الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٦ من سورة البقرة
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 113 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٩٦ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
"ولتجدنهم أحرص الناس على حياة": أي : [ أحرص الخلق على حياة أي ] : على طول عمر ، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة ; لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم .
وما يحذرون واقع بهم لا محالة ، حتى وهم أحرص [ الناس ] من المشركين الذين لا كتاب لهم .
وهذا من باب عطف الخاص على العام .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( ومن الذين أشركوا ) قال : الأعاجم .
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري ، وقال : صحيح على شرطهما ، ولم يخرجاه .
قال : وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي .
وقال الحسن البصري : ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) قال : المنافق أحرص الناس على حياة ، وهو أحرص على الحياة من المشرك ( يود أحدهم ) أي : أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق .
وقال أبو العالية : ( يود أحدهم ) يعني : المجوس ، وهو يرجع إلى الأول .
( لو يعمر ألف سنة ) قال الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) قال : هو كقول الفارسي : " زه هزارسال " يقول : عشرة آلاف سنة .
وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضا .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال : سمعت أبي يقول : حدثنا أبو حمزة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) قال : هو الأعاجم : " هزارسال نوروز مهرجان " .
وقال مجاهد : ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) قال : حببت إليهم الخطيئة طول العمر .
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس : ( وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) أي : ما هو بمنجيه من العذاب .
وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت ، فهو يحب طول الحياة ، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما صنع بما عنده من العلم .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) قال : هم الذين عادوا جبريل .
وقال أبو العالية وابن عمر فما ذاك بمغيثه من العذاب ولا منجيه منه .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [ في هذه الآية ] يهود أحرص على [ هذه ] الحياة من هؤلاء ، وقد ود هؤلاء أن يعمر أحدهم ألف سنة ، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر ، كما عمر إبليس لم ينفعه إذ كان كافرا .
( والله بصير بما يعملون ) أي : خبير بما يعمل عباده من خير وشر ، وسيجازي كل عامل بعمله .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) - اليهود -.
يقول: يا محمد، لتجدن أشد الناس حرصا على الحياة في الدنيا، وأشدهم كراهة للموت، اليهود كما:- 1583 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد -فيما يروي أبو جعفر- عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة)، يعني اليهود.
1584 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, حدثنا الربيع، عن أبي العالية: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة)، يعني اليهود.
(12) 1585 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
(13) 1586 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
* * * وإنما كراهتهم الموت، لعلمهم بما لهم في الآخرة من الخزي والهوان الطويل.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ومن الذين أشركوا)، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة, كما يقال: " هو أشجع الناس ومن عنترة " بمعنى: هو أشجع من الناس ومن عنترة.
فكذلك قوله: (ومن الذين أشركوا).
لأن معنى الكلام: ولتجدن -يا محمد- اليهود من بني إسرائيل، أحرص [من] الناس على حياة ومن الذين أشركوا.
(14) فلما أضيف " أحرص " إلى " الناس " وفيه تأويل " من "، أظهرت بعد حرف العطف، ردا - على التأويل الذي ذكرنا.
وإنما وصف الله جل ثناؤه اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة، لعلمهم بما قد أعد لهم في الآخرة على كفرهم بما لا يقر به أهل الشرك, (15) فهم للموت أكره من أهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث، لأنهم يؤمنون بالبعث, ويعلمون ما لهم هنالك من العذاب.
والمشركون لا يصدقون بالبعث ولا العقاب, (16) فاليهود أحرص منهم على الحياة وأكره للموت.
* * * وقيل: إن الذين أشركوا - الذين أخبر الله تعالى ذكره أن اليهود أحرص منهم في هذه الآية على الحياة - هم المجوس الذين لا يصدقون بالبعث .
* ذكر من قال هم المجوس: 1587 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، يعني المجوس.
1588 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، قال: المجوس.
1589 - حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال قال ابن زيد: (ومن الذين أشركوا)، قال: يهود، أحرص من هؤلاء على الحياة.
* * * * ذكر من قال: هم الذين ينكرون البعث: 1590 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد -فيما يروي أبو جعفر- عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا)، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة؛ وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما ضيع مما عنده من العلم.
(17) * * * القول في تأويل قوله تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ قال أبو جعفر: هذا خبر من الله جل ثناؤه بقوله عن الذين أشركوا (18) - الذين أخبر أن اليهود أحرص منهم على الحياة.
يقول جل ثناؤه: يود أحد هؤلاء الذين أشركوا - الآيس، بفناء دنياه وانقضاء أيام حياته، (19) أن يكون له بعد ذلك نشور أو محيا أو فرح أو سرور - لو يعمر ألف سنة، حتى جعل بعضهم تحية بعض: " عشرة آلاف عام " حرصا منهم على الحياة، كما:- 1591 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبي عليا, أخبرنا أبو حمزة, عن الأعمش, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، قال: هو قول الأعاجم: " سال زه نوروز مهرجان حر ".
(20) 1592 - وحدثت عن نعيم النحوي, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، قال: هو قول أهل الشرك بعضهم لبعض إذا عطس: " زه هزار سال ".
1593 - حدثنا إبراهيم بن سعيد ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن علية, عن ابن أبي نجيح، عن قتادة في قوله: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، قال: حَبَّبَتْ إليهم الخطيئةُ طولَ العمر.
1594 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، حدثني علي بن معبد, عن ابن علية, عن ابن أبي نجيح في قوله: (يود أحدهم)، فذكر مثله.
1595 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) حتى بلغ: (لو يعمر ألف سنة)، يهود، أحرص من هؤلاء على الحياة.
وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة.
1596 - وحدثت عن أبي معاوية, عن الأعمش, عن سعيد, عن ابن عباس في قوله: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، قال: هو قول أحدهم إذا عطس: " زه هزار سال ", يقول: عشرة آلاف سنة.
(21) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)، وما التعمير - وهو طول البقاء - بمزحزحه من عذاب الله.
* * * وقوله: ( هو) عماد لطلب " ما " الاسم أكثر من طلبها الفعل, (22) كما قال الشاعر: فهل هو مرفوع بما ههنا رأس * (23) و " أن " التي في: (أن يعمر)، رفع، بـ " مزحزحه ", و " هو " الذي مع " ما " تكرير، عماد للفعل، لاستقباح العرب النكرة قبل المعرفة.
* * * وقد قال بعضهم: إن " هو " الذي مع " ما " كناية ذكر العمر.
كأنه قال: يود أحدهم لو يعمر ألف سنة, وما ذلك العمر بمزحزحه من العذاب.
وجعل " أن يعمر " مترجما عن " هو ", يريد ما هو بمزحزحه التعمير.
(24) * * * وقال بعضهم: قوله: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)، نظير قولك: ما زيد بمزحزحه أن يعمر.
* * * قال أبو جعفر: وأقرب هذه الأقوال عندنا إلى الصواب ما قلنا, وهو أن يكون " هو " عمادا، نظير قولك: " ما هو قائم عمرو ".
* * * وقد قال قوم من أهل التأويل: إن " أن " التي في قوله: " أن يعمر " بمعنى: وإن عمر, وذلك قول لمعاني كلام العرب المعروف مخالف.
* ذكر من قال ذلك: 1597 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع، عن أبي العالية: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)، يقول: وإن عمر.
1598 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
1599 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " أن يعمر "- ولو عمر.
* * * وأما تأويل قوله: (بمزحزحه)، فإنه بمبعده ومُنَحِّيه, كما قال الحطيئة: وقـالوا: تزحـزح ما بنا فضل حاجة إليـك, ومـا منــا لـوَهْيِك راقــع (25) يعني بقوله: : " تزحزح "، تباعد, يقال منه: " زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحا," وهو عنك متزحزح "، أي متباعد.
* * * فتأويل الآية - وما طول العمر بمبعده من عذاب الله، ولا مُنَحِّيه منه، لأنه لا بد للعمر من الفناء، ومصيره إلى الله، كما:- 1600 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد -فيما أروي- (26) عن سعيد بن جبير, أو عن عكرمة, عن ابن عباس: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)، أي: ما هو بمنحيه من العذاب.
1601 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)، يقول: وإن عُمِّر, فما ذاك بمغيثه من العذاب ولا منحيه.
1602 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
1603 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب)، فهم الذين عادوا جبريل عليه السلام.
1604 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)، ويهود أحرص على الحياة من هؤلاء.
وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة, وليس ذلك بمزحزحه من العذاب، لو عمر كما عمر إبليس لم ينفعه ذلك, إذ كان كافرا، ولم يزحزحه ذلك عن العذاب.
* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (والله بصير بما يعملون)، والله ذو إبصار بما يعملون, لا يخفي عليه شيء من أعمالهم, بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر، حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها.
* * * وأصل " بصير "" مبصر " - من قول القائل: " أبصرت فأنا مبصر "، ولكن صرف إلى " فعيل ", كما صرف " مسمع " إلى " سميع ", و " عذاب مؤلم " إلى " أليم "," ومبدع السموات " إلى بديع, وما أشبه ذلك.
(27) ------------------ الهوامش : (12) الأثر : 1584 - في المطبوعة : "حدثنا أبو جعفر عن أبي العالية" ، سقط منه"حدثنا الربيع"؛ وهو إسناد دائر ، وأقربه في رقم : 1573 .
(13) الأثر : 1585 - في المطبوعة : "حدثني المثنى قال حدثنا ابن أبي جعفر" سقط منه"حدثنا إسحاق" ، وهو إسناد دائر ، وأقربه رقم : 1574 .
(14) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، يدل عليها سياقه .
(15) في المطبوعة : "مما لا يقر به" ، والصواب ما أثبته .
(16) في المطبوعة : "وإن المشركين لا يصدقون .
.
" ، و"إن" لا مكان لها هنا .
(17) الأثر : 1590 - سيرة ابن هشام 2 : 191 .
(18) في المطبوعة : "هذا خبر من الله جل ثناؤه بقوله عن الذين أشركوا" والصواب حذف"بقوله" ، والنسخة المطبوعة ومخطوطاتها مضطربة في هذا الموضع من الكتاب اضطرابا شديدا .
(19) في المطبوعة : "يود أحد هؤلاء الذين أشركوا إلا ما .
.
بفناء دنياه وانقضاء أيام حياته" ، بياض فيها وفي الأصل .
واستظهرت قراءتها كما أثبت ، فإنه هو المعنى الذي يدور عليه تفسير أبي جعفر : أن هذا المشرك قد يئس أن يكون له بعد فناء الدنيا وانقضاء الحياة نشور أو محيا أو فرح أو سرور ، فهو يود لو يعمر ألف سنة .
(20) الأثر: 1591 - محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وأبوه: ثقتان، ترجمنا لهما في شرح المسند: 7437.
أبو حمزة: هو السكري، محمد بن ميمون، ثقة إمام.
وهذا الإسناد صحيح متصل.
وانظر الإسناد الآتي.
في تفسير ابن كثير 1: 238، ونص الكلام الفارسي فيه:"هزار سال نوروز مهرجان".
وقد سألت أحد أصحابنا ممن يعرف الفارسية فقال: إن هذا النص لا ينطبق على قواعد الفارسية، وأنه يظن أن صوابها:"زه در مهرجان نو وروز هزار سال" ومعنى"زه": عش، و"در" ظرف بمعنى"في"، ومهرجان هو عيد لهم.
ونيروز: عيد آخر في أول السنة.
و"هزار" ألف، و"سال": سنة.
فكأن"حر" التي في آخر الكلام في نص الطبري هي:"در" مصحفة.
وباقي النصوص الفارسية صحيح، ومعناه: عش ألف سنة.
وفي المستدرك للحاكم 2: 264"هزار سال سرور مهرجان بخور"، وقال مصححه: يعني"تمتع ألف سنة كمثل عيد مهرجان.
وهو عيد لهم"، وكأن هذا هو الصواب.
(21) الخبر : 1596 - ذكره الطبري هكذا مجهول الإسناد ، بقوله : "حدثت عن أبي معاوية" ، إلخ .
والعلة في ذلك - فيما أرى - أن الأعمش لم يسمعه من سعيد بن جبير ، وإن كان أدركه وروى عنه .
فقد روى الحاكم هذا الخبر ، في المستدرك 2 : 263 - 264 ، من طريق إسحاق بن إبراهيم"حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس" - بنحوه .
ثم قال الحاكم : "رواه قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس" .
ثم رواه بإسناده إلى محمد بن يوسف ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
.
" وهذا إسناد صحيح متصل ، دل على انقطاع الإسناد : "الأعمش عن سعيد بن جبير" .
(22) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 312 في معنى"الاسم" و"الفعل" ، و"العماد" ، تعليق رقم : 2 ، وانظر معاني الفراء 1 : 50 - 52 .
(23) هذا شطر بيت مضى من أبيات ثلاثة ، في هذا الجزء 2 : 313 .
(24) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 340 معنى"الترجمة" .
(25) البيت ليس للحطيئة ، وإنما هو لقيس بن الحدادية ، من قصيدة له نفيسة طويلة رواها أبو الفرج في أغانيه 13 : 6 .
يقول قبل البيت ، يذكر مجيئه إلى صاحبته أم مالك .
ومـا راعنـى إلا المنادى : ألا اظعنوا وإلا الــرواغى غــدوة والقعـاقع فجــئت كـأني مسـتضيف وسـائل لأخبرهــا كـل الـذي أنـا صـانع فقـالت : تزحـزح!
ما بنا كبر حاجة إليــك, ولا منــا لفقــرك راقـع فمـا زلت تحـت السـتر حتى كأنني مـن الحر ذو طمرين في البحر كارع (26) في المطبوعة : "فيما أرى" ، خطأ ، والصواب ما أثبت .
وانظر الإسناد رقم : 1590 .
(27) انظر ما سلف 1 : 283 ، وهذا الجزء 2 : 140 .
قوله تعالى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملونقوله تعالى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة يعني اليهود .
ومن الذين أشركوا قيل : المعنى وأحرص ، فحذف من الذين أشركوا لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله ، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة ، ألا ترى قول شاعرهم [ هو امرؤ القيس ] :تمتع من الدنيا فإنك فان من النشوات والنساء الحسانوالضمير في أحدهم يعود في هذا القول على اليهود .
وقيل : إن الكلام تم في حياة ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين .
قيل : هم المجوس ، وذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه " عش ألف سنة " .
وخص الألف بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب .
وذهب الحسن إلى أن الذين أشركوا مشركو العرب ، خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث ، فهم يتمنون طول العمر .
وأصل سنة سنهة .
وقيل : سنوة .
وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة .قوله تعالى : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة أصل يود يودد ، أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين ، وقلبت حركة الدال على الواو ، ليدل ذلك على أنه يفعل .
وحكى الكسائي : وددت ، فيجوز على هذا يود بكسر الواو .
ومعنى يود : يتمنى .قوله تعالى : وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر اختلف النحاة في هو ، فقيل : هو ضمير الأحد المتقدم ، التقدير ما أحدهم بمزحزحه ، وخبر الابتداء في المجرور .
أن يعمر فاعل بمزحزح وقالت فرقة : هو ضمير التعمير ، والتقدير وما التعمير بمزحزحه ، والخبر في المجرور ، أن يعمر بدل من التعمير على هذا القول .
وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : هو عماد .[ ص: 35 ] قلت : وفيه بعد ، فإن حق العماد أن يكون بين شيئين متلازمين ، مثل قوله : إن كان هذا هو الحق ، وقوله : ولكن كانوا هم الظالمين ونحو ذلك .
وقيل : ما عاملة حجازية ، وهو اسمها ، والخبر في بمزحزحه .
وقالت طائفة : هو ضمير الأمر والشأن .
ابن عطية : وفيه بعد ، فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر .
وقوله : بمزحزحه الزحزحة : الإبعاد والتنحية ، يقال : زحزحته أي باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد ، يكون لازما ومتعديا قال الشاعر في المتعدي :يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت وغافر الذنب زحزحني عن الناروأنشده ذو الرمة :يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا وغافر الذنب زحزحني عن الناروقال آخر في اللازم :خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح وما بال ضوء الصبح لا يتوضحوروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا .قوله تعالى : والله بصير بما يعملون أي بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم أن يعمر ألف سنة .
ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده .
قل لهم يا محمد الله بصير بما تعملون .
وقال العلماء : وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور .
والبصير في كلام العرب : العالم بالشيء الخبير به ، ومنه قولهم : فلان بصير بالطب ، وبصير بالفقه ، وبصير بملاقاة الرجال ، قال :فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيبقال الخطابي : البصير العالم ، والبصير المبصر .
وقيل : وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار ، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة ، فالله بصير بعباده ، أي جاعل عباده مبصرين .
هم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس, حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب.
ثم ذكر شدة محبتهم للدنيا فقال: { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } وهذا أبلغ ما يكون من الحرص, تمنوا حالة هي من المحالات، والحال أنهم لو عمروا العمر المذكور, لم يغن عنهم شيئا ولا دفع عنهم من العذاب شيئا.
{ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم.
{ولتجدنهم} اللام لام القسم والنون تأكيد للقسم، تقديره: والله لتجدنهم يا محمد يعني اليهود.
{أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} قيل: هو متصل بالأول، وأحرص من الذين أشركوا، وقيل: ثم الكلام بقوله (على حياة) ثم ابتدأ (من الذين أشركوا) وأراد بالذين أشركوا المجوس قاله أبو العالية والربيع سموا مشركين لأنهم يقولون بالنور والظلمة.
{يود} يريد ويتمنى.
{أحدهم لو يعمر ألف سنة} يعني تعمير ألف سنة وهي تحية المجوس فيما بينهم يقولون عش ألف سنة وكل ألف نيروز ومهرجان، يقول الله تعالى: اليهود أحرص على الحياة من المجوس الذين يقولون ذلك.
{وما هو بمزحزحه} مباعده، [زحزحه وتزحزح] من العذاب أو زحزح: لازم ومتعد، ويقال زحزحته فتزحزح.
{من العذاب} من النار.
{أن يعمر} أي طول عمره لا ينقذه.
{والله بصير بما يعملون}.
«ولتجدنهم» لام قسم «أحرص الناس على حياة و» أحرص «من الذين أشركوا» المنكرين للبعث عليها لعلمهم بأن مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له «يودُّ» يتمنى «أحدهم لو يعمر ألف سنة» لو مصدرية بمعنى أن وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول يود «وما هو» أي أحدهم «بمزحزحه» مبعده «من العذاب» النار «أن يعمَّر» فاعل مزحزحه أي تعميره «والله بصير بما يعملون» بالياء والتاء فيجازيهم وسأل ابن صوريا النبي أو عمر عمن يأتي بالوحي من الملائكة فقال جبريل فقال هو عدونا يأتي بالعذاب ولو كان ميكائيل لآمنا لأنه يأتي بالخصب والسلم فنزل:
ولتعلمَنَّ -أيها الرسول- أن اليهود أشد الناس رغبة في طول الحياة أيًّا كانت هذه الحياة من الذلَّة والمهانة، بل تزيد رغبتهم في طول الحياة على رغبات المشركين.
يتمنى اليهودي أن يعيش ألف سنة، ولا يُبْعده هذا العمر الطويل إن حصل من عذاب الله.
والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها بما يستحقون من العذاب.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بأن هؤلاء اليهود الذين يزعمون أن الجنة خالصة لهم في غاية الحرص على الحياة فقال تعالى : ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) .ومعنى الآية الكريمة : ولتجدن - يا محمد - أولئك اليهود - الذين يزعمون أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس - لتجدنهم أحب الناس للحياة ، وأحرصهم عليها ، وأشدهم كراهية للموت " وليس ذلك عندما يكونون متمتعين بالطمأنينة والعافية فقط بل هم كذلك حتى ولو زالت عنها كل معاني الراحة والطمأنينة ، فهم أحرص عليها حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث ، والذين يعتبرون نعيمهم الأكبر هو ما يتمتعون به من اللذائذ في هذه الدنيا ، وهم في حرصهم على الحياة يتمنون أن تطول أعمارهم دهوراً طويلة ، لا يصلل إليها خيال أحد ممن يحرصون عليها كما قال تعالى : ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد كذبتهم في دعواهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس لأن الأمر لو كان كما يزعمون لرحبوا بالانتقال إليها ، ولكنهم لا يحبون الموت ولا يكاد يخطر ببالهم ، ويحرصون كل الحرص على البقاء حتى مع سوء الحالة ورذالة العيش ، كما يشعر بذلك التنكير في قوله تعالى ( على حَيَاةٍ ) .والمراد بالناس جميعهم ، وأفعل التفضيل في ( أَحْرَصَ ) على بابه ، لأن الحرص على الحياة غريزة في البشر إلا أنهم متفاوتون فيه قوة وكيفية وأسباباً ، كما قال الشاعر :أرى كلنا يهوى الحياة بسعيه ...
حريصاً عليها مستهاماً بها صبافحب الجبان النفس أورده التقى ...
وحب الشجاع النفس أورده الحربافالناس جميعاً وإن كانوا يشتركون مع اليهود في الحرص على الحياة ، إلا أن اليهود يزيدون على سائر الناس أنهم أحرصهم ، وأنهم من أجل حرصهم عليها يضحون بدينهنم وبكرامتهم وبكل شيء .ونكر - سبحانه - الحياة التي يحرصون عليها ، زيادة في تحقيرهم ، فكأنه - سبحانه - يقول : إنهم شديدوا الحرص على الحياة ، ولو كانت حياة بؤس وشقاء ، وللإِشعار بأ نما يهمهم هو ملطق الحياة كفيما كانت ، بصرف النظر عن العزة والكرامة ، فمن أمثال اليهود المشهورة " الحياة وكفى " .ولا شك أن شدة التهالك على الحياة ، تؤدى إلى الجبن ، واحتمال الضيم ، وتجعل الأمة التي تنتشر فيها هذه الرذيلة لا تفرق بين الحياة الكريمة والحياة الرذيلة .وقوله تعالى : ( وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ) عطف على الناس ، لأنه لما كان قوله تعالى : ( أَحْرَصَ الناس ) في معنى : أحرص من جميع الناس صح أن يراعى المعنى ، فيكون قوله : ( وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ) معطوف عليه ، فيكون المعنى : أحرص من جميع الناس ، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة .والذين أشركون ، هم الذين جعلوا لله شركاء وإأنما أقردوا بالذكر مع أنهم من الناس ، مبالغة في توبيخ اليهود وذمهم ، لأنهم إذا زاد حرصهم على الحياة - وهم أهل كتاب - على المشركين الذين لا كتاب لهم ولا يدينون ببعث أو نشور كان ذلك دليلا على هوان نفوسهم ، وابتذال كرامتهم وعدم اعتدادهم بوصايا كتبهم التي تناهم عن الحرص على الحياة الرذيلة .قال صاحب الكشاف : " وفيه توبيخ عظيم ، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ، فإذا زاد عليها في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء ، كان حقيقياً بأعظم التوبيخ ، فإن قلت : لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟
قلت : لأأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك " .ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حرصهم على الحياة فقال تعالى : ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش دهوراً كثيرة ، ليس من عادة الناس أن يحبوا بلوغها ، لأنهنا تؤدي بهم إلى أرذل العمر ، وعدم طيب العيش .فالجملة الكريمة مستأنفة لإِظهار مغالاتهم في التهالك على الدنيا ولتحقيق عموم النوعية في الحياة المنكرة ، ولدفع ما يظنه بعض الناس من أن حرصهم على الحياة مهما اشتد فلن يصل بهم إلى تمنى أن يعيش الواحد منهم ألف عام ، أو أكثر ، فجيء بهذه الجملة الكريمة .
لتحقيق أن تعلقهم بالدنيا يشمل حتى هذه السن المتطاولة ، التي لا هناء فيها ولا راحة ، والتي استعاذ من بلوغها المؤمنون .ثم بين - سبحانه - أن تعميرهم الطويل لن ينجيهم من العقوبة ، لأن الموت لا يتركهم مهما طال عمرهم ، فقال تعالى : ( وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ ) أي : وما أحد منهم بمبعده تعميره عن العذاب المعد له ، ولا بمنجيه منه .والجملة الكريمة فيها بيان مصيرهم المحتوم ، وقطع لحبال مطامعهم ، لأن الموت سيلحقهم مهما بلغ عمرهم ، وسيلقون جزاءهم على سوء صنيعهم .وفي التعبير ( بِمُزَحْزِحِهِ ) أشارة إلى أن طول عمرهم ، ليس له أي أثر في تخفيف العذاب عنهم ، وقوله : ( والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) تهديد ووعيد لهم لأنه - سبحانه - عليم بأعمالهم ، محيط بما يخفون وما يعلنون ، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون .ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود في دعواهم أن الجنة خالصة لهم ، رداً يبطل حجتهم ، ويفضح مزاعمهم ، ويكبت نفوسهم ، ويخرس ألسنتهم ، ويعلن أن الجنة إنما هي لمن أسلم وجهه لله وهو محسن ، وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ولذا حرصوا على الحياة وفزعوا من الموت ، لأنهم يعلمون أن من ورائهم النار وبئس القرار بسبب ما ارتكبوا من سيئات ، واقترفوا من أكاذيب .
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت أخبر في هذه الآية أنهم في غاية الحرص على الحياة لأن هاهنا قسماً ثالثاً وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنى الموت ولا يتمنى الحياة فقال: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ فهو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى المفعولين في قوله: وجدت زيداً ذا حفاظ، ومفعولاه هم وأحرص وإنما قال: ﴿ على حياة ﴾ بالتنكير لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي على الحياة أما الواو في قوله: ﴿ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ ففيه (ثلاثة أقول): أحدها: أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك: هو أسخى الناس ومن حاتم.
هذا قول الفراء والأصم.
فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟
قلنا: بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقياً باعظم التوبيخ، فإن قيل: ولم زاد حرصهم على حرص المشركين؟
قلنا: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.
القول الثاني: أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله: على حياة (و) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ له مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .
القول الثالث: أن فيه تقديماً وتأخيراً وتقديره.
ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ وهو قول أبي مسلم، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم.
إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله أعلم.
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ على ثلاثة أقوال قيل المجوس: لأنهم كانوا يقولون لملكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم: زي هزارسال، وقيل: المراد مشركوا العرب وقيل: كل مشرك لا يؤمن بالمعاد، لأنا بينا أن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن يكون أكثر وليس المراد من ذكر ألف سنة قول الأعاجم عش ألف سنة، بل المراد به التكثير وهو معروف في كلام العرب.
أما قوله تعالى: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ فالمراد أنه تعالى بين بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت؟
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في أن قوله: ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ كناية عماذا؟
فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره.
وثانيها: أنه ضمير لما دل عليه يعمر من مصدره و(أن يعمر) بدل منه.
وثالثها: أن يكون مبهماً و(أن يعمر) موضحه.
المسألة الثانية: الزحزحة التبعيد والإنحاء، قال القاضي: والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ولو قال تعالى: وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول.
وأما قوله تعالى: ﴿ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ فاعلم أن البصر قد يراد به العلم، يقال: إن لفلان بصراً بهذا الأمر، أي معرفة، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها وكلا الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن من قال: إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى حُمِلَ هذا البصر على العلم لا محالة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَالِصَةً ﴾ نصب على الحال من الدار الآخرة.
والمراد الجنة، أي سالمة لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق.
يعني إن صحّ قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً.
و ﴿ الناس ﴾ للجنس وقيل: للعهد وهم المسلمون ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب، كما روى عن المبشرين بالجنة ما روى.
كان علي رضي الله عنه يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين.
فقال: يا بنيّ لا يبالي أبوك على الموت سقط، أم عليه سقط الموت.
وعن حذيفة رضي الله عنه أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم.
يعني على التمني.
وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه.
وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحنّ إليه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي» ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر بمحمد وبما جاء به، وتحريف كتاب الله، وسائر أنواع الكفر والعصيان.
وقوله: ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله: ﴿ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟
قلت: لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذرّ، وليس أحد منهم نقل ذلك.
فإن قلت: التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت: أنهم لم يتمنوا؟
قلت: ليس التمني من أعمال القلوب إنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى، وليت: كلمة التمني، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك فإن قلت: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدّقون.
قلت: كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا، فكيف يمتنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه، مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدّق مع احتمال أن يكون كاذباً لأنه أمر خافٍ لا سبيل إلى الاطلاع عليه ﴿ والله عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ تهديد لهم ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين في قولهم: وجدت زيداً ذا الحفاظ ومفعولاه (هم أحرص).
فإن قلت: لم قال: ﴿ على حياة ﴾ بالتنكير؟
قلت: لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبيّ ﴿ على الحياة ﴾ ﴿ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس.
فإن قلت: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟
قلت: بلى، ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد.
ويجوز أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة أحرص الناس عليه.
وفيه توبيخ عظيم: لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ.
فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟
قلت: لأنهم علموا لعلمهم بحالهم أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.
وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو قول الأعاجم: زي هزار سال.
وقيل: ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ كلام مبتدأ، أي ومنهم ناس ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾ على حذف الموصوف كقوله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 164] والذين أشركوا على هذا مشارٌ به إلى اليهود، لأنهم قالوا: عزير ابن الله.
والضمير في ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ لأحدهم و ﴿ أَن يُعَمَّرَ ﴾ فاعل (بمزحزحه)، أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره.
وقيل: الضمير لما دلّ عليه (يعمر) من مصدره، وأن (يعمر) بدل منه.
ويجوز أن يكون (هو) مبهماً، وأن ﴿ يعمر ﴾ موضحه.
والزحزحة: التبعيد والإنحاء فإن قلت: يودّ أجدهم ما موقعه؟
قلت: هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الإستئناف.
فإن قلت: كيف اتصل لو يعمر بيودّ أحدهم؟
قلت: هو حكاية لودادتهم.
و (لو) في معنى التمني، وكان القياس: لو أعمر، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾ كقولك: حلف بالله ليفعلنّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ﴾ مَن وجَدَ بِعَقْلِهِ الجارِي مَجْرى عِلْمٍ، ومَفْعُولاهُ هم وأحْرَصَ النّاسِ، وتَنْكِيرُ حَياةٍ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها فَرْدٌ مِن أفْرادِها وهِيَ: الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ، وقُرِئَ بِاللّامِ.
﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى وكَأنَّهُ قالَ: أحْرَصُ مِنَ النّاسِ عَلى الحَياةِ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا.
وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ، فَإنَّ حِرْصَهم شَدِيدٌ إذْ لَمْ يَعْرِفُوا إلّا الحَياةَ العاجِلَةَ، والزِّيادَةِ في التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، فَإنَّهم لَمّا زادَ حِرْصُهم.
وهم مُقِرُّونَ بِالجَزاءِ عَلى حِرْصِ المُنْكِرِينَ.
دَلَّ ذَلِكَ عَلى عِلْمِهِمْ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وأحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَحَذَفَ أحْرَصَ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ صِفَتُهُ ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالَّذِينِ أشْرَكُوا اليَهُودَ لِأنَّهم قالُوا: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ ، أيْ: ومِنهم ناسٌ يَوَدُّ أحَدُهُمْ، وهو عَلى الأوَّلِينَ بَيانٌ لِزِيادَةِ حِرْصِهِمْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ.
﴿ لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ، ولَوْ بِمَعْنى لَيْتَ وكانَ أصْلُهُ: لَوْ أُعَمِّرُ، فَأُجْرِيَ عَلى الغَيْبَةِ لِقَوْلِهِ: يَوَدُّ، كَقَوْلِكَ حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ﴿ وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ الضَّمِيرُ لِأحَدِهِمْ، وأنْ يُعَمَّرَ فاعِلُ مُزَحْزِحِهِ، أيْ وما أحَدُهم بِمَن يُزَحْزِحُهُ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ يُعَمَّرُ.
وأنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنهُ.
أوْ مُبْهَمٌ وأنْ يُعَمَّرَ مُوَضِّحُهُ وأصْلُ سَنَةٍ سَنَوَةٌ لِقَوْلِهِمْ سَنَواتٍ.
وقِيلَ سَنْهَةٌ كَجَبْهَةٍ لِقَوْلِهِمْ سانَهَتْهُ وتَسَنَّهَتِ النَّخْلَةُ إذا أتَتْ عَلَيْها السُّنُونَ والزَّحْزَحَةُ التَّبْعِيدُو ﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ فَيُجازِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)
{ولتجدنهم أحرص الناس} مفعولا وجدهم وأحرص {على حياة} التنكير يدل على أن المراد حياة مخصوصة وهى الحياة المتطاولة ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي على الحياة {وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ} هو محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس نعم قد دخل الذين أشركوا تحت الناس ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد كما أن جبريل وميكائيل خصا بالذكر وإن دخلا تحت الملائكة أو أريد وأحرص من الذين أشركوا فحذف لدلالة أحرص الناس عليه وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ وإنما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لعلمهم بحالهم والمشركون لا يعلمون ذلك وقوله {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم عش ألف نيروز وعن ابن عباس رضى الله عنهما هو قول الأعاجم زي هزارسال وقيل ومن الذين أشركوا كلام مبتدأ أي ومنهم ناسٌ يود أحدهم على حذف الموصوف والذين أشركوا على هذا مشار به إلى اليهود لأنهم قالوا عزير ابن الله والضمير في {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب} لأحدهم وقوله {أَن يُعَمَّرَ} فاعل بمزحزحه أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره ويجوز أن يكون هو مبهماً وأن يعمر موضحة والزحزحة التبعيد والإنحناء قال في جامع العلوم وغيره لو يعمر بمعنى أن يعمر فلو هنا نائبة عن أن وأن مع الفعل في تأويل المصدر وهو مفعول يود أي يود أحدهم تعمير ألف سنة {والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي بعمل هؤلاء الكفار فيجازيهم عليه وبالتاء يعقوب
﴿ ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَجِدُ مِن وجَدَ بِعَقْلِهِ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، والضَّمِيرُ مَفْعُولٌ أوَّلُ، (وأحْرَصَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، واحْتِمالُ أنَّها مِن وجَدَ بِمَعْنى لَقِيَ، وأصابَ، فَتَتَعَدّى إلى واحِدٍ، (وأحْرَصَ) حالٌ لا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ إضافَةَ أفْعَلَ مَحْضَةٌ كَما سَيَأْتِي، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، وقِيلَ: عَلى جَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: عَلى عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وألْ في (النّاسِ) لِلْجِنْسِ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، والمُرادُ جَماعَةٌ عُرِفُوا بِغَلَبَةِ الحِرْصِ عَلَيْهِمْ، وتَنْكِيرُ (حَياةٍ) لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها فَرْدٌ نَوْعِيٌّ، وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّحْقِيرِ، فَإنَّ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ هي الأُخْرَوِيَّةُ، وأنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ لِلْإبْهامِ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ الأوْجَهُ، أيْ عَلى حَياةٍ مُبْهَمَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ المِقْدارِ، ومِنهُ يُعْلَمُ حِرْصُهم عَلى الحَياةِ المُتَطاوِلَةِ مِن بابِ الأوْلى، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ صِفَةٍ، أيْ طُولِ حَياةٍ، أوْ حَياةٍ طَوِيلَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ (قُلْ) وعَلَيْهِ الزَّجّاجُ، وإمّا مُعْتَرِضَةٌ لِتَأْكِيدِ عَدَمِ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ، وقَرَأ أُبَيٌّ (عَلى الحَياةِ) بِالألِفِ واللّامِ، ﴿ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ هُمُ المَجُوسَ، ووُصِفُوا بِالإشْراكِ لِأنَّهم يَقُولُونَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، وكانَتْ تَحِيَّتُهم إذا عَطَسَ العاطِسُ عِشْ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ الَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ، وهَذا مِنَ الحَمْلِ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: أحْرَصَ مِنَ النّاسِ، ومِنَ الَّذِينَ إلَخْ، بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ السِّراجِ، وعَبْدُ القاهِرِ، والجَزُولِيُّ، وأبُو عَلِيٍّ، مِن أنَّ إضافَةَ أفْعَلَ المُضافِ إذا أُرِيدَ الزِّيادَةُ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ لَفْظِيَّةٌ، لِأنَّ المَعْنى عَلى إثْباتِ (مِنَ) الِابْتِدائِيَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولِهِ، وسِيبَوَيْهِ يَجْعَلُها مَعْنَوِيَّةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ، والمُرادُ بِالنّاسِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: ما عَدا اليَهُودَ لِما تَقَرَّرَ أنَّ المَجْرُورَ (بِمِن) مَفْضُولٌ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، أوِ الأعَمُّ، ولا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّ أفْعَلَ ذُو جِهَتَيْنِ، ثُبُوتُ أصْلِ المَعْنى، والزِّيادَةُ، فَكَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ بِالجِهَةِ الأُولى دُونَ الثّانِيَةِ وجِيءَ بِمِن في الثّانِيَةِ لِأنَّ مِن شَرْطِ أفْعَلَ المُرادِ بِهِ الزِّيادَةُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ أنْ يُضافَ إلى ما هو بَعْضُهُ لِأنَّهُ مَوْضُوعٌ، لِأنْ يَكُونَ جُزْءًا مِن جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَعْدَهُ مُجْتَمِعَةٍ مِنهُ، ومِن أمْثالِهِ، ولا شَكَّ أنَّ اليَهُودَ غَيْرُ داخِلِينَ في الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَإنَّ الشّائِعَ في القُرْآنِ ذِكْرُهُما مُتَقابِلَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الحَذْفِ، أيْ وأحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، ووَجْهُ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ذِكْرُ المُشْرِكِينَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى الوَجْهِ الظّاهِرِ في اللّامِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ في حِرْصِهِمْ، والزِّيادَةُ تَوْبِيخُهم وتَقْرِيعُهم حَيْثُ كانُوا مَعَ كَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ يَرْجُونَ ثَوابًا، ويَخافُونَ عِقابًا، أحْرَصَ مِمَّنْ لا يَرْجُو ذَلِكَ، ولا يُؤْمِنُ بِبَعْثٍ، ولا يَعْرِفُ إلّا الحَياةَ العاجِلَةَ، وإنَّما كانَ حِرْصُهم أبْلَغَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى العَذابِ، ومَن تَوَقَّعَ شَرًّا كانَ أنْفَرَ النّاسِ عَنْهُ، وأحْرَصَهم عَلى أسْبابِ التَّباعُدِ مِنهُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ (مِنَ الَّذِينَ) صِفَةً لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (لَتَجِدَنَّهُمْ)، والكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ لَتَجِدَنَّهم وطائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أحْرَصَ النّاسِ، ولا أظُنُّ يَقْدَمُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٌ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ مَعْنًى صَحِيحًا في نَفْسِهِ إلّا أنَّ التَّرْكِيبَ يَنْبُو عَنْهُ، والفَصاحَةَ تَأْباهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، لا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يَخُصُّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ بِالضَّرُورَةِ، نَعَمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَحْذُوفٌ، هو مُبْتَدَأٌ، والمَذْكُورُ صِفَتُهُ، أوِ المَذْكُورُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ صِفَتُهُ.
﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ وحَذْفُ مَوْصُوفُ الجُمْلَةِ فِيما إذا كانَ بَعْضًا مِن سابِقِهِ المَجْرُورِ بِمِن، أوْ فِي، جائِزٌ في السَّعَةِ، وفي غَيْرِهِ مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ نَحْوُ: أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعِ الثَّنايا وحِينَئِذٍ يُرادُ بِالَّذِينَ أشْرَكُوا اليَهُودُ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِالشِّرْكِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الجِنْسُ، ويُرادَ بِمَن ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ اليَهُودُ، والمُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهو بَعِيدٌ، وجُمْلَةُ (يَوَدُّ) إلَخْ، عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما شِدَّةُ حِرْصِهِمْ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الَّذِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِ أشْرَكُوا، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (لَتَجِدَنَّهُمْ)، ﴿ لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ جَوابُ (لَوْ)، مَحْذُوفٌ، أيْ لَسُرَّ بِذَلِكَ، وكَذا مَفْعُولُ يَوَدُّ، أيْ طُولَ الحَياةِ، وحُذِفَ لِدِلالَةِ ﴿ لَوْ يُعَمَّرُ ﴾ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ الجَوابُ لِدِلالَةِ (يَوَدُّ) عَلَيْهِ، وهَذا هو الجارِي عَلى قَواعِدِ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا المَكانِ، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى أنَّ (لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى (أنْ) فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها مَصْدَرٌ هو مَفْعُولُ (يَوَدُّ) كَأنَّهُ قالَ: يَوَدُّ أحَدُهم تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةٍ، وقِيلَ: (لَوْ) بِمَعْنى لَيْتَ، ولا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ (بِيَوَدُّ)، في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا، ولا في مَعْناهُ لَكِنَّهُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ يَصْدُرُ عَنْهُ الأقْوالُ، فَعُومِلَ مُعامَلَتَها، وكانَ أصْلُهُ: لَوْ أُعْمِرَ، إلّا أنَّهُ أُورِدَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، لِأجْلِ مُناسَبَةِ (يَوَدُّ)، فَإنَّهُ غائِبٌ كَما يُقالُ: حَلَفَ لَيَفْعَلْنَّ، مَقامُ لَأفْعَلَنَّ، وهَذا بِخِلافِ ما لَوْ أتى بِصَرِيحِ القَوْلِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ، قالَ: لَيَفْعَلَنَّ، وإذا قُلْنا: إنَّ (لَوِ) الَّتِي لِلتَّمَنِّي مَصْدَرِيَّةٌ لا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ الحِكايَةِ، وابْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: إنَّ (لَوْ) في أمْثالِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ لا غَيْرُ، لَكِنَّها أشْبَهَتْ لَيْتَ في الأشْعارِ بِالتَّمَنِّي، ولَيْسَتْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لَهُ، كَلَيْتَ، ونَحْوُ: لَوْ تَأْتِينِي فَتُحَدِّثَنِي بِالنَّصْبِ، أصْلُهُ ودِدْتُ لَوْ تَأْتِيَنِي إلَخْ، فَحُذِفَ فِعْلُ التَّمَنِّي لِدَلالَةِ (لَوْ) عَلَيْهِ، وقِيلَ: هي لَوِ الشَّرْطِيَّةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، ومَعْنى ﴿ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ الكَثْرَةُ لِيَشْمَلَ مَن يَوَدُّ أنْ لا يَمُوتَ أبَدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ألْفُ سَنَةٍ حَقِيقَةً، والألْفُ العَدَدُ المَعْلُومُ مِنَ الأُلْفَةِ، إذْ هو مُؤَلَّفٌ مِن أنْواعِ الأعْدادِ بِناءً عَلى مُتَعارَفِ النّاسِ، وإنْ كانَ الصَّحِيحُ أنَّ العَدَدَ مُرَكَّبٌ مِنَ الوَحَداتِ الَّتِي تَحْتَهُ، لا الأعْدادِ، وأصْلُ سَنَةٍ سَنْوَةٌ، لِقَوْلِهِمْ: سَنَواتٌ، وقِيلَ: سَنْهَةٌ كَجَبْهَةٍ لِقَوْلِهِمْ: سانَهْتُهُ وتَسَنَّهَتِ النَّخْلَةُ إذا أتَتْ عَلَيْها السُّنُونَ، وسُمِعَ أيْضًا في الجَمْعِ سَنَهاتٌ، ﴿ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ ما حِجازِيَّةٌ أوْ تَمِيمِيَّةٌ، (وهُوَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى أحَدِهِمُ اسْمُها، أوْ مُبْتَدَأٌ، (وبِمُزَحْزِحِهِ)، خَبَرُها، أوْ خَبَرُهُ، والباءُ زائِدَةٌ، و ﴿ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ فاعِلُ (مُزَحْزِحِهِ)، والمَعْنى ما أحَدُهم يُزَحْزِحُهُ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ثُبُوتِ مَن يُزَحْزِحُهُ التَّعْمِيرُ، وهو مَن آمَنَ، وعَمِلَ صالِحًا، ولا يَجُوزُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلشَّأْنِ، لِأنَّ مُفَسِّرَهُ جُمْلَةٌ، ولا تَدْخُلُ الباءُ في خَبَرِ ما، ولَيْسَ إلّا إذا كانَ مُفْرَدًا عِنْدَ غَيْرِ الفَرّاءِ، وأجازَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، وهو مَيْلٌ مِنهُ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، مِن أنَّ مُفَسِّرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ جُمْلَةٍ، إذا انْتَظَمَ إسْنادًا مَعْنَوِيًّا نَحْوَ: ما هو بِقائِمٍ زَيْدٌ، نَعَمْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ يُعَمَّرُ ﴾ و ﴿ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أيْ ما تَعْمِيرُهُ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ ضَعْفًا لِلْفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولِلْإبْدالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلَيْهِ، وأجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَمّا كانَ لَفْظُ التَّعْمِيرِ غَيْرَ مَذْكُورٍ بَلْ ضَمِيرُهُ، حَسُنَ الإبْدالُ، ولَوْ كانَ التَّعْمِيرُ مَذْكُورًا بِلَفْظِهِ لَكانَ الثّانِي تَأْكِيدًا لا بَدَلًا، ولِكَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ تَكْرِيرًا يُفِيدُ فائِدَتَهُ مِن تَقْرِيرِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ بِناءً عَلى شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى التَّعْمِيرِ، ووِدادِهِ إيّاهُ، جازَ الفَصْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ بِالخَبَرِ، كَما في التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ وقِيلَ: هو ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ البَدَلُ، فَهو راجِعٌ إلَيْهِ لا إلى شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ مَفْهُومٍ مِنَ الفِعْلِ، والتَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ، لِيَكُونَ أوْقَعَ في نَفْسِ السّامِعِ، ويَسْتَقِرَّ في ذِهْنِهِ كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِذَلِكَ الحُكْمِ، والفَصْلُ بِالظَّرْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفَسِّرِهِ جائِزٌ كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ الرَّضِيِّ في بَحْثِ أفْعالِ المَدْحِ والذَّمِّ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ (هُوَ) ضَمِيرَ فَصْلٍ قُدِّمَ مَعَ الخَبَرِ بَعِيدٌ، والزَّحْزَحَةُ التَّبْعِيدُ، وهو مُضاعَفٌ مِن زَحَّ يَزِحُّ زَحًّا كَكَبْكَبَ مِن كَبَّ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، لَكِنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّفْيِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فَيُؤَوَّلُ إلى أنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في إزالَةِ العَذابِ أقَلَّ تَأْثِيرٍ التَّعْمِيرُ، وصَحَّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ التَّعْمِيرَ يُفِيدُ رَفْعَ العَذابِ مُدَّةَ البَقاءِ، لِأنَّ الإمْهالَ بِحَسَبِ الزَّمانِ، وإنْ حَصَلَ لَكِنَّهم لِاقْتِرافِهِمُ المَعاصِيَ بِالتَّعْمِيرِ زادَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ الشِّدَّةُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ في إزالَتِهِ أدْنى تَأْثِيرٍ، بَلْ زادَ فِيهِ حَيْثُ اسْتَوْجَبُوا بِمُقابَلَةِ ”أيّام مَعْدُودَة“ عَذابَ الأبَدِ، ﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ عالِمٌ بِخَفِيّاتِ أعْمالِهِمْ، فَهو مُجازِيهِمْ لا مَحالَةَ، وحَمْلُ البَصَرِ عَلى العِلْمِ هُنا وإنْ كانَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ صِفَةً لِلَّهِ تَعالى أيْضًا، لِأنَّ بَعْضَ الأعْمالِ لا يَصِحُّ أنْ يُرى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ما هو ظاهِرٌ، (وما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وأتى بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِتَواخِي الفَواصِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ (تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، <div class="verse-tafsir"
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ أي الجنة.
وذلك أن اليهود كانوا يقولون: إن الجنة لنا خاصة من دون سائر الناس.
قال الله تعالى لمحمد : قل لهم: إن كان الأمر كما يقولون إن الجنة لكم خالصة خاصة.
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، أي سلوا الله الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الجنة لكم.
فقال لهم النبيّ : «قُولُوا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: اللهمّ أمتنا، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَقُولُهَا رَجُلٌ مِنْكُمْ إلاّ غَصَّ بِرِيقِهِ» ، يعني يموت مكانه.
فأبوا أن يقولوا ذلك، فنزل قوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني بما عملوا من المعاصي.
قال الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة رسالته ، لأنه قال لهم: فتمنوا الموت، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبداً فلم يتمنه واحد منهم.
وفي هذه الآية دليل أن «لن» لا تدل على التأبيد، لأنهم يتمنون الموت في الآخرة خلافاً لقول المعتزلة في قولهم: لن تراني ويقال: إن قوله (لن) إنما يقع على الحياة الدنيا خاصة، ولم يقع على الآخرة لأنهم يتمنون الموت في النار إذا كانوا في جهنم، ولو أنهم سألوا الموت في الدنيا ولم يموتوا، وكان في ذلك تكذيباً لقول النبيّ ، وكان في ذلك أيضاً ذهاب معجزته.
فلما لم يتمنوا الموت، ثبت بذلك عندهم أنه رسول الله وظهر عندهم معجزته، وظهر أن الأمر كما قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، فهو عليم بهم وبغيرهم من الظالمين وإنما الفائدة هاهنا أنه عليم بمجازاتهم.
ثم قال عز وجل: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ، يعني أن اليهود أحرص الناس على البقاء.
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، يعني أحرص من الذين أشركوا.
قال الكلبي: الذين أشركوا يعني المجوس.
وقال مقاتل: أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا يعني مشركي العرب.
فإن قيل: كيف يصح تفسير الكلبي والمجوس لا يسمون مشركين؟
قيل له: المجوس مشركون في الحقيقة، لأنهم قالوا بإلهين اثنين: النور والظلمة.
قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ، يعني المجوس يقولون لملوكهم في تحيتهم: عش عشرة آلاف سنة وكل ألف نيروز.
وقال مقاتل: يود أحدهم- يعني اليهود- لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ، ثم قال: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ، يعني طول حياته لا يبعده ولا يمنعه من العذاب وإن عاش ألف كما تمنى.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي عالم بمجازاتهم بأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
وبِغَضَبٍ معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلم على غَضَبٍ متقدِّم من اللَّه تعالى عليهم، قيل: لعبادتهم العِجْلَ.
وقيل: لكفرهم بعيسى- عليه السلام- فالمعنى: على غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبهم لها.
ومُهِينٌ: مأخوذ من «الهَوَانِ» ، وهو الخلود في النَّار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له.
وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني لليهود: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، وهو القرآن، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون: التوراةَ، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ قال قتادة: أي: بما بعده «١» ، قال الفَرَّاء «٢» .
أي: بما سواه «٣» ، ويعني به:
القرآن، ووصف تعالى القرآن بأنه الحق ومُصَدِّقاً: حالٌ مؤكِّدة عند سيبَوَيْهِ.
وقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيب لهم في ذلك، واحتجاج عليهم.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ: بِالْبَيِّناتِ: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وسائر الآيات، وخُذُوا ما/ آتَيْناكُمْ: يعني: التوراة والشرع بِقُوَّةٍ، أي: ٢٩ ب
بعزمٍ، ونشاطٍ.
وجِدٍّ.
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ: أي: حبَّ العجْلِ، والمعنى: جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم.
وقوله تعالى: بِكُفْرِهِمْ يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مَعَ» .
وقوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أن يوبِّخهم لأنَّه بئس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم الذي زعمتُمْ في قولكم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.
وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ...
الآية: أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أنْ يوبِّخهم، والمعنى: إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، والدَّارُ: اسمُ «كان» ، و «خالصة» : خبرها ومِنْ دُونِ النَّاسِ يحتملُ أن يراد ب «النَّاس» : محمّد صلّى الله عليه وسلم، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيّنة أعطاها الله رسوله محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأن اليهود قالَتْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] ، وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيّ صلّى الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه فَرَقاً من اللَّه لِقبحِ أفعالهم ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصاً منهم على الحَيَاة، وقيل: إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه لتظهر الآية لنبيّه صلّى الله عليه وسلم.
ت: قال عِيَاضٌ «١» : ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن آيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا «٢» ، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا على ذلك كقوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً «٣» ...
الآية: قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج «٤» في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة لأنهُ قال لهم:
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبداً، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله
تعالى عليه وسلم «والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ» «١» ، يعني:
يموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ «٢» : من أَعجب أمرهم أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه «٣» ، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم.
انتهى من «الشّفا» .
والمراد بقوله: فَتَمَنَّوُا: أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس: المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب «٤» ، ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبداً، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إِلى الأيدي إِذ الأَكْثَرُ من كسب «٥» العبد الخير والشرَّ، إِنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ إلّا لِإسْرائِيلَ ووَلَدِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى عِلْمِهِمْ بِأنَّ النَّبِيَّ صادِقٌ، أنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ، وأكْبَرُ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ﴾ فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ مِنهم.
والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ: قَتْلُ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبُهم، وتَبْدِيلُ التَّوْراةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ اللّامُ: لامُ القَسَمِ، والنُّونُ تَوْكِيدٌ لَهُ، والمَعْنى: ولَتَجِدَنَّ اليَهُودَ في حالِ دُعائِهِمْ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، وأحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا.
وفي "الَّذِينَ أشْرَكُوا" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَجُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ في الهاءِ والمِيمِ مِن "أحَدِهِمْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ، قالَ مُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذَكَرَ "ألْفَ سَنَةٍ" لِأنَّها نِهايَةٌ ما كانَتِ المَجُوسُ تَدْعُو بِها لِمُلُوكِها، كانَ المَلِكُ يَحْيا بِأنْ يُقالَ: لَهُ عِشْ ألْفَ نَيْرُوزَ، وألْفَ مَهْرَجانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هُوَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، أحَدُهُما: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ أحَدِهِمُ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ، تَقْدِيرُهُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ هو كِنايَةٌ عَمّا جَرى مِنَ التَّعْمِيرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما تَعْمِيرُهُ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ جَعَلَ "أنْ يُعَمَّرَ" مُبَيِّنًا عَنْهُ، كَأنَّهُ قالَ: ذَلِكَ الشَّيْءُ الدَّنِيءُ لَيْسَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ "البَيِّناتُ": التَوْراةُ، والعَصا، وفَرَقُ البَحْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ ﴾ تَدَلُّ "ثُمَّ" عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في ذَنْبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العَجْلَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ مِن بَعْدِهِ حِينَ غابَ عنكم في المُناجاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عَلى المَجِيءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ في أنَّ مَن آمَنَ بِما نُزِّلَ عَلَيْهِ لا يَتَّخِذُ العَجَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ ورَفْعِ الطُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ ، يَعْنِي التَوْراةَ، والشَرْعَ.
و"بِقُوَّةٍ" أيْ بِعَزْمٍ، ونَشاطٍ، وجِدٍّ، "واسْمَعُوا" مَعْناهُ هُنا: وأطِيعُوا، ولَيْسَ مَعْناهُ الأمْرُ بِإدْراكِ القَوْلِ فَقَطْ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم ﴿ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ ، ونَطَقُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ مُبالَغَةً في التَعَنُّتِ والمَعْصِيَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بـِ "سَمِعْنا وعَصَيْنا" ولَكِنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضاهُ، كَما قالَ الشاعِرُ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي..................
وهَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في كَذِبِ قَوْلِهِمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ ، التَقْدِيرُ: حُبُّ العِجْلِ، والمَعْنى: جَعَلَتْ قُلُوبَهم تَشْرَبُهُ، وهَذا تَشْبِيهٌ ومَجازٌ عِبارَةٌ عن تَمَكُّنِ أمْرِ العَجَلِ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ شُرْبُهُمُ الماءَ الَّذِي ألْقى فِيهِ مُوسى بُرادَةَ العِجْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ بَرَدَهُ بِالمَبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ، وقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اشْرَبُوا مِن ذَلِكَ الماءِ، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَةُ الذَهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ.
وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمُ ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ فِيهِمْ حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءُ الجِنُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكُفْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بِئْسَما ﴾ الآيَةُ، أمَرَ لِمُحَمَّدٍ أنْ يُوَبِّخَهم بِأنَّهُ بِئْسَ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَعَلْتُمْ، وأمْرُكم بِها إيمانُكُمُ الَّذِي زَعَمْتُمْ في قَوْلِكُمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ ، و"ما": في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: بِئْسَ الشَيْءُ قَتْلٌ واتِّخاذُ عِجْلٍ، وقَوْلُ ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرْطٌ، وقَدْ يَأْتِي الشَرْطُ والشارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ وقَدْ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، كَذَلِكَ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، والقائِلُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ إقامَةُ حُجَّةٍ بِقِياسٍ بَيِّنٍ، وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" هُنا نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ "ما" كالَّتِي تَقَدَّمَتْ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ "بِهُوَ إيمانُكُمْ" بِرَفْعِ الهاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ أنْ يُوَبِّخَهُمْ، والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم نَعِيمُها وحَظْوَتُها وخَيْرُها فَذَلِكَ يَقْتَضِي حِرْصُكم عَلى الوُصُولِ إلَيْها ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ ، و"الدارُ": اسْمُ كانَتْ، و"خالِصَةً" خَبَرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "خالِصَةً" عَلى الحالِ، و"عِنْدَ اللهِ" خَبَرُ كانَ، و ﴿ مِن دُونِ الناسِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بـِ "الناسِ" مُحَمَّدٌ ومَن تَبِعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ العُمُومُ التامُّ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ فِيما حُفِظَ عنهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الواوِ مِن "تَمَنَّوْا" لِلِالتِقاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "تُمَنَّوا المَوْتَ" بِفَتْحِ الواوِ، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ في الرَفْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِضَمِّ الواوِ.
وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ أعْطاها اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ، لِأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ، وشِبْهُ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ، فَفَعَلَ النَبِيُّ ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عن تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللهِ لِقُبْحِ أعْمالِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ ﴾ ، وحِرْصًا مِنهم عَلى الحَياةِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ مَنَعَهم مِنَ التَمَنِّي، وقَصَرَهم عَلى الإمْساكِ عنهُ، لِتَظْهَرَ الآيَةُ لِنَبِيِّهِ .
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "تُمَنُّوا" أرِيدُوهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ فِيهِ السُؤالُ فَقَطْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرُوا بِالدُعاءِ بِالمَوْتِ عَلى أرْدَأ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أو مِنهم.
وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مُدَّةَ حَياةِ النَبِيِّ وارْتَفَعَتْ بِمَوْتِهِ.
والصَحِيحُ أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَصارى مِن أهْلِنَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ سَبَبَ هَذا الدُعاءِ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أنَّ النَبِيَّ أرادَ بِهِ هَلاكَ الفَرِيقِ المُكَذِّبِ، أو قَطْعَ حُجَّتِهِمْ، لا أنَّ عِلَّتَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم بِعَجْزِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمانٍ، وإذا كانَتْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي فَتَحْتاجُ إلى عائِدٍ تَقْدِيرُهُ: قَدَّمَتْهُ، وإذا كانَتْ مَعَ "قَدَّمَتْ" بِمَثابَةِ المَصْدَرِ غَنِيَتْ عَنِ الضَمِيرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يَرى الضَمِيرَ في المَصْدَرِيَّةِ.
وأضافَ ذُنُوبَهم واجْتِرامَهم إلى الأيْدِي، وأسْنَدَ تَقْدِيمَها إلَيْها، إذِ الأكْثَرُ مِن كَسْبِ العَبْدِ الخَيْرَ والشَرَّ إنَّما هو بِيَدَيْهِ، فَحَمَلَ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ ظاهِرُها الخَبَرُ، ومُضَمِّنُها الوَعِيدُ، لِأنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ وغَيْرُهُمْ، فَفائِدَةُ تَخْصِيصِهِمْ حُصُولُ الوَعِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
إبطال لدعوى قارة في نفوسهم اقتضاها قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] الذي أرادوا به الاعتذار عن إعراضهم عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بعذر أنهم متصلبون في التمسك بالتوراة لا يعدونها وأنهم بذلك استحقوا محبة الله إياهم وتكون الآخرة لهم فلما أبطلت دعوى إيمانهم بما أنزل عليهم بإلزامهم الكذب في دعواهم بسند ما أتاه سلفهم وهم جدودهم من الفظائع مع أنبيائهم والخروج عن أوامر التوراة بالإشراك بالله تعالى بعبادة العجل، عقب ذلك بإبطال ما في عقائدهم من أنهم أهل الانفراد برحمة الله ما داموا متمسكين بالتوراة وأن من خالفها لا يكون له حظ في الآخرة، وارتكب في إبطال اعتقادهم هذا طريقة الإحالة على ما عقدوا عليه اعتقادهم من الثقة بحسن المصير أو على شكهم في ذلك فإذا ثبت لديهم شكهم في ذلك علموا أن إيمانهم بالتوراة غير ثابت على حقه وذلك أشد ما يفت في أعضادهم ويسقط في أيديهم لأن ترقب الحظ الأخروي أهم ما يتعلق به المعتقد المتدين فإن تلك هي الحياة الدائمة والنعيم المقيم.
وقد قيل: إن هذه الآية رد لدعوى أخرى صدرت من اليهود تدل على أنهم يجعلون الجنة خاصة بهم مثل قولهم نحن ﴿ أبناء الله وأحباؤه ﴾ [المائدة: 18] وقولهم ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ﴾ [البقرة: 111]، وإلى هذا مال القرطبي والبيضاوي، وعليه فيكون ذكر الرد عليهم بينا لمجرد المناسبة في رد معتقد لهم باطل أيضاً لا في خصوص الغرض المسوق فيه الآيات المتقدمة بناءً على أن الآيات لا يلزم أن تكون متناسبة تمام المناسبة، ونحن لا نساعد على ذلك فعلى هذا الوجه تكون هاته الآية هنا نزلت مع سوابقها للرد على أقوالهم المتفرقة المحكية في آيات أخرى وإنما اتصلت مع الآيات الراجعة إلى رد دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم للمناسبة بجمع رد جميع دعاويهم ولكن فيما ذكرناه غنية.
وأيّاً ما كان فهذه الآية تحدت اليهود كما تحدى القرآن مشركي العرب بقوله: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23].
وإنما فصلت هاته الجملة عما قبلها لاختلاف السياق لأن هذه الآية إلقاء حجة عليهم والآيات السابقة تفظيع لأحوالهم وإن كان في كل من ذلك احتجاج لكن الانتقال من أسلوب إلى أسلوب كان محسناً للفصل دون العطف لا سيما مع افتتاح الاحتجاج بقل.
والكلام في ﴿ لكم ﴾ مشعر بأن المراد من الدار الآخرة نعيمها و ﴿ لكم ﴾ خبر ﴿ كانت ﴾ قدم للحصر بناء على اعتقادهم كتقديمه في قول الكميت يمدح هشاماً بن عبد الملك حين عفا عنه من قصيدة: لكم مسجداً الله المزوران والحصى *** لكم قبضة من بين أثري وأقترا و ﴿ عند الله ﴾ ظرف متعلق بكانت والعندية عندية تشريف وادخار أي مدخرة لكم عند الله وفي ذلك إيذان بأن الدار الآخرة مراد بها الجنة.
وانتصب ﴿ خالصة ﴾ على الحال من اسم (كان) ولا وجه لتوقف بعض النحاة في مجيء الحال من اسم (كان).
ومعنى الخالصة السالمة من مشاركة غيركم لكم فيها فهو يؤول إلى معنى خاصة بكم.
وقوله: ﴿ من دون الناس ﴾ دون في الأصل ظرف للمكان الأقرب من مكان آخر غير متصرف وهو مجاز في المفارقة فلذلك تدل على تخالف الأوصاف أو الأحوال، تقول هذا لك دون زيد أي لاحق لزيد فيه فقوله: ﴿ من دون الناس ﴾ توكيد لمعنى الاختصاص المستفاد من تقديم الخبر ومن قوله: ﴿ خالصة ﴾ لدفع احتمال أن يكون المراد من الخلوص الصفاء من المشارك في درجاتهم مع كونه له حظ من النعيم.
والمراد من الناس جميع الناس فاللام فيه للاستغراق لأنهم قالوا: ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ﴾ [البقرة: 111].
وقوله: ﴿ فتمنوا الموت ﴾ جواب الشرط ووجه الملازمة بين الشرط وهو أن الدار الآخرة لهم وجزائه وهو تمني الموت أن الدار الآخرة لا يخلص أحد إليها إلا بالروح حين تفارق جسده ومفارقة الروح الجسد هو الموت فإذا كان الموت هو سبب مصيرهم إلى الخيرات كان الشأن أن يتمنوا حلوله كما كان شأن أصحاب النبيء صلى الله عليه وسلم كما قال عمير بن الحمام رضي الله عنه: جرياً إلى الله بغير زاد *** إلا التقى وعملَ المعاد وارتجز جعفر بن أبي طالب يوم غزوة مؤتة حين اقتحم على المشركين بقوله: يا حبذا الجنةُ واقترابُها *** طيبة وبارد شرابها وقال عبد الله بن رواحة عند خروجه إلى غزوة مؤتة ودعا المسلمون له ولمن معه أن يردهم الله سالمين: لكني أسأل الرحمان مغفرةً *** وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنةً من يدي حران مُجهِزة *** بحربة تُنفِذُ الأحشاءَ والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي *** أرشدك الله من غاز وقد رشدا وجملة ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ إلى آخره معترضة بين جملة ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ وبين جملة ﴿ قل من كان عدواً لجبريل ﴾ [البقرة: 97] والكلام موجه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إعلاماً لهم ليزدادوا يقيناً وليحصل منه تحد لليهود إذ يسمعونه ويودون أن يخالفوه لئلا ينهض حجة على صدق المخبر به فيلزمهم أن الدار الآخرة ليست لهم.
وقوله: ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ يشير إلى أنهم قد صاروا في عقيدة مختلطة متناقضة كشأن عقائد الجهلة المغرورين فهم يعتقدون أن الدار الآخرة لهم بما دل عليه قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] وقولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ [المائدة: 18] ثم يعترفون بأنهم اجترأوا على الله واكتسبوا السيئات حسبما سطر ذلك عليهم في التوراة وفي كتب أنبيائهم فيعتذرون بأن النار تمسهم أياماً معدودة ولذلك يخافون الموت فراراً من العذاب.
والمراد بما قدمت أيديهم ما أتوه من المعاصي سواء كان باليد أم بغيرها بقرينة المقام، فقيل عبر باليد هنا عن الذات مجازاً كما في قوله: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ [البقرة: 195] وكما عبر عن الذات بالعين في باب التوكيد لأن اليد أهم آلات العمل.
وقيل: أريد بها الأيدي حقيقة لأن غالب جنايات الناس بها وهو كناية عن جميع الأعمال قاله الواحدي ولعل التكني بها دون غيرها لأن أجمع معاصيها وأفظعها كان باليد فالأجمع هو تحريف التوراة والأفظع هو قتل الأنبياء لأنهم بذلك حرموا الناس من هدي عظيم.
وإسناد التقديم للأيدي على الوجه الأول حقيقة وعلى الوجه الثاني مجاز عقلي.
وقوله: ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ خبر مستعمل في التهديد لأن القدير إذا علم بظلم الظالم لم يتأخر عن معاقبته فهذا كقول زهير: فمهما يكتم الله يعلم *** وقد عدت هذه الآية في دلائل نبوة النبيء صلى الله عليه وسلم لأنها نفت صدور تمني الموت مع حرصهم على أن يظهروا تكذيب هذه الآية.
ولا يقال لعلهم تمنوا الموت بقلوبهم لأن التمني بالقلب لو وقع لنطقوا به بألسنتهم لقصد الإعلان بإبطال هذه الوصمة فسكوتهم يدل على عدم وقوعه وإن كان التمني موضعه القلب لأنه طلب قلبي إذ هو محبة حصول الشيء وتقدم في قوله: ﴿ إلا أماني ﴾ [البقرة: 78] أن الأمنية ما يقدر في القلب.
وهذا بالنسبة إلى اليهود المخاطبين زمن النزول ظاهر إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه تمنى الموت كما أخبرت الآية.
وهي أيضاً من أعظم الدلائل عند أولئك اليهود على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم قد أيقن كل واحد منهم أنه لا يتمنى الموت وأيقن أن بقية قومه لا يتمنونه لأنه لو تمناه أحد لأعلن بذلك لعلمهم بحرص كل واحد منهم على إبطال حكم هذه الآية، ويفيد بذلك إعجازاً عاماً على تعاقب الأجيال كما أفاد عجز العرب عن المعارضة علم جميع الباحثين بأن القرآن معجز وأنه من عند الله.
على أن الظاهر أن الآية تشمل اليهود الذين يأتون بعد يهود عصر النزول إذ لا يعرف أن يهودياً تمنى الموت إلى اليوم فهذا ارتقاء في دلائل النبوة.
وجملة ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ في موضع الحال من ضمير الرفع في ﴿ يتمنوه ﴾ أي علم الله ما في نفوسهم فأخبر رسوله بأن يتحداهم وهذا زيادة في تسجيل امتناعهم من تمني الموت، والمراد بالظالمين اليهود فهو من وضع الظاهر موضع الضمير ليصفهم بالظلم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن دُونِ النّاسِ كُلِّهِمْ.
والثّانِي: مِن دُونِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَقِيلَ: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ لِأنَّهُ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانَ المَوْتُ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الحَياةِ، لِما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن نِعَمِ الجَنَّةِ، ويَزُولُ عَنْهُ مِن أذى الدُّنْيا، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا ورَأوْا مَقامَهم مِنَ النّارِ)» .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ، وفي تَرْكِهِمْ إظْهارَ التَّمَنِّي قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا، كَما قالَهُ النَّبِيُّ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَمَنَّوْهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ صَرَفَهم عَنْ إظْهارِ التَّمَنِّي، لِيَجْعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِنَبِيِّهِ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.
﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي المَجُوسَ، لِأنَّ المَجُوسَ هُمُ الَّذِينَ يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ، كانَ قَدْ بَلَغَ مِن حُبِّهِمْ في الحَياةِ أنْ جَعَلُوا تَحِيَّتَهم (عِشْ ألْفَ سَنَةٍ) حِرْصًا عَلى الحَياةِ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (أنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ خالِصَةً) أحَبُّ في الحَياةِ مِن جَمِيعِ النّاسِ ومِن هَؤُلاءِ.
﴿ وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ ﴾ أيْ بِمُباعِدِهِ مِنَ العَذابِ ﴿ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ لِأنَّهُ لَوْ عُمِّرَ ما تَمَنّى، لِما دَفَعَهُ طُولُ العُمْرِ مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى مَعاصِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ﴾ قال: اليهود ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ قال: الأعاجم.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ﴾ يعني اليهود ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ وذلك أن المشرك لا يرجو بعثاً بعد الموت فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما صنع ما عنده من العلم ﴿ وما هو بمزحزحه ﴾ قال: بمنجيه.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يودّ أحدهم لو يعمر ألف سنة ﴾ قال: هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم زه هزا رسال يعني ألف سنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما هو بمزحزحه ﴾ قال: هم الذين عادوا جبريل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وّلَتَجِدَنَّهُم ﴾ دخلت اللام والنون لأن القسم مضمر تقديره: والله لتجدنهم، فهو جواب القسم (١) (٢) (٣) ومَعناه: ولَتجدنّ اليهود، يعني: علماءهم، وهؤلاء الذين كتموا أمر محمد عن عنَادٍ في حالِ دعائك إياهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة؛ لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار إذا ماتوا في أمر محمد (٤) عليّ حِرَاصًا لَو يُسِرُّون مَقتَلي (٥) ومنه يقال: حَرَص القَصَّارُ الثوبَ، إذا ألحَّ في الدقِّ إلحاح الحَريص.
والحَارِصَة: شَجّةٌ تشقّ الجلد قليلًا، كما يحرص القصَّار الثوب عند الدقّ (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ قال الفرّاء (٧) (٨) وحقيقة الإشراك: عبادة غير الله مع الله، وهو أن يجعَل عبادته مشتركةً بين الله وغيره، ثم يسمّى كلُّ كافر بالله مُشرِكًا من عظم ذنبه حتى ساوى به عظم ذنب المشرك في عبادة الله.
وقال بعضهم (٩) ﴿ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ ، ثم ابتدأ، فقال (١٠) ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾ ، أي: من يود، فأضمر الموصول بيَوَدّ كقول ذي الرُمَّة: فظلوا وَمنهم (١١) (١٢) أراد: ومنهم من دمعه سابق (١٣) إحداهما: أن المراد بالآية بيان حرص اليهود على الحياة، فلا يحسن قطع الكلام عند قوله: ﴿ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ ثم الإخبار عن غيرهم بحب التعمير.
والأخرى: أنه لا يجوز حذف الموصول وترك صلته، واستقصاء هذا مذكور عند قوله: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ في سورة [النساء: 46] واختلفوا في المعْنيّ بقوله: الذين أشركوا، فقال أبو العالية (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾ ، أي: أحد اليهود أن (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ يَوَدُّ ﴾ يقال: وَدِدتُ أوَدّ، والمصدر: الوَدّ، والوُدّ، والوِداد، والوَدادة، أنشد الفرّاء (٢١) ودِدت ودادَةً لو أَنّ حظّي ...
مِنَ الخُلَّانِ أن لا يَصرمُوني (٢٢) ويقال أيضًا: وَدَادًا بالفتح، ووِدَادَةً بالكسر، ويقلّ (٢٣) ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾ (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ لَوْ يُعَمَّرُ ﴾ يقال: عَمَّرَه الله تعميرًا، إذا أطال عمره، وأصله من العمارة، الذي هو ضدّ الخراب، والعُمُر: اسم للمدّة التي يُعَمَّرُ فيها البدن بالحياة والنمو (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ سُمي الألف ألفًا، لأنه تأليف العشرات في عِقْدٍ، ويقال: ثلاثة آلاف إلى العشرة، ثم أُلُوف جمع الجمع، والألف مذكر، وإذا أُنِّثَ على أنه جمع فهو جائز، وكلام العرب فيه التذكير (٢٦) (٢٧) ﴿ لَمْ يَتَسَنَّه ﴾ .
وخَصَّ الألف هاهُنا بالذكر: لأنه نهاية العُقُود، وقيل: لأنه نهاية ما كانت تدعُو بهِ المجوس لملوكها (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ الكناية راجعة إلى أحدهم، كأنه قيل: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره، كما تقول: ما عبد لله بضاربه أبوه.
قال أبو إسحاق: ويصلح أن يكون هو كناية عما جرى ذكره من طول العمر، وهو قوله: (لو يعمر) فيكون: وما تعميره بمزحزحه (٢٩) ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وإنه يريد إنأكله، وعلى هذا قوله: ﴿ وأَن يُعَمَّرَ ﴾ تكرير لذكر التعمير، فيكون كقوله: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ أعاد المصدر بعد ما كنى عنه (٣٠) وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هو كناية عن الشأن والأمر في قول الكسائي، والمعنى عنده: وما الشأن بمزحزحه من العذاب أن يعمَّر (٣١) قال: ويجوز أن يكون عمادًا في قول الفراء.
والعرب تدخل (هو) للعماد مع (ما) في الجحد و (هل) و (واو الحال)، فيقولون: هل هو قائم عبد الله؟
وما هو بقائم زيد، ولقيت محمدًا وهو حسن وجهه (٣٢) فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بما هاهنا رأسُ (٣٣) من أبيات ذكرها (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ أَن يُعَمَّرَ ﴾ في موضع رفع بمزحزحه كما يرتفع الفاعل بالفعل؛ لأن المعنى: ما يزحزحه تعميره (٣٦) (١) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1038.
(٢) ساقطة من (م).
(٣) يعني عند التوكيد فتقول: يفعلانِّ.
(٤) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178.
(٥) عجز بيت لامرئ القيس من معلقته في "شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري ص 49، وصدره: تجاوزتُ أحراسًا إليها ومعشرًا (٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 786، "اللسان" 2/ 835 (حرص).
(٧) ينظر: "معاني القرآن" 1/ 62.
(٨) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178.
(٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 1039.
(١٠) في (أ) و (ش): (قال).
(١١) ساقطة من (م).
(١٢) البيت في "ديوانه" ص 141، "تفسير الثعلبي" 1/ 1039، وبلا نسبة في "الدر" 2/ 66، و"همع الهوامع" 1/ 116.
وينظر: "المعجم المفصل في شواهد اللغة" 6/ 563.
(١٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1039.
(١٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 429، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 179.
(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 429.
(١٦) في (ش): (هزاز).
(١٧) أخرج نحوه الثوري ص 47، والطبري في "تفسيره" 1/ 429 - 430، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 179 عن ابن عباس وسعيد بن جبير ورواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم: زه (يعني: زي، الأمر من مصدر "زيستن") هزار سال، يعني: عش ألف سنة، فمعنى زه: عش؛ وهزار: ألف، وسال: سنة.
(١٨) أخرجه الطبري 1/ 429، وابن أبي حاتم 1/ 179.
(١٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178، و"البحر" 1/ 313.
(٢٠) في (م): (لو يعمر).
(٢١) نقله عن الفراء صاحب "اللسان" 8/ 4792، ولم أجده في "معاني القرآن" والظاهر أنه في المصادر للفراء.
(٢٢) البيت بلا نسبة في: "لسان العرب" 8/ 4793.
(٢٣) في (ش): (ونقل).
(٢٤) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 179، "اللسان" 8/ 4793 (ودد)، "المفردات" للراغب 532، وقال: الود: محبة الشيء، وتمني كونه، ويستعمل في كل واحد من المعنيين.
(٢٥) ينظر: "المفردات" 350، "اللسان" 5/ 3099 (عمر).
(٢٦) ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 183، "المفردات" 30، "اللسان" 1/ 108 مادة (ألف).
(٢٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 183، "اللسان" 1/ 108.
(٢٨) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178، "تفسير الطبري" 1/ 429، "تفسير الثعلبي" 1/ 1039، "زاد المسير" 1/ 117.
(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 178.
(٣٠) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 315.
(٣١) وأجاز هذا الوجه أبو علي كما في "البحر المحيط" 1/ 315، وقال في التبيان 1/ 78: ولا يجوز أن يكون هو ضمير الشأن لأن المفسر لضمير الشأن مبتدأ وخبر، ودخول الباء في بمزحزحه يمنع من ذلك.
(٣٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 51 - 52، وينظر أيضًا: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 179، و"التبيان" 1/ 78.
(٣٣) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 51 - 52 فقال: وأنشدني بعض العرب، والأبيات: فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيتهَ ...
على العِيسِ فىِ آباطِها عَرَقٌ يَبْسُ بأن السُّلامِيَّ الذي بضَرِيَّةٍ ...
أميَر الحِمَى قد باع حقي بني عبسِ بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ ...
فهل هو مرفوع بما هاهنا رأسُ (٣٤) ابن الأنباري.
قال في "البحر المحيط" 1/ 316: وتلخص في هذا القول الضمير، أهو عائد على أحدهم أو على المصدر المفهوم من يعمر، أو على ما بعده من قوله: أن يعمر أو هو ضمير الشأن، أو عماد، أقوال خمسة أظهرها الأول.
(٣٥) ينظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 179، "البحر المحيط" 1/ 298، "اللسان" 3/ 1816، "القاموس" 222.
(٣٦) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 315 قال: وأجازوا أن يكون هو ضميرًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله: لو يعمر.
وأن يعمر بدل منه، وارتفاع هو على وجهين من كونه اسم ما، أو مبتدأ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنْ كُنْتُمْ ﴾ شرط أو نفي ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ بالقلب أو اللسان أو باللسان خاصة، وهذا أمر على وجه التعجيز والتبكيت، لأنه من علم أنه من أهل الجنة اشتاق إليها، وروي أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، وقيل: إن ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم دامت طول حياته ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ﴾ إن قيل: لم قال في هذه السورة: ولن يتمنوه، وفي سورة الجمعة: ولا يتمنونه فنفى هنا بلن، التي تخص الاستقبال ولما كان الشرط في الجمعة حالاً، وهو قوله: إن زعمتم أنكم أولياء لله جاء جوابه بلا: التي تدخل على الحال، أو تدخل على المستقبل ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾ أي لسبب ذنوبهم وكفرهم ﴿ عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ تهديد لهم ﴿ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفاً على ما قبله فيوصل به، ولمعنى أن اليهود أحرص على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا، فحمل على المعنى كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا، وخص الذين أشركوابالذكر بعد دخولهم في عموم الناس لأنهم لا يؤمنون بالآخرة فإفراط حبهم للحياة الدنيا.
والآخر: أن يكون من الذين أشركوا ابتداء كلام فيوقف على ما قبله، والمعنى: من الذين أشركوا قوم ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ فحذف الموصوف، وقيل: أراد به المجوس، لأنهم يقولون لملوكهم عش ألف سنة، والأول أظهر؛ لأن الكلام إنما هو في اليهود، وعلى الثاني يخرج الكلام عنهم ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ ﴾ الآية: فيها وجهان؛ أحدهما: أن يكون هو عائد على أحدهم، وأن يعمر فاعل لمزحزحه، والآخر: أن يكون هو للتعمير وأن يعمر بدل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولقد جاءكم ﴾ مدغمة الدال في الجيم كل القرآن: أبو عمرو وحمزة وعلي خلف وهشام ﴿ جاءكم ﴾ وبابه بالإمالة: حمزة وخلف وابن ذكوان ﴿ قلوبهم العجل ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضم الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم وكذلك كل ما لقي الميم حرف ساكن وقبل الهاء كسرة ﴿ بما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.
والوقوف: ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لتقدير القول ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ بكفرهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ه) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ أيديهم ﴾ (ط) ﴿ بالظالمين ﴾ (ه) ﴿ على حياة ﴾ (ج) على تقدير: ومن الذين أشركوا قوم يود أحدهم، ومن وقف على ﴿ أشركوا ﴾ فتقديره أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا و ﴿ يود ﴾ مستأنف للبيان وإنما لم يدخل من في الناس وأدخل في الذين أشركوا لأن اليهود من الناس وليسوا من المشركين كقولك "الياقوت أفضل الحجارة وأفضل من الديباج" ﴿ سنة ﴾ (ط) لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً ﴿ أن يعمر ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه).
التفسير: السبب في تكرير قصة اتخاذ العجل ههنا القدح بوجه آخر في قولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ وبيان وصفهم بالعناد والتكذيب تسلية لرسول الله وتثبيتاً له، فإن قوم موسى بعد ظهور المعجزات الواضحات على يده اتخذوا العجل إلهاً ومع ذلك صبر وثبت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه.
وكرر ذكر رفع الطور للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قولهم ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ الدال على نهاية لجاجهم وذلك أنه قال لهم: اسمعوا سماع تقبل وطاعة.
فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة، وظاهر الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول أعني سمعنا وعصينا وعليه الأكثرون.
وعن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المعنى سمعوه وتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول مثل ﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾ ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ.
وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الإشراب كقوله ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ وفي هذه الاستعارة لطيفة وهي أنه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة للقبائح الصادرة عنهم.
وفي قوله ﴿ واشربوا ﴾ دلالة على أن فاعلاً غيرهم فعل ذلك بهم كالسامري وإبليس وشياطين الجن والإنس، وذلك بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه على الله ولا ريب أن جميع الأسباب تنتهي إلى الله وقد عرفت التحقيق في أمثال ذلك مراراً.
﴿ بئسما يأمركم ﴾ المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل، فليس في التوراة عبادة العجاجيل.
وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال قوم شعيب ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ وكذلك إضافة الإيمان إليهم.
واعلم أن الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي، لكن الداعي إلى الفعل والسبب فيه قد يشبه بالأمر كقوله ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ الدار اسم "كان" وفي الخبر ثلاثة أوجه: الأول: ﴿ خالصة ﴾ و ﴿ عند ﴾ ظرف لخالصة أو للاستقرار الذي في ﴿ لكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ عند ﴾ حالاً من الدار والعامل فيها "كان" أو الاستقرار.
وأما ﴿ لكم ﴾ فيكون على هذا متعلقاً بـ "كان" لأنها تعمل في حروف الجر، ويجوز أن يكون للتبيين فيكون موضعها بعد ﴿ خالصة ﴾ أي خالصة لكم فيتعلق بنفس خالصة، ويجوز أن يكون صفة لخالصة قدمت عليها فيتعلق حينئذ بمحذوف.
الثاني: أن يكون خبر كان ﴿ لكم ﴾ و ﴿ عند الله ﴾ ظرف و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل "كان" أو الاستقرار.
الثالث: أن يكون ﴿ عند الله ﴾ هو الخبر و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل فيها إما عند، و ما يتعلق به أو "كان" أو "لكم" وسوغ أن يكون ﴿ عند ﴾ خبر ﴿ كانت لكم ﴾ إذ كان فيه تخصيص وتبيين نحو ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ وقوله ﴿ من دون الناس ﴾ نصب بـ ﴿ خالصة ﴾ لأنك تقول: خلص كذا من كذا.
والمراد بالدار الآخرة الجنة لأنها هي المطلوبة من الدار الآخرة دون النار.
والمراد بقوله ﴿ عند الله ﴾ الرتبة والمنزلة، وحمله على عندية المكان ممكن ههنا إذ لعلهم كانوا مشبهة.
ومعنى خالصة لكم أي سالمة خاصة بكم لا حق لأحد فيها سواكم.
"ودون" ههنا يفيد التجاوز والتخطي في المكان كما تقول لمن وهبته منك ملكاً: هذا لك من دون الناس.
أي لا يتجاوز منك إلى غيرك.
والناس للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ ولأنه لم يوجد ههنا معهود.
فإن قلت: من أين ثبت أنهم ادعوا ذلك؟
قلنا: لأنه لا يجوز أن يقال في معرض الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزامه بالثاني، ولقوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ ولما اعتقدوا في أنفسهم أنهم هم المحقون، لأن النسخ غير جائز عندهم، ولزعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ويوصلونهم إلى ثواب الله فلهذه الأسباب عظموا شأن أنفسهم وكانوا يفتخرون على العرب، وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب، وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد ، فبين الله فساد معتقدهم بالآية.
وبيان الملازمة أن متاع الدنيا قليل في جنب نعم الآخرة، وذلك القليل كان أيضاً منغصاً عليهم بعد ظهور محمد ومنازعته معهم بالجدال والقتال.
فالموت خير لهم لا محالة لأنه يوصل إلى الخيرات الكثيرة الدائمة الصافية عن النغص، ولا يفوت إلا القليل النكد.
والوسيلة وإن كانت مكروهة نظراً إلى ذاتها لكنه لا يتركها العاقل نظراً إلى غايتها كالفصد ونحوه.
والنهي عن تمني الموت في قوله "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً إليّ وأمتني ما كانت الوفاة خيراً لي" محمول على تمن سببه عدم الصبر على الضر ونكد العيش كما قال قائل: ألا مـــوت يبــــاع فــأشتــريــه *** فهــذا العيــش مــا لا خيــر فيــه ألا رحــم المهيمــن روح عبـد *** تصــدق بــالــوفـاة علــى أخيــه فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقضاء ويدل على الجزع وضيق العطن وينافي قضية التوكل والتسليم، أو على تمن سببه الجزم بالوصول إلى نعيم الآخرة فإن ذلك خارج عن قانون الأدب، ونوع من الأخبار بالغيب لا يليق إلا ببعض أولياء الله.
روي أن علياً كان يطوف بين الصفين في غلالة وهي شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضاً.
فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين.
فقال: يا بني، لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت.
وعن حذيفة أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال : حبيب جاء على فاقة لا يفلح من ندم.
يعني على التمني.
وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة، محمداً وحزبه.
وكان كل واحد من العشرة المبشرة بالجنة يحب الموت ويحن إليه لجزمهم بلقاء الله و نيل ثوابه وذلك لمكان البشارة، فأما أحدنا فلا يليق به تمني الموت إلا على سبيل الرجاء وحسن الظن بالله "أنا عند ظن عبدي بي" وعن النبي "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على الأرض يهودي" وليس لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد فيقولوا: إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك فإنا نراك وأمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم، وبعد الموت تتخلصون إلى دار الكرامة والنعيم، لأنه بعث لتبليغ الشرائع وتنفيذ الأحكام ولا يتم المقصود إلا بحياته وحياة أمته، فله أن يقول لأجل هذا لا أرضى بالقتل مع أن المؤمن من هذه الأمة قلما يخلو من النزاع والشوق إلى لقاء ربه، فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده، والعبد الآبق يكره العود إلى مولاه، ولهذا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وبذلوا أرواحهم دون الدين والذب عن الملة الحنيفية ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ﴾ عن عبادة بن الصامت أن النبي قال "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه.
وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه" ثم إنه بين انتفاء اللازم بقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ وبرهن عليه بقوله ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ أي بما أسلفوا من موجبات النار كالكفر بمحمد وبالقرآن وكتحريف كتاب الله وسائر قبائح أفعالهم.
وذكر الأيدي مجاز لأن أكثر الأعمال يتم بمباشرة اليد.
وقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به كقوله ﴿ ولن تفعلوا ﴾ وذلك أن التمني ليس من أعمال القلب حتى لا يطلع عليه أحد، وإنما هو قول الإنسان بلسانه تمنيت أو ليت لي كذا، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب.
فلو إنهم تمنوا لنقل ذلك كما ينقل سائر الحوادث العظام، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن أكثر من الذرّ.
وأيضاً لو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك.
وأيضاً لولا أنه أوحى إليه أنهم لم يتمنوا لم يكن في العقل رخصة الإقدام على مثل هذا الإلزام، لأنه في غاية السهولة، وإذا ثبت انتفاء اللازم ثبت انتفاء الملزوم بالضرورة وهو أن لا تكون الدال الآخرة لهم خالصة، وأما أنها ليست لهم بالاشتراك أيضاً، فيستفاد من الآية التالية.
وفي قوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ إشارة أيضاً إلى ذلك لأنه إذا كان محيطاً بسرهم وعلانيتهم وقد قدموا من القبائح ما قدموا فيجازيهم بما يحقون له.
وفي وضع الظاهر وهو بالظالمين مقام المضمر وهو بهم إشارة أخرى إلى سوء منقلبهم ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ واللام إما للعهد وإما للجنس، فيشملهم أولاً وغيرهم من الظلمة ثانياً.
فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا ﴿ ولن يتمنوه ﴾ وفي سورة الجمعة ﴿ ولا يتمنونه ﴾ ؟
قلنا: لأن الدعوى هنا كون الدار الآخرة خالصة لهم، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، والأول مطلوب بالذات، والثاني وسيلة إليه، فناسب أن ينفي الأول بما هو أبلغ في إفادة النفي وهو "لن"، أو لأن الدعوى الثانية أخص فإنه لا يلزم أن يكون كل من له الدار الآخرة ولياً بمعنى أنه يلي النبي في الكمال والإكمال، ونفي العام أبعد من نفي الخاص كما أن إثبات الخاص في قولك "فلان ابن فلان موجود" أبعد من إثبات العام في قولك "الإنسان موجود".
فحيث كانت الدعوى الأولى أبعد احتيج إلى أداة هي في باب النفي أبلغ.
ثم إنه لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت، أخبر بعد ذلك أنهم في غاية الحرص على الحياة، لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن لا يتمنى الحياة ولا الموت فقال ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس ﴾ مؤكداً باللام والنون والقسم المقدر وهو من وجد بمعنى علم.
وقوله ﴿ على حياة ﴾ بالتنكير لأنه أراد نوعاً من الحياة مخصوصاً وهي الحياة المتطاولة أو حياة وأيّ حياة.
وفي جعلهم أحرص من الذين أشركوا توبيخ عظيم، لأن المشركين لا يؤمنون بمعاد وعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فهي جنتهم، فلا يستبعد حرصهم عليها.
فإذا ازداد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان خليقاً بالتوبيخ.
وسبب زيادة حرصهم هو علمهم بأنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون غافلون عن ذلك.
وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.
وعن ابن عباس: هو قول الأعاجم "زي هزار سال"، ويحسن أن يقال ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ كلام مبتدأ أي ومنهم ناس يودّ على حذف الموصوف كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا ملك لقوة الدلالة عليه بذكر ما اشتمل عليه قبله، فكأنه مذكور، وعلى هذا يلزم توبيخ اليهود من جهة أخرى وهي انضمامهم في زمرة المشركين وكونهم بعضاً منهم وذلك كقولهم ﴿ عزير ابن الله ﴾ .
وقال أبو مسلم: في الآية تقديم وتأخير أي ولتجدنهم طائفة من الذين أشركوا وأحرص الناس على حياة، ثم فسر بقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ أي كل واحد يغرض لو يعمر.
و "لو" في معنى التمني و ﴿ لو يعمر ﴾ حكاية لودادتهم، وكان يجوز "لو أعمر" على الحكاية إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ مثل "حلف بالله ليفعلن" وتخصيص الألف بالذكر بناء على العرف ولأنه أول عقد يستحيل وقوعه في أعمار بني آدم أو يندر.
والضمير في قوله ﴿ وما هو ﴾ يعود إلى أحدهم و ﴿ أن يعمر ﴾ فاعل ﴿ بمزحزحه ﴾ أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره.
ويجوز أن يكون الضمير لما دل عليه ﴿ يعمر ﴾ من مصدره و ﴿ أن يعمر ﴾ بدل منه كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب أن يعمر.
ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبهماً و ﴿ أن يعمر ﴾ موضحه.
والزحزحة المباعدة والتنحية.
﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيه تهديد لأهل البغي والعناد، وزجر للعصاة عن الفساد.
والبصر قد يراد به العلم يقال فلان بصير بهذا الأمر أي عارف به، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصح عليه ما لم يثبت له جارحة.
فإن قلنا: إن من الأعمال ما لا يصح أن يرى، تعين حمل البصر فيه على العلم والله أعلم بالصواب.
وإليه المرجع والمآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .
والبينات: ما ذكرنا - فيما تقدم - من الآيات المعجزة، والحجج العجيبة، والبراهين الظاهرة على رسالته ونبوته، وصدق ما يدعوهم إليه، مما يدل كله أَنه من عند الله.
ثم - مع ما جاءَهم موسى بها - عبدوا العجل واتخذوه إلهاً، وكفروا بالله.
يُعَزِّي نبيه ؛ لئلا يظن أَنه أَول مُكذَّب من الرسل، ولا أَول من كُفِر به؛ حتى لا يضيق صدره بما يقولون، ويستقبلونه بما يكره، وبالله التوفيق.
كقوله: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم ما فيه مقْنع، إن شاءَ الله .
وقوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: اسمعوا، أَي: أَجيبوا.
ويحتمل: اسمعوا: أَطيعوا، لكن هذا فيما بين الخلق جائز السمع والطاعة.
وأََما إِضافة الطاعة إلى الله - عز وجل - فإِنه غير جائز؛ إذ لا يجوز أَن يقال: أَطاع الله.
وأَما السمع فإنه يجوز؛ لقوله: "سمع الله لمن حمده".
﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾ قولك، ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أَمرك.
لكن قولهم: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ لم يكن على أثر قولهم: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، ولكن بعد ذلك بأَوقات؛ لأَنه قيل: لما أَبوا قبول التوراة؛ لما فيها من الشدائد والأَحكام، رفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا؛ خوفاً من أَن يرسل عليهم الجبلَ، وقالوا: أَطعنا، فلما زايل الجبل، وعاد إلى مكانه، فعند ذلك قالوا: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ فالتولي منهم كان بعد ذلك بأَوقات.
وقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .
قيل: أُشربوا، أَي: جُعل في قلوبهم حبُّ عبادة العجل بكفرهم بالله عز وجل.
وقيل: سُقُوا حُبَّ العجل.
وقيل: إِن موسى لما أَحرق العجل، ونسفه في البحر جعلوا يشربون منه لحبهم العجل.
وقيل: لما أَحرق ونسف في البحر جعلوا يلحسون الماء حتى اصفرت وجوههم.
وقيل: إنهم لما رأوا في التوراة ما فيها من الشدائد، قالوا عند ذلك: عبادةُ العجل علينا أَهون مما فيها من الشرائع.
وكله يرجع إلى واحد، وذلك كله آثار الحب.
وقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
قيل: قل يا محمد: بئسما يأْمركم إيمانكم بالعجل الكفرَ بالله عز جل.
وقيلأ: إن اليهود ادعوا أَنهم مؤمنون بالتوراة؛ فقال: ﴿ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ ﴾ أي بالتوراة؛ إذ كفرتم بمحمد ، وقد وجدتم فيها نعته وصفته.
وقوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
وذلك أَن أَعداءَ الله - - كانوا يقولون: إن الجنة لنا في الآخرة، بقولهم ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، وكقولهم: ﴿ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ ﴾ ، وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ؛ فقال الله لنبيه : قل لهم: إن كانت لكم الدار الآخرة - كما تزعمون - وأَنكم أَبناءُ الله وأَحباؤه - كما تقولون - ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
وذلك أَن المرء لا يكره الانتقال إلى داره، وإلى بستانه، بل يتمنى ذلك، وكذلك المرءُ لا يكره القدوم على أبيه، ولا على ابنه، ولا على حبيبه، ولا يخاف نقمته ولا عذابه، بل يجد عنده الكرامات والهدايا.
فإن كان كما تقولون، فتمنوا الموت؛ حتى تنجوا من غم الدنيا، ومن تحمل الشدائد التي فيها إن كنتم صادقين في زعمكم: بأَن الآخرة لكم، وأَنكم أَبناءُ الله وأَحباؤه.
فإن قيل: إنكم تقولون: إن الآخرة للمؤمنين، ثم لا أَحد منهم يتمنى الموت إذا قيل له: تمنّ الموت، فما معنى الاحتجاج عليهم بذلك، وذلك على المؤمنين كهو عليهم؟
قيل: لوجهين: أَحدهما: أَن المؤمنين لم يجعلوا لأَنفسهم من الفضل والمنزلة عند الله ما جعلوا هم لأَنفسهم؛ فكان في تمنيهم صدقُ ما ادعَوْا لأَنفسهم، وفي الامتناع عن ذلك ظهورُ صدق رسول الله .
والثاني: ما ذكرنا أَنهم ادعوا: أَنهم أَبناءُ الله وأَحباؤه، وفي تمنيهم الموت ردهم، وصرفهم إلى الحبيب، والأَب الذي ادعوه، ولا أَحد يرغب وينفر عن حبيبه وأَبيه؛ فدل امتناعهم عن ذلك: على كذبهم في دعاويهم.
وبالله نستعين.
فإن سأَلونا عن قوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ ﴾ أنهم إذا تمنوا ليس كان انقضاء عمرهم بدون الأَجَل الذي جعل لهم، وفي ذلك: تقديم الآجال عن الوقت الذي كان أَجَلا، وقال الله : ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .
قيل: إن الله علم منهم - في سابق علمه، وأَزليته - أَنهم لا يتمنون جعل أَجلهم ذلك.
ولو علم منهم أَنهم يتمنون الموت لكان يجعل أَجلهم ذلك في الابتداءِ، وكذلك هذا الجواب؛ لما روي: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" إنه كان كذلك يحتمل في الابتداءِ، لا أَن يجعل أَجله إلى وقت، ثم إذا وصل رحمه يزيد على ذلك الأَجل أَو ينقص، فيتمنى الموت عن الأَجل المجعول المضروب له، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ﴾ .
فيه دلالة إِثبات رسالة محمد ، وذلك أَنه أَخبر - عز وجل - أَنهم لا يتمنون أَبداً، فكان كما قال؛ فدل أَنه من عند الله علم ذلك.
وقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ .
من الذنوب، والعصيان، والتكذيب بمحمد ، والحسد له.
وهم - والله أعلم - قد عرفوا عن صنيعهم، وما لهم من عند الله من العذاب والجزاءِ، لكنهم قالوا ذلك؛ على التعنت، والمكابرة، والسفه؛ لذلك لم يتمنوا، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ ﴾ .
هو على الوعيد؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ ﴾ .
ويحتمل: عليم بالظالمين؛ بما يفضحهم بالحجج، ويُظهر كذبهم في الدنيا؛ لئلا يظن أحد أَنه عن غفلة بما يعملون، بل خلقهم على علم منه بما يعملون.
خلقهم؛ ليعلم أنه لا لنفع له بخلقهم خلَقَهم، وأَن ذلك لا يضره.
وقوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ يعني اليهود.
﴿ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ﴾ .
وعلى كراهية الموت.
فدل حرصهم على حياة الدنيا أَنهم كذبة فيما يزعمون ويدعون.
وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ﴾ .
يعني: المجوس.
أي: هم أحرص الناس على حياة الدنيا من المجوس؛ لأَن المجوس لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة، وهم يؤمنون بها؛ فهم - مع إيمانهم بالبعث، وتصديقهم بالقيامة - أَحرص على حياة الدنيا من المجوس الذين لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة.
وقيل: إِنَّه على الابتداءِ.
ولا يتنافى بقول: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ يعني: المجوس ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ؛ لأنهم يقولون فيما بينَهم: أَلف سنة تأْكل النيروز والمهرجان، ويقولون بالفارسية: هزار ساله بزه.
فأَخبر الله - - أَن طول العمر في الدنيا لا ينجيه من العذاب في الآخرة، ولا يباعده عنه.
وهو قوله: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .
هو على الوعيد أيضاً.
<div class="verse-tafsir"
ولتَجِدَنَّ -أيها النبي- اليهودَ أشدَّ الناس حرصًا عَلى الحياة مهما كانت حقيرة ذليلة، بل هم أحرص من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، ومع كونهم أهلَ كتاب، ويؤمنون بالبعث والحساب؛ فإن الواحد منهم يحب أن يبلغ عمره ألف سنة، وليس بمُبْعِدِه عن عذاب الله طول عمره مهما بلغ، والله مطَّلع على أعمالهم بصير بها، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم بها.
<div class="verse-tafsir" id="91.9dY2o"
سبق التذكير باتخاذ العجل في قوله تعالى ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ ثم أعاده هنا بعبارة وأسلوب آخرين في سياق آخر.
أما اختلاف العبارة والأسلوب فظاهر وأما السياق فقد كان أولًا في تعداد النعم على بني إسرائيل وبيان ما قابلوها به من الكفران وهو هنا في ذكر الآيات ورد شبهاتهم المانعة بزعمهم من الإيمان بالنبي ، فهناك يقول إن النعم التي أسبغها الله عليكم لم يكن لها من شكر عندكم إلا اتخاذ عجل تعبدونه من دونه.
وههنا يقول إن الآيات البينات على النبوة والوحدانية، لم تزدكم إلا إيغالًا في الشرك وانهماكًا في الوثنية، فكيف تعتذرون عن الإيمان بمحمد بأنكم لا تؤمنون إلا بما أنزل إليكم وهذا شأنكم فيه؟
ومجموع الآيتين ينبئ بفساد قلوب القوم وفساد عقولهم حتى لا مطمع في هداية أكثرهم من جهة الوجدان، ولا من ناحية العقل والجنان.
وهذه البينات التي ذكرها ههنا قد كانت في مصر قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة وأما النعم التي ذكرها هناك فقد كانت في أرض الميعاد كما تقدم.
ووجه الاتصال بين هذه الآية وما قبلها قد علم مما قلناه في السياق، وفيه المقابلة بين معاملتهم لموسى ومعاملتهم للنبي إذ قالوا: قلوبنا غلف: وادعوا أنهم مأمورون بأن لا يؤمنوا إلا بما أنزل عليهم خاصة.
وقد علم من هذه الحجج كلها بطلان شبههم وكذبهم في دعواهم وأنه لا عذر لهم في ترك الإيمان.
﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد هذا المجيء لا من بعد موسى، والمراد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ فإنه بعد بلوغ الدعوة وقيام الحجة، ولذلك قال ﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ وأي ظلم أعظم من الشرك بالله تعالى؟
ولا تغفل عن الإيجاز في قوله ﴿ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ وحذف مفعول ﴿ اتَّخَذْتُمْ ﴾ أي اتخذتموه إلهًا.
ثم ذكرهم هنا أيضًا بأخذ الميثاق ورفع الطور كما ذكرهم به في آية تقدمت، وقد قال هناك ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ وقال هنا ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ﴾ وأمرهم في تلك بالحفظ وأمرهم في هذه بالفهم والطاعة.
وقلنا في تفسير ﴿ وَاذْكُرُوا ﴾ أن المراد الحث به على العمل فالعبارتان تتلاقيان في المعنى والمراد.
وفي اختلاف النظم والأسلوب حجة على الذين توهموا أن إعجاز القرآن في البلاغة إنما هو في السبق إلى العبارة التي يتأدى بها المعنى على أكمل الوجوه الممكنة في نظم الكلمات العربية.
رأى هؤلاء أن المعنى الذي يفيد علمًا بشيء ما له كلمات في اللغة تؤديه بوجوه من النظم وأن الكلمات والوجوه محدودة فمن سبق إلى أتمها أداء وأبلغها تأثيرًا كان كالسابق إلى انتقاء أكرم جوهرة من طائفة من الجواهر أمامه أو إلى أنفس عقد وأحسنه نظمًا من عقود عرضت عليه.
مثال ذلك قوله تعالى ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ ﴾ قال علماء هذا الشأن إنه يتألف من هذه الكلمات عشرة ضروب من النظم بالتقديم والتأخير ما من ضرب منها إلا وهو منتقد بالخطل أو إيهام خلاف المراد أو الخطأ في الإعراب إلا نظم الآية فهو الذي يؤدي المعنى على أكمل الوجوه ولا يتأتى نظم آخر يؤدي مؤداه.
وزعم بعض الناس أن هذا الإعجاز ليس إلهيًا.
لو أخذ ما قالوه مسلمًا على إطلاقه لكان لنا أن نقول إنه ليس في قدرة أحد من البشر أن يأتي بكلام طويل يتجلى له في كل جملة منه جميع الكليات التي تدخل في تأدية المعنى المراد له وجميع ضروب النظم ووجوه الأساليب الممكنة في ترتيب تلك الكلمات وتأليفها فيختار الأحسن الأبلغ منها.
وإذا لم يكن هذا في قدرة البشر كما هو ظاهر فلا بد أن يكون من جاء به مؤيدًا بعناية من الله تعالى.
على أننا لا نسلم بما قالوه على إطلاقه فإنه لا يتجه إلا في ألفاظ معينة كألفاظ آية ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ إلخ وإذا نظرنا إلى المعاني، لا سيما الكلية، نراها تتجلى في صور كثيرة من النظم الذي تختلف ألفاظه.
وأمامنا الآن معنى الآية التي نفسرها وهو أن الله أخذ هذا العهد على بنى إسرائيل بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وأن يعملوا بشريعته ووصاياه، وكان أخذ هذا العهد في موقف رهبة وخشوع يعين على أخذه بالجد والعزيمة، إذ كان الجبل مرفوعًا فوقهم بصفة لم يعهدوها حتى ظنوا أنه يريد أن يقع بهم، ولكنهم لم يلبثوا أن نقضوا هذا الميثاق وتركوا العمل به وعبدوا العجل الذي صاغوه من حليهم بأيديهم عن حب متمكن من النفس، وغالب على العقل والحس، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في كتابه غير مرة ولكن بعبارات مختلفة كالآية التي تقدمت وذكر هناك أنهم تولوا عن الميثاق بعد الأمر بحفظه والعمل به رجاء التقوى، وكآية الأعراف ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ وتقدمت الإشارة إليها هناك وكلاهما غاية في البلاغة .
وذكره هنا بنظم آخر تنتهي إليه البلاغة في سياق آخر فقال ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ﴾ ثم التفت عن خطاب الحاضرين إلى الحكاية عن الغابرين فقال ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أي أنهم قبلوا الميثاق وفهموه ولكنهم لم يعملوا به بل خالفوه تعنتًا وتأولًا، وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب، وفي هذا العهد، يعبرون عن حال الإنسان وغيره بقول يحيكه عن نفسه حتى حكي مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضًا، وهو أسلوب أظن أنه يوجد في كل لغة أو في اللغات الراقية فقط.
ثم ذكر أقبح أمثلة هذا العصيان بعبارة مدهشة في بلاغتها فقال ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ هذه الاستعارة من فرائد الاستعارات يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن.
وإشراب الشيء الشيء مخالطته إياه وامتزاجه به، يقال بياض مشرب بحمرة، أو هو من الشرب كان الشيء المحبوب شراب يساغ فهو يسري في قلب المحب ويمازجه كما يسري الشراب العذب البارد في لهاته.
وقد قدر الأكثرون هنا مضافًا محذوفًا فقالوا المراد"حب العجل" وذهب بعض الجامدين على الظواهر إلى أن المراد بالشرب هنا حقيقته وزعموا أن موسى لما سحق العجل وذراه في اليم طفقوا يشربون المسحوق مع الماء.
وغفل صاحب هذا الزعم عن قوله تعالى ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والشراب الحقيقي لا يكون في القلب.
والشرب غير الإشراب.
ولبعض المفسرين مزاعم وقصص في العجل لا يدل عليها وحي منزل، ولا تاريخ صحيح ينقل، والباء في قوله ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ للسببية أي سبب هذا الحب الشديد لعبادة العجل هو ما كانوا عليه من الوثنية في مصر فقد رسخ الكفر في قلوبهم بطول الزمن وورثه الأبناء عن الآباء.
وأما السياق الذي وردت فيه هذه الآية بهذا النظم والأسلوب المخالفين لأسلوب تلك الآية مع الاتحاد في المعنى فهو إقامة الحجة على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي ورد زعمهم أنهم مؤمنون بشريعة لا يطالبهم الله بالإيمان بغيرها، كما قلنا في التي قبلها، ولذلك ختم الآية بقوله تعالى مخاطبا للنبي ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي إن صح زعمكم أنكم مؤمنون بشريعة -والإيمان الحقيقي يقتضي العمل بما له من السلطان على الإرادة- فبئسما يأمركم به ذلك الإيمان من الأعمال التي منها عبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق.
لكن هذا الزعم مشكوك فيه بل يصح القطع بعدمه، بدليل الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرًا له.
هذه حجة عليهم بطبيعة الإيمان وأثره في عمل المؤمن.
وتليها حجة أخرى تتعلق بفائدة الإيمان ومثوبته في الحياة الأخرى وهي قوله : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ المراد من الدار الآخرة ثوابها ونعيمها لأن حال الإنسان فيها لا يخلو من أحد الأمرين -المثوبة بالنعيم المقيم، والعقوبة بالعذاب الأليم، واستغنى عن التصريح بالنعيم أو الثواب بقوله ﴿ لكم ﴾ فإنه يشعر بالمحذوف.
وإنما أوجز هنا في خطاب اليهود لأنه يحكي عن شيء يعرفونه في أنفسهم وقد أوضح المراد بقوله ﴿ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ ﴾ والخالصة هي السالمة من الشوائب.
فسر مفسرنا "الجلال" الخالصة بالخاصة.
وقالوا إنه استعمال لم يعهد في الكلام الفصيح، والتخصيص مفهوم من قوله ﴿ مِنْ دُونِ النَّاسِ ﴾ يقول إن صحت دعواكم وصدق قولكم إنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا وأنكم شعب الله المختار فلن تمسكم النار إلا أيامًا معدودات لا تزيد على أيام عبادة العجل ولا تتجاوز عابديه فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم، الذي لا منازع لكم فيه ولا مزاحم، وإن لم تتمنوا الموت فما أنتم بصادقين، إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء عليها.
والتمني هو ارتياح النفس وتشوفها إلى الشيء توده وتحب المصير إليه، وروي عن ابن عباس تفسير التمني بالسؤال والطلب، وهو غير معروف عن غيره من العرب، ولعله فسره باللازم فإن من تمنى شيئًا طلبه بالقول أو الفعل أو بها.
وقد روي عن كثير من الصحابة تمني الموت عند القتال وبعد القتال يعبرون بألسنتهم عما في نفوسهم، وما هو إلا صدق الإيمان بما أعد الله للمؤمنين في الدار الأخرة.
إن الكلام حجة على مدعي الإيمان واستحقاق ما أعده الله لأهله في الآخرة تقنعم في أنفسهم بأنهم إما صادقون في دعواهم وذلك إذا كانوا يتمنون في أنفسهم الموت والوصول إلى الدار الآخرة، ويبذلون أرواحهم في سبيل الله بارتياح إذا كان حفظ الحق يقتضي بذلها، وإما كاذبون فيها وذلك إذا كانوا شديدي الحرص على هذه الحياة.
وليس المراد به الحجة الإلزامية أمام الناس.
ولذلك كانت العبرة في الآية عامة، فهي واردة في سياق الاحتجاج على اليهود ويجب على المسلمين أن يتخذوها ميزانًا يزنون به دعواهم اليقين في الإيمان والقيام بحقوقه لأن الله أنزلها لذلك.
لو كان المراد بقوله ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ أنهم لن يقولوا: يا ليتنا نموت: أو كلمة هذا معناها، لكان الاحتجاج عليهم إنما هو بالتعجيز عن لفظ يحركون به ألسنتهم ولكان ذلك من الخوارق الكونية ولما صح تعليل نفي التمني يقوله ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ فإن هذا التعليل صريح بأن المانع لهم من تمني الموت هو أنهم يعرفون من أنفسهم أنهم عاصون مقترفون للذنوب التي يستحقون عليها العقوبة لا أن ألسنتهم عاجزة عن النطق بكلمة تدل على تمني الموت وإن كذبًا، وكثيرًا ما كانوا يكذبون، وقد أسند الفعل إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها ولذلك جرى عرف اللغة على جعلها كناية عن الشخص باعتبار أنه عامل مطلقًا.
وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ ليبين أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم وأن غيرهم من الشعوب محروم منها وأن كل من كان مثلهم مفتاتًا على الله تعالى فهو ظالم مثلهم.
ثم بين حقيقة حالهم في الإخلاد إلى الأرض، والفناء في حب البقاء، وأنهم ليسوا على بينة مما يدعون، ولا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، فقال ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ كذلك كانوا، وكذلك هم الآن، والظاهر من سيرتهم ونظام معيشتهم أنهم كذلك يكونون إلى ما شاء الله وإن كان الظاهر أن الكلام خاص بمن كانوا في عصر التنزيل يحاجهم النبي ويشاغبونه ويجاحدونه معتزين بشعبهم، مغترين بكتابهم، بل ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد علماؤهم فقط.
ونكر الحياة للتحقير كأنه يقول إنهم شديدو الحرص على الحياة وإن كانت في بؤس وشقاء.
ثم خص طائفة من الناس بالذكر عرفوا بشدة الحرص على الحياة وتمني طول البقاء في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بحياة بعدها فقال ﴿ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ أي أنهم أحرص الناس من جميع الناس حتى من الذين أشركوا، ثم بين مثالًا من هذا الحرص مستأنفًا فقال ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ أي يتمنى لو يعمره الله ويبقيه ألف سنة، أو أكثر فإن لفظ الألف عند العرب منتهى أسماء العدد فيعبر به عن المبالغة في الكثرة لأنه يعرف من نفسه أنه مخالف لكتابه ويتوقع سخط الله وعقابه فيرى أن الدنيا على ما فيها من المنغصات خير له من الآخرة وما يتوقعه فيها.
قال تعالى ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾ أي وما تعميره الطويل بمزحزحه أي منحيه ومبعده عن العذاب المعد له ولأمثاله فإنه ميت مهما طال عمره وكل ما له حد فهو منته إليه ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ لا تخفى عليه خافية من أمرهم ولو عرفوه حق معرفته لعلموا أن طول العمر لا يخرجهم من قبضته، ولا ينجيهم من عقوبته، فإن المرجع إليه، والأمر كله بيديه.
ومن مباحث اللفظ أن الضمير في قوله ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ مبهم يفسره ما بعده، وأكثر المفسرين على أن ما حجازية والضمير العائد على ﴿ أَحَدُهُمْ ﴾ اسمها وبمزحزحه خبرها والباء زائدة في الإعراب ﴿ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾ فاعل مزحزحه.