأتَهُ فَدَفَعَها إلَيْهِ طالُوتُ، وعَظُمَ أمْرُ داوُدَ، فَيُرْوى أنَّ طالُوتَ تَخَلّى لَهُ عَنِ المُلْكِ وصارَ هو المَلِكَ، ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَلَبَتْ طالُوتَ عَلى ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ داوُدَ قَتَلَ جالُوتَ، وكانَ سَبَبَ الفَتْحِ، ورُوِيَ أنَّ طالُوتَ أخافَ داوُدَ حَتّى هَرَبَ مِنهُ فَكانَ في جَبَلٍ إلى أنْ ماتَ طالُوتُ، فَذَهَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى داوُدَ فَمَلَّكَتْهُ أمْرَها- ورُوِيَ أنَّ نَبِيَّ اللهِ شَمْوِيلَ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْهَبَ إلى إيشِي ويَسْألَهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ بَنِيهِ، فَيَدْهُنَ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِ بِدُهْنِ القُدْسِ، ويَجْعَلَهُ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ، واللهُ أعْلَمُ- أيَّ ذَلِكَ كانَ- غَيْرَ أنَّهُ يُقْطَعُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ عَلى أنَّ داوُدَ صارَ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَدْ رُوِيَ في صَدْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ داوُدَ كانَ يَسِيرُ في مُطَّبَخَةِ طالُوتَ ثُمَّ كَلَّمَهُ حَجَرٌ فَأخَذَهُ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ قَتْلِهِ جالُوتَ ومَمْلَكَتِهِ وقَدْ أكْثَرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لَيِّنُ الأسانِيدِ فَلِذَلِكَ انْتَقَيْتُ مِنهُ ما تَنْفَكُّ بِهِ الآيَةُ، وتُعْلَمُ بِهِ مَناقِلُ النازِلَةِ، واخْتَصَرْتُ سائِرَ ذَلِكَ.

وأمّا الحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللهُ فَهي النُبُوَّةُ والزَبُورُ، وقالَ السُدِّيُّ: آتاهُ اللهُ مُلْكَ طالُوتَ ونُبُوَّةَ شَمْعُونَ، والَّذِي عَلَّمَهُ: هي صَنْعَةُ الدُرُوعِ، ومَنطِقُ الطَيْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ عِلْمِهِ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

{لله.

عطفت الفاء جملة: (لما فصل)، على جملة ﴿ وقال لهم نبيهم فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ منى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين * فَهَزَمُوهُم ﴾ [البقرة: 248] ﴿ إن الله قد بعث لكم ﴾ [البقرة: 247] لأن بعث الملك لأجل القتال، يترتب عليه الخروج للقتال الذي سألوا لأجله بعث النبي، وقد حذف بين الجملتين كلام كثير مقدر: وهو الرضا بالملك، ومجيء التابوت، وتجنيد الجنود؛ لأن ذلك مما يدل عليه جملة فصل طالوت بالجنود.

ومعنى فصل بالجنود: قطع وابتعد بهم، أي تجاوزوا مساكنهم وقراهم التي خرجوا منها وهو فعل متعد لأن أصله فصل الشيء عن الشيء ثم عدوه إلى الفاعل فقالوا فصل نفسه حتى صار بمعنى انفصل، فحذفوا مفعوله لكثرة الاستعمال، ولذلك تجد مصدره الفصل بوزن مصدر المتعدي، ولكنهم ربما قالوا فصل فصولاً نظراً لحالة قصوره، كما قالوا صده صداً، ثم قالوا صد هو صداً، ثم قالوا صد صدوداً.

ونظيره في حديث صفة الوحي «أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال» أي فيفصل نفسه عني، والمعنى فينفصل عني.

وضمير ﴿ قال ﴾ راجع إلى (طالوت)، ولا يصح رجوعه إلى نبيئهم لأنه لم يخرج معهم، وإنما أخبر طالوت عن الله تعالى بأنه مبتليهم، مع أنه لم يكن نبيئاً، يوحى إليه: إما إستناداً لإخبار تلقاه من صمويل، وإما لأنه اجتهد أن يختبرهم بالشرب من النهر لمصلحة رآها في ذلك، فأخبر عن اجتهاده، إذ هو حكم الله في شرعهم فأسنده إلى الله، وهذا من معنى قول علماء أصول الفقه إن المجتهد يصح له أن يقول فيما ظهر له باجتهاده إنه دين الله أو لأنه في شرعهم أن الله أوجب على الجيش طاعة أميرهم فيما يأمرهم به، وطاعة الملك فيما يراه من مصالحهم، وكان طالوت قد رأى أن يختبر طاعتهم ومقدار صبرهم بهذه البلوى فجعل البلوى من الله؛ إذ قد أمرهم بطاعته بها.

وعلى كل فتسمية هذا التكليف ابتلاء تقريب للمعنى إلى عقولهم لأن المقصود إظهار الاعتناء بهذا الحكم، وأن فيه مرضاة الله تعالى على الممتثل، وغضبه على العاصي، وأمثال هذه التقريبات في مخاطبات العموم شائعة، وأكثر كلام كتب بني إسرائيل من هذا القبيل.

والظاهر أن الملك لما علم أنه سائر بهم إلى عدو كثير العدد، وقوي العهد أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم فقال لهم إنكم ستمرون على نهر، وهو نهر الأردن، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني، ورخص لهم في غرفة يغترفها الواحد بيده يبل بها ريقه، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش، فإن السير في الحرب يعطش الجيش، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشاً وشهوة، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم: لأن المحارب إذا شرب ماء كثيراً بعد التعب، انحلت عراه ومال إلى الراحة، وأثقله الماء.

والعرب تعرف ذلك قال طفيل يذكر خيلهم: فلما شَارَفَتْ أَعلام طي *** وطيٌّ في المَغَار وفي الشعاب سَقَيْنَاهُنَّ من سهل الأداوى *** فمصطبح على عَجَل وآبي يريد أن الذي مارس الحرب مراراً لم يشرب؛ لأنه لا يسأم من الركض والجهد، فإذا كان حاجزاً كان أخفَّ له وأسرعَ، والغر منهم يشرب لجهله لما يراد منه، ولأجل هذا رخص لهم في اغتراف غرفة واحدة.

والنهَر بتحريك الهاء وبسكونها للتخفيف، ونظيره في ذلك شَعَر وبَحَر وحَجَر فالسكون ثابت لجميعها.

وقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي فليس متصلاً بي ولا علقة بيني وبينه، وأصل «من» في مثل هذا التركيب للتبعيض، وهو تبعيض مجازي في الاتصال، وقال تعالى: ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ [آل عمران: 28] وقال النابغة: إذا حاولتَ في أَسدِ فجوراً *** فإني لستُ منك ولستَ مني وسمى بعض النحاة «من» هذه بالاتصالية.

ومعنى قول طالوت «ليس مني» يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي، ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش، فلا يكمل الجهاد معه، والظاهر الأول لقوله ﴿ ومن لم يطعَمْه فإنه مني ﴾ لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله: ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ غنية عن قوله: ومن لم يطعمه فإنه مني؛ لأنه إذا كان الشارب مبعداً من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ من قوله: ﴿ فمن شرب منه ﴾ لأنه من الشاربين، وإنما أخره عن هذه الجملة، وأتى به بعد جملة ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ليقع بعد الجملة التي فيها المستثنى منه مع الجملة المؤكدة لها؛ لأن التأكيد شديد الاتصال بالمؤكد، وقد علم أن الاستثناء راجع إلى منطوق الأولى ومفهوم الثانية، فإن مفهوم (من لم يطعمه فإنه منّي) أن من طعمه ليس منه، ليعلم السامعون أن المغترف غرفة بيده هو كمن لم يشرب منه شيئاً، وأنه ليس دون من لم يشرب في الولاء والقرب، وليس هو قسماً واسطة.

والمقصود من هذا الاستثناء الرخصة للمضطر في بلال ريقه، ولم تذكر كتب اليهود هذا الأمر بترك شرب الماء من النهر حين مرور الجيش في قصة شاول، وإنما ذكرت قريباً منه إذ قال في سفر صمويل لما ذكر أشد وقعة بين اليهود وأهل فلسطين: «وضنك رجال إسرائيل في ذلك اليوم؛ لأن شاول حلف القوم قائلاً ملعون من يأكل خبزاً إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي» وذكر في سفر القضاة في الإصحاح السابع مثل واقعة النهر، في حرب جَدعون قاضي إسرائيل للمديانيين، والظاهر أن الواقعة تكررت لأن مثلها يتكرر فأهملتها كتبهم في أخبار شاول.

وقوله: ﴿ لم يطعمه ﴾ بمعنى لم يذقه، فهو من الطعم بفتح الطاء، وهو الذوق أي اختبار المطعوم، وكان أصله اختبار طعم الطعام أي ملوحته أو ضدها، أو حلاوته أو ضدها، ثم توسع فيه فأطلق على اختبار المشروب، ويعرف ذلك بالقرينة، قال الحارث بن خالد المخزومي وقيل العرجي: فإِنْ شئتتِ حرَّمْتُ النساء سواكم *** وإنْ شِئتتِ لم أَطْعم نقاخاً ولا بَرْدا فالمعنى لم أذق.

فأما أن يطلق الطعم على الشرب أي ابتلاع الماء فلاَ، لأن الطعم الأكل ولذلك جاء في الآية والبيت منفياً، لأن المراد أنه لم يحصل أقَل ما يطلق عليه اسم الذوق، ومن أجل هذا عيروا خالد بن عبد الله القسري لما أخبر وهو على المنبر بخروج المغيرة بن سعيد عليه فقال «أطعموني ماء» إذ لم يعرف في كلام العرب الأمر من الإطعام إلاّ بمعنى الأكل، وأما من يطلب الشراب فإنما يقول اسقوني لأنه لا يقال طعم بمعنى شرب، وإنما هو بمعنى أكل.

والغرفة بفتح الغين في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر، المرَّة من الغرف وهو أخذ الماء باليد، وقرأه حمزة وعاصم والكسائي ويعقوب وخلف، بضم الغين، وهو المقدار المغروف من الماء.

ووجه تقييده بقوله: ﴿ بيده ﴾ مع أن الغرف لا يكون إلاّ باليد لدفع توهم أن يكون المراد تقديرَ مقدار الماء المشروب، فيتناوله بعضهم كرهاً، فربما زاد على المقدار فجعلت الرخصة الأخذ باليد.

وقد دل قوله: ﴿ فشربوا منه ﴾ على قِلة صبرهم، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة الحروب، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعدَ مجاوزة النهر فقالوا: ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو، وكانوا يسرون الخوف، فلما اقترب الجيشان، لم يستطيعوا كتمان ما بهم.

وفي الآية انتقال بديع إلى ذكر جند جالوت والتصريح باسمه، وهو قائد من قواد الفلسطينيين اسمه في كتب اليهود جُلْيَات كان طوله ستة أذرع وشبراً، وكان مسلحاً مدرعاً، وكان لا يستطيع أن يبارزه أحد من بني إسرائيل، فكان إذا خرج للصف عرض عليهم مبارزته وعيرهم بجنبهم.

وقوله: ﴿ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ الآية، أي الذين لا يحبون الحياة ويرجون الشهادة في سبيل الله، فلقاء الله هنا كناية عن الموت في مرضاة الله شهادة وفي الحديث «من أحب لقاء اللهأحب الله لقاءه» فالظن على بابه.

وفي قوله: ﴿ كم من فئة ﴾ خبرية لا محالة إذ لا موقع للاستفهام فإنهم قصدوا بقولهم هذا تثبيت أنفسهم وأنفس رفقائهم، ولذلك دعوا إلى ما به النصر وهو الصبر والتوكل فقالوا ﴿ والله مع الصابرين ﴾ .

والفئة: الجماعة من الناس مشتقة من الفيء وهو الرجوع، لأن بعضهم يرجع إلى بعض، ومنه سميت مؤخرة الجيش فئة، لأن الجيش يفئ إليها.

وقوله: ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ هذا دعاؤهم حين اللقاء بطلب الصبر من الله، وعبروا عن إلهامهم إلى الصبر بالإفراغ استعارة لقوة الصبر فإن القوة والكثرة يتعاوران الألفاظَ الدالة عليهما، كقول أبي كبير الهذلي: كثير الهوى شَتَّى النوى والمسالك *** وقد تقدم نظيره، فاستعير الإفراغ هنا للكثرة مع التعميم والإحاطة وتثبيت الأقدام استعارة لعدم الفرار شبه الفرار والخوف بزلق القدم، فشبه عدمه بثبات القدم في المأزق.

وقد أشارت الآية في قوله: ﴿ فهزموهم ﴾ إلخ إلى انتصار بني إسرائيل على الفلسطينيين وهو انتصار عظيم كان به نجاح بني إسرائيل في فلسطين وبلاد العمالقة، مع قلة عددهم فقد قال مؤرخوهم إن طالوت لما خرج لحرب الفلسطينيين جمع جيشاً فيه ثلاثة آلاف رجل، فلما رأوا كثرة الفلسطينيين حصل لهم ضنك شديد واختبأ معظم الجيش في جبل افرايم في المغارات والغياض والآبار، ولم يعبروا الأردن، ووجم طالوت واستخار صمويل، وخرج للقتال فلما اجتاز نهر الأردن عد الجيش الذي معه فلم يجد إلاّ نحو ستمائة رجل، ثم وقعت مقاتلات كان النصر فيها لبني إسرائيل، وتشجع الذين جبنوا واختبأوا في المغارات وغيرها فخرجوا وراء الفلسطينيين وغنموا غنيمة كثيرة، وفي تلك الأيام من غير بيان في كتب اليهود لمقدار المدد بين الحوادث ولا تنصيص على المتقدم منها والمتأخر ومع انتقالات في القصص غير متناسبة، ظهر داود بن يسى اليهودي إذ أوحى الله إلى صمويل أن يذهب إلى بيت يسى في بيت لحم ويمسح أصغر أبناء يسى ليكون ملكاً على إسرائيل بعد حين، وساق الله داود إلى شاول (طالوت) بتقدير عجيب فحظى عند شاول، وكان داود من قبل راعي غنم أبيه، وكان ذا شجاعة ونشاط وحسن سمت، وله نبوغ في رمي المقلاع، فكان ذات يوم التقى الفلسطينيون مع جيش طالوت وخرج زعيم من زعماء فلسطين اسمه جُلْيَات كما تقدم، فلم يستطع أحد مبارزته فانبرى له داود ورماه بالمقلاع فأصاب الحجر جبهته وأسقطه إلى الأرض واعتلاه داود واخترط سيفه وقطع رأسه، فذهب به إلى شاول وانهزم الفلسطينيون، وزوج شاول ابنته المسماة ميكال من داود، وصار داود بعد حين ملكاً عوض شاول، ثم آتاه الله النبوءة فصار ملكاً نبيئاً، وعلمه مما يشاء.

ويأتي ذكر داود عند قوله تعالى: ﴿ وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه ﴾ في سورة الأنعام (83).

وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين}.

ذيلت هذه الآية العظيمة كل الوقائع العجيبة التي أشارت بها الآيات السالفة لتدفع عن السامع المتبصر ما يخامره من تطلب الحكمة في حدثان هذه الوقائع وأمثالها في هذا العالم ولكون مضمون هذه الآية عبرة من عبر الأكوان وحكمة من حكم التاريخ، ونظم العمران التي لم يهتد إليها أحد قبل نزول هذه الآية، وقبل إدراك ما في مطاويها، عطفت على العبر الماضية كما عطف قوله: ﴿ وقال لهم نبيهم ﴾ [البقرة: 247] وما بعده من رؤوس الآي.

وعدل عن المتعارف في أمثالها من ترك العطف، وسلوك سبيل الاستئناف.

وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب (ولولا دفاع الله الناس) بصيغة المفاعلة، وقرأه الجمهور (دفع) بصيغة المجرد.

والدفاع مصدر دافع الذي هو مبالغة في دفع لا للمفاعلة، كقول موسى بن جابر الحنفي: لا أشتهي يا قوم إلاّ كارهاً *** باب الأمير ولا دفاع الحاجب وإضافته إلى الله مجاز عقلي كما هو في قوله: ﴿ إن الله يدفع عن الذين آمنوا ﴾ [الحج: 38] أي يدفع لأن الذي يدفع حقيقة هو الذي يباشر الدفع في متعارف الناس وإنما أسند إلى الله لأنه الذي قدره وقدر أسبابه، ولذلك قال: ﴿ بعضهم ببعض ﴾ فجعل سبب الدفاع بعضهم وهو من باب ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [الأنفال: 17] وأصل معنى الدفع الضرب باليد للإقصاء عن المرام.

قال: فدفعتها فتدافعت *** وهو ذب عن مصلحة الدافع.

ومعنى الآية: أنه لولا وقوع دفع بعض الناس بعضاً آخر بتكوين الله وإيداعه قوة الدفع وبواعثه في الدافع لفسدت الأرض، أي من على الأرض، واختل نظام ما عليها، ذلك أن الله تعالى لما خلق الموجودات التي على الأرض من أجناس وأنواع وأصناف، خلقها قابلة للاضمحلال، وأودع في أفرادها سننا دلت على أن مراد الله بقاؤها إلى أمد أراده، ولذلك نجد قانون الخَلَفية منبثاً في جميع أنواع الموجودات فما من نوع إلاّ وفي أفراده قوة إيجاد أمثالها لتكون تلك الأمثال أخلافاً عن الأفراد عند اضمحلالها، وهذه القوة هي المعبر عنها بالتناسل في الحيوان، والبذر في النبت، والنضح في المعادن، والتولد في العناصر الكيماوية.

ووجود هذه القوة في جميع الموجودات أول دليل على أن موجِدها قد أراد بقاء الأنواع، كما أراد اضمحلال الأفراد عند آجال معينة، لاختلال أو انعدام صلاحيتها، ونعلم من هذا أن الله خالق هذه الأكوان لا يحب فسادها، وقد تقدم لنا تفسير قوله: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205].

ثم إن الله تعالى كما أودع في الأفراد قوة بها بقاء الأنواع، أودع في الأفراد أيضاً قوى بها بقاء تلك الأفراد بقدر الطاقة، وهي قوى تطلُّب الملائم ودفع المنافي، أو تطلُّب البقاء وكراهية الهلاك، ولذلك أودع في جميع الكائنات إدراكات تنساق بها، بدون تأمل أو بتأمل، إلى ما فيه صلاحها وبقاؤها، كانسياق الوليد لالتهام الثدي، وأطفال الحيوان إلى الأثداء والمراعي، ثم تتوسع هذه الإدراكات، فيتفرع عنها كل ما فيه جلب النافع الملائم عن بصيرة واعتياد، ويسمى ذلك بالقوة الشاهية.

وأودع أيضاً في جميع الكائنات إدراكات تندفع بها إلى الذب عن أنفسها، ودفع العوادي عنها، عن غير بصيرة، كتعريض اليد بين الهاجم وبين الوجه، وتعريض البقرة رأسها بمجرد الشعور بما يهجم عليها من غير تأمل في تفوق قوة الهاجم على قوة المدافع، ثم تتوسع هاته الإدراكات فتتفرع إلى كل ما فيه دفع المنافر من ابتداء بإهلاك من يُتوقع منه الضر، ومن طلب الكِن، واتخاذ السلاح، ومقاومة العدو عند توقع الهلاك، ولو بآخر ما في القوة وهو القوة الغاضبة ولهذا تزيد قوة المدافعة اشتداداً عند زيادة توقع الأخطار حتى في الحيوان.

وما جعله الله في كل أنواع الموجودات من أسباب الأذى لمريد السوء به أدل دليل على أن الله خلقها لإرادة بقائها، وقد عَوَّضَ الإنسان عما وهبه إلى الحيوان العقلَ والفكرة في التحيل على النجاة ممن يريد به ضرراً، وعلى إيقاع الضر بمن يريده به قبل أن يقصده به، وهو المعبر عنه بالاستعداد.

ثم إنه تعالى جعل لكل نوع من الأنواع، أو فرد من الأفراد خصائص فيها منافع لغيره ولنفسه ليحرص كل على إبقاء الآخر، فهذا ناموس عام، وجعل الإنسان بما أودَعه من العقل هو المهيمن على بقية الأنواع.

وجعل له العلم بما في الأنواع من الخصائص، وبما في أفراد نوعه من الفوائد.

فخلق الله تعالى أسباب الدفاع بمنزلة دفع من الله يدفع مريد الضر بوسائل يستعملها المراد إضراره، ولولا هذه الوسائل التي خولها الله تعالى أفراد الأنواع، لاشتد طمع القوي في إهلاك الضعيف، ولاشتدت جراءة من يجلب النفع إلى نفسه على منافع يجدها في غيره، فابتزها منه، ولأفرَطتْ أفراد كل نوع في جلب النافع الملائم إلى أنفسها بسلب النافع الملائم لغيرها، مما هو له، ولتناسى صاحب الحاجة حين الاحتياج ما في بقاء غيره من المنفعة له أيضاً.

وهكذا يتسلط كل ذي شهوة على غيره، وكل قوي على ضعيفه، فيهلك القوي الضعيف، ويهلك الأقوى القويَّ، وتذهب الأفراد تباعاً، والأنواع كذلك حتى لا يبقى إلاّ أقوى الأفراد من أقوى الأنواع، وذلك شيء قليل، حتى إذا بقي أعوزته حاجات كثيرة لا يجدها في نفسه، وكان يجدها في غيره من أفراد نوعه، كحاجة أفراد البشر بعضهم إلى بعض، أو من أنواع أخر، كحاجة الإنسان إلى البقرة، فيذهب هدراً.

ولما كان نوع الإنسان هو المهيمن على بقية موجودات الأرض وهو الذي تظهر في أفراده جميع التطورات والمساعي، خصتهُ الآية بالكلام فقالت: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ إذ جعل الله في الإنسان القوة الشاهية لبقائه وبقاء نوعه، وجعل فيه القوة الغاضبة لرد المفرط في طلب النافع لنفسه، وفي ذلك استبقاء بقية الأنواع؛ لأن الإنسان يذب عنها لما في بقائها من منافع له.

وبهذا الدفاع حصلت سلامة القوي، وهو ظاهر، وسلامة الضعيف أيضاً لأن القوي إذا وجد التعب والمكدرات في جلب النافع سئم ذلك، واقتصر على ما تدعو إليه الضرورة.

وإنما كان الحاصل هو الفساد، لولا الدفاع، دون الصلاح، لأن الفساد كثيراً ما تندفع إليه القوة الشاهية بما يوجد في أكثر المفاسد من اللذات العاجلة القصيرة الزمن، ولأن في كثير من النفوس أو أكثرها الميل إلى مفاسد كثيرة، لأن طبع النفوس الشريرة ألا تراعي مضرة غيرها، بخلاف النفوس الصالحة، فالنفوس الشريرة أعمد إلى انتهاك حرمات غيرها، ولأن الأعمال الفاسدة أسرع في حصول آثارها وانتشارها، فالقليل منها يأتي على الكثير من الصالحات، فلا جرم لولا دفاع الناس بأن يدافع صالحهم المفسدين، لأسرع ذلك في فساد حالهم، ولعم الفساد أمورهم في أسرع وقت.

وأعظم مظاهر هذا الدفاع هو الحروب؛ فبالحرب الجائرة يطلب المحارب غصب منافع غيره، وبالحرب العادلة ينتصف المحق من المبطل، ولأجلها تتألف العصبيات والدعوات إلى الحق، والإنحاء على الظالمين، وهزم الكافرين.

ثم إن دفاع الناس بعضهم بعضاً يصد المفسد عن محاولة الفساد، ونفس شعور المفسد بتأهب غيره لدفاعه يصده عن اقتحام مفاسد جمة.

ومعنى فساد الأرض: إما فساد الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع بالناس، أي لفسد أهل الأرض، وإما فساد جميع ما يقبل الفساد فيكون في الآية احتباك، والتقدير: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض وبقية الموجودات بعضها ببعض لفسدت الأرض أي من على الأرض ولفسد الناس.

والآية مسوقة مساق الامتنان، فلذلك قال تعالى: ﴿ لفسدت الأرض ﴾ لأنا لا نحب فساد الأرض، إذ في فسادها بمعنى فساد ما عليها اختلالُ نظامنا وذهاب أسباب سعادتنا، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾ فهو استدراك مما تضمنته «لولا» من تقدير انتفاء الدفاع؛ لأن أصل لولا لو مع لا النافية، أي لو كان انتفاءُ الدفاع موجوداً لفسدت الأرض وهذا الاستدراك في هذه الآية أدل دليل على تركيب (لولا) من (لو) و(لا)، إذ لا يتم الاستدراك على قوله: ﴿ لفسدت الأرض ﴾ لأن فساد الأرض غير واقع بعد فرض وجود الدفاع، إن قلنا «لولا» حرف امتناع لوجود.

وعلق الفضل بالعالمين كلهم لأن هذه المنة لا تختص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ ﴾ وهو جَمْعُ جُنْدٍ، والأجْنادُ لِلْقَلِيلِ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفَ مُقاتِلٍ.

﴿ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ ﴾ اخْتَلَفُوا في النَّهْرِ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَّبِيعِ أنَّهُ نَهْرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ نَهْرُ فِلَسْطِينَ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: السَّبَبُ الَّذِي ابْتُلُوا لِأجْلِهِ بِالنَّهْرِ، شِكايَتُهم قِلَّةَ الماءِ وخَوْفَ العَطَشِ.

﴿ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ أيْ لَيْسَ مِن أهْلِ وِلايَتِي.

﴿ وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ، وقَرَأ الباقُونَ (غُرْفَةً) بِالضَّمِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الغُرْفَةَ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْماءِ المَشْرُوبِ، والغَرْفَةُ بِالفَتْحِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ.

﴿ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: جازَ مَعَهُ النَّهْرَ أرْبَعَةُ آلافٍ، ونافَقَ سِتَّةٌ وسَبْعُونَ ألْفًا، فَكانَ داوُدُ مِمَّنْ خَلُصَ لِلَّهِ تَعالى.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنهُ عَطِشَ، ومَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً مِنهُ رُوِيَ.

﴿ فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ قِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةَ أهْلِ بَدْرٍ.

واخْتَلَفُوا، هَلْ تَجاوَزَهُ مَعَهم كافِرٌ أمْ لا؟

فَحُكِيَ عَنِ البَراءِ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ: أنَّهُ ما تَجاوَزَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: تَجاوَزَهُ الكافِرُونَ، إلّا أنَّهُمُ انْخَذَلُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ ﴾ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مَن قَلَّتْ بَصِيرَتَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكُفْرِ الَّذِينَ انْخَذَلُوا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، قالَ عِكْرِمَةُ: فَنافَقَ الأرْبَعَةُ الآلافِ إلّا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كَعِدَّةِ أهْلِ بَدْرٍ، وداوُدُ فِيهِمْ.

﴿ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الباقُونَ مِنَ الأرْبَعَةِ الآلافِ.

وَفي الظَّنِّ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ، ومَعْناهُ الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَما قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ أيْ تَيَقَّنُوا.

والثّانِي: بِمَعْنى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ بِالقَتْلِ في الوَقْعَةِ.

﴿ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾ والفِئَةُ: الفِرْقَةُ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: بِنَصْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ إذا أذِنَ في القِتالِ نَصَرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي وقَعَ الإذْنُ فِيهِ.

﴿ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ يَعْنِي بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وَذَكَرَ بَعْضُ مَن يَتَعاطى غَوامِضَ المَعانِي، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا يُشَبِّهُها بِالنَّهْرِ، والشّارِبِ مِنهُ بِالمائِلِ إلَيْها والمُسْتَكْثِرِ مِنها، والتّارِكِ لِشُرْبِهِ بِالمُنْحَرِفِ عَنْها والزّاهِدِ فِيها، والمُغْتَرِفِ مِنهُ بِيَدِهِ بِالآخِذِ مِنها قَدْرَ حاجَتِهِ، وأحْوالُ الثَّلاثَةِ عِنْدَ اللَّهِ مُخْتَلِفَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: خرجوا مع طالوت وهم ثمانون ألفاً، وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأساً، فخرج يسير بين يدي الجند فلا تجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي، فلما خرجوا قال لهم طالوت ﴿ إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ فشربوا منه هيبة من جالوت، فعبر منهم أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفاً، فمن شرب منه عطش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضاً و ﴿ قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ فرجع عنه ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وجلس في ثلثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ يقول: بالعطش، فلما انتهوا إلى النهر- وهو نهر الأردن- كرع فيه عامة الناس فشربوا، فلم يزد من شرب إلا عطشاً، وأجزأ من اغترف غرفة بيده وانقطع الظمأ عنه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ غازياً إلى جالوت قال طالوت لبني إسرائيل ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ بين فلسطين والأردن، نهر عذب الماء طيبه، فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه، فمن اغترف غرفة واطاعه روي بطاعته، ومن شرب فأكثر عصى فلم يرو ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ قال الذين شربوا ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون ﴾ الذين اغترفوا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ قال: نهر فلسطين.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في الآية قال: كان الكفار يشربون فلا يروون، وكان المسلمون يغترفون غرفة فيجزئهم ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: في تلك الغرفة ما شربوا وسقوا دوابهم.

وأخرج سعيد بن منصور عن عثمان بن عفان أنه قرأ ﴿ إلا من اغترف غرفة ﴾ بضم الغين.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فشربوا منه إلا قليلاً منهم ﴾ قال: القليل ثلثمائة وبضعة عشر، عدة أهل بدر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن البراء قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلثمائة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر «أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي، وكان الصحابة يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: كان عدة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلثمائة وبضعة عشر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيدة قال: عدة الذين شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بدراً كعدد الذين جاوزوا مع طالوت النهر، عدتهم ثلثمائة وثلاثة عشر.

وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: كانوا ثلثمائة ألف وثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فشربوا منه كلهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، عدة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فردهم طالوت ومضى في ثلثمائه وثلاثة عشر، وكان اشمويل دفع إلى طالوت درعاً فقال له: من استوى هذا الدرع عليه فإنه يقتل جالوت بإذن الله تعالى، ونادى منادي طالوت، من قتل جالوت زوجته ابنتي، وله نصف ملكي ومالي.

وكان الله سبب هذا الأمر على يدي داود بن ايشا، وهو من ولد خصرون بن فارض بن يهود بن يعقوب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو الله ﴾ قال: الذين يستيقنون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو الله ﴾ قال: الذين شروا أنفسهم لله ووطنوها على الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: تلقى المؤمنين بعضهم أفضل من بعض جداً، وعزماً وهم كلهم مؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ هذه الآية تتصلُ بما قبلَها بتقدير محذوف (١) (٢) وأصل الهزمِ في اللغة: الكسر، يقالُ: سقاءٌ مُنْهَزِمٌ: إذا تشقَّقَ مع جَفافٍ، وهَزَمْتُ العظم والقَصَبة هَزْمًا، وهزمت الجيشَ هزمًا وهَزِيمةً وهِزِّيمى مقصور، والهَزْمَةُ: نقرةٌ في الجبل أو في الصخرة.

قال سفيان بن عينية في ذكر زمزم: هي هَزْمَةُ جبريل، يريد: هَزَمَها جبريلُ (٣) قال الأصمعي: كأنَّهُ صوتٌ فيه تشقق، ويقالُ للسحابِ: هَزِيمٌ؛ لأنه يتشقَّقُ بالمطرِ، وهَزْمُ الضريع، وهَزْمه: ما تكسر منه (٤) (٥) وحُبِسْن في هَزْمِ الضَّريعِ فكلُّها ...

حَدْباءُ (٦) (٧) فمعنى (هزموهم): كَسَرُوهم ورَدُّوهُم (٨) قوله تعالى: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ قال المفسرون وأصحاب الأخبار: إن جالوت طلبَ البِرازَ فخرج إليه داود، وكان ممن عبر النهر مع طالوت، فرماه بحجر من مقلاعه، فوقَعَ بين عينيه، فخرجَ من قَفاهُ، وقَتَلَ من ورائه ثلاثين رجلًا، وانهزمَ القومُ عن آخرهم، وخَرَّ جالوتُ قَتيلًا (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ أي: جمع له المُلْك والنبوة (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ قال الكلبيُّ: يعنى: صنعةَ الدروع، والتقدير: في السرد (١٢) (١٣) ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ قال ابن عباس (١٤) (١٥) (١٦) وقال سائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، لفسدت الأرض ولهلكتْ بِمَنْ فيها (١٧) وتصديقُ هذا: ما روي أن النبي  قال: "يدفع الله بمن يصلي من أمتي عمَّنْ لا يصلُي، وبمن يزكي، عمَّن لا يزكِّي، وبمن يصومُ عمَّن لا يصوم، وبمن يَحُجُّ عمن لا يَحُجُّ، وبمن يُجاهدُ عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على تركِ هذه الأشياء ما ناظَرَهُم (١٨)  هذه الآية (١٩) واختلف القراء في قوله ﴿ دَفْعُ اللَّهِ ﴾ فقرأ بعضهم: (دفاعُ الله)، وقرأ بعضهم: (دفعُ الله) (٢٠) ومعنى الدفع: الصرف عن الشيء (٢١) والدفاع يحتمل أن يكون مصدرًا لِفَعَلَ، كالكتاب واللقاء والنكاح، ونحوها من المصادر التي جاءت على فِعالٍ، ويجوزُ أن يكون مصدرًا لفاعَلَ (٢٢) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ، ونظيرُ الدفاع في كونه مصدرًا لِفَعَلَ وفاعَلَ: الكتاب، فقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  ﴾ ، الكتاب فيه مصدر: كاتَبَ.

وقال: ﴿ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ فالكتاب هاهنا: مصدرٌ لِكَتَبَ؛ لأن المعنى: كَتَبَ (٢٣) ولَقَدْ حَرِصْتُ بأن أُدَافِعَ عَنْهُم ...

فإِذا المَنِيَّةُ أقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ (٢٤) المعنى: حرصتُ بأن أدفعَ عنهم المنيةَ فإذا المنيةُ لا تُدْفَعُ (٢٥) ونصب (بعضهم) على البدل من الناس (٢٦) (١) في (ش): (محذوف في اللغة بتقدمها) وهي زيادة.

(٢) ساقط من (ي).

(٣) زيادة من (ي).

(٤) ينظر في (هزم): "تهذيب اللغة" 4/ 3759، "المفردات" ص521، "لسان العرب" 8/ 4665، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 332.

(٥) هو قيس بن عيزارة الهذلي، خويلد أبوه، وعيزارة أمه، وهو شاعر جاهلي، مات من داء من البطن في مكة.

ينظر ترجمته في "معجم الشعراء" للمرزباني ص: 326، و"ديوان الهذليين" 3/ 82 - 83.

(٦) في (أ): (حربا)، وفي (م): (جربا).

(٧) البيت في "شرح أشعار الهذليين" ص 598، "لسان العرب" 5/ 2581 (مادة: ضرع).

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 332.

(٩) ينظر هذه القصة في: "تفسير مجاهد" 1/ 113، "تفسير الطبري" 2/ 625 - 632 على اختلاف بين الروايات، "تفسير الثعلبي" 2/ 1378وما بعدها، "تفسير البغدادي" 1/ 303 - 307.

(١٠) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1389.

(١١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 300، ويذكر عن السدي فيما أخرج الطبري في "تفسيره" 2/ 632، و"ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 3/ 480، وقال الضحاك والكلبي: ملك داود بعد قتل جالوت بسبع سنين، فلم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود.

ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1388.

(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1389، والبغوي في "تفسيره" 1/ 307، وذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 632 دون عزو لأحد.

(١٣) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 332، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1390، والبغوي في "تفسيره" 1/ 307.

والحكل: ما لا يسمع له صوت كالذر والنمل.

(١٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1394، وأبو المظفر السمعاني 2/ 385.

(١٥) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 633، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 480، والثعلبي 2/ 1394.

(١٦) في (م): (لغلب المشركون فيقتلوا المؤمنين ويخربوا).

(١٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1394، و"تفسير البغوي" 1/ 307.

(١٨) أي: ينظرهم، وهي كذلك عند الثعلبي.

(١٩) ذكره الديلمي في "فردوس الأخبار" 5/ 364، من حديث ابن عباس، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 480 دون طرفه الأخير، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" 6/ 97 عن ابن عباس موقوفًا.

وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1394.

(٢٠) قرأ نافع (دفاع)، وقرأ الباقون (دفع).

ينظر "السبعة" لابن مجاهد، ص 187.

(٢١) ينظر: "المفردات" ص 177، "لسان العرب" 3/ 1394 مادة (دفع).

قال الراغب: الدفع إذا عُدِّي بـ إلى اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: ﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ ، وإذا عُدِّي بـ (عن) اقتضى معنى الحماية، نحو: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

(٢٢) ساقط من (م).

(٢٣) ساقط من (أ) و (م).

(٢٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، في "شرح أشعار الهذليين" ص 8، "لسان العرب" 2/ 835 (مادة: حرص).

(٢٥) توجيه القراءة كله منقول من "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 352 - 353.

(٢٦) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 280، "التبيان" 1/ 150.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَصَلَ طَالُوتُ ﴾ أي خرج من موضعه إلى الجهاد ﴿ بِنَهَرٍ ﴾ قيل هو نهر فلسطين ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ ﴾ الآية: اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب باليد ﴿ إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً ﴾ رخص لهم في الغرفة باليد، وقرئ بفتح الغين وهو المصدر، وبضمها هو الاسم ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ قيل: كانوا ثمانين ألفاً فشربوا منه كلهم إلاّ ثلاثمائة وبضعة عشر: عدد أصحاب بدر، فأما من شرب فاشتد عليه العطش، وأما من لم يشرب فلم يعطش ﴿ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ كان كافراً عدوّاً لهم وهو ملك العمالقة، ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ أي يوقنون وهم أهل البصائر من أصحابه ﴿ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾ كان داود في جند طالوت فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني إسرائيل، وفي ذلك قصص كثيرة غير صحيحة ﴿ والحكمة ﴾ هنا النبوة والزبور ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ﴾ صنعة الدروع، ومنطق الطيور، وغير ذلك ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله ﴾ الآية: منه على العباد بدفع بعضهم ببعض، وقرئ دفاع بالألف، ودفع بغير ألف، والمعنى متفق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عسيتم ﴾ بكسر السين حيث كان نافع.

الباقون بالفتح.

وزاده بالإمالة: حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان.

﴿ بصطه ﴾ بالصاد: أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿ بباصط  ﴾ ﴿ الله يبسط  ﴾ ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ فما اسطاعوا  ﴾ وما أشبه ذلك ﴿ مني إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون.

﴿ غرفة ﴾ بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالضم ﴿ هو والذين ﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿ فئة ومئة ﴾ وبابهما غير مهموزتين: يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿ دفاع الله ﴾ وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ دفع الله ﴾ .

الوقوف: ﴿ من بعد موسى ﴾ م لأنه لو وصل صار "إذ" ظرفاً لقوله "ألم تر" وهو محال ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ ط ﴿ وأبنائنا ﴾ ط ﴿ تعظيماً ﴾ لابتداء أمر معظم ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ ملكاً ﴾ ط ﴿ من المال ﴾ ط ﴿ والجسم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الملائكة ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بالجنود ﴾ لا لأن "قال" جواب لما ﴿ بنهر ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فليس مني ﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿ بيده ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ منهم ﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿ معه ﴾ (لا) لأن "قالوا" جواب لما ﴿ وجنوده ﴾ ط ﴿ ملاقو الله ﴾ (لا) لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على "بإذن الله" لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿ مما يشاء ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم يملؤن العيون هيبةً، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء.

قال: وقال لها الأملاء من كل معشر.

وخير أقاويل الرجال سديدها.

قال الزجاج: الملأ الرؤساء سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم "ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ" إذا كان مطيقاً له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون.

والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا ﴿ إذ قالوا لنبيٍ لهم ﴾ لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن.

لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل.

منهم من قال: إن النبي  هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله  ﴿ من بعد موسى ﴾ ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال.

والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل.

وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون.

والسين تصير شيناً بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب.

﴿ ابعث لنا ملكاً ﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا.

وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم ﴿ نقاتل في سبيل الله ﴾ بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة.

وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكاً مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم.

ما تصنعون بالملك؟

فقالوا: نقاتل.

وقرئ "يقاتل" بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ ﴿ ملكاً ﴾ و ﴿ هل عسيتم ﴾ خبره ﴿ أن لا تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور؟

وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ قال المبرد: "ما" نافية أي ليس لنا ترك القتال.

والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل.

فعن الأخفش أن "أن" زائدة أي ما لنا لا نقاتل.

ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة.

وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك "ما لك لا تقاتل" معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال "أن" فيه.

وعن الكسائي: واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة "في" على القياس ﴿ وقد أخرجنا ﴾ أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه.

روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين.

وههنا محذوف التقدير: فسأل الله  ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال.

﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم وأنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر علىعدد أهل بدر.

﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال.

وأي وعيد أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم.

قوله  ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ طالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة.

وقد يمكن تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق العبراني العربي.

و ﴿ ملكاً ﴾ نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثانٍ على أن بعث بمعنى صير.

وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم ﴿ قالوا أنى يكون ﴾ كيف ومن أين يصح ويصلح ﴿ له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال ﴾ الواو الولى للحال، والثانية للعطف.

فانتظمت الجملتان في سلك الحالية.

استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ولد بنيامين.

الثاني: أنه كان فقيراً ولا بد للملك من مال يعتضد به.

فعن وهب أنه كان دباغاً.

وعن السدي أنه كان مكارياً.

وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت شبهتهم بوجوه: الأول: ﴿ قال إنّ الله اصطفاه عليكم ﴾ اختاره دونكم واستخلصه من بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله.

وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأُتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت.

الثاني: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال فقابلهما الله  بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما وبالعلم والقدرة يتوسل إلى الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما.

وإن العالم بأمر الحروب ذا القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء.

والظاهر أن المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً في الديانات وبغيرها.

وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالماً وإلا كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين مهابة وحشمة.

والبسطة السعة والامتداد وطول القامة.

روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه.

وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل.

والأظهر أن يراد بها القوة لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال.

الوجه الثالث: ﴿ والله يوتي ملكه من يشاء ﴾ فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه.

الوجه الرابع: ﴿ والله واسع عليم ﴾ فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه.

قوله عز من قائل ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ الآية.

اعلم أن ظاهر قوله  ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي  .

ثم إنه لما قال: ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه  لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله  جائز.

ولهذا كثرت معجزات محمد  ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى.

فقيل: إن الله  أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره.

وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي  عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت.

فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه.

وقيل: إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله  رفعه بعد ما قبض موسى  لسخطه على بني إسرائيل.

ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس.

وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء.

أما شكل التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين.

وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون "فعلوتا" أو "فاعولا" لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو "فعلوت" من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي.

والجواب أن التحدي كان من النبي  لأمته ﴿ فيه سكينةٌ ﴾ هي "فعيلة" من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة.

وأما البقية فبمعنى الباقية.

يقال: بقي من الشيء بقية.

والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله  "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي بسببها.

وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله  ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم.

وعن ابن عباس: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر.

وعن علي  : كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة.

وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم.

قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت.

وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع.

قال  : ﴿ أدخلوا آل فرعون  ﴾ ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون  ﴾ ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما "كقوله  لأبي موسى الأشعري لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته.

﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود.

والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال  : "الأرواح جنود مجندة" .

روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها.

ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ.

فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً.

فقال نبيهم: على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي  أو بالوحي إن كان نبياً ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ بما اقترحتموه من النهر.

قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو.

عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و ﴿ مبتليكم ﴾ أي ممتحنكم.

ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء.

﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم "فلان مني" يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه.

ومنه طعم الشيء لمذاقه.

واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟

فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في النهر.

حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء.

وقال الباقون: بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي.

ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده ﴾ استثناء من قوله ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية.

ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع.

والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف.

عن ابن عباس: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها.

ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا  من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿ بيده ﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿ فشربوا منه ﴾ كرعوا فيه ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿ إلا قليلٌ منهم ﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق.

يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله  فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين.

والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن.

قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وقيل: إنهم كانوا أربعة آلاف.

ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله  ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ولقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق.

والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا اليوم.

فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل.

وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح والظفر.

فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود.

والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة.

يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة.

وفي المثل "أساء سمعاً فأساء جابة" أي جواباً ومعنى قوله ﴿ يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت.

عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿ يظنون ﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم "فأوت رأسه بالسيف" وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس.

والمراد تقوية قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل "كم" رفع بالابتداء و ﴿ غلبت ﴾ الجملة خبره، ﴿ بإذن الله ﴾ بتيسيره وتسهيله.

﴿ والله مع الصابرين ﴾ بالمعونة و التأييد يحتمل أن يكون من قوله  وأن يكون من قول الذين يظنون.

قوله  ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه.

واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ وهكذا كان يفعل نبينا محمد  كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: "اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك أجول" .

والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة.

أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل.

ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، فاقترحوها بقولهم ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلا جرم استجاب الله دعاءهم ﴿ فهزموهم ﴾ كسروهم ﴿ بإذن الله ﴾ بتوفيقه وإعانته ﴿ وقتل داود جالوت ﴾ عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟

فسكتوه.

فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرّض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟

فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي.

فقال داود: فأنا خارج إليه.

وكانت عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفاً جلادته فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت.

ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ناساً كثيراً.

قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل.

﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ﴿ والحكمة ﴾ أي النبوّة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني إسرائيل، أن الله  كان يبعث إليهم نبياً وعليهم ملكاً كان ذلك الملك ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله دود النبوّة، ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضاً، ولم يجتمع الملك والنبوّة على أحد من بني إسرائيل قبله.

ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين.

قال بعضهم: هذا الإتيان جبراً له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل الله، ولا ممتنع في جعل النبوّة جزاء على بعض الطاعات كما قال  : ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين  ﴾ وقال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل.

وترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة.

وقال آخرون: إن النبوّة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله  ببعض عبيده كما قال: ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟

فالجواب أنه  أراد أن يذكر كيفية ترقي داود  في معارج السعادات، والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي.

﴿ وعلمه مما يشاء ﴾ قيل: هو صنعة الدروع لقوله ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ وقيل: منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وقيل: ما يتعلق بمصالح الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة.

وقيل: علم الدين والقضاء ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب  ﴾ ولا يبعد حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة يستغني عن التعلم سواء كان نبياً أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد  ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله ﴾ معناه ظاهر وأما من قرأ بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمع جماحاً وكتب كتاباً وقام قياماً، وإما أن يكون بمعنى أنه  يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله ﴿ إن الذين يحادّون الله ورسوله  ﴾ .

واعلم أن الله  ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به وهو البعض الآخر.

وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا كالهرج والمرج وإثارة الفتن.

فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا قال  : "الملك والدين توأمان" "الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ضائع" وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ لفسدت الأرض ﴾ أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران.

وقيل: المراد بالدفع نصر المسلمين على الكفار.

ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين.

وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما روي أن النبي  قال: "يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين" ثم تلا هذه الآية ﴿ ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ بسبب ذلك الدفاع.

وفيه أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله.

التأويل: فقوله ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿ فتولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.

تعيرنا أنا قليـل عديدنا *** فقلت لها إن الكرام قليل تعيرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: ﴿ وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين  ﴾ فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين.

﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا.

قالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: ﴿ نحن أحق بالملك ﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك.

ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله  بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿ فيه سكينة ﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ بقية مما ترك آل موسى ﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس.

وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال: "لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها ﴿ زين للناس حب الشهوات  ﴾ ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد  يقول: "اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً" أي ما يمسك رمقهم ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها  ﴾ ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ بنصرته وقوته ﴿ وقتل داود ﴾ القلب ﴿ جالوت ﴾ النفس الخ.

وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ ولكل قوم هاد  ﴾ لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

في هذه الآية والتي قبلها قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ  ﴾ ، دلالة إثبات رسالة محمد عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات؛ لأن القصة فيهم كانت ظاهرة في أهل الكتاب، ورسول الله  لم يختلف إلى أحد منهم، ولا نظر إلى كتبهم، ثم أخبر على ما كان، دل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.

ثم فيه دلالة: أن كل نبي منهم كان إنما يشاور الأشراف من قومه والرؤساء منهم، وإليهم يصرف تدبير الأمور، ولا إلى السفلة منهم والرَّزالة.

وفيه دلالة أيضاً: أن الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه، لم يكونوا يتولون الجهاد والقتال بأنفسهم، ولكن الملوك هم الذين يتولون ذلك.

ثم الملوك هم الراجعون إلى تدبير الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، في أمر الدين والآخرة، حيث سألوا (ملكاً) يقاتلون معه عدوهم.

ذكر أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم وسبوهم وآخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فمضوا زماناً ليس لهم ملك يقاتل عدوهم، فقال النبي لهم، وهو من نسل هارون ابن عمران أخي موسى: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ ﴾ عدونا، فقال لهم نبيهم: ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ﴾ اسختبار عن سؤالهم الذي سألوا، أحق هو أم شيء أجروه على ألسنتهم من غير تحقيق، لئلا يستوجبوا العذاب بتركهم ذلك إذا أجيبوا وأعطوا ما سألوا وتمنوا؛ لما عرف من شدة القتال مع العدو والجهاد في سبيل الله، وكراهية ذلك في كل قوم إلى أن بينوا أنهم عن حق سألوا لما تبينوا العلة التي حملتهم على ذلك، وغاية رغبتهم فيها، ما لأجله كان السؤال، إن قالوا: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا ﴾ ، من القتل، وأخذ الأموال وسبي الذراري.

﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ ﴾ ، أي: فرض، ﴿ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ ، فيه دلالة على أنه قد كان فيهم ما كان في هذه من قوله: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  ﴾ ، من كراهية القتال والجهاد في سبيل الله.

وقيل: ﴿ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفراً لم يتولوا عما سألوا.

ثم قال لهم نبيهم.

قوله  : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً ﴾ .

قيل: سمي "طالوتا" لطوله وقته.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ﴾ .

يتوجه مثل هذا الكلام وجهين: أحدهما: على الإنكار، فلا يحمل على الإنكار؛ لأنه كفر.

والثاني: على الاسترشاد وطلب العلم لهم منه في ذلك عن جهة جعله له ملكاً، لما قد عرفوا أن لا يستوجب الملك، ولا يولي إلا أحد رجلين: إما بالوارثة من الآباء، أو بالسعة في المال، لذلك قالوا: ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ﴾ ، لأنهم كانوا أبناء الملوك وأرباب الأموال.

ثم بين لهم عز وجل أن جهة الاختيار ليس إليهم، وأن سبب الملك ليس ما ذكرنا دون غيره، بل الله عز وجل يختار من يشاء لذلك بأسباب سوى ما ذكروا بفضل علم وبفضل قوة، حيث قال: ﴿ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ ﴾ .

قرر عندهم أن الملك يحتاج إلى فضل علم وفضل قوة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، علم الحرب والقتال.

ويحتمل: علم الأشياء الأخر على حفظ الرغبة وغيره.

قال الشيخ، رحمه الله  ، في قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ ﴾ : فهو - والله أعلم - لأي معنى جعل له الملك علينا؟

أو كيف يكون له الملك علينا، ونحن بظاهر الأسباب التي تحقق الملك أملك، فنكون بها أحق بالملك منه بين الله أن المعنى الذي له صار أحق بالملك منهم في ذلك الأمر.

والله أعلم.

والحرف ﴿ أَنَّىٰ ﴾ وإن كان مما يتعارف في الإنكار فليس هو كذلك في الحقيقة؛ إذ قد أخبرهم من هو نبي عندهم، ومن تقرر عنده نبوة أحد لا يحتمل تكذيبه إياه في هذا.

والله أعلم.

وقد يحتمل كون أهل النفاق فيهم، فيكون منهم الإنكار أيضاً كما كان أمثال ذلك في عهد رسول الله  يؤيد سؤالهم الآية حتى قال: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ﴾ كذا.

والله  أعلم.

ويؤيد ذلك كثرة مخالفتهم إياه لما امتحنوا بالنهر.

والله الموفق.

وفي هذا ونحو ذلك دلالة جواز الآيات بغير الرسل إذا كان فيهم تصديق الرسل، [وكذلك قصة مريم، وكذلك عمل صاحب سليمان، وغير ذلك مما جاء به الكتاب، لكن ذلك يجوز إذا كان منهم تصديق الرسول] فيكون في التحقيق كآيات لهم ظهرت على ألسن غيرهم أو أيديهم.

ومن أراد بها ادعاء الرسالة لنفسه فيعجز عن ذلك، بل لا يكرم الله بها من يعلم أنه يدعو إلى تصديق الكذب ومضاهاة الرسل.

وبهذا يجاب لمن يعارض بمن يتعلم القرآن، ثم يأتي موضعاً لا يعرف فيحتج به في نبوته، مع ما في ذلك أوجه تمنع الاحتجاج به من ذلك، بما فيه من الإخبار عن الأسئلة والأنباء عن أمور لا توجد هنالك - والله أعلم - بما لا يعلم أوله أنه من تعلم تقدم منه إلى من هو حجة له، أو عن وحي إليه، إذ لم يكن امتحن من قبل.

والحجة ما يخرج من المعتاد وحمل الطبيعة، يكرم بها وقت الدعوة بلا سبب سبق منه في مثله ولا عناية.

ولا قوة إلا بالله.

وبعد فإنه قد ظهر في جميع من لسانه ذلك اللسان ممن لا يطاق الدفع لمثله ولا إنكار وانتشر أمر الآتي به، فيظهر بذلك كذبه، ويفتضح عند الدعوى قبل المحنة والتأمل فيما جاء به إلا أن يأتي به من ليس ذلك لسانه، ولا معنى للاحتجاج به في أمثالهم.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، أي غني، يغني من يشاء ويعطيه، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ، بمن يصلح الملك.

وقوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

كأنهم سألوا نبيهم: ما آية مكله؟

فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت تحمله الملائكة.

ذكر في القصة: أن التابوت يكون مع الأنبياء، إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت من بين أيديهم إلى العدو، ويستنصرون به على عدوهم.

وفيه سكينة، كأنها رأس هرة فإذا أن ذلك الرأس سمع التابوت أنين ذلك الرأس دف نحو العدو، وهم يمضون معه ما مضى، فإذا استقر ثبتوا خلفه.

فلما هربت بنو إسرائيل وعصوا الأنبياء سلط الله  عليهم عدوهم، وأخذوا منه التابوت لما سئموا وملوا، ثم رد عليهم بعد زمان طويل، وجعل ذلك آية من آيات ملك طالوت.

فلا ندري كيف كانت القصة.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قيل: ﴿ سَكِينَةٌ ﴾ ، ريح هفافة، فيها صورة كوجه الإنسان.

وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهرة، لها جناحان، فإذا تصوتت عرفوا النصرة.

وقيل: السكينة: طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.

وقيل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: في التابوت ﴿ سَكِينَةٌ ﴾ ، أي طمأنينة من ربكم، كأن التابوت في أي مكان كان اطمأنوا إليه وسكنوا.

فلا ندري ما السكينة؟

سوى أننا عرفنا أن قلوبهم كانت تسكن إليه وتطمئن.

فليس لنا إلى معرفة (السكينة)، وكيفيتها حاجة.

وقوله: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: "البقية" فيه رضاض الألواح - وهو كسرها - وثياب موسى، وثياب هارون.

وقيل: عصا موسى، وعصا هارون.

وقيل: (البقية) قفيز من مَنٍّ، وهو الترنجبين الذي كان يأكله بنو إسرائيل في أرض التيه.

وقيل: فيه سنة موسى وهارون، وعلمهما.

والله أعلم بذلك.

وفي الآية دليل جرى الآية على أيدي الأولياء، لما أعطى لطالوت آية لملكه تشبه آيات الأنبياء حيث أخبر أنه كان ﴿ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ﴾ \[هي القوة في داره، وهم كانوا لم يمروا ذلك وقت حمل الملائكة\] إياه، لكن تلك الآيات في الحاصل تكون للأنبياء يجريها الله  على أيدي الأولياء إلا أن يكون للأولياء ذلك.

ثم من ادعى من الأولياء بتلك الآيات النبوة لنفسه يعجزه الله  عن ذلك، ويخرج الآية من أن تصير آية له، نحو من أتى مدينة من المدائن التي لم يبلغ أهلها هذا القرآن، ولا عرفوه ولا سمعوا ذلك من أحد قط، فجعل يقرأ ذلك عليهم عن ظهر قلبه، وادعى بذلك رسالة لنفسه، أيسع أهل ذلك البلد أن يصدقوه فيما ادعى، أم لا؟

فإن لأصحابنا، رحمهم الله  ، جوابان: أحدهما: بأن في القرآن ما يظهر به كذب هذا المدعي في دعوته من نحو قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ عن كذا، ومن نحو الأخبار، والحكايات، والقصص التي فيها مما لا يحتمل كونها إلا بتقدم أسباب فيكذبه ذلك، فلم يلزمهم تصديقه.

وبالله العصمة.

والثاني: قالوا: إذا ادعى ذلك به يعجزه الله عز وجل عن تلاوته، وإجرائه على لسانه، وادعاء ما ادعى بذلك.

وكأن هذا أقرب.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فهزموهم بإذن الله، وقتل داودُ قائدَهم جالوت، وآتاه الله الملك والنبوة، وعلمه مما يشاء من أنواع العلوم، فجمع له بين ما يصلح الدنيا والآخرة.

ولولا أن من سُنَّة الله أن يردَّ ببعض الناس فساد بعضهم؛ لفسدت الأرض بتسلط المفسدين فيها، ولكن الله ذو فضل على جميع المخلوقات.

<div class="verse-tafsir" id="91.Z2jZ4"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم في تفسير ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ أن القرآن لم يعين أولئك القوم ولا الزمان ولا المكان اللذين كانوا فيهما -يعنى على القول بأنها قصة واقعة لا ضرب مثل كما قال "عطاء"- ثم ذكر ههنا قصة أخرى عن بني إسرائيل فعين القوم، وذكر أنه كان لهم نبي، ولم يذكر اسمه، ولا الزمان ولا المكان اللذين حدثت فيهما القصة، ولكنه ذكر بعد ذلك اسم "طالوت" و "جالوت" و "داود".

يظن كثير من الناس الآن -كما ظن كثير ممن قبلهم- أن القصص التي جاءت في القرآن يجب أن تتفق مع ما جاء في كتب بني إسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق أو كتب التاريخ القديمة، وليس القرآن تاريخًا ولا قصصًا، وإنما هو هداية وموعظة، فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها، ولا لأجل التفكه بها أو الإحاطة بتفصيلها، وإنما يذكر ما يذكره لأجل العبرة كما قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ  ﴾ وبيان سنن الاجتماع كما قال: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  ﴾ وقال: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ  ﴾ وغير ذلك من الآيات.

والحوادث المتقدمة منها ما هو معروف والله تعالى يذكر من هذا وذاك ما شاء أن يذكر لأجل العبرة والموعظة، فيكتفي من القصة بموضع العبرة ومحل الفائدة، ولا يأتي بها مفصلة بجزئياتها التي لا تزيد في العبرة بل ربما تشغل عنها، فلا غرو أن يكون في هذه القصص التي يعظنا الله بها ويعلمنا سننه ما لا يعرفه الناس، لأنه لم يرو ولم يدون بالكتاب.

وقد اهتدى بعض المؤرخين الراقين في هذه الأزمنة إلى الاقتداء بهذا، فصار أهل المنزلة العالية منهم يذكرون من وقائع التاريخ ما يستنبطون منه الحكام الاجتماعية وهو المور الكلية، ولا يحفلون بالجزئيات لما يقع فيها من الخلاف الذي يذهب بالثقة، ولما في قراءتها من الإسراف في الزمن والإضاعة للعمر بغير فائدة توازنه، وبهذه الطريقة يمكن إيداع ما عرف من تاريخ العالم في مجلد واحد يوثق به ويستفاد منه، فلا يكون عرضه للتكذيب والطعن، كما هو الشأن في المصنفات التي تستقصي الوقائع الجزئية مفصلة تفصيلًا.

إن محاولة جعل قصص القرآن ككتب التاريخ بإدخال ما يروون فيها على أنه بيان لها هي مخالفة لسننه، وصرف للقلوب عن موعظته.

وإضاعة لمقصده وحكمته، فالواجب أن نفهم ما فيه، ونعمل أفكارنا في استخراج العبر منه.

ونزع نفوسنا عما ذمه وقبحه، ونحملها على التحلي بما استحسنه ومدحه، وإذا ورد في كتب أهل الملل أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه الله إلى نبيه ونقل إلينا بالتواتر الصحيح هو الحق وخبره هو الصادق، وما خالفه هو الباطل، وناقله مخطئ أو كاذب، فلا نعده شبهة على القرآن، ولا نكلف أنفسنا الجواب عنه، فإن حال التاريخ قبل الإسلام كانت مشتبهة الأعلام، حالكة الظلام، فلا رواية يوثق بها، للمعرفة التامة بسيرة رجال سندها، ولا تواتر يعتد به بالأولى، وإنما انتقل العالم بعد نزول القرآن من حال إلى حال، فكان بداية تاريخ جديد للبشر كان يجب عليهم - لو أنصفوا - أن يؤرخوا به أجمعين.

فإن قيل: إن قصص العهدين العتيق والجديد التي يسمى مجموعها (الكتاب المقدس) هي وحي من الله شهد لها القرآن وهي تعارض بعض قصصه.

قلنا: أولًا:إن تلك الكتب ليس لها أسانيد متصلة متواترة.

وثانيًا:إن القرآن إنما أثبت أن الله تعالى أعطى موسى  التوراة وهي الشريعة وأن أتباعه قد حفظوا منها نصيبًا ونسوا نصيبًا، وأنهم حرفوا النصيب الذي أوتوه، وأنه أعطى عيسى  الإنجيل، وهو مواعظ وبشارة، وقال في أتباعه مثل ما قاله في اليهود ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ  ﴾ ويجد القارئ تفصيل هذه الحقائق في الحقائق في تفسير سورة آل عمران والمائدة والأعراف بالنقول من تاريخ الفريقين.

بعد هذا نقول: إن وجه الاتصال بين آيات هذه القصة وما قبلها هو أن الآيات التي قبلها نزلت في شرع القتال لحماية الحقيقة وإعلاء شأن الحق، وبذل المال في هذه السبيل، سبيل الله لعزة الأمم ومنعتها وحياتها الطيبة، التي يقع من ينحرف عنها من الأقوام في الهلاك والموت، كما علم من قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من عدوهم على كثرتهم.

وهذه القصة -قصة قوم من بني إسرائيل- تؤيد ما قبلها من حاجة الأمم إلى دفع الهلاك عنها، فهي تمثل لنا حال قوم لهم نبي يرجعون إليه، وعندهم شريعة تهديهم إذا استهدوا، وقد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، فعلموا أن القتال ضرورة لا بد من ارتكابها ما دام العدوان في البشر، وبعد هذا كله جبنوا وضعفوا عن القتال، فاستحقوا الخزي والنكال، فهذه القصة المفصلة فيها بيان لما في تلك القصة المجملة: فر أولئك من ديارهم فماتوا بذهاب استقلالهم، واستيلاء العدو على ديارهم.

فالآية هناك صريحة في أن موتهم هذا مسبب عن خروجهم فارين بجبنهم، ولم تصرح بسبب إحيائهم الذي تراخت مدته، ولكن ما جاء بعدها من الأمر بالقتال وبذل المال الذي يضاعفه الله تعالى أضعافًا كثيرة، قد هدانا إلى سنته في حياة الأمم، وجاءت هذه القصة الإسرائيلية تمثل العبرة فيه، وتفصل كيفية احتياج الناس إليه، إذ بينت أن هؤلاء الناس احتاجوا إلى مدافعة العادين عليهم، واسترجاع ديارهم وأبنائهم من أيديهم، واشتد الشعور بالحاجة حتى طلبوا من نبيهم الزعيم الذي يقودهم في ميدان الجلاد، وقاموا بما قاموا به من الاستعداد.

ولكن الضعف كان بلغ من نفوسهم مبلغًا لم تنفع معه تلك العدة، فتولوا وأعرضوا للأسباب التي أشير إليها، وألهم القليل منهم رشدهم واعتبروا فانتصروا.

قال تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى  ﴾ تقدم الكلام على هذا الضرب من الاستفهام في تفسير القصة السابقة لهذه.

"والملأ القوم يجتمعون للتشاور لا واحد له "قال البيضاوي وغيره.

وقال غيرهم: الملأ الأشراف من الناس.

وهو اسم للجماعة كالقوم والرهط والجيش وجمعه أملاء، سموا ملأ لأنهم يملأون العيون رواء والقلوب هيبة ﴿ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ وهذا النبي لم يسمه القرآن، وقال (الجلال) هو شمويل وهذا أقوى أقوال المفسرين.

وهو معرب صمويل أو صموئيل، وقيل إنه يوشع، وهذا من الجهل بالتاريخ فإن يوشع هو فتى موسى، والقصة حدثت في زمن داود والزمن بينهما بعيد، وبعث الملك عبارة عن إقامته وتوليته عليهم ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا  ﴾ قرأ نافع وحده ﴿ عَسَيْتُمْ  ﴾ بكسر السين وهي لغة غير مشهورة، والباقون بفتحها وهي اللغة المشهورة.

والمعنى هل قاربتم أن تحجموا عن القتال إن كتب عليكم كما أتوقع -أو- أأتوقع منكم الجبن عن القتال إن هو كتب عليكم؟

فعسى للمقاربة أو للتوقع ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا  ﴾ أي أي داع لنا يدعونا إلى أن لا نقاتل وقد وجد سبب القتال، وهو إخراجنا من ديارنا بإجلاء العدو إيانا عنها، وأفردنا عن أولادنا بسبيه إياهم واستعباده لهم؟

﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ  ﴾ ذلك أن الأمم إذا قهرها العدو ونكل بها يفسد بأسها، ويغلب عليها الجبن والمهانة.

فإذا أراد الله تعالى إحياءها بعد موتها بنفخ روح الشجاعة والإقدام في خيارها وهم الأقلون، فيعملون ما لا يعمل الأكثرون، كما علمت من تفسير قوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ  ﴾ وما هو منك ببعيد، ولم يكن هؤلاء القوم قد استعد منهم للحياة إلا القليل.

وفي الآية من الفوائد الاجتماعية أن الأمم التي تفسد أخلاقها وتضعف قد تفكر في المدافعة عند الحاجة إليها وتعزم على القيام بها إذا توفرت شرائطها التي يتخيلونها على حد قول الشاعر: وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا ثم إذا توفرت الشروط يضعفون ويجبنون، ويزعمون أنها غير كافية ليعذروا أنفسهم وما هم بمعذورين ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  ﴾ الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد دفاعًا عنها وحفاظًا لحقها، فهو يجزيهم وصفهم، فيكونون في الدنيا أذلاء مستضعفين، وفي الآخرة أشقياء معذبين.

﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ  ﴾ .

طالوت هو الذي يسمونه (شاول) وقد سماه الله طالوت فهو طالوت.

أي أننا لا نعبأ بما في كتبهم لما قدمنا.

وإذا علم القارئ أن القوم لا يعرفون كاتب سفري صموئيل الأول والثاني من هو؟

ولا في أي زمن كتبا، فإنه يسهل عليه أن لا يعتد بتسميتهم.

وأما استنكارهم جعله ملكًا فقد صرحوا به وقالوا إن منهم من احتقره، ولكن أخبارهم لا تتصل بأسبابها، ولا تقرن بعللها، وقال المفسرين في استنكارهم لملكه وزعمهم أنهم أحق بالملك منه، إنه كان من أولاد بنيامين لا من بيت يهوذا، وهو بيت الملك، ولا من بيت لاوى وهو بيت النبوة، وفهم بعضهم من قوله ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ  ﴾ أنه كان فقيرًا وقالوا كان راعيًا أو دباغًا أو سقاء.

ولا يصح كلامهم في بيت الملك لأنه لم يكن فيهم ملوك قبله، ونفيهم سعة المال التي تؤهله للملك في رأي القائلين لا تدل على أنه كان فقيرًا وإنما العبرة في العبارة هي ما دلت عليه من طباع الناس وهي أنهم يرون أن الملك لا بد أن يكون وراثًا للملك، أو ذا نسب عظيم يسهل على شرفاء الناس وعظمائهم الخضوع له، وذا مال عظيم يدبر به الملك، والسبب في هذا أنهم قد اعتادوا الخضوع للشرفاء والأغنياء، وإن لم يمتازوا عليهم بمعارفهم وصفاتهم الذاتية، فبيّن الله تعالى فيما حكاه عن نبيه في أولئك القوم أنهم مخطئون في زعمهم أن استحقاق الملك يكون بالنسب وسعة المال بقوله.

﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ  ﴾ فسروا اصطفاه الله تعالى هنا بوحيه لذلك النبي أن يجعل طالوت ملكًا عليهم، ولعله لو كان هذا هو المراد لقال اصطفاه لكم كما قال: ﴿ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ  ﴾ والمتبادر عندي أن معناه فضله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك، ولا ينافي هذا كون اختياره كان بوحي من الله، لأن هذه الأمور هي بيان لأسباب الاختيار وهي أربعة: الاستعداد الفطري.

السعة في العلم الذي يكون به التدبير.

بسطة الجسم المعبر بها عن صحته وكمال قواه المستلزم ذلك لصحة الفكر على قاعدة "العقل السليم في الجسم السليم" وللشجاعة والقدرة على المدافعة وللهيبة والوقار.

توفيق الله تعالى الأسباب له وهو ما عبر عنه بقوله ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ  ﴾ والاستعداد هو الركن الأول في المرتبة فلذلك قدمه، والعلم بحال الأمة ومواضع قوتها وضعفها، وجودة الفكر في تدبير شؤونها، هو الركن الثاني في المرتبة، فكم من عالم بحال زمانه غير مستعد للسلطة اتخذه من هو مستعد لها سراجًا يستضيء برأيه في تأسيس مملكة أو سياستها، ولم ينهض به رأيه إلى أن يكون هو السيد الزعيم فيها.

وكمال الجسم في قواه وروائه هو الركن الثالث في المرتبة وهو في الناس أكثر من سابقيه.

وأما المال فليس بركن من أركان تأسيس الملك، لأن المزايا الثلاث إذا وجدت سهل على صاحبها الإتيان بالمال.

وإنا لنعرف في الناس من أسس دولة وهو فقير أمي، ولكن استعداده ومعرفته بحال الأمة التي سادها وشجاعته كانت كافية للاستيلاء عليها والاستعانة بأهل العلم بالإدارة والشجعان على تمكين سلطته فيها.

وقد قدم الأركان الثلاثة على الرابع لأنها تتعلق بمواهب الرجل الذي اختير ملكًا فأنكر القوم اختياره فهي المقصودة بالجواب.

وأما توفيق الله تعالى بتسخير الأسباب التي لا عمل له فيها لسعيه فليس من مواهبه ومزاياه فتقدم في أسباب اختياره، وإنما تذكر تتمة للفائدة وبيانًا للحقيقة، ولذلك ذكرت قاعدة عامة لا وصفًا له.

ولله در الشاعر العربي حيث قال صفات الجدير بالاختيار لزعامة الأمة وقيادتها: فقلدوا أمركم لله دركمو رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفًا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا وليس يشغله مال يثمره عنكم، ولا ولد يبغي له الرفعا ..."أي أن له سنة في تهيئة من يشاء للملك"...

ثم ختم بقوله تعالى ]] على طريقة القرآن في التنبيه على الدليل بعد الحكم والتذكير بأسمائه الحسنى وآثارها، أي واسع التصرف والقدرة إذا شاء أمرًا اقتضته حكمته في نظام الخليقة فإنه يقع لا محالة، عليم بوجوه الحكمة فلا يضع سننه في استحقاق الملك عبثًا، ولا يترك أمر العباد في اجتماعهم سدى، بل وضع لهم من السنن الحكمية ما هو منتهى الإبداع والإتقان، وليس في الإمكان أبدع مما كان.

هذا وقد جرى المفسرون على أن وجوه الرد على منكري جعل طالوت ملكًا أربعة وأحسن عبارة لهم على اختصارها عبارة البيضاوي قال: لما استعبدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك ...

(أولًا)بأن العمدة فيه اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم.

(ثانيًا)بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن من معرفة الأمور السياسية وجسامة البدن ليكون أعظم خطرًا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو في مكابدة الحروب، لا ما ذكرتم، وقد زاده الله فيها، وقد كان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه.

(ثالثًا)بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء.

(رابعًا) بأنه ]] الفضل يوسع الفضل على الفقير ويغنيه ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ بمن يليق بالملك وغيره.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله