تفسير الآية ١٣ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٣ من سورة طه

وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٣ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وأنا اخترتك ) كقوله ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) [ الأعراف : 144 ] أي : على جميع الناس من الموجودين في زمانه .

و قد قيل : إن الله تعالى قال : يا موسى ، أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس ؟

قال : لا .

قال : لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك .

وقوله : ( فاستمع لما يوحى ) أي : اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القرّاء الذين قرءوا " وأنَّا " بتشديد النون، و (أنا) بفتح الألف من " أنا " ردّا على: نودي يا موسى، كأن معنى الكلام عندهم: نودي يا موسى إني أنا ربك، وأنا اخترتك، وبهذه القراءة قرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة.

وأما عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة فقرءوه: (وأنا اخْتَرْتُكَ) بتخفيف النون على وجه الخبر من الله عن نفسه أنه اختاره.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما قرّاء أهل العلم بالقرآن، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وتأويل الكلام: نودي أنَّا اخترناك.

فاجتبيناك لرسالتنا إلى من نرسلك إليه ( فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ) يقول: فاستمع لوحينا الذي نوحيه إليك وعه، واعمل به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأنا اخترتك أي اصطفيتك للرسالة .

وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي ( وأنا اخترتك ) .

وقرأ حمزة ( وأنا اخترناك ) .

والمعنى واحد إلا أن وأنا اخترتك هاهنا أولى من جهتين : إحداهما أنها أشبه بالخط ، والثانية أنها أولى بنسق الكلام ؛ لقوله - عز وجل - : يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك وعلى هذا النسق جرت المخاطبة ؛ قاله النحاس .قوله تعالى : فاستمع لما يوحى فيه مسألة واحدة : قال ابن عطية : وحدثني أبي - رحمه الله - قال : سمعت أبا الفضل الجوهري رحمه الله تعالى يقول : لما قيل لموسى صلوات الله وسلامه عليه : فاستمع لما يوحى وقف على حجر ، واستند إلى حجر ، ووضع يمينه على شماله ، وألقى ذقنه على صدره ، ووقف يستمع ، وكان كل لباسه صوفا .قلت : حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه فقال : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وذم على خلاف هذا الوصف فقال : نحن أعلم بما يستمعون به الآية .

فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل ، وأمر عباده بذلك أدبا لهم ، فقال : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون وقال هاهنا : فاستمع لما يوحى لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى .

روي عن وهب بن منبه أنه قال : من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر ، والإصغاء بالسمع ، وحضور العقل ، والعزم على العمل ، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى ؛ وهو أن يكف العبد جوارحه ، ولا يشغلها .

فيشتغل قلبه عما يسمع ، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى ، ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه ، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم .

وقال سفيان بن عيينة أول العلم الاستماع ، ثم الفهم ، ثم الحفظ ، ثم العمل ، ثم النشر ؛ فإذا استمع العبد [ ص: 97 ] إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب ، وجعل له في قلبه نورا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ } أي: تخيرتك واصطفيتك من الناس، وهذه أكبر نعمة ومنة أنعم الله بها عليه، تقتضي من الشكر ما يليق بها، ولهذا قال: { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } أي: ألق سمعك للذي أوحي إليك، فإنه حقيق بذلك، لأنه أصل الدين ومبدأه، وعماد الدعوة الإسلامية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأنا اخترتك ) اصطفيتك برسالاتي ، قرأ حمزة : " وأنا " مشددة النون ، " اخترناك " على التعظيم .

( فاستمع لما يوحى ) إليك :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأنا اخترتك» من قومك «فاستمع لما يُوحى» إليك مني.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإني اخترتك يا موسى لرسالتي، فاستمع لما يوحى إليك مني.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَأَنَا اخترتك ) أى : اصطفيتك من بين أفراد قومك لحمل رسالتى ، وتبليغ دعوتى ( فاستمع لِمَا يوحى ) إليك منى ، ونفذ ما آمرك به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عظم حال القرآن وحال الرسول فيما كلفه اتبع ذلك بما يقوي قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام تقوية لقلبه في الإبلاغ كقوله: ﴿ وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء الرسل مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ وبدأ بموسى عليه السلام لأن المحنة والفتنة الحاصلة له كانت أعظم ليسلي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويصبره على تحمل المكاره فقال: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا أول ما أخبر به من أمر موسى عليه السلام فقال: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ ﴾ أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له، وهذا قول الكلبي.

ويحتمل أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال: أليس قد أتاك، وهذا قول مقاتل والضحاك عن ابن عباس.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ ﴾ وإن كان على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز على الله تعالى لكن المقصود منه تقرير الجواب في قلبه، وهذه الصيغة أبلغ في ذلك كما يقول المرء لصاحبه هل بلغك خبر كذا؟

فيتطلع السامع إلى معرفة ما يرمى إليه، ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قبل النبي عليه السلام لا من قبل الله تعالى.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ إِذْ رَأَى نَاراً ﴾ أي هل أتاك حديثه حين رأى ناراً قال المفسرون: استأذن موسى عليه السلام شعيباً في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد حاد عن الطريق فقدح موسى عليه السلام النار فلم تور المقدحة شيئاً، فبينا هو مزاولة ذلك إذ نظر ناراً من بعيد عن يسار الطريق.

قال السدي: ظن أنها نار من نيران الرعاة وقال آخرون: إنه عليه السلام رآها في شجرة وليس في لفظ القرآن ما يدل على ذلك، واختلفوا فقال بعضهم الذي رآه لم يكن ناراً بل تخيله ناراً والصحيح أنه رأى ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء، قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر لقوله تعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر نَاراً  ﴾ ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة، ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار موسى عليه السلام وقيل أيضاً النار على أربعة أقسام: أحدها: نار لها نور بلا حرقة وهي نار موسى عليه السلام.

وثانيها: حرقة بلا نور وهي نار جهنم.

وثالثها: الحرقة والنور وهي نار الدنيا.

ورابعها: لا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار، فلما أبصر النار توجه نحوها ﴿ فقال لأهله امكثوا ﴾ .

فيجوز أن يكون الخطاب للمرأة وولدها والخادم الذي معها ويجوز أن يكون للمرأة وحدها ولكن خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على الجمع، وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم: ﴿ إِنّى آنَسْتُ نَاراً ﴾ أي أبصرت، والإيناس الإبصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين فإنه يبين به الشيء والإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم وقيل هو أيضاً ما يؤنس به ولما وجد منه الإيناس وكان منتفياً حقيقة لهم أتى بكلمة إني لتوطين أنفسهم ولما كان الإيناس بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين بني الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال: ﴿ لعلي آتيكم ﴾ ولم يقطع فيقول إني آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به.

والنكتة فيه أن قوماً قالوا: كذب إبراهيم للمصلحة وهو محال لأن موسى عليه السلام قبل نبوته احترز عن الكذب فلم يقل آتيكم ولكن قال لعلي آتيكم ولم يقطع فيقول إني آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى ﴾ والهدى ما يهتدى به وهو اسم مصدر فكأنه قال أجد على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة، ومعنى الاستعلاء على النار أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها ﴿ فَلَمَّا أتاها ﴾ أي أتى النار قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء فوقف متعجباً من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار فسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً، قال وهب: فظن موسى عليه السلام أنها نار أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء.

وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي يا موسى قال القاضي الذي يروى من أن الزند ما كان يورى فهذا جائز وأما الذي يروى من أن النار كانت تتأخر عنه فإن كانت النبوة قد تقدمت له جاز ذلك وإلا فهو ممتنع إلا أن يكون معجزة لغيره من الأنبياء عليهم السلام وفي قوله: ﴿ وَأَنَا اخترتك فاستمع لِمَا يوحى  ﴾ دلالة على أن في هذه الحالة أوحى الله إليه وجعله نبياً، وعلى هذا الوجه يبعد ما ذكروه من تأخر النار عنه وبين فساد ذلك قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ ياموسى ﴾ وإن كانت تتأخر عنه حالاً بعد حال لما صح ذلك ولما بقي لفاء التعقيب فائدة قلنا: القاضي إنما بنى هذا الاعتراض على مذهبه في أن الإرهاص غير جائز وذلك عندنا باطل فبطل قوله وأما التمسك بفاء التعقيب فقريب لأن تخلل الزمان القليل فيما بين المجيء والنداء لا يقدح في فاء التعقيب.

المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو وابن كثير (أنى) بالفتح أي نودي بأني أنا ربك والباقون بالكسر أي نودي فقيل: يا موسى أو لأن النداء ضرب من القول فعومل معاملته.

المسألة الخامسة: قال الأشعري إن الله تعالى أسمعه الكلام القديم الذي ليس بحرف ولا صوت، وأما المعتزلة فإنهم أنكروا وجود ذلك الكلام فقالوا: إنه سبحانه خلق ذلك النداء في جسم من الأجسام كالشجرة أو غيرها لأن النداء كلام الله تعالى والله قادر عليه ومتى شاء فعله، وأما أهل السنة من أهل ما وراء النهر فقد أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى عليه السلام صوت خلقه الله تعالى في الشجرة واحتجوا بالآية على أن المسموع هو الصوت المحدث قالوا: إنه تعالى رتب النداء على أنه أتى النار والمرتب على المحدث محدث فالنداء محدث.

المسألة السادسة: اختلفوا في أن موسى عليه السلام كيف عرف أن المنادي هو الله تعالى فقال أصحابنا: يجوز أن يخلق الله تعالى له علماً ضرورياً بذلك ويجوز أن يعرفه بالمعجزة، قالت المعتزلة: أما العلم الضروري فغير جائز لأنه لو حصل العلم الضروري بكون هذا النداء كلام الله تعالى لحصل العلم الضروري بوجود الصانع العالم القادر لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات تكون معلومة بالاستدلال ولو كان وجود الصانع تعالى معلوماً له بالضرورة لخرج موسى عن كونه مكلفاً لأن حصول العلم الضروري ينافي التكليف، وبالإتفاق لم يخرج موسى عن التكليف فعلمنا أن الله تعالى عرفه ذلك بالمعجز ثم اختلفوا في ذلك المعجز على وجوه: أولها: منهم من قال نعلم قطعاً أن الله تعالى عرفه ذلك بواسطة المعجز ولا حاجة بنا إلى أن نعرف ذلك المعجز ما هو.

وثانيها: يروى أن موسى عليه السلام لما شاهد النور الساطع من الشجرة إلى السماء وسمع تسبيح الملائكة وضع يديه على عينيه فنودي يا موسى؟

فقال: لبيك إني أسمع صوتك ولا أراك فأين أنت؟

قال: أنا معك وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب إليك منك.

ثم إن إبليس أخطر بباله هذا الشك وقال: ما يدريك أنك تسمع كلام الله؟

فقال: لأني أسمعه من فوقي ومن تحتي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي كما أسمعه من قدامي، فعلمت أنه ليس بكلام المخلوقين.

ومعنى إطلاقه هذه الجهات أنى أسمعه بجميع أجزائي وأبعاضي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذناً.

وثالثها: لعله سمع النداء من جماد كالحصى وغيرها فيكون ذلك معجزاً.

ورابعها: أنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث أن تلك الخضرة ما كانت تطفئ تلك النار وتلك النار ما كانت تضر تلك الخضرة، وهذا لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه.

المسألة السابعة: قالوا: إن تكرير الضمير في ﴿ إِنِّى أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ كان لتوليد الدلالة وإزالة الشبهة.

المسألة الثامنة: ذكروا في قوله: ﴿ فاخلع نَعْلَيْكَ ﴾ وجوهاً: أحدها: كانتا من جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس ولذلك قال عقيبه: ﴿ إِنَّكَ بالوادي المقدس طوى ﴾ وهذا قول علي عليه السلام وقول مقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي.

والثاني: إنما أمر بخلعهما لينال قدميه بركة الوادي وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد.

وثالثها: أن يحمل ذلك على تعظيم البقعة من أن يطأها إلا حافياً ليكون معظماً لها وخاضعاً عند سماع كلام ربه، والدليل عليه أنه تعالى قال عقيبه: ﴿ إِنَّكَ بالوادي المقدس طوى ﴾ وهذا يفيد التعليل فكأنه قال تعالى: اخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس طوى.

وأما أهل الإشارة فقد ذكروا فيها وجوهاً: أحدها: أن النعل في النوم يفسر بالزوجة والولد فقوله: ﴿ فاخلع نَعْلَيْكَ ﴾ إشارة إلى أن لا يلفت خاطره إلى الزوجة والولد وأن لا يبقى مشغول القلب بأمرهما.

وثانيها: المراد بخلع النعلين ترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة كأنه أمره بأن يصير مستغرق القلب بالكلية في معرفة الله تعالى ولا يلتفت بخاطره إلى ما سوى الله تعالى والمراد من الوادي المقدس قدس جلال الله تعالى وطهارة عزته يعني أنك لما وصلت إلى بحر المعرفة فلا تلتفت إلى المخلوقات.

وثالثها: أن الإنسان حال الاستدلال على الصانع لا يمكنه أن يتوصل إليه إلا بمقدمتين مثل أن يقول العالم المحسوس محدث أو ممكن وكل ما كان كذلك فله مدبر ومؤثر وصانع وهاتان المقدمتان تشبهان النعلين لأن بهما يتوصل العقل إلى المقصود ويتنقل من النظر في الخلق إلى معرفة الخالق ثم بعد الوصول إلى معرفة الخالق وجب أن لا يبقى ملتفتاً إلى تينك المقدمتين لأن بقدر الاشتغال بالغير يبقى محروماً عن الاستغراق فيه فكأنه قيل له لا تكن مشتغل القلب والخاطر بتينك المقدمتين فإنك وصلت إلى الوادي المقدس الذي هو بحر معرفة الله تعالى ولجة ألوهيته.

المسألة التاسعة: استدلت المعتزلة بقوله: ﴿ فاخلع نَعْلَيْكَ ﴾ على أن كلام الله تعالى ليس بقديم إذ لو كان قديماً لكان الله قائلاً قبل وجود موسى اخلع نعليك يا موسى ومعلوم أن ذلك سفه فإن الرجل في الدار الخالية إذا قال: يا زيد افعل ويا عمرو لا تفعل مع أن زيداً وعمراً لا يكونان حاضرين بعد ذلك جنوناً وسفهاً فكيف يليق ذلك بالإله سبحانه وتعالى وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: الأول: أن كلامه تعالى وإن كان قديماً إلا أنه في الأزل لم يكن أمراً ولا نهياً.

والثاني: أنه كان أمراً بمعنى أنه وجد في الأزل شيء لما استمر إلى ما لا يزال صار الشخص به مأموراً من غير وقوع التغير في ذلك الشيء كما أن القدرة تقتضي صحة الفعل ثم إنها كانت موجودة في الأزل من غير هذه الصحة فلما استمرت إلى ما لا يزال حصلت الصحة كذا هاهنا وهذا الكلام فيه غموض وبحث دقيق.

المسألة العاشرة: ليس في الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل والصحيح عدم الكراهة وذلك لأنا إن عللنا الأمر بخلع النعلين بتعظيم الوادي وتعظيم كلام الله كان الأمر مقصوراً على تلك الصورة، وإن عللناه بأن النعلين كانا من جلد حمار ميت فجائز أن يكون قد كان محظوراً لبس جلد الحمار الميت وإن كان مدبوغاً فإن كان كذلك فهو منسوخ بقوله عليه السلام: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: «ما لكم خلعتم نعالكم» قالوا: خلعت فخلعنا قال: «فإن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً» فلم يكره النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في النعل وأنكر على الخالعين خلعهما وأخبرهم بأنه إنما خلعهما لما فيهما من القذر.

المسألة الحادية عشر: قرئ طوى بالضم والكسر منصرفاً وغير منصرف فمن نونه فهو اسم الوادي ومن لم ينونه ترك صرفه لأنه معدول عن طاوي فهو مثل عمر المعدول عن عامر ويجوز أن يكون اسماً للبقعة.

المسألة الثانية عشرة: في طوى وجوه: الأول: أنه اسم للوادي وهو قول عكرمة وابن زيد.

والثاني: معناه مرتين نحو مثنى أي قدس الوادي مرتين أو نودي موسى عليه السلام نداءين يقال ناديته طوى أي مثنى.

والثالث: طوى أي طياً قال ابن عباس رضي الله عنهما إنه مر بذلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالوادي المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه ومن ذهب إلى هذا قال طوى مصدر خرج عن لفظه كأنه قال: طويته طوى كما يقال هدى يهدي هدي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قفاه بقصة موسى عليه السلام ليتأسى به في تحمل أعباء النبوّة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، حتى ينال عند الله الفوز والمقام المحمود.

يجوز أن ينتصب ﴿ إِذْ ﴾ ظرفاً للحديث، لأنه حدث أو لمضمر، أي: حين ﴿ رَءَا نَاراً ﴾ كان كيت وكيت.

أو مفعولاً ل (ذكر) استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه وخرج بأهله، فولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وقد ضلّ الطريق وتفرّقت ماشيته ولاماء عنده، وقدح فصلد زنده فرأى النار عند ذلك.

قيل: كانت ليلة جمعة ﴿ امكثوا اْ ﴾ أقيموا في مكانكم.

الإيناس: الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء، والإنس: لظهورهم، كما قيل الجنّ لاستتارهم وقيل: هو إبصار ما يؤنس به.

لما وجد منه الإيناس فكان مقطوعاً متيقناً، حققه لهم بكلمة (إن) ليوطن أنفسهم، ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين، بني الأمر فيهما على الرجاء والطمع وقال ﴿ لعلى ﴾ ولم يقطع فيقول: إني ﴿ ءَاتِيكُمْ ﴾ لئلا يعد ما ليس بمستيقن الوفاء به.

القبس: النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما.

ومنه قيل: المقبسة، لما يقتبس فيه من سعفة أو نحوها ﴿ هُدًى ﴾ أي قوماً يهدونني الطريق أو ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، عن مجاهد وقتادة؛ وذلك لأنّ أفكار الأبرار مغمورة بالهمة الدينية في جميع أحوالهم لا يشغلهم عنها شاغل.

والمعنى: ذوي هدى.

وإذا وجد الهداة فقدوجد الهدى.

ومعنى الاستعلاء في ﴿ عَلَى النار ﴾ أنّ أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في مررت بزيد: انه لصوق بمكان يقرب من زيد.

أو لأنّ المصطلين بها والمستمتعين بها إذا تكنفوها قياماً وقعوداً كانوا مشرفين عليها، ومنه قول الأعشى: وَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى وَالْمُحَلَّقُ <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ أيِ النّارُ وجَدَ نارًا بَيْضاءَ تَتَّقِدُ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ.

﴿ نُودِيَ يا مُوسى ﴾ .

﴿ إنِّي أنا رَبُّكَ ﴾ فَتَحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو أيْ بِأنِّي وكَسَرَهُ الباقُونَ بِإضْمارِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ النِّداءِ مَجْراهُ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلتَّوْكِيدِ والتَّحْقِيقِ.

قِيلَ إنَّهُ لَمّا نُودِيَ قالَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ قالَ: إنِّي أنا اللَّهُ، فَوَسْوَسَ إلَيْهِ إبْلِيسُ لَعَلَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ شَيْطانٍ فَقالَ: أنا عَرَفْتُ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ بِأنِّي أسْمَعُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ وبِجَمِيعِ الأعْضاءِ.

وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَلَقّى مِن رَبِّهِ كَلامَهُ تَلَقِّيًا رُوحانِيًّا، ثُمَّ تَمَثَّلَ ذَلِكَ الكَلامُ لِبَدَنِهِ وانْتَقَلَ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فانْتَقَشَ بِهِ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِعُضْوٍ وجِهَةٍ.

﴿ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ أمْرَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ الحَفْوَةَ تَواضُعٌ وأدَبٌ ولِذَلِكَ طافَ السَّلَفُ حافِينَ.

وقِيلَ لِنَجاسَةِ نَعْلَيْهِ فَإنَّهُما كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ.

وقِيلَ مَعْناهُ فَرِّغَ قَلْبَكَ مِنَ الأهْلِ والمالِ.

﴿ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِاحْتِرامِ البُقْعَةِ والمُقَدَّسُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ.

﴿ طُوًى ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْوادِي ونَوَّنَهُ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ بِتَأْوِيلِ المَكانِ.

وقِيلَ هو كَثَنْيٍ مِنَ الطَّيِّ مَصْدَرٌ لِـ ﴿ نُودِيَ ﴾ أوِ ﴿ المُقَدَّسِ ﴾ أيْ: نُودِيَ نِداءَيْنِ أوْ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَنَا اخترتك} اصطفيتك للنبوة وإنا اخترناك حمزة {فاستمع لِمَا يُوحَى} إليك للذي يوحى أو للوحي واللام يتعلق باستمع أبو باخترتك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنا اخْتَرْتُكَ ﴾ أيِ اصْطَفَيْتُكَ مِنَ النّاسِ أوْ مِن قَوْمِكَ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ هُرْمُزَ والأعْمَشُ في رِوايَةِ ( وإنّا ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ مَعَ ألِفٍ بَعْدَها ( اخْتَرْناكَ ) بِالنُّونِ والألِفِ، وكَذا قَرَأ طَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وحَمْزَةُ وخَلَفٌ والأعْمَشُ في رِوايَةٍ أُخْرى إلّا أنَّهم فَتَحُوا هَمْزَةً أنَّ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اعْلَمْ أيْ واعْلَمْ أنّا اخْتَرْناكَ، وهو عَلى ما قِيلَ عَطْفٌ عَلى ( اخْلَعْ )، ويَجُوزُ عِنْدَ مَن قَرَأ ( أنِّي أنا رَبُّكَ ) بِالفَتْحِ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ مُتَعَلِّقًا بِنُودِيَ كَما قِيلَ أوْ مَعْمُولًا لا عَلَمَ مُقَدَّرًا كَما اخْتِيرَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ اللّامِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ أيْ لِأنّا اخْتَرْناكَ (فاسْتَمِعْ) وهو كَما تَرى، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى (فاسْتَمِعْ) لِتَرْتِيبِ الأمْرِ والمَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ الِاسْتِماعِ والأمْرِ بِهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِما يُوحى ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَمَعَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِاخْتَرْناكَ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِن بابِ الأعْمالِ ويَجِبُ أوْ يُخْتارَ حِينَئِذٍ إعادَةُ الضَّمِيرِ مَعَ الثّانِي بِأنْ يُقالَ: فاسْتَمِعْ لَهُ لِما يُوحى.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ جَوازُ تَعَلُّقِها بِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَلى البَدَلِ لا عَلى أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ.

واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ يعني: تعلن بالقول، يعني: بالقرآن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى يعني: ما أسررت في نفسك وَأَخْفى يعني: ما لم تحدث به نفسك، وهذا قول الضحاك، وقال ابن عباس هكذا، وقال عكرمة: السر ما حدث الرجل به أهله، وَأَخْفى ما تكلمت به نفسك، وروى منصور بن عمار عن بعض الصحابة قال: «السر ما أسررت به في نفسك» ، وَأَخْفى «من السر ما لم يطلع عليه أحد أنه كائن» .

ثم قال عز وجل: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: هو الله الخالق الرزاق، لا خالق ولا رازق غيره لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: الصفات العلى.

وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى يعني: خبر موسى  في القرآن.

ثم أخبره فقال إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا يعني: انزلوا مكانكم وقفوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً يعني: أبصرت ناراً، وذلك حين رجع من مدين مع أهله أصابهم البرد، فرأى موسى ناراً من البعد فقال لهم: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني: بشعلة، وهو ما اقتبس من عود أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني: هادياً يدلنا على الطريق.

وكان موسى  ضل الطريق، وكانت ليلة مظلمة فَلَمَّا أَتاها يعني: انتهى إلى النار نُودِيَ يعني: دعي يا مُوسى قال ابن عباس: «لما أتى النار فإذا هي نار بيضاء تستوقد من شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها وهي خضراء، فجعل يتعجب منها» ، وقال في رواية وهب بن منبه: «فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه، فلما طال ذلك أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها، فلما فعل ذلك مالت نحوه كأنها تريده، فاستأخر عنها، ثم عاد فطاف بها، فنودي يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً يعني: المطهر.

قال مقاتل: طُوىً اسم الوادي، وقال مجاهد: يعني: طي الأرض حافياً.

قال عامة المفسرين: إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد حمار ميت، وقال بعضهم: أراد أن يصيب باطن قدميه من الوادي ليتبرك به.

وروي عن كعب الأحبار: «أنه كان جالساً في المسجد، فجاء رجل يصلي فخلع نعليه، ثم جاء آخر يصلي فخلع نعليه، ثم جاء آخر فخلع نعليه، فقال لهم كعب الأحبار: «أنبيكم  أمركم بهذا؟

قالوا لا.

قال: فلم تخلعون نعالكم إذا صليتم؟

قالوا: سمعنا الله تعالى يقول: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً قال: أتدرون من أي شيء كانتا نعليه؟

قالوا: لا.

قال: إنما كانتا من جلد حمار ميت، فأمره الله تعالى أن يخلعهما ليمسه القدس كله» .

وقال عكرمة: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً قال: لكي تمس راحة قدميه الأرض الطيبة.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو إِنِّي أَنَا رَبُّكَ بنصب الألف، يعني: بأني أنا ربك على معنى البناء، وقرأ الباقون في أَنَا رَبُّكَ بالكسر على معنى الابتداء.

وقرأ حمزة لأهله امكثوا بضمّ الهاء الثانية، وقرأ الباقون بكسر الهاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع طُوىً بنصب الواو بغير تنوين، وقرأ الباقون بالتنوين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة طه]

بسم الله الرحمن الرحيم وهي مكيّة قوله سبحانه وتعالى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله سحانه وتعالَى: طه مَآ أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قيل: طه: آسْمٌ من أَسْمَاءِ نَبِيِّنَا محمّدٍ صلى الله عليه وسلّم وقِيلَ: معناه: يا رَجُلُ بالسُّرْيَانِيّة، وقِيلَ: بغيرها مِنْ لُغَاتِ العَجَمِ.

قال البخاريُّ: قال ابن جُبَيْرٍ: طه: يا رجلُ، بالنَّبطِيَّة «١» انتهى.

وقيل «٢» : إنها لغةٌ يَمَانِيةٌ في «عَكَّ» وأَنشد الطبريُّ «٣» في ذلك: [الطويل]

دَعَوْتُ ب «طَه» فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِب ...

فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُوَائِلاَ «٤»

وقال آخرُ: [البسيط]

إنَّ السَّفَاهَةِ «٥» - طه- مِنْ خَلاَئِقِكُم ...

لاَ بَارَكَ اللهُ فِي الْقَوْمِ المَلاَعِينِ «٦»

وقالت فِرْقَةٌ من العُلَمَاءِ: سَبَبُ نزولِ هذه الآية أَن قريشاً لما نظرت إلى عيش النبي صلى الله عليه وسلّم وشَظَفِه وكَثْرة عِبَادَته قالت: إن محمداً مع ربِّه في شقاءٍ، فنزلت الآيةُ رادَّةً عليهم «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي ﴿ طه ﴾ قِراءاتٌ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.

واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى.

والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ.

ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ  ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ.

والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ.

فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) .

وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِتَشْقى ﴾ : لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَذْكِرَةً ﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لِتَشْقى ﴾ ، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و ﴿ العُلا ﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿ الثَّرى ﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ ﴾ ؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ.

وَفِي المُرادِ بِـ ﴿ السِّرَّ وأخْفى ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ.

والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ طه ﴾ ﴿ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى ﴾ ﴿ إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ﴿ تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا ﴾ ﴿ الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى ﴾ ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طه ﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ".

واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا وَيُرْوى: مُزايِلًا.

وقالَ الآخَرُ: إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ  يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ  ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي".

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ  وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿ لِتَشْقى ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً.

و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ تَنْزِيلا ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا ﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ.

و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى.

وقَوْلُهُ: ﴿ الرَحْمَنُ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ".

وقَوْلُهُ: ﴿ اسْتَوى ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَحْتَ الثَرى ﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى.

و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ  ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ.

و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ، و ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي  ﴾ وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ  : «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بني فعل النداء للمجهول زيادة في التشويق إلى استطلاع القصة، فإبهام المنادي يشوّق سامع الآية إلى معرفته فإذا فاجأه ﴿ إنِّي أنا ربُّكَ ﴾ علم أنّ المنادي هو الله تعالى فتمكن في النفس كمال التمكن.

ولأنه أدخل في تصوير تلك الحالة بأنّ موسى ناداه مناد غير معلوم له، فحكي نداؤه بالفعل المبني للمجهول.

وجملة ﴿ إنِّي أنا ربُّكَ ﴾ بيان لجملة ﴿ نُودِيَ ﴾ .

وبهذا النداء علم موسى أنّ الكلام موجّه إليه من قِبَل الله تعالى لأنه كلام غير معتاد والله تعالى لا يغيّر العوائد التي قررها في الأكوان إلاّ لإرادة الإعلام بأنّ له عناية خاصة بالمغيّر، فالله تعالى خلق أصواتاً خَلقاً غير معتاد غير صادرة عن شخص مشاهد، ولا موجهة له بواسطة ملَك يتولى هو تبليغ الكلام لأنّ قوله ﴿ إنِّي أنا ربُّكَ ﴾ ظاهر في أنه لم يبلّغ إليه ذلك بواسطة الملائكة، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ [النساء: 164]، إذ علم موسى أن تلك الأصوات دالة على مراد الله تعالى.

والمرادُ التي تدلّ عليه تلك الأصوات الخارقة للعادة هو ما نسميه بالكلام النفسي.

وليس الكلام النفسي هو الذي سمعه موسى لأن الكلام النفسي صفة قائمة بذات الله تعالى منزّه عن الحروف والأصوات والتعلّق بالأسماع.

والإخبار عن ضمير المتكلم بأنه ربّ المخاطب لتسكين روعة نفسه من خطاب لا يرى مخاطِبه فإن شأن الرب الرفق بالمربوب.

وتأكيد الخبر بحرف (إنّ) لتحقيقه لأجل غرابته دفعاً لتطرق الشك عن موسى في مصدر هذا الكلام.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير «أني» بفتح الهمزة على حذف باء الجر.

والتقدير: نودي بأني أنا ربّك.

والتأكيد حاصل على كلتا القراءتين.

وتفريع الأمر بخلع النعلين على الإعلام بأنه ربّه إشارة إلى أن ذلك المكان قد حلّه التقديس بإيجاد كلام من عند الله فيه.

والخلع: فصل شيء عن شيء كان متّصلاً به.

والنعلان: جلدان غليظان يجعلان تحت الرجل ويشدّان برباط من جلد لوقاية الرِّجل ألم المشي على التّراب والحصى، وكانت النعل تجعل على مثال الرجل.

وإنما أمره الله بخلع نعليه تعظيماً منه لذلك المكان الذي سيسمع فيه الكلام الإلهي.

وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كانت نعلاه من جلد حمارٍ ميّت " أقول: وفيه أيضاً زيادة خشوع.

وقد اقتضى كلا المعنيين قوله تعالى: ﴿ إنَّكَ بالوادِ المُقَدَّسِ ﴾ فحرف التوكيد مفيد هنا التعليل كما هو شأنه في كل مقام لا يقتضي التأكيد.

وهذه خصوصية من جهات فلا يؤخذ منها حكمٌ يقتضي نزع النعل عند الصلاة.

والواد: المَفْرج بين الجبال والتلاللِ.

وأصله بياء في آخره.

وكثر تخفيفه بحذف الياء كما في هذه الآية فإذا ثُني لزمتْه الياء يقال: وادِيان ولا يقال وادَان.

وكذلك إذا أضيف يقال: بوادِيك ولا يقال بوادِك.

والمقدّس: المطهّر المنزّه.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ونُقدس لك ﴾ في أول البقرة (30).

وتقديس الأمكنة يكون بما يحلّ فيها من الأمور المعظمة وهو هنا حلول الكلام الموجه من قِبَل الله تعالى.

واختلف المفسرون في معنى طُوَىً } وهو بضم الطاء وبكسرها، ولم يقرأ في المشهور إلاّ بضم الطاء، فقيل: اسم لذلك المكان، وقيل: هو اسم مصدر مثل هُدى، وصف بالمصدر بمعنى اسم المفعول، أي طواه موسى بالسير في تلك الليلة، كأنه قيل له: إنك بالواد المقدّس الذي طويتَه سَيراً، فيكون المعنى تعيين أنه هو ذلك الواد.

وأحسن منه على هذا الوجه أن يقال هو أمر لموسى بأن يطوي الوادي ويصعَدَ إلى أعلاه لتلقي الوحي.

وقد قيل: إنّ موسى صَعِدَ أعلى الوادي.

وقيل: هو بمعنى المقدس تقديسين، لأن الطي هو جعل الثوب على شقين، ويجيء على هذا الوجه أن تجعل التثنية كناية عن التكرير والتضعيف مثل: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ [الملك: 4].

فالمعنى: المقدّس تقديساً شديداً.

فاسم المصدر مفعول مطلق مبيّن للعدد، أي المقدّس تقديساً مضاعفاً.

والظاهر عندي: أنّ ﴿ طُوىً ﴾ اسم لصنف من الأودية يكون ضيقاً بمنزلة الثوب المطوي أو غائراً كالبئر المطوية، والبئر تسمى طَوِيّاً.

وسمي وادٍ بظاهر مكة (ذا طوى) بتثليث الطاء، وهو مكان يسن للحاج أو المعتمر القادم إلى مكة أن يغتسل عنده.

وقد اختلف في (طوى) هل ينصرف أو يمنع من الصرف بناء على أنه اسم أعجمي أو لأنه معدول عن طاو، مثل عُمر عن عامر.

وقرأ الجمهور {طوى بلا تنوين على منعه من الصرف.

وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف منوّناً، لأنه اسم واد مذكّر.

وقوله وأنَا اخْتَرْتُكَ} أخبر عن اختيار الله تعالى موسى بطريق المسند الفعلي المفيد تقوية الحكم، لأنّ المقام ليس مقام إفادة التخصيص، أي الحصر نحو: أنا سعيت في حاجتك، وهو يعطي الجزيل.

وموجِب التقوّي هو غرابة الخبر ومفاجأته به دفعاً لتطرّق الشك في نفسه.

والاختيار: تكلف طلب ما هو خير.

واستعملت صيغة التكلف في معنى إجادة طلب الخير.

وفُرع على الإخبار باختياره أن أُمِر بالاستماع للوحي لأنه أثر الاختيار إذ لا معنى للاختيار إلاّ اختياره لتلقي ما سيوحي الله.

والمراد: ما يوحى إليه حينئذ من الكلام، وأما ما يوحى إليه في مستقبل الأيام فكونه مأموراً باستماعه معلوم بالأحْرى.

وقرأ حمزة وحده {وأنّا اخترناك بضميري التعظيم.

واللام في لِمَا يُوحَى} للتقوية في تعدية فعل «استمع» إلى مفعوله، فيجوز أن تتعلق باخْتَرْتُكَ، أي اخترتك للوحي فاستمع، معترضاً بين الفعل والمتعلّق به.

ويجوز أن يضمّن استمع معنى أصْغغِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ أيْ قَدْ أتاكَ حالُ مُوسى فِيما اجْتَباهُ رَبُّهُ لِنُبُوَّتِهِ وحَمَّلَهُ مِن رِسالَتِهِ.

واحْتَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِما قَصَّهُ عَلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِما عَرَّفَهُ في غَيْرِهِ.

﴿ إذْ رَأى نارًا ﴾ وكانَتْ عِنْدَ مُوسى نارًا، وعِنْدَ اللَّهِ نُورًا، قالَ مُقاتِلٌ: وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ في الشِّتاءِ.

﴿ فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا ﴾ أيْ أقِيمُوا.

والفَرْقُ بَيْنَ المُكْثِ والإقامَةِ أنَّ الإقامَةَ تَدُومُ والمُكْثَ لا يَدُومُ.

﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَأيْتُ نارًا.

والثّانِي: إنِّي آنَسْتُ بِنارٍ.

﴿ لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ ﴾ أيْ بِنارٍ تَصْطَلُونَ بِها.

﴿ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هادِيًا يَهْدِينِي الطَّرِيقَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: عَلامَةً أسْتَدِلُّ بِها عَلى الطَّرِيقِ.

وَكانُوا قَدْ ضَلُّوا عَنْهُ فَمَكَثُوا بِمَكانِهِمْ بَعْدَ ذَهابِ مُوسى ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتّى مَرَّ بِهِمْ راعِي القَرْيَةِ فَأخْبَرَهُ بِمَسِيرِ مُوسى، فَعادُوا مَعَ الرّاعِي إلى قَرْيَتِهِمْ وأقامُوا بِها أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى أنْجَزَ مُوسى أمْرَ رَبِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أول ما أنزل عليه الوحي، كان يقوم على صدور قدميه إذا صلى، فأنزل الله: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ .

وأخرج ابن مردويه وابن جرير، عن ابن عباس قال: قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ .

وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل؛ كي لا ينام فأنزل الله عليه ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يربط نفسه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه قال: لما نزل على النبي- صلى الله عليه وسلم- ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً ﴾ [ المزمل: 1] قام الليل كله حتى تورمت قدماه، فجعل يرفع رجلاً، ويضع رجلاً، فهبط عليه جبريل، فقال: ﴿ طه ﴾ يعني: الأرض بقدميك يا محمد ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ وأنزل ﴿ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ﴾ .

وأخرج البزار بسند حسن، عن علي قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يراوح بين قدميه، يقوم على كل رجل، حتى نزلت ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله: ﴿ طه ﴾ يعني طأ الأرض يا محمد، ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن بان عباس في قوله: ﴿ طه ﴾ قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ربما قرأ القرآن إذا صلى، قام على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿ طه ﴾ برجليك ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: لما أنزل الله القرآن على النبي- صلى الله عليه وسلم- قام به وأصحابه، فقال له كفار قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى به.

فأنزل الله: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ طه ﴾ قال: يا رجل.

وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ طه ﴾ بالنبطية أي ﴿ طا ﴾ يا رَجُل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ طه ﴾ بالنبطِيَّةِ أي ﴿ طا ﴾ يا رجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ طه ﴾ قال: هو كقولك يا رجل.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة قال: ﴿ طه ﴾ يا رجل بالنبطية.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: ﴿ طه ﴾ بالنبطية يا رجل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك قال: ﴿ طه ﴾ يا رجل بالنبطية.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: ﴿ طه ﴾ يا رجل.

بالسريانية.

وأخرج الحاكم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ طه ﴾ قال: هو كقولك يا محمد بلسان الحبش.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ طه ﴾ قال: هو كقولك يا رجل: بلسان الحبشة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صالح في قوله: ﴿ طه ﴾ قال: كلمة عربت.

وأخرج عن مجاهد، قال: ﴿ طه ﴾ فواتح السور.

وأخرج عن محمد بن كعب ﴿ طه ﴾ قال: الطاء من ذي الطول.

وأخرج ابن مردويه، عن أبي الطفيل قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إن لي عشرة أسماء عند ربي قال أبو الطفيل: حفظت منها ثمانية: محمد وأحمد وأبو القاسم والفاتح والخاتم والماحي والعاقب والحاشر، وزعم سيف أن أبا جعفر قال: الاسمان الباقيان ﴿ طه ﴾ ويس.

وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه، عن زر قال: قرأ رجل على ابن مسعود ﴿ طه ﴾ مفتوحة فأخذها عليه عبدالله ﴿ طه ﴾ مكسورة فقال له الرجل: إنها بمعنى ضع رجلك.

فقال عبد الله: هكذا قرأها النبي- صلى الله عليه وسلم- وهكذا أنزلها جبريل.

وأخرج ابن عساكر، «عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: أول سورة تعلمتها من القرآن ﴿ طه ﴾ وكنت إذا قرأت ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا شقيت يا عائش» .

وأخرج البيهقي في الدلائل، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ وكان يقوم الليل على رجليه فهي لغة لعك إن قلت لعكي يا رجل، لم يلتفت وإذا قلت ﴿ طه ﴾ التفت إليك.

وأخرج عبد بن حميد، عن عروة بن خالد رضي الله عنه قال: سمعت الضحاك، وقال رجل من بني مازن بن مالك: ما يخفى علي شيء من القرآن، وكان قارئاً للقرآن شاعراً.

فقال له الضحاك: أنت تقول ذلك؟

أخبرني ما ﴿ طه ﴾ ؟

قال: هي من أسماء الله الحسنى.

نحو: طسم، وحم، فقال الضحاك: إنما هي بالنبطية يا رجل.

وأخرج ابن المنذر وابن مسعود، عن ابن عباس قال: ﴿ طه ﴾ قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ يقول: في الصلاة هي مثل قوله: ﴿ فاقرؤوا ما تيسر منه ﴾ [ المزمل: 20] قال: وكانوا يعلقون الحبال بصدروهم في الصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ يا رجل ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ لا والله، ما جعله الله شقياً، ولكن جعله الله رحمة ونوراً ودليلاً إلى الجنة ﴿ إلا تذكرة لمن يخشى ﴾ قال: إن الله أنزل كتابه وبعث رسله رحمة رحم بها العباد لِيذْكُر ذاكر وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزله الله، فيه حلاله وحرامه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ﴿ وما تحت الثرى ﴾ ما تحت سبع أرضين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة قال: ﴿ الثرى ﴾ كل شيء مبتل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي: ﴿ وما تحت الثرى ﴾ قال: هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة، وهي صخرة خضراء، وهو سجين الذي فيه كتاب الكفار.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: الثرى ما حفر من التراب مبتلاً.

وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبدالله: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، ما تحت هذه الأرض؟

قال: الماء.

قيل: فما تحت الماء؟

قال: ظلمة.

قيل: فما تحت الظلمة؟

قال: الهواء.

قيل: فما تحت الهواء؟

قال: الثرى.

قيل: فما تحت الثرى؟

قال: انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق.

وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبدالله قال: كنت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، إذ عارضنا رجل مترجب- يعني طويلاً- فدنا من النبي- صلى الله عليه وسلم- فأخذ بخطام راحلته فقال: أنت محمد؟

قال: نعم.

قال: إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمها أحد من أهل الأرض، إلا رجل أو رجلان؟

فقال: سل عما شئت.

قال: يا محمد، ما تحت هذه؟- يعني الأرض- قال: خلق.

قال: فما تحتهم؟

قال: أرض.

قال: فما تحتها؟

قال: خلق؟

قال: فما تحتهم؟

قال: أرض، حتى انتهى إلى السابعة.

قال: فما تحت السابعة؟

قال: صخرة.

قال: فما تحت الصخرة؟

قال: الحوت.

قال: فما تحت الحوت؟

قال: الماء.

قال: فما تحت الماء؟

قال: الظلمة.

قال: فما تحت الظلمة؟

قال: الهواء.

قال: فما تحت الهواء؟

قال: الثرى.

قال: فما تحت الثرى؟

ففاضت عينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالبكاء؟

فقال: انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق أيها السائل، ما المسؤول بأعلم من السائل.

قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله يا محمد، أما إنك لو ادعيت تحت الثرى شيئاً، لعلمت أنك ساحر كذاب، أشهد أنك رسول الله، ثم ولى الرجل.

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أيها الناس، هل تدرون ما هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هذا جبريل» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يعلم السر وأخفى ﴾ قال: السر ما أسره ابن آدم في نفسه ﴿ وأخفى ﴾ ما خفي ابن آدم مما هو فاعلة، قبل أن يعلمه، فإنه يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك، وما بقي علم واحد وجميع الخلائق عنده في ذلك، كنفس واحدة وهو كقوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ [ لقمان: 28] .

وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ يعلم السر وأخفى ﴾ قال: السر ما علمته أنت، وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي بلفظ: يعلم ما تسر في نفسك، ويعلم ما تعمل غداً.

وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ يعلم السر وأخفى ﴾ قال: أخفى من السر ما حدثت به نفسك، وما لم تحدث به نفسك أيضاً مما هو كائن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يعلم السر وأخفى ﴾ قال: الوسوسة، والسر العمل الذي تسرون من الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن قال: السر ما أسر الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في الآية.

قال: السر ما تسر في نفسك، وأخفى من السر، ما لم يكن بعد وهو كائن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة في الآية.

قال: السر ما حدث به الرجل أهله، وأخفى ما تكلمت به في نفسك.

وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك في قوله: ﴿ يعلم السر وأخفى ﴾ قال: السر ما أسررت في نفسك ﴿ وأخفى ﴾ ما لم تحدث به نفسك.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ يعلم السر وأخفى ﴾ قال: يعلم أسرار العباد ﴿ وأخفى ﴾ سره فلا نعلمه والله أعلم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إني آنست ناراً ﴾ أي أحسست ناراً.

﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ قال: من يهديني.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ قال: من يهديني إلى الطريق، وكانوا شاتين فضلوا الطريق.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ يقول: من يدل على الطريق.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ قال: يهديه الطريق.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في قوله: ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ قال: هادٍ يهديني إلى الماء.

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه قال: لما رأى موسى النار، انطلق يسير، حتى وقف منها قريباً، فإذا هو بنار عظيمة: تفور من ورق شجرة خضراء شديدة الخضرة، يقال لها العليق، لا تزداد النار فيما يرى إلا عظماً وتضرماً، ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق، إلا خضرة وحسناً!

فوقف ينظر لا يدري ما يصنع، إلا أنه قد ظن أنها شجرة تحترق، وأوقد إليها موقد، فنالها فاحترقت، وإنه إنما يمنع النار، شدة خضرتها، وكثرة مائها، وكثافة ورقها، وعظم جذعها، فوضع أمرها على هذا، فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه، فلما طال عليه ذلك، أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها، فلما فعل ذلك موسى مالت نحوه كأنها تريده، فاستأخر عنها وهاب، ثم عاد فطاف بها، ولم تزل تطمعه ويطمع بها، ثم لم يكن شيء بأوشك من خمودها، فاشتد عند ذلك عجبه وفكر موسى في أمرها، فقال: هي نار ممتنعة لا يقتبس منها، ولكنها تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها، ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين.

فلما رأى ذلك موسى قال: إن لهذه شأناً.

ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة، لا يدري من أمرها ولا بما أمرت ولا من صنعها ولا لم صنعت، فوقف متحيراً لا يدري أيرجع أم يقيم؟

فبينا هو على ذلك، إذ رمى بطرفه نحو فرعها فإذا هو أشد مما كان خضرة ساطعة في السماء، ينظر إليها يغشى الظلام، ثم لم تزل الخضرة تنوّر وتصفر وتبيض حتى صارت نوراً ساطعاً عموداً بين السماء والأرض، عليه مثل شعاع الشمس، تكل دونه الأبصار، كلما نظر إليه يكاد يخطف بصره، فعند ذلك اشتد خوفه وحزنه، فرد يده على عينيه، ولصق بالأرض وسمع الحنين والوجس.

إلا أنه سمع حينئذ شيئا لم يسمع السامعون بمثله عظماً!

فلما بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهول نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعاً، وما يدري من دعاه؟

وما كان سرعة إجابته إلا استئناساً بالإنس، فقال لبيك مراراً إني لأسمع صوتك، وأحس حسك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟

قال: أنا فوقك ومعك وخلفك وأقرب إليك من نفسك.

فلما سمع هذا موسى علم أنه لا ينبغي هذا إلا لربه، فأيقن به، فقال: كذلك أنت يا إلهي، فكلامك اسمع أم رسولك؟

قال: بل أنا الذي أكلمك فادن مني، فجمع موسى يديه في العصا، ثم تحامل حتى استقل قائماً، فرعدت فرائصه حتى اختلفت، واضطربت رجلاه، وانقطع لسانه وانكسر قلبه، ولم يبق منه عظم يحمل آخر، فهو بمنزلة الميت، إلا أن روح الحياة تجري فيه، ثم زحف على ذلك وهو مرعوب، حتى وقف قريباً من الشجرة التي نودي منها فقال له الرب تبارك وتعالى: ﴿ ما تلك بيمينك يا موسى ﴾ قال: هي عصاي.

قال: ما تصنع بها؟- ولا أحد أعلم منه بذلك- قال موسى: ﴿ أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قد علمتها، وكان لموسى في العصا مآرب، كان لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكان يتوكأ عليها ويهش بها، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه، فعلق بها قوسه وكنانته ومرجامه ومخلاته وثوبه، وزاداً إن كان معه، وكان إذا ارتع في البرية حيث لا ظل له ركزها، ثم عرض بالوتد بين شعبتيها، وألقى فوقها كساءه فاستظل بها ما كان مرتعاً، وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه.

قال له الرب ﴿ ألقها يا موسى ﴾ فظن موسى أنه يقول: ارفضها.

فألقاها على وجه الرفض، ثم حانت منه نظرة، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يرى!

يلتمس كأنه يبتغي شيئاً يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عينان توقدان ناراً، وقد عاد المحجن عرقاً فيه شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان فهما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ﴿ ولى مدبراً ولم يعقب ﴾ [ النمل: 10] فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم ﴿ نودي يا موسى ﴾ أن ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف فقال: خذها بيمينك ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى.

قال: وكان على موسى حينئذ مدرعة فجعلها في يده، فقال له ملك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر؟

أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً قال: لا.

ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت.

فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، ثم سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا تؤكأ بين الشعبتين.

قال له ربه: (ادن).

فلم يزل يدنيه- حتى شد ظهره بجذع الشجرة.

فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يديه في العصا، وخضع برأسه وعنقه ثم قال له: إني قد أقمتك اليوم في مقام لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك...

إذ أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي، وكنت بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإن معك يدي وبصري، وإني قد ألبستك جبة من سلطاني، لتكمل بها القوّة في أمري، فأنت جند عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر من نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وعد من دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإني لأقسم بعزتي: لولا العذر والحجة التي وضعت بيني وبين خلقي.

..

لبطشت به بطشة جبار- يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار- فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت البحار غرقته، وإن أمرت الجبال دمرته، ولكنه هان عليّ وسقط من عيني، وَسعَهُ حلمي، واستغنيت بما عندي، وحق لي أني أنا الغني لا غني غيري، فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي، وإخلاص اسمي، وذكره بآياتي، وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي ﴿ وقل له ﴾ فيما بين ذلك: ﴿ قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ﴾ وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة؛ في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تتشبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب، ولو شاء أن يجعل لك ذلك أو يسلبكه فعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهده بنفسك وأخيك، وأنتما محتسبان بجهاده، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها فعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه: أن الفئة القليلة، ولا قليل مني تغلب الفئة الكبيرة بإذني، ولا يعجبنكما زينته ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنها زهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة، يعلم فرعون- حين ينظر إليها- أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقد نما ما حويت لهم من ذلك، فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها؛ كما يذود الراعي الشفيق غنمه من مواقع الهلكة، وإني لأجنبهم شكوها وغنمها، كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذاك لهوَانِهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى، واعلم أنه لم يتزين إليّ العباد بزينة...

هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، فإنه زينة المتقين عليهم منه: لباس يعرفون به من السكينة والخشوع ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ [ الفتح: 29] «أولئك هم أوليائي حقاً فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة، وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، فيظن الذي يحاربني أو يعاديني أن يعجزني، أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني، وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة؟!

لا أكل نصرتهم إلى غيري» قال: فأقبل موسى إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها، والأسد فيها مع ساستها إذا أرسلها على أحد أكلته، وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة، فأقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون، فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب، فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون، فأقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون فقرعه بعصاه وعليه جبة من صوف وسراويل، فلما رآه البوّاب عجب من جراءته فتركه ولم يأذن له، فقال هل تدري باب من أنت تضرب؟!

إنما أنت تضرب باب سيدك.

قال: أنت وأنا وفرعون عبيد لربي، فأنا ناصره، فأخبر البوّاب الذي يليه من البوابين، حتى بلغ ذلك أدناهم ودونه سبعون حاجباً، كل حاجب منهم تحت يده من الجنود ما شاء الله، حتى خلص الخبر إلى فرعون فقال: أدخلوه عليّ، فأدخل فلما أتاه قال له فرعون: أعرفك؟

قال: نعم.

قال: ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ [ الشعراء: 18] قال: فرد إليه موسى الذي رد.

قال: فرعون خذوه.

فبادر موسى ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [ الشعراء: 32] فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت فقال لموسى: ﴿ اجعل بيننا وبينك موعداً ﴾ ننظر فيه.

قال: موسى: لم أؤمر بذلك، إنما أمرت بمناجزتك، وإن أنت لم تخرج إليّ دخلت عليك.

فأوحى الله إلى موسى: أن اجعل بينك وبينه أجلاً، وقل له: أن يجعله هو.

قال فرعون: اجعله إلى أربعين يوماً ففعل.

قال: وكان فرعون لا يأتي الخلاء إلا في كل أربعين يوماً مرة، فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة.

قال: وخرج موسى من المدينة، فلما مر بالأسد خضعت له بأذنابها، وسارت مع موسى تشيعه، ولا تهيجه، ولا أحداً من بني إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ﴾ قال الكلبي: (أنا اخترتك برسالتي لكي تقوم بأمري) (١) ﴿ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴾ أي: اعمل بما آمرك به وأنهاك عنه.

(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "معالم التنزيل" 5/ 267، "الكشاف" 2/ 532، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 176، "روح المعاني" 16/ 1701، "فتح القدير" 3/ 512.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاخلع نَعْلَيْكَ ﴾ قيل: إنما أمر بخلع نعليه، لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلع النجاسة، واختار ابن عطية أن يكون أمر بخلعهما ليتأدب، ويعظم البقعة المباركة ويتواضع في مقام مناجاة الله وهذا أحسن ﴿ بالواد المقدس ﴾ أي المطهر ﴿ طُوًى ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه اسم للوادي، وإعرابه على هذا بدل، ويجوز تنوينه على أنه مكان، وترك صرفه على أنه بقعة، والثاني: أن معناه مرتين، فإعرابه على هذا مصدر: أي قدس الوادي مرة بعد مرة، أو نودي موسى مرة بعد مرة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ طه ﴾ : قال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ طه ﴾ : يا رجل بالنبطية، وقال بعضهم: بالسريانية، وقيل: يا فلان، وقيل: هو اسم من أسماء الله، وقيل: حروف من أسمائه ونحو ذلك، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ : لا يحتمل أن يكون هذا نزل على الابتداء من غير سبب ولا أمر، لكنه لم يبيّن السّبب [الذي] به نزل هذا، فيحتمل أن يكون سببه وجوهاً: أحدها: ما حمل نفسه من الشدائد والمؤن العظام، وأجهد نفسه في ذلك؛ فنزل: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، أي: لتتعب به نفسك، كقوله: ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ  ﴾ أي: تتعب؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ .

والثاني: أنه لما كف نفسه عن الشهوات ومنعها عن جميع ما تهواه من اللذات، فقال أولئك الكفرة: إنه شقى؛ حيث رأوه لم يعط نفسه شيئاً من شهواتها ولذاتها.

والثالث: أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه واتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون، وكانت عادتهم القتل وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك، فعند ذلك قالوا: إنّه شقيّ؛ حيث يخاطر بنفسه، فقال: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ على ما يقول أولئك، بل أنزله عليك؛ لتسعد حيث أخبر أنه عصمه بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

أو ألا يفسر ولا يذكر ذلك الأمر والسبب الذي به نزل؛ لأنه لم يبيّن، ولا حاجة بنا [إلا] إلى معرفة ما ذكر، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، بل أنزلناه لتسعد، وأنزلناه ليتذكر به من يخشى، كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: عظة لمن يتقى ما به يخشى.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : كل مؤمن؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه الخشية منه والاتقاء من نقمته وعذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ .

كأن هذا نزل على إثر قول قاله أولئك الكفرة، وهو ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، وإنه شاعر [و] إنما يعلمه بشر ونحوه، فقال جواباً لقولهم: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ ليس كما يقول أولئك: إنه ساحر وإنه مفتر وإنما يعلمه بشر، بل تنزيلاً ممّن خلق الأرض والسّماوات العلا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته: فإن كان الأول فهو إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق؛ إذ هو دونه، ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به الأمكنة لجاز [أن] يحيط به الأوقات؛ فيصير متناهياً بذاته مقصراً عن خلقه.

وإن كان على الوجه الثاني، فلو زيد في الخلق، لانتقص أيضاً، وفيه ما في الأوّل.

ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مما يذم ذا من فعل الملوك أن يفضل عنهم من المقاعد شيئاً.

وبعد: فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك، وذلك كله وصف الخلائق، والله يتعالى عن ذلك.

وبعد: فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر؛ فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه[؛ حيث] فيها ذكر العظمة والجلال؛ إذ ذكر في قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وصفه بالعظمة والسلطان، والقدرة، فكذلك على تعظيم العرش، أي شيء كان من نور أو جوهر؟

لا يبلغه علم الخلق، وإضافة الاستواء إليه لوجهين: أحدهما: على تعظيمه، بما ذكر على إثره، ذكر سلطانه في ربوبيته، وقدرته وخلقه ما ذكر.

والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله؛ على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا، واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق به؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...

﴾ الآية [المائدة: 3] بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم، وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة، وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك، ولكن يذكر عظم الأمر، فمثله أمر العرش، وهو كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا  ﴾ وقوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا  ﴾ على لحوق غيرٍ بهم، ويحتمل أن يكون على المنع بوصف المكان؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول شيئاً، فأشار إليه ليعلم علوّه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة، وعلى ذلك قوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ...

﴾ الآية [المجادلة: 7]، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان، ولكن يضاف إلى الإسرار فأخبر بعلوه عن الأمكنة، وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ  ﴾ ، أي: بالسلطان والقوة، وبالألوهية في البقاع كلها؛ لأنها أمكنة العادة بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ  ﴾ ويملك كل شيء بقوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ وبقوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ثم بعلوّه وجلاله بقوله: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك، ليعلم أنه بكل ما سمي به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه، وكذلك عزّه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره.

وقال بعضهم: يريد بالعرش: الملك؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمى به السطوح ورءوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة: أحدها: الاستيلاء، كما يقال: استوى فلان على كورة كذا، بمعنى: استولى.

والثاني: العلو [و] الارتفاع، كقوله: ﴿ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ ﴾ \[المؤمنون: 28\] وقوله: ﴿ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ  ﴾ أي: علوتهم.

والثالث: التمام، كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ  ﴾ ، أي: تم واستقر.

وقد قيل بالقصد، وإلى ذلك وَجَّهَ أهل الأدب قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ بمعنى: خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم فعلاً أن يكون بالقصد، وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا بالله.

ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء، والعزيز الملك أنه مستولٍ على جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا، يدلّ على الأمرين قوله: ﴿ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ  ﴾ بمعنى: الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره، فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة، والله الموفق.

وأمّا على تأويل التمام والعلو، فهو أن الله  قال: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...

﴾ الآية [فصلت: 9]، فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ ﴾ بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك، وعلا، وارتفع؛ إذ هم المقصودون من خلق ما بيّنا، فبذلك تم معنى الملك وعلا؛ إذ وصل إلى الذين لهم خلقوا وقد قيل ذا في خلق البشر خاصّة بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً...

﴾ الآية [البقرة: 29]، وقوله: ﴿ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ  ﴾ ونحوه.

وذكر عن ابن عباس: أن البشر خلق اليوم السابع فبه التمام والعلو؛ إذ خلق لهم كل شيء وخلقهم لعبادة الله، وألحق بهم الجن بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...

﴾ الآية [الذاريات: 56]، لكن المقصود البشر؛ إذ تسخير ما ذكرت كله إنما يرجع إلى منافعهم، والله الموفق.

والأصل عندنا في ذلك: أن الله - عز وجل - قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه؛ فيجب القول بـ ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ على ما جاء به التنزيل، وينفي عنه شبه الخلق لما أضاف إليه، وإذ لزم القول في الله بالتعالي عن الأشباه ذاتاً وفعلاً، لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، والله الموفق، وقد ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن.

وفي قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ ، الوصف له بالسلطان والقدرة والملك على ما ذكرنا.

وفي قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ الوصف له بالعلم في الغيب والسر والعلانية جميعاً؛ ليكونوا أبداً على حذر وخوف ويقظة في جميع أفعالهم وأقوالهم، وفي الأوّل؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم من الخلق إلى خالقهم، وألا يطمع ولا يرجى غيره.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به إلى غيرك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما أضمرته وأكننته في نفسك، لم تسره إلى أحد.

قال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به وحدثت به نفسك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما علم الله أنه كائن يكون، ولم يكن بعد، ولم تعلم به.

وقال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسره في نفسه، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما خطر في قلبه، وهو لا يضبطه، ونحو ذلك، وأصله في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ ﴾ كأنه يقول: وإن تجهر بالقول أو تسرّ ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: أي: من وحّد الله بأسمائه فله الحسنى، وهي الجنة، وقد ذكرناه فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنا اصطفيتك -يا موسى- لتبليغ رسالتي، فاستمع لما أوحيه إليك.

<div class="verse-tafsir" id="91.P5w9A"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله