الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٢١ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٢١ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقول : ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس ، كأنه نخلة سحوق .
فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه ، فأول ما بدا منه عورته .
فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة ، فأخذت شعره شجرة ، فنازعها ، فنادى الرحمن : يا آدم ، مني تفر؟
فلما سمع كلام الرحمن قال : يا رب ، لا ولكن استحياء أرأيت إن تبت ورجعت ، أعائدي إلى الجنة؟
قال : نعم " فذلك قوله : ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب ، فلم يسمعه منه ، وفي رفعه نظر أيضا .
وقوله : ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) قال مجاهد : يرقعان كهيئة الثوب .
وكذا قال قتادة ، والسدي .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر ، عن عون ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) قال : ينزعان ورق التين ، فيجعلانه على سوآتهما .
القول في تأويل قوله تعالى : فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) يقول تعالى ذكره: فأكل آدم وحوّاء من الشجرة التي نُهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمر ربهما( فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ) يقول: فانكشفت لهما عوراتهما، وكانت مستورة عن أعينهما.
كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: إنما أراد، يعني إبليس بقوله هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ليبدي لهما ما توارى عنهما من سوآتهما، بهتك لباسهما، وكان قد علم أن لهما سوأة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حوّاء، فأكلت ثم قالت: يا آدم كل، فإني قد أكلت، فلم يضرّني، فلما أكل آدم بدت سوآتهما.
وقوله (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) يقول: أقبلا يشدان عليهما من ورق الجنة.
كما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) يقول: أقبلا يغطيان عليهما بورق التين.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) يقول: يوصلان عليهما من ورق الجنة.
وقوله ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) يقول: وخالف أمر ربه، فتعدّى إلى ما لم يكن له أن يتعدّى إليه، من الأكل من الشجرة التي نهاه عن الأكل منها .
فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وقال الفراء : وطفقا في العربية أقبلا ؛ قال وقيل : جعل يلصقان عليهما ورق التين .قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : وعصى تقدم في ( البقرة ) القول في ذنوب الأنبياء قال بعض المتأخرين من علمائنا : والذي ينبغي أن يقال : إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ، [ ص: 167 ] ونسبها إليهم ، وعاتبهم عليها ، وأخبروا بذلك عن نفوسهم وتنصلوا منها ، واستغفروا منها وتابوا ، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها ، وإن قبل ذلك آحادها ، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم ، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور ، وعلى جهة الخطأ والنسيان ، أو تأويل دعا إلى ذلك ، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات ، وفى حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم ، وعلو أقدارهم ؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس ؛ فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة ، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة .
قال : وهذا هو الحق ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ؛ فهم صلوات الله وسلامه عليهم - وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم ، فلم يخل ذلك بمناصبهم ، ولا قدح في رتبتهم ، بل قد تلافاهم ، واجتباهم وهداهم ، ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم ؛ صلوات الله عليهم وسلامه .الثانية : قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يجوز لأحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه ، أو قول نبيه ، فأما أن يبتدئ ذلك من قبل نفسه فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين إلينا ، المماثلين لنا ، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي المقدم ، الذي عذره الله سبحانه وتعالى وتاب عليه وغفر له .قلت : وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز ، فالإخبار عن صفات الله - عز وجل - كاليد والرجل والإصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع ، وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله ، ولهذا قال الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه - من وصف شيئا من ذات الله - عز وجل - مثل قوله : وقالت اليهود يد الله مغلولة فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده ، وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه ؛ لأنه شبه الله تعالى بنفسه .الثالثة : روى الأئمة واللفظ عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : احتج آدم وموسى فقال موسى : يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ، فقال آدم : يا موسى اصطفاك الله - عز وجل - بكلامه وخط لك بيده يا موسى : أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى ثلاثا قال المهلب قوله : فحج آدم موسى أي غلبه بالحجة .
قال [ ص: 168 ] الليث بن سعد إنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى عليهما السلام من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه ، فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له ، ولذلك قال آدم : أنت موسى الذي أتاك الله التوراة ، وفيها علم كل شيء ، فوجدت فيها أن الله قد قدر علي المعصية ، وقدر علي التوبة منها ، وأسقط بذلك اللوم عني أفتلومني أنت والله لا يلومني ، وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له : إن عثمان فر يوم أحد ؛ فقال ابن عمر : ما على عثمان ذنب لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله : ولقد عفا الله عنهم وقد قيل : إن آدم - عليه السلام - أب وليس تعييره من بره أن لو كان مما يعير به غيره ؛ فإن الله تبارك وتعالى يقول في الأبوين الكافرين : وصاحبهما في الدنيا معروفا ولهذا إن إبراهيم - عليه السلام - لما قال له أبوه وهو كافر : لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك فكيف بأب هو نبي قد اجتباه ربه وتاب عليه وهدى .الرابعة : وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة ؛ فإن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم ، فيقول تلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت وقد قدر الله علي ذلك ؛ والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه ، ولوم المسيء على إساءته ، وتعديد ذنوبه عليه .الخامسة : قوله تعالى : فغوى أي ففسد عليه عيشه ، حكاه النقاش واختاره القشيري .
وسمعت شيخنا الأستاذ المقرئ أبا جعفر القرطبي يقول فغوى ففسد عيشه بنزوله إلى الدنيا ، والغي الفساد ؛ وهو تأويل حسن وهو أولى من تأويل من يقول : فغوى معناه ضل ؛ من الغي الذي هو ضد الرشد .
وقيل معناه جهل موضع رشده ؛ أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها ؛ والغي الجهل .
وعن بعضهم فغوى فبشم من كثرة الأكل ؛ الزمخشري وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا ؛ فيقول في فني وبقي فنى وبقى وهم بنو طيئ تفسير خبيث .السادسة : قال القشيري أبو نصر قال قوم يقال : عصى آدم وغوى ولا يقال له عاص ولا غاو ، كما أن من خاط مرة يقال له : خاط ولا يقال له خياط ما لم يتكرر منه الخياطة .
وقيل : [ ص: 169 ] يجوز للسيد أن يطلق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن يطلقه ، وهذا تكلف ؛ وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإما أن تكون صغائر ، أو ترك الأولى ، أو قبل النبوة .قلت : هذا حسن .
قال الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى : كان هذا من آدم قبل النبوة ، ودليل ذلك قوله تعالى : ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
تفسير الآيتين 120 و121 :ـولكنه نهاه عن أكل شجرة معينة فقال: { وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } فلم يزل الشيطان يسول لهما، ويزين أكل الشجرة، ويقول: { هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ } أي: الشجرة التي من أكل منها خلد في الجنة.
{ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى } أي: لا ينقطع إذا أكلت منها، فأتاه بصورة ناصح، وتلطف له في الكلام، فاغتر به آدم، وأكلا من الشجرة فسقط في أيديهما، وسقطت كسوتهما، واتضحت معصيتهما، وبدا لكل منهما سوأة الآخر، بعد أن كانا مستورين، وجعلا يخصفان على أنفسهما من ورق أشجار الجنة ليستترا بذلك، وأصابهما من الخجل ما الله به عليم.
( فأكلا ) يعني آدم وحواء عليهما السلام ، ( منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه ) بأكل الشجرة ، ( فغوى ) يعني فعل ما لم يكن له فعله .
وقيل : أخطأ طريق الجنة وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله ، فخاب ولم ينل مراده .
قال ابن الأعرابي : أي فسد عليه عيشه ، وصار من العز إلى الذل ، ومن الراحة إلى التعب .
قال ابن قتيبة : يجوز أن يقال عصى آدم ، ولا يجوز أن يقال : آدم عاص ; لأنه إنما يقال عاص لمن اعتاد فعل المعصية ، كالرجل يخيط ثوبه يقال : خاط ثوبه ، ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك ويعتاده .
حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي ، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن المزني ، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ببغداد ، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن طاوس سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احتج آدم وموسى : فقال موسى : يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ، فقال آدم : يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده ، أفتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟
فحج آدم موسى " .
ورواه عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة وزاد : " قال آدم يا موسى بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟
قال موسى : بأربعين عاما ، قال آدم : فهل وجدت فيها : وعصى آدم ربه فغوى؟
قال : نعم ، قال : أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فحج آدم موسى " .
«فأكلا» أي آدم وحواء «منها فبدت لهما سوآتهما» أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودُبره وسمي كل منهما سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه «وطفقا يخصفان» أخذا يلزقان «عليهما من ورق الجنة» ليستترا به «وعصى آدم ربه فغوى» بالأكل من الشجرة.
فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهاهما الله عنها، فانكشفت لهما عوراتهما، وكانت مستورةً عن أعينهما، فأخذا ينزعان من ورق أشجار الجنة ويلصقانه عليهما؛ ليسترا ما انكشف من عوراتهما، وخالف آدم أمر ربه، فغوى بالأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الاقتراب منها.
( فَأَكَلاَ مِنْهَا )أى : فأكل آدم وزوجه من الشجرة التى نهاه ربه عن الأكل منها .( فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ) أى : عوراتهما ، وسميت العورة سوءة ، لأن انكشافها يسوء صاحبها وبحزنه ، ويجعل الناس تنفر منه .( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة .
.
) أى : وشرعا وأخذا يلزقان على أجسادهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما .وكثير من المفسرين يقولون : إن ورق الجنة الذى أخذ آدم وحواء فى لزقه على أجسادهما هو ورق شجر التين لكبر حجمه .وقد أخذ العلماء من ذلك وجوب ستر العورة ، لأن قوله - تعالى - : ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ) يدل على قبح انكشافها ، وأنه يجب بذل أقصى الجهد فى سترها .وقوله ( وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى ) أى : وخالف آدم أمر ربه فى اجتناب الأكل من الشجرة ( فغوى ) أى : فأخطأ طريق الصواب ، بسبب عدم طاعته ربه .قالوا : ولكن آدم فى عصيانه لربه كان متأولا ، لأنه اعتقد أن النهى عن شجرة معينة لا عن النوع كله ، وقالوا : وتسمية ذلك عصيانا لعلو منصبه ، وقد قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين .كما قالوا : إن الأسباب التى حملت آدم على الأكل من الشجرة ، أن إبليس أقسم له بالله إنه له ناصح ، فصدقه آدم - عليه السلام - لاعتقاده أنه لا يمكن لأحد أن يقسم بالله كاذبا ، والمؤمن غر كريم ، والفاجر خب لئيم كما جاء فى الحديث الشريف .
اعلم أن هذا هي المرة السادسة من قصة آدم عليه السلام في القرآن: أولها في سورة البقرة ثم في الأعراف ثم في الحجر ثم في الإسراء ثم في الكهف، ثم هاهنا.
واعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً: أحدها: أنه تعالى لما قال: ﴿ كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ ثم إنه عظم أمر القرآن وبالغ فيه ذكر هذه القصة انجازاً للوعد في قوله: ﴿ كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ .
وثانيها: أنه لما قال: ﴿ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنه قال: إن طاعة بني آدم للشيطان وتركهم التحفظ من وساوسه أمر قديم فإنا قد عهدنا إلى آدم من قبل أي من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد وبالغنا في تنبيهه حيث قلنا: ﴿ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ﴾ ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد فأمر البشر في ترك التحفظ من الشيطان أمر قديم.
وثالثها: أنه لما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾ ذكر بعده قصة آدم عليه السلام فإنه بعدما عهد الله إليه وبالغ في تجديد العهد وتحذيره من العدو نسي، فقد دل ذلك على ضعف القوة البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوفقه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان.
ورابعها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ دل على أنه كان في الجد في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط وصف آدم بالتفريط في ذلك فإنه تساهل في ذلك ولم يتحفظ حتى نسي فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط ليعلم أن البشر لا ينفك عن نوع زلة.
وخامسها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ ﴾ ضاق قلبه وقال في نفسه: لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي وإلا لما نهيت عنه فقيل له: إن كنت فعلت ما نهيت عنه فإنما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي للتساهل وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره، أما قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ من قَبْلُ ﴾ فلا شك أن المراد بالعهد أمر من الله تعالى أو نهي منه كما يقال في أوامر الملوك ووصاياهم أشار الملك إليه وعهد إليه.
قال المفسرون: عهدنا إليه أن لا يأكل من الشجرة ولا يقربها، وفي قوله تعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ وجوه: أحدها: من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن.
وثانيها: قال ابن عباس: من قبل أن يأكل من الشجرة عهدنا إليه أن لا يأكل منها.
وثالثها: أي من قبل محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو قول الحسن، أما قوله: ﴿ فَنَسِىَ ﴾ فقد تكلمنا فيه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة، ونعيد هاهنا منه شيئاً قليلاً، وفي النسيان قولان: أحدهما: المراد ما هو نقيض الذكر، وإنما عوتب على ترك التحفظ والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، وكان الحسن رحمه الله يقول: والله ما عصى قط إلا بنسيان.
والثاني: أن المراد بالنسيان الترك وأنه ترك ما عهد إليه من الاحتراز عن الشجرة وأكل من ثمرتها، وقرئ: فنسي أي فنساه الشيطان، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يقال: أقدم على المعصية من غير تأويل وأن يقال: أقدم عليها مع التأويل، والكلام فيه قد تقدم في سورة البقرة، وأما قوله: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: الوجود يجوز أن يكون بمعنى العلم ومنه ولم نجد له عزماً وأن يكون نقيض العدم كأنه قال: وعدمنا له عزماً.
البحث الثاني: العزم هو التصميم والتصلب، ثم قوله: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ يحتمل ولم نجد له عزماً على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب، ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد له عزماً على ترك المعصية أو لم نجد له عزماً على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو لم نجد له عزماً على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه عليه السلام إنما أخطأ بالاجتهاد.
وأما قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى ﴾ فهذا يشتمل على مسائل: إحداها: أن المأمورين كل الملائكة أو بعضهم.
وثانيتها: أنه ما معنى السجود.
وثالثتها: أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا؟
وإن لم يكن فكيف صح الاستثناء وبأي شيء صار مأموراً بالسجود؟
ورابعتها: أن هذا يدل على أن آدم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟
وخامستها: أن قوله في صفة إبليس أنه أبى كيف لزم الكفر من ذلك الإباء وأنه هل كان كافراً ابتداء أو كفر بسبب ذلك.
واعلم أن هذه المسائل مرت على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة، أما قوله: ﴿ فَقُلْنَا يائادم إِن هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى ﴾ ففيه سؤالات: الأول: ما سبب تلك العداوة؟
الجواب من وجوه: أحدها: أن إبليس كان حسوداً فلما رآى آثار نعم الله تعالى في حق آدم عليه السلام حسده فصار عدواً له.
وثانيها: أن آدم كان شاباً عالماً لقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ ، وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله وذلك جهل، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدواً للشاب العالم.
وثالثها: أن إبليس مخلوق من النار وآدم مخلوق من الماء والتراب فبين أصليهما عداوة فبقيت تلك العداوة.
السؤال الثاني: لم قال: ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة ﴾ مع أن المخرج لهما من الجنة هو الله تعالى.
الجواب: لما كان بوسوسته هو الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح ذلك.
السؤال الثالث: لم أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حواء مع اشتراكهما في الفعل.
الجواب من وجهين: أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم كما أن في ضمن سعادته سعادتهم فاختص الكلام بإسناده إليه دونها مع المحافظة على رعاية الفاصلة.
الثاني: أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة، وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه أما قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ وإنك بالفتح والكسر ووجه الفتح العطف على أن لا تجوع فيها، فإن قيل: أن لا تدخل على أن فلا يقال أن أن زيداً منطلق والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها؟
قلنا: الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن أن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كان لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع أن وأن.
المسألة الثانية: الشبع والري والكسوة والإكتنان في الظل هي الأقطاب التي يدور عليها أمر الإنسان.
فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء له في الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب وذكرها بلفظ النفي لأضدادها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحى ليطرق سمعه شيئاً من أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يبالغ في الاحتراز عن السبب الذي يوقعه فيها، وهذه الأشياء كلها كأنها تفسير الشقاء المذكور في قوله: ﴿ فتشقى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
(طفق يفعل كذا) مثل: جعل يفعل، وأخذ، وأنشأ.
وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً، وبينها وبينه مسافة قصيرة هي للشروع في أوّل الأمر.
وكاد لمشارفته والدنوّ منه.
قرئ ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ للتكثير والتكرير، من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر وهو ورق التين.
وقيل كان مدوراً فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما.
وقيل كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع، عن ابن عباس: لا شبهة في أنّ آدم لم يمتثل ما رسم الله له، وتخطى فيه ساحة الطاعة، وذلك هو العصيان.
ولما عصى خرج فعله من أن يكون فعلاً رشداً وخيراً، فكان غيا لا محالة؛ لأنّ الغي خلاف الرشد، ولكن قوله: ﴿ وعصى ءادَمُ رَبَّهُ فغوى ﴾ بهذا الإطلاق وبهذا التصريح، وحيث لم يقل: وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك، مما يعبر به عن الزلات والفرطات: فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلطة وبهذا اللفظ الشنيع، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيآت والصغائر، فضلاً أن تجسروا على التورّط في الكبائر.
وعن بعضهم (فغوى) فبشم من كثرة الأكل، وهذا- وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً فيقول في (فني، وبقي): (فنا، وبقا) وهم بنوطي- تفسير خبيث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ .
﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى ﴾ فَإنَّهُ بَيانٌ وتَذْكِيرٌ لِما لَهُ في الجَنَّةِ مِن أسْبابِ الكِفايَةِ وأقْطابِ الكَفافِ الَّتِي هي الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والسَّكَنُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ اكْتِسابِها والسَّعْيِ في تَحْصِيلِ أغْراضِ ما عَسى يَنْقَطِعُ ويَزُولُ مِنها بِذِكْرِ نَقائِضِها، لِيُطْرِقَ سَمْعَهُ بِأصْنافِ الشَّقْوَةِ المُحَذَّرِ عَنْها، والعاطِفُ وإنْ نابَ عَنْ أنَّ لَكِنَّهُ نابَ مِن حَيْثُ إنَّهُ عامِلٌ لا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَرْفُ تَحْقِيقٍ فَلا يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ عَلى أنَّ امْتِناعَ دُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ ( وإنَّكَ لا تَظْمَأُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والباقُونَ بِفَتْحِها.
<div class="verse-tafsir"
{فَأَكَلاَ} أي آدم وحواء {مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سوآتهما} عورتهما {وطفقا} قفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وهو ككاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً إلا أنه للشروع فى أول الآمر وكاد للدنومه {يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي يلزمان الورق بسوأتهما للتستر وهو الورق التين {وعصى آدم رَبَّهُ فغوى} ضل عن الرأي وعن ابن عيسى خاب والحاصل أن العصيان وقوع الفعل على خلاف الأمر والنهي وقد يكون عمداً فيكون دينا وقد لا يكون عمدا فيكون ذله ولم وصف فعله بالعصيان خرج فعله من أن يكون رشدا فكان غيالان لعى خلاف الرشد وفى التصريح بقوله وعصر أدم ربه فغوى والعدول عن قوله وذل آدم مزجرة بليغة وموعظة كافة للمكلفين كأنه قيل لهم انظروا أو اعتبروا كيف نعيت على النبي
المعصوم حبيب الله زلته بهذه الغلطه فلانها ونوا بما يفرط منكم من الصغائر فضلاً عن الكبائر
﴿ فَأكَلا ﴾ أيْ هو وزَوْجَتُهُ ﴿ مِنها ﴾ أيْ: مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي سَمّاها اللَّعِينُ شَجَرَةَ الخُلْدِ ﴿ فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: عَرِيا عَنِ النُّورِ الَّذِي كانَ اللَّهُ تَعالى ألْبَسَهُما حَتّى بَدَتْ فُرُوجُهُما، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ كانَ لِباسُهُما الظُّفُرُ فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما وتُرِكَتْ هَذِهِ البَقايا في أطْرافِ الأصابِعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لِلْأكْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرى ﴿ وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
﴿ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ ﴾ بِما ذُكِرَ مِن أكْلِ الشَّجَرَةِ ﴿ فَغَوى ﴾ ضَلَّ عَنْ مَطْلُوبِهِ الَّذِي هو الخُلُودُ أوْ عَنِ المَطْلُوبِ مِنهُ وهو تَرْكُ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ أوْ عَنِ الرُّشْدِ حَيْثُ اغْتَرَّ بِقَوْلِ العَدُوِّ، وقِيلَ: غَوى أيْ فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ.
ومِنهُ يُقالُ: الغِواءُ لِسُوءِ الرِّضاعِ.
وقُرِئَ ( فَغَوِيَ ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الياءِ أيْ فَبَشِمَ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ مِن غَوِيَ الفَصِيلُ إذا اتَّخَمَ مِنَ اللَّبَنِ وبِهِ فُسِّرَتِ القِراءَةُ الأُخْرى، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَقالَ وهَذا وإنْ صَحَّ عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها ألِفًا فَيَقُولُ في فَنِيَ وبَقِيَ فَنا وبَقا بِالألِفِ وهم بَنُو طَيِّءٍ تَفْسِيرٌ خَبِيثٌ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِنَ الكَبائِرِ وهو المَفْهُومُ مِن كَلامِ الإمامِ فَإنْ كانَ صُدُورُهُ بَعْدَ البَعْثَةِ تَعَمُّدًا مِن غَيْرِ نِسْيانٍ ولا تَأْوِيلٍ أشْكَلَ عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ والأئِمَّةُ المُتْقِنُونَ مِن وُجُوبِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ البَعْثَةِ عَنْ صُدُورٍ مِثْلِ ذَلِكَ مِنهم عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، ولا يَكادُ يَقُولُ بِذَلِكَ إلّا الأزارِقَةُ مِنَ الخَوارِجِ فَإنَّهم عَلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَ جَوَّزُوا الكُفْرَ عَلَيْهِمْ وحاشاهم فَما دُونَهُ أوْلى بِالتَّجْوِيزِ، وإنْ كانَ صُدُورُهُ قَبْلَ البَعْثَةِ كَما قالَ بِهِ جَمْعٌ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ مَذْهَبُنا فَإنْ كانَ تَعَمُّدًا أشْكَلَ عَلى قَوْلِ أكْثَرِ المُعْتَزِلَةِ والشِّيعَةِ بِعِصْمَتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ تَعَمُّدًا قَبْلَ البَعْثَةِ أيْضًا.
نَعَمْ لا إشْكالَ فِيهِ عَلى ما قالَهُ القاضِي أبُو بَكْرٍ مِن أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا ولا سَمْعًا أنْ يَصْدُرَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ مَعْصِيَةٌ مُطْلَقًا بَلْ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا إرْسالُ مَن أسْلَمَ بَعْدَ كُفْرِهِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ أكْثَرُ الأصْحابِ وكَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وإنْ كانَ سَهْوًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ بِناءً عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ فِيهِ أشْكَلَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الشِّيعَةِ مِن مَنعِ صُدُورِ الكَبِيرَةِ سَهْوًا قَبْلَ البَعْثَةِ أيْضًا، ولا إشْكالَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ القاضِي أبِي بَكْرٍ، وإنْ كانَ بَعْدَ البَعْثَةِ سَهْوًا أشْكَلَ أيْضًا عِنْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، فَقَدْ قالَ عَضُدُ المِلَّةِ في المَواقِفِ إنَّ الأكْثَرِينَ جَوَّزُوا صُدُورَ الكَبِيرَةِ يَعْنِي ما عَدا الكُفْرَ والكَذِبَ فِيما دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلى صِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ سَهْوًا وعَلى سَبِيلِ الخَطَأِ مِنهم، وقالَ العَلّامَةُ الشَّرِيفُ المُخْتارُ خِلافَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ ما وقَعَ صَغِيرَةٌ والأمْرُ عَلَيْهِ هَيِّنٌ فَإنَّ الصَّغائِرَ الغَيْرَ المُشْعِرَةِ بِالخِسَّةِ يَجُوزُ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ العَقائِدِ صُدُورُها مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَمْدًا بَعْدَ البِعْثَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلافًا لِلْجُبّائِيِّ وأتْباعِهِ ويَجُوزُ صُدُورُها سَهْوًا بِالِاتِّفاقِ لَكِنِ المُحَقِّقُونَ اشْتَرَطُوا أنْ يُنَبَّهُوا عَلى ذَلِكَ فَيَنْتَهُوا عَنْهُ.
نَعَمْ ذُكِرَ في شَرْحِ المَقاصِدِ عِصْمَتُهم عَنْ صُدُورِ ذَلِكَ عَمْدًا.
والأحْوَطُ نَظَرًا إلى مَقامِ آدَمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ يُقالَ: إنَّ صُدُورَ ما ذُكِرَ مِنهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وكانَ سَهْوًا أوْ عَنْ تَأْوِيلٍ إلّا أنَّهُ عَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِ وعَظُمَ لَدَيْهِ نَظَرًا إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ ومَزِيدِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وإحْسانِهِ وقَدْ شاعَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى اسْتِعْظامِ ذَلِكَ مِنهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ المَغْرِبِيِّ قالَ: تَفَكَّرَ إبْراهِيمُ في شَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقالَ: يا رَبِّ خَلَقْتَهُ بِيَدِكَ ونَفَخْتَ فِيهِ مِن رُوحِكَ وأسْجَدْتَ لَهُ مَلائِكَتِكَ ثُمَّ بِذَنْبٍ واحِدٍ مَلَأْتَ أفْواهَ النّاسِ مِن ذِكْرِ مَعْصِيَتِهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا إبْراهِيمُ أما عَلِمْتَ أنَّ مُخالَفَةَ الحَبِيبِ عَلى الحَبِيبِ شَدِيدَةٌ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في اسْتِعْظامِ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ المَلامُ زَجْرًا بَلِيغًا لِأوْلادِهِ عَنْ أمْثالِهِ، وعَلى العِلّاتِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ العِصْيانُ اليَوْمَ وأنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ تالِيًا لِما تَضَمَّنَ ذَلِكَ أوْ راوِيًا لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وأمّا أنْ يَكُونَ مُبْتَدِئًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فَلا، وقَدْ صَرَّحَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ بِعَدَمِ جَوازِ نِسْبَةِ العِصْيانِ لِلْآباءِ الأدْنِينَ إلَيْنا المُماثِلِينَ لَنا فَكَيْفَ يَجُوزُ نِسْبَتُهُ لِلْأنْبِياءِ الأقْدامِ والنَّبِيُّ المُقَدَّمُ الأكْرَمُ، وارْتَضى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ وادَّعى أنَّ ابْتِداءَ الأخْبارِ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى المُتَشابِهَةِ كاليَدِ والإصْبَعِ والنُّزُولِ أوْلى بِالمَنعِ وعَدَمِ الجَوازِ، ثُمَّ إنَّ ما وقَعَ كانَ في الحَقِيقَةِ بِمَحْضِ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، وإلّا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ والحَسَنِ أنَّ عَقْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ عَقْلِ جَمِيعِ ولَدِهِ وعَداوَةُ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ الظُّهُورِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ عَقْلٌ ولا يُغْنِي شَيْءٌ في جَنْبِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، يعني: هكذا أنزلنا عليك جبريل، ليقرأ عليك القرآن على لغة العرب وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ يعني: بينّا في القرآن من أخبار الأمم الماضية وما أصابهم بذنوبهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لكي يتقوا الشرك أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً، يعني: يحدث الوعيد بهذا القرآن أو هذا القرآن لهم اعتباراً فيذكر به عذاب الله للأمم فيعتبروا، وهذا قول مقاتل، ويقال: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً أي يحدّد الوعيد بذكر القرآن العذاب فيزجرهم عن المعاصي، ويقال: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً، أي شرفاً، والذكر: الشرف.
ثم قال عز وجل: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، يعني: ارتفع وتعظم عن الشريك والولد الْمَلِكُ الْحَقُّ أهل الربوبية.
ويقال: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، يعني: ارتفع وتعظم من أن يزيد في سيئات أحد وينقص من حسناته الْمَلِكُ الْحَقُّ الذي يعدل بين الخلق.
ثم قال: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وذلك أن جبريل كان إذا قرأ القرآن على رسول الله ، كان يتعجل النبيّ بقراءته قبل أن يتمّ جبريل تلاوته مخافة أن لا يحفظ، فنزل: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أن يفرغ جبريل قراءته، فيكون في الآية تعليم حفظ الأدب، وهو الاستماع إلى من يتعلم منه، وهذا مثل قوله: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: 16] روى جرير بن حازم عن الحسن: أن رجلاً لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبيّ بينهما القصاص قبل أن ينزل القرآن (١) ثم قال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً، يعني: زدني علماً بالقرآن، معناه: زدني فهماً في معناه.
(١) عزاه السيوطي: 5/ 602 إلى الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
<div class="verse-tafsir"
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ بحسب توقع البشر، وترجيهم يَتَّقُونَ اللهَ، ويخشَوْنِ عَقَابه فيؤمِنُون ويتذكَّرونَ نِعَمه عندهم، وما حذَّرهم من ألِيم عقابه هذا تأويل فرقة في قوله: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً.
وقالت فرقةٌ: معناه أَوْ يُكْسِبُهُمْ شَرَفاً، ويبقى عليهم إيمانهم ذكراً صالحاً في الغابرين.
وقوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ...
الآية، قالت فرقة: سببها: أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يخاف وقْتَ تكليمِ جِبْريلَ له أنْ ينسى أول القرآن، فكان يقرأُ قبل أن يستتم جبريلُ عليه السلام الوحْيَ فنزلت في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
[القيامة: ١٦] .
وقيل غير هذا.
وقوله عز وجل: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ...
الآية، العهدُ هنا بمعنى الوصِيّة، والشيءُ الّذي عهد إلى آدم عليه السلام هو أَلاَّ يقرَبَ الشجرة.
ت: قال عِياضٌ: وأما قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] أي:
جهل، فإنّ الله تعالى أخبر بعذره بقوله: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قيل: نسي، ولم ينو المخالفة فلذلك قال تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً، أيْ:
قصداً للمخالفة.
ت: وقيل: غير هذا مما لا أرى ذكره هنا، ولِلَّه دَرُّ ابن العَربيّ حيثُ قال «١» :
يجبُ تنْزِيه الأنْبياء- عليهم الصلاة والسلام- عما نَسَبَ إليهم الجهالُ.
ولكن البَارِي سبحانه بحُكْمه النافذ، وقَضَائِه السابق أسلم آدم إلى الأكل من الشجرة متعمِّداً للأكل، ناسِياً للعهد، فقال في تعمده: وَعَصى آدَمُ وقال في بيان عُذْرهُ: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ فَمُتَعَلِّق العهد غيرُ متعلِّق النسيان، وجاز للمولى أن يقول في عبده لحقه: عصى تَثْرِيباً،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ.
والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿ فَيَذَرُها ﴾ ؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿ قاعًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ.
والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَشَعَتِ الأصْواتُ ﴾ ؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ ؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾ ؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) .
وَفِي هاءِ ﴿ بِهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها.
والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿ الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ ﴾ : " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿ فَلا يَخافُ ﴾ ؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظُلْمًا ولا هَضْمًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ.
وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ ﴾ ؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ ؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ﴾ ؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿ أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ.
﴿ ذِكْرًا ﴾ ؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ ؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿ المَلِكُ ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ »، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: فَهْمًا.
والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ ﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى ﴾ ﴿ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى ﴾ ﴿ فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ﴾ المَعْنى: إنَّ لَكَ يا آدَمُ نِعْمَةً تامَّةً وعَطِيَّةً مُسْتَمِرَّةً ألّا يُصِيبَكَ جُوعٌ ولا عُرْيٌ ولا ظَمَأٌ ولا بُرُوزٌ لِلشَّمْسِ يُؤْذِيكَ، وهو الضُحى، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَإنَّكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "وَأنَّكَ" بِفَتْحِ الألِفِ، وَجَعَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الجُوعَ مَعَ العُرْيِ، والظَمَأ مَعَ الضُحى، وكانَ عُرْفُ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الجُوعُ مَعَ الظَمَإ لِلتَّناسُبِ، والعُرْيُ مَعَ الضُحى لِأنَّها لا تَتَضادُّ، والعُرْيُ يَمَسُّ بِسَبَبِهِ البَرْدُ فَيُؤْذِي، والحَرُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالضاحِي، وهَذِهِ الطَرِيقَةُ مَهِيعٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تُفَرِّقَ النَسَبَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: أنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ ∗∗∗ لَمْ أسَبَإ الزِقَّ الرَوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ وذَهَبَ بَعْضُ الأُدَباءِ إلى أنَّ بَيْتَيِ امْرِئِ القَيْسِ فِيهِما مُحافَظَةٌ لِلنَّسَبِ، وأنَّ رُكُوبَ الخَيْلِ لِلصَّيْدِ وغَيْرِهِ مِنَ اللَذّاتِ يُناسِبُ تُبْطِنَ الكاعِبِ.
ومِنَ الضُحى قَوْلُ الشاعِرِ: أتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَمْسُ عارَضَتْ ∗∗∗ فَيُضْحِي وأمّا بِالعَشِيِّ فَيُخْصِرُ و"وَسْوَسَةُ الشَيْطانِ" قالُوا: كانَتْ دُونَ مُشافَهَةٍ إلْقاءً في النَفْسِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بِالمُشافَهَةِ والمُخاطَبَةِ، وهو ظاهِرُ القِصَّةِ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وكانَ دُخُولُهُ إلى الجَنَّةِ فِيما رُوِيَ - في فَمِ الحَيَّةِ، وكانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ قالَ اللهُ لَهُ: لا تَأْكُلْ مِن هَذِهِ الشَجَرَةِ، وعَيَّنَ لَهُ شَجَرَةً قَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في جِنْسِها، فَلَمّا وصَفَها لَهُ إبْلِيسُ أنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ الَّتِي مَن أكَلَها كانَ مَلَكًا مُخَلَّدًا، عَمَدَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى غَيْرِ تِلْكَ الَّتِي نُهِيَ عنها مِن جِنْسِها فَأكَلَها بِتَأْوِيلِ أنَّ النَهْيَ كانَ عَلى النَدْبِ لا عَلى التَحْرِيمِ، وسارَعَتْ إلى ذَلِكَ حَوّاءُ وكانَتْ مَعَهُ في النَهْيِ، فَلَمّا رَآها آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ أكَلَتْ أكَلَ، فَطارَتْ عنهُما ثِيابُها، وظَهَرَ تَبَرُّءُ الأشْياءِ مِنهُما، وبَدَتْ سَوْءاتُهُما.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَطَفِقا يَخْصِفانِ ﴾ مَعْناهُ: جَعَلا يَفْعَلانِ ذَلِكَ دائِمًا، و"يَخْصِفانِ" مَعْناهُ: يُلَفِّقانِ ويَضُمّانِ شَيْئًا إلى شَيْءٍ، فَكانا يَسْتَتِرانِ بِالوَرَقِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِن ورَقِ التِينِ.
ثُمْ نَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى آدَمَ أنَّهُ عَصى، و"غَوى" مَعْناهُ: ضَلَّ، مِنَ الغَيِّ الَّذِي هو ضِدُّ الرُشْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ الناسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ" بِفَتْحِ الألِفِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "ألّا تَجُوعَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَ إنَّكَ لا تَظْمَأُ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّ لَكَ".
<div class="verse-tafsir"
قوله ﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ تقدم مثله في الأعراف.
والفاء لتعقيب مضمون جملتها على مضمون التي قبلها، وهو تعقيب نسبي بما يناسب مدّة تقلب في خلالها بخيرات الجنة حتى حسده الشيطان واشتد حسده.
وتعدية فعل (وسوس) هنا بحرف (إلى) وباللام في سورة الأعراف (20) ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ باعتبار كيفية تعليق المجرور بذلك الفعل في قصد المتكلّم، فإنه فعل قاصر لا غنى له عن التعدية بالحرف، فتعديته بحرف (إلى) هنا باعتبار انتهاء الوسوسة إلى آدم وبلوغها إياه، وتعديته باللاّم في الأعراف باعتبار أن الوسوسة كانت لأجلهما.
وجملة ﴿ قَالَ يَا آدَمِ ﴾ [طه: 117] بيان لجملة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ .
وهذه الآية مثال للجملة المبيّنة لغيرها في علم المعاني.
وهذا القول خاطر ألقاه الشيطان في نفس آدم بطريق الوسوسة وهي الكلام الخفي؛ إما بألفاظ نطق بها الشيطان سراً لآدم لئلا يطّلع عليه الملائكة فيحذروا آدم من كيد الشيطان، فيكونُ إطلاق القول عليه حقيقة؛ وإما بمجرد توجه أراده الشيطان كما يوسوس للناس في الدنيا، فيكون إطلاق القول عليه مجازاً باعتبار المشابهة.
و ﴿ هَلْ أدُلُّكَ ﴾ استفهام مستعمل في العَرض، وهو أنسب المعاني المجازية للاستفهام لقربه من حقيقته.
والافتتاح بالنداء ليتوجه إليه.
والشجرة هي التي نهاه الله عن الأكل منها دون جميع شجر الجنّة، ولم يُذكر النهي عنها هنا وذكر في قصة سورة البقرة.
وهذا العرض متقدم على الإغراء بالأكل منها المحكي في قوله تعالى في سورة الأعراف (20) ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾ ، ولم يدله الشيطان على شجرة الخلد بل كذبه ودله على شجرة أخرى بآية أن آدم لم يخلّد، فحصل لآدم توهم أنه إذا أكل من الشجرة التي دله عليها الشيطان أن يخلد في الحياة.
والدلالة: الإرشاد إلى شيء مطلوب غير ظاهر لطالبه، والدلالة على الشجرة لقصد الأكل من ثمرتها.
وسماها هنا شجرة الخلد } بالإجمال للتشويق إلى تعيينها حتى يُقبِل عليها، ثم عيّنها له عقب ذلك بما أنبأ به قوله تعالى: ﴿ فأكلا منها ﴾ [طه: 121].
وقد أفصح هذا عن استقرار محبّة الحياة في جبلة البشر.
والمُلك: التحرر من حكم الغير، وهو يوهم آدم أنه يصير هو المالك للجنة المتصرّف فيها غير مأمور لآمر.
واستعمل البِلى مجازاً في الانتهاء، لأنّ الثوب إذا بلي فقد انتهى لبسه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حَذَرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: شَرَفًا لِإيمانِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: ذِكْرًا يَعْتَبِرُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ ﴾ الآيَةِ.
فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يُقْضى، أيْ يَأْتِيكَ وحْيُهُ.
الثّانِي: لا تُلْقِهِ إلى النّاسِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ بَيانُ تَأْوِيلِهِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن إبْلاغِهِ، لِأنَّهُ كانَ يَعْجَلُ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن إبْلاغِهِ خَوْفَ نِسْيانِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: زِدْنِي أدَبًا في دِينِكَ؛ لِأنَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ دِينِهِ لِنَفْسِهِ أوْ لِأُمَّتِهِ لا يَجُوزُ أنْ يُؤَخِّرَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ حَتّى يَلْتَمِسَهُ مِنهُ.
الثّانِي: زِدْنِي صَبْرًا عَلى طاعَتِكَ وجِهادِ أعْدائِكَ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ يَسْهُلُ بِوُجُودِ العِلْمِ.
الثّالِثُ: زِدْنِي عِلْمًا بِقَصَصِ أنْبِيائِكَ ومَنازِلِ أوْلِيائِكَ.
الرّابِعُ: زِدْنِي عِلْمًا بِحالِ أُمَّتِي وما تَكُونُ عَلَيْهِ مِن بَعْدِي.
وَوَجَدْتُ لِلْكَلْبِيِّ جَوابًا.
الخامِسُ: مَعْناهُ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ لِأنَّهُ كُلَّما ازْدادَ مِن نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ ازْدادَ عِلْمًا بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الصغير، وابن منده في التوحيد، والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سمي الإنسان: لأنه عهد إليه فنسي.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر، عن أبي أمامة الباهلي قال: لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فوضعت في كفة وحلم آدم في كفة، لرجح حلمه بأحلامهم.
ثم قال الله: ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال: حفظاً.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن قال: كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده.
قال الله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ .
وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم ﴾ قال: أن لا يقرب الشجرة.
وأخرج ابن جرير وابن منده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال: حفظاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فنسي ﴾ قال: فترك ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ يقول: لم نجعل له عزماً.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تَسؤْكُم ﴾ [ المائدة: 101] قال: كان رجال من المهاجرين في أنسابهم شيء، فقالوا يوماً، والله لوددنا أن الله أنزل قرآناً في نسبنا.
فأنزل الله ما قرأت، ثم قال لي: إن صاحبكم هذا- يعني علي بن أبي طالب- إن ولِّي زهد، ولكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به.
قلت: يا أمير المؤمنين، إن صاحبنا من قد علمت...
والله ما نقول أنه غيَّر ولا غدَل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام صحبته، فقال: ولا في بنت أبي جهل.
وهو يريد أن يخطبها على فاطمة، قلت: قال الله في معصية آدم عليه السلام ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ وصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الخواطر التي لم يقدر على دفعها عن نفسه.
وربما كانت من الفقيه في دين الله العالم بأمر الله، فإذا نبه عليها رجع وأناب.
فقال: يا ابن عباس، منْ ظَنّ أنه يرد بحوركم فيغوص فيها حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزاً.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لم يذكر الرجل ولم ينس؟
فقال: إن على القلب طخاة كطخاة القمر، فإذا تغشت القلب نسي ابن آدم ما كان يذكر، فإذا انجلت ذكر ما نسي.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لا تأكلوا بشمائلكم ولا تشربوا بشمائلكم، فإن آدم أكل بشماله فنسي فأورث ذلك النسيان.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال: حفظا لما أمر به.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال: صبراً.
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال: لو وزن حلم آدم بحلم العالمين لوزنه.
أخرج ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال: لم يكن آدم من أولي العزم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فنسي ﴾ قال: ترك ما قدم إليه ولو كان منه نسيان ما كان عليه شيء؛ لأن الله قد وضع عن المؤمنين النسيان والخطأ، ولكن آدم ترك ما قدم إليه من أكل الشجرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ ﴾ قال الكلبي: (بأكله من الشجرة) (١) (٢) (٣) وقال ابن الأعرابي: (الغي: الفساد) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ أي: فسد عليه عيشه، وقال ابن قتيبة: (الغي ضد الرشد، كما أن المعصية ضد الطاعة) (٥) وقد أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها باستزلال إبليس وخداعه إياه بالله والقسم إنه لمن الناصحين (٦) (٧) (١) ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 223 بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "تفسيره" 2/ 357.
(٢) "جامع البيان" 16/ 224، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "معالم التنزيل" 5/ 229.
(٣) "بحر العلوم" 2/ 357، "عالم التنزيل" 5/ 223.
(٤) "معالم التنزيل" 5/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 257، "تهذيب اللغة" (غوى) 8/ 218، وذكره الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 535، وقال: وهذا خلاف الظاهر.
(٥) قال القرطبي في "تفسيره" 11/ 257: (فغوى) فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا، والغي الفساد، وهو تأويل حسن، وهو أولى من تأويل من يقول (غوى) معناه ضل، من الغي الذي هو ضد الرشد.
(٦) ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الأعراف الآية رقم (21): ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ .
(٧) قال أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1261: "لا يجوز لأحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، أو قول نبيه، فأما أن يتبدئ ذلك من قبل نفسه فليس بجائز في آبائنا الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي المقدم، الذي عذره الله -عز وجل- وتاب عليه وغفر له).
وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 255، "التفسير الكبير" 22/ 128، "أضواء البيان" 4/ 538.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ ذكر في [الأعراف: 21] وكذلك الشجرة وأكل آدم منها ذكر ذلك في [البقرة: 35].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تخف دركاً ﴾ بالجزم: حمزة الباقون ﴿ لا تخاف ﴾ بالرفع ﴿ أنجيتكم ﴾ و ﴿ واعدتكم ﴾ و ﴿ رزقكم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ ووعدناكم ﴾ من الوعد.
أبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ فيحل ﴾ ﴿ ومن يحلل ﴾ بالضم فيهما: عليّ.
الآخرون بالكسر ﴿ يملكنا ﴾ بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص.
الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ﴿ تتبعني ﴾ بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء.
الباقون بحذفها.
﴿ يا ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
﴿ لم تبصروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ﴿ فنبذتها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ﴿ لن تخلفه ﴾ بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الآخرون بفتحها ﴿ لنحرقنه ﴾ بفتح النون وضم الراء: يزيد.
الآخرون من التحريق.
﴿ فلا يخف ﴾ بالجزم على النهي: ابن كثير ﴿ أن نقضي ﴾ النون مبنياً للفاعل ﴿ وحيه ﴾ بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد ﴿ وحيه ﴾ بالرفع.
الوقوف: ﴿ يبسا ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا تخاف ﴾ يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً.
ومن قرأ ﴿ لا تخف ﴾ فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ﴿ ولا تخشى ﴾ ه ﴿ ما غشيهم ﴾ ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال.
﴿ وما هدى ﴾ ه ﴿ والسلوى ﴾ ه ﴿ غضبي ﴾ ج ﴿ هوى ﴾ ه ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لترضى ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ موعدي ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه لا ﴿ فنسي ﴾ ه ط ﴿ قولاً ﴾ لا للعطف ﴿ ولا نفعاً ﴾ ه ط ﴿ فتنتم به ﴾ ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ﴿ أمري ﴾ ج ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ أن لا تتبعن ﴾ ط ﴿ أمري ﴾ ه ﴿ برأسي ﴾ ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ﴿ قولي ﴾ ه ﴿ يا سامري ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ه ﴿ لا مساس ﴾ ص ﴿ لن تخلفه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عاكفاً ﴾ ط للقسم المحذوف ﴿ نسفاً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ سبق ﴾ ج للإستئناف والحال ﴿ ذكرا ﴾ ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ﴿ وزراً ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يحمل ﴾ وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ حملاً ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم القيامة.
﴿ زرقاً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف ﴿ عشراً ﴾ ه ﴿ يوماً ﴾ ه ﴿ نسفاً ﴾ ه لا ﴿ صفصفاً ﴾ ه لا ﴿ أمتا ﴾ ه ﴿ لا عوج له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ همساً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ ظلماً ﴾ ه ﴿ هضماً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج ﴿ وحيه ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ﴿ علماً ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى ﴿ فاضرب لهم طريقاً ﴾ إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً ﴿ في البحر ﴾ بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق.
واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها.
والدرك.
والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.
وفي ﴿ لا تخشى ﴾ إذا قرىء ﴿ لا تخف ﴾ أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ وأن يكون كقول الشاعر: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً *** أراد لم تر لأن ما قبله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" ﴿ فغشيهم ﴾ أي علاهم ورهقهم ﴿ من اليم ما غشيهم ﴾ وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار.
ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته.
وقوله ﴿ وما هدى ﴾ تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ﴾ ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم.
﴿ كلوا ﴾ من تتمة القول.
وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب.
ومن قرأ ﴿ فيحل ﴾ بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات.
ومعنى ﴿ هوى ﴾ هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل.
وقيل: هوى أي وقع في الهاوية.
سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟
وأيضاً ما معنى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟
الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً.
وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان.
والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: لكل إلى شأو العلى حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات ونظير هذا العطف قوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ وقد مر البحث فيه.
ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله تقدمه قائلاً ﴿ وما أعجلك عن قومك ﴾ أيّ شيء عجل بك عنهم؟
فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ ولم يكن جميع قومه على أثره.
قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة.
وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك ﴾ يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً.
يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة.
ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ﴿ إنا قد فتنا قومك ﴾ ؟
وأجيب بأنه على عادة الله في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه.
ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فرجع موسى ﴾ قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة.
وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.
وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم.
وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر.
قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله لأنه يناقض قوله ﴿ وأضلهم السامري ﴾ وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية.
وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.
وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله .
قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله .
ثم عاتب موسى قومه بأمور منها: قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول.
والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور.
وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ إلى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل.
ومنها قوله ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل.
وقيل: أراد عهدهم بنعم الله من الإنجاء وغيره.
والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ﴾ فجاء بعد الأربعين لقوله ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ﴿ أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ﴾ قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض.
احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله لا تنزل في شيء من الأجسام.
وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور.
وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.
والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل.
وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة.
ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف".
وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي.
وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك.
وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ﴿ فقذفناها ﴾ أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه.
وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قد مر في "الأعراف" ﴿ فقالوا ﴾ أي السامري ومن تبعه ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿ أفلا يرون أن لا يرجع ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل.
وقرىء بالنصب على أنها الناصبة.
قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟
فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي.
فقال: اللهم أعطه ما سألك.
فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار.
وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري.
ثم إنه أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال.
أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن.
ثم دعاهم إلى الحق بقوله ﴿ وإن ربكم الرحمن ﴾ ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم.
ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ﴿ فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن.
واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة.
روى النعمان بن بشير عن النبي " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويروى أن رسول الله بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه.
فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً.
فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق.
قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف.
وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ﴾ وهكذا علي امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا.
وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب.
ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر.
ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ﴾ كقوله ﴿ ما منعك ألا تسجد ﴾ في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟.
وقد مر في "الأعراف".
وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم.
وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره.
قال الأصوليون: في قوله ﴿ أفعصيت أمري ﴾ دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ﴾ فيعلم منه أن الأمر للوجوب.
واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى هل أمر هارون باتباعه أم لا؟
وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟
فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً.
وأيضاً قوله ﴿ أفعصيت ﴾ بمعنى الإنكار.
فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً.
وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى.
وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.
قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت ﴾ قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله .
ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبهقال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه.
فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟
فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه ﴿ قال ﴾ أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة.
يعني العلم.
وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي .
والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف.
عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة.
ومتى رآه؟
الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون.
وعن علي أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه.
فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.
ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه.
عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل.
فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس.
فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.
وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب.
وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق.
فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟
ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً.
وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها.
فعلى قول العامة يكون قوله: ﴿ وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً.
وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.
ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة.
يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ.
وفي قوله: ﴿ لامساس ﴾ وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس.
ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته.
قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري.
اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس.
وإنما يقال له ذلك.
وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس.
والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها.
وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً.
ثم بين مآل حال إلهه فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ﴿ لنحرقنه ﴾ من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم.
قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف.
والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه.
ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين.
ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: ﴿ إنما إلهكم ﴾ أي المستحق للعباد والتعظيم ﴿ الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ﴾ قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده.
وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ﴿ نقص عليك من ﴾ سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك.
ثم عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ﴿ خالدين فيه ﴾ أي في ذلك الوزر أو في احتماله ﴿ وساء ﴾ فيه ضمير مبهم يفسره ﴿ حملاً ﴾ والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم.
واللام في ﴿ لهم ﴾ للبيان كما في ﴿ هيت لك ﴾ ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر.
وانتصب ﴿ حملاً ﴾ على التمييز و ﴿ لهم ﴾ حال من ﴿ حملاً ﴾ ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر.
قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وإنه يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات.
وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو.
يقال: صورة وصور كدرة ودرر.
والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ﴿ ونحشر المجرمين ﴾ عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر.
وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة.
وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين".
وقال الكلبي: ﴿ رزقاً ﴾ أي عمياً.
قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ ولقوله: ﴿ اقرأ كتابك ﴾ ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق.
وقيل ﴿ زرقاً ﴾ أي عطاشا لقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون ﴿ بينهم ﴾ من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام.
فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد.
وإنما قال: ﴿ عشراً ﴾ لأن المراد عشر ليال.
وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم.
وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم.
وقيل: المراد لبثهم في القبور.
قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟
فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟
فنزلت.
ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب.
والنسف القلع.
وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.
وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً.
والضمير في ﴿ فيذرها ﴾ للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ والقاع المستوي من الأرض.
وقيل: المكان المطمئن.
وقيل: مستنقع الماء.
والصفصف الأرض الملساء المستوية.
وقيل: التي لا نبات فيها.
والأمت النتوّ اليسير.
وقيل: التلال الصغار.
قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي.
وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي!
وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك.
ثم إنه وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ﴿ يتبعون الداعي ﴾ قيل: هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لا عوج له ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.
وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف.
﴿ وخضعت الأصوات للرحمن ﴾ خفضت من شدة الفزع ﴿ فلا تسمع ﴾ أيها السامع ﴿ إلا همساً ﴾ وهو الصوت الخفي.
وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.
وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر.
قوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ﴿ ورضي له ﴾ أي لأجله ﴿ قولاً ﴾ .
قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً.
فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع.
وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني.
قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول.
وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة.
قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟
والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ فلم يعتبر إلا أحد القيدين.
ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ .
الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿ ولا يحيطون ﴾ بمعلومه ﴿ علماً ﴾ .
وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي.
وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية.
ثم ذكر غاية قدرته فقال: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى.
عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً.
وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: ﴿ سيئت وجوه الذي كفروا ﴾ ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: ﴿ وقد خاب ﴾ وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر.
ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد.
من قرأ ﴿ فلا يخاف ﴾ بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: ﴿ فينتقم الله منه ﴾ ومن قرأ ﴿ فلا يخف ﴾ فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن.
من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم.
قال جار الله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نقص ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي.
﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ﴿ لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ﴾ حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة.
قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية.
ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً.
والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية.
وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي.
وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع.
ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم.
ومعنى الحق قد مر في البسملة.
قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته.
قال أبو مسلم: إن قوله: ﴿ ويسئلونك عن الجبال ﴾ إلى ههنا كلام تام.
وقوله: ﴿ ولا تعجل ﴾ خطاب مستأنف.
وقال آخرون: إنه كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي.
وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد.
قال: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ﴿ من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به ﴾ قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء.
وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان.
وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية.
أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك.
وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله عن القصاص.
وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر.
وقوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: ﴿ وقل رب زدني علماً ﴾ لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال.
والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه.
قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم.
ومن فضائل العلم أن النبي ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين.
التأويل: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى ﴾ القلب ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية.
﴿ فاضرب لهم ﴾ بعصا الذكر ﴿ طريقاً يبساً ﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" ﴿ ونزلنا عليكم ﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني.
فإن الحالات لا تصلح للمقاولات.
﴿ وإني لغفار لمن ﴾ رجع عن الطغيان ﴿ وآمن ﴾ بالربوبية ﴿ وعمل صالحاً ﴾ في مقام العبودية ﴿ ثم اهتدى ﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال.
﴿ وعجلت إليك ﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله.
﴿ قد فتنّا قومك من بعدك ﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ.
﴿ بملكنا ﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته.
﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿ با ابن أم ﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب.
﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة.
قوله: ﴿ لامساس ﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿ زرقا ﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟
وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة.
﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب.
﴿ يتبعون الداعي ﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وعلى الله السمتعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ .
أي: كما ذكرنا: أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما، كذلك أنزلناه في القرآن العربي.
﴿ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .
حرف (لعل) في جميع ما ذكر في القرآن يحتمل وجهين: أحدهما: على الوعد أنهم يتقون فهو على الإيجاب.
والثاني: لعلهم يتقون، أي: ألزمهم أن يتقوا بما صرف من الوعيد.
وإن كان على الوعد والإيجاب منه فهو لمن علم أنهم يتقون.
وإن كان على الإلزام - أي: ألزمهم - فهو في الكل.
ثم إن كان على الوعد فيخرج قوله: ﴿ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ ، فيكون كقوله: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ إذا تذكر خشي، وإذا خشي تذكر؛ فعلى ذلك إذا اتقى فقد أحدث له الذكر، وإذا أحدث له الذكر اتقى، وإن كان ألزمهم أن يتقوا فهو على أو ثم.
ثم قال: بعضهم: ﴿ ذِكْراً ﴾ ، أي: عذاباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
مثل هذا إنما يذكر على نوازل كانت إما قولا أو فعلا، يقال: فتعالى الله عن ذلك، لكن لم يذكر النوازل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ .
يحتمل ما قاله أهل التأويل أن جبريل كان إذا أتاه بالسورة وبالآي فيتلوها عليه، فلا يفرغ جبريل من التلاوة حتى يتكلم رسول الله بأولها؛ مخافة أن ينساها؛ فأنزل الله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ ﴾ فتقرأه من قبل أن يفرغ من تلاوته عليك، وقد أمنه عن النسيان بقوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ...
﴾ الآية [الأعلى: 6]، وكذلك: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ الآية [القيامة: 16]، ثم أمره عز وجل أن يسأله أن يزيد له علما.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ .
أي: لا تعجل بما ذكر من الوعيد لهم في القرآن من قبل أن يأتي وقته؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ جائز ما قال أهل التأويل: إنه كان يتلو مع تلاوة جبريل، فقال له: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ ، إن ثبت عنه أنه كان يتلو مع تلاوة جبريل.
وجائز النهي من غير أن كان منه ما ذكر - والله أعلم - على ما نهى عن أشياء من غير أن كان منه ذلك.
<div class="verse-tafsir"
فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نُهِيا عن الأكل منها، فظهرت لهما عوراتهما بعد أن كانت مستورة، وشرَعا ينزعان من أوراق شجر الجنة، ويستران بها عوراتهما، وخالف آدم أمر ربه إذ لم يمتثل أمره باجتناب الأكل من الشجرة، فتعدّى إلى ما لا يجوز له.
<div class="verse-tafsir" id="91.Wdqav"