الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٢٦ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٦ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ولهذا قال : ( رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ) أي : إن لم تكن أنت عوني ونصيري ، وعضدي وظهيري ، وإلا فلا طاقة لي بذلك .
( وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) يقول: وسهل عليّ القيام بما تكلفني من الرسالة، وتحملني من الطاعة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ) قال: جرأة لي.
أي سهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون .
{ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي } أي: سهل علي كل أمر أسلكه وكل طريق أقصده في سبيلك، وهون علي ما أمامي من الشدائد، ومن تيسير الأمر أن ييسر للداعي أن يأتي جميع الأمور من أبوابها، ويخاطب كل أحد بما يناسب له، ويدعوه بأقرب الطرق الموصلة إلى قبول قوله.
( ويسر لي أمري ) أي : سهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون .
«ويسِّر» سَهِّلْ «لي أمري» لأبلغها.
قال موسى: رب وسِّع لي صدري، وسَهِّل لي أمري، وأطلق لساني بفصيح المنطق؛ ليفهموا كلامي.
واجعل لي معينا من أهلي، هارون أخي.
قَوِّني به وشدَّ به ظهري، وأشركه معي في النبوة وتبليغ الرسالة؛ كي ننزهك بالتسبيح كثيرًا، ونذكرك كثيرا فنحمدك.
إنك كنت بنا بصيرًا، لا يخفى عليك شيء من أفعالنا.
( وَيَسِّرْ لي أَمْرِي ) أى : وسهل لى ما أمرتنى به ، فإنك إن لم تحطنى بهذا التيسير ، فلا طاقة لى بحمل أعباء هذه الرسالة .قال صاحب الكشاف : " لما امره بالذهاب إلى فرعون الطاغى - لعنه الله - عرف أنه كلف أمرا عظيما ، وخطبا جسيما يحتاج معه إلى احتمال مالا يحتمله إلا ذو جأش رابط ، وصدر فسيح ، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ، ويفسح قلبه ، ويجعله حليما حمولا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التى يذهب معها صبر الصابر .
.
.
.
وأن يسهل عليه فى الجملة أمره الذى هو خلافة الله فى أرضه ، وما يصحبها من مزاولة معاظم الشئون ، ومقاساة جلائل الخطوب .
اعلم أن هذا هو المعجزة الثانية وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال لك ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لطرفيه وجناحا الإنسان جنباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر لأنه يجنحهما عند الطيران، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما إلى جناحك إلى صدرك والأول أولى لأن يدي الإنسان يشبهان جناحي الطائر لأنه قال: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَاء ﴾ ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله: ﴿ تَخْرُجْ ﴾ معنى واعلم أن معنى ضم اليد إلى الجناح ما قال في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ لأنه إذا أدخل يده في جيبه كان قد ضم يده إلى جناحه، والله أعلم.
المسألة الثانية: السوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة والبرص أبغض شيء إلى العرب فكان جديراً بأن يكنى عنه يروى أنه عليه السلام كان شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها كانت تبرق مثل البرق وقيل مثل الشمس من غير برص ثم إذا ردها عادت إلى لونها الأول بلا نور.
المسألة الثالثة: بيضاء وآية حالان معاً ومن غير سوء من صلة البيضاء كما تقول ابيضت من غير سوء وفي نصب آية وجه آخر وهو أن يكون بإضمار نحو خذ ودونك وما أشبه ذلك حذف لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف لنريك أي خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك، فإن قيل الكبرى من نعت الآيات فلم لم يقل الكبر؟
قلنا: بل هي نعت الآية والمعنى لنريك الآية الكبرى ولئن سلمنا ذلك فهو كما قدمنا في قوله: ﴿ مَآَرِبُ أخرى ﴾ ، و ﴿ الأسمآء الحسنى ﴾ .
المسألة الرابعة: قال الحسن: اليد أعظم في الإعجاز من العصا لأنه تعالى: ذكر ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى ﴾ عقيب ذكر اليد وهذا ضعيف لأنه ليس في اليد إلا تغير اللون، وأما العصا ففيه تغير اللون وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر والشجر، ثم عاد عصا بعد ذلك.
فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم، وأما قوله: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى ﴾ فقد بينا أنه عائد إلى الكل وأنه غير مختص باليد.
المسألة الخامسة: أنه سبحانه وتعالى لما أظهر له هذه الآية عقبها بأن أمره بالذهاب إلى فرعون وبين العلة في ذلك وهي أنه طغى، وإنما خص فرعون بالذكر مع أن موسى عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبر وكان متبوعاً فكان ذكره أولى.
قال وهب: قال الله تعالى لموسى عليه السلام: «اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار ولكن هان علي وسقط من عيني فبلغه عني رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي: وقل له قولاً ليناً لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي، في كلام طويل، قال فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك بعبده».
<div class="verse-tafsir"
قيل لكل ناحيتين: جناحان، كجناحي العسكر لمجنبتيه، وجناحا الإنسان: جنباه، والأصل المستعار منه جناحاً الطائر.
سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران.
والمراد إلى جنبك تحت العضد، دل على ذلك قوله: ﴿ تَخْرُجْ ﴾ السوء: الرداءة والقبح في كل شيء، فكني به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة، وكان جذيمة صاحب الزباء أبرص فكنوا عنه بالأبرش.
والبرص أبغض شيء إلى العرب.
وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه مجاجة، فكان جديراً بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا ألطف ولا أحز للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه.
يروي: أنه كان آدم فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر.
﴿ بَيْضآءَ ﴾ و ﴿ ءَايَةً ﴾ حالان معاً.
و ﴿ مِنْ غَيْرِ سوا ءٍ ﴾ (من) صلة ل (بيضاء)، كما تقول: ابيضت من غير سوء، وفي نصب ﴿ ءَايَةً ﴾ وجه آخر، وهو أن يكون بإضمار نحو: خذ، ودونك، وما أشبه ذلك.
حذف لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف ﴿ لِنُرِيَكَ ﴾ أي خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى.
أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا.
أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ إلى جَنْبِكَ تَحْتَ العَضُدِ يُقالُ لِكُلِّ ناحِيَتَيْنِ جَناحانِ كَجَناحَيِ العَسْكَرِ، اسْتِعارَةً مِن جَناحَيِ الطّائِرِ سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْنَحُهُما عِنْدَ الطَّيَرانِ.
﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ ﴾ كَأنَّها مُشِعَّةٌ.
﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ مِن غَيْرِ عاهَةٍ وقُبْحٍ، كُنِّيَ بِهِ عَنِ البَرَصِ كَما كَنّى بِالسَّوْأةِ عَنِ العَوْرَةِ لِأنَّ الطِّباعَ تَعافُهُ وتَنْفِرُ عَنْهُ.
﴿ آيَةً أُخْرى ﴾ مُعْجِزَةً ثانِيَةً وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِها، أوْ مَفْعُولٍ بِإضْمارِ خُذْ أوْ دُونَكَ.
﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهَذا المُضْمَرِ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةٌ أوِ القِصَّةُ الَّتِي دَلَّلْنا بِها، أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُرِيَكَ و ( الكُبْرى ) صِفَةُ آياتِنا أوْ مَفْعُولُ «نُرِيَكَ» و ﴿ مِن آياتِنا ﴾ حالٌ مِنها.
﴿ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وادْعُهُ إلى العِبادَةِ.
﴿ إنَّهُ طَغى ﴾ عَصى وتَكَبَّرَ.
<div class="verse-tafsir"
{ويسر لي أمري} وسهل ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون واشرح لي صدري آكد من اشرح صدري لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الاجمالي والتفصيل لأنه بقول اشرح لي ويسر لي علم أن ثمة مشروحاً وميسراً ثم رفع الإبهام بذكر الصدر والأمر
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قِيلَ لَهُ ما قِيلَ؟
فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ ﴿ ويَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ إلَخْ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ مِنَ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ والتَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ المَذْكُورَةِ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ فاسْتَوْهَبَ رَبَّهُ تَعالى أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ ويَجْعَلَهُ حَلِيمًا حَمُولًا يَسْتَقْبِلُ ما عَسى أنْ يَرِدَ عَلَيْهِ في طَرِيقِ التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ إلى مَرِّ الحَقِّ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَذْهَبُ مَعَها صَبْرُ الصّابِرِ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ وحُسْنِ الثَّباتِ وأنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أمْرُهُ الَّذِي هو أجَلُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها وأصْعَبُ الخُطُوبِ وأهْوَلُها بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ، فالمُرادُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ جَعْلُهُ بِحَيْثُ لا يَضْجَرُ ولا يَقْلَقُ مِمّا يَقْتَضِي بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ الضَّجَرَ والقَلَقَ مِنَ الشَّدائِدِ، وفي طَلَبِ ذَلِكَ إظْهارٌ لِكَمالِ الِافْتِقارِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْراضٌ عَنِ الأنانِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ: ويَحْسُنُ إظْهارُ التَّجَلُّدِ لَلْعِدا ويَقْبُحُ إلّا العَجْزُ عِنْدَ الأحِبَّةِ وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ الشَّرْحِ البَسْطُ ونَحْوُهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ بَسْطُهُ بِنُورٍ إلَهِيٍّ وسَكِينَةٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ورُوحٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ولَهم فِيهِ عِباراتٌ أُخَرُ لَعَلَّ بَعْضَها سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هَذا القَوْلَ مُعَلَّقٌ بِما خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ إلى هَذا المَقامِ، فَيَكُونُ قَدْ طَلَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرْحَ الصَّدْرِ لِيَقِفَ عَلى دَقائِقِ المَعْرِفَةِ وأسْرارِ الوَحْيِ ويَقُومَ بِمَراسِمِ الخِدْمَةِ والعِبادَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ولا يَضْجَرُ مِن شَدائِدِ التَّبْلِيغِ.
وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَصَبَ لِذَلِكَ المَنصِبَ العَظِيمَ وخُوطِبَ بِما خُوطِبَ في ذَلِكَ المَقامِ احْتاجَ إلى تَكالِيفَ شاقَّةٍ مِن تَلَقِّي الوَحْيِ والمُواظَبَةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإصْلاحِ العالَمِ السُّفْلِيِّ فَكَأنَّهُ كُلِّفَ بِتَدْبِيرِ العالِمَيْنِ والِالتِفاتِ إلى أحَدِهِما يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالآخَرِ، فَسَألَ شَرْحَ الصَّدْرِ حَتّى يَفِيضَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ ما يَكُونُ وافِيًا بِضَبْطِ تَدْبِيرِ العالَمَيْنِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الأمْرَ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ قَدِ انْطَوى فِيهِ الإشارَةُ إلى مَنصِبِ الرِّسالَةِ المُسْتَتْبِعِ تَكالِيفَ لائِقَةً بِهِ مِنها ما هو راجِعٌ إلى الحَقِّ ومِنها ما هو مَنُوطٌ بِالخَلْقِ، وقَدِ اسْتَشْعَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ ذَلِكَ فَبَسَطَ كَفَّ الضَّراعَةِ لِطَلَبِ ما يُعِينُهُ عَلى أداءِ ذَلِكَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَلا يَتَوَقَّفُ تَعْمِيمُ شَرْحِ الصَّدْرِ عَلى تَعَلُّقِهِ بِأوَّلِ الكَلامِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ الصَّدْرَ عِنْدَ عُلَماءِ الرُّسُومِ يُرادُ مِنهُ القَلْبُ لِأنَّهُ المُدْرِكُ أوْ مِمّا بِهِ الإدْراكُ، والعَلاقَةُ ظاهِرَةٌ.
ولِعُلَماءِ القُلُوبِ كَلامٌ في ذَلِكَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ مَعَ بَعْضِ ما أطْنَبَ بِهِ الإمامُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي ذِكْرِ كَلِمَةِ (لِي) مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِها تَأْكِيدٌ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ بِإبْهامِ المَشْرُوحِ والمُيَسَّرِ أوَّلًا وتَفْسِيرِهِما ثانِيًا، فَإنَّهُ لَمّا قالَ ﴿ اشْرَحْ لِي ﴾ عَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا يَخْتَصُّ بِهِ حَتّى لَوِ اكْتَفى لَتَمَّ فَإذا قِيلَ (صَدْرِي) أفادَ التَّفْسِيرَ والتَّفْصِيلَ أمّا لَوْ قِيلَ ﴿ اشْرَحْ ﴾ واكْتُفِيَ بِهِ فَلا وكَذا الكَلامُ في (يَسِّرْ لِي) .
وقِيلَ: ذَكَرَ (لِي) لِزِيادَةِ الرَّبْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ .
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُنافاةَ وهو الَّذِي أفادَ هَذا المَعْنى.
وفي الِانْتِصافِ أنَّ فائِدَةَ ذَكَرِها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَنفَعَةَ شَرْحِ الصَّدْرِ راجِعَةٌ إلَيْهِ فَإنَّهُ تَعالى لا يُبالِي بِوُجُودِهِ وعَدَمِهِ وقِسْ عَلَيْهِ (يَسِّرْ لِي أمْرِي) <div class="verse-tafsir"
ثم رجع إلى قصة موسى فقال عز وجل: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى يعني: أي شيء الذي بيدك أو ما الذي بيدك؟
وكان عالماً بما في يده، ولكن الحكمة في سؤاله لإزالة الوحشة عن موسى، لأن موسى كان خائفاً مستوحشاً كرجل دخل على ملك وهو خائف، فسأله عن شيء، فتزول بعض الوحشة عنه بذلك، ويستأنس بسؤاله.
وقال بعضهم: إنما سأله تقريراً له أن ما في يده عصاً لكيلا يخاف إذا صار ثعباناً.
ف قالَ موسى هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها يعني: أعتمد عليها إذا أعييت وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي يعني: أخبط بها ورق الشجر لغنمي.
فإن قيل: إنما سأله عما في يده ولم يسأله عما يصنع بها، فلم أجاب موسى عن شيء لم يسأله عنه؟
قيل له: قد قال بعضهم: في الآية إضمار يعني: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ فقال: وما تصنع بها؟
قال أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي- وقال بعضهم: إنما خاف موسى بذلك لأنه أمره بأن يخلع نعليه، فخاف أن يأمره بإلقاء عصاه، فجعل يذكر منافع عصاه فقال: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي (١) حوائج أُخرى، وواحدها: مأربة.
وقال مقاتل: كان موسى يحمل زاده على عصاه إذا سار، وكان يركزها في الأرض فيخرج الماء، وتضيء له بالليل بغير قمر، فيهتدي على غنمه.
وروى أسباط عن السدي قال: كانت عصا موسى من عود شجر آس من شجر الجنة، وكان استودعها إياه ملك من الملائكة في صورة إنسان، يعني: عند شعيب، وقال علي بن أبي طالب : «كانت عصا موسى من عود ورد من شجر الجنة اثني عشر ذراعاً من ذراع موسى» .
قوله تعالى: قالَ أَلْقِها يا مُوسى يعني: ألق عصاك من يدك، فظن موسى أنه يأمره بإلقائها على وجه الرفض، فلم يجد بداً فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى يعني: تسرح وتسير على بطنها رافعة رأسها، فخاف موسى وولى هارباً قالَ الله تعالى لموسى: خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى يعني: سنجعلها عصاً كما كانت أول مرة.
وأصل السيرة: الطريقة كما يقال: فلان على سيرة فلان، أي: على طريقته، وإنما صار نصباً لنزع الخافض، والمعنى: سنعيدها إلى حالها الأولى، فتناولها موسى فإِذا هي عصاً كما كانت.
ثم قال عز وجل: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ قال الكلبي: الجناح أسفل الإبط، يعني: أدخل يدك تحت إبطك تَخْرُجْ بَيْضاءَ لها شعاع يضيء كضوء الشمس مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يعني: من غير برص آيَةً أُخْرى يعني: علامة أُخرى مع العصا لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى يعني: العظمى، ومعناه: لنريك الكبرى من آياتنا، ولهذا لم يقل الكبريات، لأنه وقع المعنى على واحدة.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .
<div class="verse-tafsir"
وأسند عِيَاضٌ في «الشفا» «١» من طريق أَبِي ذَرٍّ الهروي، عن الرَّبِيعِ بن أَنَسٍ قال: كان ٨ أالنبيّ صلى الله عليه وسلّم إذَا صَلَّى/، قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الأخرى، فأنْزَل الله طه يعني: طَإ الأَرْضَ يَا محمد، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ولاَ خَفاءَ بمَا في هذا كله من الإكرام له (صلى الله عليه وسلّم) وحُسْن المعاملة.
انتهى.
[قال ص: لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً عِلَّتانِ لِقَوْلِه: مَا أَنْزَلْنا.
انتهى] «٢» .
وقد تقدم القولُ في مَسْأَلَةِ الاسْتِوَاء، وباقي الآية بيّن.
قال ابنُ هِشَام: قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ أيْ: فاعلم أَنه غَنِيٌّ عن جهرك فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى، فالجوابُ مَحذُوفٌ.
انتهى.
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)
وقوله سبحانه: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هذا الاِسْتفهام توقيفٌ مضمنه:
تَنْبِيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدَأُ الرجل إذا أَردْتَ إخْبَارَه بأَمْرٍ غَرِيبٍ فتقول: أعلمْتَ كذا، وكذا، ثم تبدأ تخبره.
وكان من قصّة موسى- عليه السلام- أنه رحل من مَدْيَن بأهله بِنْت شُعَيْب- عليه السلام- وهو يريدُ أَرض مِصْر، وقد طالت مُدَّة جِنَايته هُنَالِكَ، فَرَجَا خَفَاءَ أمْره، وكان فيما يزعمون رَجُلاً غَيُوراً، فكان يَسِيرُ الليلَ بأهْلِهِ، وَلاَ يَسِيرُ بالنهار مخافةَ كشفة «٣» الناسِ، فَضَلَّ عن طريقه في لَيْلَةٍ مظلمة، فبينما هو كذلك، وقد قَدَحَ بزنده، فلم يُورِ شَيْئاً إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، أيْ: أقِيموا، وذهب هو إلى النار، فإذا هي مُضْطَرِمةٌ في شَجَرةٍ خَضْرَاءَ يانِعةٍ، قيل: كانت من عُنَّابٍ، وقِيلَ: من عَوْسَج «٤» ، وقِيلَ: من علّيق «٥» ، فكلّما
دَنَا مِنْها، تباعَدَتْ منه، ومَشَتْ فإذا رجع عنها اتَّبعَتْهُ، فلما رأَى ذَلِكَ أَيقنَ أَنَّ هذا مِنْ أُمُورِ الله الخَارِقَةِ للعادة، ونُودِي، وانقضى أَمْرُه كُلّه في تلك الليلة هذا «١» قول الجُمْهُورِ، وهو الحقُّ، وما حُكِيَ عن ابنِ عباسٍ: أنَّه قال: أَقامَ في ذلك الأَمْرِ حَوْلاً، فغيرُ صَحِيحٍ عن ابن عباس «٢» .
وآنَسْتُ: معناه: أَحْسَسْتُ، والقَبَسُ: الجذْوةُ من النار، تكون على رَأْس العُودِ.
والهُدَى: أراد هُدَى الطريقِ، أَيْ: لعلي أَجِدُ مرشداً لي، أوْ دليلاً.
وفي قِصَّة موسى بأسْرها في هذه السورة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم عما لقي في تبليغه من المشقّات صلى الله عليه وسلّم والضميرُ في قوله: أَتاها: عائِدٌ على النار.
وقوله: «نُودي» : كنايةٌ عن تَكْلِيم الله تعالى له (عليه السلام) .
وقرأَ نَافِعٌ «٣» وغيرُه: إنِّي- بكسر الهمزة- على الابْتداءِ، وقرأَ أَبُو عَمْرو، وابن كَثِير:
«أَنِّي» - بفتحها- على معنى: لأَجل أَنِّي أَنا رَبُّك، فَاخْلَعْ نعليك.
واخْتُلِفَ في السبب الذي مِنْ أَجْله أُمِرَ بخلْعِ النعلين: فقالتْ فِرْقَةٌ: كَانَتَا من جِلْد حَمِارٍ مَيِّتٍ، فأُمِرَ بِطَرْحِ النَّجَاسَةِ.
وقالت فرقةٌ: بل كَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ بقَرَةٍ ذَكِيّ لكن أُمِر بخلعهما لينَالَ بركَةَ الوَادِي المُقدَّسِ، وتمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوَادِي.
قال ع «٤» : وتحتمل الآيةُ مَعْنًى آخَرَ، هو الأَليقُ بها عِنْدِي وهو: أَن الله تعالى أمرِه أنْ يتأدَّبَ، ويتَوَاضَعَ لعظم الحَالِ الَّتي حَصَلَ فيها، والعُرْف عِنْد المُلُوكِ: أن تخلع
النَّعْلاَنِ، ويبلغُ الإنْسان إلَى غاية تَوَاضُعِهِ، فكأَنَّ موسى- عليه السلام- أُمِر بذلك عَلَى هذا الوجه، وَلاَ نُبَالِي كيفَ كَانَتْ نَعْلاَهُ من ميتة أو غيرها.
والْمُقَدَّسِ: معناه المطهّر، وطُوىً: [معناه] «١» مَرَّتَيْنِ.
فقالت فرقةٌ: معناه قُدِّسَ مرتيْنِ، وقالت فِرْقةٌ: معناه طُوِيَتْ لك الأَرْضُ مَرَّتَيْنِ من ظنك.
قال الفَخْرُ: وقِيلَ: إنَّ طُوًى اسم وادٍ بالشام، وهو عند الطُّورِ الذي أَقْسم الله به في القرآن.
وقيل/: إنَّ طُوىً بمعنى: يَا رَجُلُ، بالعَبْرَانِيَّةِ، كأنه قِيلَ: يا رجل اذهب إلَى فِرْعون.
انتهى «من تفسيره لسورة والنازعات» .
قال ع «٢» : وحدثني أَبِي- رحمه الله- قال: سمعت أَبا الفضل بْنَ الجوهري- رحمه الله تعالى- يقول: لما قِيل لموسى: استمع لما يوحى، وقف على حَجَرٍ، واستند إلَى حَجَرٍ، ووضع يَمِينه عَلَى شِمَالِه وأَلْقى ذَقَنَهُ على صَدْرِه، ووقف يستمع، وكان كُلُّ لباسه صُوفاً.
وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي: يحتمل أن يريدَ: لِتَذْكُرَنِي فيها، أوْ يريد:
لأَذْكركَ في عِلِّيَينَ بها، فالمصدرُ محتمل الإضافة إلى الفَاعِل، أَوِ المفعول.
وقالت فِرْقةٌ: معنى قولهِ لِذِكْرِي أيْ: عند ذِكْرى، أَيْ: إذا ذكرتني، وأمري لك بها.
ت: وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً، فَلُيصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا «٣» قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» .
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَوَكَّأُ عَلَيْها ﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿ وَأهُشُّ بِها ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي.
قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ.
والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ.
ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟
فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟
فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿ هِيَ عَصايَ ﴾ ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ أتَوَكَّأُ عَلَيْها ﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ هِيَ عَصايَ ﴾ ، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟
فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ.
والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟
فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها.
والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ.
وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ.
فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ أُخْرى ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟
فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ألْقِها يا مُوسى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها.
وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ.
والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى ﴾ ، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ.
قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿ سِيرَتَها ﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ، وهاهُنا: ﴿ حَيَّةٌ ﴾ ، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿ كَأنَّها جانٌّ ﴾ ، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى.
وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ ؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿ آيَةً أُخْرى ﴾ ؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا.
قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ مَآرِبُ أُخْرى ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا.
والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ﴾ ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ﴾ ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ ﴿ قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ ﴾ تَحْذِيرٌ ووَعِيدٌ، أيِ: اعْبُدْنِي فَإنَّ عِقابِي وثَوابِي بِالمِرْصادِ، و"الساعَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القِيامَةُ، بِلا خِلافٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحُسْنُ، وعاصِمْ: "أكادُ أُخْفِيها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى،: أُظْهِرُها، أيْ أنَّها مِن صِحَّةِ وُقُوعِها وتَيَقُّنِ كَوْنِهِ تَكادُ تَظْهَرُ، لَكِنْ تَنْحَجِبُ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أخْفَيْتُ الشَيْءَ" بِمَعْنى: أظْهَرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عِشِيٍّ مُجَلِّبِ ومِنهُ قَوْلُهُ أيْضًا: فَإنْ تَدْفِنُوا الداءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُزِيلُ خَفاءَها وهو ما تُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوَها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أكادَ أُخْفِيها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أُظْهِرُها، و"أخْفَيْتُ" مِنَ الأضْدادِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، عَلى مَعْنى العِبارَةِ عن شِدَّةِ غُمُوضِها عَلى المَخْلُوقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ ﴾ وتَمَّ الكَلامُ، بِمَعْنى: أكادُ أُنَفِّذُها لِقُرْبِها وصِحَّةِ وُقُوعِها، ثُمُ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُخْفِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى، بَلْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وأنَّ اللهَ يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها عَنِ الناسِ.
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" بِمَعْنى: أُرِيدُ، فالمَعْنى: أُرِيدُ إخْفاءَها عنكم لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، واسْتَشْهَدَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗....................
وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" عَلى بابِها، بِمَعْنى أنَّها لِمُقارَبَةِ ما لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى اسْتِعارَةِ العَرَبِ ومَجازِها، فَلَمّا كانَتِ الآيَةُ عِبارَةً عن شَدَّةِ خَفاءِ أمْرِ القِيامَةِ ووَقْتِها، وكانَ القَطْعُ بِإتْيانِها مَعَ جَهْلِ الوَقْتِ أهِيبُ عَلى النُفُوسِ، بالَغَ قَوْلُهُ تَعالى في إعْتامِ وقْتِها فَقالَ: ﴿ أكادُ أُخْفِيها ﴾ حَتّى لا تَظْهَرَ البَتَّةَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ، ولا بُدَّ مِن ظُهُورِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَلْخِيصُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأقْوى عِنْدِي.
ورَوى بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْنى: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي" ما في القَوْلِ مِنَ القَلَقِ، فَقالُوا: مَعْنى "مِن نَفْسِي": مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا رَفْضٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ ورُجُوعٌ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ أخِيرًا، فَتَأمَّلْهُ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتُجْزى" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "آتِيَةٌ"، وهَكَذا بِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ، و"تَسْعى" مَعْناهُ: تَكْتَسِبُ وتَجْتَرِحُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها ﴾ ، عائِدٌ عَلى "الساعَةِ"، يُرِيدُ: الإيمانُ بِالساعَةِ، فَأوقَعَ الضَمِيرَ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى "لا إلَهَ إلّا اللهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَّجَهٌ، والأوَّلانِ أبْيَنُ وجْهًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتَرْدى" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: تَنادَوْا فَقالُوا أرْدَتِ الخَيْلُ فارِسًا ∗∗∗ فَقُلْتُ: أعَبْدُ اللهِ ذَلِكُمُ الرَدِي؟
وهَذا الخِطابُ كُلُّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقالَ النِقاشُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها ﴾ لِمُحَمَّدٍ ، وهَذا بَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَرَكَّبَ ذَلِكَ القَوْلُ المُتَقَدِّمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ تَقْدِيرُهُ ومُضْمَنُهُ التَنْبِيهُ وجَمْعُ النَفْسِ لِتَلَقِّي ما يُورِدُ عَلَيْها، وإلّا فَقَدَ عَلِمُ اللهُ تَعالى ما هي في الأزَلِ.
وقَوْلُهُ: "بِيَمِينِكَ" مِن صِلَةِ "تِلْكَ"، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: عَدَسْ!
ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ ∗∗∗ نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ: ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى عَتَبَ عَلى مُوسى إضافَةَ العَصا إلى نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَقِيلَ لَهُ: "ألْقِها" لِيَرى مِنها العَجَبَ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ عَلَيْها ولا تَنْضافُ إلَيْهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ - "عَصايِي" بِكَسْرِ الياءِ مِثْلَ غُلامِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَصى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم ∗∗∗..............
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَصايَ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ قَرَأ: "عَصايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ.
ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مَنافِعَ عَصاهُ عِظَمَها وجُمْهُورَها، وأجْمَلَ سائِرَ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأهُشُّ" بِضَمِّ الهاءِ والشِينِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أخَبَطُ بِها الشَجَرَ حَتّى يَنْتَشِرَ الوَرَقُ لِلْغَنَمِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَأهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، والمَعْنى كالَّذِي تَقَدَّمَ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَأهُسُّ" بِضَمِّ الهاءِ والسِينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أزْجُرُها وأُخَوِّفُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" بِالجَرِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" فَأوقَعُوا الفِعْلَ عَلى الغَنَمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَنْمِي" بِسُكُونِ النُونِ، ولا أعْرِفُ لَها وجْهًا، وقَوْلُهُ: "أُخْرى" - فَوَحَّدَ مَعَ تَقَدُّمُ الجَمْعِ - وهو المَهِيعُ في تَوابِعِ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ والكِنايَةُ عنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْرى مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ ، وقَدْ مَرَّ القَوْلُ في هَذا المَعْنى غَيْرَ مَرَّةٍ.
وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي الَّتِي كانَ أخَذَها مِن بَيْتِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ الَّذِي كانَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ اتَّفَقا عَلى الرَعِيَّةِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَبَطَ بِها مِنَ الجَنَّةِ، وكانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في ورَقِ الرَيْحانِ، وهو الجِسْمُ المُسْتَطِيلُ في وسَطِها، وقَدْ تَقَدَّمُ شَرْحُ أمْرِها فِيما مَضى.
<div class="verse-tafsir"
هذه معجزة أخرى عَلمه الله إياها حتى إذا تحدّى فرعون وقومه عمل مثل ذلك أمام السحرة.
فهذا تمرين على معجزة ثانية مُتّحِد الغرض مع إلقاء العصا.
والجناح: العضد وما تحته إلى الإبط.
أطلق عليه ذلك تشبيهاً بجناح الطائر.
والضمّ: الإلصاق، أي ألصق يدك اليمنى التي كنت ممسكاً بها العصا.
وكيفية إلصاقها بجناحه أن تباشر جِلدَ جناحه بأن يدخلها في جَيْب قميصه حتى تماس بَشرة جنبه، كما في آية سورة سليمان: ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ [النّمل: 12].
جعل الله تغيّر لون جلد يده مماستها جناحه تشريفاً لأكثر ما يناسب من أجزاء جسمه بالفعل والانفعال.
و ﴿ بيضَاءَ ﴾ حال من ضمير ﴿ تَخْرُجُ ﴾ ، و ﴿ مِنْ غيرِ سُوءٍ ﴾ حال من ضمير ﴿ بَيْضَاء ﴾ .
ومعنى ﴿ مِنْ غير سُوءٍ ﴾ من غير مَرض مثل البَرص والبَهق بأن تصير بيضاء ثم تعود إلى لونها المماثل لونَ بقية بشرته.
وانتصب ﴿ آيةً ﴾ على الحال من ضمير ﴿ تَخْرُجُ ﴾ .
والتعليل في قوله ﴿ لِنُريكَ مِن ءاياتنا الكُبْرى ﴾ راجع إلى قوله ﴿ تَخْرُجُ بَيْضَاءَ ﴾ ، فاللام متعلّقة ب ﴿ تَخْرُجُ ﴾ لأنّه في معنى نجعلها بيضاء فتخرج بيضاء أو نخرجها لك بيضاء.
وهذا التعليل راجع إلى تكرير الآية، أي كررنا الآيات لنريك بعض آياتنا فتعلم قدرتنا على غيرها، ويجوز أن يتعلق ﴿ لِنُرِيكَ ﴾ بمحذوف دلّ عليه قوله ﴿ ألقها ﴾ وما تفرّع عليه.
وقوله ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ ﴾ وما بعده، وتقدير المحذوف: فعلنا ذلك لنريك من آياتنا.
و ﴿ مِن ءاياتنا ﴾ في موضع المفعول الثاني ل ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ في سورة البقرة (8)، ويشير إليه كلام الكشاف } هنا.
و ﴿ الكبرى ﴾ صفة ل ﴿ ءاياتنا ﴾ .
والكِبر: مستعار لقوّة الماهية.
أي آياتنا القوية الدلالة على قدرتنا أو على أنا أرسلناك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ لَيْسَ هَذا سُؤالَ اسْتِفْهامٍ، وإنَّما هو سُؤالُ تَقْرِيرٍ لِئَلّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ ارْتِيابٌ بَعْدَ انْقِلابِها حَيَّةً تَسْعى.
﴿ قالَ هي عَصايَ ﴾ فَتَضَمَّنَ جَوابُهُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: الإخْبارُ بِأنَّها عَصًا وهَذا جَوابٌ كافٍ.
الثّانِي: إضافَتُها إلى مِلْكِهِ، وهَذِهِ زِيادَةٌ ذَكَرَها لِيَكْفِيَ الجَوابُ بِما سُئِلَ عَنْهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِها بِما لَمْ يُسْألْ عَنْهُ لِيُوَضِّحَ شِدَّةَ حاجَتِهِ إلَيْها واسْتِعانَتِهِ بِها لِئَلّا يَكُونَ عابِئًا بِحَمْلِها، فَقالَ: ﴿ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ﴾ أيْ أخَبِطُ بِها ورَقَ الشَّجَرِ لِتَرْعاهُ غَنَمِي.
قالَ الرّاجِزُ: أهُشُّ بِالعَصا عَلى أغْنامِي مِن ناعِمِ الأراكِ والبَشّامِ.
وَقَرَأ عِكْرِمَةُ ( وأهُسُّ) بِسِينٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ.
وَفي الهَشِّ والهَسِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فالهَشُّ بِالمُعْجَمَةِ: خَبْطُ الشَّجَرِ، والهَسُّ بِغَيْرِ إعْجامٍ زَجْرُ الغَنَمِ.
﴿ وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ﴾ أيْ حاجاتٌ أُخْرى، فَنَصَّ عَلى اللّازِمِ وكَنّى عَنِ العارِضِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَطْرُدُ بِها السِّباعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَقْدَحُ بِها النّارَ، ويَسْتَخْرِجُ الماءَ بِها.
الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها ﴾ يقول: لا أظهر عليها أحداً غيري.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها ﴾ قال: أكاد أخفيها من نفسي.
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أكاد أخفيها ﴾ قال: من نفسي.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قرأ ﴿ أكاد أخفيها من نفسي ﴾ .
يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال: ليس من أهل السموات والأرض أحد إلا وقد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود ﴿ أكاد أخفيها عن نفسي ﴾ .
يقول: أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: في بعض القراءة ﴿ أكاد أخفيها عن نفسي ﴾ .
قال: لعمري، لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي صالح في قوله: ﴿ أكاد أخفيها ﴾ قال: يخفيها من نفسه.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ورقاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير ﴿ أكاد أخفيها ﴾ يعني بنصب الألف وخفض الفاء.
يقول: أظهرها.
ثم قال أما سمعت قول الشاعر: دأت شهرين ثم شهراً دميكاً ** ما دميكين يخفيان عميرا وأخرج ابن الأنباري، عن الفراء قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ﴿ أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى ﴾ قال: لتعطى ثواب ما تعمل.
أخرج ابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه وابن شبرمة قال: إنما سمي هوى، لأنه يهوي بصاحبه إلى النار.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: عصا موسى- قال-: أعطاه إياها ملك من الملائكة، إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ويضرب بها الأرض فيخرج له النبات، ويهش بها على غنمه ورق الشجر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ هي عصاي أتوكأ عليها ﴾ قال: إذا مشى مع غنمه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ميمون في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: الهش أن يخبط الرجل بعصاه الشجر، فيتساقط الورق.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ميمون قال: الهش، العصا بين الشعبتين، ثم يحركها حتى يسقط الورق، والخبط، أن يخبط حتى يسقط الورق.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس قال: الهش، أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش ولا يخبط.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: أخبط بها الشجر.
﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: حاجات أخرى.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: حوائج.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ مآرب أخرى ﴾ قال: حاجات ومنافع.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ مآرب أخرى ﴾ يقول: حوائج أخرى، أحمل عليها المزود والسقاء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: كانت تضيء له بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: ﴿ فألقاها فإذا هي حية تسعى ﴾ ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها ف ﴿ ولى مدبراً ﴾ [ النمل: 10] فنودي أن يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية أن ﴿ خذها ولا تخف ﴾ فقيل له في الثالث: ﴿ إنك من الآمنين ﴾ [ القصص: 31] فأخذها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال: حالتها الأولى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال: هيئتها الأولى: ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ قال: أدخل كفك تحت عضدك ﴿ تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ قال: من غير برص.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من غير سوء ﴾ قال: من غير برص.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: أخرجها كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه، ولهذا قال تعالى: ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ قال ابن عباس: (يريد سهل علي مابعثتني له) (١) (١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 159، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 23، "معالم التنزيل" 5/ 271، "زاد المسير" 5/ 281.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى ﴾ يحتمل أن تكون ﴿ الكبرى ﴾ مفعول ﴿ لِنُرِيَكَ ﴾ ، وأن تكون صفة للآيات ويختلف المعنى على ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: و ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَى نَاراً ﴾ ، ظاهر، هذا سؤال واستفهام، لكن المراد منه الإيجاب، ثم اختلف في معنى الإيجاب: قال الحسن وأبو بكر: قوله ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ ﴾ ، أي: لم يأتك حديث موسى وسيأتيك، ثم أخبره وأعلمه بحديثه ونبئه.
وقال بعضهم: ﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ ، أي: قد أتاك حديث موسى؛ لتخبرهم عما كان في كتبهم؛ ليكون ذلك آية لنبوتك ورسالتك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : قيل: رأيت ناراً، وقيل: علمت ناراً؛ ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ ليس في هذه الآية بيان أن موسى في أي حال كان؟
وفي أيّ وقت؟
لكن في موضع آخر بيان ذلك، وهو ما قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً ﴾ ، هذا يدل أنه كان في حال السير والسفر رأى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ فهذا يدل أنه كان في أيام الشتاء والبرد، حيث قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ .
قال أبو عوسجة: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ القبس: النار، والأقباس: النيران، ويقال: قبس يقبس قبساً، أي: جاء بالنار، ويقال: اقتبست ناراً، واقتبست - أيضاً -: تعلمت، وهذا من ذاك؛ لأن العلم ضوء، ويقال: اقتبستك، أي: علمتك، واقتبستك أي النار والعلم.
وقال القتبي: ﴿ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : أبصرت، ويكون في موضع آخر: علمت، كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ أي: علمتم منهم رشداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ : هذا يشبه أن يكون قد استقبلته الطرق؛ فلم يعلم الطريق الذي له من غيره، فقال: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ ، أي: من يدلني ويرشدني على الطريق.
أو أن كان قد ضل الطريق وعدل عنه، فقال عند ذلك ما قال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ نداء وحي ﴿ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ : قال بعضهم: إنما أمره بخلع نعليه؛ لأنهما كانا من جلد ميتة.
وقال قائلون: أمره ينزع نعليه؛ ليمس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه.
وقال بعضهم: أمره بذلك؛ للتواضع والخضوع له؛ لأن لبس النعل يخرج مخرج المباهاة، فأمر بذلك؛ ليكون أخضع له وأكثر تواضعاً، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نفسّر ذلك أنه لماذا أمره بذلك؟
إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول: أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى؛ فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ : المقدّس: المطهر، ولعلّه سماه مطهراً؛ لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه: مطهراً؛ لمعنى خصّ به؛ لفضل عبادة أو غيرها على ما خصّ بقاعاً بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ طُوًى ﴾ : قال بعضهم: هو من وطء الأرض، أي: طأ الوادي المبارك حافياً.
وقال بعضهم: ﴿ طُوًى ﴾ : قد قدس مرتين، وهو قول الحسن.
وقال بعضهم: ﴿ طُوًى ﴾ يقول: يطوي مسيره.
نحو هذا قد قالوا، لكن الأصوب ألا يفسّر إلا بعد حقيقة به؛ لأنه أنباء كانت في كتبهم ذكرت لرسول؛ لتكون له حجة ودلالة على رسالته عليهم، ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه وتغييره، فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته؛ لذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ ﴾ إما بالرسالة والنبوة، أو بأشياء أخر كقوله: ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي...
﴾ الآية [طه: 41]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً ﴾ أخلصه الله لنفسه بأشياء.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ ﴾ : هذا يدل أن النداء الّذي نودي كان نداء وحي، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي ﴾ وهو ظاهر، كذلك أمر رسله أوّل ما أمروا بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ لتكون ذاكراً لي؛ لأن أكثر ما يذكر المرء به إنّما يذكر في الصّلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر لله؛ ولذلك سمى الصلاة: مناجاة الربّ، أو أن يكون قوله: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ ، أي: لتذكرني بها يا موسى.
وقال قائلون: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ إذا أنت نسيت إذا ذكرتها، وعلى هذا رويت الأخبار عن رسول الله أنه قال ذلك، وقرأ هذه الآية إن ثبتت.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ أي: أقم الصّلاة لتستوجب بها ذكرى.
وقال القتبي: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ أي: لتذكرني فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ : قال الحسن: ﴿ أَكَادُ ﴾ صلة، كأنّه قال: إن السّاعة آتية أخفيها، وفي حرف أُبيّ بن كعب: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي)، ثم يحتمل قوله: من نفسي وجهين: أحدهما: أخفيها من خلقي، ولا يجب أن يفهم من نفسه: ذاته بالإضافة إليه، كما لم يفهم من قوله: ﴿ رُّوحِي ﴾ و ﴿ رُوحَنَا ﴾ ، وهو أخفى من الناس: ذاته، ولكن فهم منه: خلقه؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله: من نفسي ذاته، هذا يحتمل، والله أعلم.
والثاني أن يكون قوله: (أكاد أخفيها من نفسي)، أي: من أخيار عبادي، أي: أخفيها من أخيار عبادي مع عظيم قدرهم ومنزلتهم عندي من نحو الملائكة والأنبياء والرسل؛ فإن عادة ملوك الأرض: أنهم لا يكتمون سرائرهم من خواصهم، بل يطلعونهم على ذلك، فأخبر - عز وجل - والله أعلم - أنه أخفاها من خواص عباده وأخيارهم، فكيف من دونهم؟
فيكون إضافته إياهم إلى نفسه؛ لعظم قدر أولئك وفضل منزلتهم كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ والله لا يُنصر، ولكن إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم، وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ والله لا يخادع، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أخفيها من نفسي): أي: من خواصي وأخيار عبادي، والله أعلم.
هذا على إسقاط قوله: ﴿ أَكَادُ ﴾ وجعله صلة، وأما على إثبات ﴿ أَكَادُ ﴾ فهو على وجهين.
أحدهما: يقال: كاد: أراد، أي: أريد أخفيها، وهو معروف باللّغة.
والثاني: كاد، يقال: قارب، وهو سائغ في اللغة، جارٍ (كاد) على إرادة مقاربة: كادت الشمس أن تطلع، أو تغرب، أي: قاربت وكدت أن أسقط، أي: قاربت، وإلا لا يريد السقوط، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - والله أعلم - على التعظيم لها، أي: قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره؟!.
وقال ابن عباس قريباً من هذا، أي: (أكاد أخفيها من نفسي) فكيف أعلنها لكم؟!
أي: لا أظهر عليها أبداً غيري، فكأنه استجاز الإخفاء في موضع الإظهار باللغة، نحو ما قالوا في قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ أي: أظهروا، فعلى ما كان الإسرار في موضع الإظهار والكتمان، فعلى ذلك رأوا الإخفاء مستعملاً في الأمرين جميعاً، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ أُخْفِيهَا ﴾ ، أي: أظهرها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ ، أي: لهذا ما أخفيها ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ ؛ لأنها لو كانت ظاهرة يعاينها كل أحد، ويعلمها، لما كان ذلك جزاء، ولكن كان دفعاً؛ لأنه يعاين كل إنسان ما نزل بهذه النفس بما سعت من العذاب فيمتنع هو عنه، وإذا رأى كل أحد ثواب هذا بسعيه يرغب في مثله؛ فيكون ذلك كله بحق الدفع، لا بحق الجزاء، فأخبر أنه أخفاها؛ للجزاء والمحنة، لا للدفع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ ، أي: عن الإيمان بها ﴿ مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ يعني: السّاعة، والله أعلم.
لا يصدنك عنها بأسباب ألقاها إليك، وقد يمتنع الإنسان عن الشيء بأسباب تعترض وشبه تستقبل، وإن لم يقدر على منعه بالتصريح والإفصاح، والله أعلم، أي: لا يصدنك عن الإيمان بها - يعني: الساعة - من لا يؤمن بها واتبع هواه في التكذيب بها بالشبه والأسباب التي ذكرنا ﴿ فَتَرْدَىٰ ﴾ أي: فتهلك لو صدّك عنها، فالخطاب وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد من المؤمنين، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن فيما خاطب رسوله به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا...
﴾ الآية كأن موسى - صلوات الله عليه - لم يفهم مراده بسؤاله إياه أنه ما أراد بقوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ : أنه يسأله عن اسمها [أو] عما له فيها؟
فأجاب الأمرين جميعاً عن اسمها وعما له فيها، حيث قال: ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ﴾ .
ثم قال الحسن: إنه والله كان يعلم أنّ في يده عصًا، لكنّه أراد أن يقرر عنده: أنها عصا لا حيّة؛ ليرى له منها آية فيعلم ذلك.
أو أن يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه؛ ليعلم أنه وقت ما أخذها عصاً، فيعلم أنها إنما صارت كذا بالآية التي جعلها له لا أنها كانت يومئذ كذلك حية، والله أعلم.
﴿ قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾ ثم يحتمل: جعلها حيّة تسعى، ثم جعلها حيّة، وأراد الآية له منها؛ لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة؛ ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية؛ إذ الأعلام التي جعلها آيات وأعلاماً لرسله على رسالتهم إنما جعلها ما كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلموا بذلك أنها سماوية ربوبية، لا بشرية سحراً ولا كهانة، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ ﴾ على ما كانت في الحالة الأولى عصاً، كأنه موسى خاف حين صارت حيّة، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً ﴾ فعند ذلك قال له: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ ﴾ ، وأخبره أنه يعيدها عصاً على ما كانت، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ دلالة أن العصا إنما تمسك باليد اليمنى.
قال أبو عوسجة: ﴿ فَتَرْدَىٰ ﴾ ، أي: تهلك أرداه: أهلكه، ويقال: تردى الرجل: إذا وقع في البئر أو من فوق حائط، ويقال: رديته، أي: ألبسته الرداء، وارتديت: أي: لبست الرداء، وترديت: مثله.
وقوله: ﴿ أَتَوَكَّأُ ﴾ ، أي: أستعين بها على المشي.
وقوله: ﴿ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي ﴾ ، أي: أضرب الشجرة حتى تنثر ورقها فتأكله غنمه، والهش: الكريم، والبشّ: من البشاشة، قال: والمآرب: الحوائج، والأرب - أيضاً -: الحاجة، والآراب جمع، ويقال: أربت الشيء: قسمته، وجعلته إرباً أقساماً: أي: جزأته أجزاء.
وفي قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ ﴾ دلالة أن الإنسان إذا استخبر عن شيء، فإن عليه أن يخبر المستخبر عما يستخبر على الإجابة له، ولو كان يعلم أن المستخبر له عن ذلك عالم بذلك؛ لأن موسى كان يعلم أن ربّه كان أعلم بما في يده منه، ولم يقل حين استخبر عما في يده: إنك أنت أعلم به مني، ولكنه قال: هي عصاي إجابة له وتعظيماً لأمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ آيَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ ، وكأن في هذا تفسير الأوّل.
وقوله: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ ، أي: من غير برص، كأنهم ذهبوا إلى أن البياض في الإنسان إذا اشتد به حتى يغلف سائر بدنه لا يكون إلا بالبرص؛ لذلك قال: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ أي: من غير برص بك ﴿ آيَةً أُخْرَىٰ ﴾ سوى آية العصا.
وجائز أن يكون ﴿ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ أي: من غير آفة وعيب بك وأذى؛ لأنّ التغيّر إذا وقع في بعض بدن الإنسان لا يكون إلا بعيب وآفة تحل به، فبين أن ذلك البياض ليس لآفة بك، ولا عيب في بدنك، ولا فيه أذى، ولكن آية ليريها منها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ .
قال قائلون: الآية في اليد أكبر من الآية في العصا؛ لأن سحر أولئك كان في العصا.
[وقال قائلون:] آية العصا أكبر من آية اليد؛ لأن أولئك كانوا أهل بصر وعلم في السحر في العصا، فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم وما لهم فيه بصر وعلم، يدلّ على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من الله؛ لأن فضل بصر الرجل وعلمه في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك عن أهل بصر في ذلك النوع وعلم، لا يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك، فعلى ذلك أمر عصا موسى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ التي ذكر في آية أخرى، هو قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ...
﴾ الآية [الإسراء: 101]، الآيات الكبرى هي التسع التي ذكر في هذه الآية؛ [لا] أن كان لموسى آيات سوى التسع هي أكبر.
أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آية دون آية بالكبر والعظم، ولكن وصف الكل بذلك، كقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ هو على وصف آياته كلها بالكبر والعظم، وهو كقوله: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ هو على إثبات النفع في كل واحد عليها في الآخر فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وسهّل لي أمري.
<div class="verse-tafsir" id="91.aw1jv"