تفسير الآية ٣٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣٢ من سورة البقرة

قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٣٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 156 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٢ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

[ وقوله ] ( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ، وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى ، ولهذا قالوا : ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) أي : العليم بكل شيء ، الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء ، لك الحكمة في ذلك ، والعدل التام .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا حفص بن غياث ، عن حجاج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : سبحان الله ، قال : تنزيه الله نفسه عن السوء .

[ قال ] ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده : لا إله إلا الله ، قد عرفناها فما سبحان الله ؟

فقال له علي : كلمة أحبها الله لنفسه ، ورضيها ، وأحب أن تقال .

قال : وحدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا النضر بن عربي قال : سأل رجل ميمون بن مهران عن سبحان الله ، فقال : اسم يعظم الله به ، ويحاشى به من السوء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ذكره عن ملائكته، بالأوبة إليه، وتسليم علم ما لم يعلموه له، وتبرِّيهم من أن يعلموا أو يعلم أحد شيئًا إلا ما علّمه تعالى ذكره.

وفي هذه الآيات الثلاث العبرة لمن اعتبرَ، والذكرى لمن ادّكر، والبيان لمن كان له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيد، عمّا أودع الله جل ثناؤه آيَ هذا القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن.

وذلك أن الله جل ثناؤه احتجّ فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم على من كان بين ظَهْرَانَيْه من يَهود بني إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التي لم يكن جل ثناؤه أطلعَ عليها من خلقه إلا خاصًّا، ولم يكن مُدرَكًا علمه إلا بالإنباء والإخبار ، لتتقرر عندهم صحة نبوته، ويعلموا أن ما أتاهم به فمن عنده، ودلّ فيها على أنّ كل مخبر خبرًا عما قد كان - أو عما هو كائن مما لم يكنْ، ولم يأته به خبر، ولم يُوضَع له على صحّته برهان، - فمتقوّلٌ ما يستوجبُ به من ربه العقوبة.

ألا ترى أنّ الله جل ذكره ردّ على ملائكته قِيلَهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ، وعرفهم أن قِيلَ ذلك لم يكن جائزًا لهم، بما عرّفهم من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء، فقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .

فلم يكن لهم مَفزَعٌ إلا الإقرارُ بالعجز، والتبرِّي إليه أن يعلموا إلا ما علّمهم، بقولهم: " سبحانك لا عِلْمَ لنا إلا ما علّمتنا ".

فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة، على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة (131) .

وذكَّر بها الذين &; 1-495 &; وَصَفنا أمرَهم من أهل الكتاب - سوالفَ نعمه على آبائهم، وأياديَه عند أسلافهم ، عند إنابتهم إليه، وإقبالهم إلى طاعته، مُستعطفَهم بذلك إلى الرشاد، ومُستعتِبَهم به إلى النجاة.

وحذَّرهم - بالإصرار والتمادي في البغي والضلال - حلولَ العقاب بهم، نظيرَ ما أحلّ بعدوِّه إبليس، إذ تمادَى في الغيّ والخَسَار (132) قال: وأما تأويل قوله: " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا "، فهو كما:- 674 - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " قالوا سبحانك " تنـزيهًا لله من أن يكون أحدٌ يعلم الغيبَ غيرُه، تُبنا إليك " لا علم لنا إلا ما عَلَّمتنا "، تبرِّيًا منهم من علم الغيب،" إلا ما علَّمتنا " كما علمت آدم (133) .

وسُبحان مصدر لا تصرُّف له (134) .

ومعناه: نسبِّحك، كأنهم قالوا: نسبحك تسبيحًا، وننـزهك تنـزيهًا، ونبرّئك من أن نعلم شيئًا غير ما علمتنا.

القول في تأويل قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: أنك أنت يَا ربنا العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كان وما وهو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك.

وذلك أنّهم نَفَوْا عن أنفسهم بقولهم: لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا ، أن يكون لهم علم إلا ما علمهم ربهم، وأثبتوا ما نَفَوْا عن أنفسهم من ذلك لربهم بقولهم: " إنك أنتَ العليم "، &; 1-496 &; يعنون بذلك العالم من غير تعليم ، إذ كان مَنْ سوَاك لا يعلم شيئًا إلا بتعليم غيره إياه.

والحكيم: هو ذو الحكمة.

كما:- 675 - حدثني به المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " العليم " الذي قد كمل في علمه، و " الحكيم " الذي قد كمل في حُكمه (135) .

وقد قيل، إن معنى الحكيم: الحاكم، كما أنّ العليم بمعنى العالم، والخبير بمعنى الخابر.

------------- الهوامش : (131) الحزاة جمع حاز : وهو كالكاهن ، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه .

ويقال للذي ينظر في النجوم ويتكهن حاز وحزاء ، وفي حديث هرقل أنه"كان حزاء" ، وفي الحديث : "كان لفرعون حاز" ، أي كاهن .

والكهنة جمع كاهن : وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعى معرفة الأسرار .

وفي المطبوعة"والقافة" مكان"والعافة" ، وهو خطأ بين ، فالقيافة ليست مما أراد الطبري في شيء ، وهي حق ، لا باطل كباطل التحزي والكهانة والتنجيم .

والعافة جمع عائف : وهو الذي يعيف الطير فيزجرها ويتفاءل أو يتشاءم بأسمائها وأصواتها وممرها .

واسم حرفته : العيافة ، وفي الحديث : "العيافة والطرق من الجبت" .

وهو ضرب من الكهانة .

والمنجم والمتنجم : الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها ، ثم يربط بين ذلك وبين أحوال الدنيا والناس ، فيقول بالظن في غيب أمورهم .

(132) في المطبوعة : "في البغي والخسار" ، والصواب ما في المخطوطة .

(133) الخبر : 674- مختصر من الخبر رقم : 606 .

وفي المطبوعة هنا"تبرؤًا منهم" .

(134) انظر ما مضى : ص 474 التعليق رقم : 3 .

(135) الخبر : 675 في الدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قوله تعالى : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنافيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : سبحانك أي تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك .

وهذا جوابهم عن قوله : أنبئوني فأجابوا أنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم به ولم يتعاطوا ما لا علم لهم به كما يفعله الجهال منا .

وما في ما علمتنا بمعنى الذي ، أي إلا الذي علمتنا ، ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إلا تعليمك إيانا .الثانية : الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم : الله أعلم ولا أدري ، اقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء ، لكن قد أخبر الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم ، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون .

وأما ما ورد من الأخبار [ ص: 271 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم في معنى الآية فروى البستي في المسند الصحيح له عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي البقاع شر ؟

قال : لا أدري حتى أسأل جبريل فسأل جبريل ، فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل ، فجاء فقال : خير البقاع المساجد ، وشرها الأسواق .

وقال الصديق للجدة : ارجعي حتى أسأل الناس .

وكان علي يقول : وابردها على الكبد ، ثلاث مرات .

قالوا : وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟

قال : أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول : الله أعلم .

وسأل ابن عمر رجل عن مسألة فقال : لا علم لي بها ، فلما أدبر الرجل .

قال ابن عمر : نعم ما قال ابن عمر ، سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به ذكره الدارمي في مسنده .

وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بهية قال : كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد ، فقال يحيى للقاسم : يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن يسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج ، أو علم ولا مخرج ؟

فقال له القاسم : وعم ذاك ؟

قال : لأنك ابن إمامي هدى : ابن أبي بكر وعمر .

قال يقول له القاسم : أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة .

فسكت فما أجابه .

وقال مالك بن أنس : سمعت ابن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلا في أيديهم ، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال : لا أدري .

وذكر الهيثم بن جميل قال : شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري .قلت : ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين .

وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة وعدم الإنصاف في العلم .

قال ابن عبد البر : من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه ، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم .

روى يونس بن عبد الأعلى قال : سمعت ابن وهب يقول : سمعت مالك بن أنس يقول : ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف .قلت : هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فينا الفساد وكثر فيه الطغام وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية ، بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن ، وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى .[ ص: 272 ] أين هذا مما روي عن عمر رضي الله عنه وقد قال : لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي العصبة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال ، فقامت امرأة من صوب النساء طويلة فيها فطس فقالت : ما ذلك لك قال : ولم ؟

قالت لأن الله عز وجل يقول : وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فقال عمر : امرأة أصابت ورجل أخطأ وروى وكيع عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال : سأل رجل عليا رضي الله عنه عن مسألة فقال فيها ، فقال الرجل : ليس كذلك يا أمير المومنين ، ولكن كذا وكذا ، فقال علي : أصبت وأخطأت ، وفوق كل ذي علم عليم .

وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال : لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدد ، ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس ، فلما انصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد ، فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قدم عليه قوم من مضر من مجتابي النمار فقال : إنما هو مجتابي الثمار ، فقلت : إنما هو " مجتابي النمار " ، هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق ، فقال لي : بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا .

ثم قال لي : قم بنا إلى ذلك الشيخ - لشيخ كان في المسجد - فإن له بمثل هذا علما ، فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال : إنما هو " مجتابي النمار " - كما قلت - وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة ، جيوبهم أمامهم .

والنمار جمع نمرة .

فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه : رغم أنفي للحق ، رغم أنفي للحق .

وانصرف .

وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأحسن :إذا ما تحدثت في مجلس تناهى حديثي إلى ما علمت ولم أعد علمي إلى غيرهوكان إذا ما تناهى سكتالثالثة : قوله تعالى : سبحانك " سبحان " منصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه ، يؤدي عن معنى نسبحك تسبيحا .

وقال الكسائي : هو منصوب على أنه نداء مضاف .إنك أنت العليم فعيل للمبالغة والتكبير في المعلومات في خلق الله تعالى .الحكيم معناه الحاكم ، وبينهما مزيد المبالغة .

وقيل معناه المحكم ويجيء الحكيم على هذا من صفات الفعل ، صرف عن مفعل إلى فعيل ، كما صرف عن مسمع إلى سميع ومؤلم إلى أليم ، قاله ابن الأنباري .

وقال قوم : الحكيم المانع من الفساد ، ومنه سميت حكمة اللجام ; لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد .

قال جرير : [ ص: 273 ]أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضباأي امنعوهم من الفساد .

وقال زهير :القائد الخيل منكوبا دوابرها قد أحكمت حكمات القد والأبقاالقد : الجلد .

والأبق : القنب .

والعرب تقول : أحكم اليتيم عن كذا وكذا ، يريدون منعه .

والسورة المحكمة : الممنوعة من التغيير وكل التبديل ، وأن يلحق بها ما يخرج عنها ، ويزاد عليها ما ليس منها ، والحكمة من هذا ; لأنها تمنع صاحبها من الجهل .

ويقال : أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد .

فهو محكم وحكيم على التكثير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالُوا سُبْحَانَكَ } أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك, ومخالفة أمرك.

{ لَا عِلْمَ لَنَا } بوجه من الوجوه { إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا } إياه, فضلا منك وجودا، { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } العليم الذي أحاط علما بكل شيء, فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض, ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.

الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق, ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا, واعترفوا بعلم الله وحكمته, وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم; وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{قالوا سبحانك} تنزيهاً لك.

{لا علم لنا إلا ما علمتنا} معناه فإنك أَجَلّ من أن نحيط بشئ من علمك إلا ما علمتنا.

{إنك أنت العليم} بخلقك {الحكيم} في أمرك.

والحكيم له معنيان: أحدهما الحاكم وهو القاضي العدل والثاني المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد.

وأصل الحكمة في اللغة: المنع فهي تمنع صاحبها من الباطل؛ ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها من الاعوجاج.

فلما ظهر عجزهم

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا سبحانك» تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك «لا علم لنا إلا ما علمَّتنا» إياه «إنَّك أنت» تأكيد للكاف «العليم الحكيم» الذي لا يخرج شيء عن علمه وحكمته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت الملائكة: ننزِّهك يا ربَّنا، ليس لنا علم إلا ما علَّمتنا إياه.

إنك أنت وحدك العليم بشئون خلقك، الحكيم في تدبيرك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما كان من الملائكة فقال :( قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ العليم الحكيم ) .سبحان : اسم مصدر بمعنى التسبيح؛ أي التنزيه ، وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يستعمل معه .وهذه الآية الكريمة واقعة موقع الجواب عن سؤال يخطر في ذهن السامع للجملة السابقة ، إذ الشأن أن يقال عند سماعهم قوله - تعالى - : ( أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء ) ماذا كان من الملائكة؟

هل أنبأوا بأسماء المسميات المعروضة عليهم؟

فقال - تعالى - : ( قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ ) إلخ الآية .ولو قال الملائكة : لا علم لنا بأسماء هذه المسميات لكان جوابهم على قدر السؤال ، ولكنهم قصدوا الاعتراف بالعجز معرفة أسماء تلك المسميات المعروضة على أبلف وجه فنفوا عن أنفسهم أن يعلموا شيئاً غير ما يعلمهم الله ، ودخل في ضمن هذا النفي العام الاعتراف بالقصور عن معرفة الأسماء المسئول عنها .ومعنى ( إِنَّكَ أَنْتَ العليم الحكيم ) أي : أنت يا ربنا العليم بكل شيء ، الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء ، لك الحكمة في ذلك ، والعدل التام .وقدم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة ، ليكون وصفه بالعلم متصلا بنفيهم عن أنفسهم في قولهم : ( لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله تعالى: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أراد تعالى أن يزيدهم بياناً وأن يفصل لهم ذلك المجمل، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوماً لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال الأشعري والجبائي والكعبي: اللغات كلها توقيفية بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني.

واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ والكلام على التمسك بهذه الآيه سؤالاً وجواباً ذكرناه في أصول الفقه.

وقال أبو هاشم: إنه لابد من تقدم لغه إصطلاحيه واحتج على أنه لابدّ وأن يكون الوضع مسبوقاً بالإصطلاح بأمور: أحدها: أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظه لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل، لا جائز أن يحصل للعاقل لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفه الله تعالى معلومه بالضروره مع أنه ذاته معلومه بلإستدلال وذلك محال ولا جائز أن يحصل لغير العاقل لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبه لغير العاقل، فثبت أن القول بالتوقيف فاسد.

وثانيها: أنه تعالى خاطب الملائكه وذلك يوجب تقدم لغه على ذلك التكلم.

وثالثها: أن قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء.

وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم.

ورابعها: أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلابد وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات، وإلا لم يحصل العلم بصدقه، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدماً على ذلك التعليم.

والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعاً وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس؟

وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل.

سلمنا أنه تعالى ما خلق هذا العلم في العاقل، فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد.

وعن الثاني: لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها.

وعن الثالث: لا شك إن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء، وعن الرابع: ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.

المسألة الثانية: من الناس من قال قوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا ﴾ أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها، فصح أن يكون المراد من الأسماء: الصفات، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدليل أسمى في الحقيقة، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره، لوجوه: أحدها: أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة، أولى من حمله على ما ليس كذلك.

وثانيها: أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة، فإن من كان عالماً باللغة والفصاحة، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي: ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي: تكلم بلغتي، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة: بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم، فإن حصل التعليم، حصل العلم به وإلا فلا، أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل متمكن من تحصيله فصحَّ وقوع التحدي فيه.

القول الثاني: وهو المشهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات، فغلب عليه ذلك اللسان، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام.

قال أهل المعاني: قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء ﴾ لابد فيه من إضمار، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء، قالوا لكن الأول أولى لقوله: ﴿ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم ﴾ ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم، فإن قيل: فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلاً، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها؟

قلنا لأنه لما كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء، فغلب الأكمل، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا.

المسألة الثالثة: من الناس من تمسك بقوله تعالى: ﴿ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء ﴾ على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ .

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت، والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حواء ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة.

وأيضاً فأما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذٍ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ إسماً لكل واحد من تلك المسميات، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين: الأول: ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات.

وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزاً.

الثاني: لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزاً، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذٍ يصير الكلام في هذه المسألة فرعاً على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت بوجوه: أحدها: أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان، لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة.

وذلك غير جائز، فوجب أن لا يكون نبياً في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة.

وثانيها: لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثاً إلى أحد، فإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضاً فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً  ﴾ ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء، وأن حواء إنماعرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة  ﴾ شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ  ﴾ فهذه الآية دل على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبى، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب أن لا يكون رسولاً لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولاً فقد خصه بذلك لقوله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

المسألة الخامسة: ذكروا في قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وجوهاً: أحدها: معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الاعلام.

وثانيها: معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم.

وثالثها: إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود.

ورابعها: إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء.

المسألة السادسة: هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول، أما الكتاب فوجوه: الأول: أن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم أمر الحكمة وذلك يدل على عظم شأن العلم، بيان أنه تعالى سمى العلم بالحكمة ما يروى عن مقاتل: أنه قال: تفسر الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن قال في البقرة: ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة  ﴾ يعني مواعظ القرآن وفي النساء: ﴿ وَأَنزَلَ الكتاب والحكمة  ﴾ يعني المواعظ ومثلها في آل عمران.

وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم قوله تعالى: ﴿ وَاتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً  ﴾ وفي لقمان ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة  ﴾ يعني الفهم والعلم وفي الأنعام ﴿ أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم  ﴾ .

وثالثها: الحكمة بمعنى النبوة في [النساء: 54] ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ يعني النبوة وفي [ص: 20] ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ يعني النبوة وفي [البقرة: 251] ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾ .

ورابعها: القرآن في النحل ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة  ﴾ وفي البقرة: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيراً  ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ثم تفكر أن الله تعالى ما أعطى من العلم إلا القليل قال: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ  ﴾ فما سماه قليلاً لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظنك بما سماه كثيراً.

ثم البرهان العقلي على قلة الدنيا وكثرة الحكمة أن الدنيا متناهي القدر متناهي العدد متناهي المدة.

والعلم لا نهاية لقدره، وعدده ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه، وذلك ينبهك على فضيلة العلم.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ وقد فرق بين سبع نفر في كتابه فرق بين الخبيث والطيب فقال: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب  ﴾ يعني الحلال والحرام، وفرق بين الأعمى والبصير فقال: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير  ﴾ وفرق بين النور والظلمة فقال: ﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور  ﴾ وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور، وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل.

الثالث: قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ  ﴾ والمراد من أولى الأمر العلماء في أصح الأقوال لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ولا ينعكس، ثم انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة الثانية قال: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم  ﴾ ، وقال: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين فقال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم  ﴾ وقال: ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب  ﴾ الرابع: ﴿ يَرْفَعُ الِلَّهِ الذين ءامَنُواْ منكم والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ واعلم أنه تعالى ذكر الدرجات لأربعة أصناف: أولها: للمؤمنين من أهل بدر قال: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ إلى قوله: ﴿ لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ  ﴾ .

والثانية: للمجاهدين قال: ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين  ﴾ .

والثالثة: للصالحين قال: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى  ﴾ .

الرابعة: للعلماء قال: ﴿ والذين أُوتُواْ العلم درجات ﴾ والله فضل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات وفضل المجاهدين على القاعدين بدرجات وفضل الصالحين على هؤلاء بدرجات ثم فضل العلماء على جميع الأصناف بدرجات، فوجب أن يكون العلماء أفضل الناس.

الخامس: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ فإن الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب، أحدها: الإيمان ﴿ والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ  ﴾ .

وثانيها: التوحيد والشهادة ﴿ شَهِدَ الله ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ العلم  ﴾ .

وثالثها: البكاء ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ يَبْكُونَ  ﴾ .

ورابعها: الخشوع ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله  ﴾ الآية.

وخامسها: الخشية ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ أما الأخبار فوجوه: أحدها: روى ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنّة وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له ويمسي ويصبح مغفوراً له وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار».

وثانيها: عن أنس قال: قال عليه السلام: «من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره وكالقائم ليله وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله».

وثالثها: عن الحسن مرفوعاً من جاءه الموت وهو يطلب <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معنى الهمزة التي في ﴿ كَيْفَ ﴾ مثله في قولك: أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب.

ونظيره قولك: أتطير بغير جناج، وكيف تطير بغير جناح؟

فإن قلت: قولك: أتطير بغير جناح إنكار للطيران، لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء.

قلت: قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان.

فإن قلت: فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في ﴿ كَيْفَ ﴾ حيث كان إنكاراً للحال التي يقع عليها كفرهم؟

قلت: حال الشيء تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال؛ فكان إنكار حال الكفار لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكاراً لذات الكفر، وثباتها على طريق الكناية، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ.

وتحريره: أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها.

وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفةٍ عند وجوده.

ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني.

والواو في قوله: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا ﴾ للحال، فإن قلت: فكيف صح أن يكون حالاً وهو ماض، ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد قام، إلا لأن يضمر قد؟

قلت: لم تدخل الواو على ﴿ كُنتُمْ أمواتا ﴾ وحده، ولكن على جملة قوله: ﴿ كُنتُمْ أمواتا ﴾ إلى ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ ، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم.

فإن قلت: بعض القصة ماض وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالاً؟

قلت: هو العلم بالقصة، كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها.

فإن قلت: فقد آل المعنى إلى قولك: على أي حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه صحته؟

قلت: قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في ﴿ كَيْفَ ﴾ الإنكار.

وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية، فكأنه قيل: ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه!

فإن قلت: إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟

قلت: قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم.

وكثير منهم علموا ثم عاندوا.

والأموات: جمع ميت، كالأقوال في جمع قَيِّل.

فإن قلت: كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جماداً، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البتى؟

قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة، كقوله: ﴿ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ [الفرقان: 49] ، ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ الارض الميتة ﴾ [يس: 33] ، ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاء ﴾ [النحل: 21] .

ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس، فإن قلت: ما المراد بالإحياء الثاني؟

قلت: يجوز أن يراد به الإحياء في القبر: وبالرجوع: النشور.

وأن يراد به النشور، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء.

فإن قلت: لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟

قلت: لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء.

والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهراً.

وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن النشور.

فإن قلت: من أين أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها الله، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟

قلت: يحتمل الأمرين جميعاً، لأنّ ما عدّده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم.

﴿ قبلكمْ ﴾ لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم.

أما الانتفاع الدنيوي فظاهر.

وأمّا الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها، لاشتماله على أسباب الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف.

وقد استدل بقوله: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ ﴾ على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها.

فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟

قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية: جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية.

و ﴿ جَمِيعاً ﴾ نصب على الحال من الموصول الثاني.

والاستواء: الاعتدال والاستقامة.

يقال: استوى العود وغيره، إذا قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً، من غير أن يلوي على شيء.

ومنه استعير قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ ، أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر.

والمراد بالسماء جهات العلو، كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق.

والضمير في ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ ضمير مبهم.

و ﴿ سَبْعَ سماوات ﴾ تفسيره، كقولهم: ربه رجلاً.

وقيل: الضمير راجع إلى السماء.

والسماء في معنى الجنس.

وقيل: جمع سماءة، والوجه العربي هو الأوّل.

ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهنّ، وتقديمه، وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهنّ ﴿ وَهُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ فمن ثم خلقهنّ خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، فإن قلت: ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه (ثم) لإعطائه معنى التراخي والمهلة قلت: (ثم) هاهنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السموات على خلق الأرض، لا للتراخي في الوقت كقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] .

على أنه لو كان لمعنى التراخي في الوقت لم يلزم ما اعترضت به، لأن المعنى أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر.

فإن قلت: أما يناقض هذا قوله: ﴿ والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ [النازعات: 30] ؟

قلت: لا؛ لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء.

وأمّا دحوها فمتأخر.

وعن الحسن: خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض، فذلك قوله: ﴿ كَانَتَا رَتْقاً ﴾ [الأنبياء: 30] وهو الالتزاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا ﴾ اعْتِرافٌ بِالعَجْزِ والقُصُورِ، وإشْعارٌ بِأنَّ سُؤالَهم كانَ اسْتِفْسارًا ولَمْ يَكُنِ اعْتِراضًا، وأنَّهُ قَدْ بانَ لَهم ما خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِ الإنْسانِ والحِكْمَةِ في خَلْقِهِ، وإظْهارُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ بِما عَرَّفَهم وكَشَفَ لَهم ما اعْتَقَلَ عَلَيْهِمْ، ومُراعاةٌ لِلْأدَبِ بِتَفْوِيضِ العِلْمِ كُلِّهِ إلَيْهِ.

وسُبْحانَ: مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافًا مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلِهِ، كَمَعاذَ اللَّهِ.

وقَدْ أُجْرِيَ عَلَمًا لِلتَّسْبِيحِ بِمَعْنى التَّنْزِيهِ عَلى الشُّذُوذِ في قَوْلِهِ: سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ.

وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِهِ اعْتِذارٌ عَنِ الِاسْتِفْسارِ والجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الحالِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ مِفْتاحَ التَّوْبَةِ فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ وقالَ يُونُسُ: ﴿ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ .

﴿ إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ ﴾ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

﴿ الحَكِيمُ ﴾ المُحْكِمُ لِمُبْدَعاتِهِ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ.

و ﴿ أنْتَ ﴾ فَصْلٌ، وقِيلَ: تَأْكِيدٌ لِلْكافِ كَما في قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكَ أنْتَ، وإنْ لَمْ يَجُزْ: مَرَرْتُ بِأنْتَ، إذِ التّابِعُ يَسُوغُ فِيهِ ما لا يَسُوغُ في المَتْبُوعِ، ولِذَلِكَ جازَ: يا هَذا الرَّجُلُ، ولَمْ يَجُزْ: يا الرَّجُلُ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالُواْ سبحانك} تنزيهاً لك أن يخفى عليك شيء أو عن الاعتراض عليك في تدبيرك وأفادتنا الآية أن علم الأسماء فوق النخلى للعبادة فكيف بعلم الشريعة انتصابه على المصدر تقديره سبحت الله تسبيحاً {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} وليس فيه علم الاسماء وما بمعنى الذي والعلم بمعنى المعلوم أي لا معلوم لنا إلى الذي علمتنا {إِنَّكَ أَنتَ العليم} غير المعلم {الحكيم} فيما قضيت وقدرت والكاف اسم إن وأنت مبتدا وما بعده خبره والجملة خبران أو أنت فصل والخبر العلم والحكيم خبر ثان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا ﴾ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا إذْ ذاكَ: هَلْ خَرَجُوا عَنْ عُهْدَةِ ما كُلِّفُوهُ، أوْ لا؟

فَقِيلَ: قالُوا إلَخْ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الجُمَلَ المُفْتَتَحَةَ بِالقَوْلِ إذا كانَتْ مُرَتَّبًا بَعْضُها عَلى بَعْضٍ في المَعْنى فالأصَحُّ أنْ لا يُؤْتى فِيها بِحَرْفٍ اكْتِفاءً بِالتَّرْتِيبِ المَعْنَوِيِّ، وقَدْ جاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ بَلِ القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنهُ، (وسُبْحانَ) قِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ، وفِعْلُهُ سَبَحَ مُخَفَّفًا بِمَعْنى نَزُهَ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافًا، إمّا لِلْمَفْعُولِ، أوِ الفاعِلِ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ وُجُوبًا، وقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجَمَدُ شاذٌّ كَقَوْلِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ذا السُّبْحانِ، ومَجِيئُهُ مُنادًى مِمّا زَعَمَهُ الكِسائِيُّ ولا حُجَّةَ لَهُ، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ بِمَعْنى التَّنْزِيهِ، لا مَصْدَرُ سَبَّحَ بِمَعْنى قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، لِئَلّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ، ولِأنَّ مَدْلُولَ ذَلِكَ لَفْظٌ، ومَدْلُولَ هَذا مَعْنًى، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ إذْ لَوْلا أنَّهُ عَلَمٌ لَوَجَبَ صَرْفُهُ، لِأنَّ الألِفَ والنُّونَ في غَيْرِ الصِّفاتِ إنَّما تَمْنَعُ مَعَ العَلَمِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ سُبْحانَ فِيهِ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ سُبْحانَ اللَّهِ، وهو مُرادٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، وأُبْقِيَ المُضافُ عَلى حالِهِ مُراعاةً لِأغْلَبِ أحْوالِهِ، وهو التَّجَرُّدُ عَنِ التَّنْوِينِ، وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ والإضافَةُ لِما بَعْدَها عَلى التَّهَكُّمِ، والِاسْتِهْزاءِ بِهِ، ومِنَ الغَرِيبِ قَوْلُ بَعْضٍ: إنَّ مَعْنى سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَكَ بَعْدَ تَنْزِيهٍ، كَما قالُوا في لَبَّيْكَ إجابَةً بَعْدَ إجابَةٍ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا ظاهِرًا أنْ يَكُونَ مُثَنًّى، ومُفْرَدُهُ سُبْحًا، وأنْ لا يَكُونَ مَنصُوبًا بَلْ مَرْفُوعٌ، وأنَّهُ لَمْ تَسْقُطِ النُّونُ لِلْإضافَةِ، وإنَّما التُزِمَ فَتْحُها، ويا سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى لِمَن يَقُولُ ذَلِكَ، والغَرَضُ مِن هَذا الجَوابِ الِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ عَنْ أمْرِ الخِلافَةِ، والقُصُورِ عَنْ مَعْرِفَةِ الأسْماءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهم قالُوا: لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمَتْنا، ولَمْ تُعَلِّمْنا الأسْماءَ فَكَيْفَ نَعْلَمُها، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ سُؤالَهم لَمْ يَكُنْ إلّا اسْتِفْسارًا إذْ لا عِلْمَ لَهم إلّا مِن طَرِيقِ التَّعْلِيمِ، ومِن جُمْلَتِهِ عِلْمُهم بِحِكْمَةِ الِاسْتِخْلافِ مِمّا تَقَدَّمَ فَهو بِطَرِيقِ التَّعْلِيمِ أيْضًا، فالسُّؤالُ المُتَرَتِّبُ هو عَلَيْهِ سُؤالُ مُسْتَفْسِرٍ لا مُعْتَرِضٍ، وثَناءٌ عَلَيْهِ تَعالى بِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مَعَ غايَةِ التَّواضُعِ، ومُراعاةِ الأدَبِ، وتَرْكِ الدَّعْوى، ولِهَذا كُلِّهِ لَمْ يَقُولُوا لا عِلْمَ لَنا بِالأسْماءِ، مَعَ أنَّهُ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ ذَلِكَ، ومَن زَعَمَ عَدَمَ العِصْمَةِ جَعَلَ هَذا تَوْبَةً، والإنْصافُ أنَّهُ يُشْبِهُها، ولَكِنْ لا عَنْ ذَنْبٍ مُخِلٍّ بِالعِصْمَةِ، بَلْ عَنْ تَرْكٍ أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُوِّ شَأْنِهِمْ، ورِفْعَةِ مَقامِهِمْ، إذِ اللّائِقُ بِحالِهِمْ عَلى العِلّاتِ أنْ يَتْرُكُوا الِاسْتِفْسارِ ويَقِفُوا مُتَرَصِّدِينَ، لِأنْ يَظْهَرَ حَقِيقَةُ الحالِ، (وما) عِنْدَ الجُمْهُورِ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها، وهي إمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ، أوْ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّهْراوِيِّ أنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ (بِعَلَّمَتْنا)، ويَتَكَلَّفُ لِتَوْجِيهِهِ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ فَإلّا بِمَعْنى لَكِنْ، وما شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهم نَفَوْا أوَّلًا سائِرَ العُلُومِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكُوا أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ، أيُّ شَيْءٍ عَلَّمَهم عَلِمُوهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَرْكِ الدَّعْوى كَما لا يَخْفى، ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ تَذْيِيلٌ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ولَمّا نَفَوُا العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ أثْبَتُوهُ لِلَّهِ تَعالى عَلى أكْمَلِ أوْصافِهِ وأرْدَفُوهُ بِالوَصْفِ بِالحِكْمَةِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهم ما تَبَيَّنَ، وأصْلُ الحِكْمَةِ المَنعُ ومِنهُ حَكَمَةُ الدّابَّةِ لِأنَّها تَمْنَعُها عَنِ الِاعْوِجاجِ، ويُقالُ لِلْعِلْمِ لِأنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ ارْتِكابِ الباطِلِ، ولِإتْقانِ الفِعْلِ لِمَنعِهِ عَنْ طُرُقِ الفَسادِ والِاعْتِراضِ، وهو المُرادُ ها هُنا، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ، فَمَعْنى الحَكِيمِ ذُو الحِكْمَةِ، وقِيلَ: المُحْكِمُ لِمُبْدَعاتِهِ، قالَ في البَحْرِ: وهو عَلى الأوَّلِ صِفَةُ ذاتٍ، وعَلى الثّانِي صِفَةُ فِعْلٍ، والمَشْهُورُ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ العَلِيمُ كانَ مِن صِفاتِ الذّاتِ، أوِ الفاعِلِ لِما لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ كانَ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، فافْهَمْ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الوَصْفَ بِالعِلْمِ عَلى الوَصْفِ بِالحِكْمَةِ لِمُناسَبَةِ ما تَقَدَّمَ مِن (أنْبِئُونِي)، و(لا عِلْمَ لَنا)، ولِأنَّ الحِكْمَةَ لا تَبْعُدُ عَنِ العِلْمِ، ولِيَكُونَ آخِرُ مَقالَتِهِمْ مُخالِفًا لِما يُتَوَهَّمُ مِن أوَّلِها، (وأنْتَ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا لا مَحَلَّ لَهُ عَلى المَشْهُورِ، يُفِيدُ تَأْكِيدَ الحُكْمِ، والقَصْرَ المُسْتَفادَ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ، وقِيلَ: هو تَأْكِيدٌ لِتَقْرِيرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، ويَسُوغُ في التّابِعِ ما لا يَسُوغُ في المَتْبُوعِ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، (والحَكِيمُ) إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ نَعْتٌ لَهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُما لِإفادَةِ العُمُومِ، وقَدْ خَصَّهُما بَعْضٌ فَقالَ: العَلِيمُ بِما أمَرْتَ ونَهَيْتَ، الحَكِيمُ فِيما قَضَيْتَ وقَدَّرْتَ، والعُمُومُ أوْلى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ لاَ عِلْمَ لَنا، نزّهوه وتابوا إليه من مقالتهم، ومعناه سبحانك تبنا إليك من مقالتنا فاغفر لنا لاَ عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا أي ألهمتنا.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «سُبْحَانَ الله، تَنْزِيهُ الله عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ» .

وقال بعض أهل اللغة: اشتقاقه من السباحة، لأن الذي يسبح يباعد ما بين طرفيه، فيكون فيه معنى التبعيد.

وقال بعضهم: هذه لفظة جمعت بين كلمتي تعجب، لأن العرب إذا تعجبت من شيء قالت: حان، والعجم إذا تعجبت من شيء قالت: سب فجمع بينهما فصار: سبحان.

وقوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، يعني أنت العليم بما يكون في السموات والأرض، الحكيم في أمرك، إذا حكمت أن تجعل في الأرض خليفة غيرنا.

ويقال: معناه الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ على وجه الحكمة التي تدرك الأشياء بحقائقها، وكان حكمه موافقاً للعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في نفسه، واسْتَوى: قال قومٌ: معناه: علا دون كَيْفٍ، ولا تحديدٍ، هذا اختيار الطبريِّ، والتقديرُ: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كَيْسَان: معناه: قصد إلى السماء.

ع «١» : أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منع النّقْلَة وحلولِ الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان.

وفَسَوَّاهُنَّ: قيل: جعلهن سواءً، وقيل: سوى سطوحَهُنَّ بالإملاس، وقال الثعلبيُّ «٢» : فَسَوَّاهُنَّ، أي: خلقهن.

انتهى.

وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خُلِقَ قبل السماء، وذلك صحيحٌ، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة «المُؤْمِنِ» ، وفي «النازعات» .

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: «إِذْ» ليست بزائدةٍ عند الجمهور، وإِنما هي معلَّقة بفعل مقدَّر، تقديره: واذكر إِذ قال، وإِضافةُ «رَبٍّ» إِلى محمد صلّى الله عليه وسلم، ومخاطبتُهُ بالكاف- تشريفٌ منه سبحانه لنبيِّه، وإِظهار لاِختصاصه به، و «الملائكةُ» : واحدها ملَكٌ، والهاء في «ملائكة» لتأنيث الجُموعِ غير حقيقيٍّ، وقيل: هي للمبالغة كعلّامة ونسّابة، والأول أبين.

وجاعِلٌ في هذه الآية بمعنى خَالِقٍ، وقال الحسن وقتادة: جاعلٌ بمعنى فاعل «٣» ، وقال ابن سابط «٤» عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ الأَرْضَ هُنَا هِيَ مَكَّةُ لأَنَّ الأَرْضَ دحيت

مِنْ تَحْتِهَا وَلأنَّهَا مَقَرُّ مَنْ هَلَكَ قَوْمُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ بين المقام والرّكن» «١» .

وخَلِيفَةً: معناه: من يخلف.

قال ابن عبَّاس: كانت الجن قبل بني آدم في الأرض، فأفسدوا، وسَفَكُوا الدماء، فبعث اللَّه إِليهم قبيلاً من الملائكة قتلهم، وألْحَقَ فَلَّهُمْ «٢» ، بجزائرِ البحار، ورؤوسِ الجبالِ، وجعل آدم وذريته خليفةً «٣» ، وقال ابن مسعود: إنما معناه: خليفةٌ مني في الحُكْمِ «٤» .

وقوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ...

الآيةَ: قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم الغيْبَ، ولا تسبق القول، وذلك عَامٌّ في جميع الملائكة، لأن قوله تعالى: لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: ٢٧] خرج على جهة المدح لهم، قال القاضي ابن الطَّيِّب «٥» : فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطَيْن إِلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة نبأٌ ومقدِّمة.

قال ابن زيد وغيره: إن اللَّه تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكونُ من ذريته قومٌ يفسدونَ، ويسفكون الدماء «٦» فقالوا لذلك هذه المقالةَ: إِما على طريق التعجُّب من استخلاف الله

من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفُهُ اللَّهُ في أرضه وينعم علَيْه بذلك، وإِما على طريق الاِستعظامِ والإِكبار للفصلَيْن جميعاً الاستخلاف، والعصيان.

١٤ أوقال أحمد بن يَحْيَى/ ثَعْلَبٌ «١» وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأَتْ، وعلمت ما كان من إفساد الجِنِّ، وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها ...

«٢»

الآية على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة يا ربَّنَا على طريقة من تقدَّم من الجِنِّ أم لا؟

وقال آخرون: كان اللَّه تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرضِ خلْقاً يفسدون، ويسفكون الدماء، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك: إِنِّي جاعِلٌ قالوا: رَبَّنَا، أَتَجْعَلُ فِيها ...

الآيةَ على جهة الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفةُ هو الذي كان أعلمهم به سبحانه قبل، أو غيره؟

ونحو هذا في «مختصر الطبريِّ» ، قال: وقولهم:

أَتَجْعَلُ فِيها ليس بإنكار لفعله عز وجلّ وحكمه، بل استخبارٌ، هل يكون الأمر هكذا، وقد وجَّهه بعضهم بأنهم استعظموا الإِفسادَ وسفْكَ الدماء فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة في ذلك إذ علموا أنه عز وجل لا يفعل إِلا حكمة.

انتهى.

ت: والعقيدة أن الملائكة معصومون، فلا يقع منهم ما يوجب نقصانًا من رتبتهم، وشريف منزلتهم- صلوات اللَّه وسلامُهُ على جميعهم- والسفك صبُّ الدَّمِ، هذا عُرْفُه، وقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ.

قال بعض المتأوّلين: هو على جهة الاستفهام كأنهم أرادوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ...

الآيةَ، أم نتغير عن هذه الحال؟

قال ع «٣» : وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحْضِ في قولهم: أَتَجْعَلُ.

وقال آخرون: معناه: التمدُّح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسُفُ:

إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] ، وهذا يحسن مع التعجُّب والاستعظام لأن يستخلف الله

من يعصيه في قولهم: أَتَجْعَلُ، وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، ومعنى: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ: ننزِّهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود: تسبيحُ الملائكةِ صلاتهم للَّه سبحانه «١» ، وقال قتادةُ: تسبيحهم قولهم: «سبحانَ اللَّهِ» على عرفه «٢» في اللغة، وبِحَمْدِكَ: معناه نَصِلُ التسبيح بالحمدِ، ويحتمل أن يكون قولهم: بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا: ونحن نسبِّح ونقدِّس، وأنت المحمود في الهداية إِلى ذلك، وخرَّج مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ «٣» قال: قال لِي رسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى؟

إِنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى:

«سبحان الله وَبِحَمْدِهِ» ، وفي رواية: «سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلَّم، أَيُّ الكَلاَمِ أَفْضَلُ؟

قَالَ:

مَا اصطفى اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» «٤» وفي صحيحَي البخاريِّ ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العظيم» «٥» وهذا الحديث

به ختم البخاريُّ رحمه اللَّه.

انتهى.

وَنُقَدِّسُ لَكَ: قال الضَّحَّاك وغيره: معناه: نُطَهِّرُ أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديسُ: التطهير بلا خلافٍ «١» ، ومنه الأرض المقدَّسة، أي: المطهَّرة، وقال آخرون:

وَنُقَدِّسُ لَكَ: معناه: نقدِّسك، أي: نعظِّمك ونطهِّر ذكرك ممَّا لا يليقُ به، قاله مجاهد وغيره «٢» .

وقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

قال ابن عبَّاس: كان إِبليس- لعنه اللَّه- قد أُعْجِبَ بنفسه، ودخله الكِبْرُ لما جعله الله ١٤ ب خَازِنَ السماء الدنيا/، واعتقد أن ذلك لمزيَّة له، فلما قالت الملائكة: ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك، وهي لا تعلم أنَّ في نفْسِ إِبليسَ خلافَ ذلك، قال اللَّه سبحانه: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني ما في نفس إِبْلِيسَ «٣» .

وقال قتادة: لما قالتِ الملائكةُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وقد علم اللَّه أنَّ في مَنْ يستخلفُ في الأرض أنبياءَ وفضلاءَ وأهلَ طاعةٍ، قال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يعني: أفعالَ الفضلاء «٤» .

وقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها: معناه: عرَّف، وتعليم آدم هنا عند قومٍ إِلهامُ علمه ضرورةً، وقال قوم: بل تعليمٌ بقولٍ إما بواسطة مَلَكٍ، أو بتكليمٍ قبل هبوطه الأرضَ، فلا يشارك موسى- عليه السلام- في خَاصَّته.

ت: قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: تعليمه سبحانه لآِدم الأسماء كلَّها، إِنما كان بالعلْم اللدنيِّ بلا واسطة.

انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاريِّ، وكل ما أنقله عنه، فمنه، واختلف المتأوِّلون في قوله: الْأَسْماءَ:

فقال جمهور الأُمَّة: علَّمه التسميات، وقال قومٌ: عرض عليه الأشخاص، والأول أبين ولفظة عَلَّمَ تعطي ذلك.

ثم اختلف الجمهورُ في أيِّ الأسماء علَّمه، فقال ابن عبَّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ: علَّمه اسم كلِّ شيء من جميع المخلوقات دقيقها، وجليلها «١» ، وقال الطبريُّ «٢» : علَّمه أسماء ذريته، والملائكة ورجَّحه بقوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ وقال أكثر العلماء: عَلَّمه تعالى منافعَ كلِّ شيء، ولما يصلَح.

وقيل غير هذا.

واختلف المتأوِّلون، هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص؟.

وأَنْبِئُونِي: معناه: أخبروني، والنبأ: الخبر، وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ «٣» ، ويتقرَّر جوازه لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا يعلمون.

وقال المحقِّقون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف.

وقوله تعالى: هؤُلاءِ ظاهره حضورُ أشخاصٍ، وذلك عند العرض على الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدلُّ أن الاسم هو المسمى كما ذهب إِليه مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ.

والذي يظهر أن اللَّه تعالى علَّم آدم الأسماء، وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلَّمها آدم، ثم إِن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا.

وَهَؤُلاءِ: مبنيٌّ على الكسر، وكُنْتُمْ في موضع الجزمِ بالشرْطِ، والجواب عند سيبويه: فيما قبله، وعند المبرِّد: محذوفٌ تقديره: إِن كنتمْ صادِقِينَ، فَأَنْبِئوني، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود وناس من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم: معنى الآية: إِنْ كنتم صادِقِينَ في أنَّ الخليفةَ يُفْسِدُ ويسفك «١» .

ت: وفي النفس من هذا القول شيءٌ، والملائكة منزَّهون معصومون كما تقدَّم، والصواب ما تقدَّم من التفسير عند قوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها ...

الآية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: لا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ: التَّنْزِيهُ لِلَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ سُوءٍ.

والعَلِيمُ بِمَعْنى: العالِمِ، جاءَ عَلى بِناءِ "فَعِيلٍ" لِلْمُبالَغَةِ.

وفي الحَكِيمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الحاكِمِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: المُحْكِمُ لِلْأشْياءِ، قالَهُ الخَطّابِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ قالَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: "إذْ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: وقالَ رَبُّكَ.

قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: هَذا اجْتِراءٌ مِن أبِي عُبَيْدَةَ، وكَذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَتْ زائِدَةً وإنَّما هي مُعَلَّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ.

وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا  ﴾ الآيَةُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: وابْتِداءَ خَلَقَكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وإضافَةُ "رَبُّ" إلى مُحَمَّدٍ  ، ومُخاطَبَتُهُ بِالكافِ تَشْرِيفٌ مِنهُ لَهُ، وإظْهارٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ.

والمَلائِكَةُ واحِدُها مَلَكٌ، أصْلُهُ: مَلْأكٌ عَلى وزْنٍ مَفْعَلٌ، مِن لَأكَ إذا أرْسَلَ، وجَمْعُهُ مَلائِكَةٌ عَلى وزْنِ مُفاعَلَةٌ.

وقالَ قَوْمٌ: أصْلُ مَلَكٍ مَأْلَكٌ مَن ألَكَ إذا أرْسَلَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: أبْلِغِ النُعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي واللُغَتانِ مَسْمُوعَتانِ، لَأكَ، وألَكَ، قُلِبَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ بَعْدَ اللامِ فَجاءَ وزْنُهُ مَعْفَلٌ، وجَمْعُهُ مَلائِكَةٌ، وزْنُهُ مُعافَلَةٌ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ هو مِن مَلَكَ يَمْلِكُ والهَمْزَةُ فِيهِ زائِدَةٌ كَما زِيدَتْ في شَمْألَ مَن شَمِلَ فَوَزْنُهُ فَعْألَ، ووَزْنُ جَمْعِهِ فَعائِلَةٌ، وقَدْ يَأْتِي في الشِعْرِ عَلى أصْلِهِ كَما قالَ: فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَماءِ يُصَوِّبُ وأمّا في الكَلامِ فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى اللامِ أو عَلى العَيْنِ -فِي قَوْلِ ابْنِ كَيْسانَ - فَقِيلَ: مَلَكٌ، والهاءُ في "مَلائِكَةٍ" لِتَأْنِيثِ الجُمُوعِ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ، وقِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والأوَّلُ أبْيَنُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَمْزَةُ في "مَلائِكَةٍ" مُجْتَلَبَةٌ لِأنَّ واحِدَها مَلَكٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا الَّذِي نَحا إلَيْهِ ابْنُ كَيْسانَ.

و"جاعِلٌ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خالِقٌ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي رَوْقٍ، ويَقْضِي بِذَلِكَ تَعَدِّيها إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: "جاعِلٌ" بِمَعْنى فاعِلٍ.

وقالَ ابْنُ سابِطٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: إنَّ "الأرْضَ" هُنا يَعْنِي بِها مَكَّةَ، لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها، ولِأنَّها مَقَرُّ مَن هَلَكَ قَوْمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وإنَّ قَبْرَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ بَيْنَ المَقامِ والرُكْنِ.

و"خَلِيفَةً" مَعْناهُ: مَن يَخْلُفُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ الجِنُّ قَبْلَ بَنِي آدَمَ في الأرْضِ فَأفْسَدُوا، وسَفَكُوا الدِماءَ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ قَبِيلًا مِنَ المَلائِكَةِ قَتَلَهُمْ، وألْحَقَ فَلَّهم بِجَزائِرِ البِحارِ، ورُؤُوسِ الجِبالِ، وجَعَلَ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ خَلِيفَةً.

وقالَ الحَسَنُ: إنَّما سَمّى اللهَ بَنِي آدَمَ خَلِيفَةً، لِأنَّ كُلَّ قَرْنٍ مِنهم يَخْلُفُ الَّذِي قَبْلَهُ، الجِيلُ بَعْدَ الجِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفي هَذا القَوْلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خالِفَةٍ وَبِمَعْنى مَخْلُوفَةً، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما مَعْناهُ: خَلِيفَةٌ مِنِّي في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِي بِالحَقِّ وبِأوامِرِي، يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن قامَ مَقامَهُ بَعْدَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ "خَلِيقَةً" بِالقافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ، وقَدْ عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ المَلائِكَةَ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَسْبِقُ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المَلائِكَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ  ﴾ خَرَجَ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ بْنُ الطَيِّبِ: "فَهَذِهِ قَرِينَةُ العُمُومِ، فَلا يَصِحُّ مَعَ هَذَيْنَ الشَرْطَيْنِ إلّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهم مِن إفْسادِ الخَلِيقَةِ في الأرْضِ نَبَأٌ ومُقْدِمَةٌ"، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الخَلِيفَةَ سَيَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ قَوْمٌ يُفْسِدُونَ ويَسْفِكُونَ الدِماءَ، فَقالُوا لِذَلِكَ هَذِهِ المَقالَةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا إمّا عَلى طَرِيقِ التَعَجُّبِ مِنَ اسْتِخْلافِ اللهِ مَن يَعْصِيهِ، أو مِن عِصْيانِ مَن يَسْتَخْلِفُهُ اللهُ في أرْضِهِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وإمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْظامِ والإكْبارِ لِلْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا: الِاسْتِخْلافُ والعِصْيانُ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ وغَيْرُهُ: إنَّما كانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ رَأتْ وعَلِمَتْ ما كانَ مِن إفْسادِ الجِنِّ وسَفْكِهِمُ الدِماءَ في الأرْضِ، فَجاءَ قَوْلُهم ﴿ أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، هَلْ هَذا الخَلِيفَةُ عَلى طَرِيقَةِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الجِنِّ أمْ لا؟

وقالَ آخَرُونَ: كانَ اللهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلْقًا يُفْسِدُونَ، ويَسْفِكُونَ الدِماءَ، فَلَمّا قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ ﴾ ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِعْلامِ.

هَلْ هَذا الخَلِيفَةُ هو الَّذِي كانَ أعْلَمَهم بِهِ قَبْلُ أو غَيْرُهُ؟

و"السَفْكُ" صَبُّ الدَمِ، هَذا عُرْفُهُ، وقَدْ يُقالُ: سَفَكَ كَلامَهُ في كَذا إذا سَرَدَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِكَسْرِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ و"يَسْفِكُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ "وَيَسْفِكُ" بِالنَصْبِ بِواوِ الصَرْفِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَجْمَعُ أنْ يُفْسِدَ وأنْ يَسْفِكَ.

وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو نَصْبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ.

والأوَّلُ أحْسَنُ.

وَقَوْلُهُمْ: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّهم أرادُوا: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ الآيَةُ أمْ نَتَغَيَّرُ عن هَذِهِ الحالِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُحْسِنُ مَعَ القَوْلِ بِالِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ".

وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ التَمَدُّحُ ووَصْفُ حالِهِمْ، وذَلِكَ جائِزٌ لَهُمْ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ  ﴾ ، وهَذا يَحْسُنُ مَعَ التَعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِأنْ يَسْتَخْلِفَ اللهُ مَن يَعْصِيهِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ"؟

وعَلى هَذا أدَّبَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: ونَحْنُ لَوْ جَعَلْتَنا في الأرْضِ واسْتَخْلَفْتَنا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ مَعَ التَعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ"؟

ومَعْنى ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ : نُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ وبِصِفاتِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ: صَلاتُهم لِلَّهِ، وقالَ قَتادَةُ: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللهِ، عَلى عُرْفِهِ في اللُغَةِ.

و"بِحَمْدِكَ" مَعْناهُ: نَخْلِطُ التَسْبِيحَ بِالحَمْدِ، ونَصِلُهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِحَمْدِكَ" اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ، كَأنَّهم قالُوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ ونُقَدِّسُ)، ثُمَّ اعْتَرَضُوا عَلى جِهَةِ التَسْلِيمِ، أيْ: وأنْتَ المَحْمُودُ في الهِدايَةِ إلى ذَلِكَ.

﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ قالَ الضَحّاكُ، وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: نُطَهِّرُ أنْفُسَنا لَكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِكَ، والتَقْدِيسُ التَطْهِيرُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ أيِ: المُطَهَّرَةُ، ومِنهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، ومِنهُ القُدْسُ الَّذِي يَتَطَهَّرُ بِهِ.

وقالَ آخَرُونَ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ مَعْناهُ: ونُقَدِّسُكَ أيْ: نُعَظِّمُكَ، ونُطَهِّرُ ذِكْرَكَ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهُما، وقالَ قَوْمٌ: ( نُقَدِّسُ لَك ) مَعْناهُ: نُصَلِّي لَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، الأظْهَرُ أنَّ "أعْلَمُ" فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وقِيلَ: "أعْلَمُ" اسْمٌ، و"ما في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولا يَصِحُّ الصَرْفُ فِيهِ بِإجْماعٍ مِنَ النُحاةِ، وإنَّما الخِلافُ في أفْعَلَ إذا سُمِّيَ بِهِ وكانَ نَكِرَةً، فَسِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ لا يَصْرِفانِهِ، والأخْفَشُ يَصْرِفُهُ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ إبْلِيسُ- لَعَنَهُ اللهُ- قَدْ أُعْجِبَ، ودَخَلَهُ الكِبْرُ لَمّا جَعَلَهُ اللهُ خازِنَ السَماءِ الدُنْيا، وشَرَّفَهُ وقِيلَ: بَلْ لَمّا بَعَثَهُ اللهُ إلى قَتْلِ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا أفْسَدُوا في الأرْضِ فَهَزَمَهم وقَتَلَهم بِجُنْدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: واعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ لِمَزِيَّةٍ لَهُ، واسْتَخَفَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ في جانِبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ: فَلَمّا قالَتِ المَلائِكَةُ ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ﴾ ، وهي لا تَعْلَمُ أنَّ في نَفْسِ إبْلِيسَ خِلافَ ذَلِكَ، قالَ اللهُ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، يَعْنِي ما في نَفْسِ إبْلِيسَ، وقالَ قَتادَةُ: لَمّا قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ ، وقَدْ عَلِمَ اللهُ تَعالى أنَّ فِيمَن يَسْتَخْلِفُ في الأرْضِ أنْبِياءَ وفُضَلاءَ وأهْلَ طاعَةٍ قالَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، يَعْنِي: أفْعالَ الفُضَلاءِ مِن بَنِي آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعَلَّمَ" مَعْناهُ: عَرَّفَ.

وتَعْلِيمُ آدَمَ هُنا عِنْدَ قَوْمٍ إلْهامُ عِلْمِهِ ضَرُورَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ تَعْلِيمٌ بِقَوْلٍ، فَإمّا بِواسِطَةِ مَلَكٍ، أو بِتَكْلِيمٍ قَبْلَ هُبُوطِهِ الأرْضَ، فَلا يُشارِكُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في خاصَّتِهِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "وَعَلَّمَ" بِضَمِّ العَيْنِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "آدَمُ" مَرْفُوعًا.

قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ يَزِيدِ البَرْبَرِيِّ، و"آدَمَ" أفْعَلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُدْمَةِ وهي حُمْرَةٌ تَمِيلُ إلى السَوادِ، وجَمْعُهُ أُدْمُ، وأوادِمُ، كَحُمْرُ وأحامِرُ، ولا يَنْصَرِفُ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: آدَمُ وزْنُهُ فاعِلٌ مُشْتَقٌّ مِن أدِيمِ الأرْضِ كَأنَّ المَلَكَ آدَمَها وجَمْعُهُ آدَمُونَ وأوادِمُ، ويَلْزَمُ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ صَرْفَهُ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: "آدَمُ" فِعْلٌ رُباعِيٌّ سُمِّيَ بِهِ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ مِن أدِيمِ الأرْضِ كُلِّها، فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلى نَحْوِها، مِنهُمُ الأبْيَضُ والأسْوَدُ والأسْمَرُ، والسَهْلُ والحَزَنُ، والطَيِّبُ والخَبِيثُ».

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "الأسْماءَ"، فَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: عَلَّمَهُ التَسْمِياتِ، وقالَ قَوْمٌ: عَرَضَ عَلَيْهِ الأشْخاصَ.

والأوَّلُ أبْيَنُ، ولَفْظَةُ "عَلَّمَ" تُعْطِي ذَلِكَ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الجُمْهُورُ في أيِّ الأسْماءِ عَلَّمَهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، دَقِيقُها وجَلِيلُها، وقالَ حَمِيدُ الشامِيُّ: عَلَّمَهُ أسْماءَ النُجُومِ فَقَطْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ المَلائِكَةِ فَقَطْ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ والمَلائِكَةَ، واخْتارَ هَذا ورَجَّحَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ ﴾ وحَكى النَقّاشُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ تَعالى عَلَّمَهُ كَلِمَةً واحِدَةً عَرَفَ مِنها جَمِيعَ الأسْماءِ، وقالَ آخَرُونَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ الأجْناسِ كالجِبالِ، والخَيْلِ، والأودِيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، دُونَ أنْ يُعَيِّنَ ما سَمَّتْهُ ذُرِّيَّتُهُ مِنها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ما خَلَقَ في الأرْضِ، وقالَ قَوْمٌ: عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِلُغَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ وقَعَ الِاصْطِلاحُ مِن ذُرِّيَّتِهِ فِيما سِواها، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِكُلِّ لُغَةٍ تَكَلَّمَتْ بِها ذُرِّيَّتُهُ.

وقَدْ غَلا قَوْمٌ في هَذا المَعْنى حَتّى حَكى ابْنُ جِنِّيٍّ عن أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: عَلَّمَ اللهُ تَعالى آدَمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى إنَّهُ كانَ يُحْسِنُ مِنَ النَحْوِ مِثْلَ ما أحْسَنَ سِيبَوَيْهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو بَيِّنُ الخَطَأِ مِن جِهاتٍ.

وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: عَلَّمَهُ تَعالى مَنافِعَ كُلِّ شَيْءٍ ولِما يَصْلُحُ.

وقالَ قَوْمٌ: عَرَضَ عَلَيْهِ الأشْخاصَ عِنْدَ التَعْلِيمِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ وصَفَها لَهُ دُونَ عَرْضِ أشْخاصٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها احْتِمالاتٌ.

قالَ الناسُ بِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "ثُمَّ عَرَضَها"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ "ثُمَّ عَرَضَهُنَّ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: هَلْ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ أشْخاصَ الأسْماءِ أوِ الأسْماءَ دُونَ الأشْخاصِ؟

فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وغَيْرُهُ: عَرَضَ الأشْخاصَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: عَرَضَ الأسْماءَ، فَمَن قالَ في الأسْماءِ بِعُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ قالَ: عَرَضَهم أُمَّةً أُمَّةً، ونَوْعًا نَوْعًا، ومَن قالَ في الأسْماءِ إنَّها التَسْمِياتُ اسْتَقامَ عَلى قِراءَةِ أُبَيٍّ: "عَرَضَها"، ونَقُولُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "عَرَضَهُمْ" إنَّ لَفْظَ الأسْماءِ يَدُلُّ عَلى الأشْخاصِ، فَلِذَلِكَ ساغَ أنْ يَقُولَ لِلْأسْماءِ "عَرَضَهُمْ".

و"أنْبِئُونِي" مَعْناهُ: أخْبِرُونِي، والنَبَأُ: الخَبَرُ، ومِنهُ النَبِيءُ، وقالَ قَوْمٌ: يَخْرُجُ مِن هَذا الأمْرِ بِالإنْباءِ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ويَتَقَرَّرُ جَوازُهُ، لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وقالَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: لَيْسَ هَذا عَلى جِهَةِ التَكْلِيفِ، وإنَّما هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْقِيفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "هَؤُلاءِ" ظاهِرُهُ حُضُورُ أشْخاصٍ، وذَلِكَ عِنْدَ العَرْضِ عَلى المَلائِكَةِ، ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُوجِبُ أنَّ الِاسْمَ أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ، فَمَن قالَ إنَّهُ تَعالى عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ أشْخاصًا اسْتَقامَ لَهُ مَعَ لَفْظِ "هَؤُلاءِ"، ومَن قالَ إنَّهُ إنَّما عَرَضَ أسْماءً فَقَطْ جَعَلَ الإشارَةَ بـِ "هَؤُلاءِ" إلى أشْخاصِ الأسْماءِ وهي غائِبَةٌ، إذْ قَدْ حَضَرَ ما هو مِنها بِسَبَبٍ، وذَلِكَ أسْماؤُها، وكَأنَّهُ قالَ لَهم في كُلِّ اسْمٍ لِأيِّ شَخْصٍ هَذا؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللهَ تَعالى عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ، وعَرَضَ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الأجْناسَ أشْخاصًا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلى المَلائِكَةِ، وسَألَهم عن تَسْمِياتِها الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَها آدَمُ.

ثُمَّ إنَّ آدَمَ قالَ لَهُمْ: هَذا اسْمُهُ كَذا، وهَذا اسْمُهُ كَذا، و"هَؤُلاءِ" لَفْظٌ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، والقَصْرُ فِيهِ لُغَةُ تَمِيمٍ وبَعْضُ قَيْسٍ وأسَدٍ، قالَ الأعْشى: هَؤُلا ثُمَّ هَؤُلا كُلًّا أُعْطِيـَ ∗∗∗ ـتْ نِعالًا مَحْذُوَّةً بِنِعالِ و"كُنْتُمْ" في مَوْضِعِ الجَزْمِ بِالشَرْطِ، والجَوابُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِيما قَبْلَهُ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأنْبِئُونِي.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وناسٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ الخَلِيفَةَ يُفْسِدُ ويَسْفِكُ.

وقالَ آخَرُونَ: صادِقِينَ في أنِّي إنِ اسْتَخْلَفْتُكم سَبَّحْتُمْ بِحَمْدِي، وقَدَّسْتُمْ لِي، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ حِينَ خَلْقَ اللهُ آدَمَ: لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ، فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أعْلَمَ مِنّا، ولا أكْرَمَ عَلَيْهِ، فَأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُرِيَهم مِن عَلْمِ آدَمَ وكَرامَتِهِ خِلافَ ما ظَنُّوا.

فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمُ العِلْمَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في جَوابِ السُؤالِ، عالِمِينَ بِالأسْماءِ.

قالُوا: وَلِذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِلْمَلائِكَةِ الِاجْتِهادُ، وقالُوا: سُبْحانَكَ.

حَكاهُ النَقّاشُ، قالَ: ولَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمُ الصِدْقَ في الإنْباءِ لَجازَ لَهُمُ الِاجْتِهادُ، كَما جازَ لِلَّذِي أماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ، حِينَ قالَ لَهُ: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ  ﴾ ، ولَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ الإصابَةَ، فَقالَ ولَمْ يُصِبْ، فَلَمْ يُعَنِّفْ، وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْنى ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ : "إذْ كُنْتُمْ"، قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا خَطَأٌ.

وإنْ قالَ قائِلٌ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ ﴾ الآيَةُ؟

قِيلَ: هَذا امْتِحانٌ لَهم واخْتِبارٌ، لِيَقَعَ مِنهم ما وقَعَ، ويُؤَدِّبَهم تَعالى مِن تَعْلِيمِ آدَمَ وتَكْرِيمِهِ بِما أدَّبَ.

و"سُبْحانَكَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَهُ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ.

قالَ الزَهْراوِيُّ: مَوْضِعَ "ما" مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ ما عَلَّمْتَنا ﴾ نُصِبَ بـِ "عَلَّمْتَنا"، وخَبَرُ التَبْرِئَةِ في "لَنا".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "ما" رَفْعًا عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن خَبَرِ التَبْرِئَةِ، كَما تَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، أيْ: لا إلَهَ في الوُجُودِ إلّا اللهُ.

و"أنْتَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في "إنَّكَ"، أو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و"العَلِيمُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"، أو فاصِلَةٌ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، و"العَلِيمُ" مَعْناهُ العالِمُ، ويَزِيدُ عَلَيْهِ مَعْنًى مِنَ المُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ مِنَ المَعْلُوماتِ في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و"الحَكِيمُ" مَعْناهُ: الحاكِمُ وبَيْنَهُما مَزِيَّةُ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُحْكَمُ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ أيِ: المُسْمِعُ، ويَجِيءُ الكَلامُ عَلى هَذا مِن صِفاتِ الفِعْلِ، وقالَ قَوْمٌ: الحَكِيمُ المانِعُ مِنَ الفَسادِ، ومِنهُ: حَكَمَةُ الفَرَسِ مانِعَتُهُ: وَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: أبْنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكم أنْ أغْضَبا <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جرد ﴿ قالوا ﴾ من الفاء لأنه محاورة كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] وافتتاح كلامهم بالتسبيح وقوف في مقام الأدب والتعظيم لذي العظمة المطلقة، وسبحان اسم التسبيح وقد تقدم عند قوله: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ [البقرة: 30] وهو اسم مصدر سَبَّحَ المضاعف وليس مصدراً لأنه لم يجئ على أبنية مصادر الرباعي وقيل هو مصدر سَبَحَ مخففاً بمعنى نزه فيكون كالغفران والشكران، والكفران من غفر وشكر وكفر وقد كثر استعماله منصوباً على المفعولية المطلقة بإضمار فعله ك ﴿ معاذ الله ﴾ [يوسف: 23] وقد يخرج عن ذلك نادراً قال: «سبحانك اللهم ذا السبحان» وكأنهم لما خصصوه في الاستعمال بجعله كالعلم على التنزيه عدلوا عن قياس اشتقاقه فصار سبحان كالعلم الجنسي مثل برة وفجار بكسر الراء في قول النابغة: فحملتُ برّة واحتملتُ فجارِ *** ومنعوه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون قال سيبويه: وأما ترك تنوين (سبحان) فلأنه صار عندهم معرفة وقول الملائكة: ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ خبر مراد منه الاعتراف بالعجز لا الإخبار عن حالهم لأنهم يوقنون أن الله يعلم ما تضمنه كلامهم.

ولا أنهم قصدوا لازم الفائدة وهي أن المخبر عالم بالخبر فتعين أن الخبر مستعمل في الاعتراف.

ثم إن كلامهم هذا يدل على أن علومهم محدودة غير قابلة للزيادة فهي مقصورة على ما ألهمهم الله تعالى وما يأمرهم، فللملائكة علم قبول المعاني لا علم استنباطها.

وفي تصدير كلامهم بسبحانك إيماء إلى الاعتذار عن مراجعتهم بقولهم: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] فهو افتتاح من قبيل براعة الاستهلال عن الاعتذار.

والاعتذار وإن كان يحصل بقولهم: ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ لكن حصول ذلك منه بطريق الكناية دون التصريح ويحصل آخراً لا ابتداء فكان افتتاح كلامهم بالتنزيه تعجيلاً بما يدل على ملازمة جانب الأدب العظيم ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ ساقوه مساق التعليل لقولهم ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ لأن المحيط علمه بكل شيء المحكم لكل خلق إذا لم يجعل لبعض مخلوقاته سبيلاً إلى علم شيء لم يكن لهم قبل بعلمه إذ الحصول بقدر القبول والاستعداد أي فلا مطمع لنا في تجاوز العلم إلى ما لم تهيئ لنا علمه بحسب فطرتنا.

والذي دل على أن هذا القول مسوق للتعليل وليس مجرد ثناء هو تصديره بإن في غير مقام رد إنكار ولا تردد.

قال الشيخ في «دلائل الإعجاز» ومن شأن إنَّ إذا جاءت على هذا الوجه (أي أن تقع إثر كلام وتكون لمجرد الاهتمام) أن تغني غناء الفاء العاطفة (مثلاً) وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً فأنت ترى الكلام بها مقطوعاً موصولاً، وأنشد قول بشار: بَكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجير *** إنَّ ذاك النجاح في التبكير وقول بعض العرب: فغنِّها وهي لك الفِداء *** إِنَّ غِناء الإبل الحُدَاء فإنهما استغنيا بذكر إنَّ عن الفاء، وإن خلفاً الأحمر لما سأل بشاراً لماذا لم يقل: «بكرا فالنجاح في التبكير» أجابه بشار بأنه أتى بها عربية بدوية ولو قال: «فالنجاح» لصارت من كلام المولدين (أي أجابه جواباً أحاله فيه على الذوق) وقد بين الشيخ عبد القاهر سبَبه.

وقال الشيخ في موضع آخر ألا ترى أن الغرض من قوله: «إن ذاك النجاح في التبكير» أن يبيَّن المعنى في قوله لصاحبيه «بكرا» وأن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير ويبين وجه الفائدة منه» ا ه.

(والعليم) الكثير العلم وهو من أمثلة المبالغة على الصحيح ويجوز كونه صفة مشبهة على تقدير تحويل علِم المكسور اللام إلى علُم بضم اللام ليصير من أفعال السجايا نحو ما قررناه في الرحيم ونحن في غنية عن هذا التكلف إذ لا ينبغي أن يبقى اختلاف في أن وزن فعيل يجيئ لمعنى المبالغة وإنما أنشأ هذه التمحلات من زعموا أن فعيلاً لا يجيء للمبالغة.

(الحكيم) فعيل من أَحكم إذا أتقن الصنع بأن حاطه من الخلل.

وأصل مادة حكم في كلام العرب للمنع من الفساد والخلل ومنه حكمة الدابة (بالتحريك) للحديدة التي توضع في فم الفرس لتمنعه من اختلال السير، وأحكم فلان فلاناً منعه قال جرير: أبني حنيفة أحكموا سُفهَاءكم *** إني أَخافُ عليكم أن أَغْضَبا والحكمة بكسر الحاء ضبط العلم وكماله، فالحكيم إما بمعنى المتقن للأمور كلها أو بمعنى ذي الحكمة وأيّاً ما كان فقد جرى بوزن فعيل على غير فعل ثلاثي وذلك مسموع قال عمرو بن معديكرب: أمن رَيحانة الدَّاعي السَّميع *** يؤرقُني وأصحابي هجوع ومن شواهد النحو ما أنشده أبو علي ولم يعزه: فمن يك لم يُنجِب أبوه وأمه *** فإن لنا الأمَّ النجيبةَ والأبُ أراد الأم المنجبة بدليل قوله لم ينجب أبوه وفي القرآن ﴿ بديع السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 117] ووَصف الحكيم والعرب تجري أوزان بعض المشتقات على بعض فلا حاجة إلى التكلف بتأول ﴿ بديع السماوات والأرض ﴾ ببديع سماواته وأرضه أي على أن (أل) عوض عن المضاف إليه فتكون الموصوف بحكيم هو السماوات والأرض وهي محكمة الخلق فإن مساق الآية تمجيد الخالق لا عجائب مخلوقاته حتى يكون بمعنى مفعول، ولا إلى تأويل الحكيم بمعنى ذي الحكمة لأن ذلك لا يجدي في دفع بحث مجيئه من غير ثلاثي.

وتعقيب العليم بالحكيم من إتباع الوصف بأخص منه فإن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم لأن الحكمة كمال في العلم فهو كقولهم خطيب مصقع وشاعر مفلق.

وفي «معارج النور» للشيخ لطف الله الأرضرومي: وفي الحكيم ذو الحكمة وهي العلم بالشيء وإتقان عمله وهو الإيجاد بالنسبة إليه والتدبير بأكمل ما تستعد له ذات المدبر (بفتح الباء) والاطلاع على حقائق الأمور ا ه.

وقال أبو حامد الغزالي في «المقصد الأسنى»: الحكيم ذو الحكمة والحكمة عبارة عن المعرفة بأفضل الأشياء، فأفضل العلوم العلم بالله وأجل الأشياء هو الله وقد سبق أنه لا يعرفه كنه معرفته غيره وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم فهو الحكيم الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم إذ أجل العلوم هو العلم الأزلي القديم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء، ولا شبهة ولا يتصور ذلك إلا في علم الله ا ه.

وسيجئ الكلام على الحكمة عند قوله تعالى: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ [البقرة: 269].

و ﴿ أنت ﴾ في ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ ضمير فصل، وتوسيطه من صيغ القصر فالمعنى قصر العلم والحكمة على الله قصر قلب لردهم اعتقادهم أنفسهم أنهم على جانب من علم وحكمة حين راجعوا بقولهم: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] أو تنزيلهم منزلة من يعتقد ذلك على الاحتمالين المتقدمين، أو هو قصر حقيقي ادعائي مراد منه قصر كمال العلم والحكمة عليه تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، في قَوْلِهِ: ( وإذْ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: فَإذا وذَلِكَ لا مَهاةَ لِذِكْرِهِ والدَّهْرُ يَعْقُبُ صالِحًا بِفَسادِ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ (إذْ) كَلِمَةٌ مَقْصُورَةٌ، ولَيْسَتْ بِصِلَةٍ زائِدَةٍ، وفِيها لِأهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَّرَ خَلْقَهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِما خَلَقَهُ لَهم في الأرْضِ، ذَكَّرَهم نِعَمَهُ عَلى أبِيهِمْ آدَمَ ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ابْتِداءَ الخَلْقِ فَكَأنَّهُ قالَ: وابْتَدَأ خَلْقَكم ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، وهَذا مِنَ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَما قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: فَإنَّ المَنِيَّةَ مَن يَخْشَها ∗∗∗ فَسَوْفَ تُصادِفُهُ أيْنَما يُرِيدُ: أيْنَما ذَهَبَ.

فَأمّا المَلائِكَةُ فَجَمْعُ مَلَكٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّسالَةِ، يُقالُ: ألِكْنِي إلَيْها أيْ أرْسِلْنِي إلَيْها، قالَ الهُذَلِيُّ: ألِكْنِي وخَيْرُ الرَّسُو ∗∗∗ لِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرْ والألُوكُ الرِّسالَةُ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: وغُلامٍ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ∗∗∗ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألْ وَإنَّما سُمِّيَتِ الرِّسالَةُ ألُوكًا لِأنَّها تُؤْلَكُ في الفَمِ، والفَرَسُ يَأْلُكُ اللِّجامَ ويَعْلُكُهُ، بِمَعْنى يَمْضُغُ الحَدِيدَ بِفَمِهِ.

والمَلائِكَةُ أفْضَلُ الحَيَوانِ وأعْقَلُ الخَلْقِ، إلّا أنَّهم لا يَأْكُلُونَ، ولا يَشْرَبُونَ، ولا يَنْكِحُونَ، ولا يَتَناسَلُونَ، وهم رُسُلُ اللَّهِ، لا يَعْصُونَهُ في صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ، ولَهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لا يُرَوْنَ إلّا إذا قَوّى اللَّهُ أبْصارَنا عَلى رُؤْيَتِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ اخْتُلِفَ في مَعْنى ( جاعِلٌ ) عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى خالِقٍ.

والثّانِي: بِمَعْنى جاعِلٍ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الجَعْلِ فِعْلُ الشَّيْءِ عَلى صِفَةٍ، وحَقِيقَةَ الإحْداثِ إيجادُ الشَّيْءِ بَعْدَ العَدَمِ.

والأرْضُ قِيلَ: إنَّها مَكَّةُ، ورَوى ابْنُ سابِطٍ، أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (دُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ» ولِذَلِكَ) سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى، قالَ: وقَبْرُ نُوحٍ، وهُودٍ، وَصالِحٍ، وشُعَيْبِ بَيْنَ زَمْزَمَ، والرُّكْنُ، والمَقامُ.

وَأمّا (الخَلِيفَةُ) فَهو القائِمُ مَقامَ غَيْرِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: خَلَفَ فُلانٌ فُلانًا، والخَلَفُ بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِنَ الصّالِحِينَ، والخَلْفُ بِتَسْكِينِها مِنَ الطّالِحِينَ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ  ﴾ ، وفي الحَدِيثِ: « (يَنْقُلُ هَذا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ)» .

وفي خِلافَةِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ الجِنُّ، فَأفْسَدُوا فِيها، سَفَكُوا الدِّماءَ، فَأُهْلِكُوا، فَجُعِلَ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ بَدَلَهُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن ولَدِ آدَمَ، الَّذِينَ يَخْلُفُونَ أباهم آدَمَ في إقامَةِ الحَقِّ وعِمارَةِ الأرْضِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ: جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً يَخْلُفُنِي في الحُكْمِ بَيْنَ خَلْقِي، وهو آدَمُ، ومَن قامَ مَقامَهُ مِن ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ ، وهَذا جَوابٌ مِنَ المَلائِكَةِ حِينَ أخْبَرَهُمْ، أنَّهُ جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، واخْتَلَفُوا في جَوابِهِمْ هَذا، هَلْ هو عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ أوْ عَلى طَرِيقِ الإيجابِ؟

عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ اسْتِفْهَمًا واسْتِخْبارًا حِينَ قالَ لَهُمْ: إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، فَقالُوا: يا رَبَّنا أعْلِمْنا، أجاعِلٌ أنْتَ في الأرْضِ مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ؟

فَأجابَهُمْ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، ولَمْ يُخْبِرْهم.

والثّانِي: أنَّهُ إيجابٌ، وإنْ خَرَجَتِ الألِفُ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ، كَما قالَ جَرِيرٌ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وَعَلى هَذا الوَجْهِ في جَوابِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ ظَنًّا وتَوَهُّمًا، لِأنَّهم رَأوُا الجِنَّ مِن قَبْلِهِمْ، قَدْ أفْسَدُوا في الأرْضِ، وسَفَكُوا الدِّماءَ، فَتَصَوَّرُوا أنَّهُ إنِ اسْتَخْلَفَ اسْتَخْلَفَ في الأرْضِ مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ.

وَفي جَوابِهِمْ بِهَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ اسْتِعْظامًا لِفِعْلِهِمْ، أيْ كَيْفَ يُفْسِدُونَ فِيها، ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ، وقَدْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ واسْتَخْلَفْتَهم فِيها فَقالَ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ تَعَجُّبًا مِنِ اسْتِخْلافِهِ لَهم أيْ كَيْفَ تَسْتَخْلِفُهم في الأرْضِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهم يُفْسِدُونَ فِيها ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ فَقالَ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ السَّفْكُ صَبُّ الدَّمِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الماءِ والمائِعِ، والسَّفْحُ مِثْلُهُ، إلّا أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّ مائِعٍ عَلى وجْهِ التَّضْيِيعِ، ولِذَلِكَ قالُوا في الزِّنى: إنَّهُ سِفاحٌ لِتَضْيِيعِ مائِهِ فِيهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ﴾ والتَّسْبِيحُ في كَلامِهِمُ التَّنْزِيهُ مِنَ السُّوءِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاجِرِ أيْ بَراءَةً مِن عَلْقَمَةَ.

وَلا يَجُوزُ أنْ يُسَبَّحَ غَيْرُ اللَّهِ، وإنْ كانَ مُنَزَّهًا، لِأنَّهُ صارَ عَلَمًا في الدِّينِ عَلى أعْلى مَراتِبِ التَّعْظِيمِ الَّتِي لا يَسْتَحِقُّها إلّا اللَّهُ تَعالى.

وَفي المُرادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ نُصَلِّي لَكَ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ  ﴾ ، أيْ مِنَ المُصَلِّينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ نُعَظِّمُكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ جَرِيرٍ: قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا إهْلالا وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ فَأصْلُ التَّقْدِيسِ التَّطْهِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أيِ المُطَهَّرَةَ، وقالَ الشّاعِرُ: فَأدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسّاقِ والنَّسا ∗∗∗ كَما شَبْرَقَ الوِلْدانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِ أيِ المُطَهَّرِ.

وَفي المُرادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ.

والثّانِي: تَطْهِيرُهُ مِنَ الأدْناسِ.

والثّالِثُ: التَّقْدِيسُ المَعْرُوفُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرادَ ما أضْمَرَهُ إبْلِيسُ مِنَ الِاسْتِكْبارِ والمَعْصِيَةِ فِيما أُمِرُوا بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: مَن في ذُرِّيَّةِ آدَمَ في الأنْبِياءِ والرُّسُلِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ في الأرْضِ ولا يُفْسِدُونَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: ما اخْتَصَّ بِعِلْمِهِ مِن تَدْبِيرِ المَصالِحِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: ما كان في القرآن ﴿ إذ ﴾ فقد كان.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ إني جاعل ﴾ قال: فاعل.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن (جُعِلَ) فهو خُلِقَ.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه ثم قرأ ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها قال الله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان، ففسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث عليهم جنوداً من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كما فعل أولئك الجان فقال الله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، فكان خازناً من خزان الجنة، وخلقت الملائكة كلهم من نور غير ذلك الحي، وخلقت الجن من مارج من نار.

وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت، فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء وقتلوا بعضهم بعضاً، فبعث الله اليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم حتى ألحقهم بجزائر البحور واطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر بنفسه وقال: قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد، فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة.

فقال الله للملائكة ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ فقالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كما أفسدت الجن قال: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ يقول: إني قد أطلعت من قلب ابليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره.

ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم عليه السلام من طين ﴿ لازب ﴾ واللازب اللزج الطيب من ﴿ حمإ مسنون ﴾ منتن، وإنما كان حمأ مسنوناً بعد التراب، فخلق منه آدم بيده، فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، فكان ابليس يأتيه يضربه برجله، فيصلصل فيصوت ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فمه، ثم يقول: لست شيئاً، ولشيء ما خلقت!

ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك.

فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحماً ودماً، فلما انتهت النفخة إلى سرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر.

فهو قول الله: ﴿ خلق الإِنسان من عجل ﴾ .

فلما تممت النفخة في جسده عطس فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ بإلهام من الله فقال الله له «يرحمك الله يا آدم» ، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: ﴿ اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ﴾ لما حدث في نفسه من الكبر فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سناً، وأقوى خلقاً، فأبلسه الله وآيسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي العالية قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن.

فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض.

فمن ثم قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما خلق الله النار ذعرت منها الملائكة ذعراً شديداً وقالوا: ربنا لم خلقت هذه؟

قال: لمن عصاني من خلقي ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة قالوا: يا رب ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟

قال: لا.

إني أريد أن أخلق في الأرض خلقاً، وأجعل فيها خليفة يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ فاجعلنا نحن فيها ﴿ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة.

لما فرغ الله من خلق ما أحب، استوى على العرش فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا.

وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزائن الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازناً، فوقع في صدره كبر وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد أو لمزية لي، فاطلع الله على ذلك منه فقال للملائكة ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ قالوا ربنا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء...

قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة....

﴾ الآية.

قال: إن الله قال للملائكة: إني خالق بشراً، وإنهم متحاسدون فيقتل بعضهم بعضاً ويفسدون في الأرض.

فلذلك قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ قال: وكان إبليس أميراً على ملائكة سماء الدنيا، فاستكبر وهمَّ بالمعصية وطغى، فعلم الله ذلك منه.

فذلك قوله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ وإن في نفس إبليس بغياً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ قال: قد علمت الملائكة وعلم الله أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض.

وأخرج ابن المنذر وابن بطة في أماليه عن ابن عباس قال: إياكم والرأي فإن الله تعالى رد الرأي على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ قالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها...

قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول من لبى الملائكة قال الله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ قال: فزادوه فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك اعتذاراً إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن سابط إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دحيت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت فهي أوّل من طاف به، وهي الأرض التي قال الله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ وكان النبي إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حتى يموتوا فيها، وأن قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح، بين زمزم وبين الركن والمقام» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ قال (التسبيح) التسبيح و(التقديس) الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه الله لملائكته.

سبحان ربي وبحمده وفي لفظ سبحان الله وبحمده» .

وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير «أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الملائكة، فلم يرد عليه شيئاً.

فأتاه جبريل فقال: إن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت» .

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ ونقدس لك ﴾ قال: نصلي لك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ التقديس ﴾ التطهير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ونقدس لك ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح في قوله: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ قال: نعظمك ونمجدك.

وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير في قوله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ قال: كان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون وساكنو الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في الأمل عن الحسن قال: لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: ربنا إن الأرض لم تسعهم قال: إني جاعل موتاً قالوا: إذاً لا يهنأ لهم العيش قال: إني جاعل أملاً.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن حبان في صحيحه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمر «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان؟

فقالوا: ربنا هاروت وماروت...

قال فاهبطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك قالا: والله لا نشرك بالله أبداً.

فذهب عنهما ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي قالا: لا والله لا نقتله أبداً.

فذهبت ثم رجعت بقدح من خمر، فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي.

فلما افاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً ابيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما.

فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا» .

وأخرج ابن سعد في طبقاته وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والحكيم في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض.

جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: خلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة قالوا كيف خلقت قبل وهي من الأرض؟

قال: كانت حشفة على الماء عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها في وسط الأرض، فلما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكاً من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض، فلما هوى ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئاً يكون منه للنار نصيب غداً، فتركها فلما رجع إلى ربه قال: ما منعك أن تأتي بما أمرتك؟

قال: سألتني بك فعظمت أن أرد شيئاً سألني بك، فأرسل ملكاً آخر فقال مثل ذلك حتى أرسلهم كلهم، فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك قال: إن الذي أرسلني أحق بالطاعة منك.

فأخذ من وجه الأرض كلها.

من طيبها، وخبيثها، حتى كانت قبضة عند موضع الكعبة، فجاء به إلى ربه فصب عليه من ماء الجنة، فجاء حمأ مسنوناً، فخلق منه آدم بيده، ثم مسح على ظهره فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثم نفخ فيه الروح، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثب، فتلا أبو هريرة ﴿ خلق الإِنسان من عجل ﴾ .

على ظهره فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثم نفخ فيه الروح، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثب، فتلا أبو هريرة ﴿ خلق الإِنسان من عجل ﴾ .

فلما جرى فيه الروح قعد جالساً فعطس، فقال الله: قل الحمد لله.

فقال: الحمد لله فقال: رحمك ربك، ثم قال: انطلق إلى هؤلاء الملائكة فسلم عليهم فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك.

يا آدم.

أي مكان أحب إليك أن أريك ذريتك فيه؟

فقال: بيمين ربي وكلتا يدي ربي يمين.

فبسط يمينه فأراه فيها ذريته كلهم وما هو خالق إلى يوم القيامة.

الصحيح على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء كلهم على هيئتهم.

فقال: أي رب ألا عافيتهم كلهم؟

فقال: إني أحببت أن أشكر فرأى فيها رجلاً ساطعاً نوره فقال: أي رب من هذا؟

فقال: هذا ابنك داود فقال: كم عمره؟

قال: ستون سنة قال: كم عمري؟

قال: ألف سنة قال: انقص من عنري أربعين سنة فزدها في عمره، ثم رأى آخر ساطعاً نوره ليس مع أحد من الأنبياء مثل ما معه فقال: أي رب من هذا؟

قال: هذا ابنك محمد، وهو أوّل من يدخل الجنة فقال آدم: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يسبقني إلى الجنة ولا أحسده.

فلما مضى لآدم ألف سنة إلا أربعين جاءته الملائكة تتوفاه عياناً قال: ما تريدون؟

قالوا أردنا أن نتوفاك قال: بقي من أجلي أربعون!

قالوا: أليس قد أعطيتها ابنك داود؟

قال: ما أعطيت أحداً شيئاً.

قال أبو هريرة: جحد آدم، وجحدت ذريته، ونسي، ونسيت ذريته.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع ولم يأخذ شيئاً وقال: يا رب إنها أعاذت بك فأعذتها.

فبعث الله ميكائيل كذلك.

فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء، وبيضاء، وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به، فبل التراب حتى صار طيناً ﴿ لازباً ﴾ واللازب: هو الذي يلزق بعضه ببعض ثم قال للملائكة: إني خالق بشراً من طين، فخلقه الله بيده لئلا يتكبر عليه إبليس، فخلقه بشراً سوياً، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعاً إبليس، فكان يمر به فيضربه، فيصوّت الجسد كما يصوّت الفخار يكون له صلصلة فيقول: لأمر ما خلقت!

ويدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه.

فلما بلغ الحين الذي يريد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس فقالت الملائكة: الحمد لله فقال: الحمد لله فقال الله له: يرحمك ربك.

فلما دخلت الروح في عنقه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت إلى جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ إلى رجليه عجلاً إلى ثمار الجنة.

وذلك قوله تعالى ﴿ خلق الإِنسان من عجل ﴾ .

وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: بعث رب العزة إبليس، فأخذ من أديم الأرض: من عذبها، ومالحها، فخلق منها آدم.

فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى السعادة وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من مالحها فهو صائر إلى الشقاء وإن كان ابن نبيين.

قال: ومن ثم قال إبليس: ﴿ أأسجد لمن خلقت طيناً ﴾ ؟

إن هذه الطينة أنا جئت بها.

ومن ثم سمي آدم لأنه أخذ من أديم الأرض.

وأخرج ابن جرير عن علي قال: إن آدم خلق من أديم الأرض.

فيه الطيب، والصالح، والرديء، فكل ذلك أنت راء في ولده.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أبي ذر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن آدم خلق من ثلاث تربات: سوداء، وبيضاء، وحمراء» .

وأخرج ابن سعد في الطبقات وعبد بن حميد وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن سعيد بن جبير قال: خلق الله آدم من أرض يقال لها دحناء.

وأخرج الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً: «الهوى، والبلاء، والشهوة، معجونة بطينة آدم عليه السلام» .

وأخرج الطيالسي وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو يعلي وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما صوّر الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك» ولفظ أبي الشيخ قال: «خلق لا يتمالك ظفرت به» .

وأخرج ابن حبان عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نفخ الله في آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله» .

وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله آدم عطس، فألهمه الله ربه أن قال: الحمد لله قال له ربه: يرحمك الله.

فلذلك سبقت رحمته غضبه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما فرغ الله من خلق آدم وجرى فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فقال له ربه: يرحمك ربك.

وأخرج ابن سعد وأبو يعلي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق آدم من تراب، ثم جعله طيناً، ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنوناً خلقه وصوّره، ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار، وجعل إبليس يمر به فيقول: لقد خلقت لأمر عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه، فكان أوّل شيء جرى فيه الروح بصره وخياشيمه، فعطس فلقنه الله حمد ربه فقال الرب: يرحمك ربك.

ثم قال: يا آدم اذهب إلى أولئك النفر فقل لهم وانظر ماذا يقولون؟

فجاء فسلم عليهم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله، فجاء إلى ربه فقال: ماذا قالوا لك وهو أعلم بما قالوا له؟

قال: يا رب سلمت عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله قال: يا آدم هذه تحيتك وتحية ذريتك، قال: يا رب وما ذريتي؟!

قال: اختر يدي، قال: أختار يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين.

فبسط الله كفه فإذا كل ما هو كائن من ذريته في كف الرحمن عز وجل» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة فاسمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك.

فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله.

فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً، فلم تزل الخلق تنقص حتى الآن» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الكبير عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً بيضاً، جعاداً مكحلين، ابناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم طوله ستون ذراعاً في عرض سبعة أذرع» .

وأخرج مسلم وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة.

فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه مات، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي نضرة قال: لما خلق الله آدم ألقى جسده في السماء لا روح فيه، فلما رأته الملائكة راعهم ما رأوه من خلقه، فأتاه إبليس فلما رأى خلقه منتصباً راعه، فدنا منه فنكته برجله، فصل آدم فقال: هذا أجوف لا شيء عنده.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: خلق الله آدم في سماء الدنيا، وإنما أسجد له ملائكة سماء الدنيا ولم يسجد له ملائكة السموات.

وأخرج أبو الشيخ بسند صحيح عن ابن زيد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما أراد أن يخلق آدم بعث ملكاً والأرض يومئذ وافرة فقال: اقبض لي منها قبضة آتني بها أخلق منها خلقاً قالت: فإني أعوذ بأسماء الله إن تقبض اليوم مني قبضة يخلق خلقاً يكون لجهنم منه نصيب، فعرج الملك ولم يقبض منها شيئاً فقال له: مالك...؟

قال: عاذت باسمائك أن أقبض منها خلقاً يكون لجهنم منه نصيب فلم أجد عليها مجازاً، فبعث ملكاً آخر، فلما أتاها قالت له مثل ما قالت للأوّل، ثم بعث الثالث فقالت له مثل ما قالت لهما، فعرج ولم يقبض منها شيئاً، فقال له الرب تعالى مثل ما قال للذين قبله.

ثم دعا إبليس واسمه يومئذ في الملائكة حباب فقال له: اذهب فاقبض لي من الأرض قبضة، فذهب حتى أتاها، فقالت له مثل ما قالت للذين من قبله من الملائكة، فقبض منها قبضة، ولم يسمع لحرجها، فلما أتاها قال الله تعالى: ما أعاذت بأسمائي منك؟

قال: بلى.

قال: فما كان من أسمائي ما يعيذها منك؟

قال: بلى.

ولكن أمرتني فأطعتك فقال الله: لأخلقن منها خلقاً يسوء وجهك، فألقى الله تلك القبضة في نهر من أنهار الجنة حتى صارت طيناً، فكان أول طين، ثم تركها حتى صارت حمأ مسنوناً منتن الريح، ثم خلق منها آدم، ثم تركه في الجنة أربعين سنة حتى صار صلصالاً كالفخار.

يبس حتى كان كالفخار.

ثم نفخ فيه الروح بعد ذلك، وأوحى الله الى ملائكته: إذا نفخت فيه من الروح فقعوا له ساجدين، وكان آدم مستلقياً في الجنة فجلس حين وجد مس الروح فعطس فقال الله له: أحمد ربك فقال: يرحمك ربك.

فمن هنالك يقال: سبقت رحمته غضبه.

وسجدت الملائكة إلا هو قام فقال: ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ [ الأعراف: 12] فاخبر الله أنه لا يستطيع أن يعلن على الله ما له يكيد على صاحبه فقال: ﴿ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ [ الأعراف: 17] وقال الله: ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ [ سبأ: 20] وإنما كان ظنه أن لا يجد أكثرهم شاكرين» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا  ﴾ .

وقال سيبويه: يقال: سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً بمعنى واحد، فالمصدر: تسبيح، وسبحان اسم يقوم مقام المصدر.

قال: وقال أبو الخطاب الكبير (٨) سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (٩) أي براءةً منه (١٠) وقال النضر: رأيت في المنام كأن إنساناً فسر لي سبحان الله، قال: أما ترى الفرس يسبح، يريد السرعة، سبحان الله: السرعة إليه (١١) ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ (١٢) وقوله تعالى: ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ .

قال المفسرون وأهل المعاني: هذا اعتراف (عن) (١٣) (١٤) (١٥) ولو قالوا: (لا علم لنا بهذا) كان جواباً، ولكن لا يكون متضمناً تعظيم الله والاعتراف بأن جميع علمهم من عنده.

وقيل: إنه تلطّف في طلب علم ما لم يعلموه، وتوبة عن قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ من غير علم لهم بذلك، نبههم الله تعالى بعجزهم عن أسماء الموجودات على أن من جهلها فهو أجهل بأحكام الغائبات، وفي هذا التنبيه إشارة إلى نهيهم عن الحكم لأنفسهم بالطاعة، فإنه لا علم لهم بالعواقب، فإن أمر العواقب (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ ﴾ .

أي العالم غير المعلم (١٨) (١٩) (٢٠) أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي (٢١) (٢٢) (٢٣) قال ابن المظفر (٢٤) (٢٥) ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا  ﴾ .

أي: العلم، والحكم: القضاء بالعدل أيضا.

قال النابغة: وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ...

إِلَى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ (٢٦) فالوصف لله تعالى بأنه (حكيم) يجوز أن يكون بمعنى: محكم كما ذكرنا، ويجوز أن يكون بمعنى: حاكم، كالقدير والقادر، والعليم والعالم، ويكون معناه العالم أو الذي يحكم بالعدل ويقضي به (٢٧) قال الأصمعي: أصل الحكومة: رَدُّ الرجل عن الظلم، ومنه سُمِّيت حَكَمَةُ اللجام، لأنها تَرَدُّ الدابة، قال (٢٨) أَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْرَاتِهَا (٢٩) (٣٠) (٣١) والجِنْثِيُّ: السيف، أي: رد السيف عن عورات (٣٢) (٣٣) قال الأزهري: والعرب تقول: حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْتُ ومَنَعْتُ، ومن هذا قيل للحاكم: حاكم، لأنه يمنع الظالم من الظلم (٣٤) وقال جرير: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ (٣٥) يقول: امنعوهم من التعرض (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (١) في (ج): (قالوا سبحانك).

(٢) في (ب): (أحدا).

(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" من طريق الضحاك عن ابن عباس 1/ 221، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه لابن جرير 1/ 101.

(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ.

(٥) عبارة الفراء: (سبحانك) منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت لله تسبيحا ..) "الزاهر" 1/ 145.

(٦) كلام الفراء في "الزاهر" 1/ 145، وقول الخليل في "تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 160، "البيان" 1/ 72، "الإملاء" 1/ 29.

(٧) في (ج): (ويقوله).

(٨) هو عبد الحميد بن عبد المجيد، أبو الخطاب، الأخفش الكبير النحوي، شيخ سيبويه في النحو، انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي: ص 40، "إنباه الرواة" 2/ 157، "بغية الوعاة" 2/ 74.

(٩) البيت سبق تخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ  ﴾ : 2/ 336.

(١٠) انظر كلام سيبويه في "الكتاب" 1/ 322 - 1/ 324، "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609، والنص من "التهذيب".

(١١) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 2610.

(١٢) سورة البقرة: 30، انظر: 2/ 335 - 337.

(١٣) (عن) في جميع النسخ ولو كانت (من) كان أولى.

(١٤) انظر "تفسير الطبري" 1/ 220، "البحر المحيط" 1/ 147، "ابن كثير" 1/ 79، " البيضاوي" 1/ 21.

(١٥) قوله: (في الكلام مختصرًا) كذا وردت في النسخ الثلاث، وفيها تصحيف، والعبارة في "الوسيط" (فجاء الكلام مختصرًا) وفي الحاشية: في (ب): (فجاء في الكلام)، "الوسيط" 1/ 79.

(١٦) قوله (فإن أمر العواقب) ساقط من (ب).

(١٧) في (ب): (على) وهو أولى.

(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221.

(١٩) (الحكيم) مكرر في (ب).

(٢٠) في (ب): (الأشياء).

(٢١) في (أ)، (ب) (الراعي) وهذا خلاف المشهور في البيت.

(٢٢) البيت لعمرو بن معد يكرب، وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ : 2/ 154.

(٢٣) يريد أن (حكيم) بمعنى: محكم مثل (أليم) بمعنى مؤلم كذا قال الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ.

وانظر: "شرح أسماء الله" للزجاج: ص 52، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي: ص 60.

(٢٤) هو الليث.

انظر كلامه في "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885 (٢٥) في "تهذيب اللغة": (العلم والفقه).

(٢٦) البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح فيها النعمان، ويعتذر إليه مما بلغه عنه فيما وشي إليه به.

وقد ألحقت بالمعلقات السبع لما فيها من الجودة.

يقال: احكم، أي: كن حكيمًا في أمرك مصيبًا في الرأي وهذا هو المعنى المشهور في البيت ذكره الأزهري في "التهذيب" عن ابن السكيت، واستشهد الليث به على أن معنى (احكم) من القضاء بالعدل.

كحكم فتاة الحي إذ أصابت ووضعت الأمر موضعه حينما نظرت إلى الحمام فاحصتها ولم تخطئ في عددها.

ويروى (سراع) و (شراع) بالشين، وهي الواردة للماء.

والثمد: الماء القليل، ورد البيت في "التهذيب" (حكم) 1/ 885، "الصحاح" (حكم) 5/ 1902، "اللسان" (حكم) 2/ 951، "ديوان النابغة" ص 14.

(٢٧) (به) ساقط من (ب).

بهذا المعنى أخذ الطبري في "تفسيره" 1/ 221، وانظر == "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885، "اشتقاق أسماء الله" ص60.

(٢٨) (قال) ساقط من (ب).

(٢٩) في (ب): (عوارتها).

(٣٠) في (ب): (احكم ضل).

(٣١) للبيت روايتان: نصب (الجنثي) ورفع (كل) -وهي رواية الأصمعي التي ذكرها الأزهري- فيكون المراد بالجنثي السيف، وأَحْكَمَ بمعنى: منع ورد، فلم يصل السيف، ومنعه الحرباء، والعورات: الفتوق واحدها عورة، والحِرْبَاء: المسمار في حلق (الدرع)، إذا أكره ليدخل في الحلق سمعت له صليلا.

والرواية الثانية: رفع (الجنثي) ونصب (كل) فيكون المراد بالجنثي: الحداد أو الزراد، ويكون أحكم من الإحكام للصنعة، كذا خرَّجه ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 1030، وانظر "التهذيب" (حكم) 1/ 885، "اللسان" (صلل) 4/ 2486، و (حكم) 2/ 951، "شرح ديوان لبيد": ص 192.

(٣٢) في (ب): (عوارت).

(٣٣) انظر كلام الأصمعي في "التهذيب" (حكم) 1/ 885.

(٣٤) "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885.

(٣٥) تمامه: إني أخاف عليكم أن أغضبا ورد البيت في "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885.

وفيه (بني حنيفة) "الكامل" 3/ 26، وفيه (نهنهوا) بدل (أحكموا)، أي أزجروا، "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 421، "الزاهر" 1/ 503، "مجمل اللغة" (حكم) 1/ 246، "اشتقاق أسماء الله": ص 61، "الصحاح" (حكم) 5/ 1902، و"تفسير الثعلبي" 1/ 62 ب، و"تفسير القرطبي" 1/ 246، "الدر المصون" 1/ 268، "الخزانة" 9/ 236.

(٣٦) "التهذيب" (حكم) 1/ 885.

(٣٧) ذكره أبو عبيد قال: حدثنيه ابن مهدي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم.

"غريب الحديث" 2/ 421، "تهذيب اللغة" 1/ 885.

(٣٨) المراجع السابقة.

(٣٩) أي: أبني حنيفة ..

البيت.

(٤٠) (صاحبه) ساقط من (ب).

(٤١) في (ب): (متحكم).

(٤٢) انظر: "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885.

"الصحاح" (حكم) 5/ 1901.

"المجمل" (حكم) 1/ 246.

"اللسان" (حكم) 2/ 951.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِلْمَلاَئِكَةِ ﴾ جمع ملك واختلف في وزنه فقيل: فَعَل فالميم أصلية، ووزن ملائكة على هذا مفاعلة وقيل: هي من الألوكة وهي الرسالة، فوزنه مفعل ووزنه مألك ثم حذفت الهمزة ووزن ملائكة على هذا مفاعلة، ثم قلبت وأخرت الهمزة فصار مفاعلة وذلك بعيد ﴿ خَلِيفَةً ﴾ هو آدم عليه السلام؛ لأنّ الله استخلفه في الأرض، وقيل ذريته لأنّ بعضهم يخلف بعضاً، والأوّل أرجح، ولو أراد الثاني لقال خلفاء ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ الآية: سؤال محض لأنهم استبعدوا أن يستخلف الله من يعصيه، وليس في اعتراض؛ لأنّ الملائكة منزهون عنه، وإنما علموا أنّ بني آدم يفسدون بإعلام الله إياهم بذلك، وقيل: كان في الأرض جنّ فأفسدوا، فبعث الله إليهم ملائكة فقتلتهم.

فقاس الملائكة بني آدم عليهم ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ ﴾ اعتراف، والتزام للسبيح لا افتخار ﴿ بِحَمْدِكَ ﴾ أي حامدين لك والتقدير: نسبح متلبسين بحمدك، فهو في موضع الحال ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ يحتمل أن تكون الكاف مفعولاً، ودخلت عليها اللام كقولك: ضربت لزيداً، وأن يكون المفعول محذوفاً، أي نقدسك على معنى: ننزهك أو نعظمك، وتكون اللام في ذلك للتعليل أي لأجلك، أو يكون التقدير: نقدس أنفسنا أي نطهرها لك ﴿ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي ما يكون في بني آدم من الأنبياء والأولياء وغير ذلك من المصالح والحكمة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خليفة ﴾ وأشباهها بالإمالة عند الوقف: أبو عمرو وحمزة وعلي والأعشى والبرجمي إلا أن يكون قبلها من الحروف الموانع السبع وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف نحو: خاصة، وفريضة، وحطة، وغلظة، وصبغة، وصاخة، وشقة.

وأما العين والحاء والراء فعلى الاختلاف عند أهل المدينة، فأشدهم إمالة حمزة وعلي، فأما أبو عمرو والأعشى والبرجمي فإنهم يميلون بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ خليفة ﴾ (ط) بناء على أن عامل "إذ" محذوف أي اذكر.

ومن جعل ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" وصل.

﴿ الدماء ﴾ (ج) لأن انتهاء الاستفهام على قوله ﴿ ويسفك الدماء ﴾ يقتضي الفصل، واحتمال الواو لمعنى الحال في قوله ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ يقتضي الوصل ﴿ ونقدس لك ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه).

التفسير: هذا ابتداء الإخبار عن كيفية خلق آدم  وعن كيفية تعظيمه إياه، فينخرط في سلك ما تقدمه من النعم، فإن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء، وإذ ههنا مجرد لمعنى الظرفية أي أذكر وقت قول ربك كقوله ﴿ واذكر أخا عاد إذ أنذر  ﴾ أي وقت إنذاره على أنه بدل من أخا عاد لأن الذكر في ذلك الوقت ممتنع.

والخطاب للنبي  أو لكل واحد من بني آدم، ويجوز أن ينتصب بـ ﴿ قالوا ﴾ فيكون للمجازاة.

والملائكة جمع ملأك وأصله مألك بتقديم الهمزة من الألوكة هي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك، وجمع على فعائل مثل شمأل وشمائل، ثم تركت همزة المفرد لكثرة الاستعمال وألقيت حركتها على اللام.

وإلحاق التاء لتأنيث الجمع نحو حجارة وقد لا تلحق.

واعلم أن الملك قبل النبي  بالشرف والعلية وإن كان بعده في عقولنا وأذهاننا، وقد جعله الله واسطة بينه وبين رسله في تبليغ الوحي والشريعة.

وقدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالأنبياء ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ ولا خلاف بين العقلاء في أن شرف العالم العلوي بالملائكة كما أن شرف العالم السفلي بوجود الأنبياء فيه.

وللناس في حقيقة الملائكة مذاهب: منهم من زعم أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات وهو قول أكثر المسلمين، ومنهم عبدة الأوثان القائلون إن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والإنحاس وأنها أحياء ناطقة، فالمسعدات ملائكة الرحمة والمنحسات ملائكة العذاب.

ومنهم معظم المجوس والثنوية القائلون بالنور والظلمة وإنهما عندهم جوهران حساسان مختاران قادران، متضادا النفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير.

فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر وينفع ولا يمنع ويحيى ولا يبلى، وجوهر الظلمة ضد ذلك، فالنور يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل كتولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة يولد الأعداء وهم الشياطين كتولد السفه من السفيه.

ومنهم القائلون بأنها جواهر غير متحيزة، ثم اختلفوا فقال بعضهم وهم طوائف من النصارى - إنها هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها، فإن كانت صافية خيرة فالملائكة، وإن كانت خبيثة كثيفة فالشياطين.

وقال آخرون - وهم الفلاسفة - إنها مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية، وإنها أكمل قوة وأكثر علماً، ونسبتها إلى النفوس البشرية كنسبة الشمس إلى الأضواء، فمنها نفوس ناطقة فلكية، ومنها عقول مجردة ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الأرضية المدبرة لأحوال العالم السفلي، خيرها الملائكة وشريرها الشياطين ولكل من الفرق دلائل على ما ذهب إليه يطول ذكرها ههنا.

وقد يستدل عليها أصحاب المجاهدات من جهة المكاشفة وأصحاب الحاجات والضرورات من جهة مشاهدة الآثار العجيبة والهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات، كما يحكى أنه كان لجالينوس وجع في الكبد فرأى في المنام كأن امرأ يأمره أن يفصد الشريان الذي على ظهر كفه اليمنى بين السبابة والإبهام ففعل فعوفي، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة.

ولا نزاع ألبتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة وذلك كالأمر المجمع عليه بينهم، وأما شرح كثرتهم فقد قال  "أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع" وروي "إن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء عشر حيوانات البحر وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً قليلاً، وما مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعرف عددهم إلا الله، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل  والملائكة الذين هم جنود جبريل وهم كلهم سامعون مطيعون لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون" وأما أصنافهم فمنهم حملة العرش ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية  ﴾ ومنهم أكابر الملائكة جبرائيل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل صاحب الرزق والغذاء، وإسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل ملك الموت، ومنهم ملائكة الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب  ﴾ ومنهم ملائكة النار ﴿ عليها تسعة عشر  ﴾ ومنهم لموكلون ببني آدم عن اليمين وعن الشمال قعيد.

ومنهم الموكلون بأحوال هذا العالم ﴿ والصافات صفا  ﴾ وأما أوصافهم فكما قال أمير المؤمنين علي  : منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره.

منهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار ركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر.

ثم إنه روى الضحاك عن ابن عباس أنه  إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس، لأن الله  لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً، بعث الله إبليس في جند من الملائكة فأخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر، فقال  لهم ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين: إنه  قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص، لأن لفظ الملائكة يفيد العموم والتخصيص خلاف الأصل.

و ﴿ جاعل ﴾ من جعل الذي له مفعولان، معناه مصير في الأرض خليفة، وإنما لم يقل إني خالق كما قال ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ لأنه باعتبار الخلافة من عالم الأمر لا من عالم الخلق.

والظاهر أن الأرض يراد بها ما بين الخافقين، وقد يروى عن النبي  أن الأرض ههنا أرض مكة التي دحيت الأرض من تحتها.

والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وجمعه خلائف مثل: كريمة وكرائم.

وجاء خلفاء لأنهم جمعوه على إسقاط الهاء مثل: ظريف وظرفاء.

والمراد به آدم  إما لأنه صار خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه، ويروى ذلك عن ابن عباس، وإما لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه كقوله ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق  ﴾ وهو المروي عن ابن مسعود والسدي.

وعن الحسن، أن المراد بالخليفة أبناء آدم لأنه يخلف بعضهم بعضاً ويؤيده قوله ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض  ﴾ وإنما وحد بتأويل من يخلف أو خلفاً يخلف، وبالحقيقة الإنسان يخلف جميع المكونات من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات، ولا يخلفه شيء منها إذ لم يجتمع في شيء منها ما اجتمع فيه.

وليس للعالم مصباح يضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب، والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح ﴿ يكاد زيتها يضيء  ﴾ من صفاء العقل ولو لم تمسسه نار النور، وفي مصباح السر فتيلة الخفاء، فإذا استنار مصباحه بنار نور الله كان خليفة الله في أرضه، فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة واللطف والقهر، ولا تظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك فاعلم.

والفائدة في إخبار الملائكة بذلك، إما تعليم العباد المشاورة في أمورهم وإن كان هو بحكمته البالغة غنياً عن ذلك، وإما ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا.

واعلم أن الجمهور من علماء الدين على أن الملائكة كلهم معصومون عن جميع الذنوب لقوله  ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون  ﴾ فلا شيء من المأمورات بل ومن المنهيات - لأن المنهي مأمور بتركه - إلا ويدخل فيه بدليل صحة الاستثناء وأيضاً لقوله ﴿ بل عباد مكرمون.

لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون  ﴾ ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا أتجعل، والاعتراض على الله من أعظم الذنوب.

وأيضاً نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من أعظم الكبائر.

وأيضاً مدحوا أنفسهم بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ وهو عجب.

وأيضاً قولهم ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ اعتذار والعذر دليل الذنب.

وأيضاً قوله  ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه.

وأيضاً قوله ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾ يدل على أنهم كانوا مرتابين في أنه  عالم بكل المعلومات.

وأيضاً علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي ﴿ ولا تقْفُ ما ليس لك به علم  ﴾ وأيضاً قصة هاروت وماروت وأن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم عصى الله وكفر.

والجواب عن اعتراضهم على الله أن غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار ولا تنبيه الله على شيء لا يعلمه فإن هذا الاعتقاد كفر، وإنما المقصود من ذلك أمور منها: أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رآه يفعل فعلاً لا يهتدي ذلك الإنسان إلى وجه الحكمة فيه، استفهم عن ذلك متعجباً.

فكأنهم قالوا إعطاء هذه النعم العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه دقيق وسر غامض فما أبلغ حكمتك، ومنها أن إبداء الإشكال طلباً للجواب غير محذور، فكأنه قيل: إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ألبتة، وتمكين السفيه من السفه قبيح من الحكيم، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟

وهذا جواب المعتزلة، واستدلوا به على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله  فكانوا على مذهب أهل العدل قالوا: ومما يؤكد ذلك أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق.

وأيضاً قالوا ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ والتسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام ﴿ ونقدس لك ﴾ والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه، ومنها أن الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

فالملائكة نظروا إلى الشرور فأجابهم الله  بقوله ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ أي من الخيرات الكثيرة التي لا يتركها الحكيم لأجل الشر القليل وهذا جواب الحكيم.

ومنها أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله  ، فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه.

ومنها أن قولهم ﴿ أتجعل ﴾ مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً نحو قول موسى ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا  ﴾ أي لا تهلك، فقال  ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ من صلاحكم وصلاح هؤلاء فبين أن الاختيار لهم السماء ولهؤلاء الأرض، ليرضى كل فريق بما أختار الله له.

ومنها أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا؟

أي أنتم كذلك وإلا لم يكن مدحاً، فكأنهم قالوا: إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك لأنا نعلم في الجملة أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فقال  ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل، وأنا أعلم ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار الخفية التي تقتضي إيجادهم.

وفيه أن استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة ولكنه بسابق العناية، وأنه  غني عن طاعة المطيعين كما أنه لا تضره معصية المذنبين.

والجواب عن الغيبة أن من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال، فلذلك ذكروا الفساد والسفك لا للغيبة.

وعن العجب أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ فكأنهم قالوا ما سألناك للقدح في حكمتك يا رب فإنا نعترف لك بالإلهية والحكمة، بل لطلب وجه الحكمة.

وعن الاعتذار، إنه لم يكن للذنب بل لأن ترك السؤال كان أولى.

وروي عن الحسن وقتادة أن الله  لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا: ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقاً إلا كنا خلقاً أعظم منه وأكرم عليه، فلما خلق آدم  وفضله عليهم وعلمه الأسماء كلها قال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في أنه لا يخلق خلقاً إلا وأنتم أفضل منه، ففزعوا إلى التوبة وقالوا ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ثم إن العلماء ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد والسفك وجوهاً منها: أنهم قالوا ذلك ظناً إما لأنهم قاسوهم على حال الجن الذين كانوا قبل آدم  في الأرض وهو مروي عن ابن عباس والكلبي، وإما لأنهم عرفوا خلقته وعلموا أنه مركب من الأركان المتخالفة والأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد وللغضب الذي منه سفك الدماء.

ومنها أنهم قالوا ذلك عن اليقين، ويروى عن ابن مسعود وناس من الصحابة، وذلك أنه  لما قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا وما يكون الخليفة؟

قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً.

فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟

أو أنه  كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، أو لأنه لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك، أو لأن معنى الخليفة إذا كان النائب لله في الحكم والقضاء والاحتياج إلى الحاكم إنما يكون عند التنازع والتظالم، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام وقيل: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا: لم خلقت هذه النار؟

قال: لمن عصاني من خلقي.

ولم يكن يومئذ لله خلق إلا الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق ألبتة.

فلما قال: إني جاعل في الأرض خليفة، عرفوا أن المعصية منهم تظهر.

وأما قصة إبليس وهاروت وماروت فسيجيء الكلام فيها.

واختلف الناس في أن الملائكة لهم قدرة على المعاصي والشرور أم لا.

فالفلاسفة وكثير من أهل الجبر قالوا: إنهم خير محض ولا قدرة لهم على الشر.

والمعتزلة أثبتوا لهم قدرة على الأمرين، لأن قولهم ﴿ أتجعل ﴾ إما معصية أو ترك الأولى، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، وأيضاً قال  ﴿ ومن يقل منهم إني إلّه من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذا يقتضي كونهم مزجورين.

وقال ﴿ لا يستكبرون عن عبادته  ﴾ والمدح بترك الاستكبار إنما يحسن لو كان قدراً على الاستكبار.

ويمكن إلزامهم بأن الثواب عندهم واجب على الله فيمتنع عليه تركه مع أنه يستحق المدح على الثواب.

والواو في ﴿ ونحن نسبح ﴾ للحال كقولك "أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان" والتسبيح تبعيد الله من السوء وكذا التقديس، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها أو أبعد.

والتبعيد عن السوء إما في الذات ويحصل بنفي الإمكان المستلزم لنفي الكثرة المستلزمة لنفي الجسمية والعرضية والضد والند، وإما في الصفات بأن يكون مبرءاً عن العجز والجهل والتغيرات محيطاً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات، وإما في الأفعال بأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار، يقول الله تعالى: أنا المنزه عن النظير والشريك  هو الواحد القهار، أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض، أنا المدبر لكل العالمين، سبحان الله رب العالمين أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون، أنا الغني عن الكل  هو الغني، أنا السلطان الذي كل شيء سواي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، أنا المنزه عن الصاحبة والولد  أنى يكون له ولد، أنا الذي أخلق الولد من غير أب  ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون  ﴾ ، أنا الذي سخرت الأنعام القوية للبشر الضعيف ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين  ﴾ أنا الذي أعلم لا بعلم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ أنا الذي أغفر معصية سبعين سنة بتوبة ساعة ﴿ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس  ﴾ فإن أردت رضوان الله فسبح ﴿ ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى  ﴾ وإن أردت الخلاص من النار فسبح ﴿ سبحانك فقنا عذاب النار  ﴾ وإن أردت الفرج من البلاء فسبح ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ أيها العبد، واظب على تسبيحي ﴿ وسبحوه بكرة وأصيلاً ﴾ } [الأحزاب: 42] وإلا فالضرر يعود إليك ﴿ فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون  ﴾ يسبح لي الحجر والمدر والرمال والجبال والشجر والدواب والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام ﴿ سبح لله ما في السموات والأرض  ﴾ ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ أيها العبد، أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح، ولا أضيع ثواب هذه التسبيحات، فإن ذلك لا يليق بي ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً  ﴾ لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك لتعرف أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته "وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء" أيها العبد أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون  ﴾ فإنك إذا ذكرتني في الخلوات ذكرتك في الفلوات ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً  ﴾ أقرضني وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة ﴿ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم  ﴾ لا حاجة لي إلى العسكر ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم  ﴾ ولكن إذا نصرتني نصرتك ﴿ إن تنصروا الله ينصركم  ﴾ اخدمني ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم  ﴾ لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك ﴿ ولله ملك السموات والأرض  ﴾ ولكن أصرف في خدمتي عمراً قصيراً لتنال ملكاً كبيراً وخيراً كثيراً ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ .

قوله ﴿ بحمدك ﴾ في موضع الحال أي نسبحك ملتبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك.

وسئل رسول الله  أي الكلام أفضل؟

فقال: ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده.

ويروى أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا ينام ولا يموت.

وعن ابن عباس وابن مسعود: نسبح أي نصلي، والتسبيح الصلاة.

وعن مجاهد: نقدس لك نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك.

وقيل: ظهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ معناه لا تعجبوا ولا تغتموا بأن فيهم من يفسد ويسفك فإني أعلم أن فيهم من لو أقسم على الله لأبرَّه، وأعلم أن معكم إبليس وفي قلبه من الحسد والكبر والنفاق ما فيه، أو أنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فأنتم في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي.

اصبروا حتى أخلق البشر فيكون فيهم من يعبدونني ثم يخشونني، يودون حق العبادات ثم لا يتكلمون على تلك الطاعات ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ ﴿ والذين هم من خشية ربهم مشفقون ﴾ \[المؤمنون: 57\] ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين  ﴾ ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ أو أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم، ولكم في هذا الإجمال ما يغنيكم عن التفصيل، فإن أفعالي كلها حكمة ومصلحة، وإن خفي عليكم وجه كل واحد على أنه قد بين لهم بعض ذلك في قوله: ﴿ وعلم ءادم الأسماء.........

﴾ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .

كأن هذا - والله أعلم - يخرج جواباً على أثر قول قاله الكفرةُ لرسول الله  - على ما ذكره بعض أَهل التأْويل - فقالوا: ما يستحي ربك أَن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه، وملوكُ الأَرض لا يذكرون ذلك، ويستحيون؟

فقال عز وجل جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى...

﴾ الآية.

لأَن ملوك الأَرض إنما ينظرون إلى هذه الأَشياءِ بالاسحقار لها، والاستذلال؛ فيستحيون ذكرها على الإنكاف، والأَنَفَة.

والله - عز وجل - لا يستحيى عن ذلك؛ لأَن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله  وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم، أَكبر من الكبارِ منها والعظام؛ لأَن الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والأَنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قَدروا، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأَجسام والكبار منها.

فأُولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة، ولكن نظروا للحقارة، والخساسة أنفاً منهم وإِنكافاً.

ثم اختلف أَهل الكلام في إضافة الحياءِ إِلى الله  : فقال قوم: يجوز ذلك بما رُوي في الخبر: "أَن الله يستحيى أَن يعذب من شاب فى الإسلام" ولأنه يجوز كالتكبر، والاستهزاءِ، والمخادعة، وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم.

وقال آخرون: لا يجوز إضافته إلى الله  ؛ لأَن تحته الإِنكاف والأَنفه، وذلك عن الله  مَنْفِيٌّ، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا، والحياء الترك؛ أَي: لا يترك ولا يدع.

وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .

أي: علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأَجسام والجثة حق؛ لما نظروا إلى ما فيها من الأُعجوبة والحكمة واللطافة.

وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ .

لم ينظروا فيها لما فيها من الأُعجوبة والحكمة، ولكن نظروا للخساسة والحقارة.

وقوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ﴾ .

الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنه جواب قولهم: ﴿ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ فقال: أَرَاد أَن يضل بهذا المثل كثيراً، وأَراد أن يهدي به كثيراً، أَضل به من علم منه أَنه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أَنه يختار الهدى، أراد من كل ما علم منه أَنه يختار ويُؤثر، والله أَعلم.

وهم يقولون: بل أَراد أن يهدي به الكلَّ ولكنهم لم يهتدوا.

والثاني: يُضلُّ به كثيراً؛ أَي: خَلَقَ فِعْلَ الضلالة من الضال، وخلقَ فعل الاهتداءِ من المُهتدِي.

وقد ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .

أي: ما يُضِل بهذا المثَل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأُعجوبة واللطافة في الدلالة.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ ﴾ .

عهد الله يكون على وجهين: عهدُ خِلْقةٍ؛ لما يشهد خَلْقه كُلُّ أحدٍ على وحدانية الرب؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ...

﴾ الآية [الروم: 8].

إنه إن نظر في نفسه وتأَمل عرف أَن له صانعاً وأَنه واحد لا شريك له.

وعَهْدُ رسالةٍ على أَلْسِنة الأَنبياءِ والرسل عليهم السلام؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [آل عمران: 187].

فنقضوا العهدين جميعاً؛ عهدَ الخلقة، وعهد الرسالة.

وقوله: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ .

يَحْتَمِل وجهين: يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أُمروا بالوصل؛ كقوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ .

وقيل: يقطعون ما أمر الله أَن يوصل من صلة الأرحام.

وقوله: ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ .

وقيل: يفسدون، أي: يتعاطَوْن بِأنفسهم في الأَرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً  ﴾ .

وقوله: ﴿ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ .

يحتمل أَيضاً وجهين: خسروا لما فات عنهم، وذهب من المنى والأَماني في الدنيا.

ورُوي عن الحسن أَنه قال في قوله: ﴿ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ : أي: قذفوا أَنفسهم - باختيارهم الكفر - بين أَطباق النار؛ فذلك هو الخسران المبين.

وقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: "كيف": من أَين ظهرت لكم الحجةُ أَن تعبدوا من دون الله من الأَصنام وغيرها أَنه حق، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت، ولا الإِماتةُ بعد الإِحياءِ؟

وقيل: كيف تكفرون بالبعث بعد الموت ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ يعني نُطَفاً ﴿ فَأَحْيَٰكُمْ ﴾ ، وأَنتم لا تنكرون إنشاء الأَول فكيف تنكرون البعث والإِحياء بعد الموت؟

وقيل: كيف تكفرون بالإِحياءِ والبعث بعد الموت، وفي العقل أن خَلْقَ الخلْق للإِفناءِ والإماتة من غير قصد العاقبةِ عبثٌ ولعبٌ؛ لأَن كل بانٍ بنى للنقض فهو عابث، وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل، فكيف تجعلون فعله عز وجل؛ إذ لو لم يجعل للخلق داراً للجزاءِ، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثاً هازلاً خارجاً من الحكمة؟!

 عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

أَي: تعلمون أَنكم تُرجَعون إليه، وكذلك المصير والمآب.

والثاني: ترجعون إلى ما أعَدَّ لَكُم من العذاب.

احتج عليهم بما أَخبرهم الله أَنه أَنشأَهم بعد الموتة الأُولى، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأُخرى ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ كأَنه يقول: ثم اعلموا أَنكم إليه ترجعون.

قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .

قيل: إنه صلة قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ أي: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته؛ لأَنه ليس شيء من الأرض إلا وفيه دلالة وحدانيته.

ويحتمل: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأَرض نعيماً من غير أَن كان وجب لكم عليه حق من ذلك لتشكروا لَهُ عليها، فكيف وجََّهتم أنتم الشكر فيها إلى غيره؟

ويحتمل ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : محنة يمتحنكم بها في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث؟!

وفي بيان حكمةِ خلق الخلق في الدنيا للفناءِ، والإحياء للآخرة - حكمةٌ، وفي إنكارها ذهاب الحكمة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: استوى إلى الدخان؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ  ﴾ .

وقيل: استوى: تمَّ؛ كقوله: ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ  ﴾ أي: تَمَّ.

وقيل: استوى: أَي: استولى.

والأَصل عندنا في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ و ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ، وغيرها من الآيات من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ...

﴾ الآية [الفجر: 22]، وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [البقرة: 210] من الآيات التي ظنت المشبِّهةُ أَن فيها تحقيق وصف الله  بما يستحق كثيرٌ من الخلق الوصفَ به على التشابه.

في الحقيقة إنها تحتمل وجوهاً: أحدها: أَنْ نَصِفَهُ بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أَنه لا يشبه على ما ذُكر من الفعل فيه بغيره؛ لأنك بالجملة تعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يجوز أَن يكون له مثل في شيء؛ إذ لا يوجد حدثه فيه، أَو قدم ذلك الشيء من الوجه الذي أشبه الله.

وذلك مدفوع بالعقل والسمع جميعاً، مع ما لم يجز أَن يقدر الصانع عند الوصف بالفعل كغيره، وأنه حي، قدير، سميع، بصير، نفى ما عليه أمر الخلق لما يصير بذلك أَحد الخلائق.

وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أَمر السمع والتنزيل على ما أَراد الله.

وبالله التوفيق.

والثاني: أَن يمكن فيه معان تُخرِج الكلام مَخْرج الاختصار والاكتفاءِ بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان، وذلك نحو قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ  ﴾ أَي: بالملك.

وذلك كقوله: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ...

 ﴾ أَي: بربك ﴿ فَقَاتِلاۤ ﴾ ؛ إذ معلوم أَنّه يقاتل بربه؛ ففهم منه ذلك.

وكذلك معلم أَن الملائكة يأتُون، فكأنه بين ذلك.

يدل عليه قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وكذلك ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية: [البقرة: 210].

ومما يوضح أَنه لم يكن أَحدٌ اعتقد أَو تصوَّر في وهْمِه النظرُ لإتيان الربِّ ومجيئه، ولا كان بنزوله وعد بنظر.

وكان بِنزولِ الملائِكة؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ...

﴾ الآية [الفرقان: 22]، وقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ  ﴾ .

فيما ذكرنا عظيمُ أَمرهم، وجليلُ شأْنهم، ومثله في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ  ﴾ مع ما له وجهان: أَحدهما: أَن يكون معنى العرش الْملك والاستواءُ التام الذي لا يوصف بنقصان في ملك، أَو الاستيلاءُ عليه، وألا سلطان لغيره، ولا تدبير لأَحد فيه.

والثاني: أَن يكون العرش أَعلى الخلق وأَرفعه.

وكذلك تقدرُه الأَوهام؛ فيكون موصوفاً بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأَنه على ما كان قبل كون الأَمكنة، وهو فوق كل شيءٍ؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال عن الأَمكنة، ولا قوة إلا بالله.

وأَصله ما ذكرنا: ألا نُقَدِّرَ فعلَه بفعل الخلق، ولا وصفه بوصف الخلق؛ لأَنه أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

مرة قال: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ الآية [فصلت: 12]، ومرة قال: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

وكله يرجع إلى واحد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالوا -مُعْترِفين بنقصهم مُرْجِعين الفضل إلى الله-: نُنَزّهُك ونعظِّمك يا ربَّنا عن الاعتراض عليك في حُكمك وشرعك، فنحن لا نعلم شيئًا إلا ما رزقتنا علمه، إنك أنت العليم الَّذي لا يخفى عليك شيء، الحكيم الَّذي تضع الأمور في مواضعها من قدرك وشرعك.

<div class="verse-tafsir" id="91.9zELn"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أجمعت الأمة الإسلامية على أن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقات، وقد قام البرهان العقلي والبرهان النقلي على هذه العقيدة فكانت هي الأصل المحكم في الاعتقاد الذي يجب أن يرد إلى غيره، وهو التنزيه، فإذا جاء في نصوص الكتاب أو السنة شيء ينافي ظاهره التنزيه، فللمسلمين فيه طريقتان.

إحداهما: طريقة السلف وهي التنزيه الذي أيد العقل فيه النقل كقوله تعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ وقوله  ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  ﴾ وتفويض الأمر إلى الله تعالى في فهم حقيقة ذلك، مع العلم بأن الله يعلمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا وأحوالنا، ويأتينا في ذلك بما يقرب المعاني من عقولنا ويصورها لمخيلاتنا.

والثانية:طريقة الخلف وهي التأويل، يقولون: إن قواعد الدين الإسلامي وضعت على أساس العقل فلا يخرج شيء منها عن المعقول، فإذا جزم العقل بشيء وورد في النقل خلافه يكون الحكم العقلي القاطع قرينة على أن النقل لا يراد به ظاهره ولا بد له من معنى موافق يحمل عليه فينبغي طلبه بالتأويل.

وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته وعالم الغيب.

وإننا نسير في فهم الآيات على كلا الطريقتين لأنه لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها لأن الله  لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى.

أما الملائكة فيقول السلف فيهم إنهم خلق أخبرنا الله تعالى بوجودهم وببعض عملهم، فيجب علينا الإيمان بهم، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقتهم، فنفوض علمها إلى الله تعالى، فإذا ورد أن لهم أجنحة نؤمن بذلك ولكننا نقول إنها ليست أجنحة من الريش ونحوه كأجنحة الطيور، إذ لو كانت كذلك لرأيناها، وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالم الجسمانية كالنبات والبحار فإننا نستدل بذلك على أن في الكون عالمًا آخر ألطف من هذا العالم المحسوس وأن له علاقة بنظامه وأحكامه، والعقل لا يحكم باستحالة هذا بل يحكم بإمكانه لذاته، ويحكم بصدق الوحي الذي أخبر به.

وقد بحث أناس في جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم ولكن من وقفهم الله تعالى على هذا السر قليلون، والدين وإنما شرع للناس كافة، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم به كاد يكون من تكليف ما لا يطاق، ومن خصه الله تعالى بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء، فقد ورد في الصحيح عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في هذا العلم الديني الخاص، وقد سئل هل خصكم رسول الله  بشيء من العلم فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن إلخ..

وأما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من شؤون الله تعالى مع ملائكته صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا، وإن هناك معاني قصدت إفادتها بهذه العبارات، وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وأنه كان يعد له الكون، وشأن من الملائكة يتعلق بخلق نوع الإنسان، وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع وفضله.

وأما الفائدة فيما وراء البحث في حقيقة لملائكة وكيفية الخطاب بينهم وبين الله تعالى فهي من وجوه.

أحدها-أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال والتوجه إلى الله تعالى في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها، كالبحث العملي والإلهام الإلهي وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروفة لأحد من البشر فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك.

ثانيها-إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع لإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلًا.

ثالثها-إن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم لإقامة الدليل، بعد الإرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه.

رابعها-تسلية النبي  عن تكذيب الناس، ومحتاجهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين، وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها.

وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب وكونه لا ريب فيه وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده وفي اختلاف الناس فيهما، ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها مع كون الجميع في سياق موضوع واحد.

وأما الخلف فمنهم من تكلم في حقيقة الملائكة ووضع لهم تعريفًا ومنهم من أمسك عن ذلك، وقد اتفقوا على أنهم يدركون ويعلمون.

والقصة على مذهبهم وردت مورد التمثيل لتقرب من أفهام الخلق ما تفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية، وما لها من المكانة والخصوصية: أخبر الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، ففهموا من ذلك أن الله يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة أن يكون ذا إرادة مطلقة واختيار في عمله غير محدود، وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التي تعن له يكون بحسب علمه، وأن العلم إذا لم يكن محيطًا بوجوه المصالح والمنافع يوجه الإرادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد، وهو متعين لازم الوقوع، لأن العلم المحيط لا يكون إلا لله تعالى، فعجبوا كيف يخرق الله هذا النوع من الخلق وسألوا الله تعالى بلسان المقال إن كانوا ينطقون، أو بلسان الحال والتوجه إليه لاستفاضة المعرفة بذلك وطلب البيان والحكمة، وعبر الله عن ذلك بالقول لأنه هو المعهود بالاستعلام والاستفهام عند البشر الذين أنزل القرآن لهدايتهم، كما نسب القول إلى السموات والأرض في قوله ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ .

فأول ما ألقى إليهم من الإلهام أو غيره من طرق الإعلام وهو وجوب الخضوع والتسليم، لمن هو بكل شيء عليم، لأن ما يضيق عنه علم أحد ويحار في كيفيته يتسع له علم من هو أعلم منه، ومن شأن الإنسان أن يسلم لمن يعتقد أنه فوقه في العلم ما يتصدى له مهما يكن بعيد الوقوع في اعتقاده، كما هو حال مشايخ الصوفية مع مريديهم.

ومن ذلك اعتقاد جماهير الناس في بلاد الحضارة والصناعات في هذا العصر إمكان أمور وأعمال لم يكن أحد يتصور إمكانها من قبل إلا بعض كبار علماء النظر، فإذا قيل إنهم يحاولون عمل كذا فإنهم يصدقونهم، وإن لم يعقلوا كيف يعملونه.

فإن الذين يصنعون سلكًا لنقل الأخبار بالكهرباء إلى الأماكن البعيدة في دقيقة أو دقائق قليلة يصدقون بأنهم يوصلون تلك الأخبار من غير سلك، وقد كان، ويصدقون بإمكان إيجاد آلة تجمع بين نقل الصوت ورؤية المتكلم وهو ما يحاولون الآن، وإذا قال لنا أهل هذه الصناعة إن ذلك ممكن الحصول صدقناهم فيما يقولون من غير تردد، وليس تصديقنا تقليدًا ولا تسليمًا أعمى كما يقال، بل هو تصديق عن دليل ركنه قياس ما يكون على ما قد كان بعد العلم بوحدة الوسائل.

والملائكة أعلم منا بشأن الله في أفعاله وأنه العليم الحكيم، فهم وإن فاجأهم العجب من خلق الخليفة يردهم إلى اليقين أدنى التنبيه، ولذلك كان قوله تعالى ﴿ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ جوابًا مقنعًا أي إقناع.

على أن هذا النوع من التسليم للعالم القادر ربما لا يذهب بالحيرة ولا يزيل الاضطراب من نفس المتعجب وإنما تسكن النفس ببروز ذلك الأمر الذي كانت تعجب من بروزه إلى عالم الوجود ووقوفها على أسراره وحكمه بالفعل، ولذلك تفضل الله تعالى على الملائكة بإكمال علمهم بحكمته في خلق هذا الخليفة الإنساني وسره عند طلوع فجره فعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي، فعلموا أن في فطرة هذا الخليفة واستعداده علم ما لم يعلموا، وتبين لهم وجه استحقاقه لمقام الخلافة في الأرض، وأن كل ما يتوقع من الفساد وسفك الدماء لا يذهب بحكمة الاستخلاف وفائدته ومقامه، وناهيك بمقام العلم وفائدته، وسر العالم وحكمته.

فعلمنا أن السلف والخلف متفقون على تنزيه الله تعالى عما لا يليق به من شؤون المخلوقين، وعصمة ملائكته عما لا يليق بهم من الاعتراض أو الإنكار، فلا فرق في هذه النتيجة بين تفويض وتسليم وتأويل وتفهيم، والله بكل شيء عليم، وهناك تفسير الآيات بالتفصيل.

قد علمت مما تقدم أن الآيات متصلة بما قبلها من الكلام في الكتاب ومن جاء به ومن دعا إليه، فهي تجلي حجة الرسول ودعوته من حيث إن الملائكة إذا كانوا محتاجين إلى العلم ويستفيدونه بالتعلم من الله تعالى بالطريقة التي تناسب حالهم فالبشر أولى بالحاجة إلى ذلك منهم، لأن طبيعة البشر جبلت على أن يكتسبوا كل شيء اكتسابًا، وهي من جهة أخرى تسلية له  ببيان أن البشر أولى من الملائكة بإنكار ما لم يحيطوا بعلمه حتى يعلموا، وأنهم جبلوا على أن يتوبوا ويرجعوا بعد أن يخطئوا ويذنبوا، وأن الإفساد في الأرض وجحود الحق ومناصبة الداعي إليه ليس بدعًا من قومه، وإنما هو جبلة أهل الفكر وطبيعة البشر.

ثم إن المفسرين في "الخليفة" مذهبين: ذهب بعضهم إلى أن هذا اللفظ يشعر بأنه كان في الأرض صنف أو أكثر من نوع الحيوان الناطق، وأنه انقرض، وأن هذا الصنف الذي أخبر الله الملائكة بأن سيجعله خليفة في الأرض سيحل محله ويخلفه، كما قال بعد ذكر إهلاك القرون ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ  ﴾ وقالوا: إن ذلك الصنف البائد قد أفسد في الأرض وسفك الدماء، وإن الملائكة استنبطوا سؤالهم بالقياس عليه، لأن الخليفة لا بد أن يناسب من يخلفه ويكون من قبيله كما يتبادر إلى الفهم، ولكن لما لم يكن دليل على أنه يكون مثله من كل وجه، وليس ذلك من مقتضى الخلافة، أجاب الله الملائكة بأنه يعلم ما لا يعلمون مما يمتاز به هذا الخليفة على من قبله، وما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة..

وإذا صح هذا القول فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض، وإنما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة أو الطوائف البائدة منه في الذات والمادة وتخالفها في بعض الأخلاق والسجايا.

هذا أحسن ما يجلى فيه هذا المذهب، وأكثر ما قالوه فيه قد سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس وخرافاتهم، ومنه أنه كان في الأرض قبل آدم خلق يسمون بالحِنّ والبِنّ، أو الطم والرم، والأكثرون على أن الخلق الذين كانوا في الأرض قبل آدم مباشرةً كانوا يسمون الجن، والقائلون منهم بالحن (بالمهملة) والبن قالوا إن هؤلاء عاثوا في الأرض فسادًا فأبادهم الله (كما تقدم آنفًا) وقالوا إن الله تعالى أرسل إليهم إبليس في جند من الملائكة فحارب الجن فدمرهم وفرقهم في الجزائر والبحار.

وليس لهم في الإسلام سند يحتج به على هذه القصص، ولكن تقاليد الأمم الموروثة في هذه المسألة تنبئ بأمر ذي بال، وهي متفقة فيها بالإجمال، ألا وهو ما قلناه من أن آدم ليس أول الأحياء العاقلة التي سكنت الأرض.

هذا هو المذهب الأول في تفسير الخليفة.

وذهب الآخرون إلى أن المراد أني جاعل في الأرض خليفة عني، ولهذا شاع أن الإنسان خليفة الله في أرضه، وقال تعالى ﴿ يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ  ﴾ والظاهر والله أعلم أن المراد بالخليفة آدم ومجموع ذريته ولكن ما معنى هذه الخلافة وما المراد من هذا الاستخلاف؟

هل هو استخلاف بعض الإنسان على بعض أم استخلاف النوع على غيره؟

جرت سنة الله في خلقه بأن تعلم أحكامه للناس وتنفذ فيهم على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه في ذلك وكما أن الإنسان أظهر أحكام الله وسننه، الوضعية، أي الشرعية لأن الشرع وضع إلهي، كذلك أظهر حكمه وسننه الخلقية الطبيعية فيصح أن يكون معنى الخلافة عامًا في كل ما ميز الله به الإنسان على سائر المخلوقات: نطق الوحي ودل العيان والاختبار على أن الله تعالى خلق العالم أنواعًا مختلفة، وخص كل نوع غير نوع الإنسان بشيء محدود معين لا يتعداه، فأما ما لا نعرفه إلا من طريق الوحي كالملائكة فقد ورد في الآيات والأحاديث ما يدل على أن وظائفه محدود قال تعالى ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ  ﴾ .

﴿ وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ  وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ  ﴾ .

﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًا  فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا  ﴾ .

﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا  والنَّاشِطَاتِ نَشْطًا  والسَّابِحَاتِ سَبْحًا  فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا  فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا  ﴾ على قول من قال إن المراد بها الملائكة، إلى غير ذلك مما يدل على أنهم طوائف لكل طائفة وظيفة محدودة، ورد في الأحاديث أن منهم الساجد دائمًا والراكع دائمًا إلى يوم القيامة.

وأما ما نعرفه بالنظر والاختبار فهو حال المعدن والجماد ولا علم له ولا عمل، وحال النبات وإنما تأثير حياته في نفسه، فلو فرض أن له علمًا وإرادة فهما لا أثر لهما في جعل عمل النبات مبينًا لحكم الله وسننه في الخلق، ولا وسيلة لبيان أحكامه وتنفيذها، فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية فإن له استعدادًا محدودًا، وعلمًا إلهاميًا محدودًا، وعملًا محدودًا، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه وإرادته، ولا حصر لأحكامه وسننه، ولا نهاية لأعماله وتصرفه.

وأما الإنسان فقد خلقه الله ضعيفًا كما قال في كتابه ﴿ وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا  ﴾ وخلقه جاهلًا كم قال ﴿ واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا  ﴾ ولكنه على ضعفه عبرة لمن يعتبر، وموضع لعجب المتعجب، لأنه مع ضعفه يتصرف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأسماء، يولد الحيوان عالمًا بالإلهام ما ينفعه وما يضره، وتكمل له قواه في زمن قليل، ويولد الإنسان وليس له من الإلهام إلا الصراخ بالبكاء، ثم يحس ويشعر بالتدريج البطيء بالنسبة إلى غيره من الحيوان، ويعطي قوة أخرى تتصرف بشعوره وإحساسه تصرفًا يكون له به السلطان على هذه الكائنات، فيسخرها ويذللها بعد ذلك كما تشاء تلك القوة الغريبة، وهي التي يسمونها العقل ولا يعقلون سرها، ولا يدركون حقيقتها وكنهها، فهي التي تغني الإنسان عن كل ما وهب للحيوان في أصل الفطرة من الكساء الذي يقيه البرد والحر، والأعضاء التي يتناول بها غذاءه والتي يدافع بها عن نفسه ويسطو بها على عدوه، وغير ذلك من المواهب التي يعطاها الحيوان بلا كسب، حتى كان له بها من الاختراعات العجيبة ما كان وسيكون له من ذلك ما لا يصل إليه التقدير والحسبان.

فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه في الكون تصرفًا لا حد له بإذن الله وتصريفه، وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب والأحكام الطبيعية ليظهر بها أسرار خليفته، وملكه الأرض وسخر له عوالمها - أعطاه أحكامًا وشرائع حد فيها لأعماله وأخلاقه حدًا يحول دون بغي أفراده وطوائفه بعضهم على بعض، فهي تساعده على بلوغ كماله لأنها مرشد ومربٍ للعقل الذي كان له كل تلك المزايا فلهذا كله جعله خليفته في الأرض وهو أخلق المخلوقات بهذه الخلافة.

ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض، ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فهو يتفنن ويبتدع، ويكتشف ويخترع، ويجد ويعمل، حتى غير شكل الأرض فجعل الحزن سهلًا، والماحل خصبًا، والخراب عمرانًا، والبراري بحارًا أو خلجانًا، وولد بالتلقيح أزواجًا من النبات لم تكن كالليمون المسمى "يوسف أفندي"، فإن الله تعالى خلقه بيد الإنسان وأنشأه بكسبه، وقد تصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية والتوليد، حتى ظهر التغير في خلقتها وخلائقها وأصنافها، فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهلي والوحشي، وهو ينتفع بكل نوع منها ويسخره لخدمته كما سخر القوى الطبيعية وسائر المخلوقات.

أليس من حكمة الله، الذي أعطی کل شيء، خلقه ثم هدی، أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض، يقيم سننه: ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته و بدائع حكمه ومنافع أحكامه؟

وهل وجدت آية على كمال الله تعالى وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم؟

وإذا كان الإنسان خليفة بهذا المعنى فكيف تعجب الملائكة منه؟.

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ بادروا إلى السؤال واستفهام الاستغراب ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ  ﴾ فيغفل بذلك عن تسبيحك وتقديسك ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  ﴾ بلا غفلة ولا فتور؟

لا شك أن هذا السؤال نشأ من فهم المعنى المراد من الخليفة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة المطلقة، وكون هذا العلم المصرف للإرادة لا يحصل إلا بالتدريج ، وكون عدم الإحاطة مدعاة للفساد، والتنازع المفضي إلى سفك الدماء كما تقدم.

نعم إن هذا العلم الواسع لا يعطاه فرد من أفراد الإنسان ولا مجموع النوع دفعة واحدة فيشابه علمه الله تعالى، وكلها أوتي نصيبًا منه ظهر له من جهله ما لم يكن يعلم، وكلما أعطي حظًا من الأدب والعقل ظهر له ضعف عقله، ولله در الشافعي حيث قال: کلما أدبني الــدهـ ـر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي فهو على سعة علمه لم يؤت من العلم الإلهي إلا قليلًا، وهو مع ذلك أوسع مظاهر العلم الإلهي، ولذلك أجاب الله الملائكة بالعلم ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ فأثبت لذاته العلم بحكمة هذه الخلافة ونفاه عنهم، ثم أظهر لهم أن الإنسان يكون خليفة بالعلم وما يتبعه فقال: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل