تفسير الآية ١٥ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٥ من سورة طه

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ١٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٥ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إن الساعة آتية ) أي : قائمة لا محالة ، وكائنة لا بد منها .

وقوله : ( أكاد أخفيها ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : أنه كان يقرؤها : " أكاد أخفيها من نفسي " ، يقول : لأنها لا تخفى من نفس الله أبدا .

وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : من نفسه .

وكذا قال مجاهد ، وأبو صالح ، ويحيى بن رافع .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( أكاد أخفيها ) يقول : لا أطلع عليها أحدا غيري .

وقال السدي : ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة ، وهي في قراءة ابن مسعود : " إني أكاد أخفيها من نفسي " ، يقول : كتمتها عن الخلائق ، حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت .

وقال قتادة : ( أكاد أخفيها ) وهي في بعض القراءة " أخفيها من نفسي ، ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ، ومن الأنبياء والمرسلين .

قلت : وهذا كقوله تعالى : ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) [ النمل : 65 ] وقال : ( ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ) [ الأعراف : 187 ] أي : ثقل علمها على أهل السماوات والأرض .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب ، حدثنا أبو نميلة ، حدثني محمد بن سهل الأسدي ، عن وقاء قال : أقرأنيها سعيد بن جبير ( أكاد أخفيها ) ، يعني : بنصب الألف وخفض الفاء ، يقول : أظهرها ، ثم قال أما سمعت قول الشاعر : دأب شهرين ثم شهرا دميكا بأريكين يخفيان غميرا وقال الأسدي : الغمير نبت رطب ، ينبت في خلال يبس .

والأريكين : موضع ، والدميك : الشهر التام .

وهذا الشعر لكعب بن زهير .

وقوله سبحانه وتعالى : ( لتجزى كل نفس بما تسعى ) أي : أقيمها لا محالة ، لأجزي كل عامل بعمله ، ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [ الزلزلة : 7 ، 8 ] و ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) [ الطور : 16 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) يقول تعالى ذكره: إن الساعة التي يبعث الله فيها الخلائق من قبورهم لموقف القيامة جائية ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) فعلى ضمّ الألف من أخفيها قراءة جميع قرّاء أمصار الإسلام، بمعنى: أكاد أخفيها من نفسي، لئلا يطلع عليها أحد، وبذلك جاء تأويل أكثر أهل العلم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) يقول: لا أظهر عليها أحدا غيري.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ) قال: لا تأتيكم إلا بغتة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ) قال: من نفسي.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) قال: من نفسي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) قال: من نفسي.

حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) قال: يخفيها من نفسه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) وهي في بعض القراءة: أخفيها من نفسي.

ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء المرسلين.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: في بعض الحروف: ( إنَّ السَّاعَةَ آتِيهٌ أَكَادُ أُخْفِيها مِنْ نَفْسِي).

وقال آخرون: إنما هو: ( أكادُ أَخْفِيها) بفتح الألف من أخفيها بمعنى: أظهرها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا محمد بن سهل، قال: سألني رجل في المسجد عن هذا البيت.

دَابَ شَــهْرَيْنِ ثُــمَّ شَـهْرًا دَمِيكًـا بِـــأرِيكينِ يَخْفِيـــان غَمِـــيرًا (3) فقلت: يظهران، فقال ورقاء بن إياس وهو خلفي: أقرأنيها سعيد بن جبير ( أكادُ أَخْفِيها) بنصب الألف ، وقد رُوي عن سعيد بن جبير وفاق لقول الآخرين الذين قالوا: معناه: أكاد أخفيها من نفسي.

* ذكر الرواية عنه بذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء، عن سعيد بن جبير ومنصور، عن مجاهد، قالا( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ) قالا من نفسي.

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) قال: من نفسي.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل الآية من القول، قول من قال: معناه: أكاد أخفيها من نفسي، لأن تأويل أهل التأويل بذلك جاء، والذي ذُكر عن سعيد بن جبير من قراءة ذلك بفتح الألف قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به نقلا مستفيضا.

فإن قال قائل: ولم وجهت تأويل قوله ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) بضم الألف إلى معنى: أكاد أخفيها من نفسي، دون توجيهه إلى معنى: أكاد أظهرها، وقد علمت أن للإخفاء في كلام العرب وجهين: أحدهما الإظهار، والآخر الكتمان، وأن الإظهار في هذا الموضع أشبه بمعنى الكلام، إذ كان الإخفاء من نفسه يكاد عند السامعين أن يستحيل معناه، إذ كان محالا أن يخفي أحد عن نفسه شيئا هو به عالم، والله تعالى ذكره لا يخفى عليه خافية؟

قيل: الأمر في ذلك بخلاف ما ظننت، وإنما وجَّهنا معنى (أُخْفِيها) بضمّ الألف إلى معنى: أسترها من نفسي، لأن المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب: الستر.

يقال: قد أخفيت الشيء: إذا سترته، وأن الذين وجَّهوا معناه إلى الإظهار، اعتمدوا على بيت لامرئ القيس ابن عابس الكندي.

حُدثت عن معمر بن المثنى أنه قال: أنشدنيه أبو الخطاب، عن أهله في بلده: فــإنْ تُدْفِنُــوا الــدَّاءَ لا نُخْفِــهِ وإنْ تَبْعَثُـــوا الحَــرْبَ لا نَقْعُــد (4) بضمّ النون من لا نخفه، ومعناه: لا نظهره، فكان اعتمادهم في توجيه الإخفاء في هذا الموضع إلى الإظهار على ما ذكروا من سماعهم هذا البيت، على ما وصفت من ضم النون من نخفه، وقد أنشدني الثقة عن الفرّاء: فإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نَخْفِهِ بفتح النون من نخفه، من خفيته أخفيه، وهو أولى بالصواب لأنه المعروف من كلام العرب.

فإذا كان ذلك كذلك، وكان الفتح في الألف من أخفيها غير جائز عندنا لما ذكرنا، ثبت وصحّ الوجه الآخر، وهو أن معنى ذلك.

أكاد استرها من نفسي.

وأما وجه صحة القول في ذلك، فهو أن الله تعالى ذكره خاطب بالقرآن العرب على ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بينهم، فلما كان معروفا في كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد المبالغة في الخبر عن إخفائه شيئا هو له مسرّ: قد كدت أن أخفي هذا الأمر عن نفسي من شدّة استسراري به، ولو قدرت أخفيه عن نفسي أخفيته، خاطبهم على حسب ما قد جرى به استعمالهم في ذلك من الكلام بينهم، وما قد عرفوه في منطقهم وقد قيل في ذلك أقوال غير ما قلنا.

وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الأقوال لموافقة أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين، إذ كنا لا نستجيز الخلاف عليهم، فيما استفاض القول به منهم، وجاء عنهم مجيئا يقطع العذر، فأما الذين قالوا في ذلك غير قولنا ممن قال فيه على وجه الانتزاع من كلام العرب، من غير أن يعزوه إلى إمام من الصحابة أو التابعين، وعلى وجه يحتمل الكلام من غير وجهه المعروف، فإنهم اختلفوا في معناه بينهم، فقال بعضهم: يحتمل معناه: أريد أخفيها، قال: وذلك معروف في اللغة، وذُكر أنه حُكي عن العرب أنهم يقولون: أولئك أصحابي الذين أكاد أنـزل عليهم، وقال: معناه: لا أنـزل إلا عليهم.

قال: وحُكي: أكاد أبرح منـزلي: أي ما أبرح منـزلي، واحتجّ ببيت أنشده لبعض الشعراء: كــادَتْ وكِـدْتُ وتِلـكَ خَـيْرُ إرَادَةٍ لَـوْ عـادَ مِـنْ عَهْد الصَّبابَةِ ما مَضَى (5) وقال: يريد: بكادت: أرادت، قال: فيكون المعنى: أريد أخفيها لتجزى كلّ نفس بما تسعى.

قال: ومما يُشبه ذلك قول زيد الخيل: سـريع إلـى الهَيْجـاءِ شـاكٍ سِلاحُهُ فَمَـــا أنْ تَكـــادُ قِرْنُــهُ يَتَنَفَّسُ (6) وقال: كأنه قال: فما يتنفس قرنه، وإلا ضعف المعنى; قال: وقال ذو الرُّمَّة: إذا غَـيَّرَ النَّـأْيُ المُحِـبِّينَ لَـمْ يَكَـدْ رَسِـيسُ الهَـوَى مِـنْ حُبّ مَيَّةَ يَبْرَحُ (7) قال: وليس المعنى: لم يكد يبرح: أي بعد يُسر، ويبرح بعد عُسر; وإنما المعنى: لم يبرح، أو لم يرد يبرح، وإلا ضعف المعنى; قال: وكذلك قول أبي النجم: وإنْ أتــاكَ نَعِــيّ فــانْدُبَنَّ أبــا قَـدْ كَـادَ يَضطْلِـعُ الأعْـداءَ والخُطَبَا (8) وقال: يكون المعنى: قد اضطلع الأعداء، وإلا لم يكن مدحا إذا أراد كاد ولم يرد يفعل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الساعة آتية أكاد، قال: وانتهى الخبر عند قوله أكاد لأن معناه: أكاد أن آتي بها، قال: ثم ابتدأ فقال: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى، قال: وذلك نظير قول ابن ضابي: هَمَمَـتُ وَلَـمْ أفْعَـلْ وكِـدْتُ ولَيْتَنِـي تَـرَكْتُ عـلى عثمـانَ تَبْكِـي أقارِبُهُ (9) فقال: كدت، ومعناه: كدت أفعل.

وقال آخرون: معنى (أُخفيها) أظهرها، وقالوا: الإخفاء والإسرار قد توجههما العرب إلى معنى الإظهار، واستشهد بعضهم لقيله ذلك ببيت الفرزدق: فَلَمَّــا رأى الحَجَّــاجَ جَـرَّدَ سَـيْفَهُ أسَـرَّ الحَـرُورِيُّ الّـذِي كـانَ أضْمَرَا (10) وقال: عنى بقوله: أسرّ: أظهر.

قال: وقد يجوز أن يكون معنى قوله وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ وأظهروها، قال: وذلك أنهم قالوا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا .

وقال جميع هؤلاء الذين حكينا قولهم جائز أن يكون قول من قال: معنى ذلك: أكاد أخفيها من نفسي، أن يكون أراد: أخفيها من قبلي ومن عندي، وكلّ هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا توجيه منهم للكلام إلى غير وجهه المعروف، وغير جائز توجيه معاني كلام الله إلى غير الأغلب عليه من وجوهه عند المخاطبين به، ففي ذلك مع خلافهم تأويل أهل العلم فيه شاهد عدل على خطأ ما ذهبوا إليه فيه.

وقوله ( لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ) يقول تعالى ذكره: إن الساعة آتية لتجزى كلّ نفس: يقول: لتثاب كل نفس امتحنها ربها بالعبادة في الدنيا بما تسعى، يقول: بما تعمل من خير وشرّ، وطاعة ومعصية .

---------------------- الهوامش : (3) البيت لكعب ( اللسان ، والتاج ، دمك ) قالا : يقال أقمت عنده شهرًا دميكا ، أي شهر تامًّا ، قال كعب : " داب شهرين ثم شهرًا دميكًا " أه .

ولم يذكر الشطر الثاني من البيت .

وفي ( معجم ما استعجم للبكري ص 144 ) قال أبو عبيدة : أريك في بلاد ذبيان .

قال : وهما أريكان : أريك الأسود ، وأريك الأبيض ، والأريك : الجبل الصغير ويخيفان : بفتح الياء يخرجان والغير : له معاني كثيرة ، منها في تاج العروس : الغمير ، كأمير : حب البهمي الساقط من سنبله حين ييبس ، أو نبات أخضر قد غمره اليبس .

.

إلخ .

(4) البيت لامرئ القيس بن عابس الكندي .

استشهد به صاحب ( اللسان : خفا ) على أن قوله لا نخفه ، بفتح النون أي لا نظهره .

وكذا ترى قوله تعالى : " أكاد أخفيها " أي أظهرها ، حكاه اللحياني ، عن الكسائي ، عن محمد بن سهل ، عن سعيد بن جبير .

أه .

قال في اللسان : يقال خفيت الشيء : أظهرته واستخرجته ، يقال خفي المطر الفئار : إذا أخرجهن من أنفاقهن ، أي من جحرتهن .

قال امرئ القيس يصف فرسا : خفــاهن مــن أنفــاقهن كأنمــا خفــاهن ودق مـن عشـي مجـلب وخفيت الشيء أخفيه : كتمته ، وهو من الأضداد ، وأخفيت الشيء : سترته وكتمته ، ورواية المؤلف البيت كما في معاني القرآن للفراء .

وفي ( اللسان ؛ : خفا ) : " فإن تكتموا السر لا نخفه " .

(5) البيت في ( اللسان : كيد ) قال : ويقال : فلان يكيد أمرا ما أدري ما هو ؟

إذا كان يريغه ، ويحتال له ، ويسعى له .

وقال : " بلغوا الأمر الذي كادوا " : يريد : طلبوا أو أرادوا ، وأنشد أبو بكر في كاد بمعنى أراد ، للأفوه : فــإن تجــمع أوتــاد وأعمــدة وسـاكن بلغـوا الأمـر الـذي كـادوا أراد : الذي أرادوا ، وأنشد : كــادت وكـدت وتلـك خـير إرادة لـو ( كان ) من أمر الصبابة ما مضى قال : معناه : ما أرادت ، قال : ويحتمله قوله تعالى : لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا لأن الذي عاين من الظلمات آيسه من التأمل ليده ، والإبصار إليها ، والبيت شاهد على أن كاد بمعنى أراد ، استشهد به المؤلف عند قوله تعالى : أَكَادُ أُخْفِيهَا .

(6) البيت لزيد الخيل كما قال المؤلف .

واستشهد به صاحب ( اللسان : كاد ) على أن كاد قد تجيء صلة في الكلام .

قال : وتكون كاد صلة للكلام ( زائدة ) ، أجاز ذلك الأخفش وقطرب وأبو حاتم ، واحتج قطرب بقول الشاعر : " سريع .

.

إلخ " .

معناه : ما يتنفس قرنه ، ولكن أبا جعفر الطبري جعله شبيهًا بالشاهد السابق عليه ، وتوجيه قطرب لهذا الشاهد أوضح وأحسن ، وإن التي قبل يكاد : زائدة ، أو نافية مؤكدة لما النافية قبلها .

(7) هذا البيت من حائية ذي الرمة المشهورة ( ديوان طبعة كيمبردج سنة 1919 ص 78 ) قال شارحه : النأي البعد ، رسيس الهوى : مسه ، وما خفي منه ، أو أوله ، ويقال : لم يجد رسيس الحمى ، واستشهد المؤلف بالبيت على أن المعنى فيه : لم يبرح - أو لم يرد يبرح ؛ وعلى هذا يكون الفعل ( يكاد ) زائدًا في الكلام ، وقد جاء في ( اللسان : رسس ) رواية أخرى للبيت ، تؤيد ما ذهب إليه المؤلف ، من أن المعنى على زيادة ( يكاد ) ، وهي : إذا غَـيَّرَ النَّـأْيُ المُحِـبِّينَ لَـمْ يَكَـدْ رَسِـيسُ الهَـوَى مِـنْ حُبّ مَيَّةَ يَبْرَحُ وهذه الرواية هي التي عدل إليها الشاعر ، حين خطأه ابن شبرمة قاضي البصرة لما سمعه ينشد القصيدة في المربد.

ولكن المحققين قالوا إن بديهة ذي الرمة في الرواية الأولى ، كانت أجود من روايته ، ( في الرواية الثانية ) .

وقد بين العلامة المحقق رضي الله الديلي الأستراباذي : محمد بن الحسن ، صواب الرواية الأولى ، بأن معنى لم يكد : لم يقرب وأن نفي مقاربة الشيء أبلغ من نفي الشيء فيكون معنى البيت : إذا غير البعاد قلوب المحبين ، فبعاد مية عني لا يذهب بما أحس لها من حب ثابت مقيم ولا يقارب أن يذهب به .

( وانظر شرح الرضي على كافية ابن الحاجب ، طبعة الآستانة 2 : 306 أفعال المقاربة ) .

وقد أبطل الرضي زعم من زعم من النحاة أن " نفي كاد إثبات وأن إثباته نفي " وهو كلام نفيس دال على ذكائه ودقة فهمه .

(8) البيت لأبي النجم كما قال المؤلف ، والشاهد في قوله " كاد يضطلع " فقد ذهب المؤلف أن معناه : قد اضطلع الأعداء وإلا لم يكن مدحا إذا أراد كاد .

ولم يرد يفعل ، وعلى التخريج للبيت يكون الفعل ( كاد ) صلة ( زائدة ) ، مثل الشاهدين السابقين عليه عنده .

ويضطلع الأعداء : أي يضطلع بهم وبالخطب ، أسقط البا ، فعدى الفعل بنفسه إلى المعمول الذي كان مجرورا بالباء قبل إسقاطها .

يقال اضطلع بحمله ، أي قوي عليه ونهض به .

وهو من الضلاعة أي القوة .

وفي ( اللسان : ضلع ) : واضطلع الحمل أي احتمله أضلاعه .

وقال ابن السكيت : يقال : هو مضطلع بحمله ، أي قوي على حمله ، وهو مفتعل مج الضلاعة .

والنعي : الناعي الذي يخبر بموت من مات .

(9) البيت لضابئ ابن الحارث البرجمي ، حبسه الخليفة عثمان ، لأنه كان فاحشا ، هجا قوما فأراد عثمان تأديبه ، فلما دعي ليؤدب ، شد سكينا في ساقه ، ليقتل بها عثمان ، فعثر عليه ، ثم ضرب وأعيد إلى السجن حتى مات فيه .

والبيت من مقطوعة لأمية له أنشدها أبو العباس المبرد انظر ( رغبة الآمل ، بشرح الكامل للمرصفي 4 : 91 ) .

فــلا تتبعينــي إن هلكـت ملامـة فليس بعــار قتــل مـن لا أقاتلـه هممـت ولـم أفعـل وكـدت وليتنـي تـركت عـلى عثمـان تبكـي حلائله والشاهد في قوله : كدت ، أي كدت أفعل ما هممت به من قتل عثمان .

وهو نظير ما في القرآن ( إن الساعة آتية أكاد ) ذهب قوم إلى أن معناه : أكاد أن آتي بها .

ثم ابتدأ فقال : ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى والبيت لضابئ لا لابنه كما قال المؤلف .

(10) لم أجد هذا البيت في ديوان الفرزدق ،وهو من شواهد أبي عبيدة ( اللسان : سرر ) قال : أسررت الشيء : أخفيته ، وأسررته : أعلنته ، ومن الإظهار قوله تعالى : ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) أي أظهروها .

وأنشد الفرزدق * فلمـا رأى الحجـاج جـرد سيفه * البيت .

قال شمر : لم أجد هذا البيت للفرزدق وما قال غير أبي عبيدة في قوله " وأسروا الندامة " أي أظهروها .

قال : ولم أسمع ذلك لغيره .

قال الأزهري : وأهل اللغة أنكروا أبي عبيدة أشد الإنكار .

وقيل : أسروا الندامة : يعني : الرؤساء من المشركين أسروا الندامة في سفلتهم الذين أضلوهم ، وأسروها : أخفوها وكذلك قال الزجاج ، وهو قول المفسرين .

والحروري : الخارجي نسبة إلى حروراء ، وهو أول مجتمعاتهم لما نابذوا أمير المؤمنين عليا ، وأظهروا التحكيم " لا حكم إلا لله " .

فسموا المحكمة ، والحرورية ، والخوارج .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى آية مشكلة ؛ روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ ( أكاد أخفيها ) بفتح الهمزة ؛ قال : أظهرها .

لتجزى أي الإظهار للجزاء ؛ رواه أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل عن وقاء بن إياس عن سعيد بن جبير وقال النحاس : وليس لهذه الرواية طريق غير هذا .قلت : وكذا رواه أبو بكر الأنباري في كتاب الرد ؛ حدثني أبي حدثنا محمد بن الجهم حدثنا الفراء حدثنا الكسائي ؛ ح - وحدثنا عبد الله بن ناجية ، حدثنا يوسف حدثنا يحيى الحماني حدثنا محمد بن سهل .

قال النحاس ؛ وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير : أنه قرأ أكاد أخفيها بضم الهمزة .قلت : وأما قراءة ابن جبير أخفيها بفتح الهمزة بالإسناد المذكور فقال أبو بكر [ ص: 103 ] الأنباري قال الفراء : معناه أظهرها من خفيت الشيء أخفيه إذا أظهرته .

وأنشد الفراء لامرئ القيس :فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعدأراد لا نظهره ؛ وقد قال بعض اللغويين : يجوز أن يكون أخفيها بضم الهمزة معناه أظهرها لأنه يقال : خفيت الشيء وأخفيته إذا أظهرته ؛ فأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار .

وقال أبو عبيدة : خفيت وأخفيت بمعنى واحد النحاس : وهذا حسن ؛ وقد حكاه عن أبي الخطاب وهو رئيس من رؤساء اللغة لا يشك في صدقه ؛ وقد روى عنه سيبويه وأنشد :وإن تكتموا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعدكذا رواه أبو عبيدة عن أبي الخطاب بضم النون .

وقال امرؤ القيس أيضا :خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلبأي أظهرهن .

وروى : ( من سحاب مركب ) بدل ( من عشي مجلب ) .

وقال أبو بكر الأنباري وتفسير للآية آخر : إن الساعة آتية أكاد انقطع الكلام على أكاد وبعده مضمر أكاد آتي بها ، والابتداء أخفيها لتجزى كل نفس قال ضابئ البرجمي :هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائلهأراد وكدت أفعل ، فأضمر مع كدت فعلا كالفعل المضمر معه في القرآن .

قلت : هذا الذي اختاره النحاس ؛ وزيف القول الذي قبله فقال يقال : خفى الشيء يخفيه إذا أظهره ، وقد حكي أنه يقال : أخفاه أيضا إذا أظهره ، وليس بالمعروف ؛ قال : وقد رأيت علي بن سليمان لما أشكل عليه معنى أخفيها عدل إلى هذا القول ، وقال معناه كمعنى ( أخفيها ) .

قال النحاس : ليس المعنى على أظهرها ولا سيما و ( أخفيها ) قراءة شاذة ، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة ، والمضمر أولى ؛ ويكون التقدير : إن الساعة آتية أكاد آتي بها ؛ ودل آتية على آتي بها ؛ ثم قال : أخفيها على الابتداء .

وهذا معنى صحيح ؛ لأن الله - عز وجل - قد أخفى الساعة التي هي القيامة ، والساعة التي يموت فيها الإنسان ليكون الإنسان يعمل ، والأمر عنده مبهم فلا يؤخر التوبة .[ ص: 104 ] قلت : وعلى هذا القول تكون اللام في ( لتجزى ) متعلقة ب ( أخفيها ) .

وقال أبو علي هذا من باب السلب وليس من باب الأضداد ، ومعنى أخفيها أزيل عنها خفاءها ، وهو سترها كخفاء الأخفية والواحد خفاء بكسر الخاء القربة ، وإذا زال عنها سترها ظهرت .

ومن هذا قولهم : أشكيته ، أي أزلت شكواه ، وأعديته أي قبلت استعداءه ولم أحوجه إلى إعادته .

وحكى أبو حاتم عن الأخفش : أن ( كاد ) زائدة مؤكدة .

قال : ومثله إذا أخرج يده لم يكد يراها لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه .

وروي معناه عن ابن جبير ، والتقدير : إن الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى .

وقال الشاعر :سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما إن يكاد قرنه يتنفسأراد فما يتنفس .

وقال آخر :وألا ألوم النفس فيما أصابني وألا أكاد بالذي نلت أنجحمعناه : وألا أنجح بالذي نلت ؛ فأكاد توكيد للكلام .

وقيل : المعنى أكاد أخفيها أي أقارب ذلك ؛ لأنك إذا قلت كاد زيد يقوم ، جاز أن يكون قام ، وأن يكون لم يقم .

ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب .

قال اللغويون : كدت أفعل معناه عند العرب : قاربت الفعل ولم أفعل ، وما كدت أفعل معناه : فعلت بعد إبطاء .

وشاهده قول الله عزت عظمته فذبحوها وما كادوا يفعلون معناه : وفعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم .

وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بأكاد .

وقيل معنى أكاد أخفيها أريد أخفيها .

قال الأنباري : وشاهد هذا قول الفصيح من الشعر :كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من لهو الصبابة ما مضىمعناه : أرادت وأردت .

وقال ابن عباس وأكثر المفسرين فيما ذكر الثعلبي أن المعنى أكاد أخفيها من نفسي ؛ وكذلك هو في مصحف أبي .

وفي مصحف ابن مسعود : أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق .

وفي بعض القراءات : فكيف أظهرها لكم .

وهو [ ص: 105 ] محمول على أنه جاء على ما جرت به عادة العرب في كلامها ، من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء قال : كدت أخفيه من نفسي .

والله تعالى لا يخفى عليه شيء ؛ قال معناه قطرب وغيره .

وقال الشاعر :أيام تصحبني هند وأخبرها ما أكتم النفس من حاجي وأسراريفكيف يخبرها بما تكتم نفسه .

ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه الزمخشري وقيل معناه : أكاد أخفيها من نفسي ، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف ؛ ومحذوف لا دليل عليه مطرح ، والذي غرهم منه أن في مصحف أبي : أكاد أخفيها من نفسي ؛ وفي بعض المصاحف أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها .قلت : وقيل إن معنى قول من قال أكاد أخفيها من نفسي ؛ أي إن إخفاءها كان من قبلي ومن عندي لا من قبل غيري .

وروي عن ابن عباس أيضا : أكاد أخفيها من نفسي ؛ ورواه طلحة بن عمر وعن عطاء .

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : لا أظهر عليها أحدا .

وروي عن سعيد بن جبير قال : قد أخفاها .

وهذا على أن كاد زائدة .

أي إن الساعة آتية أخفيها ، والفائدة في إخفائها التخويف والتهويل .

وقيل : تعلق لتجزى بقوله تعالى : وأقم الصلاة فيكون في الكلام تقديم وتأخير ؛ أي أقم الصلاة لتذكرني لتجزى كل نفس بما تسعى أي بسعيها إن الساعة آتية أكاد أخفيها .

والله أعلم .

وقيل : هي متعلقة بقوله : آتية أي إن الساعة آتية لتجزى

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ } أي: لا بد من وقوعها { أَكَادُ أُخْفِيهَا } أي: عن نفسي كما في بعض القراءات، كقوله تعالى: { يَسْأَلَكَ الناس عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله } وقال: { وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } فعلمها قد أخفاه عن الخلائق كلهم، فلا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والحكمة في إتيان الساعة { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } من الخير والشر، فهي الباب لدار الجزاء { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) قيل معناه إن الساعة آتية أخفيها .

و " أكاد " : صلة .

وأكثر المفسرين قالوا : معناه : أكاد أخفيها من نفسي ، وكذلك في مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود : أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق .

وفي بعض القراءات : فكيف أظهرها لكم .

وذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقولون : كتمت سرك من نفسي ، أي : أخفيته غاية الإخفاء ، والله عز اسمه لا يخفى عليه شيء .

وقال الأخفش : أكاد : أي : أريد ، ومعنى الآية : أن الساعة آتية أريد أخفيها .

والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف ، لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت .

وقرأ الحسن بفتح الألف ، أي : أظهرها .

يقال : خفيت الشيء : إذا أظهرته ، وأخفيته : إذا سترته .

قوله تعالى : ( لتجزى كل نفس بما تسعى ) أي : بما تعمل من خير وشر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الساعة آتية أكاد أخفيها» عن الناس ويظهر لهم قربها بعلاماتها «لتجزى» فيها «كل نفس بما تسعى» به من خير أو شر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الساعة التي يُبعث فيها الناس آتية لا بد من وقوعها، أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها أحد من المخلوقين؛ لكي تُجزى كل نفس بما عملت في الدنيا من خير أو شر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن الساعة آتية لا ريب فيها فقال : ( إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا واتبع هَوَاهُ فتردى ) .أى : إن الساعة التى هى وقت البعث والحساب والثواب والعقاب ، آتية أى : كائنة وحاصلة لا شك فيها .وقوله ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) أى : أقرب أن أخفى وقتها ولا أظهره لا إجمالا ولا تفصيلا ، ولولا أن فى إطلاع أصفيائى على بعض علاماتها فائدة ، لما تحدثت عنها .قالوا : " والحكمة فى إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت ، أن الله - تعالى - وعد بعدم قبول التوبة عند قربهما ، فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية إلى قرب ذلك الوقت ثم يتوب ، فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف الموت كالإغراء بفعل المعصية ، وهو لا يجوز .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) أقرب أن أخفى الساعة ولا أظهرها ، بأن أقول إنها آتية .

.

.

أو أريد إخفاء وقتها المعين وعدم إظهاره .

.

.

فكاد بمعنى أراد ، وإلى هذا ذهب الأخفش وغيره .

.

.

وروى عن ابن عباس أن المعنى : أكاد أخفيها من نفسى ، فكيف أظهركم عليها .

.

وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة فى كتمان الشىء قال : كدت أخفيه عن نفسى .وقال أبو على : المعنى أكاد أظهرها بأن أوقعها ، وهذا بناء على أن أخفيها من ألفاظ السلب بمعنى أزيل خفاءها .

.

.ويبدو لنا أن الإخفاء هنا على حقيقته ، وأن المقصود من الآية الكريمة إخفاء وقت مجىء الساعة من الناس ، حتى يكونوا على استعداد لمجيئها عن طريق العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة .فحكمة الله - تعالى - اقتضت إخفاء وقت الساعة ، وعدم إطلاع أحد عليها إلا بالمقدار الذى يأذن الله - تعالى - به لرسله .قال الإمام ابن جرير ما ملخصه : " والذى هو أولى بتأويل الآية من القول : قول من قال معناه : أكاد أخفيها من نفسى .

.

.

لأن المعروف من معنى الإخفاء فى كلام العرب : التسر .

يقال : قد أخفيت الشىء إذا سترته .

.

.

وإنما اخترنا هذا القول على غيره لموافقته أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين .وقوله : ( لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى ) متعلق بآتية ، وجملة ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) معترضة بينهما .أى : إن الساعة آتية لا ريب فيها ، لكى تجزى كل نفس على حسب سعيها وعملها فى الدنيا .قال - تعالى - : ( وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً ) وقال - سبحانه - : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قرأ حمزة: (وإنا اخترناك) وقرأ أبي بن كعب: (وإني اخترتك) وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: معناه اخترتك للرسالة وللكلام الذي خصصتك به، وهذه الآية تدل على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق لأن قوله: ﴿ وَأَنَا اخترتك ﴾ يدل على أن ذلك المنصب العلي إنما حصل لأن الله تعالى اختاره له ابتداء لا أنه استحقه على الله تعالى.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ فيه نهاية الهيبة والجلالة فكأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهب له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفاً إليه فقوله: ﴿ وَأَنَا اخترتك ﴾ يفيد نهاية اللطف والرحمة وقوله: ﴿ فاستمع ﴾ يفيد نهاية الهيبة فيحصل له من الأول نهاية الرجاء ومن الثاني نهاية الخوف.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِنَّنِى أَنَا الله لآ إله إلآ أَنَاْ فاعبدنى ﴾ يدل على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع لأن التوحيد في علم الأصول والعبادة من علم الفروع وأيضاً الفاء في قوله: ﴿ فاعبدنى ﴾ تدل على أن عبادته إنما لزمت لإلهيته وهذا هو تحقيق العلماء أن الله هو المستحق للعبادة.

المسألة الرابعة: أنه سبحانه بعد أن أمره بالتوحيد، أولاً ثم بالعبادة ثانياً، أمره بالصلاة ثالثاً احتج أصحابنا بهذه الآية على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز من وجهين: الأول: أنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفية تلك العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكاً عن البيان.

الثاني: أنه قال: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ ولم يبين كيفية الصلاة قال: القاضي لا يمتنع أن موسى عليه السلام قد عرف الصلاة التي تعبد الله تعالى بها شعيباً عليه السلام وغيره من الأنبياء فصار الخطاب متوجهاً إلى ذلك ويحتمل أنه تعالى بين له في الحال وأن كان المنقول في القرآن لم يذكر فيه إلا هذا القدر.

والجواب: أما العذر الأول فإنه لا يتوجه في قوله تعالى: ﴿ فاعبدنى ﴾ وأيضاً فحمل مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم لأن موسى عليه السلام ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب عليه السلام فلو حملنا قوله: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة، أما لو حملناه على صلاة أخرى لحصلت الفائدة الزائدة، قوله: لعل الله تعالى بينه في ذلك الموضع وإن لم يحكه في القرآن قلنا لا نشك أن البيان أكثر فائدة من المجمل فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.

المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ لِذِكْرِي ﴾ وجوه: أحدها: لذكري يعني لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلي لي.

وثانيها: لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد.

وثالثها: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها.

ورابعها: لأن أذكرك بالمدح والثناء واجعل لك لسان صدق.

وخامسها: لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري.

وسادسها: لإخلاص ذكري وطلب وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضاً آخر.

وسابعها: لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم كما قال تعالى: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله  ﴾ .

وثامنها: لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة لقوله تعالى: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً  ﴾ .

وتاسعها: ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ حين تذكرها أي أنك إذا نسيت صلاة فاقضها إذا ذكرتها.

روى قتادة عن أنس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ثم قرأ: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ قال الخطابي يحتمل هذا الحديث وجهين.

أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها والآخر أنه لا يلزم في نسيانها غرامة ولا كفارة كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئاً من نسكه فدية من إطعام أو دم.

وإنما يصلي ما ترك فقط فإن قيل حق العبارة أن يقول أقم الصلاة لذكرها كما قال عليه السلام: «فليصلها إذا ذكرها» قلنا قوله: ﴿ لِذِكْرِى ﴾ معناه للذكر الحاصل بخلقي أو بتقدير حذف المضاف أي لذكر صلاتي.

المسألة السادسة: لو فاتته صلوات يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء فلو ترك الترتيب في قضائها جاز عند الشافعي رحمه الله ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة نظر إن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة ولو بدأ بصلاة الوقت جاز وإن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فات الوقت يجب أن يبدأ بصلاة الوقت حتى لا تفوت ولو تذكر الفائتة بعدما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها ولا يجب وقال أبو حنيفة رحمه الله يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزد على صلاة يوم وليلة حتى قال: لو تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة تركها اليوم يبطل فرض الوقت فيقضي الفائتة ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل حجة أبي حنيفة رحمه الله الآية والخبر والأثر والقياس، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِي ﴾ أي لتذكرها واللام بمعنى عند كقوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس  ﴾ أي عند دلوكها فمعنى الآية أقم الصلاة المتذكرة عند تذكرها وذلك يقتضي رعاية الترتيب وأما الخبر فقوله عليه السلام: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» والفاء للتعقيب وأيضاً روى جابر بن عبد الله قال: «جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس قال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا والله ما صليتها بعد قال فنزل إلى البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها» وهذا الحديث مذكور في الصحيحين قالت الحنفية والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فلما صلى الفوائت على الولاء وجب علينا ذلك.

والثاني: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مخرج البيان للمجمل كان حجة وهذا الفعل خرج بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿ أَقِيمُواْ الصلاة  ﴾ ولهذا قلنا إن الفوائت إذا كانت في حد القلة يجب مراعاة الترتيب فيها وإذا دخلت في حد الكثرة يسقط الترتيب وأما الأثر فما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «من فاتته صلاة فلم يذكرها إلا في صلاة الإمام فليمض في صلاته فإذا قضى صلاته مع الإمام يصلي ما فاته ثم ليعد التي صلاها مع الإمام» وقد يروى هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القياس فهو أنهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة والمزدلفة فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة كذلك حجة الشافعي رحمه الله أنه روى في حديث أبي قتادة: «أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها» ولو كان وقت التذكر معيناً للصلاة لما جاز ذلك فعلمنا أن ذلك الوقت وقت لتقرر الوجوب عليه لكن لا على سبيل التضييق بل على سبيل التوسع إذا ثبت هذا فنقول إيجاب قضاء الفوائت وإيجاب أداء فرض الوقت الحاضر يجري مجرى التخيير بين الواجبين فوجب أن يكون المكلف مخيراً في تقديم أيهما شاء ولأنه لو كان الترتيب في الفوائت شرطاً لما سقط بالنسيان ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في يوم غيم ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال والعصر بعد الزوال فإنه يعيدهما جميعاً ولم يسقط الترتيب بالنسيان لما كان شرطاً فيهما فهاهنا أيضاً لو كان شرطاً فيهما لما كان يسقط بالنسيان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفاءها؛ ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به.

وقيل: معناه أكاد أخفيها من نفسي، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل عليه مطرح.

والذي غرهم منه أن في مصحف أبيّ: أكاد أخفيها من نفسي.

وفي بعض المصاحف: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها وعن أبي الدرداء وسعيد بن جبير ﴿ أخْفيَهَا ﴾ بالفتح، من خفاه إذا أظهره، أي: قرب إظهارها كقوله تعالى: ﴿ اقتربت الساعة ﴾ [القمر: 1] وقد جاء في بعض اللغات: أخفاه بمعنى خفاه.

وبه فسر بيت امرئ القيس: فَإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لاَنْخفِهِ ** وَإنْ تَبْعَثُوا الْحَرْبَ لا نَقْعُدِ فأكاد أخفيها محتمل للمعنيين ﴿ لتجزى ﴾ متعلق بآية ﴿ بِمَا تسعى ﴾ بسعيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنا اخْتَرْتُكَ ﴾ اصْطَفَيْتُكَ لِلنُّبُوَّةِ وقَرَأ حَمْزَةُ «وَإنّا اخْتَرْناكَ» .

﴿ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى ﴾ لِلَّذِي يُوحى إلَيْكَ، أوْ لِلْوَحْيِ واللّامُ تَحْتَمِلُ التَّعَلُّقَ بِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ.

﴿ إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي ﴾ بَدَلٌ مِمّا يُوحى دالٌّ عَلى أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُنْتَهى العِلْمِ والأمْرُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي كَمالُ العَمَلِ.

﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ خَصَّها بِالذِّكْرِ وأفْرَدَها بِالأمْرِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي أناطَ بِها إقامَتَها، وهو تَذَكُّرُ المَعْبُودِ وشَغْلُ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ.

وقِيلَ ﴿ لِذِكْرِي ﴾ لِأنِّي ذَكَرْتُها في الكُتُبِ وأمَرْتُ بِها، أوْ لِأنْ أذْكُرَكَ بِالثَّناءِ، أوْ لِذِكْرِي خاصَّةً لا تُرائِي بِها ولا تَشُوبُها بِذِكْرِ غَيْرِي.

وقِيلَ لِأوْقاتِ ذِكْرِي وهي مَواقِيتُ الصَّلاةِ أوْ لِذِكْرِ صَلاتِي.

لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ «مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها فَلْيَقْضِها إذا ذَكَرَها» إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن الساعة آتية} لا محالة {أَكَادُ} أريد عن الأخفش وقيل صلة {أُخْفِيهَا} قيل هو من الأضداد أي أظهرها أو أسترها عن العباد فلا أقول هي آتية لإرادتي إخفاءها ولولا ما في الأخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من الحكمة وهو أنهم إذا لم يعلموا متى تقوم كانوا على وجل منها

في كل وقت لما اخبرت به {لتجزى} متعلق بآتية {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى} بسعيها من خير أو شر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ العِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ أيْ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإتْيانِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِها بِإبْرازِها في مَعْرِضِ أمْرٍ مُحَقَّقٍ مُتَوَجِّهٍ نَحْوَ المُخاطَبِينَ ﴿ أكادُ أُخْفِيها ﴾ أقْرَبُ أنْ أُخْفِيَ السّاعَةَ ولا أُظْهِرَها بِأنْ أقُولَ إنَّها آتِيَةٌ ولَوْلا أنْ في الأخْبارِ بِذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ وقَطْعِ الأعْذارِ لَما فَعَلْتُ، وحاصِلُهُ أكادُ أُبالِغُ في إخْفائِها فَلا أُجْمِلُ كَما لَمْ أُفَصِّلْ، والمُقارَبَةُ هُنا مَجازٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ أوْ أُرِيدَ إخْفاءُ وقْتِها المُعَيَّنِ وعَدَمُ إظْهارِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأخْفَشُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو مُسْلِمٍ، ومِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في المُحْتَسِبِ قَوْلُهُ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ كَذَلِكَ، ورَوى ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ ذَلِكَ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها، وفي بَعْضِ القِراءاتِ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ أُظْهِرُها لَكم، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ يَعْلَمُها مَخْلُوقٌ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ مِن أنَّ أحَدَهم إذا أرادَ المُبالَغَةَ في كِتْمانِ الشَّيْءِ قالَ: كِدْتُ أُخْفِيهِ مِن نَفْسِي ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: أيّامَ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وأُخْبِرُها ∗∗∗ ما كِدْتُ أكْتُمُهُ عَنِّي مِنَ الخَبَرِ ونَحْوُ هَذا مِنَ المُبالَغَةِ قَوْلُهُ  في حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهم تَحْتَ ظِلِّهِ: ( «ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» ) وبِجَعْلِ ذَلِكَ مِن بابِ المُبالَغَةِ يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ إخْفاءَ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ فَلا يُناسِبُ دُخُولَ كادَ عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ لِما قِيلَ: إنَّ مَعْنى مِن نَفْسِي مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي، والقَرِينَةُ عَلى هَذا المَحْذُوفِ إثْباتُهُ في المَصاحِفِ، وكَوْنُهُ قَرِينَةً خارِجِيَّةً لا يَضُرُّ إذْ لا يَلْزَمُ في القَرِينَةِ وُجُودُها في الكَلامِ.

وقِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا بُدَّ لِأُخْفِيَها مِن مُتَعَلِّقٍ وهو مَن يُخْفى مِنهُ.

ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّهُ تَعالى أخْفاها عَنْهم لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ فَيَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ.

وفِيهِ أنَّ عَدَمَ صِحَّةِ تَقْدِيرِ مِنَ الخَلْقِ مَمْنُوعٌ لِجَوازِ إرادَةِ إخْفاءِ تَفْصِيلِها وتَعْيِينِها مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يُقْدَّرَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، والمَعْنى أُوجِدُ إخْفاءَها ولا أقُولُ: إنَّها آتِيَةٌ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى أكادُ أُظْهِرُها بِإيقاعِها عَلى أنَّ أُخْفِيها مِن ألْفاظِ السَّلْبِ بِمَعْنى أُزِيلُ خَفاءَها أيْ ساتِرَها وهو في الأصْلِ ما يُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوُها مِن كِساءٍ وما يَجْرِي مَجْراهُ.

ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تُوقِدُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أبِي الدَّرْداءِ وابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وحُمَيْدٍ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ ( أخْفِيها ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَإنَّ خَفاهُ بِمَعْنى أظْهَرَهُ لا غَيْرَ في المَشْهُورِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ كَما حَكاهُ أبُو الخَطّابِ أحَدُ رُؤَساءِ اللُّغَةِ: خَفَيْتُ وأخْفَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ.

ومُتَعَلِّقُ الإخْفاءِ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ في تَفْسِيرِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ والإظْهارِ لَيْسَ شَيْئًا واحِدًا حَتّى تَتَعارَضَ القِراءَتانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَبَرُ كادَ مَحْذُوفٌ أكادُ آتِي بِها كَما حُذِفَ في قَوْلِ صابِئٍ البُرْجُمِيِّ: هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهُ أيْ وكِدْتُ أفْعَلُ، وتَمَّ الكَلامُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ تَعالى يُخْفِيها، واخْتارَ النَّحّاسُ وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: (أكادُ) زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى بَلِ المُرادُ الإخْبارُ بِأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها.

ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ واسْتَدَلُّوا عَلى زِيادَةِ كادَ بِقُولِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ ويَقُولُ زَيْدُ الخَيْلِ: سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ ∗∗∗ فَما إنْ يَكادُ قَرْنُهُ يَتَنَفَّسُ ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ كَما لا يَخْفى ﴿ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتِيَةٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وغَيْرُهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لا صِفَةَ حَتّى يَلْزَمَ إعْمالُ اسْمِ الفاعِلِ المَوْصُوفِ وهو لا يَجُوزُ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ أوْ بِأُخْفِيها عَلى أنَّ المُرادَ أُظْهِرُها لا عَلى أنَّ المُرادَ أسْتُرُها لِأنَّهُ لا وجْهَ لِقَوْلِكَ.

أسْتُرُها لِأجْلِ الجَزاءِ، وبَعْضُهم جَوَّزَ ذَلِكَ، ووَجْهُهُ بِأنَّ تَعْمِيَةَ وقْتِها لِتَنْتَظِرَ ساعَةً فَساعَةً فَيَحْتَرِزُ عَنِ المَعْصِيَةِ ويَجْتَهِدُ في الطّاعَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ مَعَ أنَّهُ لا صِحَّةَ لَهُ إلّا بِتَقْدِيرِ لِيَنْتَظِرَ الجَزاءَ أوْ لِتَخافَ وتَخْشى، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لِتُجْزى بِسَعْيِها وعَمَلِها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

وهَذا التَّعْمِيمُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: لِتُجْزى بِسَعْيِها في تَحْصِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المَأْمُورِ بِها، وتَخْصِيصُهُ في مَعْرِضِ الغايَةِ لِإتْيانِها مَعَ أنَّهُ لِجَزاءِ كُلِّ نَفْسٍ بِما صَدَرَ عَنْها سَواءٌ كانَ سَعْيًا فِيما ذُكِرَ أوْ تَقاعُدًا عَنْهُ بِالمَرَّةِ أوْ سَعْيًا في تَحْصِيلِ ما يُضادُّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ مِن إتْيانِها هو الإثابَةُ بِالعِبادَةِ، وأمّا العِقابُ بِتَرْكِها فَمِن مُقْتَضَياتِ سُوءِ اخْتِيارِ العُصاةِ، وبِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في قُوَّةِ الوُجُوبِ والسّاعَةُ في شِدَّةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ بِحَيْثُ يُوجِبانِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ أنْ تَسْعى في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ وتَجِدَ في تَحْصِيلِ ما يُنْجِيها مِنَ الطّاعاتِ وتَحْتَرِزُ عَنِ اقْتِرافِ ما يُرْدِيها مِنَ المَعاصِي انْتَهى.

ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ أيْ بِالَّذِي تَسْعى فِيهِ، وفِيهِ حَذْفُ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لا يَشْتَرِطُ، وقِيلَ: يُقَدِّرُ مَنصُوبًا عَلى التَّوَسُّعِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ يعني: تعلن بالقول، يعني: بالقرآن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى يعني: ما أسررت في نفسك وَأَخْفى يعني: ما لم تحدث به نفسك، وهذا قول الضحاك، وقال ابن عباس هكذا، وقال عكرمة: السر ما حدث الرجل به أهله، وَأَخْفى ما تكلمت به نفسك، وروى منصور بن عمار عن بعض الصحابة قال: «السر ما أسررت به في نفسك» ، وَأَخْفى «من السر ما لم يطلع عليه أحد أنه كائن» .

ثم قال عز وجل: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: هو الله الخالق الرزاق، لا خالق ولا رازق غيره لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: الصفات العلى.

وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى يعني: خبر موسى  في القرآن.

ثم أخبره فقال إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا يعني: انزلوا مكانكم وقفوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً يعني: أبصرت ناراً، وذلك حين رجع من مدين مع أهله أصابهم البرد، فرأى موسى ناراً من البعد فقال لهم: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني: بشعلة، وهو ما اقتبس من عود أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني: هادياً يدلنا على الطريق.

وكان موسى  ضل الطريق، وكانت ليلة مظلمة فَلَمَّا أَتاها يعني: انتهى إلى النار نُودِيَ يعني: دعي يا مُوسى قال ابن عباس: «لما أتى النار فإذا هي نار بيضاء تستوقد من شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها وهي خضراء، فجعل يتعجب منها» ، وقال في رواية وهب بن منبه: «فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه، فلما طال ذلك أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها، فلما فعل ذلك مالت نحوه كأنها تريده، فاستأخر عنها، ثم عاد فطاف بها، فنودي يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً يعني: المطهر.

قال مقاتل: طُوىً اسم الوادي، وقال مجاهد: يعني: طي الأرض حافياً.

قال عامة المفسرين: إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد حمار ميت، وقال بعضهم: أراد أن يصيب باطن قدميه من الوادي ليتبرك به.

وروي عن كعب الأحبار: «أنه كان جالساً في المسجد، فجاء رجل يصلي فخلع نعليه، ثم جاء آخر يصلي فخلع نعليه، ثم جاء آخر فخلع نعليه، فقال لهم كعب الأحبار: «أنبيكم  أمركم بهذا؟

قالوا لا.

قال: فلم تخلعون نعالكم إذا صليتم؟

قالوا: سمعنا الله تعالى يقول: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً قال: أتدرون من أي شيء كانتا نعليه؟

قالوا: لا.

قال: إنما كانتا من جلد حمار ميت، فأمره الله تعالى أن يخلعهما ليمسه القدس كله» .

وقال عكرمة: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً قال: لكي تمس راحة قدميه الأرض الطيبة.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو إِنِّي أَنَا رَبُّكَ بنصب الألف، يعني: بأني أنا ربك على معنى البناء، وقرأ الباقون في أَنَا رَبُّكَ بالكسر على معنى الابتداء.

وقرأ حمزة لأهله امكثوا بضمّ الهاء الثانية، وقرأ الباقون بكسر الهاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع طُوىً بنصب الواو بغير تنوين، وقرأ الباقون بالتنوين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأسند عِيَاضٌ في «الشفا» «١» من طريق أَبِي ذَرٍّ الهروي، عن الرَّبِيعِ بن أَنَسٍ قال: كان ٨ أالنبيّ صلى الله عليه وسلّم إذَا صَلَّى/، قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الأخرى، فأنْزَل الله طه يعني: طَإ الأَرْضَ يَا محمد، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ولاَ خَفاءَ بمَا في هذا كله من الإكرام له (صلى الله عليه وسلّم) وحُسْن المعاملة.

انتهى.

[قال ص: لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً عِلَّتانِ لِقَوْلِه: مَا أَنْزَلْنا.

انتهى] «٢» .

وقد تقدم القولُ في مَسْأَلَةِ الاسْتِوَاء، وباقي الآية بيّن.

قال ابنُ هِشَام: قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ أيْ: فاعلم أَنه غَنِيٌّ عن جهرك فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى، فالجوابُ مَحذُوفٌ.

انتهى.

وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)

وقوله سبحانه: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هذا الاِسْتفهام توقيفٌ مضمنه:

تَنْبِيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدَأُ الرجل إذا أَردْتَ إخْبَارَه بأَمْرٍ غَرِيبٍ فتقول: أعلمْتَ كذا، وكذا، ثم تبدأ تخبره.

وكان من قصّة موسى- عليه السلام- أنه رحل من مَدْيَن بأهله بِنْت شُعَيْب- عليه السلام- وهو يريدُ أَرض مِصْر، وقد طالت مُدَّة جِنَايته هُنَالِكَ، فَرَجَا خَفَاءَ أمْره، وكان فيما يزعمون رَجُلاً غَيُوراً، فكان يَسِيرُ الليلَ بأهْلِهِ، وَلاَ يَسِيرُ بالنهار مخافةَ كشفة «٣» الناسِ، فَضَلَّ عن طريقه في لَيْلَةٍ مظلمة، فبينما هو كذلك، وقد قَدَحَ بزنده، فلم يُورِ شَيْئاً إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، أيْ: أقِيموا، وذهب هو إلى النار، فإذا هي مُضْطَرِمةٌ في شَجَرةٍ خَضْرَاءَ يانِعةٍ، قيل: كانت من عُنَّابٍ، وقِيلَ: من عَوْسَج «٤» ، وقِيلَ: من علّيق «٥» ، فكلّما

دَنَا مِنْها، تباعَدَتْ منه، ومَشَتْ فإذا رجع عنها اتَّبعَتْهُ، فلما رأَى ذَلِكَ أَيقنَ أَنَّ هذا مِنْ أُمُورِ الله الخَارِقَةِ للعادة، ونُودِي، وانقضى أَمْرُه كُلّه في تلك الليلة هذا «١» قول الجُمْهُورِ، وهو الحقُّ، وما حُكِيَ عن ابنِ عباسٍ: أنَّه قال: أَقامَ في ذلك الأَمْرِ حَوْلاً، فغيرُ صَحِيحٍ عن ابن عباس «٢» .

وآنَسْتُ: معناه: أَحْسَسْتُ، والقَبَسُ: الجذْوةُ من النار، تكون على رَأْس العُودِ.

والهُدَى: أراد هُدَى الطريقِ، أَيْ: لعلي أَجِدُ مرشداً لي، أوْ دليلاً.

وفي قِصَّة موسى بأسْرها في هذه السورة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم عما لقي في تبليغه من المشقّات صلى الله عليه وسلّم والضميرُ في قوله: أَتاها: عائِدٌ على النار.

وقوله: «نُودي» : كنايةٌ عن تَكْلِيم الله تعالى له (عليه السلام) .

وقرأَ نَافِعٌ «٣» وغيرُه: إنِّي- بكسر الهمزة- على الابْتداءِ، وقرأَ أَبُو عَمْرو، وابن كَثِير:

«أَنِّي» - بفتحها- على معنى: لأَجل أَنِّي أَنا رَبُّك، فَاخْلَعْ نعليك.

واخْتُلِفَ في السبب الذي مِنْ أَجْله أُمِرَ بخلْعِ النعلين: فقالتْ فِرْقَةٌ: كَانَتَا من جِلْد حَمِارٍ مَيِّتٍ، فأُمِرَ بِطَرْحِ النَّجَاسَةِ.

وقالت فرقةٌ: بل كَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ بقَرَةٍ ذَكِيّ لكن أُمِر بخلعهما لينَالَ بركَةَ الوَادِي المُقدَّسِ، وتمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوَادِي.

قال ع «٤» : وتحتمل الآيةُ مَعْنًى آخَرَ، هو الأَليقُ بها عِنْدِي وهو: أَن الله تعالى أمرِه أنْ يتأدَّبَ، ويتَوَاضَعَ لعظم الحَالِ الَّتي حَصَلَ فيها، والعُرْف عِنْد المُلُوكِ: أن تخلع

النَّعْلاَنِ، ويبلغُ الإنْسان إلَى غاية تَوَاضُعِهِ، فكأَنَّ موسى- عليه السلام- أُمِر بذلك عَلَى هذا الوجه، وَلاَ نُبَالِي كيفَ كَانَتْ نَعْلاَهُ من ميتة أو غيرها.

والْمُقَدَّسِ: معناه المطهّر، وطُوىً: [معناه] «١» مَرَّتَيْنِ.

فقالت فرقةٌ: معناه قُدِّسَ مرتيْنِ، وقالت فِرْقةٌ: معناه طُوِيَتْ لك الأَرْضُ مَرَّتَيْنِ من ظنك.

قال الفَخْرُ: وقِيلَ: إنَّ طُوًى اسم وادٍ بالشام، وهو عند الطُّورِ الذي أَقْسم الله به في القرآن.

وقيل/: إنَّ طُوىً بمعنى: يَا رَجُلُ، بالعَبْرَانِيَّةِ، كأنه قِيلَ: يا رجل اذهب إلَى فِرْعون.

انتهى «من تفسيره لسورة والنازعات» .

قال ع «٢» : وحدثني أَبِي- رحمه الله- قال: سمعت أَبا الفضل بْنَ الجوهري- رحمه الله تعالى- يقول: لما قِيل لموسى: استمع لما يوحى، وقف على حَجَرٍ، واستند إلَى حَجَرٍ، ووضع يَمِينه عَلَى شِمَالِه وأَلْقى ذَقَنَهُ على صَدْرِه، ووقف يستمع، وكان كُلُّ لباسه صُوفاً.

وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي: يحتمل أن يريدَ: لِتَذْكُرَنِي فيها، أوْ يريد:

لأَذْكركَ في عِلِّيَينَ بها، فالمصدرُ محتمل الإضافة إلى الفَاعِل، أَوِ المفعول.

وقالت فِرْقةٌ: معنى قولهِ لِذِكْرِي أيْ: عند ذِكْرى، أَيْ: إذا ذكرتني، وأمري لك بها.

ت: وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً، فَلُيصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا «٣» قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي ﴿ طه ﴾ قِراءاتٌ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.

واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى.

والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ.

ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ  ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ.

والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ.

فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) .

وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِتَشْقى ﴾ : لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَذْكِرَةً ﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لِتَشْقى ﴾ ، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و ﴿ العُلا ﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿ الثَّرى ﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ ﴾ ؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ.

وَفِي المُرادِ بِـ ﴿ السِّرَّ وأخْفى ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ.

والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ ﴿ إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى ﴾ ﴿ فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى ﴾ ﴿ إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى ﴾ ﴿ وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى ﴾ ﴿ إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟

ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَدِيثُ مُوسى ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ.

هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ.

و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا.

و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ.

وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ ، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿ نُودِيَ ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ.

و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها.

وَ ﴿ المُقَدَّسِ ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿ طُوًى ﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ.

وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا.

وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنا رَبُّكَ ﴾ ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا  ﴾ ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ  ﴾ ، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ  ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بني فعل النداء للمجهول زيادة في التشويق إلى استطلاع القصة، فإبهام المنادي يشوّق سامع الآية إلى معرفته فإذا فاجأه ﴿ إنِّي أنا ربُّكَ ﴾ علم أنّ المنادي هو الله تعالى فتمكن في النفس كمال التمكن.

ولأنه أدخل في تصوير تلك الحالة بأنّ موسى ناداه مناد غير معلوم له، فحكي نداؤه بالفعل المبني للمجهول.

وجملة ﴿ إنِّي أنا ربُّكَ ﴾ بيان لجملة ﴿ نُودِيَ ﴾ .

وبهذا النداء علم موسى أنّ الكلام موجّه إليه من قِبَل الله تعالى لأنه كلام غير معتاد والله تعالى لا يغيّر العوائد التي قررها في الأكوان إلاّ لإرادة الإعلام بأنّ له عناية خاصة بالمغيّر، فالله تعالى خلق أصواتاً خَلقاً غير معتاد غير صادرة عن شخص مشاهد، ولا موجهة له بواسطة ملَك يتولى هو تبليغ الكلام لأنّ قوله ﴿ إنِّي أنا ربُّكَ ﴾ ظاهر في أنه لم يبلّغ إليه ذلك بواسطة الملائكة، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ [النساء: 164]، إذ علم موسى أن تلك الأصوات دالة على مراد الله تعالى.

والمرادُ التي تدلّ عليه تلك الأصوات الخارقة للعادة هو ما نسميه بالكلام النفسي.

وليس الكلام النفسي هو الذي سمعه موسى لأن الكلام النفسي صفة قائمة بذات الله تعالى منزّه عن الحروف والأصوات والتعلّق بالأسماع.

والإخبار عن ضمير المتكلم بأنه ربّ المخاطب لتسكين روعة نفسه من خطاب لا يرى مخاطِبه فإن شأن الرب الرفق بالمربوب.

وتأكيد الخبر بحرف (إنّ) لتحقيقه لأجل غرابته دفعاً لتطرق الشك عن موسى في مصدر هذا الكلام.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير «أني» بفتح الهمزة على حذف باء الجر.

والتقدير: نودي بأني أنا ربّك.

والتأكيد حاصل على كلتا القراءتين.

وتفريع الأمر بخلع النعلين على الإعلام بأنه ربّه إشارة إلى أن ذلك المكان قد حلّه التقديس بإيجاد كلام من عند الله فيه.

والخلع: فصل شيء عن شيء كان متّصلاً به.

والنعلان: جلدان غليظان يجعلان تحت الرجل ويشدّان برباط من جلد لوقاية الرِّجل ألم المشي على التّراب والحصى، وكانت النعل تجعل على مثال الرجل.

وإنما أمره الله بخلع نعليه تعظيماً منه لذلك المكان الذي سيسمع فيه الكلام الإلهي.

وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كانت نعلاه من جلد حمارٍ ميّت " أقول: وفيه أيضاً زيادة خشوع.

وقد اقتضى كلا المعنيين قوله تعالى: ﴿ إنَّكَ بالوادِ المُقَدَّسِ ﴾ فحرف التوكيد مفيد هنا التعليل كما هو شأنه في كل مقام لا يقتضي التأكيد.

وهذه خصوصية من جهات فلا يؤخذ منها حكمٌ يقتضي نزع النعل عند الصلاة.

والواد: المَفْرج بين الجبال والتلاللِ.

وأصله بياء في آخره.

وكثر تخفيفه بحذف الياء كما في هذه الآية فإذا ثُني لزمتْه الياء يقال: وادِيان ولا يقال وادَان.

وكذلك إذا أضيف يقال: بوادِيك ولا يقال بوادِك.

والمقدّس: المطهّر المنزّه.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ونُقدس لك ﴾ في أول البقرة (30).

وتقديس الأمكنة يكون بما يحلّ فيها من الأمور المعظمة وهو هنا حلول الكلام الموجه من قِبَل الله تعالى.

واختلف المفسرون في معنى طُوَىً } وهو بضم الطاء وبكسرها، ولم يقرأ في المشهور إلاّ بضم الطاء، فقيل: اسم لذلك المكان، وقيل: هو اسم مصدر مثل هُدى، وصف بالمصدر بمعنى اسم المفعول، أي طواه موسى بالسير في تلك الليلة، كأنه قيل له: إنك بالواد المقدّس الذي طويتَه سَيراً، فيكون المعنى تعيين أنه هو ذلك الواد.

وأحسن منه على هذا الوجه أن يقال هو أمر لموسى بأن يطوي الوادي ويصعَدَ إلى أعلاه لتلقي الوحي.

وقد قيل: إنّ موسى صَعِدَ أعلى الوادي.

وقيل: هو بمعنى المقدس تقديسين، لأن الطي هو جعل الثوب على شقين، ويجيء على هذا الوجه أن تجعل التثنية كناية عن التكرير والتضعيف مثل: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ [الملك: 4].

فالمعنى: المقدّس تقديساً شديداً.

فاسم المصدر مفعول مطلق مبيّن للعدد، أي المقدّس تقديساً مضاعفاً.

والظاهر عندي: أنّ ﴿ طُوىً ﴾ اسم لصنف من الأودية يكون ضيقاً بمنزلة الثوب المطوي أو غائراً كالبئر المطوية، والبئر تسمى طَوِيّاً.

وسمي وادٍ بظاهر مكة (ذا طوى) بتثليث الطاء، وهو مكان يسن للحاج أو المعتمر القادم إلى مكة أن يغتسل عنده.

وقد اختلف في (طوى) هل ينصرف أو يمنع من الصرف بناء على أنه اسم أعجمي أو لأنه معدول عن طاو، مثل عُمر عن عامر.

وقرأ الجمهور {طوى بلا تنوين على منعه من الصرف.

وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف منوّناً، لأنه اسم واد مذكّر.

وقوله وأنَا اخْتَرْتُكَ} أخبر عن اختيار الله تعالى موسى بطريق المسند الفعلي المفيد تقوية الحكم، لأنّ المقام ليس مقام إفادة التخصيص، أي الحصر نحو: أنا سعيت في حاجتك، وهو يعطي الجزيل.

وموجِب التقوّي هو غرابة الخبر ومفاجأته به دفعاً لتطرّق الشك في نفسه.

والاختيار: تكلف طلب ما هو خير.

واستعملت صيغة التكلف في معنى إجادة طلب الخير.

وفُرع على الإخبار باختياره أن أُمِر بالاستماع للوحي لأنه أثر الاختيار إذ لا معنى للاختيار إلاّ اختياره لتلقي ما سيوحي الله.

والمراد: ما يوحى إليه حينئذ من الكلام، وأما ما يوحى إليه في مستقبل الأيام فكونه مأموراً باستماعه معلوم بالأحْرى.

وقرأ حمزة وحده {وأنّا اخترناك بضميري التعظيم.

واللام في لِمَا يُوحَى} للتقوية في تعدية فعل «استمع» إلى مفعوله، فيجوز أن تتعلق باخْتَرْتُكَ، أي اخترتك للوحي فاستمع، معترضاً بين الفعل والمتعلّق به.

ويجوز أن يضمّن استمع معنى أصْغغِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ أيْ قَدْ أتاكَ حالُ مُوسى فِيما اجْتَباهُ رَبُّهُ لِنُبُوَّتِهِ وحَمَّلَهُ مِن رِسالَتِهِ.

واحْتَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِما قَصَّهُ عَلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِما عَرَّفَهُ في غَيْرِهِ.

﴿ إذْ رَأى نارًا ﴾ وكانَتْ عِنْدَ مُوسى نارًا، وعِنْدَ اللَّهِ نُورًا، قالَ مُقاتِلٌ: وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ في الشِّتاءِ.

﴿ فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا ﴾ أيْ أقِيمُوا.

والفَرْقُ بَيْنَ المُكْثِ والإقامَةِ أنَّ الإقامَةَ تَدُومُ والمُكْثَ لا يَدُومُ.

﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَأيْتُ نارًا.

والثّانِي: إنِّي آنَسْتُ بِنارٍ.

﴿ لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ ﴾ أيْ بِنارٍ تَصْطَلُونَ بِها.

﴿ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هادِيًا يَهْدِينِي الطَّرِيقَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: عَلامَةً أسْتَدِلُّ بِها عَلى الطَّرِيقِ.

وَكانُوا قَدْ ضَلُّوا عَنْهُ فَمَكَثُوا بِمَكانِهِمْ بَعْدَ ذَهابِ مُوسى ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتّى مَرَّ بِهِمْ راعِي القَرْيَةِ فَأخْبَرَهُ بِمَسِيرِ مُوسى، فَعادُوا مَعَ الرّاعِي إلى قَرْيَتِهِمْ وأقامُوا بِها أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى أنْجَزَ مُوسى أمْرَ رَبِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كانتا من جلد حمار ميت، فقيل له اخعلهما.

وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه قال: ما بال خلع النعلين في الصلاة؟

إنما أمر موسى بخلع نعليه، إنهما كانا من جلد حمار ميت.

وأخرج عبد بن حميد، عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كان نعلا موسى من جلد حمار ميت، فأراد ربك أن يمسه القدس كله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الزهري في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كانتا من جلد حمار أهلي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانت نعلا موسى التي قيل له اخعلهما: من جلد خنزير.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال كي تمس راحة قدميك الأرض الطيبة.

وأخرج الطبراني، عن علقمة؛ أن ابن مسعود أتى أبا موسى الأشعري منزله، فحضرت الصلاة فقال أبو موسى رضي الله عنه تقدم يا أبا عبد الرحمن، فإنك أقدم سناً وأعلم.

قال: لا.

بل تقدم أنت، فإنما أتيناك في منزلك، فتقدم أبو موسى رضي الله عنه فخلع نعليه، فلما صلى قال له ابن مسعود: رضي الله عنه لم خلعت نعليك؟

أبالواد المقدس أنت؟

لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الخفين والنعلين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ قال: المبارك ﴿ طوى ﴾ قال: اسم الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس ﴾ قال: الطاهر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس ﴾ قال: واد بفلسطين قدس مرتين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بالواد المقدس طوى ﴾ يعني الأرض المقدسة، وذلك أنه مر بواديها ليلاً فطوي.

يقال: طويت وادي كذا وكذا، والطاوي من الليل وارتفع إلى أعلى الوادي، وذلك نبي الله موسى عليه السلام.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ قال المبارك: ﴿ طوى ﴾ قال: اسم الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مبشر بن عبيد ﴿ طوى ﴾ بغير نون وادٍ بإيلة زعم أنه طوي بالبركة مرتين.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ طوى ﴾ قال: طا الوادي.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي نجيح رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوى ﴾ قال طا الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً.

يقول: من بركة الوادي، هذا قول سعيد بن جبير.

قال: وكان مجاهد رضي الله عنه يقول: ﴿ طوى ﴾ اسم الوادي.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس طوى ﴾ قال: واد قدس مرتين واسمه ﴿ طوى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ طوى ﴾ برفع الطاء وبنون فيها.

وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مكتوب على باب الجنة: إنني أنا الله لا إله إلا أنا لا أعذب من قالها» .

وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن أنس رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلداً بالسيف لقيه رجل من بني زهرة فقال له: أين تغدو يا عمر، قال: أريد أن أقتل محمداً.

قال: وكيف تأمن بني هاشم وبني زهرة؟

فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك!

قال: أفلا أدلك على العجب؟!

إن أختك وختنك قد صبآ وتركا دينك، فمشى عمرا زائراً حتى أتاهما، وعندهما خباب، فلما سمع خباب بحس عمر، توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم وكانوا يقرأون ﴿ طه ﴾ فقالا: ما عدا حديثاً تحدثنا به.

قال: فلعلكما قد صبأتما.

فقال له خنته: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك؟

فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديداً: فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفخها نفخة بيده فدمى وجهها.

فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه، فقالت أخته: إنك رجس وإنه ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ [ الواقعة: 79] فقم فتوضأ، فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ ﴿ طه ﴾ حتى انتهى إلى ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ﴾ فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر، خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لك- ليلة الخميس- «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بعمر بن هشام» فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه «قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل- عليه السلام- قال: قال الله عز وجل ﴿ إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ﴾ من جاءني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل حصني، ومن دخل حصني أمن عذابي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ قال: إذا صلى عبد ذكر ربه.

وأخرج عبد بن حميد، عن إبراهيم في قوله: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ قال: حين تذكر.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال أقم الصلاة لذكري» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما قفل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من خيبر أسري ليلة حتى أدركه الكرى، أناخ فعرس ثم قال: يا بلال، أكلأنا الليلة قال: فصلى بلال ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر، فغلبته عيناه فنام، فلم يستيقظ أحد منهم حتى ضربتهم الشمس، وكان أولهم استيقاظاً النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي بلال فقال بلال: بأبي أنت يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم- اقتادوا ثم أناخ فتوضأ وأقام الصلاة ثم صلى مثل صلاته للوقت في تمكث، ثم قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ » وكان ابن شهاب يقرؤها ﴿ للذكرى ﴾ .

وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن عبادة بن الصامت قال: «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن رجل غفل عن الصلاة حتى طلعت الشمس أو غربت ما كفارتها؟

قال: يتقرب إلى الله ويحسن وضوءه ويصلي فيحسن الصلاة ويستغفر الله فلا كفارة لها إلا ذلك» إن الله يقول: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سمرة بن يحيى قال: نسيت صلاة العتمة حتى أصبحت، فغدوت إلى ابن عباس فأخبرته فقال: قم فصلها، ثم قرأ ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا نسيت صلاة فاقضها متى ما ذكرت.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الشعبي وإبراهيم في قوله: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ قالا: صلِّها إذا ذكرتها وقد نسيتها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم قال: من نام عن صلاة أو نسيها، يصلي متى ذكرها عند طلوع الشمس وعند غروبها، ثم قرأ ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ قال: إذا ذكرتها فصلها في أي ساعة كنت.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «أقبلنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الحديبية فنزلنا دهاساً من الأرض- والدهاس الرمل- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: من يكلؤنا؟

قال بلال: أنا، فناموا حتى طلعت عليهم الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعلوا كما كنتم تفعلون» كذلك لمن نام أو نسي.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي جحيفة قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سفره الذي ناموا فيه، حتى طلعت الشمس ثم قال: «إنكم كنتم أمواتاً فرد الله إليكم أرواحكم، فمن نام عن الصلاة أو نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، وإذا استيقظ» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ قال أكثر المفسرين: (أخفيها من نفسي)، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء بن السائب (١) (٢) (٣) قال أبو إسحاق: (والله أعلم بحقيقة هذا التفسير) (٤) (٥) (٦) (٧) أي: أخبرها بما لا أطلع عليه أحدًا، هذا معناه.

وقال المبرد: (هذا مستعمل في الكلام وجار على الأفواه أن يقول القائل -إذا أراد أن يستر شيئًا سترًا شديدًا-: أنا أسر هذا من نفسي، وأكاد أسره من نفسي.

أي: أقارب ذلك، فيأتي على جهة المثل، وعلى المبالغة في ستر الشيء) هذا كلامه (٨) (٩) والمعنى: أنه لم يطلع على وقت قيام الساعة ملكًا مقربًا، ولا نبيًا، حتى لو جاز أن يخفيه عن نفسه أخفاها.

قال ابن الأنباري: (والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف؛ لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت) (١٠) (١١) ولأهل المعنى وجوه من التأويل، قال ابن الأنباري وهو قول الأخفش: ( ﴿ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ : أريد أخفيها) (١٣) وعلى هذا ﴿ أَكَادُ ﴾ لا يكون للمقاربة، ولا يحتاج أن يقال: من نفسي، يقول الله تعالى: أريد إخفاء الساعة.

قال أبو بكر: (ويجوز أن يكون ﴿ أَكَادُ ﴾ مزيدًا للتوكيد فيكون المعنى: إن الساعة آتية أخفيها) (¬2).

ونذكر جواز زيادة كاد عند قوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا  ﴾ ، إن شاء الله.

وقال قطرب: (يقال: أخفيت الشيء: إذا كتمته، وأخفيته: إذا أظهرته، كما يقال: أسررت الشيء بالمعنيين) (١٤) وذكر أبو عبيد: أخفيت بالمعنيين جميعًا (١٥) وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة في هذه الآية قال: (أخفيها أظهرها) (١٦) فَإِنْ تَكْتِمُوا الدَّاءَ لاَ نُخْفِهِ ...

وَإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لاَ نَقْعُدِ رواه بضم النون، وغيره يرويه بفتحها من خفاء إذا أظهر.

وقال أبو الفتح الموصلي: ( ﴿ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ تأويله عند أهل النظر: أكاد أظهرها.

وتلخيص هذه اللفظة: أكاد أزيل عنها خفاها، وخفاء كل شيء: غطاؤه، من ذلك خفاء القِرْبة للكساء الذي يكون عليها.

وأَفْعلت يأتي والمراد به السَّلْب والنفي، كقولهم: أَعْجَمْت الكتاب وأَشْكَلته أي: أزلت عجمته وإشكاله، وأَشْكيته أزلت ما يشكوه) (١٧) وهذا الذي ذهبوا إليه في معنى الآية يوافق قول ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد: أكاد أظهرها) (١٨) ﴿ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ  ﴾ .

غير أن هذا المعنى أصح في قراءة من قرأ: (أَخفيها) بفتح الألف (١٩) قال الأزهري: (هذه اللغة الجيدة) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ ﴾ قال ابن الأنباري: (من قال: أخفيها معناه: أظهرها، جعل اللام في ﴿ لِتُجْزَى ﴾ من صلة أخفيها، والمعنى: أظهرها للجزاء، ومن قال: أخفيها: أسترها، جعل اللام معلقة بقوله: إن الساعة آتية لتجزي كل نفس) (٢٣) وبهذا قال الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 353.]].

وقوله تعالى: ﴿ بِمَا تَسْعَى ﴾ بما تعمل من خير وشر.

(١) "جامع البيان" 16/ 149، "بحر العلوم" 2/ 338، "النكت والعيون" 3/ 397، "معالم التنزيل" 5/ 267، "زاد المسير" 5/ 275.

(٢) "بحر العلوم" 2/ 338، "النكت والعيون" 3/ 397، "معالم التنزيل" 5/ 267، "الكشاف" 2/ 532، "زاد المسير" 5/ 276.

(٣) "معالم التنزيل" 5/ 267، "الكشاف" 2/ 532، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 185، "الكشف والبيان" 3/ 16.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 352.

(٥) زيادة من (ص).

(٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 276، والقرطبي 11/ 185.

(٧) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 16 ب بدون نسبة، وكذلك القرطبي في == "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 185، وذكره "البحر المحيط" 6/ 233 بدون نسبة بلفظ: أيام تصحبني هند وأخبرها ...

ما كدت أكتمه عني من الخبر (٨) ذكرته كتب التفسير.

انظر: "زاد المسير" 5/ 276، "البحر المحيط" 6/ 233، "مجمع البيان" 7/ 11، "فتح القدير" 3/ 513.

(٩) "تفسير القرآن العظيم" 3/ 160، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 185، "الدر المنثور" 4/ 525.

(١٠) ذكرته كتب التفسير.

انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 15، "زاد المسير" 5/ 276، "البحر المحيط" 6/ 233.

(١١) "جامع البيان" 16/ 149، "النكت والعيون" 3/ 397، "المحرر الوجيز" 10/ 5.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (خفي) 1/ 1070، "لسان العرب" (خفا) 2/ 1216.

(١٣) "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070.

(١٤) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 16.

(١٥) البيت لامرئ القيس.

انظر: "ديوانه" 1/ 1070، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 17، "الأضداد" لابن الأنباري ص 96، "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070 ، "لسان العرب" (خفا) 2/ 1216.

(١٦) "سر صناعة الإعراب" 1/ 38 (١٧) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 149، "الكشف والبيان" 3/ 16 ب، "بحر العلوم" 3/ 338، "المحرر الوجيز" 10/ 15، "زاد المسير" 5/ 277، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 160.

(١٨) قرأ سعيد بن جبير: (أكاد أخفيها) بفتح الألف.

انظر: "جامع البيان" 16/ 150، "الكشاف" 2/ 430، "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070، "المحتسب" 2/ 47.

(١٩) "تهذيب اللغة" (خفي) 1/ 1070.

(٢٠) "جامع البيان" 16/ 152، "النكت والعيون" 3/ 973، "المحور الوجيز" 10/ 15، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 379.

(٢١) والقول الأول هو قول جمهور المفسرين، قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 150: (والذي هو أولى بتأويل الآية من القول قول من قال: معناه أكاد أخفيها من نفسي؛ لأن تأويل أهل التأويل بذلك جاء.

وإنما وجهنا معنى أُخفيها بضم الألف إلى معنى أسترها من نفسي؛ لأن المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب الستر، يقال: قد أخفيت الشيء إذا سترته، وأما وجه صحة القول في ذلك فهو أن الله تعالى ذكره خاطب بالقرآن العرب على ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بينهم، وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الأقوال لموافقة أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين إذ كنا لا نستجيز الخلاف عليهم فيما استفاض القول به منهم، وجاء عنهم مجيئًا يقطع العذر، والذي ذكر عن سعيد بن جبير من قراءة ذلك بفتح الألف، قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به نقلاً مستفيضًا).

(٢٢) "الأضداد" لابن الأنباري ص 96.

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 353.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ اضطرب الناس في معناه، فقيل أخفيها بمعنى أظهرها، وأخفيت هذا من الأضداد.

وقال ابن عطية: هذا قول مختل، وذلك أن المعروف في اللغة أن يقال: أخفى بالألف من الإخفاء، وخفي بغير ألف بمعنى أظهر، فلو كان بمعنى الظهور لقال: أخفيها بفتح همزة المضارع، وقد قرئ بذلك من الشاذ، وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات أخفى بمعنى خفي: أي أظهر، فلا يكون هذا القول مختلاً على هذه اللغة، وقيل: أكاد بمعنى أريد، فالمعنى أريد أخفائها وقيل: إن المعنى إن الساعة آتية أكاد، وتم هنا الكلام بمعنى أكاد أنفذها لقربها، ثم استأنف الإخبار فقال أخفيها، وقيل: المعنى أكاد أخفيها عن نفسي فكيف عنكم، وهذه الأقوال ضعيفة، وإنما الصحيح أن المعنى أن الله أَبْهم وقت الساعة فلم يطلع عليه أحداً، حتى أنه كاد أن يخفي وقوعها لإبهام وقتها، ولكنه لم يخفها إذا أخبر بوقوعها، فالأخفى على معناه المعروف في اللغة، وكاد على معناها من مقاربة الشيء دون وقوعه وهذا المعنى هو اختيار المحققين ﴿ لتجزى ﴾ يتعلق بآتية ﴿ بِمَا تسعى ﴾ أي بما تعمل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ طه ﴾ : قال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ طه ﴾ : يا رجل بالنبطية، وقال بعضهم: بالسريانية، وقيل: يا فلان، وقيل: هو اسم من أسماء الله، وقيل: حروف من أسمائه ونحو ذلك، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ : لا يحتمل أن يكون هذا نزل على الابتداء من غير سبب ولا أمر، لكنه لم يبيّن السّبب [الذي] به نزل هذا، فيحتمل أن يكون سببه وجوهاً: أحدها: ما حمل نفسه من الشدائد والمؤن العظام، وأجهد نفسه في ذلك؛ فنزل: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، أي: لتتعب به نفسك، كقوله: ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ  ﴾ أي: تتعب؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ .

والثاني: أنه لما كف نفسه عن الشهوات ومنعها عن جميع ما تهواه من اللذات، فقال أولئك الكفرة: إنه شقى؛ حيث رأوه لم يعط نفسه شيئاً من شهواتها ولذاتها.

والثالث: أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه واتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون، وكانت عادتهم القتل وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك، فعند ذلك قالوا: إنّه شقيّ؛ حيث يخاطر بنفسه، فقال: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ على ما يقول أولئك، بل أنزله عليك؛ لتسعد حيث أخبر أنه عصمه بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

أو ألا يفسر ولا يذكر ذلك الأمر والسبب الذي به نزل؛ لأنه لم يبيّن، ولا حاجة بنا [إلا] إلى معرفة ما ذكر، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، بل أنزلناه لتسعد، وأنزلناه ليتذكر به من يخشى، كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: عظة لمن يتقى ما به يخشى.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : كل مؤمن؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه الخشية منه والاتقاء من نقمته وعذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ .

كأن هذا نزل على إثر قول قاله أولئك الكفرة، وهو ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، وإنه شاعر [و] إنما يعلمه بشر ونحوه، فقال جواباً لقولهم: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ ليس كما يقول أولئك: إنه ساحر وإنه مفتر وإنما يعلمه بشر، بل تنزيلاً ممّن خلق الأرض والسّماوات العلا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته: فإن كان الأول فهو إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق؛ إذ هو دونه، ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به الأمكنة لجاز [أن] يحيط به الأوقات؛ فيصير متناهياً بذاته مقصراً عن خلقه.

وإن كان على الوجه الثاني، فلو زيد في الخلق، لانتقص أيضاً، وفيه ما في الأوّل.

ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مما يذم ذا من فعل الملوك أن يفضل عنهم من المقاعد شيئاً.

وبعد: فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك، وذلك كله وصف الخلائق، والله يتعالى عن ذلك.

وبعد: فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر؛ فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه[؛ حيث] فيها ذكر العظمة والجلال؛ إذ ذكر في قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وصفه بالعظمة والسلطان، والقدرة، فكذلك على تعظيم العرش، أي شيء كان من نور أو جوهر؟

لا يبلغه علم الخلق، وإضافة الاستواء إليه لوجهين: أحدهما: على تعظيمه، بما ذكر على إثره، ذكر سلطانه في ربوبيته، وقدرته وخلقه ما ذكر.

والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله؛ على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا، واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق به؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...

﴾ الآية [المائدة: 3] بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم، وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة، وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك، ولكن يذكر عظم الأمر، فمثله أمر العرش، وهو كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا  ﴾ وقوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا  ﴾ على لحوق غيرٍ بهم، ويحتمل أن يكون على المنع بوصف المكان؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول شيئاً، فأشار إليه ليعلم علوّه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة، وعلى ذلك قوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ...

﴾ الآية [المجادلة: 7]، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان، ولكن يضاف إلى الإسرار فأخبر بعلوه عن الأمكنة، وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ  ﴾ ، أي: بالسلطان والقوة، وبالألوهية في البقاع كلها؛ لأنها أمكنة العادة بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ  ﴾ ويملك كل شيء بقوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ وبقوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ثم بعلوّه وجلاله بقوله: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك، ليعلم أنه بكل ما سمي به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه، وكذلك عزّه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره.

وقال بعضهم: يريد بالعرش: الملك؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمى به السطوح ورءوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة: أحدها: الاستيلاء، كما يقال: استوى فلان على كورة كذا، بمعنى: استولى.

والثاني: العلو [و] الارتفاع، كقوله: ﴿ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ ﴾ \[المؤمنون: 28\] وقوله: ﴿ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ  ﴾ أي: علوتهم.

والثالث: التمام، كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ  ﴾ ، أي: تم واستقر.

وقد قيل بالقصد، وإلى ذلك وَجَّهَ أهل الأدب قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ بمعنى: خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم فعلاً أن يكون بالقصد، وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا بالله.

ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء، والعزيز الملك أنه مستولٍ على جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا، يدلّ على الأمرين قوله: ﴿ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ  ﴾ بمعنى: الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره، فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة، والله الموفق.

وأمّا على تأويل التمام والعلو، فهو أن الله  قال: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...

﴾ الآية [فصلت: 9]، فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ ﴾ بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك، وعلا، وارتفع؛ إذ هم المقصودون من خلق ما بيّنا، فبذلك تم معنى الملك وعلا؛ إذ وصل إلى الذين لهم خلقوا وقد قيل ذا في خلق البشر خاصّة بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً...

﴾ الآية [البقرة: 29]، وقوله: ﴿ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ  ﴾ ونحوه.

وذكر عن ابن عباس: أن البشر خلق اليوم السابع فبه التمام والعلو؛ إذ خلق لهم كل شيء وخلقهم لعبادة الله، وألحق بهم الجن بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...

﴾ الآية [الذاريات: 56]، لكن المقصود البشر؛ إذ تسخير ما ذكرت كله إنما يرجع إلى منافعهم، والله الموفق.

والأصل عندنا في ذلك: أن الله - عز وجل - قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه؛ فيجب القول بـ ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ على ما جاء به التنزيل، وينفي عنه شبه الخلق لما أضاف إليه، وإذ لزم القول في الله بالتعالي عن الأشباه ذاتاً وفعلاً، لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، والله الموفق، وقد ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن.

وفي قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ ، الوصف له بالسلطان والقدرة والملك على ما ذكرنا.

وفي قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ الوصف له بالعلم في الغيب والسر والعلانية جميعاً؛ ليكونوا أبداً على حذر وخوف ويقظة في جميع أفعالهم وأقوالهم، وفي الأوّل؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم من الخلق إلى خالقهم، وألا يطمع ولا يرجى غيره.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به إلى غيرك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما أضمرته وأكننته في نفسك، لم تسره إلى أحد.

قال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به وحدثت به نفسك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما علم الله أنه كائن يكون، ولم يكن بعد، ولم تعلم به.

وقال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسره في نفسه، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما خطر في قلبه، وهو لا يضبطه، ونحو ذلك، وأصله في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ ﴾ كأنه يقول: وإن تجهر بالقول أو تسرّ ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: أي: من وحّد الله بأسمائه فله الحسنى، وهي الجنة، وقد ذكرناه فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الساعة آتية لا محالة وواقعة، أكاد أخفيها فلا يعلم وقتها مخلوق، ولكن يعرفون علاماتها بإخبار النبي لهم؛ لكي تُجَازَى كل نفس بما عملته، خيرًا كان أو شرًّا.

<div class="verse-tafsir" id="91.kQeJZ"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله