تفسير الآية ٢١ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٢١ من سورة طه

قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ٢١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢١ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

بأخذها لف طرف المدرعة على يده فقال له ملك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا قال لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الأضراس والأنياب ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين ولهذا قال تعالى سنعيدها سيرتها الأولى أي إلى حالها التى تعرف قبل ذلك.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ ) يقول تعالى ذكره قال الله لموسى: خذ الحية، والهاء والألف من ذكر الحية ( وَلا تَخَفْ ) يقول: ولا تخف من هذه الحية يقول: ( سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى) يقول : فإنا سنعيدها لهيئتها الأولى التي كانت عليها قبل أن نصيرها حية، ونردّها عصا كما كانت.

يقال لكل من كان على أمر فتركه، وتحوّل عنه ثم راجعه: عاد فلان سيرته الأولى، وعاد لسيرته الأولى، وعاد إلى سيرته الأولى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (سِيرَتها الأولى) يقول: حالتها الأولى.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، فال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( سِيرَتَهَا الأولَى ) قال: هيئتها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه ( سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى ) أي سنردّها عصا كما كانت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى ) قال: إلى هيئتها الأولى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وكانت عصا ذات شعبتين فصارت الشعبتان لها فما وصارت حية تسعى أي تنتقل ، وتمشي وتلتقم الحجارة فلما رآها موسى - عليه السلام - رأى عبرة ف ( ولى مدبرا ولم يعقب ) فقال الله له : خذها ولا تخف وذلك أنه ( أوجس في نفسه خيفة ) أي لحقه ما يلحق البشر .

وروي أن موسى تناولها بكمي جبته فنهي عن ذلك ، فأخذها بيده فصارت عصا كما كانت أول مرة ، وهي سيرتها الأولى ، وإنما أظهر له هذه الآية لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون .

ويقال : إن العصا بعد ذلك كانت تماشيه وتحادثه ويعلق عليها أحماله ، وتضيء له الشعبتان بالليل كالشمع ؛ وإذا أراد الاستقاء انقلبت الشعبتان كالدلو وإذا اشتهى ثمرة ركزها في الأرض فأثمرت تلك الثمرة .

وقيل إنها كانت من آس الجنة .

وقيل : أتاه جبريل بها .

وقيل : ملك .

وقيل قال له شعيب : خذ عصا من ذلك البيت فوقعت بيده تلك العصا ، وكانت عصا آدم - عليه السلام - هبط بها من الجنة .

والله أعلم .قوله تعالى : فإذا هي حية تسعى النحاس : ويجوز ( حية ) يقال : خرجت فإذا زيد جالس وجالسا .

والوقف ( حيه ) بالهاء .

والسعي المشي بسرعة وخفة .

وعن ابن عباس : انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر والشجر ، فلما رآه يبتلع كل شيء خافه ونفر منه .

وعن بعضهم : إنما خاف منه لأنه عرف ما لقي آدم منها .

وقيل : لما قال له ربه لا تخف بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها .

سنعيدها سيرتها الأولى [ ص: 111 ] سمعت علي بن سليمان يقول : التقدير إلى سيرتها ، مثل واختار موسى قومه قال : ويجوز أن يكون مصدرا لأن معنى سنعيدها سنسيرها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال الله لموسى: { خُذْهَا وَلَا تَخَفْ } أي: ليس عليك منها بأس.

{ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى } أي: هيئتها وصفتها، إذ كانت عصا، فامتثل موسى أمر الله إيمانا به وتسليما، فأخذها، فعادت عصاه التي كان يعرفها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال خذها ) بيمينك ، ( ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ) هيئتها الأولى ، أي : نردها عصا كما كانت ، وكان على موسى مدرعة من صوف قد خلها بعيدان ، فلما قال الله تعالى : خذها ، لف طرف المدرعة على يده ، فأمره الله تعالى أن يكشف يده فكشف .

وذكر بعضهم : أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له ملك : أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟

قال : لا ولكني ضعيف ، ومن ضعف خلقت ، فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت ، ويده في شعبتها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ .

قال المفسرون : أراد الله عز وجل أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون .

وقوله : ( سيرتها الأولى ) نصب بحذف " إلى " ، يريد : إلى سيرتها الأولى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال خذها ولا تخف» منها «سنعيدها سيرتها» منصوب بنزع الخافض أي: إلى حالتها «الأولى» فأدخل يده في فمها فعادت عصا، فتبين أن موضع الإدخال موضع مسكها بين شعبتيها، وأي ذلك السيد موسى لئلا يجزع إذا انقلبت حية لدى فرعون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله لموسى: خذ الحية، ولا تَخَفْ منها، سوف نعيدها عصًا كما كانت في حالتها الأولى.

واضمم يدك إلى جنبك تحت العَضُد تخرج بيضاء كالثلج من غير برص؛ لتكون لك علامة أخرى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد صرحت بعض الآيات أن موسى - عليه السلام - عندما رأى عصاه قد تحولت إلى ذلك ، ولى مدبرا ولم يعقب .

قال - تعالى : ( وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ .

.

.

) ولكن الله - تعالى - ثبت فؤاده ، وطمأن نفسه : ( قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ ) أى : خذ هذه الحية التى تحولت عصاك إليها ولا تخف منها ، كما هو شأن فى الطبائع البشرية ، فإنا ( سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى ) أى : سنعيد هذه الحية إلى هيئتها الأولى التى كانت عليها قبل أن تصير حية تسعى ، وهى أن نعيدها بقدرتنا التى لا بعجزها شىء إلى عصا كما كانت من قبل .فالجملة الكريمة مسوقة لتعليل وجوب الامتثال للأمر وعدم الخوف ، أى : خذها ولا تخف منها ، فإن هذه الحية سنرجعها عصا كما كانت من قبل .وقوله - تعالى - ( سِيَرتَهَا ) فِعلة من السَّير ، وهى الحالة والهيئة التى يكون عليها الإنسان ، وهو منصوب بنزع الخافض .أى : سنعيدها إلى هيئتها وحالتها الأولى .قالوا : ومن الحكم التى من أجلها حول الله - تعالى - العصا إلى حية تسعى : توطين قلب موسى - عليه السلام - على ذلك ، حتى لا يضطرب إذا ما تحولت إلى ثعبان عظيم عندما يلقيها أمام فرعون وقومه .فقد جرت عادة الإنسان أن يقل اضطرابه من الشىء العجيب الغريب بعد رؤيته له لأول مرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ لفظتان، فقوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ ﴾ إشارة إلى العصا، وقوله: ﴿ بِيَمِينِكَ ﴾ إشارة إلى اليد، وفي هذا نكت، إحداها: أنه سبحانه لما أشار إليهما جعل كل واحدة منهما معجزاً قاهراً وبرهاناً باهراً، ونقله من حد الجمادية إلى مقام الكرامة، فإذا صار الجماد بالنظر الواحد حيواناً، وصار الجسم الكثيف نورانياً لطيفاً، ثم إنه تعالى ينظر كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد، فأي عجب لو انقلب قلبه من موت العصيان إلى سعادة الطاعة ونور المعرفة.

وثانيها: أن بالنظر الواحد صار الجماد ثعباناً يبتلع سحر السحرة، فأي عجب لو صار القلب بمدد النظر الإلهي بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء.

وثالثها: كانت العصا في يمين موسى عليه السلام فبسبب بركة يمينه انقلبت ثعباناً وبرهاناً، وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن فإذا حصلت ليمين موسى عليه السلام هذه الكرامة والبركة، فأي عجب لو انقلب قلب المؤمن بسبب إصبعي الرحمن من ظلمة المعصية إلى نور العبودية، ثم هاهنا سؤالات: الأول: قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى ﴾ سؤال، والسؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى محال فما الفائدة فيه.

والجواب فيه فوائد: إحداها: أن من أراد أن يظهر من الشيء الحقير شيئاً شريفاً فإنه يأخذه ويعرضه على الحاضرين ويقول لهم: هذا ما هو؟

فيقولون هذا هو الشيء الفلاني ثم إنه بعد إظهار صفته الفائقة فيه يقول لهم خذا منه كذا وكذا.

فالله تعالى لما أراد أن يظهر من العصا تلك الآيات الشريفة كانقلابها حية، وكضربه البحر حتى انفلق، وفي الحجر حتى انفجر منه الماء، عرضه أولاً على موسى فكأنه قال له: يا موسى هل تعرف حقيقة هذا الذي بيدك وأنه خشبة لا تضر ولا تنفع، ثم إنه قلبه ثعباناً عظيماً، فيكون بهذا الطريق قد نبه العقول على كمال قدرته ونهاية عظمته من حيث إنه أظهر هذه الآيات العظيمة من أهون الأشياء عنده فهذا هو الفائدة من قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى ﴾ .

وثانيها: أنه سبحانه لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه، ثم إنه مزج اللطف بالقهر فلاطفه أولاً بقوله: ﴿ وَأَنَا اخترتك ﴾ ثم قهره بإيراد التكاليف الشاقة عليه وإلزامه علم المبدأ والوسط والمعاد ثم ختم كل ذلك بالتهديد العظيم، تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى ﴾ ليعرف موسى عليه السلام أن يمينه هي التي فيها العصا، أو لأنه لما تكلم معه أولاً بكلام الإلهية وتحير موسى من الدهشة تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة، والنكتة فيه أنه لما غلبت الدهشة على موسى في الحضرة أراد رب العزة إزالتها فسأله عن العصا وهو لا يقع الغلط فيه.

كذلك المؤمن إذا مات ووصل إلى حضرة ذي الجلال فالدهشة تغلبه والحياء يمنعه عن الكلام فيسألونه عن الأمر الذي لم يغلط فيه في الدنيا وهو التوحيد، فإذا ذكره زالت الدهشة والوحشة عنه.

وثالثها: أنه تعالى لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية، فسأله عن منافع العصا فذكر بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر، تنبيهاً على أن العقول قاصرة عن معرفة صفات النبي الحاضر فلولا التوفيق والعصمة كيف يمكنهم الوصول إلى معرفة أجل الأشياء وأعظمها.

ورابعها: فائدة هذا السؤال أن يقرر عنده أنه خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافها.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى ﴾ خطاب من الله تعالى مع موسى عليه السلام بلا واسطة، ولم يحصل ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمد.

الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى كما خاطب موسى فقد خاطب محمداً عليه السلام في قوله: ﴿ فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى  ﴾ إلا أن الفرق بينهما أن الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه الله إلى الخلق، والذي ذكره مع محمد صلى الله عليه وسلم كان سراً لم يستأهل له أحد من الخلق.

والثاني: إن كان موسى تكلم معه وهو تكلم مع موسى فأمة محمد صلى الله عليه وسلم يخاطبون الله في كل يوم مرات على ما قال صلى الله عليه وسلم: «المصلي يناجي ربه» والرب يتكلم مع آحاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بالتسليم والتكريم والتكليم في قوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ .

السؤال الثالث: ما إعراب قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى ﴾ الجواب، قال صاحب الكشاف: (تلك بيمينك) كقوله: ﴿ وهذا بَعْلِي شَيْخًا  ﴾ في انتصاب الحال بمعنى الإشارة ويجوز أن يكون تلك اسماً موصولاً وصلته ﴿ بِيَمِينِكَ ﴾ قال الزجاج: معناه وما التي بيمينك، قال الفراء: معناه ما هذه التي في يمينك، واعلم أنه سبحانه لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك أجاب موسى عليه السلام بأربعة أشياء، ثلاثة على التفصيل وواحد على الإجمال.

الأول: قوله: ﴿ هِىَ عَصَايَ ﴾ قرأ ابن أبي إسحاق: (هي عصي) ومثلها: (يا بشرى) وقرأ الحسن (هي عصاي) بسكون الياء والنكث هاهنا ثلاثة.

إحداها: أنه قال: ﴿ هِىَ عَصَاىَ ﴾ فذكر العصا ومن كان قلبه مشغولاً بالعصا ومنافعها كيف يكون مستغرقاً في بحر معرفة الحق ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم عرض عليه الجنة والنار فلم يلتفت إلى شيء: ﴿ مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى  ﴾ ولما قيل له امدحنا، قال: لا أحصي ثناء عليك ثم نسي نفسه ونسي ثناءه فقال: أنت كما أثنيت على نفسك.

وثانيها: لما قال: ﴿ عَصَاىَ ﴾ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَلْقَِهَا ﴾ ، فلما ألقاها ﴿ فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى ﴾ ليعرف أن كل ما سوى الله فالالتفات إليه شاغل وهو كالحية المهلكة لك.

ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ العالمين  ﴾ وفي الحديث: «يجاء يوم القيامة بصاحب المال الذي لم يؤد زكاته ويؤتى بذلك المال على صورة شجاع أقرع» الحديث بتمامه.

وثالثها: أنه قال هي عصاي فقد تم الجواب، إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض.

الثاني: قوله: ﴿ أتوكأ عليها ﴾ والتوكي، والإتكاء، واحد كالتوقي، والإتقاء معناه اعتمد عليها إذا عييت أو وقفت على رأس القطيع أو عند الطفرة فجعل موسى عليه السلام نفسه متوكئاً على العصا وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: «اتكئ على رحمتي بقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين  ﴾ وقال: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  ﴾ » فإن قيل: أليس قوله: ﴿ وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ يقتضي كون محمد يتوكأ على المؤمنين؟

قلنا قوله: ﴿ وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ معطوف على الكاف في قوله: ﴿ حَسْبَكَ الله ﴾ والمعنى الله حسبك، وحسب من اتبعك من المؤمنين.

الثالث: قوله: ﴿ وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي ﴾ أي أخبط بها فأضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على غنمي فتأكله.

وقال أهل اللغة: هش على غنمه، يهش بضم الهاء في المستقبل، وهششت الرجل أهش بفتح الهاء في المستقبل، وهش الرغيف يهش بكسر الهاء.

قاله ثعلب، وقرأ عكرمة: (وأهس) بالسين غير المنقوطة، والهش زجر الغنم، واعلم أن غنمه رعيته فبدأ بمصالح نفسه في قوله: ﴿ أتوكأُ عليها ﴾ ثم بمصالح رعيته في قوله: ﴿ وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي ﴾ فكذلك في القيامة يبدأ بنفسه فيقول: نفسي نفسي ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر الأمة: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ .

اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضاً بأمته فيقول: أمتي أمتي والرابع: قوله: ﴿ وَلِيَ فِيهَا مآرِبُ أخرى ﴾ أي حوائج ومنافع واحدتها مأربة بفتح الراء وضمها، وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً، والأرب بفتح الراء، والإربة بكسر الألف وسكون الراء الحاجة، وإنما قال أخرى لأن المآرب في معنى جماعة فكأنه قال: جماعة من الحاجات أخرى ولو جاءت أخر لكان صواباً كما قال: ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ﴾ ثم هاهنا نكت.

إحداها: أنه لما سمع قول الله تعالى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ عرف أن لله فيه أسراراً عظيمة فذكر ما عرف وعبر عن البواقي التي ما عرفها إجمالاً لا تفصيلاً بقوله: ﴿ وَلِىَ فِيهَا مَآَرِبُ أخرى ﴾ .

وثانيها: أن موسى عليه السلام أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة.

فقال موسى: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها، لكنك لما سألت عنها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى ومن جملتها أنك كلمتني بسببها فوجدت هذا الأمر العظيم الشريف بسببها.

وثالثها: أن موسى عليه السلام أجمل رجاء أن يسأل ربه عن تلك المآرب فيسمع كلام الله مرة أخرى ويطول أمر المكالمة بسبب ذلك.

ورابعها: أنه بسبب اللطف انطلق لسانه ثم غلبته الدهشة فانقطع لسانه وتشوش فكره فأجمل مرة أخرى، ثم قال وهب: كانت ذات شعبتين كالمحجن، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا حاول كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار وضعها على عاتقه يعلق فيها أدواته من القوس والكنانة والثياب، وإذا كان في البرية ركزها وألقى كساء عليها فكانت ظلاً.

وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً ويصيران شمعتين في الليالي، وإذا ظهر عدو حاربت عنه.

وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت.

وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نصب وكانت تقيه الهوام.

واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذه الجوابات أمره الله تعالى بإلقاء العصا فقال: ﴿ أَلْقِهَا يا موسى ﴾ وفيه نكت، إحداها: أنه عليه السلام لما قال: ﴿ وَلِىَ فِيهَا مآرِبُ أخرى ﴾ أراد الله أن يعرفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها ولا يعرفها وأنها أعظم من سائر مآربه فقال: ﴿ أَلْقِهَا يا موسى * فألقاها فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى ﴾ .

وثانيتها: كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب فقال أولاً: ﴿ فاخلع نَعْلَيْكَ  ﴾ إشارة إلى ترك الهرب، ثم قال ألقها يا موسى وهو إشارة إلى ترك الطلب.

كأنه سبحانه قال: إنك ما دمت في مقام الهرب والطلب كنت مشتغلاً بنفسك وطالباً لحظك فلا تكون خالصاً لمعرفتي فكن تاركاً للهرب والطلب لتكون خالصاً لي.

وثالثتها: أن موسى عليه السلام مع علو درجته، وكمال منقبته لما وصل إلى الحضرة ولم يكن معه إلا النعلان والعصا أمره بالقائهما حتى أمكنه الوصول إلى الحضرة فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه.

ورابعتها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مجرداً عن الكل ما زاغ البصر فلا جرم وجد الكل، لعمرك أما موسى لما بقي معه تلك العصا لا جرم أمره بإلقاء العصا، واعلم أن الكعبي تمسك به في أن الاستطاعة قبل الفعل فقال: القدرة على إلقاء العصا، إما أن توجد والعصا في يده أو خارجة من يده فإن أتته القدرة وهي في يده فذاك قولنا: ﴿ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ  ﴾ وإذا أتته وليست في يده وإنما استطاع أن يلقي من يده ما ليس في يده فذلك محال، أما قوله: ﴿ فألقاها فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى ﴾ ففيه أسئلة: السؤال الأول: ما الحكمة في قلب العصا حية في ذلك الوقت؟

الجواب فيه وجوه: أحدها: أنه تعالى قلبها حية لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه وذلك لأنه عليه السلام إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء، والنداء وإن كان مخالفاً للعادات إلا أنه لم يكن معجزاً لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن فلا جرم قلب الله العصا حية ليصير ذلك دليلاً قاهراً والعجب أن موسى عليه السلام قال: أتوكأ عليها فصدقه الله تعالى فيه وجعلها متكأ له بأن جعلها معجزة له.

وثانيها: أن النداء كان إكراماً له فقلب العصا حية مزيداً في الكرامة ليكون توالي الخلع والكرامات سبباً لزوال الوحشة عن قلبه.

وثالثها: أنه عرض عليه ليشاهده أولاً فإذا شاهده عند فرعون لا يخافه.

ورابعها: أنه كان راعياً فقيراً ثم إنه نصب للمنصب العظيم فلعله بقي في قلبه تعجب من ذلك فقلب العصا حية تنبيهاً على أني لما قدرت على ذلك فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين.

وخامسها: أنه لما قال: ﴿ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلِىَ فِيهَا مَآَرِبُ أخرى ﴾ فقيل له: ﴿ أَلْقَِهَا ﴾ فلما ألقاها وصارت حية فر موسى عليه السلام منها فكأنه قيل له: ادعيت أنها عصاك وأن لك فيها مآرب أخرى فلم تفر منها، تنبيهاً على سر قوله: ﴿ فَفِرُّواْ إِلَى الله  ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ  ﴾ .

السؤال الثاني: قال هاهنا حية وفي موضع آخر ثعبان وجان، أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير، وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق وفيه وجهان: أحدهما: أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جرمها حتى صارت ثعباناً فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها.

والثاني: أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ .

السؤال الثالث: كيف كانت صفة الحية.

الجواب كان لها عرف كعرف الفرس وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، وابتلعت كل ما مرت به من الصخور والأشجار حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها وجوفها، أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: لما نودي موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه معبوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلم خاف.

والجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط.

وأيضاً فهذه الأشياء معلومة بدلائل العقول.

وعند الفزع الشديد قد يذهل الإنسان عنه.

قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة.

وثانيها: قال بعضهم: خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها.

وثالثها: أن مجرد قوله: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين  ﴾ لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله: ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ولى مُدْبِراً  ﴾ يدل عليه، ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه عليه السلام أظهر تعلق القلب بالعصا والنفرة عن الثعبان، وأما محمد عليه السلام فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار.

السؤال الثاني: متى أخذها، بعد انقلابها عصا أو قبل ذلك.

والجواب: روي أنه أدخل يده بين أسنانها فانقلبت خشبة والقرآن يدل عليه أيضاً بقوله: ﴿ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى ﴾ وذلك يقع في الاستقبال، وأيضاً فهذا أقرب للكرامة لأنه كما أن انقلاب العصا حية معجزة فكذلك إدخال يده في فمها من غير ضرر معجزة وانقلابها خشباً معجز آخر فيكون فيه توالي المعجزات فيكون أقوى في الدلالة.

السؤال الثالث: كيف أخذه، أمع الخوف أو بدونه.

والجواب: روي مع الخوف ولكنه بعيد، لأن بعد توالي الدلائل يبعد ذلك.

وإذا علم موسى عليه السلام أنه تعالى عند الأخذ سيعيدها سيرتها الأولى فكيف يستمر خوفه، وقد علم صدق هذا القول وقال بعضهم لما قال له ربه: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ بلغ من ذلك ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه إلى أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها.

السؤال الرابع: ما معنى سيرتها الأولى، والجواب: قال صاحب الكشاف: السيرة من السير كالركبة من الركوب يقال: سار فلان سيرة حسنة ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة.

السؤال الخامس: علام انتصب سيرتها، الجواب فيه وجهان: أحدهما: بنزع الخافض يعني إلى سيرتها.

وثانيهما: أن يكون سنعيدها مستقلاً بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى أنها كانت أولاً عصا فصارت حية فسنجعلها عصا كما كانت فنصب سيرتها بفعل مضمر أي تسير سيرتها الأولى يعني سنيعدها سائرة بسيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفاز ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف وعن ابن عباس: انقلبت ثعباناً ذكراً يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خاف ونفر.

وعن بعضهم: إنما خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.

وقيل: لما قال له ربه: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيها.

﴿ سِيرَتَهَا ﴾ السيرة: من السير، كالركبة من الركوب.

يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة، وقيل: سير الأوّلين، فيجوز أن ينتصب على الظرف، أي: سنعيدها في طريقتها الأولى، أي: في حال ما كانت عصا، وأن يكون (أعاد) منقولاً من (عاده) بمعنى عاد إليه.

ومنه بيت زهير: وَعَادَكَ أَنْ تُلاَقِيَهَا عِدَاءً فيتعدى إلى مفعولين.

ووجه ثالث حسن: وهو أن يكون ﴿ سَنُعِيدُهَا ﴾ مستقلاً بنفسه غير متعلق بسيرتها، بمعنى أنها أنشئت أوّل ما أنشئت عصا، ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أوّلاً.

ونصب سيرتها بفعل مضمر، أي: تسير سيرتها الأولى: يعني سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ ألْقِها يا مُوسى ﴾ ﴿ فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى ﴾ قِيلَ لَمّا ألْقاها انْقَلَبَتْ حَيَّةً صَفْراءَ بِغِلَظِ العَصا ثُمَّ تَوَرَّمَتْ وعَظُمَتْ فَلِذَلِكَ سَمّاها جانًّا تارَةً نَظَرًا إلى المَبْدَأِ وثُعْبانًا مَرَّةً بِاعْتِبارِ المُنْتَهى، وحَيَّةً أُخْرى بِاعْتِبارِ الِاسْمِ الَّذِي يَعُمُّ الحالَيْنِ.

وقِيلَ كانَتْ في ضَخامَةِ الثُّعْبانِ وجَلادَةِ الجانِّ ولِذَلِكَ قالَ كَأنَّها جانٌّ.

﴿ قالَ خُذْها ولا تَخَفْ ﴾ فَإنَّهُ لَمّا رَآها حَيَّةً تُسْرِعُ وتَبْتَلِعُ الحَجَرَ والشَّجَرَ خافَ وهَرَبَ مِنها.

﴿ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى ﴾ هَيْئَتَها وحالَتَها المُتَقَدِّمَةَ، وهي فِعْلَةٌ مِنَ السَّيْرِ تَجُوزُ بِها لِلطَّرِيقَةِ والهَيْئَةِ وانْتِصابُها عَلى نَزْعِ الخافِضِ أوْ عَلى أنَّ أعادَ مَنقُولٌ مِن عادَهُ بِمَعْنى عادَ إلَيْهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ أيْ سَنُعِيدُها في طَرِيقَتِها أوْ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلِها أيْ سَنُعِيدُ العَصا بَعْدَ ذَهابِها تَسِيرُ سِيرَتَها الأُولى فَتَنْتَفِعُ بِها ما كُنْتَ تَنْتَفِعُ قَبْلُ.

قِيلَ لَمّا قالَ لَهُ رَبُّهُ ذَلِكَ اطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ حَتّى أدْخَلَ يَدَهُ في فَمِها وأخَذَ بِلَحْيَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ} له ربه {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} بلغ من ذهاب خوفه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها {سَنُعِيدُهَا} سنردها {سِيَرتَهَا الأولى} تأنيث الأول والسيرة الحالة التي يكون عليها الإنسان غريزية كانت أو مكتسبة وهي في الأصل فعلة من السير كالركبة من الركوب ثم استعملت بمعنى الحالة والطريقة وانتصبت على الظرف أي سنعيدها في طريقتها الأولى أي في حال ما كانت عصا والمعنى نردها عصاً كما كانت وأرى ذلك موسى عند المخاطبة لئلا يفزع منها إذا انقلبت حية عند فرعون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَوَقَفَ اسْتِحْياءً مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ نُودِيَ يا مُوسى (إلَيَّ) ارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ فَرَجَعَ وهو شَدِيدُ الخَوْفِ فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأخْذِها وهو ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا ﴿ قالَ ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿ خُذْها ﴾ أيِ: الحَيَّةَ وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرًا، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ( خُذْها بِيَمِينِكَ ) ﴿ ولا تَخَفْ ﴾ مِنها، ولَعَلَّ ذَلِكَ الخَوْفَ مِمّا اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ البَشَرِيَّةُ فَإنَّ البَشَرَ بِمُقْتَضى طَبْعِهِ يَخافُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ وهو لا يُنافِي جَلالَةَ القَدْرِ.

وقِيلَ: إنَّما خافَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ رَأى أمْرًا هائِلًا صَدَرَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِلا واسِطَةٍ ولَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ أمْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَنارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها صَدَرَتْ عَلى يَدِ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى وكانَتْ حَقِيقَةُ أمْرِها كَنارٍ عَلى عَلَمٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها كَما خافَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَيَّةِ، وقِيلَ: إنَّما خافَ لِأنَّهُ عَرَفَ ما لَقِيَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ حَيْثُ كانَ لَهُ مَدْخَلٌ في خُرُوجِ أبِيهِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما عُطِفَ النَّهْيُ عَلى الأمْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ عَدَمَ المَنهِيِّ عَنْهُ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا لِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (سَنُعِيدُها) أيْ: بَعْدَ الأخْذِ (سِيرَتَها) أيْ: حالَتَها (الأُولى) الَّتِي هي العَصَوِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ فَإنَّ إعادَتَها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن مُوجِباتِ أخْذِها وعَدَمِ الخَوْفِ مِنها، ودَعْوى أنَّ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عُدَّةٌ كَرِيمَةٌ بِإظْهارِ مُعْجِزَةٍ أُخْرى عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإيذانًا بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَكُونَ عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أمْرِهِ ولا تَعْتَرِيهِ شائِبَةٌ تُزَلْزَلُ عِنْدَ مَحاجَّةِ فِرْعَوْنَ لا تَخْلُو عَنْ خَفاءٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ حِكْمَةَ انْقِلابِها حَيَّةً وأمْرِهِ بِأخْذِها ونَهْيِهِ عَنِ الخَوْفِ تَأْنِيسُهُ فِيما يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولَعَلَّ هَذا مَأْخَذُ تِلْكَ الدَّعْوى.

قِيلَ: بَلَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ هَذا الخِطابِ مِنَ الثِّقَةِ وعَدَمِ الخَوْفِ إلى حَيْثُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فَمِها ويَأْخُذُ بِلَحْيَيْها، وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِها أدْنى طَرَفَ المِدْرَعَةِ عَلى يَدِهِ وكانَتْ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِن صُوفٍ قَدْ خَلَّها بِخِلالٍ مِن عِيدانٍ فَقالَ لَهُ مَلَكٌ: أرَأيْتَ يا مُوسى لَوْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى بِما تُحاذِرُ أكانَتِ المِدْرَعَةُ تُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟

قالَ: لا ولَكِنِّي ضَعِيفٌ ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتُ فَكَشَفَ عَنْ يَدِهِ، ثُمَّ وضَعَها عَلى فَمِ الحَيَّةِ، حَتّى سَمِعَ حِسَّ الأضْراسِ والأنْيابِ، ثُمَّ قَبَضَ فَإذا هي عَصاهُ الَّتِي عَهِدَها وإذا يَدُهُ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَ يَضَعُها فِيهِ إذا تَوَكَّأ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ.

والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نُودِيَ المَرَّةَ الأُولى: يا مُوسى خُذْها فَلَمْ يَأْخُذْها ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ ﴿ خُذْها ولا تَخَفْ ﴾ فَلَمْ يَأْخُذْها ثُمَّ نُودِيَ الثّالِثَةَ ﴿ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ فَأخَذَها، وذَكَرَ مَكِّيٌّ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ: ﴿ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى ﴾ ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ بَعِيدٌ عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ.

والسِّيرَةُ فِعْلَةٌ مِنَ السَّيْرِ تُقالُ لِلْهَيْئَةِ والحالَةِ الواقِعَةِ فِيهِ ثُمَّ جُرِّدَتْ لِمُطْلَقِ الهَيْئَةِ والحالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ، ومِن ذَلِكَ اسْتِعْمالُها في المَذْهَبِ والطَّرِيقَةِ في قَوْلِهِمْ: سِيرَةُ السَّلَفِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: فَلا تَغْضَبَنْ مِن سِيرَةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلَ راضٍ سِيرَةً مَن يَسِيرُها واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ نَصْبِها في الآيَةِ فَقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ والأصْلُ إلى سِيرَتِها أوْ لِسِيرَتِها وهو كَثِيرٌ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَقِيسٍ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الحُوفِيِّ: إنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُعِيدَها عَلى حَذْفِ الجارِّ نَحْوَ ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ وارْتَضاهُ ابْنُ هِشامٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أعادَ مَنقُولًا مِن عادَهُ بِمَعْنى عادَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: فَصَرِّمْ حَبْلَها إذْ صَرَّمَتْهُ ∗∗∗ وعادَكَ أنَّ تَلاقِيَها عَداءُ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ لِاعْتِبارِ النَّقْلِ فِيهِ والخافِضُ يُحْذَفُ مِن أعادَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ثُلاثَيْهِ وتَعَدّى عادَ بِنَفْسِهِ مِمّا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ، فَقَدْ نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنْ عادَكَ في البَيْتِ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى صَرَفَكَ، وكَذا نَقَلَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ.

وفي المُغْرِبِ العَوْدُ الصَّيْرُورَةُ ابْتِداءً وثانِيًا، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِإلى وعَلى وفي واللّامِ.

وفِي مَشارِقِ اللُّغَةِ لِلْقاضِي عِياضٍ مِثْلُهُ، ونُقِلَ عَنِ الحَدِيثِ ( «أعُدْتَ فَتّانًا يا مُعاذُ» ؟

) .

وقالَ أبُو البَقاءِ: هي بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ سَنُعِيدُها في طَرِيقَتِها الأُولى.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ سِيرَتَها وطَرِيقَتَها ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ فَلا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى طَرِيقَةِ الظَّرْفِيَّةِ إلّا بِوَساطَةِ في ولا يَجُوزُ الحَذْفُ إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ فِيما شَذَّتْ فِيهِ العَرَبُ، وحاصِلُهُ أنَّ شَرْطَ الِانْتِصابِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ هُنا وهو الإبْهامُ مَفْقُودٌ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَنْ نُحاةِ المَغْرِبِ أنَّهم قَسَّمُوا المُبْهَمَ إلى أقْسامٍ مِنها المُشْتَقُّ مِنَ الفِعْلِ كالمَذْهَبِ والمَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الظَّرْفِ نَحْوَ قَصْدِكَ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَخْتُومِ بِالتّاءِ وغَيْرِهِ، فالنَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ فِيما ذُكِرَ غَيْرُ شاذٍّ ولا ضَرُورَةَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَحْسَنَهُ أنْ يَكُونَ (سَنُعِيدُها) مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِسِيرَتِها بِمَعْنى أنَّها أُنْشِئَتْ أوَّلَ ما أُنْشِئَتْ عَصًا ثُمَّ ذَهَبَتْ وبَطَلَتْ بِالقَلْبِ حَيَّةً، فَسَنُعِيدُها بَعْدَ الذَّهابِ كَما أنْشَأْناها أوَّلًا، (وسِيرَتَها) مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تَسِيرُ سِيرَتَها الأُولى أيْ سَنُعِيدُها سائِرَةً سِيرَتَها الأُولى حَيْثُ كُنْتَ تَتَوَكَّأُ عَلَيْها وتَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِكَ ولَكَ فِيها المَآرِبُ الَّتِي عَرَفْتَها.

انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ وفاعِلِهِ حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ ما ذَكَرَهُ وإنْ حَسُنَ مَعْنًى إلّا أنَّهُ خِلافَ المُتَبادِرِ، هَذا والآيَةُ ظاهِرَةٌ في جَوازِ انْقِلابِ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ كانْقِلابِ النُّحاسِ إلى الذَّهَبِ وبِهِ قالَ جَمْعٌ، ولا مانِعَ في القُدْرَةِ مِن تَوَجُّهِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ إلى ذَلِكَ، وتَخْصِيصُ الإرادَةِ لَهُ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ لِأنَّ قَلْبَ الحَقائِقِ مُحالٌ والقُدْرَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ والحَقُّ الأوَّلُ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بَدَلَ النُّحاسِ مَثَلًا ذَهَبًا عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أوْ بِأنْ يَسْلُبَ عَنْ أجْزاءِ النُّحاسِ الوَصْفَ الَّذِي صارَ بِهِ نُحاسًا ويَخْلُقُ فِيهِ الوَصْفَ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَهَبًا ( عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ مِن تَجانُسِ الجَواهِرِ واسْتِوائِها في قَبُولِ الصِّفاتِ، والمُحالُ إنَّما هو انْقِلابُهُ ذَهَبًا مَعَ كَوْنِهِ نُحاسًا لِامْتِناعِ كَوْنِ الشَّيْءِ في الزَّمَنِ الواحِدِ نُحاسًا وذَهَبًا، وانْقِلابُ العَصا حَيَّةً كانَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأيِّهِما كانَ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ الثّانِي فَإنَّ في كَوْنِ خَلْقِ البَدَلِ انْقِلابًا خَفاءً كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ يعني: اصطفيتك للرسالة، قرأ حمزة بكسر الألف وتشديد النون وَأَنَا اخترناك بالنون بلفظ الجماعة، والباقون بنصب الألف وتخفيف النون وبالتاء أَنَا اخْتَرْتُكَ قال أبو عبيدة: وبهذا نقرأ لموافقة الخط يعني: بخط عثمان ثم قال: فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى يعني: اعمل بما تؤمر وتنهى.

ثم قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي يعني: أطعني واستقم على توحيدي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي يعني: لتذكرني فيها، ويقال: إن نسيت الصلاة فصلها إذا ذكرتها.

لأن الله تعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي  حين نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكَرَهَا إِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» (١)  وقال بعضهم: هذا خطاب للنبي  إلى قوله وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى.

ثم رجع إلى قصة موسى بقوله: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ يعني: كائنة أَكادُ أُخْفِيها يعني: أسرها عن نفسي فكيف أعلنها لَّكُمْ يا أهل مكة؟

هكذا روي عن جماعة من المتقدمين، وهكذا قال ابن عباس في رواية أبي صالح، وقال القتبي كذلك في قراءة أبيّ أُخْفِيها من نفسي، وهكذا روى جماعة من المتقدمين.

وروى طلحة عن عطاء: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها عن نفسي.

وروي في إحدى الروايتين عن أبي بن كعب أنه كان يقول: تقرأ أَكادُ أُخْفِيها بنصب الألف يعني: أكاد أظهرها، وهي قراءة سعيد بن جبير.

قال أهل اللغة: خفى يخفى أي أظهر، وقال امرؤ القيس: «خفاهن من انفاقهن كأنما ...

خفاهنّ من ودق سحاب مركّب» يذكر الفرس أنه استخرج الفأرة من جحرهن كالمطر.

ثم قال: لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى يعني: لتثاب كل نفس بما تعمل: ثم قال عز وجل: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها يعني: لا يصرفنك عنها، يعني: عن الإقرار بقيام الساعة مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِها يعني: من لا يصدق بقيام الساعة وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى يعني: فتهلك، ويقال: الردى، الموت والهلاك.

(١) الحديث ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأسند عِيَاضٌ في «الشفا» «١» من طريق أَبِي ذَرٍّ الهروي، عن الرَّبِيعِ بن أَنَسٍ قال: كان ٨ أالنبيّ صلى الله عليه وسلّم إذَا صَلَّى/، قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الأخرى، فأنْزَل الله طه يعني: طَإ الأَرْضَ يَا محمد، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ولاَ خَفاءَ بمَا في هذا كله من الإكرام له (صلى الله عليه وسلّم) وحُسْن المعاملة.

انتهى.

[قال ص: لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً عِلَّتانِ لِقَوْلِه: مَا أَنْزَلْنا.

انتهى] «٢» .

وقد تقدم القولُ في مَسْأَلَةِ الاسْتِوَاء، وباقي الآية بيّن.

قال ابنُ هِشَام: قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ أيْ: فاعلم أَنه غَنِيٌّ عن جهرك فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى، فالجوابُ مَحذُوفٌ.

انتهى.

وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)

وقوله سبحانه: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هذا الاِسْتفهام توقيفٌ مضمنه:

تَنْبِيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدَأُ الرجل إذا أَردْتَ إخْبَارَه بأَمْرٍ غَرِيبٍ فتقول: أعلمْتَ كذا، وكذا، ثم تبدأ تخبره.

وكان من قصّة موسى- عليه السلام- أنه رحل من مَدْيَن بأهله بِنْت شُعَيْب- عليه السلام- وهو يريدُ أَرض مِصْر، وقد طالت مُدَّة جِنَايته هُنَالِكَ، فَرَجَا خَفَاءَ أمْره، وكان فيما يزعمون رَجُلاً غَيُوراً، فكان يَسِيرُ الليلَ بأهْلِهِ، وَلاَ يَسِيرُ بالنهار مخافةَ كشفة «٣» الناسِ، فَضَلَّ عن طريقه في لَيْلَةٍ مظلمة، فبينما هو كذلك، وقد قَدَحَ بزنده، فلم يُورِ شَيْئاً إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، أيْ: أقِيموا، وذهب هو إلى النار، فإذا هي مُضْطَرِمةٌ في شَجَرةٍ خَضْرَاءَ يانِعةٍ، قيل: كانت من عُنَّابٍ، وقِيلَ: من عَوْسَج «٤» ، وقِيلَ: من علّيق «٥» ، فكلّما

دَنَا مِنْها، تباعَدَتْ منه، ومَشَتْ فإذا رجع عنها اتَّبعَتْهُ، فلما رأَى ذَلِكَ أَيقنَ أَنَّ هذا مِنْ أُمُورِ الله الخَارِقَةِ للعادة، ونُودِي، وانقضى أَمْرُه كُلّه في تلك الليلة هذا «١» قول الجُمْهُورِ، وهو الحقُّ، وما حُكِيَ عن ابنِ عباسٍ: أنَّه قال: أَقامَ في ذلك الأَمْرِ حَوْلاً، فغيرُ صَحِيحٍ عن ابن عباس «٢» .

وآنَسْتُ: معناه: أَحْسَسْتُ، والقَبَسُ: الجذْوةُ من النار، تكون على رَأْس العُودِ.

والهُدَى: أراد هُدَى الطريقِ، أَيْ: لعلي أَجِدُ مرشداً لي، أوْ دليلاً.

وفي قِصَّة موسى بأسْرها في هذه السورة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم عما لقي في تبليغه من المشقّات صلى الله عليه وسلّم والضميرُ في قوله: أَتاها: عائِدٌ على النار.

وقوله: «نُودي» : كنايةٌ عن تَكْلِيم الله تعالى له (عليه السلام) .

وقرأَ نَافِعٌ «٣» وغيرُه: إنِّي- بكسر الهمزة- على الابْتداءِ، وقرأَ أَبُو عَمْرو، وابن كَثِير:

«أَنِّي» - بفتحها- على معنى: لأَجل أَنِّي أَنا رَبُّك، فَاخْلَعْ نعليك.

واخْتُلِفَ في السبب الذي مِنْ أَجْله أُمِرَ بخلْعِ النعلين: فقالتْ فِرْقَةٌ: كَانَتَا من جِلْد حَمِارٍ مَيِّتٍ، فأُمِرَ بِطَرْحِ النَّجَاسَةِ.

وقالت فرقةٌ: بل كَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ بقَرَةٍ ذَكِيّ لكن أُمِر بخلعهما لينَالَ بركَةَ الوَادِي المُقدَّسِ، وتمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوَادِي.

قال ع «٤» : وتحتمل الآيةُ مَعْنًى آخَرَ، هو الأَليقُ بها عِنْدِي وهو: أَن الله تعالى أمرِه أنْ يتأدَّبَ، ويتَوَاضَعَ لعظم الحَالِ الَّتي حَصَلَ فيها، والعُرْف عِنْد المُلُوكِ: أن تخلع

النَّعْلاَنِ، ويبلغُ الإنْسان إلَى غاية تَوَاضُعِهِ، فكأَنَّ موسى- عليه السلام- أُمِر بذلك عَلَى هذا الوجه، وَلاَ نُبَالِي كيفَ كَانَتْ نَعْلاَهُ من ميتة أو غيرها.

والْمُقَدَّسِ: معناه المطهّر، وطُوىً: [معناه] «١» مَرَّتَيْنِ.

فقالت فرقةٌ: معناه قُدِّسَ مرتيْنِ، وقالت فِرْقةٌ: معناه طُوِيَتْ لك الأَرْضُ مَرَّتَيْنِ من ظنك.

قال الفَخْرُ: وقِيلَ: إنَّ طُوًى اسم وادٍ بالشام، وهو عند الطُّورِ الذي أَقْسم الله به في القرآن.

وقيل/: إنَّ طُوىً بمعنى: يَا رَجُلُ، بالعَبْرَانِيَّةِ، كأنه قِيلَ: يا رجل اذهب إلَى فِرْعون.

انتهى «من تفسيره لسورة والنازعات» .

قال ع «٢» : وحدثني أَبِي- رحمه الله- قال: سمعت أَبا الفضل بْنَ الجوهري- رحمه الله تعالى- يقول: لما قِيل لموسى: استمع لما يوحى، وقف على حَجَرٍ، واستند إلَى حَجَرٍ، ووضع يَمِينه عَلَى شِمَالِه وأَلْقى ذَقَنَهُ على صَدْرِه، ووقف يستمع، وكان كُلُّ لباسه صُوفاً.

وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي: يحتمل أن يريدَ: لِتَذْكُرَنِي فيها، أوْ يريد:

لأَذْكركَ في عِلِّيَينَ بها، فالمصدرُ محتمل الإضافة إلى الفَاعِل، أَوِ المفعول.

وقالت فِرْقةٌ: معنى قولهِ لِذِكْرِي أيْ: عند ذِكْرى، أَيْ: إذا ذكرتني، وأمري لك بها.

ت: وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً، فَلُيصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا «٣» قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ.

قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى.

﴿ فَقالَ لأهْلِهِ ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿ امْكُثُوا ﴾ ؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم.

وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) .

﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ.

فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ.

وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ.

وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿ نُودِيَ يا مُوسى ﴾ ﴿ إنِّي أنا رَبُّكَ ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ  ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طُوًى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) .

والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ  ﴾ ، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ.

[ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿ طُوًى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنا اخْتَرْتُكَ ﴾ ؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ.

﴿ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى ﴾ ؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿ إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي ﴾ ؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " .

والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَمِعْ ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكادُ أُخْفِيها ﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) .

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟

قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا.

والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أكادُ ﴾ ، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ.

قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها.

﴿ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ﴾ ؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ.

و ﴿ لِتُجْزى ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها ﴾ ؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿ مَن لا يُؤْمِنُ بِها ﴾ ؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ  خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ ؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ فَتَرْدى ﴾ ؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ﴾ ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ﴾ ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ ﴿ قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ ﴾ تَحْذِيرٌ ووَعِيدٌ، أيِ: اعْبُدْنِي فَإنَّ عِقابِي وثَوابِي بِالمِرْصادِ، و"الساعَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القِيامَةُ، بِلا خِلافٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحُسْنُ، وعاصِمْ: "أكادُ أُخْفِيها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى،: أُظْهِرُها، أيْ أنَّها مِن صِحَّةِ وُقُوعِها وتَيَقُّنِ كَوْنِهِ تَكادُ تَظْهَرُ، لَكِنْ تَنْحَجِبُ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أخْفَيْتُ الشَيْءَ" بِمَعْنى: أظْهَرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عِشِيٍّ مُجَلِّبِ ومِنهُ قَوْلُهُ أيْضًا: فَإنْ تَدْفِنُوا الداءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُزِيلُ خَفاءَها وهو ما تُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوَها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أكادَ أُخْفِيها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أُظْهِرُها، و"أخْفَيْتُ" مِنَ الأضْدادِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، عَلى مَعْنى العِبارَةِ عن شِدَّةِ غُمُوضِها عَلى المَخْلُوقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ ﴾ وتَمَّ الكَلامُ، بِمَعْنى: أكادُ أُنَفِّذُها لِقُرْبِها وصِحَّةِ وُقُوعِها، ثُمُ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُخْفِيها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى، بَلْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وأنَّ اللهَ يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها عَنِ الناسِ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" بِمَعْنى: أُرِيدُ، فالمَعْنى: أُرِيدُ إخْفاءَها عنكم لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، واسْتَشْهَدَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗....................

وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" عَلى بابِها، بِمَعْنى أنَّها لِمُقارَبَةِ ما لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى اسْتِعارَةِ العَرَبِ ومَجازِها، فَلَمّا كانَتِ الآيَةُ عِبارَةً عن شَدَّةِ خَفاءِ أمْرِ القِيامَةِ ووَقْتِها، وكانَ القَطْعُ بِإتْيانِها مَعَ جَهْلِ الوَقْتِ أهِيبُ عَلى النُفُوسِ، بالَغَ قَوْلُهُ تَعالى في إعْتامِ وقْتِها فَقالَ: ﴿ أكادُ أُخْفِيها ﴾ حَتّى لا تَظْهَرَ البَتَّةَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ، ولا بُدَّ مِن ظُهُورِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَلْخِيصُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأقْوى عِنْدِي.

ورَوى بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْنى: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي" ما في القَوْلِ مِنَ القَلَقِ، فَقالُوا: مَعْنى "مِن نَفْسِي": مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا رَفْضٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ ورُجُوعٌ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ أخِيرًا، فَتَأمَّلْهُ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتُجْزى" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "آتِيَةٌ"، وهَكَذا بِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ، و"تَسْعى" مَعْناهُ: تَكْتَسِبُ وتَجْتَرِحُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها ﴾ ، عائِدٌ عَلى "الساعَةِ"، يُرِيدُ: الإيمانُ بِالساعَةِ، فَأوقَعَ الضَمِيرَ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى "لا إلَهَ إلّا اللهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَّجَهٌ، والأوَّلانِ أبْيَنُ وجْهًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتَرْدى" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: تَنادَوْا فَقالُوا أرْدَتِ الخَيْلُ فارِسًا ∗∗∗ فَقُلْتُ: أعَبْدُ اللهِ ذَلِكُمُ الرَدِي؟

وهَذا الخِطابُ كُلُّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقالَ النِقاشُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها ﴾ لِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا بَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَرَكَّبَ ذَلِكَ القَوْلُ المُتَقَدِّمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ تَقْدِيرُهُ ومُضْمَنُهُ التَنْبِيهُ وجَمْعُ النَفْسِ لِتَلَقِّي ما يُورِدُ عَلَيْها، وإلّا فَقَدَ عَلِمُ اللهُ تَعالى ما هي في الأزَلِ.

وقَوْلُهُ: "بِيَمِينِكَ" مِن صِلَةِ "تِلْكَ"، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: عَدَسْ!

ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ ∗∗∗ نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ: ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى عَتَبَ عَلى مُوسى إضافَةَ العَصا إلى نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَقِيلَ لَهُ: "ألْقِها" لِيَرى مِنها العَجَبَ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ عَلَيْها ولا تَنْضافُ إلَيْهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ - "عَصايِي" بِكَسْرِ الياءِ مِثْلَ غُلامِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَصى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم ∗∗∗..............

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَصايَ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ قَرَأ: "عَصايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ.

ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مَنافِعَ عَصاهُ عِظَمَها وجُمْهُورَها، وأجْمَلَ سائِرَ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأهُشُّ" بِضَمِّ الهاءِ والشِينِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أخَبَطُ بِها الشَجَرَ حَتّى يَنْتَشِرَ الوَرَقُ لِلْغَنَمِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَأهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، والمَعْنى كالَّذِي تَقَدَّمَ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَأهُسُّ" بِضَمِّ الهاءِ والسِينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أزْجُرُها وأُخَوِّفُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" بِالجَرِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" فَأوقَعُوا الفِعْلَ عَلى الغَنَمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَنْمِي" بِسُكُونِ النُونِ، ولا أعْرِفُ لَها وجْهًا، وقَوْلُهُ: "أُخْرى" - فَوَحَّدَ مَعَ تَقَدُّمُ الجَمْعِ - وهو المَهِيعُ في تَوابِعِ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ والكِنايَةُ عنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْرى مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ الأسْماءُ الحُسْنى  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ، وقَدْ مَرَّ القَوْلُ في هَذا المَعْنى غَيْرَ مَرَّةٍ.

وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي الَّتِي كانَ أخَذَها مِن بَيْتِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ الَّذِي كانَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ اتَّفَقا عَلى الرَعِيَّةِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَبَطَ بِها مِنَ الجَنَّةِ، وكانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في ورَقِ الرَيْحانِ، وهو الجِسْمُ المُسْتَطِيلُ في وسَطِها، وقَدْ تَقَدَّمُ شَرْحُ أمْرِها فِيما مَضى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بقية ما نودي به موسى.

والجملة معطوفة على الجمل قبلها انتقالاً إلى محاورة أراد الله منها أن يُري موسى كيفية الاستدلال على المرسَل إليهم بالمعجزة العظيمة، وهي انقلاب العصا حيّة تأكل الحيات التي يظهرونها.

وإبراز انقلاب العصَا حيّةً في خلال المحاورة لقصد تثبيت موسى، ودفع الشكّ عن أن يتطرقه لو أمره بذلك دون تجربة لأنّ مشاهدَ الخوارق تسارع بالنفس بادئ ذي بدء إلى تأويلها وتُدخل عليها الشك في إمكان استتار المعتاد بساتر خفي أو تخييل، فلذلك ابتدئ بسؤاله عما بيده ليوقن أنه ممسك بعصاه حتى إذا انقلبت حيّة لم يشك في أنّ تلك الحيّة هي التي كانت عصاه.

فالاستفهام مستعمل في تحقيق حقيقة المسؤول عنه.

والقصد من ذلك زيادة اطمئنان قلبه بأنه في مقام الاصطفاء، وأن الكلام الذي سمعه كلام من قبل الله بدون واسطة متكلّم معتاد ولا في صورة المعتاد، كما دلّ عليه قوله بعد ذلك ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ [طه: 23].

فظاهر الاستفهام أنه سؤال عن شيء أشير إليه.

وبُنيت الإشارة بالظرف المستقر وهو قوله ﴿ بِيَمِينِكَ ﴾ ، ووقع الظرف حالاً من اسم الإشارة، أي ما تلك حال كونها بيمينك؟.

ففي هذا إيماء إلى أن السؤال عن أمر غريب في شأنها، ولذلك أجاب موسى عن هذا الاستفهام ببيان ماهية المسؤول عنه جرياً على الظاهر، وببيان بعض منافعها استقصاء لمراد السائل أن يكون قد سأل عن وجه اتخاذه العصا بيده لأنّ شأن الواضحات أن لا يسأل عنها إلاّ والسائل يريد من سؤاله أمراً غير ظاهر، ولذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع: «أيُّ يوم هذا؟» سكت النّاس وظنوا أنه سيسميه بغير اسمه.

وفي رواية أنهم قالوا: «الله ورسوله أعلم، فقال: أليس يوم الجمعة؟...» إلى آخره.

فابتدأ موسى ببيان الماهية بأسلوب يؤذن بانكشاف حقيقة المسؤول عنه، وتوقع أن السؤال عنه توسل لتطلب بيان وراءه.

فقال: ﴿ هِيَ عَصَايَ ﴾ ، بذكر المسند إليه، مع أنّ غالب الاستعمال حذفه في مقام السؤال للاستغناء عن ذكره في الجواب بوقوعه مسؤولاً عنه، فكان الإيجاز يقتضي أن يقول: عصاي.

فلما قال: ﴿ هِيَ عَصَايَ ﴾ كان الأسلوب أسلوب كلام من يتعجب من الاحتياج إلى الإخبار، كما يقول سائل لما رأى رجلاً يعرفه وآخر لا يعرفه: من هذا معك؟

فيقول: فلان، فإذا لقيَهما مرة أخرى وسأله: من هذا معك؟

أجابه: هو فلان، ولذلك عَقب موسى جوابَه ببيان الغرض من اتّخاذها لعلّه أن يكون هو قصد السائل فقال: ﴿ أتَوَكَّؤُا عليها وأَهُشُّ بها على غَنَمي ولِي فيها مَئَارِبُ أخرى ﴾ .

ففصّل ثمّ أجمل لينظر مقدار اقتناع السائل حتّى إذا استزاده بياناً زاده.

والباء في قوله ﴿ بِيَمِينِكَ ﴾ للظرفية أو الملابسة.

والتوكّؤ: الاعتماد على شيء من المتاع، والاتّكاء كذلك، فلا يقال: توكّأ على الحائط ولكن يقال: توكأ على وسادة، وتوكأ على عصا.

والهَشّ: الخَبْط، وهو ضرب الشجرة بعصاً ليتساقط ورقها، وأصله متعدّ إلى الشجرة فلذلك ضمت عينه في المضارع، ثمّ كثر حذف مفعوله وعدي إلى ما لأجله يوقع الهش بعلى لتضمين (أهشّ) معنى أُسقط على غنمي الورق فتأكله، أو استعملت (على) بمعنى الاستعلاء المجازي كقولهم: هو وكيل على فلان.

ومَآرب: جمع مَأرُبة، مثلث الراء: الحاجة، أي أمور أحتاج إليها.

وفي العصا منافع كثيرة روي بعضها عن ابن عباس، وقد أفرد الجاحظ من كتاب «البيان والتبيين» باباً لمنافع العصا.

ومن أمثال العرب: «هو خير من تفارق العصا».

ومن لطائف معنى الآية ما أشار إليه بعض الأدباء من أن موسى أطنب في جوابه بزيادة على ما في السؤال لأنّ المقام مقام تشريف ينبغي فيه طول الحديث.

والظاهر أنّ قوله ﴿ مَئَارب أُخرى ﴾ حكاية لقول موسى بمماثله، فيكون إيجازاً بعد الإطناب، وكان يستطيع أن يزيد من ذكر فوائد العصا.

ويجوز أن يكون حكاية لقول موسى بحاصل معناه، أي عدّ منافع أخرى، فالإيجاز من نظم القرآن لا من كلام موسى عليه السلام.

والضمير المشترك في {قال ألقِها عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات من التكلّم الذي في قوله إنني أنا الله؛ دعا إلى الالتفات وقوع هذا الكلام حواراً مع قول موسى: هي عصاي...

إلخ.

وقوله أَلقِهَا } يتضح به أن السؤال كان ذريعة إلى غرض سيأتي، وهو القرينة على أن الاستفهام في قوله ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ مستعمل في التنبيه إلى أهمية المسؤول عنه كالذي يجيء في قوله: ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ [طه: 83].

والحيّة: اسم لصنف من الحنش مسموم إذا عضّ بنابيه قتل المعضوض، ويطلق على الذكر.

ووصف الحيّة بتسعى لإظهار أنّ الحياة فيها كانت كاملة بالمشي الشديد.

والسعي: المشي الذي فيه شدّة، ولذلك خصّ غالباً بمشي الرجل دون المرأة.

وأعيد فعل ﴿ قَالَ خُذْهَا ﴾ بدون عطف لوقوعه في سياق المحاورة.

والسيرة في الأصل: هيئة السير، وأطلقت على العادة والطبيعة، وانتصب ﴿ سِيرَتَها ﴾ بنزع الخافض، أي سنعيدها إلى سيرتها الأولى التي كانت قبل أن تنقلب حيّة، أي سنعيدها عصاً كما كانت أول مرة.

والغرض من إظهار ذلك لموسى أن يعرف أنّ العصا تطبعت بالانقلاب حيّة، فيتذكر ذلك عند مناظرة السحرة لئلا يحتاج حينئذ إلى وحي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ لَيْسَ هَذا سُؤالَ اسْتِفْهامٍ، وإنَّما هو سُؤالُ تَقْرِيرٍ لِئَلّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ ارْتِيابٌ بَعْدَ انْقِلابِها حَيَّةً تَسْعى.

﴿ قالَ هي عَصايَ ﴾ فَتَضَمَّنَ جَوابُهُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: الإخْبارُ بِأنَّها عَصًا وهَذا جَوابٌ كافٍ.

الثّانِي: إضافَتُها إلى مِلْكِهِ، وهَذِهِ زِيادَةٌ ذَكَرَها لِيَكْفِيَ الجَوابُ بِما سُئِلَ عَنْهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِها بِما لَمْ يُسْألْ عَنْهُ لِيُوَضِّحَ شِدَّةَ حاجَتِهِ إلَيْها واسْتِعانَتِهِ بِها لِئَلّا يَكُونَ عابِئًا بِحَمْلِها، فَقالَ: ﴿ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ﴾ أيْ أخَبِطُ بِها ورَقَ الشَّجَرِ لِتَرْعاهُ غَنَمِي.

قالَ الرّاجِزُ: أهُشُّ بِالعَصا عَلى أغْنامِي مِن ناعِمِ الأراكِ والبَشّامِ.

وَقَرَأ عِكْرِمَةُ ( وأهُسُّ) بِسِينٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ.

وَفي الهَشِّ والهَسِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فالهَشُّ بِالمُعْجَمَةِ: خَبْطُ الشَّجَرِ، والهَسُّ بِغَيْرِ إعْجامٍ زَجْرُ الغَنَمِ.

﴿ وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ﴾ أيْ حاجاتٌ أُخْرى، فَنَصَّ عَلى اللّازِمِ وكَنّى عَنِ العارِضِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَطْرُدُ بِها السِّباعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَقْدَحُ بِها النّارَ، ويَسْتَخْرِجُ الماءَ بِها.

الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كانتا من جلد حمار ميت، فقيل له اخعلهما.

وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه قال: ما بال خلع النعلين في الصلاة؟

إنما أمر موسى بخلع نعليه، إنهما كانا من جلد حمار ميت.

وأخرج عبد بن حميد، عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كان نعلا موسى من جلد حمار ميت، فأراد ربك أن يمسه القدس كله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الزهري في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كانتا من جلد حمار أهلي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانت نعلا موسى التي قيل له اخعلهما: من جلد خنزير.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال كي تمس راحة قدميك الأرض الطيبة.

وأخرج الطبراني، عن علقمة؛ أن ابن مسعود أتى أبا موسى الأشعري منزله، فحضرت الصلاة فقال أبو موسى رضي الله عنه تقدم يا أبا عبد الرحمن، فإنك أقدم سناً وأعلم.

قال: لا.

بل تقدم أنت، فإنما أتيناك في منزلك، فتقدم أبو موسى رضي الله عنه فخلع نعليه، فلما صلى قال له ابن مسعود: رضي الله عنه لم خلعت نعليك؟

أبالواد المقدس أنت؟

لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الخفين والنعلين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ قال: المبارك ﴿ طوى ﴾ قال: اسم الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس ﴾ قال: الطاهر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس ﴾ قال: واد بفلسطين قدس مرتين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بالواد المقدس طوى ﴾ يعني الأرض المقدسة، وذلك أنه مر بواديها ليلاً فطوي.

يقال: طويت وادي كذا وكذا، والطاوي من الليل وارتفع إلى أعلى الوادي، وذلك نبي الله موسى عليه السلام.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ قال المبارك: ﴿ طوى ﴾ قال: اسم الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مبشر بن عبيد ﴿ طوى ﴾ بغير نون وادٍ بإيلة زعم أنه طوي بالبركة مرتين.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ طوى ﴾ قال: طا الوادي.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي نجيح رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوى ﴾ قال طا الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً.

يقول: من بركة الوادي، هذا قول سعيد بن جبير.

قال: وكان مجاهد رضي الله عنه يقول: ﴿ طوى ﴾ اسم الوادي.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس طوى ﴾ قال: واد قدس مرتين واسمه ﴿ طوى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ طوى ﴾ برفع الطاء وبنون فيها.

وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مكتوب على باب الجنة: إنني أنا الله لا إله إلا أنا لا أعذب من قالها» .

وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن أنس رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلداً بالسيف لقيه رجل من بني زهرة فقال له: أين تغدو يا عمر، قال: أريد أن أقتل محمداً.

قال: وكيف تأمن بني هاشم وبني زهرة؟

فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك!

قال: أفلا أدلك على العجب؟!

إن أختك وختنك قد صبآ وتركا دينك، فمشى عمرا زائراً حتى أتاهما، وعندهما خباب، فلما سمع خباب بحس عمر، توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم وكانوا يقرأون ﴿ طه ﴾ فقالا: ما عدا حديثاً تحدثنا به.

قال: فلعلكما قد صبأتما.

فقال له خنته: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك؟

فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديداً: فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفخها نفخة بيده فدمى وجهها.

فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه، فقالت أخته: إنك رجس وإنه ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ [ الواقعة: 79] فقم فتوضأ، فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ ﴿ طه ﴾ حتى انتهى إلى ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ﴾ فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر، خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لك- ليلة الخميس- «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بعمر بن هشام» فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه «قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل- عليه السلام- قال: قال الله عز وجل ﴿ إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ﴾ من جاءني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل حصني، ومن دخل حصني أمن عذابي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ قال: إذا صلى عبد ذكر ربه.

وأخرج عبد بن حميد، عن إبراهيم في قوله: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ قال: حين تذكر.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال أقم الصلاة لذكري» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما قفل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من خيبر أسري ليلة حتى أدركه الكرى، أناخ فعرس ثم قال: يا بلال، أكلأنا الليلة قال: فصلى بلال ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر، فغلبته عيناه فنام، فلم يستيقظ أحد منهم حتى ضربتهم الشمس، وكان أولهم استيقاظاً النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي بلال فقال بلال: بأبي أنت يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم- اقتادوا ثم أناخ فتوضأ وأقام الصلاة ثم صلى مثل صلاته للوقت في تمكث، ثم قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ » وكان ابن شهاب يقرؤها ﴿ للذكرى ﴾ .

وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن عبادة بن الصامت قال: «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن رجل غفل عن الصلاة حتى طلعت الشمس أو غربت ما كفارتها؟

قال: يتقرب إلى الله ويحسن وضوءه ويصلي فيحسن الصلاة ويستغفر الله فلا كفارة لها إلا ذلك» إن الله يقول: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سمرة بن يحيى قال: نسيت صلاة العتمة حتى أصبحت، فغدوت إلى ابن عباس فأخبرته فقال: قم فصلها، ثم قرأ ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا نسيت صلاة فاقضها متى ما ذكرت.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الشعبي وإبراهيم في قوله: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ قالا: صلِّها إذا ذكرتها وقد نسيتها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم قال: من نام عن صلاة أو نسيها، يصلي متى ذكرها عند طلوع الشمس وعند غروبها، ثم قرأ ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ قال: إذا ذكرتها فصلها في أي ساعة كنت.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «أقبلنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الحديبية فنزلنا دهاساً من الأرض- والدهاس الرمل- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: من يكلؤنا؟

قال بلال: أنا، فناموا حتى طلعت عليهم الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعلوا كما كنتم تفعلون» كذلك لمن نام أو نسي.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي جحيفة قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سفره الذي ناموا فيه، حتى طلعت الشمس ثم قال: «إنكم كنتم أمواتاً فرد الله إليكم أرواحكم، فمن نام عن الصلاة أو نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، وإذا استيقظ» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وخاف موسى فناداه ربه: ﴿ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ﴾ وذلك أن الله تعالى أراد أن يري موسى ما أعطاه من الآيات التي لا يقدر عليها مخلوق؛ لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبرًا.

ولم يذكر خوف موسى في هذه السورة، وذكر في سورة القصص [[عند قوله سبحانه في سورة [القصص: 31]: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ﴾ .]].

وقوله هاهنا: ﴿ وَلَا تَخَفْ ﴾ يدل على خوفه.

وقوله تعالى: ﴿ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ﴾ قال عطاء والسدي: (نردها عصا كما كانت) (١) قال ابن عَباس: ( ﴿ سِيرَتَهَا ﴾ حالتها) (٣) وقال مجاهد.

(هيئتها) (¬2).

وقال أبو عبيدة: (خلقتها الأولى) (٤) (٥) (٦) والمعنى في الآية: أنها تجري على ما كانت تجري عليه من قبل، من كونها عصا، ونحو هذا قال أبو إسحاق في السيرة: (أنها الهيئة، يقال إذا كان القوم مشتبهين: هم على سيرة واحدة.

قال: و ﴿ سِيرَتَهَا ﴾ منصوبة على إسقاط الخافض، وأفضى الفعل إليها، والمعنى: إلى سيرتها، فلما حذفت (إلى) أفضى الفعل، وهو ﴿ سَنُعِيدُهَا ﴾ فنصب) (٧) قال وهب: (لما أمره الله بأخذها أدنى طرف المدرعة (¬7) على يده، فقال له مَلك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر، أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟

قال: لا، ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت.

فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية وقبض، فإذا عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعه التي كان عهدها إذا توكأ بين الشعبتين) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 161، "الدر المنثور" 4/ 520، "روح المعاني" 16/ 179، "الزهد" للإمام أحمد ص 63.]].

(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 157، "الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 36، "معالم التنزيل" 5/ 269، "زاد المسير" 5/ 270، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 161.

(٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 18.

(٣) ذكر بلا نسبة في "المحرر الوجيز" 10/ 21، "زاد المسير" 5/ 180، "البحر المحيط" 6/ 235.

(٤) انظر: "القاموس المحيط" (السير) 2/ 4، "الصحاح" (سير) 2/ 691، "لسان العرب" (سير) 4/ 2169، "المفردات في غريب القرآن" (سار) ص 247.

(٥) "معاني القرآن" للزحاج 3/ 355.

(٦) المدرعة: ضرب من الثياب التي تلبس ولا تكون إلا من الصوف.

انظر: "تهذيب اللغة" (درع) 2/ 175، "مقاييس اللغة" (درع) 2/ 268، "القاموس المحيط" (درع) 4/ 7، "الصحاح" (درع) 3/ 1206.

(٧) "تفسير القرآن العظيم" 3/ 161، "الدر المنثور" 4/ 520، "روح المعاني" 16/ 179، "الزهد" للإمام أحمد ص 63.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حَيَّةٌ تسعى ﴾ أي تمشي ﴿ سِيَرتَهَا الأولى ﴾ يعني أنه لما أخذها عادت كما كانت أول مرة، وانتصب ﴿ سِيَرتَهَا ﴾ على أنه ظرف أو مفعول بإسقاط حرف الجر.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ طه ﴾ : قال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ طه ﴾ : يا رجل بالنبطية، وقال بعضهم: بالسريانية، وقيل: يا فلان، وقيل: هو اسم من أسماء الله، وقيل: حروف من أسمائه ونحو ذلك، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ : لا يحتمل أن يكون هذا نزل على الابتداء من غير سبب ولا أمر، لكنه لم يبيّن السّبب [الذي] به نزل هذا، فيحتمل أن يكون سببه وجوهاً: أحدها: ما حمل نفسه من الشدائد والمؤن العظام، وأجهد نفسه في ذلك؛ فنزل: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، أي: لتتعب به نفسك، كقوله: ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ  ﴾ أي: تتعب؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ .

والثاني: أنه لما كف نفسه عن الشهوات ومنعها عن جميع ما تهواه من اللذات، فقال أولئك الكفرة: إنه شقى؛ حيث رأوه لم يعط نفسه شيئاً من شهواتها ولذاتها.

والثالث: أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه واتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون، وكانت عادتهم القتل وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك، فعند ذلك قالوا: إنّه شقيّ؛ حيث يخاطر بنفسه، فقال: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ على ما يقول أولئك، بل أنزله عليك؛ لتسعد حيث أخبر أنه عصمه بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

أو ألا يفسر ولا يذكر ذلك الأمر والسبب الذي به نزل؛ لأنه لم يبيّن، ولا حاجة بنا [إلا] إلى معرفة ما ذكر، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، بل أنزلناه لتسعد، وأنزلناه ليتذكر به من يخشى، كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: عظة لمن يتقى ما به يخشى.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : كل مؤمن؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه الخشية منه والاتقاء من نقمته وعذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ .

كأن هذا نزل على إثر قول قاله أولئك الكفرة، وهو ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، وإنه شاعر [و] إنما يعلمه بشر ونحوه، فقال جواباً لقولهم: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ ليس كما يقول أولئك: إنه ساحر وإنه مفتر وإنما يعلمه بشر، بل تنزيلاً ممّن خلق الأرض والسّماوات العلا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته: فإن كان الأول فهو إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق؛ إذ هو دونه، ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به الأمكنة لجاز [أن] يحيط به الأوقات؛ فيصير متناهياً بذاته مقصراً عن خلقه.

وإن كان على الوجه الثاني، فلو زيد في الخلق، لانتقص أيضاً، وفيه ما في الأوّل.

ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مما يذم ذا من فعل الملوك أن يفضل عنهم من المقاعد شيئاً.

وبعد: فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك، وذلك كله وصف الخلائق، والله يتعالى عن ذلك.

وبعد: فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر؛ فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه[؛ حيث] فيها ذكر العظمة والجلال؛ إذ ذكر في قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وصفه بالعظمة والسلطان، والقدرة، فكذلك على تعظيم العرش، أي شيء كان من نور أو جوهر؟

لا يبلغه علم الخلق، وإضافة الاستواء إليه لوجهين: أحدهما: على تعظيمه، بما ذكر على إثره، ذكر سلطانه في ربوبيته، وقدرته وخلقه ما ذكر.

والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله؛ على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا، واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق به؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...

﴾ الآية [المائدة: 3] بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم، وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة، وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك، ولكن يذكر عظم الأمر، فمثله أمر العرش، وهو كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا  ﴾ وقوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا  ﴾ على لحوق غيرٍ بهم، ويحتمل أن يكون على المنع بوصف المكان؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول شيئاً، فأشار إليه ليعلم علوّه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة، وعلى ذلك قوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ...

﴾ الآية [المجادلة: 7]، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان، ولكن يضاف إلى الإسرار فأخبر بعلوه عن الأمكنة، وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ  ﴾ ، أي: بالسلطان والقوة، وبالألوهية في البقاع كلها؛ لأنها أمكنة العادة بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ  ﴾ ويملك كل شيء بقوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ وبقوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ثم بعلوّه وجلاله بقوله: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك، ليعلم أنه بكل ما سمي به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه، وكذلك عزّه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره.

وقال بعضهم: يريد بالعرش: الملك؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمى به السطوح ورءوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة: أحدها: الاستيلاء، كما يقال: استوى فلان على كورة كذا، بمعنى: استولى.

والثاني: العلو [و] الارتفاع، كقوله: ﴿ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ ﴾ \[المؤمنون: 28\] وقوله: ﴿ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ  ﴾ أي: علوتهم.

والثالث: التمام، كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ  ﴾ ، أي: تم واستقر.

وقد قيل بالقصد، وإلى ذلك وَجَّهَ أهل الأدب قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ بمعنى: خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم فعلاً أن يكون بالقصد، وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا بالله.

ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء، والعزيز الملك أنه مستولٍ على جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا، يدلّ على الأمرين قوله: ﴿ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ  ﴾ بمعنى: الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره، فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة، والله الموفق.

وأمّا على تأويل التمام والعلو، فهو أن الله  قال: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...

﴾ الآية [فصلت: 9]، فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ ﴾ بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك، وعلا، وارتفع؛ إذ هم المقصودون من خلق ما بيّنا، فبذلك تم معنى الملك وعلا؛ إذ وصل إلى الذين لهم خلقوا وقد قيل ذا في خلق البشر خاصّة بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً...

﴾ الآية [البقرة: 29]، وقوله: ﴿ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ  ﴾ ونحوه.

وذكر عن ابن عباس: أن البشر خلق اليوم السابع فبه التمام والعلو؛ إذ خلق لهم كل شيء وخلقهم لعبادة الله، وألحق بهم الجن بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...

﴾ الآية [الذاريات: 56]، لكن المقصود البشر؛ إذ تسخير ما ذكرت كله إنما يرجع إلى منافعهم، والله الموفق.

والأصل عندنا في ذلك: أن الله - عز وجل - قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه؛ فيجب القول بـ ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ على ما جاء به التنزيل، وينفي عنه شبه الخلق لما أضاف إليه، وإذ لزم القول في الله بالتعالي عن الأشباه ذاتاً وفعلاً، لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، والله الموفق، وقد ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن.

وفي قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ ، الوصف له بالسلطان والقدرة والملك على ما ذكرنا.

وفي قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ الوصف له بالعلم في الغيب والسر والعلانية جميعاً؛ ليكونوا أبداً على حذر وخوف ويقظة في جميع أفعالهم وأقوالهم، وفي الأوّل؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم من الخلق إلى خالقهم، وألا يطمع ولا يرجى غيره.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به إلى غيرك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما أضمرته وأكننته في نفسك، لم تسره إلى أحد.

قال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به وحدثت به نفسك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما علم الله أنه كائن يكون، ولم يكن بعد، ولم تعلم به.

وقال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسره في نفسه، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما خطر في قلبه، وهو لا يضبطه، ونحو ذلك، وأصله في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ ﴾ كأنه يقول: وإن تجهر بالقول أو تسرّ ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: أي: من وحّد الله بأسمائه فله الحسنى، وهي الجنة، وقد ذكرناه فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الله لموسى  : خذ العصا, ولا تخف من انقلابها حية، سنعيدها إذا أخذتها إلى حالتها الأولى.

<div class="verse-tafsir" id="91.jv2Wg"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله