تفسير الآية ٤٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٤٨ من سورة البقرة

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٤٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 177 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤٨ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكرهم [ الله ] تعالى بنعمه أولا عطف على ذلك التحذير من حلول نقمه بهم يوم القيامة فقال : ( واتقوا يوما ) يعني يوم القيامة ( لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) أي : لا يغني أحد عن أحد كما قال : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) [ الأنعام : 164 ] ، وقال : ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) [ عبس : 37 ] ، وقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) [ لقمان : 33 ] ، فهذه أبلغ المقامات : أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا ، وقوله تعالى : ( ولا يقبل منها شفاعة ) يعني عن الكافرين ، كما قال : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) [ المدثر : 48 ] ، وكما قال عن أهل النار : ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ) [ الشعراء : 110 ، 111 ] ، وقوله : ( ولا يؤخذ منها عدل ) أي : لا يقبل منها فداء ، كما قال تعالى : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ) [ آل عمران : 91 ] وقال : ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ) [ المائدة : 36 ] وقال تعالى : ( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) [ الأنعام : 70 ] ، وقال : ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ) الآية [ الحديد : 15 ] ، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه ، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه ، ولا يقبل منهم فداء ، ولو بملء الأرض ذهبا ، كما قال تعالى : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) [ البقرة : 254 ] ، وقال ( لا بيع فيه ولا خلال ) [ إبراهيم : 31 ] .

[ وقال سنيد : حدثني حجاج ، حدثني ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قال ابن عباس : ( ولا يؤخذ منها عدل ) قال : بدل ، والبدل : الفدية ، وقال السدي : أما عدل فيعدلها من العذاب يقول : لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ] .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : ( ولا يؤخذ منها عدل ) يعني : فداء .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي مالك ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحو ذلك .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه عن علي - رضي الله عنه - في حديث طويل ، قال : والصرف والعدل : التطوع والفريضة .

وكذا قال الوليد بن مسلم ، عن عثمان بن أبي العاتكة ، عن عمير بن هانئ .

وهذا القول غريب هنا ، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية ، وقد ورد حديث يقويه ، وهو ما قال ابن جرير : حدثني نجيح بن إبراهيم ، حدثنا علي بن حكيم ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عمرو بن قيس الملائي ، عن رجل من بني أمية - من أهل الشام أحسن عليه الثناء - قال : قيل : يا رسول الله ، ما العدل ؟

قال : العدل الفدية .

وقوله تعالى : ( ولا هم ينصرون ) أي : ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله ، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه ولا يقبل منهم فداء .

هذا كله من جانب التلطف ، ولا لهم ناصر من أنفسهم ، ولا من غيرهم ، كما قال : ( فما له من قوة ولا ناصر ) [ الطارق : 10 ] أي : إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ، ولا يجيره منه أحد ، كما قال تعالى : ( وهو يجير ولا يجار عليه ) [ المؤمنون : 88 ] .

وقال ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ) [ الفجر : 25 ، 26 ] ، وقال ( ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ) [ الصافات : 25 ، 26 ] ، وقال ( فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم ) الآية [ الأحقاف : 28 ] .

وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله : ( ما لكم لا تناصرون ) ما لكم اليوم لا تمانعون منا ؟

هيهات ليس ذلك لكم اليوم .

قال ابن جرير : وتأويل قوله : ( ولا هم ينصرون ) يعني : إنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ، بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشا والشفاعات ، وارتفع من القوم التعاون والتناصر ، وصار الحكم إلى عدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها وذلك نظير قوله تعالى : ( وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ) [ الصافات : 24 ، 26 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا قال أبو جعفر: وتأويل قوله: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) : واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا.

وجائز أيضا أن يكون تأويله: واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس شيئا, كما قال الراجز: قــد صبحــت, صبحهـا السـلام بكبــــد خالطهــــا ســـنام في ساعة يحبها الطعام (132) وهو يعني: يحب فيها الطعام.

فحذفت " الهاء " الراجعة على " اليوم ", إذ فيه اجتزاء -بما ظهر من قوله: (واتقوا يوما لا تجزي نفس) الدال على المحذوف منه- عما حذف, إذ كان معلوما معناه.

وقد زعم قوم من أهل العربية أنه لا يجوز أن يكون المحذوف في هذا الموضع إلا " الهاء ".

وقال آخرون: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا " فيه ".

وقد دللنا فيما مضى على جواز حذف كل ما دل الظاهر عليه.

(133) * * * وأما المعنى في قوله: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) فإنه تحذير من الله تعالى ذكره عباده الذين خاطبهم بهذه الآية -عقوبته أن تحل بهم يوم القيامة, وهو اليوم الذي لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا, ولا يجزي فيه والد عن ولده, ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.

(134) * * * وأما تأويل قوله: " لا تجزي نفس " فإنه يعني: لا تغني: كما:- 874- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " واتقوا يوما لا تجزي نفس " أما " تجزي": فتغني.

* * * أصل " الجزاء " -في كلام العرب-: القضاء والتعويض.

يقال: " جزيته قرضه ودينه أجزيه جزاء "، بمعنى: قضيته دينه.

ومن ذلك قيل: " جزى الله فلانا عني خيرا أو شرا "، بمعنى: أثابه عني وقضاه عني ما لزمني له بفعله الذي سلف منه إلي.

وقد قال قوم من أهل العلم بلغة العرب: " يقال أجزيت عنه كذا ": إذا أعنته عليه، وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته وقال آخرون منهم: بل " جَزَيْتُ عنك " قضيت عنك.

و " أجزَيتُ" كفيت.

&; 2-28 &; وقال آخرون منهم: بل هما بمعنى واحد، يقال: " جزت عنك شاة وأجزَت، وجزى عنك درهم وأجزى، ولا تجزي عنك شاة ولا تجزي" بمعنى واحد، إلا أنهم ذكروا أن " جزت عنك، ولا تُجزي عنك " من لغة أهل الحجاز، وأن " أجزأ وتجزئ" من لغة غيرهم.

وزعموا أن تميما خاصة من بين قبائل العرب تقول: " أجزأت عنك شاة، وهي تجزئ عنك ".وزعم آخرون أن " جزى " بلا همز: قضى، و " أجزأ " بالهمز: كافأ (135) فمعنى الكلام إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغني عنها غنى.

فإن قال لنا قائل: وما معنى: لا تقضي نفس عن نفس، ولا تغني عنها غنى؟

قيل: هو أن أحدنا اليوم ربما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة والقرابة دينه.

وأما في الآخرة فإنه فيما أتتنا به الأخبار عنها- يسر الرجل أن يَبْرُدَ له على ولده أو والده حق .

(136) وذلك أن قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات والسيئات.

كما: 875- حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأزدي، قالا: حدثنا المحاربي، عن أبي خالد الدالاني يزيد بن عبد الرحمن، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله عبدا كانت عنده لأخيه مَظلمة في عِـرض -قال أبو كريب في حديثه: أو مال أو جاه، فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثَمَّ دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذوا من حسناته، وإن لم تكن له حسنات حملوا عليه من سيئاتهم " (137) 876- حدثنا أبو عثمان المقدمي، قال: حدثنا الفروي، قال: حدثنا مالك، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .

(138) 877- حدثنا خلاد بن أسلم, قال: حدثنا أبو همام الأهوازي, قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد, عن سعيد عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

(139) 878 - حدثنا موسى بن سهل الرملي, قال: حدثنا نعيم بن حماد, قال: حدثنا عبد العزيز الدراوردي, عن عمرو بن أبي عمرو, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يموتن أحدكم وعليه دين, فإنه ليس هناك دينار ولا درهم, إنما يقتسمون هنالك الحسنات والسيئات " وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يمينا وشمالا.

(140) 879 - حدثني محمد بن إسحاق, قال: قال: حدثنا سالم بن قادم, قال: حدثنا أبو معاوية هاشم بن عيسى, قال: أخبرني الحارث بن مسلم, عن الزهري, عن أنس بن مالك, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي هريرة.

(141) * * * قال أبو جعفر: فذلك معنى قوله جل ثناؤه: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) &; 2-31 &; يعني: أنها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها; لأن القضاء هنالك من الحسنات والسيئات على ما وصفنا.

وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسره أن يثبت له على ولده أو والده حق, فيؤخذ منه ولا يتجافى له عنه؟

.

(142) وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى قوله: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) : لا تجزي منها أن تكون مكانها.

وهذا قول يشهد ظاهر القرآن على فساده.

(143) وذلك أنه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل: " ما أغنيت عني شيئا ", بمعنى: ما أغنيت مني أن تكون مكاني, بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنه لا يجزي من شيء, قالوا: " لا يجزي هذا من هذا ", ولا يستجيزون أن يقولوا: " لا يجزي هذا من هذا شيئا ".

فلو كان تأويل قوله: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) ما قاله من حكينا قوله لقال: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس) كما يقال: لا تجزي نفس من نفس, ولم يقل: " لا تجزي نفس عن نفس شيئا ".

وفي صحة التنـزيل بقوله: " لا تجزي نفس عن نفس شيئا " أوضح الدلالة على صحة ما قلنا وفساد قول من ذكرنا قوله في ذلك.

(144) * * * القول في تأويل قوله تعالى وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ قال أبو جعفر: و " الشفاعة " مصدر من قول الرجل: شفع لي فلان إلى فلان شفاعة (145) وهو طلبه إليه في قضاء حاجته.

وإنما قيل للشفيع " شفيع وشافع " لأنه &; 2-32 &; ثنى المستشفع به, فصار به شفعا (146) فكان ذو الحاجة -قبل استشفاعه به في حاجته- فردا, فصار صاحبه له فيها شافعا, وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة.

ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض " شفيعا " لمصير البائع به شفعا.

(147) * * * فتأويل الآية إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره, ولا يقبل الله منها شفاعة شافع, فيترك لها ما لزمها من حق.

وقيل: إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها، لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل, وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه, وسيشفع لنا عنده آباؤنا.

فأخبرهم الله جل وعز أن نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة, ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه.

كما:- 880 - حدثني عباس بن أبي طالب, قال: حدثنا حجاج بن نصير, عن شعبة, عن العوام بن مراجم -رجل من قيس بن ثعلبة-, عن أبي عثمان النهدي, عن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة, كما قال الله عز وجل وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ...

[الأنبياء: 47] الآية (148) &; 2-33 &; فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم من النجاة من عذاب الله -مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق وخلافهم أمر الله في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عنده- بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم؛ وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإنابة من ضلالهم, وجعل ما سن فيهم من ذلك إماما لكل من كان على مثل منهاجهم لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله (149) .

وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما في التلاوة, فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" وأنه قال: " ليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة, وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي, وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا ".

(150) فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين -بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم- عن كثير من عقوبة إجرامهم بينهم وبينه (151) وأن قوله: (ولا يقبل منها شفاعة) إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل.

وليس هذا من مواضع الإطالة في القول في الشفاعة والوعد والوعيد, فنستقصي الحجاج في ذلك, وسنأتي على ما فيه الكفاية في مواضعه إن شاء الله .

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قال أبو جعفر: و " العدل " -في كلام العرب بفتح العين-: الفدية، كما:- ‌‌‌ 881 - حدثنا به المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (ولا يؤخذ منها عدل) قال: يعني فداء.

882 - حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: (ولا يؤخذ منها عدل) أما عدل: فيعدلها من العدل, يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها.

883 - حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: (ولا يؤخذ منها عدل) قال: لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.

884 - حدثنا القاسم بن الحسن, قال: حدثنا حسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: (ولا يؤخذ منها عدل) قال: بدل, والبدل: الفدية.

885 - حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: (ولا يؤخذ منها عدل) قال: لو أن لها ملء الأرض ذهبا لم يقبل منها فداء قال: ولو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.

886 - وحدثني نجيح بن إبراهيم, قال: حدثنا علي بن حكيم, قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن عمرو بن قيس الملائي, عن رجل من بني أمية -من أهل الشام أحسن عليه الثناء-, قال: قيل يا رسول الله ما العدل؟

قال: العدل: الفدية (152) .

&; 2-35 &; وإنما قيل للفدية من الشيء والبدل منه " عدل ", لمعادلته إياه وهو من غير جنسه; ومصيره له مثلا من وجه الجزاء, لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة, كما قال جل ثناؤه: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا [الأنعام: 70] بمعنى: وإن تفد كل فدية لا يؤخذ منها.

(153) يقال منه: " هذا عدله وعديله ".

وأما " العدل " بكسر العين, فهو مثل الحمل المحمول على الظهر, يقال من ذلك: " عندي غلام عدل غلامك, وشاة عدل شاتك " -بكسر العين-, إذا كان غلام يعدل غلاما, وشاة تعدل شاة.

(154) وكذلك ذلك في كل مثل للشيء من جنسه.

فإذا أريد أن عنده قيمته من غير جنسه نصبت العين فقيل: " عندي عدل شاتك من الدراهم ".

وقد ذكر عن بعض العرب أنه يكسر العين من " العدل " الذي هو بمعنى الفدية لمعادلة ما عادله من جهة الجزاء, وذلك لتقارب معنى العدل والعدل عندهم, فأما واحد " الأعدال " فلم يسمع فيه إلا " عدل " بكسر العين.

(155) * * * القول في تأويل قوله تعالى وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وتأويل قوله: (ولا هم ينصرون) يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر, كما لا يشفع لهم شافع, ولا يقبل منهم عدل ولا فدية.

بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشى والشفاعات, وارتفع بين القوم التعاون والتناصر (156) وصار الحكم إلى العدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء, فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها.

وذلك نظير قوله جل ثناؤه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: 24-26] وكان ابن عباس يقول في معنى: لا تَنَاصَرُونَ ، ما:- 887 - حدثت به عن المنجاب, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ما لكم لا تمانعون منا؟

هيهات ليس ذلك لكم اليوم!

(157) * * * وقد قال بعضهم في معنى قوله: (ولا هم ينصرون) : وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم.

وقد قيل: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية.

* * * قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بتأويل الآية لما وصفنا من أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية -لمن استحق من خلقه عقوبته-, ولا شفاعة فيه, ولا ناصر له.

وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا, فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه.

* * * --------------------------- الهوامش: (132) الكامل 1 : 22 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 6 ، 186 وغيرهما .

صبح القوم : سقاهم الصبوح ، وهو ما يشرب صباحا من لبن أو خمر .

يدعو لها بالخير من حسن ما أطعمته على مسغبة كابدها .

(133) انظر 1 : 139 - 141 ، 179 ، وانظر لسان العرب (جزى) .

(134) تضمين من آية سورة لقمان : 33 .

(135) انظر ما جاء في ذلك في لسان العرب (جزى) ، والذي جاء به الطبري أتم وأبين.

(136) يرد عليه حق : وجب ولزم .

ويرد لي كذا وكذا : أي ثبت .

ويقال : لي عليه ألف بارد ، أي ثابت .

(137) الحديث: 875 - هذا إسناد صحيح.

نصر بن عبد الرحمن الأزدي: سبق في.

423، وأثبت في الشرح هناك"التاجي"، وهو سهو، صوابه"الناجي" بالنون.

و"الأزدي" بالزاي، وفي المطبوعة هنا"الأودي" بالواو، وهو خطأ.

المحاربي: هو عبد الرحمن بن محمد، سبق في: 221.

أبو خالد الدالاني، يزيد بن عبد الرحمن: تكلموا فيه، والحق أنه ثقة، وثقه أبو حاتم وغيره، وترجمه البخاري في الكبير 4/2 /346 - 347، وابن أبي حاتم 4/2 /277، فلم يذكرا فيه جرحا.

وهو مترجم في التهذيب في الكني، لخلاف في اسم أبيه، ولكن رجح الترمذي والطبري ما ذكرنا، وكذلك رجح البخاري وابن أبي حاتم."الدالاني" في المطبوعة هنا"الدولابي"، وهو خطأ، صححناه من المخطوطة .

والحديث رواه الترمذي 3: 292 ، عن هناد ، ونصر بن عبد الرحمن ، كلاهما عن المحاربي ، بهذا الإسناد، ثم قال: " هذا حديث حسن صحيح .

وقد روى مالك بن أنس ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه " .

وقوله أثناء الحديث "قال أبو كريب" ، في المطبوعة " قال أبو بكر" ، وهو خطأ واضح ، صحته من المخطوطة .

(138) الحديث: 876 - هو الحديث السابق، بمعناه، ولكن من رواية مالك.

وهي الرواية التي نقلنا إشارة الترمذي إليها.أبو عثمان المقدمي - بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المهملة المفتوحة: وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر، نسب إلى"مقدم" أحد أجداده.

وهو ثقة، ترجمه ابن أبي حاتم 1/1/ 73، وقال:"سمعت منه بمكة، وهو صدوق"، وترجمه السمعاني في الأنساب، في الورقة: 539 والخطيب في تاريخ بغداد 4: 398 - 399، مات سنة 264.

الفروي: بفتح الفاء وسكون الراء، نسبة إلى أحد أجداده ، وفي المطبوعة بالقاف بدل الفاء، وهو تصحيف .

وهو : إسحاق بن محمد بن أبي فروة ، أحد الرواة عن مالك، وأحد شيوخ البخاري، وهو ثقة، تكلم فيه بعضهم بغير حجة.

وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند: 7425 والحديث من طريق مالك: رواه البخاري 11: 343 - 344 (فتح الباري)، عن إسماعيل - وهو ابن أبي أويس، ابن أخت مالك ونسيبه - عن مالك.

ورواه أحمد في المسند: 9613 (2: 435 حلبي)، من طريق مالك وابن أبي ذئب، كلاهما عن المقبري.

ثم رواه أيضًا: 10580 (2: 506)، من طريق ابن أبي ذئب.

ورواه البخاري أيضًا 5: 73، من طريق ابن أبي ذئب.

وأوله في هذه الروايات:"من كانت عنده مظلمة...)، فذكر نحوه، بمعناه.

(139) الحديث: 877 - هو الحديث السابق، بنحوه، من طريق أخرى.

أبو همام الأهوازي: هو محمد بن الزبرقان، وهو ثقة، وترجمه البخاري في الكبير 1 /1 / 87، وقال:"معروف الحديث"، ابن أبي حاتم 3 / 2 / 260، وأخرج له الشيخان في الصحيحين.

عبد الله بن سعيد: أنا أرجح أنه"عبد الله بن سعيد بن أبي هند"، وهو ثقة.

وبعيد أن يكون"عبد الله بن سعيد المقبري"، إذ يأباه سياق الإسناد، لو كان إياه لكان"عبد الله بن سعيد عن أبيه".

أما وهو"عبد الله بن سعيد عن سعيد" - فالظاهر أنه غير ابن سعيد المقبري.

والحديث صحيح بكل حال، بالأسانيد السابقة.

(140) الحديث : 878 - هذا إسناد صحيح متصل عن ابن عباس ، ولم أجده في مسند الإمام أحمد ، ولا في الكتب الستة ، ولا في مجمع الزوائد ، ولا أشار إليه الترمذي في قوله"وفي الباب" .

فهو فائدة زائدة ، يستفاد من رواية أبي جعفر رحمه الله .

(141) الحديث: 879 - هذا إسناد فيه إشكال لم أستطع تحقيقه.

أما"سلم بن قادم": فإنه"سلم" بفتح السين وسكون اللام.

وفي المطبوعة هنا"سالم" بالألف بعد السين، وهو خطأ.

وسلم هذا: بغدادي ثقة، يروي عن سفيان بن عيينة، وبقية بن الوليد، وغيرهما.

ترجمه ابن أبي حاتم 2 /1 / 268، والخطيب في تاريخ بغداد 9: 145 - 146.

وله ترجمة موجزة في لسان الميزان 3: 65.

وأبو معاوية هاشم بن عيسى: هو هاشم بن أبي هريرة الحمصي، اشتهر بالانتساب إلى كنية أبيه، أعنى"هاشم بن أبي هريرة".

ترجمة ابن أبي حاتم 4 / 2 / 105، ولم يذكر فيه جرحا.

وله ترجمة غير محررة في لسان الميزان 6: 184، ذكر فيها اسم الراوي عنه"مسلم بن قادم"، وهو تحريف.

وأما الإشكال في الإسناد، ففي"الحارث بن مسلم"، الراوي هنا عن الزهري.

فما أدري من ذا؟

ولا ما صحته؟

ولعل فيه تحريفا لم أستطع إدراكه.

ثم لم أجد هذا الحديث من حديث أنس قط، بعد طول البحث والتتبع.

وهناك في المستدرك للحاكم 4: 576، حديث آخر لأنس، من وجه آخر فيه بعض هذا المعنى.

إسناده ضعيف.

(142) في المطبوعة : "فيأخذه منه" ، والذي في المخطوطة أعرب .

تجافى له عن الشيء : أعرض عنه ولم يلازمه بطلبه ، وتجاوز له عنه .

(143) انظر ما مضى في معنى"ظاهر" 1 ، 72 ، تعليق : 2 ، وهذا الجزء 2 : 15 .

(144) هذا من جيد البيان عن معاني اللغة ، وهو منهج من النظر سبق به الطبري كل من تكلم في الفصل بين معاني الكلام العربي .

(145) في المخطوطة : " شفع لي فلان شفاعة" .

بالحذف .

(146) في المطبوعة : " المستشفع له" ، وهو خطأ ، كما يدل عليه تمام الكلام .

(147) قال ابن قتيبة في تفسير"الشفعة" : "كان الرجل في الجاهلية ، إذا أراد بيع منزل ، أتاه رجل فشفع إليه فيما باع ، فشفعه وجعله أولى بالميبع ممن بعد سببه .

فسميت شفعة ، وسمى طالبها شفيعا" .

والشفعة في الدار والأرض : القضاء بها لصاحبها (اللسان : شفع) .

(148) الحديث: 880 - عباس بن أبي طالب: هو عباس بن جعفر بن الزبرقان البغدادي، وهو ثقة، مترجم في التهذيب، ترجمه ابن أبي حاتم 3 / 1 /215، والخطيب في تاريخ بغداد 12: 411 - 142."العوام بن مراجم".

بالراء والجيم، ثبت في الأصول"مزاحم" بالزاي والحاء، وهو تصحيف.

والحديث ضعيف الإسناد، من أجل حجاج بن نصير الفساطيطي.

وقد رواه عبد الله بن أحمد، في الزوائد على المسند: 520، عن عباس بن محمد وأبي يحيى البزار، كلاهما عن حجاج بن نصير.

وقد فصلنا القول في ضعفه هناك.

وأما معناه فصحيح ثابت، من حديث أبي هريرة، رواه أحمد في المسند: 7203.

ورواه مسلم، والترمذي، وصححه.

"الجماء": لا قرن لها.

و"القرناء": ذات القرن.

(149) في المطبوعة : "في رحمة الله" وليست بجيدة .

(150) حديث : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" : هكذا ذكره الطبري دون إسناد .

وهو حديث صحيح ، ذكره السيوطي في الجامع الصغير ، ونسبه لأحمد ، وأبي داود ، والترمذي ، وابن حبان ، والحاكم-عن أنس .

والترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان ، والحاكم-عن جابر .

انظر شرح المناوي الكبير ، رقم 4892 (ج 4 ص 163) .

وحديث"ليس من نبي" إلخ : كذلك جاء به الطبري دون إسناد .

ومعناه ثابت صحيح ، من حديث أنس بن مالك ، رواه البخاري ، ومسلم .

انظر الترغيب والترهيب 4 : 213 .

(151) في المطبوعة : "إجرامهم بينه وبينهم" ، والذي في المخطوطة هو الصواب الجيد .

(152) الحديث: 886 - نجيح بن إبراهيم: لم أجد في كل المراجع التي بين يدى، غير ترجمة"نجيح بن إبراهيم بن محمد الكرماني"، في لسان الميزان 6: 149، وأنه كوفي ثقة، يروي عن أبي نعيم فهو من طبقة شيوخ الطبري.

فالراجح أنه هو.

علي بن حكيم - بفتح الحاء - هو الأودي الكوفي، وهو ثقة من شيوخ البخاري ومسلم.حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، وأبوه: ثقتان.

عمرو بن قيس الملائي - بضم الميم وتخفيف اللام - الكوفي: ثقة من أتباع التابعين.

وقد روى هذا الحديث مرفوعا، عن رجل أبهم اسمه وأثنى عليه، والراجح أنه تابعي.

فيكون الإسناد مرسلا أو منقطعا، فهو ضعيف ولم أجده عن غير الطبري، نقله عنه ابن كثير 1: 161، والسيوطي 1: 68.

(153) الجملة في تفسير الآية ، ساقطة من المخطوطة .

(154) وهذه الجملة في المخطوطة جاءت هكذا : "يقال من ذلك : عندي غلام عدل غلاما وشاة عدل شاة" ، واكتفى بهذا القدر منها ، مع الخطأ البين فيها .

(155) وهذا أيضًا بيان جيد ، قلما تصيبه في كتاب من كتب اللغة .

(156) في المطبوعة : "وارتفع من القوم" ، وهو خطأ .

وارتفع هنا : بمعنى ذهب وانقضى مجاز من الارتفاع ، وهو العلو .

(157) الأثر : 887 - لم يذكره في تفسير الآية من سورة الصافات ، انظر (23 : 32 بولاق)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرونفيه ست مسائل : [ الأولى ] : قوله تعالى : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا أمر معناه الوعيد وقد مضى الكلام في التقوى .

يوما يريد عذابه وهوله وهو يوم القيامة وانتصب على المفعول ب " ( " اتقوا ) ويجوز في غير القرآن يوم لا تجزي على الإضافة وفي الكلام حذف بين النحويين فيه اختلاف قال البصريون التقدير يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ثم حذف " فيه " كما قال :ويوما شهدناه سليما وعامراأي شهدنا فيه وقال الكسائي : هذا خطأ لا يجوز حذف " فيه " ولكن التقدير واتقوا يوما لا تجزيه نفس ثم حذف الهاء ، وإنما يجوز حذف الهاء ; لأن الظروف عنده لا يجوز حذفها قال : لا يجوز أن تقول هذا رجلا قصدت ، ولا رأيت رجلا أرغب ، وأنت تريد : قصدت إليه [ ص: 355 ] وأرغب فيه قال : ولو جاز ذلك لجاز الذي تكلمت زيد بمعنى تكلمت فيه زيد ، وقال الفراء : يجوز أن تحذف الهاء وفيه .

وحكى المهدوي أن الوجهين جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج .[ الثانية ] ومعنى لا تجزي نفس عن نفس شيئا أي لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى ولا تدفع عنها شيئا تقول جزى عني هذا الأمر يجزي كما تقول قضى عني واجتزأت بالشيء اجتزاء إذا اكتفيت به قال الشاعر :فإن الغدر في الأقوام عار وإن الحر يجزأ بالكراعأي يكتفي بها وفي حديث عمر إذا أجريت الماء على الماء جزى عنك يريد إذا صببت الماء على البول في الأرض فجرى عليه طهر المكان ، ولا حاجة بك إلى غسل ذلك الموضع وتنشيف الماء بخرقة أو غيرها كما يفعل كثير من الناس وفي صحيح الحديث عن أبي بردة بن نيار في الأضحية : لن تجزي عن أحد بعدك أي لن تغني فمعنى لا تجزي لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شيء فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه خرجه البخاري ومثله حديثه الآخر في المفلس وقد ذكرناه في التذكرة خرجه مسلم وقرئ " تجزئ " بضم التاء والهمز ويقال جزى وأجزى بمعنى واحد وقد فرق بينهما قوم فقالوا جزى بمعنى قضى وكافأ وأجزى بمعنى أغنى وكفى أجزأني الشيء يجزئني أي كفاني قال الشاعروأجزأت أمر العالمين ولم يكن ليجزئ إلا كامل وابن كاملالثالثة : قوله تعالى : ولا يقبل منها شفاعة الشفاعة مأخوذة من الشفع وهما الاثنان تقول كان وترا فشفعته شفعا والشفعة منه ؛ لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك والشفيع صاحب الشفعة وصاحب الشفاعة وناقة شافع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها تقول منه شفعت الناقة شفعا وناقة شفوع ، وهي التي تجمع بين محلبين في حلبة واحدة واستشفعته إلى فلان سألته أن يشفع لي إليه وتشفعت إليه في فلان فشفعني فيه ، فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعته للمشفوع .الرابعة : مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق ، وأنكرها المعتزلة وخلدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين وقد تمسك القاضي عليهم في الرد بشيئين : أحدهما : الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى .

والثاني : الإجماع من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول ولم يبد من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير ؛ فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة .فإن قالوا : قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب رد هذه الأخبار مثل قوله ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع قالوا وأصحاب الكبائر ظالمون وقال من يعمل سوءا يجز به ولا يقبل منها شفاعة قلنا ليست هذه الآيات عامة في كل ظالم والعموم لا صيغة له فلا تعم هذه الآيات كل من يعمل سوءا وكل نفس وإنما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك وأيضا فإن الله تعالى أثبت شفاعة لأقوام ونفاها عن أقوام فقال في صفة الكافرين فما تنفعهم شفاعة الشافعين وقال ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقال ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له .فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين ، وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة النفس الكافرة لا كل نفس .

ونحن وإن قلنا بعموم العذاب لكل ظالم عاص فلا نقول إنهم [ ص: 357 ] مخلدون فيها بدليل الأخبار التي رويناها وبدليل قوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقوله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .فإن قالوا فقد قال تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى والفاسق غير مرتضى قلنا لم يقل لمن لا يرضى ، وإنما قال لمن ارتضى ومن ارتضاه الله للشفاعة هم الموحدون بدليل قوله لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم ما عهد الله مع خلقه ؟

قال ( أن يؤمنوا ولا يشركوا به شيئا ) وقال المفسرون : إلا من قال لا إله إلا الله .فإن قالوا : المرتضى هو التائب الذي اتخذ عند الله عهدا بالإنابة إليه بدليل أن الملائكة استغفروا لهم وقال فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وكذلك شفاعة الأنبياء عليهم السلام إنما هي لأهل التوبة دون أهل الكبائر قلنا : عندكم يجب على الله تعالى قبول التوبة فإذا قبل الله توبة المذنب فلا يحتاج إلى الشفاعة ولا إلى الاستغفار ، وأجمع أهل التفسير على أن المراد بقوله فاغفر للذين تابوا أي من الشرك واتبعوا سبيلك أي سبيل المؤمنين سألوا الله تعالى أن يغفر لهم ما دون الشرك من ذنوبهم كما قال تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .فإن قالوا جميع الأمة يرغبون في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فلو كانت لأهل الكبائر خاصة بطل سؤالهم .قلنا إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب ولا قائم لله سبحانه بكل ما افترض عليه بل كل واحد معترف على [ ص: 358 ] نفسه بالنقص فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة ، وقال صلى الله عليه وسلم لا ينجو أحد إلا برحمة الله تعالى فقيل ولا أنت يا رسول الله ؟

فقال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته .الخامسة : قوله تعالى : ولا يقبل قرأ ابن كثير وأبو عمرو " تقبل " بالتاء ؛ لأن الشفاعة مؤنثة وقرأ الباقون بالياء على التذكير ؛ لأنها بمعنى الشفيع وقال الأخفش حسن التذكير ؛ لأنك قد فرقت كما تقدم في قوله فتلقى آدم من ربه كلماتالسادسة : قوله تعالى : ولا يؤخذ منها عدل أي فداء والعدل ( بفتح العين ) الفداء و ( بكسرها ) المثل يقال عدل وعديل للذي يماثلك في الوزن والقدر ، ويقال : عدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا ، وإن لم يكن من جنسه .

والعدل ( بالكسر ) هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه .

وحكى الطبري أن من العرب من يكسر العين من معنى الفدية فأما واحد الأعدال فبالكسر لا غيرقوله تعالى : ولا هم ينصرون أي يعانون والنصر العون والأنصار الأعوان ، ومنه قوله من أنصاري إلى الله أي من يضم نصرته إلى نصرتي وانتصر الرجل انتقم والنصر الإتيان يقال نصرت أرض بني فلان أتيتها قال الشاعرإذا دخل الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وانصري أرض عامروالنصر المطر يقال نصرت الأرض مطرت والنصر العطاء قالإني وأسطار سطرن سطرا لقائل يا نصر نصرا نصراوكان سبب هذه الآية فيما ذكروا أن بني إسرائيل قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعات ولا يؤخذ فيه فدية ، وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر ؛ لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا ، فإن الواقع في الشدة لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدى

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

خوَّفَهم بيوم القيامة الذي { لَا تَجْزِي } فيه، أي: لا تغني { نَفْسٌ } ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين { عَنْ نَفْسٍ } ولو كانت من العشيرة الأقربين { شَيْئًا } لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه.

{ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا } أي: النفس, شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له, ولا يرضى من العمل إلا ما أريد به وجهه، وكان على السبيل والسنة، { وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي: فداء { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب } ولا يقبل منهم ذلك { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي: يدفع عنهم المكروه، فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه، فقوله: { لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } هذا في تحصيل المنافع، { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } هذا في دفع المضار, فهذا النفي للأمر المستقل به النافع.

{ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض, كالعدل, أو بغيره, كالشفاعة، فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين, لعلمه أنهم لا يملكون له مثقال ذرة من النفع, وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع, ويدفع المضار, فيعبده وحده لا شريك له ويستعينه على عبادته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{واتقوا يوماً} واخشوا عقاب يوم {لا تجزي نفس} لا تقضي نفس.

{لعن نفس شيئاً} أي حقاً لزمها.

وقيل: لا تغني.

وقيل: لا تكفي شيئاً من الشدائد.

{ولا يقبل منها شفاعة} قرأ ابن كثير و يعقوب بالتاء لتأنيث الشفاعة، وقرأ الباقون بالياء لأن الشفع والشفاعة بمعنى واحد كالوعظ والموعظة، فالتذكير على المعنى، والتأنيث على اللفظ، كقوله تعالى: {قد جاءتكم موعظة من ربكم} [57-يونس]، وقال في موضع آخر: {فمن جاءه موعظة من ربه} [275-البقرة] أي لا تقبل منها شفاعة إذا كانت كافرة.

{ولا يؤخذ منها عدل} أي فداء وسمي به لأنه مثل المفدي.

والعدل: المثل.

{ولا هم ينصرون} يمنعون من عذاب الله.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واتقوا» خافوا «يوما لا تجزي» فيه «نفس عن نفسٍ شيئاً» وهو يوم القيامة «ولا تُقبل» بالتاء والياء «منها شفاعة» أي ليس لها شفاعة فتقبل (فما لنا من شافعين) «ولا يؤخذ منها عدل» فداء «ولا هم ينصرون» يمنعون من عذاب الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وخافوا يوم القيامة، يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا، ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين، ولا يقبل منهم فدية، ولو كانت أموال الأرض جميعًا، ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

بعد أن ذكرهم - سبحانه - في الآية السابعة بنعمة عظمى من نعمه حذرهم في هذه الآية الكريمة من التقصير في العمل الصالح ، وذلك لأن وصفهم بالتفضيل على عالمي زمانهم قد يحملهم على الغرور ، ويجعلهم يتوهمون أنهم مغفور لهم لو أذنبوا .

فجاءت هذه الآية الكريمة لتقتلع من أذهانهم تلك الأوهام بأحكم عبارة وأجمع بيان .والمراد باتقاء اليوم ، وهو يوم القيامة ، الحذر مما يحدث فيه من أهوال وعذاب ، والحذر منه يكون بالتزام حدود الله - تعالى - وعدم تعديها ، فهو من إطلاق الزمان على ما يقع فيه كما تقول " مكان مخيف " وتنكير النفس في الموضعين وهو في حيز النفي يفيد عموم النفس .

أي : لا تقضى فيه نفس كائنة من كانت عن نفس أخرى شيئاً من الحقوق .ووصف اليوم بهذا الوصف ، ولم يقل " يوم القيامة " مثلا ، للإِشعار بأن التصرف في ذلك اليوم لله وحده ، فليس فيه ما اعتاد الناس في هذه الدنيا من دفاع بعضهم عن بعض .والمعنى : احذروا - يا بني إسرائيل - يوماً عظيماً أمامكم ، سيحصل فيه من الحساب والجزاء مالا منجاة من هوله إلا بتقوى الله في جميع الأحوال والإِخلاص له في كل الأعمال ، فهو يوم لا تقضى فيه نفس مهما كان قدرها عظيما عن نفس شيئاً ما ، مهما يكن ذنباً صغيراً .ثم وصف القرآن الكريم ذلك اليوم بوصف آخر يناسب المقام .

فقال تعالى : ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) الضمير في ( منها ) يعود إلى النفس المحاسبة في ذلك اليوم .

والشفاعة : من الشفع ضد الوتر ، وهي انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه ، أي لا يقبل منها أن تأتي يشفيع ليحصل لها نفعاً ، أو يدفع عنها ضرراً .والآية الكريمة قد نفت قبول الشفاعة من أحد نفياً مطلقاً ، ولكن هنالك آيات كريمة تنفى قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن في ذلك ، من هذه الآيات قوله تعالى : ( مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) وقوله تعالى : ( يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) وللجمع بين هذه الآيات ، تحمل الآيات التي تنفى الشفاعة نفياً مطلقاً على أنها واردة في شأن النفوس الكافرة ، وتحمل الآيات التي تبيح الشفاعة على أنها واردة في شأن المؤمنين إذا أذن الله فيها للشافعين ، وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوي في أن النبي صلى الله عليه وسلم ستكون له شفاعة في دفع العذاب عن أقوام المؤمنين ، وتخفيفه عن أهل الكبائر من المسلمين ، من ذلك ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وجعلت أمتي خير الأمم ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " .قال الإِمام ابن جرير : ( وهذه الآية وإن كان مخرجها عاماً في التلاوة فإن المراد بها خاص في التأويل ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أنه قال : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، وأنه قال : ليس من نبي إلا وقد أعطى دعوة ، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي ، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئاً .

فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم ، وأن قوله ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله - عز وجل - " اه .ثم وصف اليوم بوصف ثالث فقال تعالى : ( وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) .العدل : العوض والفداء .

سمي بالمصدر لأن الفادي يعدل المفدي بمثله في القيمة أو العين .ويسويه به .

يقال : عدل كذا بكذا : أي سواه به .والمعنى : لا يؤخذ منها فداء أو بدل في ذلك اليوم إن هي استطاعت إحضاره على سبيل الفرض والتقدير .ثم وصفه بوصف رابع فقال تعالى : ( وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ) والنصر هو الإِعانة في الحرب وغيره بقوة الناصر ، وقدم المسند إليه لزيادة التأكيد المفيد أن انتفاء نصرهم محقق .

فضلا عما استفيد من نفي العفل وإسناده للمجهول وجاء الضمير في قوله تعالى : ( وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ) جمعاً مع أنه عائد على النفس وهو قوله تعالى : ( لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ ) ؛ لأن النكرة إذا وقعت في سياق النفي تناولت كل فرد من أفرادها ، وبهذا صارت في معنى الجمع ، وصح أن يعود عليها ضمير الجمع وهو ( هم ) .والمعنى : أنهم لا يجدون من يعينهم ويمنعهم من عذاب الله يوم القيامة .ولما كان اليهود يعتقدون أنهم شعب مميز ، وأن نسبتهم إلى الأنبياء ستجعلهم في مأمن من العقاب رغم عصيانهم وفسوقهم ، وأن آباءهم سيشفعون لهم .

.

.

لما كانوا كذلك جاءت هذه الآية الكريمة لتبطل ما اعتقدوه ، وتقطع ما أمَّلوه ، ولتنقض كل ما يحتمل أن يكون وسيلة للنجاة يوم القيامة سوى الإِيمان والعمل الصالح .فقد نفت الآية الكريمة وجود من ينوب عنهم بقولها ( لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ) .ونفت انتفاعهم بشفاعة الشافعين يوم الحساب بقولها ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) .ونفت قبول البدل أو الفداء عما ارتكبوه من خطايا بقولها ( وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) .ونفت وجود من ينتصر لهم أو يدافع عنهم بقولها ( وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ) .وهكذا سدت عليهم الآية الكريمة كل منفذ يتوهمون نجاتهم من عذاب الله بسببه ، ما داموا مصرين على كفرهم وجحودهم .هذا ، وقد اشتملت هاتان الآيتان على أسلوب حكيم في التوجيه ، وطريقة فريدة في الإِرشاد ، جمعت بين الترغيب والترهيب ، فإن الآية الأولى ابتدأت بندائهم باسم أبيهم إسرائيل - عليه السلام - الذي هو أصل عزهم ، ومنشأ تفضيلهم لتحيي الشعور بالكرامة في نفوسهم ، ولتغرس الإِحساس بالشرف في مشاعرهم ، ولتحملهم على الترفع عن الدنايا؛ لأن الذي يشعر أنه من منبت كريم تعاف نفسه الحقد والكذب والصغار ، ثم جاءت الآية الثانية فأرشدتهم إلى أن التقوى هي سبب السلامة والفوز ، وحذرنهم من أهوال يوم القيامة وأفهمتهم بأن انتسابهم إلى أولئك الآباء لن يغني من الله شيئاً يوم الجزاء ، وإنما الذي ينفعهم في ذلك اليوم هو اتباع تعاليم الإِسلام ، التي أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك ما فيه من كبح غرورهم ، وإبطال ظنونهم .ثانياً : نعمة إنجائهم من عدوهم :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقى ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعاً.

فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم بأشد الصفات وأعظمها تهويلاً، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله.

إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة.

بقي على هذا الترتيب سؤالان: السؤال الأول: الفائدة من قوله: ﴿ لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ﴾ هي الفائدة من قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ فما المقصود من هذا التكرار؟

والجواب: المراد من قوله: ﴿ لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ﴾ أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقاً آخر إن شاء الله تعالى.

السؤال الثاني: أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه؟

الجواب: أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين: ولنذكر الآن تفسير الألفاظ: أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ﴾ فقال القفال: الأصل في جزى هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن يسار: «تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك»، هكذا يرويه أهل العربية: تجزيك بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئاً ولا تحمل عنها شيئاً مما أصابها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجباً عليه.

وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات.

روى أبو هريرة قال: قال عليه السلام: «رحم الله عبداً كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته».

قال صاحب الكشاف: و(شيئاً) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً  ﴾ .

ومن قرأ: لا يجزي من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوماً.

فإن قيل: فأين العائد منها إلى الموصوف؟

قلنا: هو محذوف تقديره لا تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ فالشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار الشفيع له شفعاً أي صارا زوجاً.

واعلم أن الضمير في قوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا ﴾ راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئاً.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ أي فدية، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول: ما أعدل بفلان أحداً، أي لا أرى له نظيراً.

قال تعالى: ﴿ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ  ﴾ ونظيره هذه الآية قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تقبل منهم  ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخبر الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته، قال القفال: والنصر يراد به المعونة كقوله: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، ومنه معنى الإغاثة: تقول العرب: أرض منصورة أي ممطورة، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله  ﴾ أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد، ويسمى الانتقام نصرة وانتصاراً، قال تعالى: ﴿ ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  ﴾ قالوا معناه: فانتقمنا له، فقوله تعالى: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه، بقي في الآية مسألتان: المسألة الأولى: أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم.

المسألة الثانية: أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى الله عليه وسلم شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى  ﴾ ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين للثواب، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب؟

فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه، وقال أصحابنا: تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار، واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه: أحدها: هذه الآية: قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه.

الأول: قوله تعالى: ﴿ لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ﴾ ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئاً.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة، والثالث: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ولو كان محمد شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له وذلك على خلاف الآية.

لا يقال الكلام على الآية من وجهين: الأول: أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك، فالآية نزلت فيهم.

الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقاً إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة، فنحن أيضاً نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال: اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال: اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجراً عن المعاصي، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ  ﴾ والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره، لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعاً يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع، لأن المطاع يكون فوق المطيع، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى، لأنا نقول: لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين: الأول: أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه، متفق عليه بين العقلاء.

أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحداً، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعاً لغيره، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملاً لها على معنى لا يفيد.

الثاني: أنه تعالى نفى شفيعاً يطاع، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمراً له وحاكماً عليه ومثله لا يسمى شفيعاً فأفاد قوله: شفيع كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله: ﴿ يُطَاعُ ﴾ على من فوقه فوجب حمله على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة  ﴾ ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته.

وخامسها: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى  ﴾ أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند الله تعالى، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام، لأنه لا قائل بالفرق.

وسادسها: قوله تعالى: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين  ﴾ ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية.

وسابعها: أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام ويقولون في جملة أدعيتهم: واجعلنا من أهل شفاعته، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصراً على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر.

لا يقال لم لا يجوز أن يقال: إنهم يرغبون إلى الله تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم: اجعلنا من التوابين وليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الإصرار وتقدم الذنب، لأنا نقول: الجواب عنه من وجهين: الأول: ليس يجب إذا شرطنا شرطاً في قولنا: اللهم اجعلنا من التوابين، أن نزيد شرطاً في قولنا اجعلنا من أهل الشفاعة.

الثاني: أن الأمة في كلتا الرغبتين إلى الله تعالى يسألون منه تعالى أن يفعل بهم ما يوصلهم إلى المرغوب فيه ففي قولهم: اجعلنا من التوابين، أن يرغبون في أن يوفقهم للتوبة من الذنوب، وفي الثاني يرغبون في أن يفعل بهم ما كانوا عنده أهلاً لشفاعته عليه السلام، فلو لم تحصل أهلية الشفاعة إلا بالخروج من الدنيا مصراً على الكبائر لكان سؤال أهلية الشفاعة سؤالاً للاخراج من الدنيا حال الإصرار على الكبائر، وذلك غير جائز بالإجماع.

أما على قولنا: إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج على الكبائر، وذلك غير جائز بالإجماع.

أما على قولنا إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج من الدنيا مستحقاً للثواب كان سؤال أهلية الشفاعة حسناً فظهر الفرق.

وثانيها: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ  يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ  وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ  ﴾ يدل على أن كل الفجار يدخلون النار وأنهم لا يغيبون عنها وإذا ثبت أنهم لا يغيبون عنها ثبت أنهم لا يخرجون منها، وإذا كان كذلك لم يكن للشفاعة أثر لا في العفو عن العقاب ولا في الإخراج من النار بعد الإدخال فيها.

وتاسعها: قوله تعالى: ﴿ يُدَبّرُ الأمر مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ  ﴾ فنفى الشفاعة عمن لم يأذن في شفاعته وكذا قوله: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ  ﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً  ﴾ وإنه تعالى لم يأذن في الشفاعة في حق أصحاب الكبائر لأن هذا الإذن لو عرف لعرف إما بالعقل أو بالنقل، أما العقل فلا مجال له فيه، وأما النقل فأما بالتواتر أو بالآحاد، والآحاد لا مجال له فيه لأن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن والمسألة علمية والتمسك في المطالب العلمية بالدلائل الظنية غير جائز.

وأما بالتواتر فباطل لأنه لو حصل ذلك لعرفه جمهور المسلمين ولو كان كذلك لما أنكروا هذه الشفاعة.

فحيث أطبق الأكثرون على الأنكار علمنا أنه لم يوجد هذا الإذن.

وعاشرها: قوله تعالى: ﴿ الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك  ﴾ ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن لتقييدها بالتوبة ومتابعة السبيل معنى.

الحادي عشر: الأخبار الدالة على أنه لا توجد الشفاعة في حق أصحاب الكبائر وهي أربعة.

الأول: ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام دخل المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت اخواننا:» قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك.

«قال: بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد».

قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟

«قال: أرأيت إن كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم فهل لا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله، «قال فانهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأما فرطهم على الحوض، ألا فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم، ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً» والاستدلال بهذا الخبر على نفي الشفاعة أنه لو كان شفيعاًلهم لم يكن يقول فسحقاً فسحقاً، لأن الشفيع لا يقول ذلك، وكيف يجوز أن يكون شفيعاً لهم في الخلاص من العقاب الدائم وهو يمنعهم شربة ماء.

الثاني: روى عبد الرحمن ابن ساباط عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: «يا كعب بن عجرة أعيذك بالله من إمارة السفهاء إنه سيكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه ولن يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض، يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفيء الماء النار، يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت» والاستدلال بهذا الحديث من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إذا لم يكن من النبي ولا النبي منه فكيف يشفع له.

وثانيها: قوله: لم يرد عليَّ الحوض دليل على نفي الشفاعة لأنه إذا منع من الوصول إلى الرسول حتى لا يرد عليه الحوض فبأن يمتنع الرسول من خلاصه من العقاب أولى.

وثالثها: أن قوله: لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت صريح في أنه لا أثر للشفاعة في حق صاحب الكبيرة.

الثالث: عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك.

وهذا صريح في المطلوب، لأنه إذا لم يملك له من الله شيئاً فليس له في الشفاعة نصيب.

الرابع: عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة، ومن كنت خصيمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجرته».

والاستدلال به أنه عليه الصلاة والسلام لما كان خصيماً لهؤلاء استحال أن يكون شفيعاً لهم، فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا الباب.

أما أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه: أحدها: قوله سبحانه وتعالى: حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم  ﴾ ، وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في حق المسلم المطيع أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة.

والقسم الأول باطل لأن قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم  ﴾ ، لا يليق بالكفار، والقسم الثاني والثالث والرابع باطل لأن المسلم المطيع والمسلم صاحب الصغيرة والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلاً عند الخصم، وإذا كان كذلك لم يكن قوله: ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ لائقاً بهم وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في حق محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

وثانيها: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ فقوله: ﴿ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لا يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلاً للمغفرة بالإجماع ولا حمله على صاحب الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلاً عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة.

ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في كتاب شعب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام تلا قوله تعالى في إبراهيم: ﴿ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وقول عيسى عليه السلام: ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الآية، ثم رفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك؟

فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.

رواه مسلم في الصحيح.

وثالثها: قوله تعالى في سورة مريم: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَٰنِ وَفْدًا  وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا  لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًا  ﴾ ، فنقول ليس في ظاهر الآية أن المقصود من الآية أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم أو أنهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم لأن المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول إلا أنا نقول حمل الآية على الوجه الثاني أولى، لأن حملها على الوجه الأول يجري مجرى إيضاح الواضحات، فإن كل أحد يعلم أن المجرمين الذين يساقون إلى جهنم ورداً لا يملكون الشفاعة لغيرهم، فتعين حملها على الوجه الثاني.

إذا ثبت هذا فنقول: الآية تدل على حصول الشفاعة لأهل الكبائر، لأنه قال عقيبه: ﴿ إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً ﴾ ، والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند الرحمن عهداً، فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً وهو التوحيد والإسلام، فوجب أن يكون داخلاً تحته أقصى ما في الباب أن يقال: واليهودي اتخذ عند الرحمن عهداً وهو الإيمان بالله فوجب دخوله تحته لكنا نقول ترك العمل به في حقه لضرورة الإجماع فوجب أن يكون معمولاً به فيما وراءه.

ورابعها: قوله تعالى في صفة الملائكة: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى  ﴾ وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى، وكل من كان مرتضى عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة، إنما قلنا: إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى لأنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده وكل من صدق عليه أنه مرتضى عند الله بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند الله تعالى لأن المرتضى عند الله جزء من مفهوم قولنا: مرتضى عند الله بحسب إيمانه، ومتى صدق المركب صدق المفرد، فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون من أهل الشفاعة لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ نفى الشفاعة إلا لمن كان مرتضى والاستثناء من النفي إثبات، فوجب أن يكون المرتضى أهلاً لشفاعتهم، وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

فإن قيل: الكلام على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن الفاسق ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة، وإذا لم يكن أهلاً لشفاعة الملائكة وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، إنما قلنا: إنه ليس بمرتضى لأنه ليس بمرتضى بحسب فسقه وفجوره ومن صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه صدق عليه أنه ليس بمرتضى بعين ما ذكرتم من الدليل، وإذا ثبت أنه ليس بمرتضى وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة، لأن قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ يدل على نفي الشفاعة عن الكل إلا في حق المرتضى، فإذا كان صاحب الكبيرة غير مرتضى وجب أن يكون داخلاً في النفي.

الوجه الثاني: أن الاستدلال بالآية إنما يتم لو كان قوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ محمولاً على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، أما لو حملناه على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله منه شفاعته فحينئذ لا تدل الآية إلا إذا ثبت أن الله تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة، وهذا أول المسألة.

والجواب عن الأول: أنه ثبت في العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان، فقولنا: زيد عالم، زيد ليس بعالم لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد زيد عالم بالفقه، زيد ليس بعالم بالكلام، وإذا ثبت هذا فكذا قولنا صاحب الكبيرة مرتضى صاحب الكبيرة ليس بمرتضى، لا يتناقضان لاحتمال أن يقال: إنه مرتضى بحسب دينه، ليس بمرتضى بحسب فسقه، وأيضاً فمتى ثبت أنه مرتضى بحسب إسلامه ثبت مسمى كونه مرتضى، وإذا كان المستثنى هو مجرد كونه مرتضى، ومجرد كونه مرتضى حاصل عند كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت الاستثناء وخروجه عن المستثنى منه، ومتى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة.

وأما السؤال الثاني: فجوابه أن حمل الآية على أن يكون معناها ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله أولى من حملها على أن المراد ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله شفاعته، لأن على التقدير الأول تفيد الآية الترغيب والتحريض على طلب مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه، وعلى التقدير الثاني لا تفيد الآية ذلك، ولا شك أن تفسير كلام الله تعالى بما كان أكثر فائدة أولى.

وخامسها: قوله تعالى في صفة الكفار: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين  ﴾ خصهم بذلك فوجب أن يكون حال المسلم بخلافه بناء على مسألة دليل الخطاب.

وسادسها: قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات  ﴾ دلت الآية على أنه تعالى أمر محمداً بأن يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات وقد بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإذا كان كذلك ثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلم استغفر لهم، وإذا كان كذلك ثبت أن الله تعالى قد غفر لهم.

وإلا لكان الله تعالى قد أمره بالدعاء ليرد دعاءه فيصير ذلك محض التحقير والايذاء وهو غير لائق بالله تعالى ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم فدل على أن الله تعالى لما أمر محمداً بالاستغفار لكل العصاة فقد استجاب دعاءه، وذلك إنما يتم لو غفر لهم ولا معنى للشفاعة إلا هذا.

وسابعها: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا  ﴾ فالله تعالى أمر الكل بأنهم إذا حياهم أحد بتحية أن يقابلوا تلك التحية بأحسن منها أو يردوها، ثم أمرنا بتحية محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: ﴿ النبى ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ الصلاة من الله رحمة ولا شك أن هذا تحية، فلما طلبنا من الله الرحمة لمحمد عليه الصلاة والسلام وجب بمقتضى قوله: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ ، أن يفعل محمد مثله وهو أن يطلب لكل المسلمين الرحمة من الله تعالى، وهذا هو معنى الشفاعة، ثم توافقنا على أنه عليه الصلاة والسلام غير مردود الدعاء، فوجب أن يقبل الله شفاعته في الكل وهو المطلوب.

وثامنها: قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فاستغفروا الله واستغفر لَهُمُ الرسول لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً  ﴾ وليس في الآية ذكر التوبة، والآية تدل على أن الرسول متى استغفر للعصاة والظالمين فإن الله يغفر لهم، وهذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا، فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة، لأنه لا قائل بالفرق.

وتاسعها: أجمعنا على وجوب الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم فتأثيرها إما أن يكون في زيادة المنافع أو في إسقاط المضار والأول باطل وإلا لكنا شافعين للرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلبنا من الله تعالى أن يزيد في فضله عند ما نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو المطلوب، فإن قيل: إنما لا يطلق علينا كوننا شافعين لمحمد صلى الله عليه وسلم لوجهين: الأول: أن الشفيع لابد أن يكون أعلى رتبة من المشفوع له، ونحن وإن كنا نطلب الخير له عليه الصلاة والسلام ولكن لما كنا أدنى رتبة منه عليه الصلاة والسلام لم يصح أن نوصف بكوننا شافعين له.

الثاني: قال أبو الحسين: سؤال المنافع للغير إنما يكون شفاعة إذا كان فعل تلك المنافع لأجل سؤاله ولولاه لم تفعل أو كان لسؤاله تأثير في فعلها، فأما إذا كانت تفعل سواء سألها أو لم يسألها، وكان غرض السائل التقرب بذلك إلى المسؤول، وإن لم يستحق المسؤول له بذلك السؤال منفعة زائدة فإن ذلك لا يكون شفاعة له، ألا ترى أن السلطان إذا عزم على أن يعقد لابنه ولاية فحثه بعض أوليائه على ذلك وكان يفعل ذلك لا محالة سواء حثه عليه أو لم يحثه، وقصد بذلك التقرب إلى السلطان ليحصل له بذلك منزلة عنده فإنه لا يقال إنه يشفع لابن السلطان: وهذه حالتنا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما نسأله له من الله تعالى، فلم يصح أن نكون شافعين، والجواب على الأول، لا نسلم أن الرتبة معتبرة في الشفاعة.

والدليل عليه أن الشفيع إنما سمي شفيعاً مأخوذاً من الشفع، وهذا المعنى لا تعتبر فيه الرتبة، فسقط قولهم، وبهذا الوجه يسقط السؤال الثاني، وأيضاً فنقول في الجواب عن السؤال الثاني: إنا وإن كنا نقطع بأن الله تعالى يكرم رسوله ويعظمه سواء سألت الأمة ذلك أم لم تسأل، ولكنا لا نقطع بأنه لا يجوز أن يزيد في إكرامه بسبب سؤال الأمة ذلك على وجه لولا سؤال الأمة لما حصلت تلك الزيادة وإذا كان هذا الاحتمال يجوز، وجب أن يبقى تجويز كوننا شافعين للرسول صلى الله عليه وسلم ولما بطل ذلك باتفاق الأمة بطل قولهم.

وعاشرها: قوله تعالى في صفة الملائكة: ﴿ الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ  ﴾ وصاحب الكبيرة من جملة المؤمنين فوجب دخوله في جملة من تستغفر الملائكة لهم، أقصى ما في الباب أنه ورد بعد ذلك قوله: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَك  ﴾ ، إلا أن هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا ذكر بعده بعض أقسامه فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص.

الحادي عشر: الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر، ولنذكر منها ثلاثة أوجه، الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» قالت المعتزلة: الاعتراض عليه من ثلاثة وجوه: أحدها: أنه خبر واحد ورد على مضادة القرآن، فإنا بينا أن كثيراً من الآيات يدل على نفي هذه الشفاعة وخبر الواحد إذا ورد على خلاف القرآن وجب رده.

وثانيها: أنه يدل على أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر وهذا غير جائز، لأن شفاعته منصب عظيم فتخصيصه بأهل الكبائر فقط يقتضي حرمان أهل الثواب عنه وذلك غير جائز، لأنه لا أقل من التسوية.

وثالثها: أن هذه المسألة ليست من المسائل العملية فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظن وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلا يجوز التمسك في هذه المسألة بهذا الخبر.

ثم إن سلمنا صحة الخبر لكن فيه احتمالات، أحدها: أن يكون المراد منه الاستفهام بمعنى الانكار يعني أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي كما أن المراد من قوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ أي أهذا ربي.

وثانيها: أن لفظ الكبيرة غير مختص لا في أصل اللغة ولا في عرف الشرع بالمعصية بل كما يتناول المعصية بل كما يتناول المعصية يتناول الطاعة.

قال تعالى في صفة الصلاة: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين  ﴾ ، وإذا كان كذلك فقوله لأهل الكبائر: لا يجب أن يكون المراد منه أهل المعاصي الكبيرة بل لعل المراد منه أهل الطاعات الكبيرة.

فإن قيل: هب أن لفظ الكبيرة يتناول الطاعات والمعاصي ولكن قوله أهل الكبائر صيغة جمع مقرونة بالألف واللام فيفيد العموم فوجب أن يدل الخبر على ثبوت الشفاعة لكل من كان من أهل الكبائر سواء كان من أهل الطاعات الكبيرة أو المعاصي الكبيرة قلنا: لفظ الكبائر وإن كان للعموم إلا أن لفظ أهل مفرد فلا يفيد العموم فيكفي في صدق الخبر شخص واحد من أهل الكبائر فنحمله على الشخص الآتي بكل الطاعات، فإنه يكفي في العمل بمقتضى الحديث حمله عليه.

وثالثها: هب أنه يجب حمل أهل الكبائر على أهل المعاصي الكبيرة لكن أهل المعاصي الكبيرة أعم من أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة أو قبل التوبة فنحن نحمل الخبر على أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله عليه بما انحبط من ثواب طاعته المتقدمة على فسقه سلمنا دلالة الخبر على قولكم لكنه معارض بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ذكره مع همزة الاستفهام على سبيل الإنكار.

وروى الحسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي» واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده، ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة وإن سائر الأخبار دالة على سقوط كل هذه التأويلات.

الثاني: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً» رواه مسلم في الصحيح والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته صلى الله عليه وسلم تنال كل من مات من أمته لا يشرك بالله شيئاً وصاحب الكبيرة كذلك، فوجب أن تناله الشفاعة.

والثالث: عن أبي هريرة قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك؟

قالوا: لا يا رسول الله، قال: يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس، فيبلّغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟

ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟

فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟

فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته.

نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح.

فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟

فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم.

فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقولون: أنت إبراهيم نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟

فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ويقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسلاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟

فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى بن مريم، فيأتون عيسى فيقولون: أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟

فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد.

فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟

فأنطلق واستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول لي: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي تبارك وتعالى وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: أرفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم اشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة.

ثم ارجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود».

وأكثر هذا الخبر مخرج بلفظه في الصحيحين.

قالت المعتزلة: الكلام على هذا الخبر وأمثاله من وجوه، أحدها: أن هذه الأخبار أخبار طويلة فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فالظاهر أن الراوي إنما رواها بلفظ نفسه، وعلى هذا التقدير لا يكون شيء منها حجة.

وثانيها: أنها خبر عن واقعة واحدة، وأنها رويت على وجوه مختلفة مع الزيادات والنقصانات، وذلك أيضاً مما يطرق التهمة إليها.

وثالثها: أنها مشتملة على التشبيه وذلك باطل أيضاً يطرق التهمة إليها.

ورابعها: أنها وردت على خلاف ظاهر القرآن.

وذلك أيضاً بطرق التهمة إليها.

وخامسها: أنها خبر عن واقعة عظيمة تتوافر الدواعي على نقلها، فلو كان صحيحاً لوجب بلوغه إلى حد التواتر وحيث لم يكن كذلك فقد تطرقت التهمة إليها.

وسادسها: أن الاعتماد على خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظن في المسائل القطعية غير جائز.

أجاب أصحابنا عن هذه المطاعن بأن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان مروياً بالآحاد إلا أنها كثيرة جداً وبينها قدر مشترك واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مروياً على سبيل التواتر، فيكون حجة والله أعلم.

والجواب على جميع أدلة المعتزلة بحرف واحد وهو أن أدلتهم على نفي الشفاعة تفيد نفي جميع أقسام الشفاعات، وأدلتنا على إثبات الشفاعة تفيد إثبات شفاعة خاصة والعام والخاص إذا تعارضا قدم الخاص على العام فكانت دلائلنا مقدمة على دلائلهم، ثم إنا نخص كل واحد من الوجوه التي ذكروها بجواب على حدة: أما الوجه الأول: وهو التمسك بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ فهب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل، فإذا قامت الدلائل الدالة على وجود الشفاعة وجب المصير إلى تخصيصها.

وأما الوجه الثاني: وهو قوله تعالى: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ  ﴾ فالجواب عنه أن قوله: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ نقيض لقولنا: للظالمين حميم وشفيع، لكن قولنا للظالمين: حميم وشفيع موجبة كلية، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، والسالبة يكفي في صدقها تحقق ذلك السلب في بعض الصور، ولا يحتاج فيه إلى تحقق ذلك السلب في جميع الصور، وعلى هذا فنحن نقول بموجبه لأن عندنا أنه ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب وهم الكفار، فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب الحميم والشفيع فلا.

وأما الوجه الثالث: وهو قوله: ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة  ﴾ فالجواب عنه ما تقدم في الوجه الأول.

وأما الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ فالجواب عنه أنه نقيض لقولنا: للظالمين أنصار وهذه موجبة كلية فقوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ سالبة جزئية فيكون مدلوله سلب العموم وسلب العموم لا يفيد عموم السلب.

وأما الوجه الخامس: وهو قوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين  ﴾ فهذا وارد في حق الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في حق المؤمنين.

وأما الوجه السادس: وهو قوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى  ﴾ فقد تقدم القول فيه.

وأما الوجه السابع: وهو قول المسلمين: اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فالجواب عنه أن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب وأعني به القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع المضار المستحقة على المعاصي، وذلك القدر المشترك لا يتوقف على كون العبد عاصياً فاندفع السؤال.

وأما الوجه الثامن: وهو التمسك بقوله: ﴿ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ  ﴾ فالكلام عليه سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الوعيد.

وأما الوجه التاسع: وهو قوله لم يوجد ما يدل على إذن الله عز وجل في الشفاعة لأصحاب الكبائر، فجوابه أن هذا ممنوع والدليل عليه ما أوردنا من الدلائل الدالة على حصول هذه الشفاعة.

وأما الوجه العاشر: وهو قوله في حق الملائكة: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ  ﴾ فجوابه ما بينا أن خصوص آخر هذه الآية لا يقدح في عموم أولها.

وأما الأحاديث فهي دالة على أن محمد صلى الله عليه وسلم لا يشفع لبعض الناس ولا يشفع في بعض مواطن القيامة، وذلك لا يدل على أنه لا يشفع لأحد ألبتة من أصحاب الكبائر، ولا أنه يمتنع من الشفاعة في جميع المواطن.

والذي نحققه أنه تعالى بين أن أحداً من الشافعين لا يشفع إلا بإذن الله، فلعل الرسول لم يكن مأذوناً في بعض المواضع وبعض الأوقات، فلا يشفع في ذلك المكان ولا في ذلك الزمان، ثم يصير مأذوناً في موضع آخر وفي وقت آخر في الشفاعة فيشفع هناك والله أعلم.

قالت الفلاسفة في تأويل الشفاعة: إن واجب الوجود عام الفيض تام الجود، فحيث لا يحصل فإنما لا يحصل لعدم كون القابل مستعداً، ومن الجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض عن واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء كالمتوسط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الأول، ومثاله في المحسوس أن الشمس لا تضيء إلا للقابل المقابل، وسقف البيت لما لم يكن مقابلاً لجرم الشمس لا جرم لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس، إلا أنه إذا وضع طست مملوء من الماء الصافي ووقع عليه ضوء الشمس انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف فيكون ذلك الماء الصافي متوسطاً في وصول النور من قرص الشمس إلى السقف الذي هو غير مقابل للشمس، وأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق في وصول فيض واجب الوجود إلى أرواح العامة، فهذا ما قالوه في الشفاعة تفريعاً على أصولهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ ﴾ نصب عطف على ﴿ نِعْمَتِيَ ﴾ أي اذكروا نعمتي وتفضيلي ﴿ عَلَى العالمين ﴾ على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى: ﴿ بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين ﴾ [الأنبياء: 71] يقال: رأيت عالماً من الناس يراد الكثرة ﴿ يَوْمًا ﴾ يريد يوم القيامة ﴿ لاَّ تَجْزِى ﴾ لا تقضي عنها شيئًا من الحقوق.

ومنه الحديث في جذعة بن نيار: «تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك» و ﴿ شَيْئاً ﴾ مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر، أي قليلاً من الجزاء، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ [مريم: 60] ومن قرأ ﴿ لا تجزئ ﴾ من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من الإجزاء.

وقرأ أبو السرار الغنوي: ﴿ لا تجزي نسمة عن نسمة شيئاً ﴾ .

وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ل (يوماً).

فإن قلت: فأين العائد منها إلى الموصوف؟

قلت: هو محذوف تقديره: لا تجزي فيه.

ونحوه ما أنشده أبو علي: تَرَوَّحِي أَجْدَرُ أَنْ تَقِيلِي أي ماء أجدر بأن تقيلي فيه.

ومنهم من ينزل فيقول: اتسع فيه، فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله: أم مال أصابوا.

ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئاً من الأشياء، وهو الإقناط الكلي القطّاع للمطامع.

وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شلفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ أي فدية لأنها معادلة للمفدى.

ومنه الحديث: «لا يقبل منه صرف ولا عدل» أي توبة ولا فدية.

وقرأ قتادة: ﴿ ولا يَقْبَلُ منها شفاعةً ﴾ على بناء الفعل للفاعل وهو الله عز وجل، ونصب الشفاعة.

وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا.

فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الشفاعة لا تقبل للعصاة؟

قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقاً أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة.

فإن قلت: الضمير في ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا ﴾ إلى أي النفسين يرجع؟

قلت: إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها، وهي التي لا يؤخذ منها عدل.

ومعنى لا يقبل منها شفاعة: إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها.

ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنه لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزئ عنها شيئاً، ولو أعطت عدلاً عنها لم يؤخذ منها ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ يعني ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير بمعنى العباد والأناسي، كما تقول: ثلاثة أنفس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتَّقُوا يَوْمًا ﴾ أيْ ما فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعَذابِ.

﴿ لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ﴾ لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ، أوْ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، وقُرِئَ لا « تُجْزِئُ» مِن أجْزَأ عَنْهُ إذا أغْنى وعَلى هَذا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وإيرادُهُ مُنْكَّرًا مَعَ تَنْكِيرِ النَّفْسَيْنِ لِلتَّعْمِيمِ والإقْناطِ الكُلِّيِّ والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِيَوْمًا، والعائِدُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لا تَجْزِي فِيهِ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْ حَذْفَ العائِدِ المَجْرُورِ قالَ: اتَّسَعَ فِيهِ فَحُذِفَ عَنْهُ الجارُّ وأُجْرِيَ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ ثُمَّ حُذِفَ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمْ مالٌ أصابُوا.

﴿ وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ أيْ مِنَ النَّفْسِ الثّانِيَةِ العاصِيَةِ، أوْ مِنَ الأُولى، وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالآيَةِ نَفْيَ أنْ يَدْفَعَ العَذابَ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ مِن كُلِّ وجْهٍ مُحْتَمَلٍ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَهْرًا أوْ غَيْرَهُ، والأوَّلُ النُّصْرَةُ، والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ مَجّانًا أوْ غَيْرَهُ.

والأوَّلُ أنْ يُشْفَعَ لَهُ والثّانِي إمّا بِأداءِ ما كانَ عَلَيْهِ وهو أنْ يُجْزِيَ عَنْهُ، أوْ بِغَيْرِهِ وهو أنْ يُعْطى عَنْهُ عَدْلًا.

والشَّفاعَةُ مِنَ الشَّفْعِ كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ فَرْدًا فَجَعَلَهُ الشَّفِيعُ شَفْعًا بِضَمِّ نَفْسِهِ إلَيْهِ، والعَدْلُ الفِدْيَةُ.

وقِيلَ: البَدَلُ وأصْلُهُ التَّسْوِيَةُ سُمِّيَ بِهِ الفِدْيَةُ لِأنَّها سُوِّيَتْ بِالمُفْدى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « ولا تُقْبَلُ» بِالتّاءِ.

﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ، والضَّمِيرُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ الثّانِيَةُ المُنْكَّرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْسِ مِنَ النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ، وتَذْكِيرُهُ بِمَعْنى العِبادِ أوِ الأناسِيِّ، والنَّصْرُ أخَصُّ مِنَ المَعُونَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِدَفْعِ الضُّرِّ.

وقَدْ تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، وأُجِيبُ بِأنَّها مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ لِلْآياتِ والأحادِيثِ الوارِدَةِ في الشَّفاعَةِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الخِطابَ مَعَهُمْ، والآيَةُ نَزَلَتْ رَدًّا لِما كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ آباءَهم تَشْفَعُ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واتقوا يَوْمًا} أي يوم القيامة وهو مفعول به لا ظرف {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ} مؤمنة {عَن نَّفْسٍ} كافرة {شَيْئاً} أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق التى لزمتها وشيئا مفعول به أو مصدر أي قليلاً من الجزاء والجملة منصوبة المحل صفة يوما والعائد منها إلى الموصوف محذوف تقديره لا تجزى فيه {ولا يقبل منها شفاعةٌ} ولا تقبل بالتاء مكى وبصرى والضمير فى منها يرجع إن النفس المؤمنة أي لا تقبل منها شفاعة للكافرة وقيل كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا فهو كقوله فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين وتشبث المعتزلة بالآية في نفي الشفاعة للعصاة مردود لأن المنفي شفاعة الكفار وقد قال عليه السلام شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي من كذب بها لم ينلها {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فدية لأنها معادلة للمفدى {ولا هم ينصرون} يعانون وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة وذكّر لمعنى العباد أو الأناسي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ اليَوْمُ الوَقْتُ وانْتِصابُهُ إمّا عَلى الظَّرْفِ، والمُتَّقى مَحْذُوفٌ، أيْ واتَّقُوا العَذابَ يَوْمًا، وإمّا مَفْعُولٌ بِهِ واتِّقاؤُهُ بِمَعْنى اتِّقاءِ ما فِيهِ، إمّا مَجازًا بِجَعْلِ الظَّرْفِ عِبارَةً عَنِ المَظْرُوفِ، أوْ كِنايَةً عَنْهُ لِلُزُومِهِ لَهُ، فالِاتِّقاءُ مِن نَفْسِ اليَوْمِ مِمّا لا يُمْكِنُ، لِأنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ، ولا بُدَّ أنْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ والنّارِ جَمِيعًا، والمُمْكِنُ المَقْدُورُ اتِّقاءُ ما فِيهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، (وتَجْزِي) مِن جَزى بِمَعْنى قَضى، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِمَفْعُولِهِ الأوَّلِ، وبِعَنْ لِلثّانِي، وقَدْ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى: لا تَقْضِي يَوْمَ القِيامَةِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا مِمّا وجَبَ عَلَيْها، ولا تَنُوبُ عَنْها، ولا تَحْتَمِلُ مِمّا أصابَها، أوْ لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ، فَنَصْبُ (شَيْئًا) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ قائِمٌ مَقامَ المَصْدَرِ، أيْ جَزاءَ ما، وقَرَأ أبُو السَّماكِ (ولا تَجْزِئُ) مِن أجْزَأ عَنْهُ إذا أغْنى، فَهو لازِمٌ، (وشَيْئًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لا غَيْرُ، والمَعْنى: لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، ولا تُجْدِيها نَفْعًا، وتَنْكِيرُ الأسْماءِ لِلتَّعْمِيمِ في الشَّفِيعِ والمَشْفُوعِ، وما فِيهِ الشَّفاعَةُ، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ، والإيذانِ بِانْقِطاعِ المَطامِعِ ما لا يَخْفى، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ ﴾ ﴿ وأُمِّهِ وأبِيهِ ﴾ ﴿ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ﴾ ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ والجُمْلَةُ في المَشْهُورِ صِفَةُ (يَوْمٍ) والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ لا تَجْزِي فِيهِ، ولَمْ يُجَوِّزِ الكِسائِيُّ حَذْفَ المَجْرُورِ إذا لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَلا تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا أرْغَبُ، وأنْتَ تُرِيدُ: أرْغَبُ فِيهِ، ومَذْهَبُهُ في هَذا التَّدْرِيجُ، وهو أنْ يُحْذَفَ حَرْفُ الجَرِّ أوَّلًا، حَتّى يَتَّصِلَ الضَّمِيرُ بِالفِعْلِ، فَيَصِيرَ مَنصُوبًا، فَيَصِحَّ حَذْفُهُ كَما في قَوْلِهِ: فَما أدْرِي أغَيَّرَهم تَناءٍ وطُولُ العَهْدِ أوْ مالٌ أصابُوا يُرِيدُ أصابُوهُ، وقَدْ يَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ لا تَكُونَ الجُمْلَةُ صِفَةً بَلْ مُضافٌ إلَيْها (يَوْمٌ) مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ المَحْذُوفُ بَدَلًا مِنَ المَذْكُورِ، ومِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الكِسائِيُّ: أطْعَمُونا لَحْمًا سَمِينًا شاةٍ ذَبَحُوها، بِجَرِّ شاةٍ، عَلى تَقْدِيرِ لَحْمِ شاةٍ، وحَكى الفَرّاءُ مِثْلَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: رَحِمَ اللَّهُ أعْظُمًا دَفَنُوها ∗∗∗ بِسِجِسْتانَ طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ فِي رِوايَةِ مَن خَفَضَ طَلْحَةَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجَوِّزُونَ حَذْفَ المُضافِ، وتَرْكَ المُضافِ إلَيْهِ عَلى خَفْضِهِ، ويَقُولُونَ بِشُذُوذِ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو سِرارٍ (لا تَجْزِي نَسَمَةٌ عَنْ نَسَمَةٍ)، وهي بِمَعْنى النَّفْسِ.

﴿ ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ الشَّفاعَةُ كَما في البَحْرِ ضَمُّ غَيْرِهِ إلى وسِيلَتِهِ، وهي مِنَ الشَّفْعِ ضِدَّ الوَتَرِ، لِأنَّ الشَّفِيعَ يَنْضَمُّ إلى الطّالِبِ في تَحْصِيلِ ما يَطْلُبُ فَيَصِيرُ شَفْعًا بَعْدَ أنْ كانَ فَرْدًا، والعَدْلُ الفِدْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا البَدَلُ، أيْ رَجُلٌ مَكانَ رَجُلٍ، وأصْلُ العَدْلِ بِفَتْحِ العَيْنِ ما يُساوِي الشَّيْءَ قِيمَةً وقَدْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ، وبِكَسْرِها المُساوِي في الجِنْسِ والجِرْمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّ عَدْلَ الشَّيْءِ بِالفَتْحِ والكَسْرِ مِثْلُهُ، وأنْشَدَ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: صَبَرْنا لا نَرى لِلَّهِ عَدْلًا ∗∗∗ عَلى ما نابَنا مُتَوَكِّلِينا وقالَ ثَعْلَبٌ: العَدْلُ الكَفِيلُ والرِّشْوَةُ، ولَمْ يُؤَثِّرْ في الآيَةِ، والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ بِمِن إمّا راجِعانِ إلى النَّفْسِ الثّانِيَةِ، لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِمَوافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ولِأنَّهُ المُتَبادِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ ومَعْنى عَدَمِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ حِينَئِذٍ أنَّها إنْ جاءَتْ بِشَفاعَةِ شَفِيعٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنها، وإمّا إلى الأُولى لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها، والثّانِيَةُ فَضْلَةٌ، ولِأنَّ المُتَبادِرَ مِن نَفْيِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ أنَّها لَوْ شَفَعَتْ لَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُها، وحِينَئِذٍ مَعْنى عَدَمِ أخْذِ العَدْلِ مِنَ الأُولى أنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ عَدْلًا مِنَ الثّانِيَةِ لَمْ يُؤْخَذْ، وكَأنَّ في الآيَةِ عَلى هَذا نَوْعًا مِنَ التَّرَقِّي ارْتُكِبَ هُنا، وإنْ لَمْ يُرْتَكَبْ في مَقامٍ آخَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ النَّفْسَ الأُولى لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِخْلاصِ صاحِبَتَها مِن قَضاءِ الواجِباتِ، وتَدارُكِ التَّبِعاتِ، لِأنَّها مَشْغُولَةٌ عَنْها بِشَأْنِها، ثُمَّ إنْ قَدَرَتْ عَلى نَفْيِ ما كانَ بِشَفاعَةٍ لا يُقْبَلُ مِنها، وإنْ زادَتْ عَلَيْهِ بِأنْ ضَمَّتِ الفِداءَ فَلا يُؤْخَذُ مِنها، وإنْ حاوَلَتِ الخَلاصَ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ، وأنّى لَها ذَلِكَ، فَلا تَتَمَكَّنُ مِنهُ، واخْتارَ الكَواشِيُّ جَعْلَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلنَّفْسِ الأُولى، والثّانِيَةَ لِلثّانِيَةِ عَلى اللَّفِّ والنَّشْرِ، لِما فِيهِ مِن إجْراءِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى المَعْنى الظّاهِرِ مِنهُما، ويُهَوِّنُ أمْرَ التَّفْكِيكِ الِاتِّضاحُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (ولا تُقْبَلُ) بِالتّاءِ، وسُفْيانُ (يَقْبَلُ) بِفَتْحِ الياءِ ونَصْبِ شَفاعَةٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وفِيهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في (نِعْمَتِي) إلَخْ، إلى ضَمِيرِ الغائِبِ، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ.

﴿ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ النَّصْرُ في الأصْلِ المَعُونَةُ، ومِنهُ أرْضٌ مَنصُورَةٌ مَمْدُودَةٌ بِالمَطَرِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِدَفْعِ الضَّرَرِ، أيْ ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إمّا إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ الثّانِيَةُ المُنَكَّرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مِنَ النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعْنًى بِدِلالَةِ لَفْظٍ آخَرَ، وإمّا إلى النَّفْسِ المُنَكَّرَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُها لِعُمُومِها بِالنَّفْيِ في مَعْنى الكَثْرَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ﴾ وأتى بِهِ مُذَكَّرًا لِتَأْوِيلِ النُّفُوسِ بِالعِبادِ والأناسِيِّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ عَبِيدٌ مَقْهُورُونَ مَذْلُلُونَ تَحْتَ سُلْطانِهِ تَعالى، وأنَّهم ناسٌ كَسائِرِ النّاسِ في هَذا الأمْرِ، وعَوْدُهُ إلى النَّفْسَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعْلُ النَّفْيِ مُنْسَحِبًا عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِلتَّقْوى، ورَفْعُ (هُمْ) عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وجَعْلُهُ مَفْعُولًا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والفِعْلُ بَعْدَهُ مُفَسِّرٌ، فَتَوافُقُ الجُمَلِ لا أُوافِقُ عَلى اخْتِيارِهِ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وتَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، وكَوْنُ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، والآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ، لا يَدْفَعُ العُمُومَ المُسْتَفادَ مِنَ اللَّفْظِ، وأُجِيبَ بِالتَّخْصِيصِ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ بِحَسَبِ المَكانِ والزَّمانِ، فَإنَّ مَواقِفَ القِيامَةِ ومِقْدارُ زَمانِها فِيها سَعَةٌ وطُولٌ، ولَعَلَّ هَذِهِ الحالَةَ في ابْتِداءِ وُقُوعِها وشِدَّتِهِ، ثُمَّ يَأْذَنُ بِالشَّفاعَةِ، وقَدْ قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ وكَوْنُ مَقامِ الوَعِيدِ يَأْبى عَنْهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والثّانِي بِحَسَبِ الأشْخاصِ إذْ لا بُدَّ لَهم مِنَ التَّخْصِيصِ في غَيْرِ العُصاةِ لِمَزِيدِ الدَّرَجاتِ، فَلَيْسَ العامُّ باقِيًا عَلى عُمُومِهِ عِنْدَهُمْ، وإلّا اقْتَضى نَفْيَ زِيادَةِ المَنافِعِ، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ، ونَحْنُ نُخَصِّصُ في العُصاةِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ البالِغَةِ حَدَّ التَّواتُرِ، وحَيْثُ فُتِحَ بابُ التَّخْصِيصِ نَقُولُ أيْضًا: ذَلِكَ النَّفْيُ مُخَصَّصٌ بِما قَبْلَ الإذْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ ﴾ وهو تَخْصِيصٌ لَهُ دَلِيلٌ، وتَخْصِيصُهم لا يَظْهَرُ لَهُ دَلِيلٌ، عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ بِزِيادَةِ المَنافِعِ يَكادُ أنْ لا تَكُونَ شَفاعَةً، وإلّا لَكُنّا شُفَعاءَ الرَّسُولِ  عِنْدَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ الإجْماعَ وقَعَ مِنّا، ومِنهم عَلى أنَّهُ هو الشَّفِيعُ، وأيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ما يُشِيرُ إلى الشَّفاعَةِ الَّتِي نَدَّعِيها، ويَحُثُّ عَلى التَّخْصِيصِ الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى الشَّفاعَةَ وحَشَرَنا في زُمْرَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً، أي واخشوا عذاب يوم لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، يعني لا تغني في ذلك اليوم نفس مؤمنة عن نفس كافرة، وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن من أولاد إبراهيم خليل الله، ومن أولاد إسحاق والله تعالى يقبل شفاعتهما فينا، فنزلت هذه الآية: لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، أي لا تغني نفس مؤمنة عن نفس مؤمنة ولا نفس كافرة عن نفس كافرة.

وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ، أي من نفس كافرة يعني لا ينفع فيها شافع ولا ملك ولا رسول لغير أهل القبلة.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وَلاَ تقبل بالتاء، لأن الشفاعة مؤنثة وقرأ الباقون بالياء، لأن تأنيثه ليس بحقيقي، وما لم يكن تأنيثه حقيقياً جاز تذكيره، وكقوله عز وجل: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: 275] ثم قال تعالى: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ، أي لا يقبل الفداء من نفس كافرة كما قال في موضع آخر فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً [آل عمران: 91] ، ويقال: لو جاءت بعدل نفسها رجلاً مكانها لا يقبل منها.

وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، يقول: ولا هم يمنعون من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

رواه عن زيد بن أسْلَمَ «١» .

انتهى.

والمُلاَقَاةُ هي لِلثوابِ أو العقابِ، ويصحُّ أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث.

وراجِعُونَ: قيل: معناه: بالموْتِ، وقيل: بالحشرِ والخروجِ إلى الحساب والعرضِ، ويقوِّي هذا القوْل الآيةُ المتقدِّمة قوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: قد تكرَّر هذا النداءُ والتذكيرُ بالنعمة، وفائدةُ ذلك أن الخطاب الأول يصحُّ أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرِّر إنما هو للكافرين بدلالة ما بعده وأيضاً: فإن فيه تقويةَ التوقيف، وتأكيدَ الحضِّ على أيَادِي اللَّه سبحانه، وحُسْن خطابهم بقوله سبحانه: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيلٌ لهم، وفي الكلام اتساعٌ، قال قتادة وغيره: المعنى:

على عَالَمِ زمانِهِمُ الذي كانتْ فيه النبوءةُ المتكرِّرة، لأن الله تعالى يقول لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «٢» [آل عمران: ١١٠] .

وَاتَّقُوا يَوْماً، أي: عذابَ يوم، أو هولَ يومٍ ويصح أن يكون يوماً نصبه على

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ آَباءَها الأنْبِياءَ تَشْفَعُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَآَيَسَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآَيَةِ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا ﴾ \[فِيهِ \] إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا عَذابَ يَوْمٍ، أوْ ما في يَوْمٍ.

والمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ و"تَجْزِي" بِمَعْنى تَقْضِي.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: جَزى الأمْرَ عَنِّي يَجْزِي، بِغَيْرِ هَمْزٍ، أيْ: قَضى عَنِّي، وأجْزَأنِي بُجْزِئُنِي، مَهْمُوزٌ، أيْ: كَفانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ ﴾ قالُوا المُرادُ بِالنَّفْسِ هاهُنا: النَّفْسُ الكافِرَةُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( ولا تَقْبَلُ مِنها شَفاعَة ) .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، إلّا أنَّ قَتادَةَ فَتَحَ الياءَ، ونَصَبَ الشَّفاعَةَ، لِيَكُونَ الفِعْلُ لِلَّهِ تَعالى.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِأنَّ الِاسْمَ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ هَذا الفِعْلَ مُؤَنَّثٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يُلْحِقَ المُسْنَدَ أيْضًا عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّ التَّأْنِيثَ في الِاسْمِ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى، كَما أنَّ الوَعْظَ والمَوْعِظَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وفي الآَيَةِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يُقْبَلُ مِنها فِيهِ شَفاعَةٌ.

والشَّفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي يُخالِفُ الوِتْرَ، وذَلِكَ أنَّ سُؤالَ الشَّفِيعِ يَشْفَعُ سُؤالُ المَشْفُوعِ لَهُ.

فَأمّا "العَدْلُ" فَهو الفِداءُ، وسُمِّيَ عَدْلًا، لِأنَّهُ يُعادِلُ المُفَدّى.

واخْتَلَفَ اللُّغَوِيُّونَ: هَلِ "العَدْلُ" و"العِدْلُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها، يَخْتَلِفانِ، أمْ لا؟

فَقالَ الفَرّاءُ: العَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ: ما عادَلَ الشَّيْءَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، والعِدْلُ بِكَسْرِها: ما عادَلَ الشَّيْءَ مِن جِنْسِهِ، فَهو المَثَلُ، تَقُولُ: عِنْدِي عَدْلُ غُلامِكَ، بِفَتْحِ العَيْنِ: إذا أرَدْتَ قِيمَتَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وعِنْدِي عِدْلُ غُلامِكَ، بِكَسْرِ العَيْنِ: إذا كانَ غُلامٌ يَعْدِلُ غُلامًا.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّ العَدْلَ والعِدْلَ في مَعْنى المَثَلِ، وأنَّ المَعْنى واحِدٌ، سَواءٌ كانَ المَثَلُ مِنَ الجِنْسِ أوْ مِن غَيْرِ الجِنْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ ﴾ ﴿ أتَأْمُرُونَ الناسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ المَعْنى: ولا تَخْلِطُوا، يُقالُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- ألْبَسُهُ إذا خَلَطْتُهُ، ومَزَجْتُ بَيْنَهُ بِمُشْكِلِهِ وحَقِّهِ بِباطِلِهِ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: وكَتِيبَةٌ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَة......................................

فالظاهِرُ أنَّهُ مِن هَذا المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِنَ اللِباسِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ الحَقَّ بِالباطِلِ ﴾ ، فَقالَ أبُو العالِيَةِ: قالَتِ اليَهُودُ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ولَكِنْ إلى غَيْرِنا.

فَإقْرارُهم بِبَعْثِهِ حَقٌّ، وجَحْدُهم أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِمْ باطِلٌ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: كانَ مِنَ اليَهُودِ مُنافِقُونَ، فَما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ حَقٌّ، وما أبْطَنُوا مِنَ الكُفْرِ باطِلٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ لا تَخْلِطُوا اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالحَقِّ التَوْراةُ، والباطِلُ ما بَدَّلُوا فِيها مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"تَلْبِسُوا" جَزْمٌ بِالنَهْيِ، و"تَكْتُمُوا" عَطْفٌ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ "أنْ"، وإذا قُدِّرَتْ "أنْ" كانَتْ مَعَ "تَكْتُمُوا" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وكانَتِ الواوُ عاطِفَةً عَلى مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِن "تَلْبِسُوا"، كَأنَّ الكَلامَ: "وَلا يَكُنْ لَبْسُكُمُ الحَقَّ بِالباطِلِ، وكِتْمانُكُمُ الحَقَّ"، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "تَكْتُمُوا" نُصِبَ بِواوِ الصَرْفِ.

و"الحَقَّ" يَعْنِي بِهِ أمْرَ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَمْ يَشْهَدْ لَهم تَعالى بِعِلْمٍ، وإنَّما نَهاهم عن كِتْمانِ ما عَلِمُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِعِلْمِ حَقٍّ مَخْصُوصٍ، في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَشْهَدْ لَهم بِالعِلْمِ عَلى الإطْلاقِ، ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ الحالِ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ دَلِيلٌ عَلى تَغْلِيظِ الذَنْبِ عَلى مَن واقَعَهُ عَلى عِلْمٍ وأنَّهُ أعْصى مِنَ الجاهِلِ.

و ﴿ أقِيمُوا الصَلاةَ  ﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا هَيْئَتَها وأدِيمُوها بِشُرُوطِها، وذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِإقامَةِ القاعِدِ إلى حالِ ظُهُورٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا يُقالُ أتَيْتُمْ لَمْ يَبْرَحُوا ∗∗∗ حَتّى تُقِيمَ الخَيْلُ سُوقَ طِعانِ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (الصَلاةِ).

و"الزَكاةَ" في هَذِهِ الآيَةِ هي المَفْرُوضَةُ، بِقَرِينَةِ إجْماعِ الأُمَّةِ عَلى وُجُوبِ الأمْرِ بِها، و"الزَكاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِن زَكا الشَيْءُ إذا نَما وزادَ، وسُمِّيَ الإخْراجُ مِنَ المالِ زَكاةً وهو نَقْصٌ مِنهُ مِن حَيْثُ يَنْمُو بِالبِرْكَةِ، أو بِالأجْرِ الَّذِي يُثِيبُ اللهُ بِهِ المُزَكِّي.

وقِيلَ: "الزَكاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَطْهِيرِ، كَما يُقالُ: زَكا فَلانٌ أيْ: طَهُرَ مِن دَنَسِ الجُرْحَةِ أوِ الإغْفالِ، فَكَأنَّ الخارِجَ مِنَ المالِ يُطَهِّرُهُ مِن تَبِعَةِ الحَقِّ الَّذِي جَعَلَ اللهُ فِيهِ لِلْمَساكِينِ، ألا تَرى أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَمّى في ما يَخْرُجُ في الزَكاةِ أوساخَ الناسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ ﴾ قالَ قَوْمٌ: جَعَلَ الرُكُوعَ -لِما كانَ مِن أرْكانِ الصَلاةِ- عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ كُلِّها، وقالَ قَوْمٌ: إنَّما خَصَّ الرُكُوعَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قالَ: "مَعَ" لِأنَّ الأمْرَ بِالصَلاةِ أوَّلًا لَمْ يَقْتَضِ شُهُودَ الجَماعَةِ، فَأمَرَهم بِقَوْلِهِ "مَعَ" بِشُهُودِ الجَماعَةِ.

والرُكُوعُ في اللُغَةِ: الِانْحِناءُ بِالشَخْصِ.

قالَ لَبِيدٌ: أُخَبِّرُ أخْبارَ القُرُونِ الَّتِي مَضَتْ ∗∗∗ أدُبُّ كَأنِّي كُلَّما قُمْتُ راكِعُ ويُسْتَعارُ أيْضًا في الِانْحِطاطِ في المَنزِلَةِ، قالَ الأضْبَطُ بْنُ قَرِيعٍ: لا تُعادِ الضَعِيفَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَهْرُ قَدْ رَفَعَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَأْمُرُونَ الناسَ ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَوْبِيخُ، و"البِرِّ" يَجْمَعُ وُجُوهَ الخَيْرِ والطاعاتِ، ويَقَعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها اسْمُ بَرٍّ، و"تَنْسَوْنَ"، مَعْناهُ: تُتْرَكُونَ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ .

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَقْصُودِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الأحْبارُ يَأْمُرُونَ أتْباعَهُمْ، ومُقَلِّدِيهِمْ بِاتِّباعِ التَوْراةِ، وكانُوا هم يُخالِفُونَها في جَحْدِهِمْ مِنها صِفَةَ مُحَمَّدٍ  .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ الأحْبارُ إذا اسْتَرْشَدَهم أحَدٌ مِنَ العَرَبِ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ دَلُّوهُ عَلى ذَلِكَ، وهم لا يَفْعَلُونَهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ الأحْبارُ يَحُضُّونَ الناسَ عَلى طاعَةِ اللهِ، وكانُوا هم يُواقِعُونَ المَعاصِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانُوا يَحُضُّونَ عَلى الصَدَقَةِ ويَبْخَلُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتُمْ تَتْلُونَ ﴾ مَعْناهُ: تَدْرُسُونَ وتَقْرَؤُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَتَّبِعُونَ أيْ في الِاقْتِداءِ بِهِ "والكِتابَ": التَوْراةُ، وهي تَنْهاهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الصِفَةِ الذَمِيمَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ مَعْناهُ: أفَلا تَمْنَعُونَ أنْفُسَكم مِن مُواقَعَةِ هَذِهِ الحالِ المُرْدِيَةِ لَكُمْ؟، والعَقْلُ: الإدْراكُ المانِعُ مِنَ الخَطَأِ، مَأْخُوذٌ مِنهُ عِقالُ البَعِيرِ أيْ يَمْنَعُهُ مِنَ التَصَرُّفِ، ومِنهُ: المَعْقِلُ أيْ: مَوْضِعُ الِامْتِناعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ مَعْناهُ: عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى اسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ عَنِ الطاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، عَلى نَيْلِ رِضْوانِ اللهِ، وبِالصَلاةِ عَلى نَيْلِ الرِضْوانِ وحَطِّ الذُنُوبِ، وعَلى مَصائِبِ الدَهْرِ أيْضًا، ومِنهُ الحَدِيثُ، «كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا كَرَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ»، ومِنهُ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبّاسٍ نُعِيَ إلَيْهِ أخُوهُ "قَثْمٌ" وهو في سَفَرٍ، فاسْتَرْجَعَ، وتَنَحّى عَنِ الطَرِيقِ، وصَلّى، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى راحِلَتِهِ وهو يُقْرَأُ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ ﴾ .

وَ قالَ مُجاهِدٌ: الصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: الصَوْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ، شَهْرُ الصَبْرِ، وخُصَّ الصَوْمُ والصَلاةُ عَلى هَذا القَوْلِ بِالذِكْرِ لِتَناسُبِهِما في أنَّ الصِيامَ يَمْنَعُ الشَهَواتِ، ويُزَهِّدُ في الدُنْيا.

والصَلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ وتَخْشَعُ، ويُقْرَأُ فِيها القُرْآنُ الَّذِي يُذَكِّرُ بِالآخِرَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: "الصَبْرُ" عَلى بابِهِ، "والصَلاةُ" الدُعاءُ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ مُشْبِّهَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللهَ  ﴾ لِأنَّ الثَباتَ هو الصَبْرُ، وذِكْرُ اللهِ هو الدُعاءُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ ﴾ عَلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ الضَمِيرُ، فَقِيلَ: عَلى "الصَلاةِ" وقِيلَ: عَلى الِاسْتِعانَةِ الَّتِي يَقْتَضِيها قَوْلُهُ: "واسْتَعِينُوا"، وقِيلَ: عَلى العِبادَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِالمَعْنى ذِكْرُ الصَبْرِ والصَلاةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى إجابَةِ مُحَمَّدٍ  ، وفي هَذا ضَعْفٌ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ لَهُ مِنَ الآيَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَمِيرُ عَلى الكَعْبَةِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالصَلاةِ إنَّما هو إلَيْها، وهَذا أضْعَفُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

و"كَبِيرَةٌ" مَعْناهُ: ثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ.

والخاشِعُونَ: المُتَواضِعُونَ المُخْبِتُونَ، والخُشُوعُ: هَيْئَةٌ في النَفْسِ، يَظْهَرُ مِنها عَلى الجَوارِحِ سُكُونٌ وتَواضُعٌ.

و"يَظُنُّونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ يُوقِنُونَ، وحَكى المَهْدَوِيُّ، وَغَيْرُهُ: أنَّ الظَنَّ هُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ، ويُضْمَرُ في الكَلامِ بِذُنُوبِهِمْ، فَكَأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَهُ مُذْنِبِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَعَسُّفٌ، والظَنُّ في كَلامِ العَرَبِ قاعِدَتُهُ الشَكُّ مَعَ مَيْلٍ إلى أحَدِ مُعْتَقَدَيْهِ، وقَدْ يُوقَعُ الظَنُّ مَوْقِعَ اليَقِينِ في الأُمُورِ المُتَحَقِّقَةِ، لَكِنَّهُ لا يُوقَعُ فِيما قَدْ خَرَجَ إلى الحِسِّ، لا تَقُولُ العَرَبُ في رَجُلٍ مَرْئِيٍّ حاضِرٍ: أظُنُّ هَذا إنْسانًا، وإنَّما تَجِدُ الِاسْتِعْمالَ فِيما لَمْ يَخْرُجْ إلى الحِسِّ بَعْدُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها  ﴾ ، وكَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصُمَّةِ: فَقُلْتُ لَهُمْ: ظَنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سُراتُهُمُ بِالفارِسِيِّ المُسَرَّدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ أنْ وجُمْلَتُها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الظَنِّ، والمُلاقاةُ هي لِلْعِقابِ أوِ الثَوابِ.

فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ المُلاقاةُ هُنا بِالرُؤْيَةِ الَّتِي عَلَيْها أهْلُ السُنَّةِ، ووَرَدَ بِها مُتَواتِرُ الحَدِيثِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ المُلاقاةَ هُنا مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ مِثْلُ: عافاكَ اللهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ لَقِيَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى لاقى، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها، بَلْ فَعَلَ خِلافُ فاعِلٍ في المَعْنى، و"مُلاقُوا" أصْلُهُ مُلاقُونَ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، فَحُذِفَتِ النُونُ تَخْفِيفًا، فَلَمّا حُذِفَتْ تَمَكَّنَتِ الإضافَةُ بِمُناسَبَتِها لِلْأسْماءِ، وهي إضافَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ لِأنَّها لا تُعْرَفُ.

وقالَ الكُوفِيُّونَ: ما في اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو بِمَعْنى المَجِيءِ مِن مَعْنى الفِعْلِ يَقْتَضِي إثْباتَ النُونِ وإعْمالَهُ، وكَوْنُهُ وما بَعْدَهُ اسْمَيْنِ يَقْتَضِي حَذْفَ النُونِ والإضافَةِ.

و"راجِعُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالمَوْتِ، وقِيلَ: بِالحَشْرِ والخُرُوجِ إلى الحِسابِ والعَرْضِ وتُقَوِّي هَذا القَوْلَ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، وقِيلَ: عَلى اللِقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "مُلاقُوا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عَطَفَ التحذير على التذكير، فإنه لما ذكرهم بالنعمة وخاصة تفضيلهم على العالمين في زمانهم وكان ذلك منشأ غرورهم بأنه تفضيل ذاتي فتوهموا أن التقصير في العمل الصالح لا يضرهم فعقب بالتحذير من ذلك.

والمراد بالتقوى هنا معناها المتعارف في اللغة لا المعنى الشرعي.

وانتصاب ﴿ يوماً ﴾ على المفعولية به وليس على الظرفية ولذلك لم يقرأ بغير التنوين.

والمراد باتقائه اتقاؤه من حيث ما يحدث فيه من الأهوال والعذاب فهو من إطلاق اسم الزمان على ما يقع فيه كما تقول مكان مخوف.

و ﴿ تجزي ﴾ مضارع جزى بمعنى قضى حقاً عن غيره، وهو متعد بعن إلى أحد مفعوليه فيكون ﴿ شيئاً ﴾ مفعوله الأول، ويجوز أيضاً أن يكون مفعولاً مطلقاً إذا أريد شيئاً من الجزاء ويكون المفعول محذوفاً.

وجملة: ﴿ لا تجزي نفس ﴾ صفة ليوماً وكان حق الجملة إذا كانت خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة أن تشتمل على ضمير ما أجريت عليه، ويكثر حذفه إذا كان منصوباً أو ضميراً مجروراً فيحذف مع جاره ولا سيما إذا كان الجار معلوماً لكون متعلقه الذي في الجملة لا يتعدى إلا بجار معين كما هنا تقديره فيه وإنما جاز حذفه لأن المحذوف فيه متعين من الكلام وقد يحذف لقرينة كما في حذف ضمير الموصول إذا جر بما جر به الموصول.

ونظير هذا الحذف قول العريان الجرمي من جرم طيء: فقلت لها لاَ والذي حجَّ حاتم *** أُخونُككِ عهداً إنني غير خوّان تقديره حج حاتم إليه.

وتنكير النفس في الموضعين وهو في حيز النفي يفيد عموم النفوس أي لا يغني أحد كائناً من كان فلا تغني عن الكفار آلهتهم ولا صلحاؤهم على اختلاف عقائدهم في غَناء أولئك عنهم، فالمقصود نفي غنائهم عنهم بأن يحولوا بينهم وبين عقاب الله تعالى، أي نفي أن يجزوا عنهم جزاء يمنع الله عن نوالهم بسوء رعياً لأوليائهم، فالمراد هنا الغناء بحرمة الشخص وتوقع غضبه وهو غناء كفء العدو الذي يخافه العدو على ما هو معروف عند الأمم يومئذ من اتقائهم بطش مولى أعدائهم وإحجامهم عما يوجب غضبه تقية من مكره أو ضره أو حرمان نفعه قال السموأل: وما ضرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل وقال العنبري: لو كنتُ من مازن لم تَستبِحْ إبلي *** بنُو الشقيقة من ذُهل بن شيبان وبهذا يتبين أن مفاد قوله: ﴿ لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴾ مغاير لمفاد ما ذكر بعده بقوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ﴾ إلخ فقوله: ﴿ لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴾ ، هو بمعنى قوله تعالى: ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ﴾ [الانفطار: 19].

وقوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ﴾ الضميران عائدان للنفس الثانية المجرورة بعن أي لا يقبل من نفس شفاعة تأتي بها ولا عدل تعتاض به لأن المقصود الأصلي إبطال عقيدة تنصل المجرم من عقاب الله ما لم يشأ الله؛ ليكون الضمير في قوله: ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ راجعاً إلى مرجع الضميرين قبله.

وهذا التأييس يستتبع تحقير من توهمهم الكفرة شفعاء وإبطال ما زعموه مغنياً عنهم من غضب الله من قرابين قربوها ومجادلات أعدوها وقالوا: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18].

﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ [النحل: 111].

ومن المفسرين من فسر قوله: ﴿ لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴾ بما يعم الإجزاء فجعل ما هو مذكور بعده من عطف الخاص على العام ولذلك قال الشيخ ابن عطية: «حصرت هذه الآية المعاني التي اعتاد بها بنو آدم في الدنيا فإن الواقع في شدة لا يتخلص إلا بأن يُشفع له أو يفتدى أو ينصر» اه وألغى جمعها لحالة أن يتجنب الناس إيقاعه في شدة اتقاء لمواليه، وما فسرنا به أرشق.

وقد جمع كلام شيوخ بني أسد مع أمرئ القيس حين كلموه في دم أبيه حجر فقالوا: فأَحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: أما إن اخترت من بني أسد أشرفها بيتاً فقدناه إليك بنسعه تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته، أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف، وإما وادعتنا إلى أن تضع الحوامل فتُسْدل الأزر وتُعقد الخمر فوق الرايات» اه.

وقرأ الجمهور (ولا يقبل) بياء تحتية ياء المضارع المسند إلى مذكر لمناسبة قوله بعده: ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ ، ويجوز في كل مؤنث اللفظ غير حقيقي التأنيث أن يعامل معاملة المذكر لأن صيغة التذكير هي الأصل في الكلام فلا تحتاج إلى سبب، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بمثناة فوقية رعياً لتأنيث لفظ (شفاعة).

والشفاعة: السعي والوساطة في حصول نفع أو دفع ضر سواء كانت الوساطة بطلب من المنتفع بها أم كانت بمجرد سعي المتوسط ويقال لطالب الشفاعة مستشفع.

وهي مشتقة من الشفع لأن الطالب أو التائب يأتي وحده فإذا لم يجد قبولاً ذهب فأتى بمن يتوسل به فصار ذلك الثاني شافعاً للأول أي مصيّره شفعاً.

والعدل بفتح العين العوض والفداء، سمي بالمصدر لأن الفادي يعدل المفدى بمثله في القيمة أو العين ويسويه به، يقال عدل كذا بكذا أي سواه به.

والنصر هو إعانة الخصم في الحرب وغيره بقوة الناصر وغلبته.

وإنما قدم المسند إليه لزيادة التأكيد المفيد أن انتفاء نصرهم محقق زيادة على ما استفيد من نفي الفعل مع إسناده للمجهول كما أشرنا إليه آنفاً.

وقد كانت اليهود تتوهم أو تعتقد أن نسبتهم إلى الأنبياء وكرامة أجدادهم عند الله تعالى مما يجعلهم في أمن من عقابه على العصيان والتمرد كما هو شأن الأمم في إبان جهالتها وانحطاطها وقد أشار لذلك قوله تعالى: ﴿ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ [المائدة: 18].

وقد تمسك المعتزلة بهذه الآية للاحتجاج لقولهم بنفي الشفاعة في أهل الكبائر يوم القيامة لعموم (نفس) في سياق النفي المقتضي أن كل نفس لا يقبل منها شفاعة وهو عموم لم يرد ما يخصصه عندهم.

والمسألة فيها خلاف بين المعتزلة وأصحاب الأشعري.

واتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة يوم القيامة للطائعين والتائبين لرفع الدرجات، لم يختلف في ذلك الأشاعرة والمعتزلة فهذا اتفاق على تخصيص العموم ابتداء، والخلاف في الشفاعة لأهل الكبائر فعندنا تقع الشفاعة لهم في حط السيئات وقت الحساب أو بعد دخول جهنم لما اشتهر من الأحاديث الصحيحة في ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم «لكل نبيء دعوة مستجابة وقد ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي» وغير ذلك.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: إن الأحاديث في ذلك بلغت مبلغ التواتر المعنوي كما أشار إليه القرطبي في نقل كلامه.

وعند المعتزلة لا شفاعة لأهل الكبائر لوجوه منها الآيات الدالة على عدم نفع الشفاعة كهاته الآية، وقوله: ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ [المدثر: 48].

﴿ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴾ [البقرة: 254] ﴿ ما للظامين من حميم ولا شفيع ﴾ [غافر: 18] قالوا والمعصية ظلم.

ومنها قوله تعالى: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28] وصاحب الكبيرة ليس بمرتضى، ومنها قوله: ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ [غافر: 7].

والجواب عن الجميع أن محل ذلك كله في الكافرين جمعاً بين الأدلة وأن قوله: ﴿ لمن ارتضى ﴾ يدل على أن هنالك إذناً في الشفاعة كما قال: ﴿ إلا لمن أذن له ﴾ [سبأ: 23] وإلا لكان الإسلام مع ارتكاب بعض المعاصي مساوياً للكفر وهذا لا ترضى به حكمة الله وأما قوله: ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ فدعاء لا شفاعة.

والظاهر أن الذي دعا المعتزلة إلى إنكار الشفاعة منافاتها لخلود صاحب الكبيرة في العذاب الذي هو مذهب جمهورهم الذين فسروا قول واصل بن عطاء بالمنزلة بين المنزلتين بمعنى إعطاء العاصي حكم المسلم في الدنيا وحكم الكافر في الآخرة ولا شك أن الشفاعة تنافي هذا الأصل، فما تمسكوا من الآيات إنماهو لقصد التأبيد ومقابلة أدلة أهل السنة أمثالها.

ولم نر جوابهم عن حديث الشفاعة، وأحسب أنهم يجيبون عنه بأن أخبار الآحاد لا تنقض أصول الدين ولذلك احتاج القاضي أبو بكر إلى الاستدلال بالتواتر المعنوي.

والحق أن المسألة أعلق بالفروع منها بالأصول لأنها لا تتعلق بذات الله ولا بصفاته ولو جاريناهم في القول بوجوب إثابة المطيع وتعذيب العاصي، فإن الحكمة تظهر بدون الخلود وبحصول الشفاعة بعد المكث في العذاب، فلما لم نجد في إثبات الشفاعة ما ينقض أصولهم فنحن نقول لهم: لم يبق إلا أن هذا حكم شرعي في تقدير تعذيب صاحب الكبيرة غير التائب وهو يتلقى من قبل الشارع وعليه فيكون تحديد العذاب بمدة معينة أو إلى حصول عفو الله أو مع الشفاعة، ولعل الشفاعة تحصل عند إرادة الله تعالى إنهاء مدة التعذيب.

وبعد فمن حق الحكمة أن لا يستوي الكافرون والعصاة في مدة العذاب ولا في مقداره، فهذه قولة ضعيفة من أقوالهم حتى على مراعاة أصولهم، وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني إجماع الأمة قبل حدوث البدع على ثبوت الشفاعة في الآخرة، وهو حق فقد قال سواد بن قارب يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكُن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغننٍ فتيلاً عن سواد بن قارب وأما الشفاعة الكبرى العامة لجميع أهل موقف الحساب الوارد فيها الحديث الصحيح المشهور فإن أصول المعتزلة لا تأباها.

وقوله: ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ والعدل بفتح العين يطلق على الشيء المساوي شيئاً والمماثل له ولذلك جعل ما يفتدي به عن شيء عدلاً وهو المراد هنا كما في قوله تعالى: ﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ [المائدة: 95] فالمعنى: ولا يقبل منها ما تفتدي به عوضاً عن جرمها.

والنصر هو إعانة العدو على عدوه ومحاربه إما بالدفاع معه أو الهجوم معه فهو في العرف مراد منه الدفاع بالقوة الذاتية وأما إطلاقه على الدفاع بالحجة نحو ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ [آل عمران: 52] وعلى التشيع والاتباع نحو ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ﴾ [محمد: 7] فهو استعارة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: لا تُغْنِي، كَما يُقالُ: البَقَرَةُ تَجْزِي عَنْ سَبْعَةٍ أيْ تُغْنِي، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ لا تَقْضِي، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: جَزى اللَّهُ فُلانًا عَنِّي خَيْرًا، أيْ قَضاهُ، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ.

﴿ وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لا يَجِيءُ بِشَفِيعٍ تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ مَعْناهُ، أنَّ الشَّفِيعَ لا يُجِيبُهُ إلى الشَّفاعَةِ لَهُ، وأنَّهُ لَوْ شُفِّعَ لَشَفَعَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ : العَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ: الفِدْيَةُ، وبِكَسْرِ العَيْنِ: المِثْلُ.

فَأمّا قَوْلُهُمْ: لا قَبِلَ اللَّهُ مِنهُ صَرْفًا، ولا عَدْلًا، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الصَّرْفَ العَمَلُ، والعَدْلَ الفِدْيَةُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّ الصَّرْفَ الدِّيَةُ، والعَدْلَ رَجُلٌ مَكانَهُ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ الصَّرْفَ التَّطَوُّعُ، والعَدْلَ الفَرِيضَةُ، وهَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ الصَّرْفَ الحِيلَةُ، والعَدْلَ الفِدْيَةُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قرأت على أبي بن كعب ﴿ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس ﴾ بالتاء ﴿ ولا تقبل منها شفاعة ﴾ بالتاء ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ بالياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴾ قال: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئاً.

وأخرج ابن جرير عن عمر بن قيس الملائي عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن الثناء عليه قال: «قيل: يا رسول الله ما العدل؟

قال: العدل الفدية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ قال: بدل البدل الفدية.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا قبل الخمسين من البقرة مكان ﴿ لا تقبل منها شفاعة ﴾ لا يؤخذ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي ﴾ الآية.

لا تجزي معناه: لا تقضي ولا يغني (١)  لأبي بردة بن نِيَار (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ومنه الجزية، لأن معناها في كلام العرب: الخراج المجعول على الذمي، سمي جزية لأنها قضاء منه (٧) قال أهل (٨) (٩) ومعنى (لا تجزي نفس عن نفس) أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها (١٠) وموضع (لا تجزي) نصب، لأنه صفة ليوم (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا  ﴾ أي: فيه، وهذا أيضا مذهب سيبويه (١٥) وكان الكسائي لا يجيز إضمار الصفة، ويقول: إن المحذوف هاهنا (١٦) (١٧) (١٨) قَدْ صبَّحَتْ صَبحَهَا السَّلاَمُ ...

بِكَبِدٍ خَاَلطَهَا السَّنَامُ في ساعة يُحَبُّهَا الطَعَامُ (١٩) (٢٠) قال الكسائي: ولو أجزت إضمار الصفة هاهنا لأجزت: أنت الذي كلمت، وأنا أريد: كلمت فيه، وهذا رجل قصدت، وأنا أريد: إليه، وهذا رجل أرغب، وأنا أريد: فيه، ولم يجز إضمار حرف الصفة في هذه المواضع كذلك في الآية (٢١) قال الفراء والزجاج وجماعة النحويين: لا يلزم ما ذكره الكسائي، لأن الصفة مع الظروف جائزة الحذف، ألا ترى أنك تقول: أتيتك يوم الخميس [وفي يوم الخميس] (٢٢) (٢٣) قال أبو علي (٢٤) (٢٥) فأما أسماء الزمان: فالفعل يتعدى إلى مختصه ومبهمه ومعرفته ونكرته وكل نوع منه، كما يتعدى إلى المصدر، وكل ضرب منه.

وإنما كان كذلك لاجتماعهما (٢٦) ألا ترى أن في لفظ (٢٧) وأما أسماء المكان فإن الفعل يتعدى إلى المبهم منها بغير حرف الجر دون (٢٨) (٢٩) ومعنى المبهم منها ما كان شائعاً ولم يكن له حدود معلومة نحو: خلف وقدام وسائر الجهات الست، وعند.

ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها، كما للمسجد والسوق (٣٠) (٣١) ألا ترى أنك تقول: مررت بزيد، ولا يجوز أن تقول: مررت زيداً (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) فالخلف والقدام وهذه المبهمة يجوز أن تنقلب كلها فيصير الخلف قداما، والقدام خلفا، كما يجوز أن ينقلب ظرف (٣٦) فلما شبهت المبهمة من ظروف المكان بظروف الزمان عَدَّوْا إليها الفعل من غير توسط حرف الجر.

وأما المختصة كالدار والبيت والمسجد فلها خلق (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقد كثر مجيء الصلة محذوفاً منها العائد، كقولك: (الذي رأيت زيد) والصفة كالصلة على ما ذكرنا من المشابهة، وإذا [قال] (٤٨) فإن قال قائل: إذا جاز حذف الضمير المتصل من الصفة في نحو قولك: (هذا رجل ضربت)، و (الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت) فلم لا يجوز حذف الجار والمجرور من حيث جاز حذف الهاء؟

قيل: إنما جاز حذف الضمير المتصل من الصفة (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ﴾ .

قبول الشيء: تلقيه، والأخذ به، وخلاف الإعراض عنه (٥٣) اللحياني: يقال (٥٤) (٥٥) (٥٦) وقوله: ﴿ شَفَاعَةٌ ﴾ قال المبرد وثعلب: الشفاعة: كلام الشفيع الملك (٥٧) (٥٨) (٥٩) قال أحمد بن يحيى: الشفعة (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) قال أصحاب المعاني: ليس معنى: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ﴾ أن هناك (٦٦) (٦٧) ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا  ﴾ ، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف (٦٨) (٦٩) أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا-: وَلاَ تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ (٧٠) أي ليس هناك (ضب) فيكون منه (٧١) وقرئ قوله: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ﴾ بالياء والتاء (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القَفَا (٧٦) وقول آخر: ...

يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أَقَارِبُهْ (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث في الاسم ليس بحقيقي، وإذا كان كذلك حمل على المعنى فذكّر، ألا ترى أن الشفاعة (٨٣) (٨٤) ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ  ﴾ فكما لم يُلحق (٨٥) (٨٦) ومما يقوي التذكير أنه فصل بين الفعل والاسم، والتذكير يحسن مع الفصل كما حكي من قولهم: (حضر القاضي اليوم (٨٧) (٨٨) (٨٩) قال أبو علي (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) ولا يجوز أن يريد تذكير الذي هو غير الحقيقي، لأن ذلك قد جاء في القرآن ما لا يحصى كثرة، كقوله: ﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ (٩٤) ﴿ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ  ﴾ ، ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)  ﴾ ، و ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ  ﴾ ، و ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ  ﴾ ، و ﴿ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ  ﴾ فإذا (٩٥) ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا  ﴾ ، ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ  ﴾ .

فإن قلت: إنما يريد: [إذا] (٩٦) قيل هذا أيضا لا يستقيم، ألا ترى أن فيما تلونا ﴿ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ﴾ و ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ فأنث مع جواز التذكير فيه، يدل على ذلك في الأخرى: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ  ﴾ ولم يقل الخضر (٩٧) (٩٨) ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ  ﴾ إلا أنه (٩٩) (١٠٠) أو (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) ﴿ إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ (١٠٤) (١٠٥) ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا  ﴾ ، فإناث جمع أنثى، وإنما يعني به ما اتخذوه آلهة، كقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم:19، 20] وقال (١٠٦) وكُلُّ أُنثَى حمَلَتْ أَحجَارَا (١٠٧) فسماها أنثى لتأنيثهم لفظها.

وكذلك قول الفرزدق: وَكُنَّا إذَا الجَبَّار صَعَّر خَدَّه ...

ضَرَبْنَاهُ دونَ الأنْثَيَيْنِ علَى الكَرْدِ (١٠٨) أراد بالأنثيين الأذنين (١٠٩) (١١٠) ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ﴾ لست تحتاج إلى مخالفة الخط في التذكير، ويدل على أنه أراد هذا، وأن أصحاب عبد الله من قراء (١١١) (١١٢) (١١٣) ﴿ يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ (١١٤) (١١٥) وأما الحقيقي: فهو ما يكون منه النسل، ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) (١٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ .

عَدْلُ (١٢٥) (١٢٦) ﴿ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا  ﴾ ، أي: ما يماثله (١٢٧) (١٢٨) (١٢٩) صَبَرْنَا (١٣٠) (١٣١) أي: لا نرى له مثلا.

وذكر (١٣٢) (١٣٣) ﴿ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا  ﴾ ، قال يونس: العدل الفداء (١٣٤) (١٣٥) يقال: فلان يعدل فلانا، أي يساويه، ويقال: ما يعدلك عندنا شيء، [أي ما يقع عندنا شيء] (١٣٦) والعِدْل: اسم حِمْل معدول [يحصل] (١٣٧) (١٣٨) ﴿ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا  ﴾ إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ .

قال المفسرون: أي ولا هم يمنعون من عذاب الله (١٣٩) ومعنى (النصر) في اللغة: المعونة (١٤٠) (١٤١) قال المفسرون: نزلت (١٤٢) (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  ﴾ وقوله: ﴿ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ  ﴾ (١٤٧) (١) كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) بدون إعجمام، وفي "الوسيط": (لا يقضي ولا يغني) وفي الحاشية قال: في (أ)، (ب): (لا تقضي ولا تعني) 1/ 99، وفي "تفسير الطبري": (لا تقضي ولا تغني)،1/ 266، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601.

(٢) هو أبو بُردة بن نِيَار بن عمرو الأنصاري، من حلفاء الأوس، صحابي جليل شهد العقبة وبدرا والمشاهد النبوية الأخرى، توفي سنة اثنتين وأربعين، انظر "طبقات ابن سعد" 3/ 451، "الإصابة" 4/ 18، 3/ 596، "سير أعلام النبلاء" 2/ 35.

(٣) قطعة من حديث في قصة أبي بردة بن نِيَار، حينما ذبح قبل صلاة العيد، فأذن له النبي  أن يضحي بالجذعة المعزى.

أخرجه البخاري في عدة == مواضع، فأورده (955) كتاب (العيدين) باب (الأكل يوم النحر).

و (965) باب (الخطبة بعد العيد)، و (968) باب: (التبكير إلى العيد)، و (983) باب (كلام الإمام والناس في خطبة العيد).

و (5545) كتاب (الأضاحي) باب (سنة الأضحية)، و (5556) باب (قول النبي  لأبي بردة ضح بالجذع من المعز)، و (5560) باب (الذبح بعد الصلاة).

و (5563) باب (من ذبح قبل صلاة وأعاد).

أخرجه مسلم من عدة طرق (1961) كتاب الأضاحي، وأخرجه أبو داود (2800) كتاب: (الأضاحي) باب (ما يجوز من السن في الضحايا)، وأحمد في "مسنده" 4/ 282، 298، 303 كلهم عن البراء.

(٤) ذكره أبو عبيد عن الأصمعي.

"غريب الحديث" 1/ 43، وانظر: "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601.

(٥) الحديث بهذا النص ذكره أبو عبيد في الغريب قال: (ومنه حديث يروى عن عبيد ابن عمير: (أن رجلا كان يداين الناس ..) الحديث.

"غريب الحديث" 1/ 43.

ولم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي  قال: "كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه" (2078) كتاب البيوع باب (من أنظر معسرًا)، وأخرج مسلم (1562) كتاب (البيع)، باب (فضل إنظار المعسر).

ذكره الألباني في "صحيح الجامع الصغير" "وزيادته" (4454).

(٦) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 43، "الصحاح" (جزى) 6/ 2302.

(٧) "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 602.

(٨) في (ب): (وقال) و (أهل) ساقط.

(٩) قال الأزهري: (وبعض الفقهاء يقول: أجزى عنك بمعنى جزى، أي: قضى.

وأهل اللغة يقولون: أجزأ بالهمز، وهو عندهم بمعنى: كفى "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601، وانظر: "الصحاح" (جزى) 6/ 2302، "اللسان" (جزى) 2/ 621، قال الطبري في "تفسيره": (وأصل (الجزاء) في (كلام العرب): القضاء والتعويض ..

، وقال قوم من أهل العلم بلغة العرب: (يقال: أجزيت عنه كذا): إذا أعنته عليه، وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته.

وقال آخرون منهم: بل (جزيت عنك): قضيت عنك، و (أجزيت): كفيت، وقال آخرون منهم: (بل هما بمعنى واحد ..) وزعم آخرون أن (جزى) بلا همز: قضى.

و (أجزأ) بالهمز: كافأ.

"تفسير الطبري" 1/ 226، وانظر.

"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38 - 39.

(١٠) قال ابن جرير في "تفسيره": (واتقوا يومًا لا تقضي نفس عن نفس شيئًا ولا تغني عنها عنى) الطبري في "تفسيره" 1/ 266، و"تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 282، و"تفسير البغوي" 1/ 90، و"تفسير الرازي" 3/ 54، و"تفسير ابن كثير" 1/ 95.

(١١) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 44، "البيان" 1/ 80، "الإملاء" 1/ 35، وقال النحاس: قوله: (لا تجزى) في موضع نصب عند البصريين على نعت لليوم، وعند الكوفيين صلة.

"إعراب القرآن" 1/ 171.

(١٢) انظر "معاني القرآن" الفراء 1/ 31.

(١٣) مراده بالصفة حرف الجر، كما هو في اصطلاح الكوفيين، وهو هنا (في) المتصل == بالضمير العائد على اليوم.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 31، "الحجة" لأبي علي 2/ 44، 45.

(١٤) انظر: "الحجة" 2/ 45.

(١٥) وهو مذهب البصريين وجماعة من الكوفيين، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 89، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258، "المشكل" لمكي 1/ 44، "تفسير ابن عطية" 1/ 282، "البحر" 1/ 189، 190، قال أبو حيان.

والوجهان يعني تقديره: لا تجزى فيه ولا تجزيه، جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج، انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 321 - 322.

(١٦) في (ج): (هنا).

(١٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 32، والزجاج 1/ 98، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، "تفسير الطبري" 1/ 265، و"البيان" 1/ 80، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "البحر" 1/ 190.

(١٨) في (ب): (على هذا قال).

(١٩) الرجز لم ينسب، والرواية في جميع المصادر (سنام)، ومعنى: (صبحت): أتت بالصبوح، واستعمله في الطعام الذي أتته به مجازا، ويدعوا لها بالخير: (صبحها السلام)، لأنها أتته به على حاجة شديدة للطعام.

ورد الزجر في "معاني القرآن" == للفراء 1/ 32، و"تفسير الطبري" 1/ 265، "الكامل" 1/ 34، "الحجة" لأبي علي 2/ 45، "المخصص" 12/ 243، 14/ 75.

(٢٠) مذهب الأخفش جواز الوجهين كما سبق، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258 - 260.

(٢١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 260، و"معاني الفراء" 1/ 32، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، و"البحر" 1/ 190.

(٢٢) (وفي يوم الخميس) ساقط من (أ)، (ج) والواو من قوله: (وفي) ساقطة من (ب) وثوبتها يقتضيه السياق، الجملة بهذا النص في "معاني القرآن" للفراء 1/ 32.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 32، و"معاني الأخفش" 1/ 260، و"معاني الزجاج" 1/ 99.

(٢٤) نقل الواحدي عن "الإغفال" ص 174 (رسالة ماجستير).

(٢٥) في "الإغفال": (أو مشبه بهما) ص 174.

(٢٦) في (أ)، (ج): (لاجتماعها) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب وموافق لما في "الإغفال" ص 174.

(٢٧) في (ب) تكرار ونصها: (ألا ترى أن لفظ الفعل دلالة الفعل عليهما ألا ترى أن في لفظ الفعل دلالة على الزمان ..).

(٢٨) (دون) ساقط من (ب).

(٢٩) ذكر كلام أبي علي بمعناه.

"الإغفال" ص 175، وانظر: "الكتاب" 1/ 412 - 417.

(٣٠) نص كلام أبي علي: (..

ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها فتحصرها بها، كما تحصر بها المختصة منها نحو: المسجد والسوق ..) "الإغفال" ص 174، وكلامه أوضح من عبارة الواحدي.

(٣١) "الإغفال" ص 174 - 175، نقل كلامه بالمعنى.

(٣٢) في (ب): (مزيدا).

(٣٣) (اليها) ساقط من (ب).

(٣٤) أي ليس لها مدلول محسوس وحيز وهيئة، إنما مدلولها معنوي، كالقدام والخلف، وهذه العبارة لم ترد في "الإغفال".

(٣٥) في (أ)، (ج): (بعضها بعضها) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، المراد أن ظروف المكان تختلف، فظروف المكان غير المختصة لها حكم ظروف الزمان، بخلاف ظروف المكان المختصة غير المبهمة فلا يتعدى الفعل إليها إلا بحرف الجر.

(٣٦) في (ب): (تنقلب ظروف).

(٣٧) في (ج): (حلف).

(٣٨) في (ب): (اليها لا).

(٣٩) انظر: "الكتاب" 1/ 414.

(٤٠) انظر: "الإغفال" ص 175 - 176، نقل الكلام بمعناه.

(٤١) "الإغفال" ص 176.

(٤٢) (جعل) ساقط من (ب).

(٤٣) في (ج): (شهدنا).

(٤٤) البيت لم يرد ضمن كلام أبي علي في هذا الموضع، وإنما ورد في كلام أبي إسحاق الزجاج، الذي نقله أبو علي، واستدرك عليه، انظر: "الإغفال" ص 172، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 98، والبيت من (شواهد سيبويه) 1/ 178، وورد في "المقتضب" 3/ 105، "الكامل" 1/ 33، "مغني اللبيب" 2/ 503، "شرح المفصل" 2/ 46، "همع الهوامع" 3/ 166، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 321، وقد نسبه سيبويه لرجل من بني عامر، وعجزه: قَلِيلٍ سِوى الطَّعْنِ النِّهَال نَوَافِلُه == ويروي البيت (يوما) و (يوم) مجرور برب المحذوفة، وسُلَيْم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، وقليل: مجرورة صفة ليوم، والنِّهال: المرتوية بالدم، والنوافل: الغنائم.

والشاهد فيه نصب ضمير العائد على (يوم) بالفعل على التشبيه بالمفعول به اتساعًا ومجازًا.

(٤٥) في (أ)، (ب): (لحذفها) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الصواب، وأقرب إلى عبارة أبي علي في "الإغفال" ونص كلامه: (والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن اليوم جعل مفعولًا على السعة ثم حذفت الهاء من الصفة، كما تحذف من الصلة، لأن حذفها منها في الكثرة والقياس كحذفها منها.

أما القياس فلأن الصفة تخصص الموصوف ..) ص 176.

(٤٦) في (ج): (كما أن الصلة تكون كذلك).

(٤٧) في (ج): (مشابهتها كما تراه).

(٤٨) كذا وردت في جميع النسخ، وهو تصحيف والنص في "الإغفال" (فإذا كان كذلك) ص 177، وهذا هو الصواب.

(٤٩) في (ب): (الصلة).

(٥٠) في (ب): (الجمع).

وفي "الإغفال": (..

بين الجميع من البصريين ..) ص 178.

(٥١) في (ج): (زيدا).

(٥٢) أنتهى ما نقله عن أبي علي الفارسي من كتاب "الإغفال" ص 174 - 178.

(رسالة ماجستير) وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بتصرف.

(٥٣) بنصه في "الحجة" لأبي علي 2/ 46.

(٥٤) في (ب): (يقول).

(٥٥) في (ج): (ليس).

(٥٦) "تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2875.

(٥٧) كذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة"، و"اللسان": (للملك).

(٥٨) "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1897، وانظر: "اللسان" (شفع) 4/ 2289.

(٥٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 267، "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898، "اللسان" (شفع) 4/ 2289.

(٦٠) في (ج): (الشفاعة).

(٦١) في (ج): (يطلب).

(٦٢) في (ج): (فتزيده بها).

(٦٣) "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898، وفيه: (قال المنذري وسمعت أبا العباس وسئل عن اشتقاق الشفعة في اللغة فقال: الشفعة: الزيادة ..)، وانظر: "اللسان" (شفع) 4/ 2290.

(٦٤) قوله: (يقال شاة) ساقط من (ب).

(٦٥) ذكره أبو عبيدة في "غريب الحديث" 1/ 257، وذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898.

(٦٦) في (ب): (وأن هناك).

(٦٧) في (ب): (تكون) ومثله في "الحجة" لأبي علي 2/ 47.

(٦٨) نقله عن أبي علي من "الحجة" 2/ 46، 47، - ولم أجده عن أحد من أهل (المعاني) فيما اطلعت عليه وظاهر كلام أبي علي نفي أصل الشفاعة، حيث قال == بعده فأما قوله: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا  ﴾ ، فالمعنى لا تغني شفاعتهم أن لو شفعوا، ليس أن هناك شفاعة مثبتة ..) "الحجة" 2/ 48.

ونفى أصل الشفاعة هو مذهب المعتزلة، كما قرره الزمخشري في "الكشاف" في تفسير هذه الآية، ورد عليه أحمد بن محمد بن المنير في كتاب "الإنصاف" في "حاشية الكشاف" 1/ 278.

ومعنى الآية عند الجمهور: أنه وإن كان ظاهرها العموم فهي مخصوصة بمن مات على كفره غير تائب.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 268، و"تفسير البغوي" 1/ 900، و"تفسير ابن كثير" 1/ 95.

ولم ينبه الواحدي على كلام أبي علي الموهم لنفي الشفاعة، مع أن الواحدي ذكر المعنى الصحيح في الآية في موضع آخر كما سيأتي.

(٦٩) يروي البيت في جميع المصادر (بمناره) وفي "ديوان امرئ القيس" (النباطي) بدل (الديافي) قوله (على لاَحِبٍ): اللاحب الطريق البين الذي لحبتته الحوافر، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفي، و (لا يهتدي لمناره): ليس فيه علم ولا منار يهتدى به، (سافه العَوْد) أي شمه المسن النجائب، (جرجرا): صوت ورغاء الإبل.

ورد البيت في "تهذيب اللغة" (لحف) 2/ 1598، (ساف) 2/ 1132، (داف) "الحجة" 2/ 47، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 165، 321، "مقاييس اللغة" 2/ 318، "اللسان" (ديف) 3/ 1466، (سوف) 4/ 2153، "الخزانة" 10/ 258، "ديوان امرئ القيس" ص 64.

(٧٠) عجز بيت نسبه بعضهم لعمرو بن أحمر وصدره: لاَ يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا يقول ليس ثم هول تفزع منه الأرنب، وليس هناك ضب فيكون منه انجحار.

ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 146، 321، "الحجة" لأبي علي 2/ 47.

(٧١) في (ب): (هناك).

(٧٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع بالياء، وروى الوجهان عن عاصم.

انظر "السبعة" ص 155، "الحجة" 2/ 43، "التيسير" ص 73.

(٧٣) في (ج): (بالمسند).

(٧٤) في (ب): (علامة لحاق).

(٧٥) هذا على اللغة المعروفة بلغة (أكلوني البراغيث) وهي لغة قليلة مشهورة.

انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 47 - 48.

(٧٦) شطر البيت من قصيدة لعمرو بن ملقط، أوردها أبو زيد، وعجزه: أوْلَى فَأوْلَى لَكَ ذَا وَاقِيَةْ وأورد صاحب "الخزانة" وشرحها.

قوله: (اولى لك): كلمة وعيد وتهديد، و (الواقية): مصدرها بمعنى الوقاية، يصفه بالهروب، ويقول أنت ذو وقاية من عينك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلفتك حينئذٍ، صارت عيناك كأنهما في قفاك.

انظر: "النوادر" ص 268، "الحجة" 2/ 51، "مجمل اللغة" 1/ 483، "الخزانة" 9/ 31.

والشاهد لحاق ألف التثنية في قوله: (الفيتا).

(٧٧) قطعة من بيت من قصيدة للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء الضبي، وتمامه: ولكن دِيَافِيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ...

بِخَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أقَارِبُهْ يقول: هو قروي من (دياف) قرية بالشام يعتمل لإقامة عيشه، وليس كما عليه == العرب من الانتجاع والحرب، و"السليط": الزيت.

ورد البيت في "الكتاب" 2/ 40، "وشرح أبياته للسيرافي" 1/ 491، "الخصائص" 2/ 194، "الحجة" 1/ 132، 2/ 52، "الخزانة" 5/ 163، 234، 235، 237، 239، 7/ 346، 446، 11/ 373، "شرح المفصل" 3/ 89، 7/ 7، "الهمع" 2/ 257، "اللسان" (سلط) 4/ 2065، (ديف) 3/ 1466، "ديوان الفرزدق" 1/ 46.

والشاهد: لحاق نون الجمع في قوله (يعصرن).

(٧٨) في (ج): (الفعل الاسم).

(٧٩) في (ب): (وجدو).

(٨٠) فإذا لزمت علامة التأنيث في الاسم يحسن إلحاقه الفعل.

"الحجة" 2/ 52.

(٨١) (أ)، (ج): (يلزم)، وما في (ب) موافق للحجة.

(٨٢) من "الحجة" لأبي علي بنصه 2/ 51، 52، وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 76، "الحجة" لابن زنجلة ص 95، "الكشف" لمكي 1/ 238.

(٨٣) في (ب): (الشفيع).

(٨٤) أي: أن تأنيث الشفاعة ليس حقيقيًّا، فلفظ (الشفاعة) وهو مؤنث مثل لفظ (التشفع) وهو مذكر.

انظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 95.

(٨٥) في "الحجة": (لم تلحق) 2/ 52.

وهو الأولى.

(٨٦) في (أ)، (ب): (يلحق) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق لما في "الحجة".

(٨٧) (اليوم) ساقط من (ب).

(٨٨) في (ب): (يحسن في الحقيقي).

(٨٩) كذا بنصه من "الحجة" 2/ 52، 53، وذكر هذه الحجج ابن خالويه ص 76 وابن زنجلة ص 95، ومكي في "الكشف" 1/ 238، وذكر مكي أربع علل وهي داخلة فيما ذكر أبو علي، والرابعة ما روي عن ابن مسعود: ذكروا القرآن.

وهذه العلة ذكرها أبو علي، ثم ردها كما سيأتي.

(٩٠) (الحجة) لأبي علي 2/ 53.

(٩١) ذكره مكي في "الكشف" قال: ذكر أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال (ذَكِّروا القرآن، وإذا اختلفتم ...

إلخ فاجعلوها ياء)، وذكر أن هذه اللفظة: وإذا اختلفتم ..

إلخ رواية عن ابن عباس.

"الكشف" 1/ 238، وذكر ابن خالويه: وإذا اختلفتم ..

إلخ عن ابن مسعود.

"الحجة" ص 76.

وذكره في (الفائق) بلفظ في الحديث (القرآن ذكر فذكروه) ولم يعزه.

"الفائق" 2/ 13، وفي "النهاية في غريب الحديث" قال: وفيه: (القرآن ذكر فذكروه) أي أنه جليل خطير فأجلوه.

"النهاية في غريب الحديث" 2/ 163.

(٩٢) في (ب): (أراد بتذكير).

(٩٣) نص كلام أبي علي في "الحجة": (لا يخلو من أن يريد به التذكير الذي هو خلاف التأنيث، أو يريد معنى غير ذلك.

فإن أراد به خلاف التأنيث فليس يخلو من أن يريد: ذكروا فيه التأنيث الذي هو غير حقيقي أو التأنيث الذي هو حقيقي ..

2/ 53.

(٩٤) في (ج): (والدار) وهي آية الأعراف: 169.

(٩٥) في (ب): (وإذا).

(٩٦) (إذا) ساقطة من كل النسخ وأثبتها كما في "الحجة" لاقتضاء السياق لها والنص في "الحجة": (فإن قلت: إنما يريد: إذا احتمل) 2/ 54.

(٩٧) في (أ)، (ج): (والخضراء) وأثبت ما في (ب) لأنه أولى، وفي "الحجة": (الخضر ولا الخضراء) 2/ 45.

(٩٨) في (ب): (فما لا يجوز).

(٩٩) في (ب): (أن).

(١٠٠) وهذا قريب من المعنى الذي ذكره ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" قال: وفيه القرآن ذَكَر فذكروه (أي: أنه جليل خطير فأجلّوه) 2/ 163.

(١٠١) في (ب): (وأراد).

(١٠٢) وهذا المعنى (ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه) غير موجود في "الحجة"، ولعله سقط من المطبوع لأن الكلام يدل عليه، 2/ 55.

(١٠٣) في (ب): (لا يجحدوه ولا ينكروه).

(١٠٤) الأنعام: 25، والأنفال: 31، والنحل: 24، والمؤمنون: 83، والفرقان: 5، والنمل: 68، الأحقاف: 17، والقلم: 15، والمطففين: 13.

(١٠٥) في (أ)، (ج): (يؤنث) وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى، والنص فى "الحجة": (..

لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث على ما كان مؤنث اللفظ كقوله ..) 2/ 55.

(١٠٦) في (ب) (قال) بسقوط الواو.

(١٠٧) الرجز في (الحجة) وقبله: أَوْرَدَ حُذًّا تَسْبِقُ الأَبْصَاراَ.

وليسا متتاليين في (الديوان) ، بل بينهما أبيات وفيها يصف المنجنيق والْحُذْ: السهام البُترْ، وكل انثى: يعنى المنجنيق، يقول: يُرْمي بالمنجنيق فيخرج الحجر من بطن الجلد، كما يبقر بطن الحامل عن الولد.

ورد في "الحجة" 2/ 55، "المخصص" 13/ 189، "اللسان" (حجر) 2/ 785، "ديوان العجاج" ص 416.

(١٠٨) رواية البيت في "ديوان الفرزدق" وبعض المصادر: وكُنَّا إذا القيسي نب عتوده ...

ضربناه فوق ...............

"ديوان الفرزدق" 1/ 178، وله بيت آخر: وَكُنَّا إِذَا القيسى صَعَّر خَدَهُ ...

ضَرَبْنَاهُ حَتَّى تَسْتَقِيمَ الأَخادِعُ "الديوان" 1/ 420، ويظهر انه حصل خلط بين البيتين فكثرت الرواية فيهما.

قال ابن قتيبه في "المعاني الكبير": ويروي لذي الرمة.

وقوله: نب عَتُودُه: تكبر، والعَتُودُ: الجدي الذى بلغ السفاد، صعر خده: أماله كبرا.

الأنثيان: شحمتا الأذن، والكَرْد: أصل العنق.

انظر: "المعانى الكبير" 2/ 994، "الحجة" 2/ 56، "جمهرة اللغة" 3/ 1322، "إعراب ثلاثين سورة" ص 277،"المخصص" 1/ 82، 5/ 190، 16/ 203، "المجمل" (أنث) 1/ 104، "اللسان" 7/ 4317، (نبب) 1/ 146 (أنث) ، 7/ 3849 (كرد) ، 7/ 3961 (كون).

(١٠٩) انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 2/ 53 - 56.

(١١٠) أي: أن المراد بكلام ابن مسعود، التذكير الذي هو خلاف التأنيث، وبهذا أخذ ابن خالويه في "الحجة" ص 76، ومكي في "الكشف" 1/ 238، ومما يرجع هذا ما ورد في الرواية عن ابن مسعود: (فإذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوه بالياء).

(١١١) في (ب): (قر).

(١١٢) قرأ حمزة والكسائي (بالياء)، وبقية السبعة (بالتاء).

انظر: "السبعة" 454، و"الكشف" على 2/ 135، "والتسير" ص 161.

(١١٣) في (ج): (تشهد)، وفي (أ)، (ب): (يشهد) على قراءة حمزة والكسائي.

(١١٤) قرأ حمزة والكسائي (بالتاء) وبقية السبعة (بالياء).

انظر: "السبعة" ص 217، و"الكشف" 1/ 630 و"التسير" ص 91.

(١١٥) في (ج): (تغشى) بالتاء على قراءة حمزة والكسائي.

(١١٦) نقل الواحدي عن الزجاج من "معاني القرآن"، والنص في "المعاني": (وأما ما يعقل ويكون منه النسل والولادة نحو امرأة ورجل، وناقة وجمل فيصح في مؤنثه لفظ التذكير، ولو قلت قام جارتك، ونحر ناقتك كان قبيحًا ..) إلخ.

والبقية بنصه.

"المعاني" 1/ 99.

وقد تصرف الواحدي في عبارة الزجاج.

وقوله: (ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير) أي: فإنه يقبح في مؤنثه ...

(١١٧) المشهور عند النحويين أن المؤنث الحقيقي الذي لم يفصل عن فعله بفاصل يجب تأنيث الفعل له.

انظر: (شرح ابن عقيل) 2/ 88.

(١١٨) في "المعاني" للزجاج: (للمذكرين وأصحاب المؤنث فلا بد فيها من علم التأنيث ..) 1/ 100، وعبارة الواحدي أوضح.

(١١٩) في (ب): (القصيدة).

(١٢٠) في (ج): (الاباله).

(١٢١) في (ج): (ذار قعين).

(١٢٢) في (ب): (قد قاما).

(١٢٣) في (ج): (التثنية والجمع ههنا).

(١٢٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 100.

(١٢٥) (عدل) ساقط من (ب).

(١٢٦) (العَدْل)، و (العِدْل) بمعنى المثل ومعناهما سواء، وقال الفراء: (العِدْل): المثل، (والعَدْل): ما عادل الشيء من غير جنسه.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 320، و"تفسير الطبري" 1/ 269، "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358، "ومعاني الزجاج" 2/ 229.

(١٢٧) في (ج): (ماماثله).

(١٢٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 229.

(١٢٩) هو كعب بن مالك بن أبي كعب، الأنصاري الخزرجي، شاعر الرسول  وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليه، ومات سنة خمسين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: غير ذلك، انظر: "الاستيعاب" 3/ 286، حاشية على "الإصابة"، "سير أعلام النبلاء" 2/ 523، "الجرح والتعديل" 7/ 160، "تهذيب التهذيب" 3/ 471.

(١٣٠) في (ج): (الا ترى).

(١٣١) أورد الواحدي البيت فى "الوسيط" 1/ 100، وهو من قصيدة لكعب يرد بها على ضرار بن الخطاب بن مرداس، يوم الخندق؛ أورد ابن هشام القصيدتين في "السيرة" 3/ 277.

(١٣٢) (وذكر) ساقط من (ب).

(١٣٣) ذكره الطبري 1/ 268 - 269، وابن أبي حاتم 1/ 105، وابن قتيبة في "الغريب" ص 39، والثعلبي 1/ 70 أ، والبغوي 1/ 90، وابن كثير 1/ 95.

وذكر ابن أبي حاتم عن علي وعمير بن هانئ: المراد: التطوع والفريضة، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 105، و"ابن كثير" 1/ 95.

(١٣٤) ذكره الأزهري، قال: أخبرني ابن فهم عن محمد بن سلام عن يونس.

"تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358.

(١٣٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(١٣٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٣٧) كذا في جميع النسخ (يحصل) والصواب (يحمل) كما في "التهذيب" (عدل) 3/ 2358.

(١٣٨) "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358، وانظر: "الطبري" 1/ 269، "اللسان" (عدل) 5/ 2839.

(١٣٩) ذكره الثعلبي 1/ 70 أ، والبغوي 1/ 90، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 77، وقال الطبري: لا ينصرهم ناصر ولا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، 1/ 269، ونحوه ذكر ابن كثير 1/ 95.

(١٤٠) انظر: "تهذيب اللغة" (نصر) 4/ 3584، "الجمهرة" 2/ 744، "اللسان" (نصر) 7/ 4439.

(١٤١) انظر: "اللسان" (نصر) 7/ 4439.

(١٤٢) في (ب): (هذه الآية).

(١٤٣) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 269، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 70 أ، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 98.

(١٤٤) (نفى) ساقط من (ب).

(١٤٥) في (أ)، (ج): (فمن) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.

(١٤٦) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 268، و"تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"تفسير أبن عطية" 1/ 283، و"تفسير البغوي" 1/ 90، "زاد المسير" 1/ 76، وهذا قول أهل السنة والجماعة في الشفاعة، بخلاف قول المعتزلة الذين ينفون الشفاعة، وقد نقل الواحدي قولهم فيما سبق وعزاه لأهل "المعاني".

(١٤٧) وفي (ج): ﴿ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ﴾ وهذه آية: 23 من يس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ لما قدم دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصاً وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها.

فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: ﴿ وَإِذْ نجيناكم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ [البقرة: 49] ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ [البقرة: 50]، ﴿ بعثناكم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ [البقرة: 56]، ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 54]، ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ [البقرة: 58]، ﴿ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 53]، ﴿ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ [البقرة: 60].

وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: قوله سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل، وقالوا أرنا الله جهرة، وبدل الذين ظلموا ولن نصبر على طعام واحد، ويحرفونه، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق.

وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزاً من السماء، وأخذكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم به، ويحرّفون الكلم ويقولون هذا من عند الله، وتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وحرصهم على الحياة وعداوتهم لجبريل واتباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء الله، وقولهم يد الله مغلولة.

﴿ نِعْمَتِي ﴾ اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه: عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصهم به كالمن والسلوى، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعم النعم جميعاً ﴿ بعهدي ﴾ مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك قويّ لأنه مقصود الكلام ﴿ بِعَهْدِكُمْ ﴾ دخول الجنة ﴿ وإياى ﴾ مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد الحصر يفسره فارهبون؛ لأنه قد أخذ معموله، وكذلك إياي فاتقون ﴿ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ يعني القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي مصدقاً للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيره، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين صدقهم في الإخبار به، والآخر: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم، والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك ﴿ وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ الضمير عائد على القرآن، وهذا نهيٌ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل؛ بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته، ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : الاشتراء هنا استعارة في استبدال: كقوله: اشتروا الضلالة بالهدى، والآيات هنا هي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، وقيل: كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة على تعليم القرآن ﴿ الحق بالباطل ﴾ الحق هنا يراد به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والباطل الكفر به، وقيل: الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها.

﴿ وَتَكْتُمُواْ ﴾ معطوف على النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع، والأوّل أرجح، لأنّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي تعلمون أنه حق ﴿ الصلاوة وَآتُواْ الزكاوة ﴾ يراد بها صلاة المسلمين وزكاتهم، فهو يقتضي الأمر الدخول في الإسلام ﴿ واركعوا ﴾ خصص الركوع بعد ذكر الصلاة لأنّ صلاة اليهود بلا ركوع فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع، وقيل: اركعوا للخضوع والانقياد ﴿ مَعَ الراكعين ﴾ مع المسلمين؛ فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة.

﴿ أَتَأْمُرُونَ ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود ﴿ بالبر ﴾ عام في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس وتركهم له، وقيل: كان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَتَنْسَوْنَ ﴾ أي تتركون، وهذا تقريع ﴿ تَتْلُونَ الكتاب ﴾ حجة عليهم ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ توبيخ ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ قيل: معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ونُعي إلى ابن عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلّى ركعتين وقرأ الآية، وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة، وقيل: الصبر هنا الصوم، وقيل: الصلاة هنا الدعاء ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ الضمير عائد على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة، أو على الاستعانة أو على الصلاة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ أي شاقة صعبة ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ هنا: يتيقنون ﴿ العالمين ﴾ أي أهل زمانهم، وقيل تفضيل من وجه مّا هو كثرة الأنبياء وغير ذلك ﴿ لاَّ تَجْزِي ﴾ لا تغني.

وشيئاً مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة في موضع الصفة، وحذف الضمير أي فيه ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقاً، فإنّ مذهب أهل الحق ثبوت الشفاع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255] ولقوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ [يونس: 3] ولقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: 23] وانظر ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن في الشفاعة فيقال له: «اشفع تشفع» فكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقاً يحمل على هذا؛ لأنّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة ﴿ عَدْلٌ ﴾ هنا فدية ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ جمع لأنّ النفس المذكورة يراد بها نفوس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تقبل ﴾ بالتاء الفوقانية، ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ينصرون ﴾ (ه) التفسير: إنما أعاد  هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة وتحذيراً من ترك اتباع  ، كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل.

والمراد بالعالمين ههنا الجم الغفير من الناس كقوله ﴿ باركنا فيها للعالمين  ﴾ .

ويقال: رأيت عالماً من الناس.

يراد الكثرة بقرينة العلم بأنه لم ير كل الناس، ويمكن أن يكون المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك لا يكون من جملة العالمين.

ويحتمل أن يكون لفظ ﴿ العالمين ﴾ عاماً للموجودين ولمن سيوجد لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة.

فالآية تدل على أنهم فضلوا على كل العالمين في أمر ما، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، فلعل غيرهم يكون أفضل منهم في أكثرها.

وقيل: الخطاب لمؤمني بني إسرائيل لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير، وفي جميع ما يخاطب الله  بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم.

وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

روي عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم.

واتقاء اليوم هو اتقاء ما يحصل في ذلك اليوم من الشدائد والأهوال، لأن نفس اليوم لا يتقى.

وقوله ﴿ لا تجزي ﴾ إلى آخر الآية.

الجمل منصوبات المحل صفات متعاقبة لليوم، والراجع منها إلى الموصوف محذوف تقديره: لا تجزي فيه.

ومنهم من يقول: اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار وهو "في" فبقي لا تجزيه، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله "أم مال أصابوا" قال: فمــا أدري أغيـرهــــم تنــــاء *** وطــول العهــد أم مــال أصــابـوا أي أصابوه.

ولا يخفى أن هذا التكلف لا يتمشى في سائر الجمل، بل يتعين تقدير الجار والمجرور العائد.

ومعنى لا تجزي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق، ومنه الحديث في الجذعة التي ضحاها ابن نيار قبل الوقت "تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك" و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء مثل "ولا تظلمون شيئاً".

ومعنى تنكير النفس أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع.

وكذلك قوله ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ﴾ أي فدية لأنها معادلة للمفدى.

وفي الحديث "لا يقبل منه صرف ولا عدل" أي توبة، لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحال الحميدة ولا فداء.

والضمير في ﴿ ولا يقبل منها ﴾ يرجع إلى النفس الثانية العاصية غير المجزي عنها وهي التي لا يؤخذ منها عدل.

ومعنى لا تقبل منها شفاعة أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئاً ولو أعطت عدلاً منها لم يؤخذ منها ولا هم ينصرون، الضمير عائد إلى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة، والتذكير بمعنى العباد أو الأناسي مثل ثلاثة أنفس.

وفي وصف اليوم بهذه الصفات تهويل عظيم تنبيه على أن الخطب شديد، لأنه إذا وقع أحد في كريهة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، فتحمل عنه ما يلزمه وتذب عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوّته ونهاية بطشه.

فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة وبذل المال والمنال، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن هذه الأمور تعلل بما أمكنه من نصر الإخوان ومدد الأخدان، فأخبر الله  أن شيئاً من هذه لا يدفع يومئذ عن عذابه.

وفي هذا تحذير من المعاصي وترغيب في تلافي ما فات بالتوبة، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية، علم أنه لا ينفعه إلا الطاعة وتلافي البوادر.

فالآية وإن كانت في بني إسرائيل إلا أنها تعم كل من يحضر ذلك اليوم.

فإن قيل: قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الدية، وفي موضع آخر من هذه السورة عكست القضية، فما الحكمة في ذلك؟

قلنا: من الناس من ميله إلى حب المال أشدّ من ميله إلى علو النفس فيتمسك أوّلاً بالشفيع ثم يستروح إلى بذل المال، ومنهم من على العكس فيقدم الفدية على الشفاعة، فتغيير الترتيب إشارة إلى الصنفين والله أعلم.

واعلم أن الشفاعة هي أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة من الشفع ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار بالشفيع شفعاً.

ثم إن الأمة أجمعت على أن لمحمد  رتبة الشفاعة في الآخرة، وعليه يحمل قوله  ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً  ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ .

وأجمعوا على أنه لا شفاعة للكفار.

بقي الخلاف فيمن عداهم.

فأهل السنة أثبتوا الشفاعة لغير الكفار، والمعتزلة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب بقي خالداً في النار ولا شفاعة له وسائر الناس لهم الشفاعة.

قالوا: إن هذه الآية تدل على نفي الشفاعة مطلقاً، والآيات والأحاديث الدالة على وجود الشفاعة كثيرة، فعرفنا أن الآية ليست على عمومها، لكن الآيات الواردة في وعيد صاحب الكبيرة كثيرة كقوله  ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها  ﴾ فخرج غير صاحب الكبيرة وبقيت الآية حجة في الكفار وفي صاحب الكبيرة.

وزعم أهل السنة أن اليهود كانوا يدعون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا من ذلك.

وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسوف يجيء سائر حجج الفريقين في الآيات المناسبة إن شاء الله  .

وقالت الفلاسفة في تحقيق الشفاعة: إن واجب الوجود عام الفيض والنقصان من القابل، وجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض من واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء متوسطاً بين الواجب.

وذلك الشيء مثاله في المحسوس الشمس، فإنها لا تضيء إلا القابل المقابل، والسقف لما لم يكن مقابلاً لم يكن مستعداً لقبول النور منها، لكنه لو وضع طست مملوء من الماء الصافي انعكس منه الضوء إلى السقف.

فأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق كالماء بين الشمس وبين السقف، وهذا يدل على أنه لا واسطة بين الله  وبين عباده أشرف من نبينا محمد  حيث إنه لا شفاعة إلا له.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله: اذْكروا نعمتي التي خصصت لكم دون غيركم من نحو ما جعل منكم الأَنبياء، والملوك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

ويحتملُ ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ يعني: النجاة من فرعون، حيث كان يستعبدكم ويستخدمكم ويستحيي نساءكم، كقوله  : ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ...

﴾ الآية [الأعراف: 141].

ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ من نحو ما أَعطاهم - عز وجل - المن والسَّلْوى، وتظليل الغمام وغير ذلك من النعم، ما لم يُؤت أَحداً من العالمين، خصوا بذلك من دون غيرهم.

وقيل: نعمتُه محمدٌ  بعث وقتَ اختلافهم في الدين، وتَفرُّقهم فيما كان عليه مَنْ مَضى من النبيين ليدُلَّهم على الحق من ذلك، ويؤلف بينهم بالبيِّنات.

كما أخرجهم الاختلاف إلى من يقوم بذلك من وجه يُعلم صدقه في ذلك؛ فبعث رسول الله  نعمة منه عليهم، إذ بطاعته نجاتهم، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: وجهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا توجهوها إلى غيري.

فإن كان هذا المراد، فهم وغيرهم فيه سواء؛ إذ على كل مُنْعَم عليه أَن يوجِّه شكر نعمه إلى ربه.

وكان الأمر بذكر النعمة - والله أعلم - أَمراً بعرفانها في القلب أَنها مِنَّةٌ، لا الذكر باللسان؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز عن أداء شكر واحدة منها طول عمره.

وقوله  : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد الله على وجهين: عهد خلقة: لما جعل في خلقة كلِّ أَحد دلائلَ تدل على معرفته وتوحيده، وأَنه لم يخلقه للعبث، ولا يتركه سدى.

وعهد رسالة: على أَلسن الرسل؛ كقوله  : ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [آل عمران: 187].

وقوله  : ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .

الذي وعدتكم؛ وهو الجنة، كقوله: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ...

﴾ الآية [المائدة: 12].

ويقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ أي: أدوا ما فرضْتُ عليكم من فرائض، ووجِّهوا إليَّ شكر نعمتي، ولا تشكروا غيري.

ويكون أوفوا بعهدي الذي أَخذ على النبيِّين بقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...

﴾ الآية [آل عمران: 81]، ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ  ﴾ فيكون عهدُه تبليغَ ما بَيَّن في كتبهم؛ من بعث محمد  والإقرار به، والنصر له إذا بعث محمد  .

وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .

أَي: اخشوا سلطاني وقُدْرتي.

وقيل: اخشَوْا عذابي ونِقْمتي.

وقيل: اخشوا نقض عهدي وكتمان بعث محمد نبيِّي  .

وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ على نبيِّي محمد  من القرآن.

﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: موافقاً لما معكم من الكتب؛ من التوراة، والإنجيل، وغيرهما.

وهم قد عرفوا موافقتَه كتُبهم؛ إذ لم يتكلفوا جمع هذا إلى كتبهم، ومقابلة بعض ببعض.

أو يحتمل قوله: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً لما معكم من الكتب، وليس كما قال صنف من الكفرة - وهم الصابئون -: إن الإنجيل نَزلَ بالرُّخص، والتوراة نزلت بالشدائد.

فقالوا باثنين؛ لما لم يرَوْا نزول الكتب - بعضُها على الرُّخَص وبعضُها على الشدائِد مِنْ واحدٍ - حكمةً.

فقال عز وجل: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً للكتب، وأنها إنما نزلت من واحد لا شريك له، وإن كان فيه شدائدُ ورخصٌ؛ إذ لله أَن ينهى هذا عن شيء، ويأْمرَ آخرَ، وينهى في وقت، ويأْمر به في وقت، وليس فيه خروجٌ عن الحكمة أَن يأْمر أَحداً وينهاهُ في وقتٍ واحد، وفي حالٍ واحدةٍ، وفي شيء واحد.

ثم في الآية دلالةُ أَن المنسوخ موافق للناسخ، غَيْر مُخالف له؛ لأَن من الأَحكام والشرائع ما كانت في كتبهم، ثم نسخت لنا، فول كان فيها خلاف لظهر القول منهم إنه مخالف، وإنه غير موافق.

وكذلك في القرآن ناسخ ومنسوخ، فلم يكن بعضه مخالفاً لبعضه، كقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: لا تكونوا أَول قُدوة يقتدى بكم في الكفر.

وقيل: أَي لا تكونوا أَول كافر بما آمنتم به؛ لأَنهم كانوا آمنوا به قبل أَن يُبعث، فلما بعث كفروا به.

وقيل: هم أول من التقوا برسول الله  ؛ لأَنه ظهر بين أَظهرهم؛ فلو كفروا لكانوا أَول من يكفر به فيلحقهم ما يلحق من سن الكفر لقومه مع ما يكونون هم بمعنى الحجة لغَيرهم؛ إذ كانوا أعرف به، وأبصر بما معه من الأدلة والبراهين؛ فيقتدى بهم من لم يشهد ولا عَلِمَ.

فيكون عليهم - لو كفروا - ما على أول من كفر - ولا قوة إلا بالله - مع ما يلحقهم فيه وصفُ التعنُّت والتمرد، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قيل: بحجتي: قال الحسن: الآيات في جميع القرآن هي الدين؛ كقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ .

وأما عندنا فهي الحجج، وقد ذكرنا أن اسم الشراء قد يقع من اختيار شيء بشيءٍ وإن لم يتلفظ بلفظ الشراء.

وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ﴾ .

أي: اتقوا عذابي ونقْمتي، ويحتمل: سلطاني وقدرتي.

وقد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: لا تشتروا بالحق الباطل.

ويَحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تلبِسوا؛ هو تلبيس الحق بالباطل.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تخلطوا.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تشبهوا الحق بالباطل.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: تكتموا.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تمحوا نعت محمد  ، ولا تثبتوا غيره.

وكله يرجع إلى واحد.

ثم ﴿ ٱلْحَقَّ ﴾ يحتمل وجوها: يحتمل: محمداً  ونعته.

ويحتمل الحق: القرآن.

ويحتمل الحق: الإيمان.

والباطلُ: هو الظلمُ والكفرُ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

لما ذكر هو ونعتُه في كتابهم أَنه حق؛ إن كان محمداً عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات، أو القرآن والإيمان، لكن تعاندون وتكابرون.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة أَمراً بقبول الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة والمدعوة إليهما؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ ، ليس هو إخباراً عن إقامة فعلهما، ولكن القبول لها والإيمان بهما، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بكونهم على حال تكون صلاتهم صلاة، وزكاتهم زكاةً.

قال: كونوا في حال تكون صلاتكم صلاة، وزكاتكم زكاة في الحقيقة؛ لأَن الآية نزلت في بني إسرائيل وهم كانوا أَهل كتاب، وكانوا يُصَلُّون ويَصَّدقون، ولكن صلاتهم وزكاتهم لم تكن لله، لما لم يأْتوا بإيمانهم فأمروا أن يأْتوا بالإيمان؛ لتكون صلاتهم تلك صلاة في الحقيقة.

ويحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بإقامتها بأَسبابها وشرائطها من نحو الطهارة واللباس، وإخلاص النية له، وذلك راجع إلى المؤمنين.

ويحتمل: الأَمر بالصلاة والزكاة أَمراً لمعنى فيهما، وهو الخضوع والطاعة له، والثناء عليه، وذلك على كل أَحد أَن يخضع لربه ويطيعه ولا يعصيه، وكذلك الزكاة على كل أَحد أن يزكىَ نفسه عن جميع القاذورات، ويحفظها، ويصونها عن جميع ما يضر به وذلك فَرْضٌ على كل واحد، وبالله التوفيق.

وقوله عز وجل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: إن اليهود كانوا يصلون ولا يركعون؛ فأُمروا أن يصلوا لله ويركعوا فيها على ما يفعله المسلمون.

وقيل: إنَّهم كانوا يصلون وحداناً لغير الله؛ فأُمروا بالصلاة مع النبي  وأَصحابه بالجماعة.

وفيه أمر بحضور الجماعة.

وقيل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ أي: كونوا مع المصلينَ يعني المسلمين، ولا تخالفوهم في الدين والمذهب، أَي: اعتقاداً.

وقوله عز وجل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يَعني: الأَتباع والسفلة باتباعكم، وتعظيمكم لعلمكم، وتلاوتكم الكتاب، ﴿ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ولا تأمرونها باتباع محمد  ، وتعظيمه، لعلمه، ولنبوته، ولفضل منزلته عند الله؟!

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

أي: تجدون في كتابكم أنه كذلك.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أَنَّ ذا لا يصحُّ؟!.

وقيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: الفقراءَ والضعفةَ بالإيمان بمحمد  ، ولا تأمرون الأغنياء وأهلَ المروءَة بالإيمان به، لما تخافون فوت المأْكلة، والبر، وانقطاعه عنكم.

ويحتمل أَن ذا الخطاب لهم ولجميع المسلمين، ألا يأْمر أحدٌ أحداً بمعروف إلا ويأْمر نفسه بمثلهِ، بل الواجب أَن يبدأ بنفسه، ثم بغيره، فذلك أنفع وأَسرع إلى القبول.

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أَن ذلك في العقل لازم أن يجعل أول السعي في إصلاح نفسه، ثم الأمر لغيره.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَن استعينوا بالصبر على ترك الرئاسة والمأْكلة في الدنيا؛ لأَن الخطاب كان للرؤساءِ منهم بقوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ والله أعلم.

ويحتمل: أن اصبروا على ترك الرئاسة لمحمد  ، والانقياد والخضوع له، لما بيَّن لكم من الثواب في الآخرة لمن آمن به وأَطاعه، وترَكَ الرئاسةَ له.

ويحتمل: أَن اصبروا على المكاره وترك الشهوات؛ بأَن الجنة لا تدرك إلا بذلك؛ لما جاءَ: "حفت الجنة بالمكارة، والنار بالشهوات" ويحتمل: أن استعينوا بالصوم والصلاة على أَدَائهما.

لكن هذا يرجع إلى المؤمنين، والآية نزلت في رؤساء بني إسرائيل، دليله قولُه: ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

وإنما يصلح هذا التأويل في قوله: ﴿ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ...

﴾ الآية [البقرة: 153].

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ .

يُخرّج - والله أعلم - على ما ذكرنا من ترك الرئاسة، والمأْكلة في الدنيا، إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين، فإنها غير كبيرة، ولا عظيمة عليهم.

ويحتمل: أنَّ تركَ الرئاسة لمحمد  والانقياد له، والخضوع - لثقيلٌ إلا على الخاشعين؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم، ولا يكبر.

ويحتمل أَن يقال: إن الصبر على الطاعة، وأداء هذه الفرائض كبيرة على المنافقين إلا على المؤمنين خاصة، فإنه لا يتعاظم ذلك عليهم.

وقيل: إن تحويل القبلة إلى الكعبة لثقيل على اليهود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الخاشع؛ هو الخائف بالقلب.

وقيل: الخاشع؛ المتواضع.

وقيل: الخاشع - هاهنا - المؤمن.

وقال الحسن: الخشوع هو الخوف اللازم بالقلب.

وقوله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ .

يعنى: يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو ربهم بكسبهم وصنيعهم.

وقوله: ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴾ .

أي: سيعلمون يومئذ أَنهم راجعون إليه.

قال صاحب المنطق: الظن هو الوقوف على أَحد طرفي اليقين، والشك هو الوقوف على أَحد طرفي الظن.

والهمّةُ بين هذين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واجعلوا بينكم وبين عذاب يوم القيامة وقاية بفعل الأوامر وترك النواهي، ذلك اليوم الَّذي لا تغني فيه نفس عن نفس شيئًا، ولا تُقْبَلُ فيه شفاعة أحد بدفع ضر أو جلب نفع إلا بإذن من الله، ولا يؤخذ فداء ولو كان ملء الأرض ذهبًا، ولا ناصر لهم في ذلك اليوم، فإذا لم ينفع شافع ولا فداء ولا ناصر، فأين المفر؟!

من فوائد الآيات من أعَظم الخذلان أن يأمر الإنسان غيره بالبر، وينسى نفسه.

الصبر والصلاة من أعظم ما يعين العبد في شؤونه كلها.

في يوم القيامة لا يَدْفَعُ العذابَ عن المرء الشفعاءُ ولا الفداءُ ولا ينفعه إلا عمله الصالح.

<div class="verse-tafsir" id="91.ePA9g"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم تذكير بني إسرائيل بالنعمة في آية قبل هذه الآية، مقرونًا بالأمر بالوفاء بعهد الله، وبالوعد بالجزاء عليه والأمر بالخشية منه والرهبة له وحده، (وهي آية ٤٠) وتلاها آيات أمرهم فيها بالإيمان بالقرآن ونهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمانه.

ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم وبخهم على نسيان أنفسهم من البر مع أمرهم للناس به وتلاوتهم الكتاب الداعي إليه، ودلهم على الطريق التي لو سلكوها عوفوا من هذا النسيان، تلك الطريق هي الاستعانة بالصبر والصبر التي فقدوها بفقد روحها وهو الإخلاص والخشوع.

وبعد هذا عاد إلى التذكير بالنعمة بنوع من التفصيل فإن النعمة في الآية الأولى مجملة والإجمال ينبه الفكر إلى الذكر في الجملة، فإذا تلاه التفصيل والبيان كان على استعداد تام لكمال الفهم، فيكون التذكر أتم والتأثر أقوى، والشكر على النعمة أرجى.

ثم طلب منهم أن يذكروا نعمته عليهم وتفضيله إياهم على الناس إحياء لشعور الكرامة في نفوسهم، ووصله بالأمر باتقاء يوم الدين والجزاء.

وهذا أسلوب حكيم في الوعظ فينبغي لكل واعظ أن يبدأ وعظه بأحياء إحساس الشرف وشعور الكرامة في نفوس الموعوظين لتستعد بذلك لقبول الموعظة، وتجد من ذلك الإحساس معونة من العزيمة الصادقة التي هي من خصائص النفوس الكريمة على عوامل الهوى والشهوة، فإن النفس إذا استشعرت كرامتها وعلوها ونظرت إلى ما في الرذائل من الخسة أبى لها ذلك الشعور، شعور العلو والرفعة، أن تنحط إلى تعاطي تلك الخسائس، وكان ذلك من أقوى الوسائل لمساعدة الواعظ على بلوغ قصده من نفس من يوجه إليه وعظه ثم إن في الوعظ مسًا يؤلم نفس الموعوظ وجرحًا يكاد يحملها على النفرة من تلقينه والاستنكاف من سماعه، فذكر الواعظ لما يشعر بكرامة المخاطب ورفعة شأنه، وإباء ما ينمى إليه من الشرف أن يدوم على مثل يقترف، يقبل بالنفس على القبول كما يقبل الجريح على من يضمد جراحة ويسكن آلامه.

ألا وإن هذا الشعور، شعور الشرف والرفعة، ملازم للإنسان لا يفارقه، ولكنه قد يضعف حتى لا يظهر له أثر، وفي تحريك الواعظ له اعتراف ضمني بكرامة وفضل للموعوظ يشفعان له بما يستلزمه الوعظ من مظنة الإهانة فيسهل احتماله ويقرب قبوله.

شعور العزة والكرامة أمر شريف يحييه الإيمان في نفوس المؤمنين الصادقين، بل يستلزمه على وجه أكمل، لأن صاحب الإيمان الصحيح يرى أن له نسبة إلى الرب العظيم خالق السموات والأرض، وأنه سنده وممده، وعند ذلك تعلو نفسه وترتفع كما قيل: قوم يخالجهم زهو بسيدهم والعبد يزهو على مقدار مولاه من كان يشعر لنفسه بقيمة أو يجد لها حقًا في أن تعز وتكرم تراه إذا خلا بنفسه وتذكر أنه ألم بنقيصة يتألم ويتململ ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

وإذا تذكر المؤمن أن قلبه الذي تشرف بمعرفة الله تعالى، وأن شرف تلك المعرفة خلصه من العبودية لغيره وصيره مربوبًا لرب العالمين وحده، فهو في ذلك مع أرفع رفيع وأكرم كريم سواء، إذا ذكر ذلك لم ير من اللائق بمثل هذا الاختصاص أن يجاوره ما يدنسه من الاستعباد لما يذله، بل يرى أن ذلك الشعور الطاهر والعرفان الهادي إلى مقامات الكرامة لا ينبغي أن يزاحمه في موطنه من القلب دنس من رجس الرذائل.

فينفر من هذه المزاحمة، وتثقل عليه، ويسهل عليه التزكي مما ألم به، والإنابة إلى الله تعالى.

لهذا بدأ الله تعالى تذكير بني إسرائيل بما بدأ وثنى بما ثنى، وهو يتضمن من التقريع والتوبيخ ما يشعر بغلظ طباعهم وفساد قلوبهم فإن من لا يتأدب بإحياء إحساس الكرامة، يؤدب بالتأنيب والإهانة.

العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة فقوله تعالى ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  ﴾ مؤكد لمثله في الآية:"٤٠"وتمهيد لما عطفه عليه من تفصيل الإجمال في الآية وما بعدها من الآيات، وما اقترن به من بيان كفرهم للنعم، وما تخللها من المواعظ والحجج، وأوله وأعلاه قوله ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ أي أعطيتكم من الفضل -وهو الزيادة فيما يحسن- ما لم أعط غيركم من الشعوب حتى ذات المزايا الدنيوية كالمصريين وسكان البلاد المقدسة.

ناداهم باسم أبيهم الذي هو أصل عزهم وسؤددهم ومنشأ تفضيلهم، وأسند النعمة إليهم جميعًا لا إليه وحده، لأن النعمة عمتهم والتفضيل شملهم، ثم طفق يفصل النعمة التي ذكرها مجملة فيما سبق بذكر أمهات أنواعها، فذكر تفضيلهم على العالمين بمحض كرمه وفضله، فإن بني إسرائيل كغيرهم من البشر.

والتفضيل هو مناط الأخذ بالفضائل وترك الرذائل، لأن الذي يرى نفسه رذلًا خسيسًا لا يبالي ما يفعل، ومن يرى نفسه مفضلًا مكرمًا فإنه يترفع عن الدنايا والخسائس التي تدنس شرفه وتذهب بفضله.

والحكمة في التذكير بالتفصيل أن يتذكروا أن الذي فضلهم له أن يفضل غيرهم كمحمد  وأمته، وتنبيههم إلى عدم الذهول عن أنفسهم ليذكروها عند أمر الناس بالبر، ويعلموا أنهم أولي بأن يبروا ممن يأمرونهم بالبر، لأنهم يتلون الكتاب الداعي إليه وهو آية تفضيلهم.

وإلى أنهم أحق باستعمال الفكر في الآيات التي أوتيها النبي  وأجدر من جميع الشعوب بالإيمان به، فإن المفضل أولى بالسبق إلى الفضائل ممن فضل هو عليه.

ثم إن الفضل على العالمين إن كان بكثرة الأنبياء فيهم فهو ظاهر على عمومه لأنه لا يعرف شعب من الشعوب يزاحمهم في هذه المزية.

ولا تقضي هذه الفضيلة بأن يكون كل فرد منهم أفضل من كل فرد من غيرهم، ولا تنافي أن يفضلهم أخس الشعوب -بله غيره- إذا هم انحرفوا عن هدى أنبيائهم وتركوا سنتهم واهتدى إليها ذلك الشعب الذي كان مفضولًا.

وإن كان المراد من التفضيل هو القرب من الله تعالى بمرضاته فلا بد من تخصيصه بأولئك الأنبياء والمهتدين بهم من أهل زمانهم والتابعين لهم فيه، ومن تقييده بمدة الاستقامة على العمل الذي استحقوا به التفضيل.

ثم قال تعالى ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ أي واحذروا يومًا عظيمًا أمامكم سيقع فيه من الحساب والجزاء ما لا منجاة من هوله إلا بتقوى الله في جميع الأحوال، ومراقبته في جميع الأعمال، فهو يوم لا تغني فيه نفس مهما يكن قدرها عظيمًا عن نفس مهما يكن ذنبها صغيرًا شيئًا ما كحمل وزرها، أو تكفير ذنبها، ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى  ﴾ .

وصف اليوم بهذا الوصف ولم يقل يوم القيامة مثلًا للإشعار بأن التصرف في ذلك اليوم والأمر كله لله، فليس فيه ما اعتاد الناس في هذه الدنيا من دفاع بعضهم عن بعض.

وعبر عن هذا المعنى في أول سورة بقوله ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ثم وصفه هنا بوصف آخر يناسب الأول فقال ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ  ﴾ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ولا تقبل) بالتاء، والمعنى لا يقبل منها أن تأتي بشفيع يشفع لها ولا يؤخذ منها فداء أو بدل إن هي استطاعت أن تأتي بذلك كما يظن أكثر الكفار ولن تستطيع.

قال البيضاوي وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع أحد عن أحد العذاب من كل وجه محتمل، وفصل هذه الوجوه بما يشمل الثلاث المنفية، وجملة المعنى أنه يوم لا تأثير لأحد فيه ولا كسب، ولا ينطق فيه أحد إلا بإذن الله تعالى.

وقال (الجلال) أي ليس لها شفاعة، واستدل بقوله تعالى حكاية عن المجرمين في الآخرة ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ  ﴾ الآية وفسر العدل بالفداء قال ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ  ﴾ أي يمنعون من عذاب الله.

ولا دليل في هذا على أن المراد ما ذكره في مسألة الشفاعة وإنما السياق في الآية وأمثالها يدل على أن المراد بيان أن ذلك اليوم يوم تنقطع فيه الأسباب، وتبطل منفعة الأنساب، وتتحول فيه سنة هذه الحياة من انطلاق الإنسان في اختياره يدفع عن نفسه بالعدل والفداء ويستعين على المدافعة بالشفاعة عند السلاطين والأمراء، وقد يوجد له فيها أنصار ينصرونه بالحق وبالباطل على سواء.

بل يكون له في ذلك اليوم شأن آخر مع ربه تضمحل فيه جميع الوسائل إلا ما كان من إخلاصه في عمله، قبل حلول أجله، ورحمة الله العلي الكبير له، لضعف حوله، وضيق طوله، وأنه يوم لا يتحرك فيه عضو إلا بإذن الله، ولا يقدر أحد أن ينبس بكلمة إلا بإذن الله ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ .

كان اليهود المخاطبون ببيان هذه الحقيقة كغيرهم من أمم الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصريين واليونان يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلًا وجزاء عنه -كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية- أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يغير بها رأيه ويفسخ إرادته.

ولقد اكتسح الإسلام هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص، وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزارًا مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولقنوه كما ترشد إليه كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا التأويل الباطل حقًا، والكذب صدقًا.

ومن ذلك بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين، وهي من إرث قدماء الوثنيين، كإعطائهم لغاسل الميت شيئًا من النقد يسمونه "أجرة المعدية" أي أجرة نقله إلى الجنة.

وغير ذلك مما يعملونه للأموات، ولمن يعتقدون فيهم الولاية والقرب من الله، ومثله أكثر تقاليدهم في بناء المقابر واحتفالاتها.

وأيضًا تلك المكفرات التي يعتقدها اليهود كقربان الإثم وقربان الخطيئة وقربان السلامة والمحرقة والاكتفاء ممن لم يجد القربان بحمامتين يكفر بهما عن ذنبه..

وكانوا يفهمون أن هذه الأشياء تكفر الذنوب بذاتها، والحق أنها عقوبات لا مكفرات، فإن فهم التوراة حق فهمها يعلم أن المكفر الحقيقي هو التوبة والإقلاع عن الذنب ثم تقديم القربان يكون تربية وعقوبة.

وقد أخبرهم الله تعالى في هذه الآية بأن يوم القيامة لا يقبل فيه عدل يفتدى الإنسان به.

وكانوا يعتقدون أنهم بانتسابهم للأنبياء لا يدخلون النار أو لا تمسهم إلا أيامًا معدودة، لأن لهم الجاه والتأثير يوم القيامة، ولا يرضون أن يتركوا أبناءهم في العذاب، ثم زادوا على ذلك شفاعة الأحبار لمن ينتسب إليهم.

ومتى ضعف الدين يوجد من رؤسائه من يروج هذه العقائد في العامة لما تسوق إليهم من المنافع.

وكذلك كان اليهود حتى جاء الإسلام بهذه الآية وأمثالها فمحا هذه العقيدة ليعلم المؤمنون به أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة إلا مرضاة الله تعالى بالإيمان الخالص والعمل الصالح.

في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقًا كقوله تعالى في وصف يوم القيامة ﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ  ﴾ وأخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة كقوله  ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ  ﴾ وآيات تقيد النفي بمثل قوله تعالى ﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ  ﴾ وقوله ﴿ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  ﴾ فمن الناس من يحكم الثاني بالأول ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر لأن مثل هذا الاستثناء (أي الاستثناء بالإذن والمشيئة) معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته  كقوله تعالى ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى  إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ  ﴾ وقوله ﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ  ﴾ فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها؟

الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره -حكم به أم لا- فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع.

فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به.

وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة.

وكل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته تعالى على حسب علمه وعلمه أزلي لا يتغير.

فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم، وأنها مزية يختص الله بها من يشاء يوم القيامة، عبر عنها بهذه العبارة "الشفاعة" ولا نحيط بحقيقيها، مع تنزيه الله  عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي.

وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى.

والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما أن النبي  يسجد يوم القيامة ويثني على الله تعالى بثناء يلهمه يومئذ فيقال له "ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع".

وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضًا ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادًا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحدًا في الآخرة إلا طاعته ورضاه ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ  فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ  ﴾ ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل