الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٣٩ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 162 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٩ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
هذه إجابة من الله لرسوله موسى ، عليه السلام ، فيما سأل من ربه عز وجل ، وتذكير له بنعمه السالفة عليه ، فيما كان ألهم أمه حين كانت ترضعه ، وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه; لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان .
فاتخذت له تابوتا ، فكانت ترضعه ثم تضعه فيه ، وترسله في البحر - وهو النيل - وتمسكه إلى منزلها بحبل فذهبت مرة لتربطه فانفلت منها وذهب به البحر ، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله : ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ) [ القصص : 10 ] فذهب به البحر إلى دار فرعون ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) [ القصص : 8 ] أي قدرا مقدورا من الله ، حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل ، حذرا من وجود موسى ، فحكم الله - وله السلطان العظيم ، والقدرة التامة - ألا يربى إلا على فراش فرعون ، ويغذى بطعامه وشرابه ، مع محبته وزوجته لهولهذا قال : ( يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ) أي : عند عدوك ، جعلته يحبك .
قال سلمة بن كهيل : ( وألقيت عليك محبة مني ) قال : حببتك إلى عبادي .
( ولتصنع على عيني ) قال أبو عمران الجوني : تربى بعين الله .
وقال قتادة : تغذى على عيني .
وقال معمر بن المثنى : ( ولتصنع على عيني ) بحيث أرى .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف ، غذاؤه عندهم غذاء الملك ، فتلك الصنعة .
القول في تأويل قوله تعالى : أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي (39) يقول تعالى ذكره: ولقد مننا عليك يا موسى مرّة أخرى حين أوحينا إلى أمك، أن اقذفي ابنك موسى حين ولدتك في التابوت ( فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ) يعني باليم: النيل (فليلقه اليم بالساحل) يقول: فاقذفيه في اليم، يلقه اليم بالساحل، وهو جزاء أخرج مخرج الأمر، كأن اليم هو المأمور، كما قال جلّ ثناؤه: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ يعني: اتبعوا سبيلنا نحمل عنكم خطاياكم، ففعلت ذلك أمه به فألقاه اليم بمَشرّعة آل فرعون.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما ولدت موسى أمه أرضعته، حتى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تعالى، جعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كلّ غداة، فبينا هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به وآسية ابنة مُزَاحم امرأته جالسة إلى جنبه، فقال: إن هذا لشيء في البحر، فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به، ففتح التابوت فإذا فيه صبيّ في مهده، فألقى الله عليه محبته، وعطف عليه نفسه.
وعنى جلّ ثناؤه بقوله (يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ) فرعون هو العدوّ، كان لله ولموسى.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ) وهو البحر، وهو النيل.
واختلف أهل التأويل في معنى المحبة التي قال الله جلّ ثناؤه ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) فقال بعضهم: عنى بذلك أنه حببه إلى عباده.
* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن عليّ الصدائي والعباس بن محمد الدوري، قالا ثنا حسين الجعفي عن موسى بن قبس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، في قول الله ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) قال عباس: حببتك إلى عبادي، وقال الصُّدَاني: حببتك إلى خلقي.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أي حسنت خلقك.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني إبراهيم بن مهدي، عن رجل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) قال: حسنا وملاحة.
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله ألقى محبته على موسى، كما قال جلّ ثناؤه ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) فحببه إلى آسية امرأة فرعون، حتى تبنَّته وغذّته وربَّته، و إلى فرعون، حتى كفّ عنه عاديته وشرّه ، وقد قيل: إنما قيل: وألقيت عليك محبة مني، لأنه حببه إلى كل من رآه.
ومعنى ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) حببتك إليهم، يقول الرجل لآخر إذا أحبه: ألقيت عليك رحمتي: أي محبتي.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) فقال بعضهم: معناه: ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: هو غذاؤه، ولتغذى على عيني.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) قال: جعله في بيت الملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت بعيني في أحوالك كلها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) قال: أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، و ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ).
وقرأ ابن نهيك ( وَلِتَصْنَعَ) بفتح التاء.
وتأوّله كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقرأ ( وَلِتَصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فسألته عن ذلك، فقال: ولتعمل على عيني.
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها(وَلِتُصْنَعَ) بضم التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليها.
وإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به، التأويل الذي تأوله قَتادَة، وهو ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) ولتغذى على عيني، ألقيت عليك المحبة مني ، وعني بقوله (عَلى عَيْنِي) بمرأى مني ومحبة وإرادة.
أن اقذفيه في التابوت قال مقاتل مؤمن آل فرعون هو الذي صنع التابوت ونجره وكان اسمه حزقيل .
وكان التابوت من جميز .فاقذفيه في اليم أي اطرحيه في البحر : نهر النيل .
فاقذفيه قال الفراء : فاقذفيه في اليم أمر وفيه معنى المجازاة .
أي اقذفيه يلقه اليم .
وكذا قوله : اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم .
يأخذه عدو لي وعدو له يعني فرعون ؛ فاتخذت تابوتا ، وجعلت فيه نطعا ، ووضعت فيه موسى ، وقيرت رأسه وخصاصه يعني شقوقه ثم ألقته في النيل ، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون ، فساقه الله في ذلك النهر إلى دار فرعون .
وروي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا ، فوضعته فيه وقيرته وجصصته ، ثم ألقته في اليم .
وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير ، فبينا هو جالس على رأس بركة مع آسية ، إذا بالتابوت ، فأمر به فأخرج ، ففتح فإذا صبي أصبح الناس ، فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه .
وظاهر القرآن يدل على أن البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه ، فرأى فرعون التابوت بالساحل فأمر بأخذه .
ويحتمل أن يكون إلقاء اليم بموضع من الساحل ، فيه فوهة نهر فرعون ، ثم أداه النهر إلى حيث البركة .
والله أعلم .وقيل : وجدته ابنة فرعون وكان بها برص ، فلما فتحت التابوت شفيت .
وروي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه ، وعالجوا كسره فأعياهم ، فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا فعالجته ففتحته ، فإذا صبي نوره بين عينيه ، وهو يمص إبهامه لبنا فأحبوه .
وكانت لفرعون بنت برصاء ، وقال له الأطباء : لا تبرأ إلا من قبل البحر يوجد فيه شبه إنسان دواؤها ريقه ؛ فلطخت البرصاء برصها بريقه فبرئت .
وقيل : لما نظرت إلى وجهه برئت .
والله أعلم .
وقيل : وجدته جوار لامرأة فرعون ، فلما نظر إليه فرعون فرأى صبيا من أصبح الناس وجها ، فأحبه فرعون .وألقيت عليك محبة مني قال ابن عباس : أحبه الله وحببه إلى خلقه .
وقال ابن عطية : جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه .
وقال قتادة : كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه .
وقال عكرمة : المعنى جعلت فيك حسنا وملاحة فلا يراك أحد إلا أحبك .
وقال الطبري : المعنى ألقيت عليك رحمتي .
وقال ابن زيد : جعلت من رآك أحبك حتى أحبك فرعون فسلمت من شره ، وأحبتك آسية بنت مزاحم فتبنتك .
ولتصنع على عيني قال ابن عباس : يريد أن ذلك بعيني حيث جعلت في التابوت ، وحيث ألقي التابوت في البحر ، وحيث التقطك جواري امرأة فرعون ؛ فأردن أن يفتحن التابوت لينظرن ما فيه ، فقالت [ ص: 116 ] منهن واحدة : لا تفتحنه حتى تأتين به سيدتكن فهو أحظى لكن عندها ، وأجدر بألا تتهمكن بأنكن وجدتن فيه شيئا فأخذتموه لأنفسكن .
وكانت امرأة فرعون لا تشرب من الماء إلا ما استقينه أولئك الجواري فذهبن بالتابوت إليها مغلقا ، فلما فتحته رأت صبيا لم ير مثله قط ؛ وألقي عليها محبته فأخذته فدخلت به على فرعون ، فقالت له : قرة عين لي ولك قال لها فرعون : أما لك فنعم ، وأما لي فلا .
فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أن فرعون قال نعم هو قرة عين لي ولك لآمن وصدق فقالت : هبه لي ولا تقتله ؛ فوهبه لها .
وقيل : ولتصنع على عيني أي تربى وتغذى على مرأى مني ؛ قاله قتادة .
قال النحاس : وذلك معروف في اللغة ؛ يقال : صنعت الفرس وأصنعته إذا أحسنت القيام عليه .
والمعنى ولتصنع على عيني فعلت ذلك .
وقيل : اللام متعلقة بما بعدها من قوله : إذ تمشي أختك على التقديم والتأخير ف ( إذ ) ظرف لتصنع .
وقيل : الواو في ولتصنع زائدة .
وقرأ ابن القعقاع ( ولتصنع ) بإسكان اللام على الأمر ، وظاهره للمخاطب والمأمور غائب .
وقرأ أبو نهيك ( ولتصنع ) بفتح التاء .
والمعنى ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي وعلى عين مني .
ذكره المهدوي .
تفسير الآيتين 38 و 39 :ـحيث ألهمنا أمك أن تقذفك في التابوت وقت الرضاع، خوفا من فرعون، لأنه أمر بذبح أبناء بني إسرائيل، فأخفته أمه، وخافت عليه خوفا شديدا فقذفته في التابوت، ثم قذفته في اليم، أي: شط نيل مصر، فأمر الله اليم، أن يلقيه في الساحل، وقيض أن يأخذه، أعدى الأعداء لله ولموسى، ويتربى في أولاده، ويكون قرة عين لمن رآه، ولهذا قال: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي } فكل من رآه أحبه { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ولتتربى على نظري وفي حفظي وكلاءتي، وأي نظر وكفالة أجلّ وأكمل، من ولاية البر الرحيم، القادر على إيصال مصالح عبده، ودفع المضار عنه؟!
فلا ينتقل من حالة إلى حالة، إلا والله تعالى هو الذي دبّر ذلك لمصلحة موسى،
( أن اقذفيه في التابوت ) أي : ألهمناها أن اجعليه في التابوت ، ( فاقذفيه في اليم ) يعني نهر النيل ، ( فليلقه اليم بالساحل ) يعني شاطئ النهر ، لفظه أمر ومعناه خبر ، مجازه : حتى يلقيه اليم بالساحل : ( يأخذه عدو لي وعدو له ) يعني فرعون .
فاتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى ، وقيرت رأسه وخصاصه يعني شقوقه ثم ألقته في النيل ، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون ، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء ، فأمر الغلمان والجواري بإخراجه ، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها ، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك ، فذلك قوله تعالى : ( ( وألقيت عليك محبة مني ) قال ابن عباس : أحبه وحببه إلى خلقه : قال عكرمة : ما رآه أحد إلا أحبه .
قال قتادة : ملاحة كانت في عيني موسى ، ما رآه أحد إلا عشقه .
( ولتصنع على عيني ) يعني لتربى بمرأى ومنظر مني ، قرأ أبو جعفر " ولتصنع " .
بالجزم .
«أن اقذفيه» ألقيه «في التابوت فاقذفيه» بالتابوت «في اليم» بحر النيل «فلْيُلقه اليم بالساحل» أي شاطئه والأمر بمعنى الخبر «يأخذه عدو لي وعدو له» وهو فرعون «وألقيت» بعد أن أخذك «عليك محبة مني» لتحب في الناس فأحبك فرعون وكل من رآك «ولتُصنع على عيني» تربى على رعايتي وحفظي لك.
وذلك حين ألهمْنا أمَّك: أن ضعي ابنك موسى بعد ولادته في التابوت، ثم اطرحيه في النيل، فسوف يلقيه النيل على الساحل، فيأخذه فرعون عدوي وعدوه.
وألقيت عليك محبة مني فصرت بذلك محبوبًا بين العباد، ولِتربى على عيني وفي حفظي.
وفي الآية إثبات صفة العين لله - سبحانه وتعالى - كما يليق بجلاله وكماله.
ثم وضح - سبحانه - ما أوحاه إلى أم موسى فقال : ( أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ .
.
.
) .و ( أَنِ ) فى قوله ( أَنِ اقذفيه ) مفسرة ، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه .والمراد بالقذف هنا : الوضع ، والمراد به فى قوله ( فاقذفيه فِي اليم ) الإلقاء فى البحر وهو نيل مصر .والتابوت : الصندوق الذى يوضع فيه الشىء .والمعنى : لقد كان من رعايتنا لك يا موسى أن أوحينا إلى أمك عندما خافت عليك القتل : أن ضعى ابنك فى التابوت ، ثم بعد ذلك اقذفيه بالتابوت فى البحر ، وبأمرنا وقدرتنا يلقى اليم بالتابوت على شاطىء البحر وساحله ، وفى هذه الحالة يأخذه عدو لى وعدو له ، وهو فرعون الذى طغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى .والضمائر كلها تعود إلى موسى - عليه السلام - وقيل إن الضمير فى قوله ( فاقذفيه فِي اليم ) .وفى قوله ( فَلْيُلْقِهِ ) يعود إلى التابوت ، والأول أرجح ، لأن تفريق الضمائر هنا لا داعى له ، بل الذى يقتضيه بلاغة القرآن الكريم ، عودة الضمائر إلى موسى - عليه السلام - .قال بعض العلماء : وصيغة الأمر فى قوله ( فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل ) فيها وجهان معروفان عند العلماء :أحدهما : أن صيغة الأمر معناها الخبر : قال أبو حيان فى البحر : وقوله ( فَلْيُلْقِهِ ) أمر معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة ، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها .الثانى : أن صيغة الأمر فى قوله ( فَلْيُلْقِهِ ) أريد بها الأمر الكونى القدرى كقوله : ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل ، لأن الله - تعالى - أمره بذلك كونا وقدرا .
.
.وقوله ( يَأْخُذْهُ ) مجزوم فى جواب الطلب وهو قوله ( فَلْيُلْقِهِ .
.
) إذ أنه على الوجه الأول يكون الطلب باعتبار لفظه وصيغته .وقوله - سبحانه - ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ) بيان للمنة الثانية .قال الآلوسى : وكلمة " منى " متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحذوف ، مؤكدة لما فى تتنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية .
أى : وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة منى - لا من غيرى - قد زرعتها فى القلوب ، فكل من رآك أحبك .ولقد كان من آثار هذه المحبة : عطف امرأة فرعون عليه ، وطلبها منه عدم قتله ، وطلبها منه كذلك أن يتخذه ولدا .وكان من آثار هذه المحبة أن يعيش موسى فى صغره معززا مكرما فى بيت فرعون مع أنه فى المستقبل سيكون عدوا له .وهكذا رعاية الله - تعالى - ومحبته لموسى جعلته يعيش بين قوة الشر والطغيان آمنا مطمئنا .قال ابن عباس : أحب الله - تعالى - موسى ، وحببه إلى خلقه .وقوله - تعالى - : ( وَلِتُصْنَعَ على عيني ) بيان للمنة الثالثة .
.أى : أوحيت إلى أمك بما أوحيت من أجل مصلحتك ومنفعتك وألقيت عليك محبة منى ، ليحبك الناس ، ولتصنع على عينى .
أى : ولتربى وأنت محاط بالحنو والشفقة تحت رعايتى وعنايتى وعينى ، كما يراعى الإنسان بعينه من يحبه ويهتم بأمره .وهذا ما حدث لموسى فعلا ، فقد عاش فى طفولته تحت عين فرعون ، وهو عدو الله - تعالى - ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن تمتد بسوء إلى موسى ، لأن عين الله - تعالى - كانت ترعاه وتحميه من بطش فرعون وشيعته .فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى - عليه السلام - ومن الرعاية له ، ما يعجز القلم عن وصفه .وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال الله فى شأنه : ( وَلِتُصْنَعَ على عيني ) .قال صاحب الكشاف : أى : ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل الشىء بعينه إذا اعتنى به ، وتقول للصانع؛ اصنع هذا على عينى إنى أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادى وبغيتى .وقوله : ( وَلِتُصْنَعَ ) معطوف على علة مضمرة مثل : ليتعطف عليك .
.
.
أو حذف معلله أى : ولتصنع على عينى فعلت ذلك .
اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون وكان ذلك تكليفاً شاقاً فلا جرم سأل ربه أموراً ثمانية، ثم ختمها بما يجري مجرى العلة لسؤال تلك الأشياء.
المطلوب الأول: قوله: ﴿ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي ﴾ واعلم أنه يقال شرحت الكلام أي بينته وشرحت صدره أي وسعته والأول يقرب منه لأن شرح الكلام لا يحصل إلا ببسطة.
والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر وهو قوله: ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي ﴾ فسأل الله تعالى أن يبدل ذلك الضيق بالسعة، وقال: ﴿ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي ﴾ فأفهم عنك ما أنزلت علي من الوحي، وقيل: شجعني لأجترئ به على مخاطبة فرعون ثم الكلام فيه يتعلق بأمور.
أحدها: فائدة الدعاء وشرائطه.
وثانيها: ما السبب في أن الإنسان لا يذكر وقت الدعاء من أسماء الله تعالى إلا الرب.
وثالثها: ما معنى شرح الصدر.
ورابعها: بماذا يكون شرح الصدر.
وخامسها: كيف كان شرح الصدر في حق موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم.
وسادسها: صفة صدر موسى عليه السلام هل كان منشرحاً أو لم يكن منشرحاً، فإن كان منشرحاً كان طلب شرح الصدر تحصيلاً للحاصل وهو محال، وإن لم يكن منشرحاً فهو باطل من وجهين: الأول: أنه سبحانه بين له فيما تقدم كل ما يتعلق بالأديان من معرفة الربوبية والعبودية وأحوال المعاد وكل ما يتعلق بشرح الصدر في باب الدين فقد حصل، ثم إنه سبحانه تلطف له بقوله: ﴿ وَأَنَا اخترتك فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ ثم كلمه على سبيل الملاطفة بقوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى ﴾ ثم أظهر له المعجزات العظيمة والكرامات الجسيمة، ثم أعطاه منصب الرسالة بعد أن كان فقيراً وكل ما يتعلق به الإعزاز والإكرام فقد حصل، ولو أن ذرة من هذه المناصب حصلت لأدون الناس لصار منشرح الصدر فبعد حصولها لكليم الله تعالى يستحيل أن لا يصير منشرح الصدر.
والثاني: أنه لما لم يصر منشرح الصدر بعد هذه الأشياء لم يجز من الله تعالى تفويض النبوة إليه فإن من كان ضيق القلب مشوش الخاطر لا يصلح للقضاء على ما قال عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» فكيف يصلح للنبوة التي أقل مراتبها القضاء؟
فهذا مجموع الأمور التي لابد من البحث عنها في هذه الآية.
أما البحث الأول: وهو فائدة الدعاء وشرائطه فقد تقدم في تفسير قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ إلا أنه نذكر منها هاهنا بعض الفوائد المتعلقة بهذا الموضع فنقول: اعلم أن للكمال مراتب ودرجات وأعلاها أن يكون كاملاً في ذاته مكملاً لغيره، أما كونه كاملاً في ذاته فكل ما كان كذلك كان كماله من لوازم ذاته، وكل ما كان كذلك كان كاملاً في الأزل ولكنه يستحيل أن يكون مكملاً في الأزل لأن التكميل عبارة عن جعل الشيء كاملاً وذلك لا يتحقق إلا عند عدم الكمال، فإنه لو كان حاصلاً في الأزل لاستحال التأثير فيه، فإن تحصيل الحاصل محال وتكوين الكائن ممتنع فلا جرم أنه سبحانه، وإن كان كاملاً في الأزل إلا أنه يصير مكملاً فيما لا يزال، فإن قيل: إذا كان التكميل من صفات الكمال فحيث لم يكن مكملاً في الأزل فقد كان عارياً عن صفات الكمال فيكون ناقصاً وهو محال، قلنا: النقصان إنما يلزم لو كان ذلك ممكناً في الأزل لكنا بينا أن الفعل الأزلي محال فالتكميل الأزلي محال فعدمه لا يكون نقصاناً، كما أن قولنا: إنه لا يقدر على تكوين مثل نفسه لا يكون نقصاناً لأنه غير ممكن الوجود في نفسه، وكقولنا: إنه لا يعلم عدداً مفصلاً كحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه، وحركات أهل الجنة غير متناهية فلا يكون له عدد مفصل، فامتنع ذلك لا لقصور في العلم، بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول.
إذا ثبت هذا فنقول: إنه سبحانه وتعالى لما قصد إلى التكوين وكان الغرض منه تكميل الناقصين لأن الممكنات قابلة للوجود وصفة الوجود صفة كمال فاقتضت قدرة الله تعالى على التكميل وضع مائدة الكمال للممكنات فأجلس على المائدة بعض المعدومات دون البعض لأسباب.
أحدها: أن المعدومات غير متناهية فلو أجلس الكل على مائدة الوجود لدخل ما لا نهاية له في الوجود.
وثانيها: أنه لو أوجد الكل لما بقي بعد ذلك قادراً على الإيجاد لأن إيجاد الموجود محال، فكان ذلك وإن كان كمالاً للناقص لكنه يقتضي نقصان الكامل فإنه ينقلب القادر من القدرة إلى العجز.
وثالثها: أنه لو دخل الكل في الوجود لما بقي فيه تمييز فلا يتميز القادر على الموجب والقدرة كمال والإيجاب بالطبع نقصان، فلهذه الأسباب أخرج بعض الممكنات إلى الوجود فإن قيل عليه سؤالان: أحدهما: أن الموجودات متناهية والمعدومات غير متناهية ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي، فتكون أيضاً الضيافة ضيافة للأقل، وأما الحرمان فإنه عدد لما لا نهاية له، وهذا لا يكون وجوداً.
الثاني: أن البعض الذي خصه بهذه الضيافة إن كان لاستحقاق حصل فيه دون غيره فذلك الاستحقاق ممن حصل؟
وإن كان لا لهذا الاستحقاق كان ذلك عبثاً وهو محال كما قيل: يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماً *** وإنه لا يليق بأكرم الأكرمين.
والجواب عن الكل أن هذه الشبهات إنما تدور في العقول والخيالات لأن الإنسان يحاول قياس فعله على فعلنا، وذلك باطل لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
إذا عرفت هذا فهذا الوجود الفائض من نور رحمته على جميع الممكنات هو الضيافة العامة والمائدة الشاملة وهو المراد من قوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء ﴾ ثم إن الموجودات انقسمت إلى الجمادات وإلى الحيوانات، ولا شك أن الجماد بالنسبة إلى الحيوان كالعدم بالنسبة إلى الوجود لأن الجماد لا خبر عنده من وجوده فوجوده بالنسبة إليه كالعدم وعدمه كالوجود، وأما الحيوان فهو الذي يميز بين الموجود والمعدوم ويتفاوتان بالنسبة إليه ولأن الجماد بالنسبة إلى الحيوان آلة لأن الحيوانات تستعمل الجمادات في أغراض أنفسها ومصالحها وهي كالعبد المطيع المسخر والحيوان كالمالك المستولي، فكانت الحيوانية أفضل من الجمادية فكما أن إحسان الله ورحمته اقتضيا وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون البعض كذلك اقتضيا وضع مائدة الحياة لبعض الموجودات دون البعض، فلا جرم جعل بعض الموجودات أحياء دون البعض.
والحياة بالنسبة إلى الجمادية كالنور بالنسبة إلى الظلمة والبصر بالنسبة إلى العمى والوجود بالنسبة إلى العدم، فعند ذلك صار بعض الموجودات حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير والشر، فمن ثم قالت الأحياء عند ذلك: يا رب الأرباب إنا وإن وجدنا خلعة الوجود وخلعة الحياة وشرفتنا بذلك، لكن ازدادت الحاجة لأنا حال العدم وحال الجمادية ما كنا نحتاج إلى الملائم والموافق وما كنا نخاف المنافي والمؤذي، ولما حصل الوجود والحياة احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي فإن لم تكن لنا قدرة على الهرب والطلب والدفع والجذب لبقينا كالزمن المقعد على الطريق عرضة للآفات وهدفاً لسهام البليات فأعطنا من خزائن رحمتك القدرة والقوة التي بها نتمكن من الطلب تارة والهرب أخرى، فاقتضت الرحمة التامة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض الموجودات بالحياة وتخصيص بعض المعدومات بالوجود.
فقال القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا لأحد القسمين إما للمجانين المقيدين بالسلاسل والأغلال، وإما للبهائم المستعملة في حمل الأثقال وكل ذلك من صفات النقصان وأنت قد رقيتنا من حضيض النقصان إلى أوج الكمال فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك وأعز مبدعاتك الذي شرفته بقولك: بك أهين وبك أثيب وبك أعاقب حتى تفوز من خزائن رحمتك بالخلع الكاملة والفضيلة التامة فأعطاهم العقل وبعث في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية فعند هذه الدرجة فازوا بالخلع الأربعة، الوجود والحياة والقدرة والعقل، فالعقل خاتم الكل والخاتم يجب أن يكون أفضل ألا ترى أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم النبيين كان أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والإنسان لما كان خاتم المخلوقات الجسمانية كان أفضلها فكذلك العقل لما كان خاتم الخلع الفائضة من حضرة ذي الجلال كان أفضل الخلع وأكملها، ثم نظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالجفنة المملوءة من الجواهر النفيسة بل كأنها سماء مملوءة من الكواكب الزاهرة وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بدائه العقول وصرائح الأذهان، وكما أن الكواكب المركوزة في السموات علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فكذلك الجواهر المركوزة في سماء العقل كواكب زاهرة يهتدي بها السائرون في ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار العالم الروحانية وفسحة السموات وأضوائها.
فلما نظر العقل إلى تلك الكواكب الزاهرة والجواهر الباهرة رأى رقم الحدوث على تلك الجواهر وعلى جميع تلك الخلع فاستدل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على ناقش.
وعند ذلك عرف أن النقاش بخلاف النقش والباني بخلاف البناء، فانفتح له من أعلى سماء عالم المحدثات روازن إلى أضواء لوائح عالم القدم وطالع عالم القدم الأزلية والجلال وكان العقل إنما نظر إلى أضواء عالم الأزلية من ظلمات عالم الحدوث والإمكان فغلبته دهشة أنوار الأزلية فعميت عيناه فبقي متحيراً فالتجأ بطبعه إلى مفيض الأنوار، فقال: ﴿ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي ﴾ فإن البحار عميقة والظلمات متكاثفة، وفي الطريق قطاع من الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الإنس والجن كثيرة فإن لم تشرح لي صدري ولم تكن لي عوناً في كل الأمور انقطعت، وصارت هذه الخلع سبباً لنيل الآفات لا للفوز بالدرجات.
فهذا هو المراد من قوله: ﴿ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي ﴾ ثم قال: ﴿ وَيَسّرْ لِي أَمْرِي ﴾ وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات فما لم يصر العبد مريداً له استحال أن يصير فاعلاً له، فهذه الإرادة صفة محدثة ولا بد لها من فاعل وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى، ولزم التسلسل بل لابد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم فيكون في الحقيقة هو الميسر للأمور وهو المتمم لجميع الأشياء وتمام التحقيق أن حدوث الصفة لابد له من قابل وفاعل فعبر عن استعداد القابل بقوله: ﴿ رَبِّ اشرح لي صَدْرِي ﴾ وعبر عن حصول الفاعل بقوله: ﴿ وَيَسّرْ لِي أَمْرِي ﴾ وفيه التنبيه على أنه سبحانه وتعالى هو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته، ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يقولون: يا مبتدئاً بالنعم قبل استحقاقها.
ومجموع هذين الكلامين كالبرهان القاطع على أن جميع الحوادث في هذا العالم واقعة بقضائه وقدره وحكمته وقدرته.
ويمكن أن يقال أيضاً: كأن موسى عليه السلام قال: إلهي لا أكتفي بشرح الصدر ولكن أطلب منك تنفيذ الأمر وتحصيل الغرض فلهذا قال: ﴿ وَيَسّرْ لِي أَمْرِي ﴾ أو يقال: إنه سبحانه وتعالى لما أعطاه الخلع الأربع وهي الوجود والحياة والقدرة والعقل فكأنه قال له يا موسى أعطيتك هذه الخلع الأربع فلابد في مقابلتها من خدمات أربع لتقابل كل نعمة بخدمة.
فقال موسى عليه السلام: «ما تلك الخدمات؟
فقال: وأقم الصلاة لذكري فإن فيها أنواعاً أربعة من الخدمة، القيام والقراءة والركوع والسجود فإذا أتيت بالصلاة فقد قابلت كل نعمة بخدمة، ثم إنه تعالى لما أعطاه الخلعة الخامسة وهي خلعة الرسالة قال: ﴿ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي ﴾ حتى أعرف أني بأي خدمة أقابل هذه النعمة فقيل له بأن تجتهد في أداء هذه الرسالة على الوجه المطلوب فقال موسى: يا رب إن هذا لا يتأتى مني مع عجزي وضعفي وقلة آلاتي وقوة خصمي فاشرح لي صدري ويسر لي أمري».
الفصل الثاني: في قوله: ﴿ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي ﴾ اعلم أن الدعاء سبب القرب من الله تعالى وإنما اشتغل موسى بهذا الدعاء طلباً للقرب فنفتقر إلى بيان أمرين إلى بيان أن الدعاء سبب القرب ثم إلى بيان أن موسى عليه السلام طلب القرب بهذا الدعاء، أما بيان أن الدعاء سبب القرب فيدل عليه وجوه: الأول: أن الله تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية، أما الأصولية فأولها في البقرة: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ﴾ .
وثانيها: في بني إسرائيل ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ .
وثالثها: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً ﴾ .
ورابعها: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها ﴾ وأما الفروعية فستة منها في البقرة على التوالي.
أحدها: ﴿ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين ﴾ .
وثانيها: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ .
وثالثها: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ .
ورابعها: ﴿ ويسئَلونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾ .
وخامسها: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إصلاحٌ لهم خير ﴾ .
وسادسها: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ .
وسابعها: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال لِلَّهِ والرسول ﴾ .
وثامنها: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً ﴾ .
وتاسعها: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ .
وعاشرها: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة ﴾ .
والحادية عشر: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ إذا عرفت هذا فنقول جاءت هذه الأسئلة والأجوبة على صور مختلفة، فالأغلب فيها أنه سبحانه وتعالى لما ذكر السؤال قال لمحمد صلى الله عليه وسلم قل وفي صورة أخرى جاء الجواب بصيغة فقل مع فاء التعقيب وفي صورة ثالثة ذكر السؤال ولم يذكر الجواب، وهو قوله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها ﴾ وفي صورة رابعة ذكر الجواب ولم يذكر فيه لفظ قل ولا لفظ فقل وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ ولا بد لهذه الأشياء من الفائدة فنقول: أما الأجوبة الواردة بلفظ قل فلا إشكال فيها لأن قوله تعالى قل كالتوقيع المحدد في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكالتشريف المحدد في كونه مخاطباً من الله تعالى بأداء الوحي والتبليغ.
وأما الصورة الثانية وهي قوله: ﴿ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً ﴾ فالسبب أن قولهم: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال ﴾ سؤال إما عن قدمها أو عن وجوب بقائها وهذه المسألة من أمهات مسائل أصول الدين فلا جرم أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجيب بلفظ الفاء المفيد للتعقيب كأنه سبحانه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال ولا تقتصر فإن الشك فيه كفر ولا تمهل هذا الأمر لئلا يقعوا في الشك والشبهة، ثم كيفية الجواب أنه قال: ﴿ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً ﴾ ولا شك أن النسف ممكن لأنه ممكن في حق كل جزء من أجزاء الجبل والحس يدل عليه فوجب أن يكون ممكناً في حق كل الجبل وذلك يدل على أنه ليس بقديم ولا واجب الوجود لأن القديم لا يجوز عليه التغير والنسف، فإن قيل: إنهم قالوا: أخبرنا عن إلهك أهو ذهب أو فضة أو حديد فقال: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ ولم يقل فقل هو الله أحد مع أن هذه المسألة من المهمات قلنا إنه تعالى لم يحك في هذا الموضع سؤالهم وحرف الفاء من الحروف العاطفة فيستدعي سبق كلام فلما لم يوجد ترك الفاء بخلاف هاهنا فإنه تعالى حكى سؤالهم فحسن عطف الجواب عليه بحرف الفاء.
وأما الصورة الثالثة: فإنه تعالى لم يذكر الجواب في قوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها ﴾ فالحكمة فيه أن معرفة وقت الساعة على التعيين مشتملة على المفاسد التي شرحناها فيما سبق فلهذا لم يذكر الله تعالى ذلك الجواب وذلك يدل على أن من الأسئلة ما لا يجاب عنها.
وأما الصورة الرابعة: وهي قوله: ﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ ولم يذكر في جوابه قل ففيه وجوه: أحدها: أن ذلك يدل على تعظيم حال الدعاء وأنه من أعظم العبادات فكأنه سبحانه قال: يا عبادي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك يدل عليه أن كل قصة وقعت لم تكن معرفتها من المهمات.
قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: اذكر لهم تلك القصة كقوله تعالى: ﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابنى ءَادَمَ بالحق ﴾ .
﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا ﴾ .
﴿ واذكر فِي الكتاب موسى ﴾ ، ﴿ واذكر فِي الكتاب إسماعيل ﴾ .
﴿ واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ ﴾ .
﴿ وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ، ثم قال في قصة يوسف: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص ﴾ وفي أصحاب الكهف: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق ﴾ .
وما ذاك إلا لما في هاتين القصتين من العجائب والغرائب، والحاصل كأنه سبحانه وتعالى قال: يا محمد إذا سئلت عن غيري فكن أنت المجيب، وإذا سئلت عني فاسكت أنت حتى أكون أنا القائل.
وثانيها: أن قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِ <div class="verse-tafsir"
الوحي إلى أم موسى: إما أن يكون على لسان نبيّ في وقتها، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين ﴾ [المائدة: 111] أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة، كما بعث إلى مريم.
أو يريها ذلك في المنام فتتنبه عليه أو يلهمها كقوله تعالى: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ [النحل: 68] أي أوحينا إليها أمراً لا سبيل إلى التوصل إليه ولا إلى العلم به إلا بالوحي، وفيه مصلحة دينية فوجب أن يوحي ولا يخلّ به، أي: هو مما يوحى لا محالة وهو أمر عظيم، مثله يحق بأن يوحي ﴿ أَنِ ﴾ هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول.
القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب ﴾ [الأحزاب: 26] وكذلك الرمي قال: غُلاَمٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعَا أي حصل فيه الحسن ووضعه فيه، والضمائر كلها راجعة إلى موسى.
ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت: فيه هجنة، لما يؤدي إليه من تنافر النظم.
فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل.
قلت: ما ضرّك لو قلت: المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت؟
حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدّي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر.
لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته أن لا تخطيء جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وألقاه إليه، سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز، أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه، فقيل ﴿ فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل ﴾ روي أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً، فوضعته فيه وجصصته وقيرته، ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فبينا هو جالس على رأس بركة مع آسية إذا بالتابوت، فأمر به فأخرج ففتح، فإذا صبيّ أصبح الناس وجهاً، فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.
وظاهر اللفظ على أنّ البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه: لأنّ الماء يسحله أي يقشره وقذف به ثمة فالتقط من الساحل، إلا أن يكون قد ألقاه اليم بموضع من الساحل فيه فوّهة نهر فرعون، ثم أدّاه النهر إلى حيث البركة وألقيت عليك محبة مني ﴿ مِّنِّى ﴾ لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت، فيكون المعنى على: أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب.
وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة، أي: محبة حاصلة أو واقعة مني، قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك.
روي: أنه كانت على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عينى ﴾ لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به، وتقول للصانع: اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي وبغيتي.
ولتصنع: معطوف على علة مضمرة، مثل: ليتعطف عليك وترأم ونحوه.
أو حذف معلله، أي: ولتصنع فعلت ذلك.
وقريء: ﴿ ولتصنع ﴾ و(لتصنع)، بكسر اللام وسكونها.
والجزم على أنه أمر وقرئ: ﴿ ولتصنع ﴾ بفتح التاء والنصب، أي: وليكون عملك وتصرفك على عين مني.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ ﴾ بِأنِ اقْذِفِيهِ، أوْ أيِ اقْذِفِيهِ لِأنَّ الوَحْيَ بِمَعْنى القَوْلِ.
﴿ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ ﴾ والقَذْفُ يُقالُ لِلْإلْقاءِ ولِلْوَضْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ وكَذَلِكَ الرَّمْيُ كَقَوْلِهِ: غُلامٌ رَماهُ اللَّهُ بِالحُسْنِ يافِعًا.
﴿ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ ﴾ لَمّا كانَ إلْقاءُ البَحْرِ إيّاهُ إلى السّاحِلِ أمْرًا واجِبَ الحُصُولِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِهِ، جَعَلَ البَحْرَ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ مُطِيعٌ أمْرَهُ بِذَلِكَ وأخْرَجَ الجَوابَ مَخْرَجَ الأمْرِ، والأوْلى أنْ تُجْعَلَ الضَّمائِرُ كُلُّها لِمُوسى مُراعاةً لِلنَّظْمِ، فالمَقْذُوفُ في البَحْرِ والمُلْقى إلى السّاحِلِ وإنْ كانَ التّابُوتُ بِالذّاتِ فَمُوسى بِالعَرَضِ.
﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ ﴾ جَوابُ ﴿ فَلْيُلْقِهِ ﴾ وتَكْرِيرُ ﴿ عَدُوٌّ ﴾ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ الواقِعِ والثّانِي بِاعْتِبارِ المُتَوَقَّعِ.
قِيلَ إنَّها جَعَلَتْ في التّابُوتِ قُطْنًا ووَضَعَتْهُ فِيهِ ثُمَّ قَبَرَتْهُ وألْقَتْهُ في اليَمِّ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ إلى بُسْتانِ فِرْعَوْنَ نَهْرٌ فَدَفَعَهُ الماءُ إلَيْهِ فَأدّاهُ إلى بِرْكَةٍ في البُسْتانِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا عَلى رَأْسِها مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ، فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَفُتِحَ فَإذا هو صَبِيٌّ أصْبَحُ النّاسِ وجْهًا فَأحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ أيْ مَحَبَّةً كائِنَةً مِنِّي قَدْ زَرَعْتُها في القُلُوبِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْكَ مَن رَآكَ فَلِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ ( مِنِّي ) بِـ ( ألْقَيْتُ ) أيْ أحْبَبْتُكَ ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ اليَمَّ ألْقاهُ بِساحِلِهِ وهو شاطِئُهُ لِأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ فالتُقِطَ مِنهُ، لَكِنْ لا يَبْعُدُ أنْ يُؤَوَّلَ السّاحِلُ بِجَنْبِ فُوَّهَةِ نَهْرِهِ.
﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ لِتُرَبّى ويُحْسَنَ إلَيْكَ وأنا راعِيكَ وراقِبُكَ، والعَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مُضْمَرَةٍ مِثْلَ لِيَتَعَطَّفَ عَلَيْكَ، أوْ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُعَلَّلٍ مِثْلَ فَعَلْتُ ذَلِكَ.
وقُرِئَ ( ولِتُصْنَعْ ) بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِها والجَزْمُ عَلى أنَّهُ أمْرٌ ( ولِتَصْنَعَ ) بِالنَّصْبِ وفَتْحِ التّاءِ أيْ ولِيَكُونَ عَمَلُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي لِئَلّا تُخالِفَ بِهِ عَنْ أمْرِي.
<div class="verse-tafsir"
{أن اقذفيه} القيه {في التابوت} وان مفسرة لأن الوحي بمعنى القول {فاقذفيه فِى اليم} النيل {فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل} الجانب وسمي ساحلاً لأن الماء يسحله أي يقشره والصيغة أمر ليناسب ما تقدم ومعناه الإخبار أي يلقيه اليم بالساحل {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ له} يعني فرعون والضمائر كلها راجعة على موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يفضي إلى تنابز النظم والمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان هو التابوت لكن موسى في جوف التابوت رُوي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا فوضعته فيه وقبرته ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينما هو جالس على رأس بركة مع آسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا بصبي أصبح الناس وجها فأحبه فرعون حبا
طه (٤٣ - ٣٩)
شديداً فذلك قوله {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى} يتعلق مني بالقيت يعني إني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب فما رآه أحد إلا أحبه قال قتادة كان في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحد به {وَلِتُصْنَعَ} معطوف على محذوف تقديره وألقيت عليك محبة لتحب ولتصنع {على عَيْنِى} أي لتربى بمرأى مني وأصله من صنع الفرس أي أحسن القيام عليه يعني أنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به وَلِتُصْنَعَ بسكون اللام والجزم يزيد على أنه أمر منه
وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ الوَحْيَ مِن بابِ القَوْلِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الباءُ أيْ بِأنِ اقْذِفِيهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أنْ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ بَدَلٌ مِن ما، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْلِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلِ الأمْرِ، والمُرادُ بِالقَذْفِ ها هُنا الوَضْعُ، وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ ﴾ فالمُرادُ بِهِ الإلْقاءُ والطَّرْحُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الوَضْعَ في المَوْضِعَيْنِ، و(اليَمِّ) البَحْرُ لا يُكْسَرُ ولا يُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ، وفي البَحْرِ هو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا التَّفْصِيلُ هُنا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ﴾ لا القَذْفُ بِلا تابُوتٍ ﴿ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ ﴾ أيْ بِشاطِئِهِ وهو الجانِبُ الخالِي عَنِ الماءِ مَأْخُوذٌ مِن سَحْلِ الحَدِيدِ أيْ بَرَدَهُ وقَشَرَهُ وهو فاعِلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ أيْ يُقَشِّرُهُ أوْ هو لِلنَّسَبِ أيْ ذُو سَحْلٍ يَعُودُ الأمْرُ إلى مَسْحُولٍ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ يَسْحَلُ الماءَ أيْ يُفَرِّقُهُ ويُضَيِّعُهُ وقِيلَ: هو مِنَ السَّحِيلِ وهو النَّهِيقُ لِأنَّهُ يُسْمَعُ مِنهُ صَوْتٌ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُقابِلُ الوَسَطَ وهو ما يَلِي السّاحِلَ مِنَ البَحْرِ حَيْثُ يَجْرِي ماؤُهُ إلى نَهْرِ فُوعُونَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالسّاحِلِ الجانِبُ والطَّرَفُ مُطْلَقًا والمُرادُ مِنَ الأمْرِ الخَبَرُ واخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ : ( «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» ) ولِإخْراجِ ذَلِكَ مَخْرَجَ الأمْرِ حُسْنُ الجَوابِ فِيما بَعْدُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ لَمّا كانَ إلْقاءُ البَحْرِ إيّاهُ بِالسّاحِلِ أمْرًا واجِبَ الوُقُوعِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِهِ جُعِلَ البَحْرُ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ مُطِيعُ أمْرٍ بِذَلِكَ، وأخْرَجَ الجَوابَ مَخْرَجَ الأمْرِ فَفي اليَمِّ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ وإثْباتُ الأمْرِ تَخْيِيلٌ، وقِيلَ: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلْيُلْقِهِ ﴾ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً والضَّمائِرُ كُلُّها لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمَقْذُوفُ في البَحْرِ والمُلْقى بِالسّاحِلِ، وإنْ كانَ هو التّابُوتُ أصالَةً لَكِنْ لَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ ما فِيهِ جُعِلَ التّابُوتُ تَبَعًا لَهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّمِيرانِ الأخِيرانِ لِلتّابُوتِ، ومَتى كانَ الضَّمِيرُ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عُودُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ، وبِهَذا رُدَّ عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ عَوْدَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَإنَّهُ رِجْسٌ ﴾ عَلى لَحْمٍ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ لا عَلى خِنْزِيرٍ فَيَحِلُّ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ عِنْدَهُ لِذَلِكَ، والحَقُّ أنَّ عَدَمَ التَّفْكِيكِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أوْلى، وما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما لا يَخْفى ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِالإلْقاءِ وتَكْرِيرُ العَدُوِّ لِلْمُبالَغَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَداوَتَهُ كَثِيرَةٌ لا واحِدَةٌ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ لِلْواقِعِ والثّانِيَ لِلْمُتَوَقَّعِ ولَيْسَ مِنَ التَّكْرِيرِ لِلْمُبالَغَةِ في شَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْعُ جَوازٍ أنْ يُقالَ: عَدُوٌّ لِي ولَهُ وهو لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ القائِلِينَ بِجَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ ولَيْسَ فِيهِ الجَمْعُ المَذْكُورُ فَإنَّ فِرْعَوْنَ وقْتَ الأخْذِ مُتَّصِفٌ بِالعَداوَةِ لِلَّهِ تَعالى ولَهُ في الواقِعِ، أمّا اتِّصافُهُ بِعَداوَةِ اللَّهِ تَعالى فَظاهِرٌ، وأمّا اتِّصافُهُ بِعَداوَةِ مُوسى فَمِن حَيْثُ إنَّهُ يُبْغِضُ كُلَّ مَوْلُودٍ في تِلْكَ السَّنَّةِ، ولَوْ قُلْنا بِعَدَمِ الِاتِّصافِ بِعَداوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ أيْضًا ويُعْتَبَرَ عُمُومُ المَجازِ وهو المُخَلِّصُ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فِيما يُدَّعى فِيهِ ذَلِكَ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ الجَمْعُ لِأنَّ (عَدُوٌّ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ دالَّةٌ عَلى الثُّبُوتِ الشّامِلِ لِلْواقِعِ والمُتَوَقَّعِ.
ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ الثُّبُوتَ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِمَعْنى الدَّوامِ، وقَدْ قالَ هو في الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا ﴾ : إنَّ مَعْنى دَلالَتِها عَلى الثُّبُوتِ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى تَجَدُّدٍ وحُدُوثٍ لا أنَّها تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، فَما يُقالُ إنَّ (مَرَحًا) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ ونَفْيُهُ لا يَقْتَضِي نَفْيَ أصْلِهِ مُغالَطَةٌ نَشَأتْ مِن عَدَمِ فَهْمِ مَعْنى الثُّبُوتِ فِيها انْتَهى، عَلى أنَّ كَلامَهُ هُنا بَعْدَ الإغْماضِ عَنْ مُنافاتِهِ لِما ذَكَرَهُ قَبْلُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
ومِمّا ذَكَرَهُ فِيما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِ مَعْنى الثُّبُوتِ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُقْبَلْ إيمانُهُ وماتَ كافِرًا كَما هو الحَقُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وكَمْ لَهُ مِن دَلِيلٍ صَحِيحٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ لَها هَذا العَدُوَّ ولَمْ يُعْلِمْها بِاسْمِهِ وإلّا لَما قالَتْ لِأُخْتِهِ (قُصِّيهِ) .
﴿ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ كَلِمَةُ مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما في تَنْكِيرِها مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ مَحَبَّةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنِّي قَدْ زَرَعْتُها في القُلُوبِ، فَكُلُّ مَن رَآكَ أحَبَّكَ بِحَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنْكَ، قالَ مُقاتِلٌ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةً ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةُ جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ، رُوِيَ أنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُوحِيَ إلَيْها ما أُوحِيَ جَعَلَتْهُ في تابُوتٍ مِن خَشَبٍ، وقِيلَ: مِن بَرْدِيٍّ عَمِلَهُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وسَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا، وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في اليَمِّ، فَبَيْنَمافِرْعَوْنُ في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِّيلِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ إذْ رَأى التّابُوتَ عِنْدَ السّاحِلِ فَأمَرَ بِهِ فَفُتِحَ فَإذا صَبِيٌّ أصْبَحُ النّاسِ وجْهًا فَأحَبَّهُ هو وامْرَأتُهُ حُبًّا شَدِيدًا.
وقِيلَ: إنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ فَأخَذْنَ التّابُوتَ وجِئْنَ بِهِ إلَيْها وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّ فِيهِ مالًا، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَبَّتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَتَّخِذَهُ ولَدًا، وقالَتْ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ، فَقالَ لَها: يَكُونُ لَكِ وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ.
ومِن هُنا قالَ رَسُولُ اللَّهِ كَما رَواهُ النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( «والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ بِأنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ لَهَداهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ» )، وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ جالِسًا عَلى رَأْسِ بِرْكَةٍ لَهُ في بُسْتانٍ ومَعَهُ امْرَأتُهُ فَرَأى التّابُوتَ وقَدْ دَفَعَهُ الماءُ إلى البِرْكَةِ مِن نَهْرٍ يَشْرَعُ مِنَ اليَمِّ فَأمَرَ بِإخْراجِهِ فَأُخْرِجَ فَفَتَحَ فَإذا صَبِيٌّ أجْمَلُ النّاسِ وجْهًا فَأحَبَّهُ حَتّى لا يَكادَ يَصْبِرُ عَنْهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بِحَضْرَتِهِ حِينَ رَأى التّابُوتَ أرْبَعُمِائَةِ غُلامٍ وجارِيَةٍ فَحِينَ أشارَ بِأخْذِهِ وعَدَ مَن يَسْبِقُ إلى ذَلِكَ بِالإعْتاقِ، فَتَسابَقُوا جَمِيعًا ولَمْ يَظْفَرْ بِأخْذِهِ إلّا واحِدٌ مِنهم فَأعْتَقَ الكُلَّ، وفي هَذا ما يُطْمِعُ المُقَصِّرَ في العَمَلِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، وقِيلَ: كَلِمَةُ مِن مُتَعَلِّقَةٍ بِألْقَيْتُ فالمَحَبَّةُ المُلْقاةُ بِحَسَبِ الذَّوْقِ هي مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لَهُ أيْ أحْبَبْتُكَ ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ تَعالى أحَبَّتْهُ القُلُوبُ لا مَحالَةَ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا بِأنَّ في الصِّغَرِ لا يُوصَفُ الشَّخْصُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَإنَّها تَرْجِعُ إلى إيصالِ الثَّوابِ وهو إنَّما يَكُونُ لِلْمُكَلَّفِ.
ورُدَّ بِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ المُؤَوِّلِينَ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ والنَّفْعِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ جَزاءً عَلى عَمَلٍ أوْ لا يَكُونُ والرَّدُّ عِنْدَ مَن لا يُؤَوِّلُ أظْهَرُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم إرادَةَ المَعْنى الثّانِي عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في التَّعَلُّقِ وإرادَةِ المَعْنى الأوَّلِ عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ، وزَعَمَ أنَّ وجْهَ التَّخْصِيصِ غَيْرُ ظاهِرٍ وهو لا يَخْفى عَلى ذِي ذِهْنٍ مُسْتَقِيمٍ وذَوْقٍ سَلِيمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْتُ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى عِلَّةٍ مُضْمَرَةٍ أيْ لِيُتَعَطَّفَ عَلَيْكَ ولِتُصْنَعَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ أيْ ولِتُصْنَعَ إلَخْ فَعَلْتُ ذَلِكَ أيْ إلْقاءَ المَحَبَّةِ عَلَيْكَ، وزَعَمَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْتُ عَلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ وعَلى عَيْنِي أيْ بِمَرْأًى مِنِّي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَتِرِ في ( تُصْنَعَ ) وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْحِفْظِ والصَّوْنِ فَإنَّ المَصُونَ يُجْعَلُ بِمَرْأً والصُّنْعُ الإحْسانُ، قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ.
والمَعْنى ولِيَفْعَلَ بِكَ الصَّنِيعَةَ والإحْسانَ وتُرَبّى بِالحُنُوِّ والشَّفَقَةِ وأنا مُراعِيكَ ومُراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ إذا اعْتَنى بِهِ.
ويُجْعَلُ ذَلِكَ تَمْثِيلًا يَنْدَفِعُ ما قالَهُ الواحِدِيُّ مِن أنَّ تَفْسِيرَ ﴿ عَلى عَيْنِي ﴾ بِما تَقَدَّمَ صَحِيحٌ ولَكِنْ لا يَكُونُ في ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ: هَذا الِاخْتِصاصُ لِلتَّشْرِيفِ كاخْتِصاصِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى والكَعْبَةِ بِبَيْتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الكُلَّ مَوْجُودٌ بِكُنْ وكُلَّ البُيُوتِ بَيْتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ الأنْبارِيِّ وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّهُ الصَّحِيحُ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ ولِتَصْنَعَ ) بِفَتْحِ التّاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: المَعْنى لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكِ عَلى عَيْنٍ مِنِّي لِئَلّا تُخالِفَ أمْرِي.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ ( ولِتُصْنَعْ ) بِكَسْرِ اللّامِ وجَزْمِ الفِعْلِ بِها لِأنَّها لامُ الأمْرِ وأمْرُ المُخاطَبِ بِاللّامِ شاذٌّ لَكِنْ لَمّا كانَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هُنا وكانَ أصْلُهُ مُسْنَدًا لِلْغائِبِ ولا كَلامَ في أمْرِهِ بِاللّامِ اسْتَصْحَبَ ذَلِكَ بَعْدَ نَقْلِهِ إلى المَفْعُولِ لِلِاخْتِصارِ، والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ إلّا أنَّ فِيهِ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وفِيهِ كَلامٌ مَشْهُورٌ لَكِنْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ هَوَّنَ أمْرَهُ كَوْنُ الأمْرِ في مَعْنى الخَبَرِ.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (فَلْيُلْقِهِ) فَلا عَطْفَ فِيهِ لِلْإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ أُخْرى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سَكَّنَ اللّامَ وهي لامُ الأمْرِ أيْضًا وبَقِيَّةُ الكَلامِ نَحْوُ ما مَرَّ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ سُكِّنَتْ تَخْفِيفًا ولَمْ يَظْهَرْ فَتْحُ العَيْنِ لِلْإدْغامِ، قالَ الخَفاجِيُّ: وهَذا حَسَنٌ جِدًّا.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى، يعني: علا وتكبر وادعى الربوبية، يعني: اذهب إليه وادعه إلى الإسلام.
قالَ موسى : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، يعني: يا رب وسع لي قلبي حتى لا أخاف منه، ويقال: لين قلبي بالإسلام حتى أثبت عليه، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي يعني: هون علي ما أمرتني به، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يعني: ابسط العقدة أي: الرثة من لساني يَفْقَهُوا قَوْلِي، يعني: يفهموا كلامي.
وذلك أن موسى في حال صغره رفعه فرعون في حجره، فلطمه موسى لطمة، ويقال: أخذ بلحيته ومدها إلى الأرض، فقال فرعون: هذا من أعدائي الذين كنت أتخوف به، فقالت امرأته آسية بنت مزاحم: صبيّ جاهل لا عقل له، ضع له طستا من حليّ وطستاً من نار حتى نعلم ما يصنع.
فوضعوا له ذلك، فجاء جبريل فأخذ يده فأهوى بها إلى النار، فأخذ جمرة فوضعها في فيه فكانت الرثوثة من ذلك، فذلك قوله عز وجل: يَفْقَهُوا قَوْلِي.
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ، يعني: اجعل لي معيناً من أهلي يعني: أخي هارون.
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، حتى يكون قوة لي.
والأزر: الظهر وجماعته: أزر ويراد به القوة.
يقال: آزرت فلاناً على الأمر أي: قويته عليه، وإنما نصب هارُونَ لوقوع الفعل عليه، والمعنى: اجعل هارون أخي وزيراً، فصار الوزير المفعول الثاني.
وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، يعني: في نبوتي.
قرأ ابن عامر اشدد بنصب الألف وَأَشْرِكْهُ بضم الألف على معنى الخبر عن نفسه، أي: أنا أفعل ذلك، وإنما كان جزماً على الجزاء في الأمر.
وقرأ الباقون اشْدُدْ بضم الألف وَأَشْرِكْهُ بنصب الألف على معنى الدعاء، يعني: اللهم أشدد به أزري وأشركه في أمري، قال أبو عبيدة: بهذه القراءة نقرأ، ويكون حرف ابن مسعود شاهداً لها، وكان يقرأ: هارون أَخِى واشدد بِهِ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى وفي حرف أُبَي وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى واشدد بِهِ أَزْرِى قال: كأنه دعا.
ثم قال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً، يعني: نصلي لك كثيراً، وَنَذْكُرَكَ باللسان كَثِيراً، يعني: على كل حال إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً، أي: كنت عالماً بنا في الأحوال كلها.
قالَ الله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى، يعني: أعطيناك ما سألته.
<div class="verse-tafsir"
فقد بيّن لك صلى الله عليه وسلّم ما تحتمله الآيةُ، واللهُ الموفِّقُ بفضله وهكذا استدل ابنُ العربي هنا بالحديثِ «١» ، ولفظه: وقد روى مالك وغيره: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نسِيَهَا، فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: أَقِمِ الصلاة لِذِكْرَي» «٢» .
انتهى من «الأحكام» .
وقرأت فرقةٌ: «للذكرى» ، وقرأتْ «٣» فرقةٌ: «لِلذِّكْرِ» ، وقرأتْ فرقةٌ: «لذكرى» «٤» بغير تعريف.
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩)
فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤)
وقولُه تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ: يريدُ «٥» : القيامةَ آتيةٌ، فيه تحذيرٌ وَوَعِيدٌ.
وقرأ ابنُ كَثِير، وعاصِمٌ: «أَكَاد أَخفيها» - بفتح الهمزة- بمعنى: أظْهرها، أيْ: إنها من تيقُّن وقُوعِهَا تَكاد تَظْهَرُ، لكن تَنْحَجِبُ إلى الأَجل المعلومِ، والعربُ تقولُ: خَفَيْتُ الشيء بمعنى: أظهرته.
وقرأ الجمْهورُ «١» : «أُخْفِيهَا» - بضم الهمزة- فقيل: معناه: أظهرها، وزعموا: أَنَّ «أَخْفَيْتُ» من الأَضْدَادِ.
وقالت فرقةٌ: أَكادُ بمعنى أُرِيدُ، أيْ: أرِيدُ إخْفَاءَها عنكم لتجزى كل نفس بما تسعى، واسْتَشْهَدُوا بقول الشاعر: [الكامل] .
كَادَتْ وَكِدْتَ وَتِلْكَ خَيْرُ إرَادَةٍ ...
................
«٢»
وقالت فرقةٌ: أَكاد: على بَابها بمعنى: أنها مقاربة ما لم يَقَعْ لكن الكلام جَارٍ على استعارة العَرَبِ، ومَجَازِهَا، فلما كانت الآيةُ عبارةٌ عن شِدَّةِ خَفَاءِ أَمْرِ القيامة ووقْتِها، وكان القَطْعُ بإتْيَانِها مع جَهْلِ الوَقْتِ أَهْيَبُ على النفوسِ بالغ- سُبْحَانَه- في إبْهَامِ وقْتِها، فقال:
أَكادُ أُخْفِيها حتَّى لاَ تظهرُ ألْبتةَ، ولكن ذلك لا يقعُ، ولا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا، وهذا التَّأْوِيلُ هو الأقوى عندي.
وقوله سبحانه: «فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا» : أيْ: عن الإيمانِ بالسَّاعَةِ، ويحتمل عودُ الضمير على الصَّلاَةِ.
وقوله: فَتَرْدى: معناه فتَهْلك، والردى: الهلاكُ، وهذا الخطابُ كلَّه لموسى عليه السلام، وكذلك ما بعده.
وقال النقاش: الخطاب ب فَلا يَصُدَّنَّكَ: لنبينا محمد صلى الله عليه وسلّم وهذا بَعِيدٌ «٣» .
وقوله سبحانه: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى تقريرٌ مضمنه التَّنْبِيهُ، وجمعُ النفْسِ لتلقى ما يورد عليها، وإلاَّ فقد علم سُبْحَانه مَا هي في الأزل.
قال ابنُ العَرَبِيُّ في «أحكامه» : وأجابَ مُوسَى عليه السلام بقوله: هِيَ عَصايَ ...
الآية، بأَكْثَرَ مما وقع السؤال عنه وهذا كقوله صلى الله عليه وسلّم: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» «١» / ٩ ألمن سأله عن طهوريّة ماء البحر.
انتهى.
ت: والمُسْتَحْسَنُ من الجواب: أَنْ يكون مُطَابِقاً للسؤال، أو أَعَمَّ منه كما في الآية، والحديث، أَمَّا كونُه أَخَصَّ منه، فَلاَ.
انتهى.
وَأَهُشُّ: معناه: أخبط بها الشجر حتّى ينتثر الوَرَقُ لِلْغَنم، وعَصَا مُوسَى عليه السلام هي الَّتي كان أَخَذَها من بَيْتِ عِصِيِّ الأَنْبِيَاءِ عليهم السلام الَّذِي كان عند شُعَيْب عليه السلام حين اتَّفَقَا عَلَى الرَّعْيِ «١» ، وكانت عَصَا آدم عليه السلام، هبط بها من الجَنَّةِ، وكانت من العير الّذي في ورق الرَّيْحَانِ، وهو الجِسْم المُسْتَطيل في وسطها، ولما أَراد اللهُ سبحانه تَدْرِيب موسى في تلقي النبوءة، وتَكَالِيفها، أمره بإلْقَاءِ العَصَا، فألْقَاهَا، فإذا هي حَيَّةً تَسْعَى، أيْ تَنْتَقِلُ، وتَمْشِي، وكانت عَصاً ذَاتَ شُعْبَتَيْنِ، فصارت الشُّعْبَتَانِ فماً «٢» يلتقِمُ الحِجَارَةَ، فلما رآها مُوسَى رأى عِبْرةً فولَّى مُدْبِراً ولم يُعَقِّبْ فقال اللهُ تعالى له: خُذْها وَلا تَخَفْ فأَخذَها بيده، فصارت عَصاً كما كانت أَوَّل مرةٍ وهي سِيرَتُها الأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ، أَيْ: جَنْبِك.
قال ع «٣» : وكُلُّ مَرْعُوبٍ من ظُلْمَةٍ ونحوها فإنه إذا ضمّ يده إلى جناحه، فتر
رُعْبُهُ، وربط جَأْشه «١» ، فجمع الله سبحانه لموسى عليه السلام تَفتِير الرُّعْبِ مع الآيةِ في اليَدِ.
ورُوِي أَنَّ يدَ مُوسَى خرجت بَيْضَاءَ تَشفّ وتُضِيء كأَنَّها شَمْسٌ من غيرِ سُوءٍ، أَيْ:
من غير بَرَصٍ، ولا مثله، بل هو أمْر ينحسر، ويَعُود بحكم الحَاجَةِ إليه، ولما أَمَرُه اللَّه تعالى بالذَّهَابِ إلَى فِرْعَون، علم أنها الرسالة، وفهم قدر التَّكْلِيف فدعا اللَّهَ في المَعُونة إذْ لاَ حَوْلَ له إلّا به.
واشْرَحْ لِي صَدْرِي معناه: لفهم ما يرد عَلَيّ مِنَ الأُمور، والعُقْدة التي دَعَا في حَلِّها هي التي اعترته بالجَمْرةِ في فِيهِ، حين جَرَّبه فرعون، وروي في ذلك: أَنَّ فِرْعون أراد قَتْلَ مُوسَى، وهو طِفْل حينَ مَدَّ يَدَهُ عليه السلام إلَى لِحْيَةِ فرعون، فقالت له امرأته:
إنه لا يَعْقِلُ، فقال: بل هو يَعْقِلُ، وهو عَدُوِّي، فقالت له: نجرِّبُه، فقال لها: أَفْعَلُ، فدَعا بجمَراتٍ من النَّارِ، وبطبقٍ فيه يَاقُوتٌ، فقالا: إنْ أَخذ الياقُوتَ، علِمْنَا أنه يعقِلُ، وإنْ أخذ النارَ، عَذَرْنَاهُ، فمدَّ مُوسَى يده إلى جمرة «٢» فأَخذها، فلم تعد على يده، فجعلها فِي فِيهِ، فأَحْرَقَتْهُ، وأوْرثت لِسَانَهُ عُقْدَةٌ، وموسى عليه السلام إنما طلب مِنْ حَلِّ العُقْدَة قدراً يُفْقَهُ معه قولُه، فجائز أَنْ تكون تِلْكَ العقدةُ قد زَالَتْ كُلُّها، وجائِزٌ أَن يكون قَدْ بَقِيَ منها القَلِيلُ، فيجتمع أن يؤتى هو سُؤْلَةٌ، وأنْ يقولَ فِرْعَون: وَلا يَكادُ يُبِينُ [الزخرف:
٥٢] .
ولو فرضنا زوالَ العُقْدة جملة، لكانَ قولُ فِرْعَون سَبّاً لمُوسَى بحالته القَدِيمةَ.
وَالوَزِير: المُعِين القَائِمُ بوزر الأُمورِ، وهو ثِقَلها، فيحتمل الكَلاَمُ أَنَّ طلبَ الوَزِير من أَهْلِهِ على الجملة، ثم أبدل هرون من الوزير المَطْلُوب، ويحتمل أنْ يريدَ: واجعل هرون وَزِيراً، فيكون مفعولاً أَوّلاً ل اجْعَلْ، وكان هرون عليه السلام أكْبر من موسى عليه السلام بأرْبع سنين، والأَزْرُ: الظهرُ «٣» قاله أَبُو عُبَيْدةَ «٤» .
وقوله: كَثِيراً نعتٌ لمصدرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تسبيحاً كثيرا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ طَغى ﴾ ؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ : سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ.
﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ.
وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ.
ونَصُبُ ﴿ هارُونَ ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ هارُونَ ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَزِيرًا ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأشْرِكْهُ في أمْرِي ﴾ ؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ ﴾ ؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿ وَنَذْكُرَكَ ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿ إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا ﴾ ؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ﴾ ﴿ وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ﴾ ﴿ إذْ أوحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى ﴾ ﴿ أنِ اقْذِفِيهِ في التابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمِّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: قَدْ أُعْطَيْتَ يا مُوسى طَلِبَتَكَ في شَرْحِ الصَدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، إمّا بِالكُلِّ وإمّا عَلى قَدْرِ الحاجَةِ في الأفْعالِ، وإيتاءُ هَذا السُؤالِ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَرَنَ إلَيْها قَدِيمَ مِنَّتَهُ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ عَلَيْها لِيَعْظُمُ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ.
وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - أنَّ فِرْعَوْنَ ذُكِرَ لَهُ أنَّ خَرابَ مُلْكُهُ يَكُونُ عَلى يَدَيْ غُلامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ ولَدٍ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمْ إنَّهُ رَأى مَعَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ أنَّ فَناءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعُودُ عَلى القِبْطِ بِالضَرَرِ؛ إذْ هم كانُوا عَمَلَةَ الأرْضِ والصُنّاعِ ونَحْوَ هَذا، فَعَزَمَ عَلى أنْ يَقْتُلَ الوَلْدانَ سَنَةً ويَسْتَحْيِيهِمْ سَنَةً، فَوُلِدَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَنَةِ الِاسْتِحْياءِ فَكانَتْ أُمُّهُ آمِنَةً، ثُمْ وُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في العامِ الرابِعِ سَنَةِ القَتْلِ، فَخافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الذَبْحَ فَبَقِيَتْ مُهْتَمَّةً، فَأوحى اللهُ إلَيْها، قِيلَ: بِمَلَكٍ جاءَ لَها فَأخْبَرَها وأمَرَها، قالَ بَعْضُ مَن رَوى هَذا: ولَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لَأنّا نَجْدُ في الشَرْعِ ورِواياتِهِ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمَتْ مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَتْ أمُّ مُوسى رَسُولِ اللهِ نَبِيَّةً بِهَذا الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَ هَذا الوَحْيُ رُؤْيًا رَأتْها في النَوْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وحْيُ إلْهامٍ وتَسْدِيدٍ كَوَحْيِ اللهِ إلى النَحْلِ وغَيْرِها، فَألْهَمَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى أنِ اتَّخَذَتْ تابُوتًا فَقَذَفَتْ فِيهِ مُوسى راقِدًا في فِراشٍ، ثُمْ قَذَفَتْهُ في يَمِّ النِيلِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِيلِ إذْ رَأى التابُوتَ، فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَآهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ التابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ فِيها الماءُ، فَأخَذْنَ التابُوتَ وحَمَلْنَهُ إلَيْها، فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتَهُ مِنهُ، ثُمْ إنَّها عَرَضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ يُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ، فَكُلَّما عُرِضَتْ عَلَيْهِ امْرَأةٌ أباها، وكانَتْ أُمُّهُ حِينَ ذَهَبَ عنها في النَيْلِ بَقِيَتْ مَغْمُومَةً فُؤادُها فارِغٌ إلّا مِن هَمِّهِ، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: اطْلُبِي أثَرَهُ في المَدِينَةِ عَسى يَقَعُ إلَيْنا مِنهُ خَبَرٌ، فَبَيْنَما الأُخْتُ تَطُوفُ إذْ بَصُرَتْ بِهِ وفَهِمَتْ أمْرَهُ، فَقالَتْ لَهُمْ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَتَعَلَّقُوا بِها وقالُوا لَها: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَبِيَّ، فَقالَتْ: لا، غَيْرَ أنِّي أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها وإرْضائِها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَلالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمْ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها، فَسُرَّتْ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فَقالَتْ لَها: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي، ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ، واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرِضاعِ، والسَبَبِ مِنَ المَلِكَةِ، وأقامَ مُوسى حَتّى كَمَّلَ رَضاعَهُ، فَأرْسَلَتْ إلَيْها آسِيَةُ أنْ جِيئِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومِن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُحَفِ والهَدايا واللِباسِ، فَوَصْلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرٍ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ويُحِبَّهُ، فَرَآهُ وأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وجَبَذَها، فاسْتَشاطَ فِرْعَوْنُ وقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي، وأمَرَ بِقَتْلِهِ، فَناشَدَتْهُ فِيهِ امْرَأتُهُ وقالَتْ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: بَلْ يَعْقِلُ، فاتَّفَقا عَلى تَجْرِبَةٍ بِالجَمْرَةِ والياقُوتِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَلِّ العُقْدَةِ، فَنَجّاهُ اللهُ مِن فِرْعَوْنَ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَشَبَّ عِنْدَها إلى أنْ تَرَعْرَعَ، وكانَ فَتًى جَلْدًا فاضِلًا، فاعْتَزَّتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ بِظاهِرِ ذَلِكَ الرِضاعِ، وكانَ يَحْمِيهِمْ ويَكُونُ ضِلْعُهُ مَعَهم وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم ومِن صِمِيمِهِمْ، فَكانَتْ بَصِيرَتُهُ في حِمايَتِهِمْ، وكانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ أعْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ.
ثُمْ إنَّ قِصَّةَ القِبْطِيِّ المُتَقاتِلِ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ نَزَلَتْ، وذِكْرُها في مَوْضِعِها مُسْتَوْعَبٌ، فَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مِصْرَ حَتّى وصَلَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَ مَن أمْرِهِ مَعَ شُعَيْبٍ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ ما هو في مَوْضِعِهِ مُسْتَوْعِبٌ في مَوْضِعِهِ، مِن أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ الصُغْرى عَلى رَعِيَّةِ الغَنَمِ عَشْرِ سِينَ، ثُمْ إنَّهُ اعْتَزَمَ الرَحِيلَ بِزَوْجَتِهِ إلى بِلادِ مِصْرَ، فَجاءَ في طَرِيقِهِ فَضَلَّ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَرَأى النارَ حَسْبَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَدَّدَ اللهُ تُبارِكُ تَعالى عَلى مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ مِن لُطْفِ اللهِ بِهِ في كُلِّ فَضْلٍ، وتَخْلِيصِهِ لَهُ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى، وهَذِهِ الفِتُونِ الَّتِي فَتَنَهُ بِها، أيِ اخْتَبَرَهُ وخَلَّصَهُ حَتّى صَلَحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلَّمَ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُوحى ﴾ إيهامٌ يَتَضَمَّنُ عِظْمَ الأمْرِ وجَلالَتَهُ في النِعَمِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى ﴾ ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، و ﴿ أنِ اقْذِفِيهِ ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"، والضَمِيرُ الأوَّلُ في "اقْذِفِيهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، وفي الثانِي عَلى التابُوتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ ﴾ خَبَرٌ خَرَجَ في صِغِيةِ الأمْرِ مُبالَغَةً، إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأُوجِبُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم»، فَأخْبَرَ الخَبَرُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، وهَذا كَثِيرٌ، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مُخْرِجَ الأمْرِ حَسَنَ جَوابُهِ كَذَلِكَ.
و"العَدُوُّ" الَّذِي كانَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّ أُمْ مُوسى أُخْبَرَتْ بِهِ عَلى الإيهامِ، وَلِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، وهي لا تَدْرِي أيْنَ.
ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنهُ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: أرادَ مَحَبَّةَ آسِيَةَ، لَأنَّها كانَتْ مِنَ اللهِ وكانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ القَبُولَ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ في الأرْضِ لِخِيارِ عِبادِهِ، وكانَ حَظُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُ غايَةَ الوَفْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ إجْلالًا يُحِبُّهُ بِهِ كُلٌّ مَن رَآهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ مَلاحَةَ العَيْنَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ، وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" بِكَسْرِ اللامِ وضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: ولِتُغَذّى وتُطْعَمَ وتُرَبّى، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "وَلِتَصْنَعَ" بِفَتْحِ التاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ: لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلِيَصْنَعَ" بِالياءِ وكَسْرِ اللامِ عَلى الأمْرِ لِلْغائِبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى عَيْنِي ﴾ مَعْناهُ: بِمَرْأًى مِنِّي وأمْرٍ مُدْرَكٍ مُبْصَرٍ مُراعًى.
<div class="verse-tafsir"
لما أظهر الله لهُ الآيتين فعلم بذلك أنه مؤيّد من الله تعالى، أمره الله بالأمر العظيم الذي من شأنه أن يُدخل الرّوع في نفس المأمور به وهو مواجهة أعظم ملوك الأرض يومئذ بالموعظة ومكاشفته بفساد حاله، وقد جاء في الآيات الآتية: ﴿ قالا ربّنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ﴾ [طه: 45، 46].
والذهاب المأمور به ذهاب خاص، قد فهمه موسى من مقدمات الإخبار باختياره، وإظهار المعجزات له، أو صرح له به وطوي ذكره هنا على طريقة الإيجاز، على أنّ التّعليل الواقع بعده ينبئ به.
فجملة ﴿ إنه طَغَى ﴾ تعليل للأمر بالذهاب إليه، وإنما صلحت للتعليل لأن المراد ذهاب خاص، وهو إبلاغ ما أمر الله بإبلاغه إليه من تغييره عما هو عليه من عبادة غير الله.
ولما علم موسى ذلك لم يبادر بالمراجعة في الخوف من ظلم فرعون، بل تلقى الأمر وسأل الله الإعانة عليه، بما يؤول إلى رباطة جأشه وخلق الأسباب التي تعينه على تبليغه، وإعطائه فصاحة القول للإسراع بالإقناع بالحجة.
وحكي جواب موسى عن كلام الرب بفعل القول غير معطوف جرياً على طريقة المحاورات.
ورتّب موسى الأشياء المسؤولة في كلامه على حسب ترتيبها في الواقع على الأصل في ترتيب الكلام ما لم يكن مقتض للعدل عنه.
فالشرح، حقيقته: تقطيع ظاهر شيء ليّن.
واستعير هنا لإزالة ما في نفس الإنسان من خواطر تكدره أو توجب تردده في الإقدام على عمل ما تشبيهاً بتشريح اللحم بجامع التوسعة.
والقلب: يراد به في كلامهم والعقل.
فالمعنى: أزل عن فكري الخوف ونحوه، مما يعترض الإنسان من عقبات تحول بينه وبين الانتفاع بإقدامه وعزامته، وذلك من العُسر، فسأل تيسير أمره، أي إزالة الموانع الحافّة بما كلف به.
والأمر هنا: الشأن، وإضافة (أمر) إلى ضمير المتكلم لإفادة مزيد اختصاصه به وهو أمر الرسالة كما في قوله الآتي ﴿ وأشْرِكه في أمْرِي ﴾ .
والتيسير: جعل الشيء يسيراً، أي ذا يسْر.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ في سورة البقرة (185).
ثم سأل سلامة آلة التبليغ وهو اللسان بأن يرزقه فصاحة التعبير والمقدرة على أداء مراده بأوضح عبارة، فشبه حُبسة اللسان بالعُقدة في الحبل أوالخيط ونحوهما لأنها تمنع سرعة استعماله.
والعُقدة: موضع ربط بعض الخيط أو الحبل ببعض آخر منه، وهي بزنة فُعلة بمعنى مفعول كقُضة وغُرفة؛ أطلقت على عسر النطق بالكلام أو ببعض الحروف على وجه الاستعارة لعدم تصرف اللسان عند النطق بالكلمة وهي استعارة مصرّحة، ويقال لها حُبْسة.
يقال: عَقِد اللسان كفرح، فهو أعقد إذا كان لا يبين الكلام.
واستعار لإزالتها فعل الحل المناسب العقدة على طريقة الاستعارة المكنية.
وزيادة لِي } بعد ﴿ اشْرَحْ ﴾ وبعد ﴿ يسر ﴾ إطناب كما أشار إليه صاحب «المفتاح» لأنّ الكلام مفيد بدونه.
ولكن سلك الإطناب لما تفيده اللام من معنى العلّة، أي اشرح صدري لأجلي ويسر أمري لأجلي، وهي اللام الملقبة لامَ التبيين التي تفيد تقوية البيان، فإن قوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1] وهو هنا ضرب من الإلحاح في الدعاء لنفسه.
وأمّا تقديم هذا المجرور على متعلقه فليحصل الإجمال ثم التفصيل فيفيد مفاد التأكيد من أجل تكرر الإسناد.
ولم يأت بذلك مع قوله ﴿ واحْللْ عُقدةً مِن لِساني ﴾ لأنّ ذلك سؤال يرجع إلى تبليغ رسالة الله إلى فرعون فليست فائدتها راجعة إليه حتى يأتي لها بلام التبيين.
وتنكير ﴿ عقدة ﴾ للتعظيم، أي عقدة شديدة.
و ﴿ مِن لِساني ﴾ صفة لعُقْدة.
وعدل عن أن يقول: عقدة لساني، بالإضافة ليتأتى التنكير المشعر بأنها عقدة شديدة.
وفعل ﴿ يَفْقَهُوا ﴾ مجزوم في جواب الأمر على الطريقة المتّبعة في القرآن من جعل الشيء المطلوب بمنزلة الحاصل عقب الشرط كقوله تعالى: ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴾ [النور: 30] أي إن نقل لهم غضّوا يغضوا، أي شأنهم الامتثال.
والفقه: الفهم.
والوزير: فعيل بمعنى فاعل، من وَزار على غير قياس، مثل حكيم من أحكم، وهو مشتق من الأزْر، وهو المعونة، والمؤازرة كذلك، والكل مشتق من الأزر، أي الظهر، كما سيأتي قريباً، فحقه أن يكون أزيراً بالهمزة إلا أنّهم قلبوا همزته واواً حملاً على موازر الذي هو بمعناه الذي قلبت همزته واواً لانضمام ما قبلها.
فلما كثر في الكلام قولهم: موازر ويوازر بالواو نطقوا بنظيره في المعنى بالواو بدون موجب للقلب إلاّ الحمل على النظير في النطق، أي اعتياد النطق بهمزته واواً، أي اجعَل معيناً من أهلي.
وخصّ هارون لفرط ثقته به ولأنه كان فصيح اللسان مقوالاً، فكونه من أهله مظنة النصح له، وكونه أخاه أقوى في المناصحة، وكونه الأخ الخاصّ لأنه معلوم عنده بأصالة الرأي.
وجملة ﴿ اشْدُدْ به أَزْرِي ﴾ على قراءة الجمهور بصيغة الأمر في فعلي ﴿ اشدد، وأشرك بيان لجملة اجْعَل لي وَزِيراً ﴾ .
سأل الله أن يجعله معيناً له في أعماله، وسأله أن يأذن له بأن يكون شريكاً لموسى في أمره، أي أمر رسالته.
وقرأ ابن عامر بصيغة المتكلم بفتح الهمزة المقطوعة في «اشدُد» وبضم همزة «أشركه»، فالفعلان إذن مجزومان في جواب الدعاء كما جزم {يفقهوا قولي.
و هارون } مفعول أول لفعل ﴿ اجْعَل ﴾ ، قُدم عليه المفعول الثاني للاهتمام.
والشد: الإمساك بقوّة.
والأزر: أصله الظهر.
ولما كان الظهر مجمع حركة الجسم وقوام استقامته أطلق اسمه على القُوّة إطلاقاً شائعاً يساوي الحقيقة فقيل الأزر للقوّة.
وقيل: آزره إذا أعانه وقوّاه.
وسمي الإزار إزاراً لأنّه يشدّ به الظهر، وهو في الآية مراد به الظهر ليناسب الشدّ، فيكون الكلام تمثيلاً لهيئة المعين والمعان بهيئة مشدود الظهر بحزام ونحوه وشادّه.
وعلّل موسى عليه السلام سؤاله تحصيل ما سأله لنفسه ولأخيه، بأن يسبّحا الله كثيراً ويذكُرَا الله كثيراً.
ووجه ذلك أنّ فيما سأله لنفسه تسهيلاً لأداء الدعوة بتوفر آلاتها ووجود العون عليها، وذلك مظنة تكثيرها.
وأيضاً فيما سأله لأخيه تشريكه في الدعوة ولم يكن لأخيه من قبل، وذلك يجعل من أخيه مضاعفة لدعوته، وذلك يبعث أخاه أيضاً على الدعوة.
ودعوةُ كلّ منهما تشتمل على التعريف بصفات الله وتنزيهه فهي مشتملة على التسبيح، وفي الدعوة حثّ على العمل بوصايا الله تعالى عباده، وإدخال الأمة في حضرة الإيمان والتّقوى، وفي ذلك إكثار من ذكر الله بإبلاغ أمره ونهيه.
ألا ترى إلى قوله تعالى بعد هذه الآيات ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تَنِيَا في ذِكري ﴾ [طه: 42]، أي لا تضعفا في تبليغ الرسالة، فلا جرم كان في تحصيل ما دعا به إكثار من تسبيحهما وذكرهما الله.
وأيضاً في التعاون على أداء الرسالة تقليل من الاشتغال بضرورات الحياة، إذ يمكن أن يقتسما العملَ الضروري لحياتهما فيقلّ زَمن اشتغالهما بالضروريات وتتوفّر الأوقات لأداء الرسالة.
وتلك فائدة عظيمة لكليهما في التبليغ.
والذي ألجأ موسى إلى سؤال ذلك علمُه بشدّة فرعون وطغيانه ومنعه الأمة من مفارقة ضلالهم، فعلم أنّ في دعوته فتنة للداعي فسأل الإعانة على الخلاص من تلك الفتنة ليتوفّرا للتسبيح والذكر كثيراً.
وجملة ﴿ إنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً ﴾ تعليل لسؤاله شرح صدره وما بعده، أي لأنك تعلم حالي وحال أخي، وأنّي ما دعوتك بما دعوت إلا لأننا محتاجان لذلك، وفيه تفويض إلى الله تعالى بأنه أعلم بما فيه صلاحهم، وأنه ما سأل سؤاله إلاّ بحسب ما بلغ إليه علمه.
وقوله ﴿ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ وعد له بالإجابة، وتصديق له فيما توسمه من المصالح فيما سأله لنفسه ولأخيه.
والسُؤْلُ بمعنى المسؤول.
وهو وزن فُعْل بمعنى مفعول كالخُبز بمعنى المخبوز، والأكْل بمعنى المأكول.
وهذا يدل على أن العقدة زالت عن لسانه، ولذلك لم يحك فيما بعد أنّه أقام هارون بمجادلة فرعون.
ووقع في التّوراة في الإصحاح السابع من سفر الخروج: «فقال الرب لموسى أنت تتكلّم بكلّ ما أمرك به وهارون أخوك يكلّم فرعون».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى عَضُدِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: إلى جَيْبِكَ.
الثّالِثُ: إلى جَنْبِكَ فَعَبَّرَ عَنِ الجَنْبِ بِالجَناحِ لِأنَّهُ مائِلٌ في مَحَلِّ الجَناحِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِحِفْظِ مُناجاتِهِ.
الثّانِي: لِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ.
﴿ وَيَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما لا يُطِيقُ.
الثّانِي: في مَعُونَتِي بِالقِيامِ عَلى ما حَمَّلْتَنِي.
﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها عُقْدَةٌ كانَتْ بِلِسانِهِ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي ألْقاها بِفِيهِ في صِغَرِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.
الثّانِي: عُقْدَةٌ كانَتْ بِلِسانِهِ عِنْدَ مُناجاتِهِ لِرَبِّهِ، حَتّى لا يُكَلِّمَ غَيْرَهُ إلّا بِإذْنِهِ.
الثّالِثُ: اسْتِحْيائِهِ مِنَ اللَّهِ مِن كَلامِ غَيْرِهِ بَعْدَ مُناجاتِهِ.
﴿ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِبَيانِ كَلامِهِ.
الثّانِي: بِتَصْدِيقِهِ عَلى قَوْلِهِ.
﴿ واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي ﴾ وإنَّما سَألَ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا إلّا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَسْتَوْزِرَهُ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ.
﴿ هارُونَ أخِي ﴾ ﴿ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأزْرَ: الظَّهْرُ في مَوْضِعِ الحَقْوَيْنِ ومَعْناهُ فَقَوِّ بِهِ نَفْسِي.
قالَ أبُو طالِبٍ: ألَيْسَ أبُونا هاشِمٌ شَدَّ أزْرَهُ وأوْصى بَنِيهِ بِالطِّعانِ وبِالضَّرْبِ الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَوْنًا يَسْتَقِيمُ بِهِ أمْرِي.
قالَ الشّاعِرُ: شَدَدْتُ بِهِ أزْرِي وأيْقَنْتُ أنَّهُ ∗∗∗ أخُ الفَقْرِ مَن ضاقَتْ عَلَيْهِ مَذاهِبُهْ فَيَكُونُ السُّؤال عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِأجْلِ نَفْسِهِ وعَلى الثّانِي لِأجْلِ النُّبُوَّةِ.
وَكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وكانَ في جَبْهَةِ هارُونَ شامَةٌ، وكانَ عَلى أنْفِ مُوسى شامَةٌ، وعَلى طَرَفِ لِسانِهِ [ شامَهْ] .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها ﴾ يقول: لا أظهر عليها أحداً غيري.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها ﴾ قال: أكاد أخفيها من نفسي.
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أكاد أخفيها ﴾ قال: من نفسي.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قرأ ﴿ أكاد أخفيها من نفسي ﴾ .
يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال: ليس من أهل السموات والأرض أحد إلا وقد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود ﴿ أكاد أخفيها عن نفسي ﴾ .
يقول: أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: في بعض القراءة ﴿ أكاد أخفيها عن نفسي ﴾ .
قال: لعمري، لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي صالح في قوله: ﴿ أكاد أخفيها ﴾ قال: يخفيها من نفسه.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ورقاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير ﴿ أكاد أخفيها ﴾ يعني بنصب الألف وخفض الفاء.
يقول: أظهرها.
ثم قال أما سمعت قول الشاعر: دأت شهرين ثم شهراً دميكاً ** ما دميكين يخفيان عميرا وأخرج ابن الأنباري، عن الفراء قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ﴿ أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى ﴾ قال: لتعطى ثواب ما تعمل.
أخرج ابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه وابن شبرمة قال: إنما سمي هوى، لأنه يهوي بصاحبه إلى النار.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: عصا موسى- قال-: أعطاه إياها ملك من الملائكة، إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ويضرب بها الأرض فيخرج له النبات، ويهش بها على غنمه ورق الشجر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ هي عصاي أتوكأ عليها ﴾ قال: إذا مشى مع غنمه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ميمون في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: الهش أن يخبط الرجل بعصاه الشجر، فيتساقط الورق.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ميمون قال: الهش، العصا بين الشعبتين، ثم يحركها حتى يسقط الورق، والخبط، أن يخبط حتى يسقط الورق.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس قال: الهش، أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش ولا يخبط.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: أخبط بها الشجر.
﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: حاجات أخرى.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: حوائج.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ مآرب أخرى ﴾ قال: حاجات ومنافع.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ مآرب أخرى ﴾ يقول: حوائج أخرى، أحمل عليها المزود والسقاء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: كانت تضيء له بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: ﴿ فألقاها فإذا هي حية تسعى ﴾ ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها ف ﴿ ولى مدبراً ﴾ [ النمل: 10] فنودي أن يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية أن ﴿ خذها ولا تخف ﴾ فقيل له في الثالث: ﴿ إنك من الآمنين ﴾ [ القصص: 31] فأخذها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال: حالتها الأولى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال: هيئتها الأولى: ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ قال: أدخل كفك تحت عضدك ﴿ تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ قال: من غير برص.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من غير سوء ﴾ قال: من غير برص.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: أخرجها كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه، ولهذا قال تعالى: ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ﴾ .
وذكر ابن الأنباري في قوله: ﴿ مَا يُوحَى ﴾ وجهين أحدهما: (أن معناه وأوحينا إلى أمك الذي يجوز أن يوحى إليها، والضرب الذي يمكن أن تكون مختصة به؛ لأنه ليس كل الأمور يصلح وحيها إليها، فكأنها اختصت بما يجوز أن يختص به أمثالها ممن ليس بنبي ولا رسول.
والثاني: أن ﴿ مَا يُوحَى ﴾ أفاد في الآية توكيد أوحينا، كأنه قيل: أوحينا إلى أمك إيحاء) (١) ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ﴾ اجعليه فيه بأن ترميه فيه، واستعمل لفظ القذف هاهنا للعجلة، كي تعجل قبل أن يطلع عليها الذابحون.
ومعنى القذف في اللغة: الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب: القذف؛ لأنه رمي بالقبيح من القول [[انظر: "تهذيب اللغة" (قذف) 3/ 2907، "مقاييس اللغة" (قذف)، "القاموس المحيط" (قذف) (843)، "الصحاح" (قذف) ص 4/ 1414، "لسان العرب" (قذف) 6/ 3560.
ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه في سورة [النور: 23]: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .]].
وقوله تعالى: ﴿ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ قال ابن عباس: (يريد النيل) (٢) قال الليث: ( ﴿ الْيَمِّ ﴾ : البحر الذي لا يدرك قعره ولا شطاه) (٣) قال الأزهري: ( ﴿ الْيَمِّ ﴾ : البحر، وهو معرب وأصله بالسريانية، فعربته العرب وأصله: يم، ويقع اسم اليم على ما كان ماؤه ملحًا زعاقًا، وعلى النهر الكبير العذب الماء كالذي في هذه الآية، وهو نهر النيل بمصر وماؤه عذب.
قال الله تعالى: ﴿ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ﴾ فجعل له ساحلاً، وهذا كله دليل على بطلان قول الليث في اليم) (٤) قال صاحب النظم: (اشترك في قوله: ﴿ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ ﴾ الأمر والجزاء؛ لأنه جواب لقوله: ﴿ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ وهو أمر بالإلقاء، فصار كقوله: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ ، فقوله: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ﴾ أمر وله جواب، وجوابه في قوله: (نحمل)، ودخول الواو واللام دلالة على استئناف أمر لنفسه، كما قال الشاعر (٥) بمعنى: ولأَدْعُ أنا، فهو جواب وأمر لنفسه بذلك، وذكرنا هذا في قوله: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ ﴾ (٦) وهذا الذي ذكره صاحب النظم شرح ما ذكره الفراء وبيانه (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ﴾ يعني فرعون، ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (لا يراك أحد إلا أحبك، لا مؤمن ولا كافر) (١١) وقال سلمة بن كهيل (١٢) (١٣) وقال عكرمة: (حسن وملاحة) (١٤) (١٥) ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: (أحبه وحببه إلى خلقه) (١٦) وقال العوفي: (جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه) (١٧) وقال قتادة: (ملاحة كانت في عيني موسى ما رآه أحد إلا عشقه) (١٨) وقال في رواية سعيد بن جبير: (ألقى عليه منها محبة لم يلق منها على أحد من البشر) (١٩) فأما ظاهر اللفظ فإنه يقتضي أن الله تعالى أحبه، وحب الله تعالى إياه أعظم نعمة وأجمل إحسان (٢٠) وقال أبو عبيدة في هذه الآية: (يقول: جعلت لك محبة عندي وعند غيري) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ ﴾ قال المفسرون: (ولتربي تغذي) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى عَيْنِي ﴾ ذكر المفسرون في تفسيره: (مرآى مني) (٢٥) قال: والعرب تقول: اتخذه لي على عيني، أي على محبتي) (٢٦) وقال ابن الأنباري: (العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار، من قول العرب: غذى فلان على عيني أي على المحبة مني والإشفاق) (٢٧) وأنشد لخفاف بن ندبة (٢٨) إِن تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها ...
فَعَمْدًا عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا وذكر صاحب النظم في اللام التي في قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ أوجهًا أحدها: (أنها متصلة بما قبلها، وهو قوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴾ ؛ لأن ذلك الإيحاء كان من أسباب تربية موسى على ما أراد الله، وعلى هذا يجب أن تكون الواو مقحمة زائدة في ﴿ وَلِتُصْنَعَ ﴾ .
الثاني: أن اللام متصلة بما بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ كأن المعنى: ولتصنع على عيني قدرنا مشي أختك، وقولها: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ﴾ قال: وقيل أيضًا: ولتصنع على عيني فعلمنا ذلك، كما قلنا في مثل هذا في مواضع) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 537، "البحر المحيط" 6/ 242، "التفسير الكبير" 22/ 54، وقال: ويجوز أن تكون الواو مقحمة أي: ألقيت عليك محبة مني لتصنع، وهذا بعيد.
وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 190: وزعم أنه متعلق بألقت على أن الواو مقحمة ليس بشيء.]].
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 283، والطبرسي في "مجمع البيان" 5/ 17.
(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 161، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 195.
(٣) "تهذيب اللغة" (يم) 4/ 3984.
(٤) نفسه.
(٥) اختلف في نسبة هذا البيت.= فنسب للأعشى في "الكتاب" 1/ 426، "الرد على النحاة" ص 128، "العيني" 4/ 392، "الدرر" 2/ 9، وليس في ديوانه.
ونسب للفرزدق في "آمالي القالي" 2/ 92، وليس في ديوانه.
ونسب لدثار بن شيبان النمري ذكر ذلك: "الأغاني" 2/ 159، "سمط اللآلي" ص 726، "لسان العرب" (ندى) 7/ 4388.
وذكر بغير نسبة في: "الإنصاف" 9/ 4، "سر صناعة الإعراب" 1/ 392، "مجالس ثعلب" ص 456، "معنى اللبيب" 1/ 397.
(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 26، "الكشاف" 2/ 536، "البحر المحيط" 6/ 241، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 326.
(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 179.
(٨) "تهذيب اللغة" (سحل) 2/ 1645.
(٩) الْمَشْرَعةُ: التي يَشْرَعها الناس فيشربون منها ويستقون، وربما شرعوها دوابهم حتى تشرعها وتشرب منها، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينًا لا يستقى منه بالرشاء.
انظر: "تهذيب اللغة" (شرع) 2/ 1858، "القاموس المحيط" (الشريعة) ص 732، "الصحاح" (شرع) 3/ 1236، "لسان العرب" (شرع) 4/ 2238.
(١٠) "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 26، "زاد المسير" 5/ 284، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 195.
(١١) "زاد المسير" 5/ 284.
(١٢) سلمة بن كهيل الحضرمي، التنعي، الكوفي أبو يحيى من كبار التابعين، روى له الستة، وروى عن سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما، وروى عنه الثوري وغيره، وهو ثقة، ثبت في الحديث، وكان فيه تشيع قليل، توفي -رحمه الله- سنة 121 هـ، وقيل غير ذلك.
انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 221، "الجرح والتعديل" 2/ 170، "الكامل" 5/ 96، "تهذيب التهذيب" 4/ 115، "شذرات الذهب" 1/ 159.
(١٣) "جامع البيان" 16/ 161، "النكت والعيون" 3/ 402، "معالم التزيل" 5/ 272، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 164، "الدر المنثور" 4/ 529.
(١٤) "جامع البيان" 16/ 161، "النكت والعيون" 3/ 402، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196، "الدر المنثور" 4/ 529.
(١٥) آسية بنت مزاحم، زوجة الطاغية فرعون، وهي من أفضل النساء لإيمانها وصبرها ، وقد ورد بذلك الخبر عن النبي - - كما رواه الإمام أحمد 1/ 316، وأخرجه الحاكم في "مستدركه" 2/ 594 أنه قال: "أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مز احم امرأة فرعون".
(١٦) "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196.
(١٧) "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196.
(١٨) "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 284، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196، "الدر المنثور" 4/ 529.
(١٩) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 161، "المحرر الوجيز" 10/ 29، "التسهيل لعلوم التنزيل" ص 403، "مجمع البيان" 7/ 18، "روح المعاني" 16/ 189.
(٢٠) قال الإمام الطبري في "تفسيره" 16/ 161: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله ألقى محبته على موسى كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ فحببه إلى آسية امرأة فرعون حتى تبنته وغذته وربته.
وقال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" ص 20: (ومحبة الله صفة من صفاته الفعلية ودليلها قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .
ويشهد لهذا ما رواه البخاري في التوحيد، باب: كلام الرب مع جبريل قال - -: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء أن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض".
(٢١) "جامع البيان" 16/ 162، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 38، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 179.
(٢٢) انظر: "تهذيب اللغة" (صنع) 2/ 2065، "القاموس المحيط" (صنع) ص 738، "الصحاح" (صنع) 3/ 1245، "لسان العرب" (صنع) 4/ 2508.
(٢٣) "جامع البيان" 16/ 163، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273 ، "المحرر الوجيز" 10/ 30.
(٢٤) "النكت والعيون" 3/ 402، وذكرته كتب التفسير بدون لفظ الإرادة.
انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 16، "جامع البيان" 16/ 162، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 179، "الدر المنثور" 4/ 529.
(٢٥) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 19.
(٢٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 284، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 190.
وقال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" ص 22: (إن عيني الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به ينظر بهما ويبصر ويرى ودليل ذلك قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ ولا يجوز تفسيرها بالعلم ولا بالرؤية مع نفي العين لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف على ثبوت العين لله).
وأولى ما حملت عليه هذه الآية أن يقال فيها: أي: على نظر مني ومرئ فأنت بحفظي ورعايتي.
انظر: "الفتاوى" لابن تيمية 3/ 133، "تيسير الكريم الرحمن" 5/ 156، "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى" ص 90.
(٢٧) البيت لخفاف بن ندبة، قاله بعد قتله لمالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة.
انظر: " الشعر والشعراء" ص 212، "الخزانة" 5/ 443، "الأغاني" 13/ 135، "لسان العرب" (عين) 6/ 3199.
(٢٨) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 537، "البحر المحيط" 6/ 242، "التفسير الكبير" 22/ 54، وقال: ويجوز أن تكون الواو مقحمة أي: ألقيت عليك محبة مني لتصنع، وهذا بعيد.
وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 190: وزعم أنه متعلق بألقت على أن الواو مقحمة ليس بشيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم ﴾ الضمير الأول لموسى، والثاني للتابوت أو لموسى ﴿ اليم ﴾ البحر، والمراد به هنا النيل، وكان فرعون قد ذُكر له أن هلاكه وخراب ملكه على يد غلام من بني إسرائيل، فأمر بذبح كل ولد ذكر يولد لهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في التابوت وتلقي التابوت في البحر ففعلت ذلك، وكان فرعون في موضع يشرف على النيل، فرأى التابوت فأمر به فسيق، إليه وامرأته معه ففتحه فأشفقت عليه امرأته، وطلب أن تتخذه ولداً فأباح لها ذلك ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ هو فرعون ﴿ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ أي أحببتك، وقيل: أراد محبة الناس فيه إذ كان لا يراه أحد إلا أحبه، وقيل: أراد محبة امرأة فرعون ورحمتها له، وقوله: ﴿ مِّنِّي ﴾ : يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ وَأَلْقَيْتُ ﴾ ، أو يكون صفة لمحبة فيتعلق بمحذوف ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عيني ﴾ أي تربي ويحسن إليك بمرأى مني وحفظ، والعامل في ﴿ وَلِتُصْنَعَ ﴾ محذوف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: بإمالة الطاء والهاء.
حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وعباس وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.
وفي الكشاف أن أبا عمرو فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء.
والآخرون بتفخيمها ﴿ لأهله امكثوا ﴾ بضم الهاء وكذلك في "القصص": حمزة ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر غير ابن مجاهد ﴿ على النار هدى ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وحمزة في رواية ابن معدان وأبي عمر والنجاري عن ورش وأبي عمرو وغير ابراهيم وابن حماد ﴿ أني أنا ربك ﴾ بفتح الهمزة وياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.
بكسر الهمزة وفتح الياء: نافع الباقون: بكسر الهمزة وسكون الياء ﴿ طوى ﴾ منوناً حيث كان: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر ﴿ وإنا اخترناك ﴾ على الجمع: حمزة والمفضل ﴿ لذكري ﴾ ﴿ إني ﴾ ﴿ لي ﴾ ﴿ أمري ﴾ ﴿ عيني ﴾ ﴿ برأسي ﴾ (إني) بفتح الياآت: حمزة والمفضل ونافع وأبو عمرو.
(لي فيها) بالفتح: حفص والمفضل والأعشى والبرجمي والأصبهاني عن ورش مخير ﴿ أخي اشدد ﴾ بفتح الياء موصولة: ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح وأبو عمرو ﴿ واشدد ﴾ بفتح الهمزة ﴿ وأشركه ﴾ بضمها على التكلم: ابن عامر والباقون بضم الأول وفتح الثاني على الأمر ﴿ سؤلك ﴾ بالواو: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الآخرون بالهمزة.
الوقوف: ﴿ طه ﴾ ه كوفي ومن قال معناه يا رجل أو يا طالب أو يا هادي لم يقف ﴿ لتشقى ﴾ ه للاستثناء ﴿ يخشى ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ تنزيلاً ﴾ بدل ﴿ تذكره ﴾ ﴿ لعلي ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ ﴿ استوى ﴾ ه ﴿ الثرى ﴾ ه ﴿ وأخفى ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ه ﴿ حديث موسى ﴾ ه لئلا يوهم أن "إذ" ظرف للإتيان ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ نعليك ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ طوى ﴾ ه ط إلا لمن قرأ ﴿ إنا اخترناك ﴾ ﴿ بوحي ﴾ ه ﴿ فاعبدني ﴾ ه لا للعطف ﴿ لذكرى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ فتردى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ عصاي ﴾ ج لا مكان أن يجعل ﴿ أتوكأ ﴾ مستأنفاً أو حالاً والعامل أضمر أو أشير بناء على أن "هي" بمعنى "هذه".
﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ ولا تخف ﴾ ق لحق السين ﴿ الأولي ﴾ ه ﴿ آية أخرى ﴾ ه لا لتعلق اللام.
﴿ الكبرى ﴾ ه ج للآية والاستئناف بالأمر على أن المقول متصل ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ صدري ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ه لا ﴿ لساني ﴾ ه لا ﴿ قولي ﴾ ص لطول الكلام ﴿ أهلي ﴾ ه لا ﴿ أخي ﴾ ه لا وقف لمن قرأ ﴿ أشدد ﴾ بفتح الهمزة جواباً للدعاء ومن فتح الياء فله الوصل ومن قرأ ﴿ اشدد ﴾ بضم الهمزة فله الجواز لاتساق الدعاء على الدعاء بلا عاطف ﴿ أزري ﴾ ه لا ﴿ أمري ﴾ ه لا لتعلق "كي" ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ه.
التفسير: في ﴿ طه ﴾ قولان للمفسرين: أحدهما أنه من حروف التهجي وقد سلف البحث في أمثالها، والذي زادوه ههنا أمور منها: قول الثعلبي: الطاء شجرة طوبى، والهاء الهاوية وكأنه أقسم بالجنة والنار.
ومنها ما روي عن جعفر الصادق أن الطاء طهارة أهل الدين والهاء هدايتهم.
وقيل: أراد يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب.
ومنها قول سعيد بن جبير هو افتتاح باسمه الطيب الطاهر الهادي.
قيل: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة ومعناه: يا أيها البدر.
القول الثاني أنها كلمة مفيدة ومعناها يا رجل.
مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن بير وقتادة وعكرمة والكلبي.
ثم قال سعيد بن جبير بلسان القبطية: وقال قتادة بلسان اليونانية والسريانية.
وقال عكرمة بلسان الحبشة.
وقال الكلبي بلسان عك وهو عك ابن عدنان أخو معد وهو اليوم في اليمن.
وعن الحسن أن طه أمر وأصله طأ أمراً بالوطء فقلبت الهمزة هاء وذلك لما روي أن النبي كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معاً، ويؤكده ما روي أنه بالليل حتى اسمعدّت قدماه - أي تورمتا - فقال له جبرائيل: أرفق على نفسك فإن لها عليك حقاً ونزلت ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ أي تتعب بالعبادة ولكنك بعثت بالحنيفية السهلة.
وعند الأكثرين معنى ﴿ لتشقى ﴾ لتتعب بفرط تأسفك عليهم وتحسرك على أن يؤمنوا.
والشقاء يجيء بمعنى التعب ومنه المثل "أشقى من رائض مهر وأتعب".
وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له: إن كل شقي لأنك تركت دين آبائك فرد الله عليهم بأن القرآن هو السبب في نيل كل سعادة.
قال جار الله: إن جعلت ﴿ طه ﴾ تعديد الأسماء الحروف فقوله ﴿ ما أنزلنا ﴾ ابتداء الكلام، وإن جعلته اسماً للسورة فمبتدأ وما بعده خبر وقد أقيم الظاهر - وهو القرآن - مقام الضمير الرابط، وإن جعلته قسماً فما يتلوه جواب وكل واحد من ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ تذكرة ﴾ علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل والثاني جاز قطع اللام عنه لوجود الشرط.
ولا يجوز أن يكون ﴿ تذكرة ﴾ بدلاً من محل ﴿ لتشقى ﴾ لاختلاف الجنسين، فإن التذكرة لا يمكن أن تحمل على الشقاء ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي فيه "إلا" بمعنى "لكن".
وفي قوله ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ إلا تذكرة ﴾ وجه آخر وهو أنه ما أنزلنا عليك القرآن لتتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة أي ما أنزلنا عليك هذا التعب الشاق إلا لهذا الغرض كما يقال: ما شافهناك بذلك الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك.
فانتصب ﴿ تذكرةً ﴾ على أنه حال أو مفعول له، وإذا كانت حالاً جاز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها، وإذا كانت مفعولاً لأجله لم يجز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها لأن الشيء لا يعلل بنفسه، فالإنزال لا يعلل بالتنزيل في الظاهر.
ويجوز أن ينتصب ﴿ تنزيلاً ﴾ بمضمر أي نزل تنزيلاً أو بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أبو بـ ﴿ يخشى ﴾ مفعولاً به أي أنزله الله تذكرةً لمن يخشى تنزيل الله عز وجلّ أي لمن يؤل أمره إلى الخشية لأنه هو المنتفع به.
ومعنى كون القرآن تذكرةً أنه كان يعظهم به وببيانه.
﴿ ممن خلق ﴾ متعلق ﴿ بتنزيلاً ﴾ فيكون الظرف لغواً أو بكائناً صفة له فيكون مستقراً.
وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلاً منا أمور منها: الافتنان في الكلام على عادتهم.
ومنها تنسيق الصفات مع لفظ الغيبة.
ومنها التفخيم بالإسناد أولاً إلى ضمير المتكلم المطاع في ﴿ أنزلناه ﴾ ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد.
وقيل: أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا التفات.
و ﴿ العلى ﴾ جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السموات بها دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها.
ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة.
ومنه قول الحكماء: عقول الرجال تحت لسان أقلامهم.
وارتفع ﴿ الرحمن ﴾ على المدح على تقدير هو الرحمن، أو هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق.
والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة قد مر مشبعاً في "الأنعام" في قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وفي الأعراف في قوله ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الآية.
عن محمد بن كعب: أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين.
وعن السدي: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة.
وقيل: الثور أو الحوت.
والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز البحر من جرم الأرض، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا الله من المعادن وغيرها، ولا ريب أن الكل لله .
ثم بيّن كمال علمه بقوله ﴿ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ﴾ فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك ما أخطرته ببالك،أو السر هذا وأخفى منه ما استسره.
وقيل: أخفى فعل ماضٍ أي يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلم هو.
قلت: هذا المعنى صحيح لأنه محيط بجميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على غيوبه أحد، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال صاحب الكشاف: وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط.
وأجيب بأن معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك.
فإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ وإما أن يكون تعليماً للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدي غيره به.
ومن فوائد الآية زجر المكلف عن القبائح - ظاهرة كانت أو باطنة - وترغيبه في الطاعات - ظاهرة وباطنة - وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه في تفسيره قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ وفي غير ذلك من المواضع المناسبة، فلنقتصر الآن على ذلك.
ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره.
واعلم أن مراتب التوحيد أربع: الإقرار باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب، ثم تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى الأحد الصمد.
والأول بدون الثاني نفاق، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد مهلة كما إذا نظر وعرف فمات.
ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته "لا إله إلا الله" حتى إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك ويؤيده ما روي أنه قال "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول، وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله، ومبتداه تفريق ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون، وآخره الفناء في الله والبقاء به.
قال النحويون: لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله.
وقال أهل العرفان: معناه لا إله في الإمكان إلا الله.
روي أن موسى بن عمران قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به.
فقال: قل لا إله إلا الله.
فقال: كل عبادك يقول.
فقال: قل لا إله إلا الله.
قال إنما أردت شيئاً تخصني به.
قال: يا موسى لو أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن "لا إله إلا الله".
والبحث عن أسماء الله قد سلف في تفسير البسملة، وعن أسمائه الحسنى قد مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى ﴾ واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: كامل لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو الله تقدس وتعالى، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية التي جبل عليها كصغيرة الإنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارةً يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴾ وتارةً يتسفل إلى أن يقال له ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ والكمال بالحقيقة لما ليس معرض الزوال فلا كمال في الصحة والجاه والمال وإنما الكمال في الانتساب إلى الكبير المتعال، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة الربوبية، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ويحسن ذكره.
إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى، وحسن المسمى يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يزال مواظباً على الإحسان كما قيل: يا حسن الوجه توق الخنا *** لا تخلطن الزين بالشين فيا حسن الأسماء والصفات لا تردّنا عن خوان إحسانك محرومين.
ذكر أن صياداً اصطاد سمكةً وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها.
إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردّنا إلى مقرنا وأنت أرحم الراحمين.
عن محمد بن كعب القرظي أن موسى قال: يا رب أيّ خلق أكرم عليك؟
قال: الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري.
قال: أيّ خلقك أعلم؟
قال: الذي يلتمس علماً إلى علمه.
قال: وأيّ خلقك أعدل؟
قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس.
قال: وأيّ خلقك أعظم جرماً؟
قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له.
إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل، وكل ما لا تفعله بنا من الإحسان فهو عدل، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا.
وعن الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: سيعلم الجمع من أهل الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟
فيقومون فيتخطون رقاب الناس.
ثم يقال: أين الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله؟
ثم ينادي أين الحمادون لله على كل حال؟
ثم تكون التبعة والحساب على من بقي.
إلهي فنحن حمدناك واثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك.
وحين عظم شأن القرآن وبيّن حال الرسول فيما كلف من أعباء الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتاً وتقوية وتسلية.
قال الكلبي: معنى ﴿ وهل أتاك ﴾ أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له.
ويقول المرء لصاحبه: هل بلغك خبر كذا ليتطلع السامع لما يومي إليه.
وعن مقاتل والضحاك عن ابن عباس أن المراد منه تقرر الخبر في قلبه أي قد أتاك ذلك في الزمان المتقدم.
"وإذ" ظرف للحديث لأنه حدث، أو المراد اذكر وقت كذا ومظروفه محذوف أي حين رأى ناراً كان كيت وكيت.
قال أهل السير: استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله وولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده، فرأى ناراً من يسار الطريق من بعيد.
قال السدي: ظن أنها من نيران الرعاة.
وقال الآخرون: إنه رآها في شجرة.
واختلفوا أيضاً في أن الذي رآه كان ناراً أم لا.
قالوا: والصحيح أنه كان ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء.
ويمكن أن يقال: إطلاق اللفظ على ما يشبه مسماه ليس بكذب.
قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهو نار الشجر ﴿ جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً ﴾ ونار تأكل وتشرب وهي نار موسى .
وبعبارة أخرى نور بلا حرقة وهي نار موسى، وحرقة بلا نور وهي نار جهنم، وحرقة ونور وهي نار الدنيا، ولا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار.
﴿ فقال لأهله امكثوا ﴾ إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة والخادم والولد.
ويجوز أن يخاطب المرأة وحدها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر لفظ الأهل فإنه اسم جمع.
وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم فقد ﴿ آنست ناراً ﴾ أي أبصرت إبصاراً لا شبهة فيه أو إبصاراً يؤنس به.
والتركيب يدل على الظهور، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء، ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور المطلوب وهو المأنوس به.
قال جار الله: لما وجد الإيناس وكان مقطوعاً متيقناً حققه لهم بكلمة "إن" ليوطن أنفسهم.
ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلاً ﴿ لعلي آتيكم ﴾ قال المحققون: فيه دلالة على أن إبراهيم لم يكذب ألبتة لأن موسى قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل "إني آتيكم" لئلا يعد ما لم يستيقن الوفاء به، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب الصريح.
والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما.
﴿ وهدى ﴾ على حذف المضاف أي ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى.
والظاهر أنه أراد قوماً يهدونني الطريق.
وعن مجاهد وقتادة: قوماً ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا يشغلهم عنها شاغلٌ.
ومعنى الاستعلاء في على النار وهو مفعول ثانٍ لأجد، أو حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها كفنوها قياماً وقعوداً فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مستويين.
﴿ فلما أتاها ﴾ أي أتى النار.
قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت فألقيت عليه السكينة، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة.
وقال وهب: ظن موسى أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها، ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي ﴿ يا موسى ﴾ من قرأ ﴿ أني ﴾ بالفتح فتقديره نودي بأني، ومن قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى.
وتكرير الضمير في "أني" ﴿ أنا ربك ﴾ لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة.
روي أنه لما نودي يا موسى قال: من المتكلم؟
فقال الله عزوجلّ: إني أنا ربك.
فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان.
فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذناً.
وقيل: لعله سمع النداء من جماد كالحصا والشجرة فيكون معجزاً.
وأيضاً إنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث إن الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار ولا النار تضر بالخضرة، فعرف أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله.
وجوّز الأشاعرة أن يكون قد خلق الله علماً ضرورياً بذلك والمعتزلة منعوا منه قالوا إن حصول العلم الضروري بأن ذلك المتكلم هو الله يستلزم العلم الضروري بوجود الصانع لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلوماً بالاستدلال، وحصول العلم الضروري بوجود الصانع ينافي التكليف وبالاتفاق لم يخرج موسى عن التكليف.
قال القاضي: إن كانت النبوة قد تقدمت لموسى فلا كلام في حصول هذه الخوارق وإلا وجب أن تكون المعجزات لغيره من الأنبياء في زمانه كشعيب مثلاً.
قال: وهذا أولى لأن قوله ﴿ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴾ دليل على أنه أوّل وحي يوحى إليه.
وعند أهل السنة الإرهاص جائز فلم يوجبوا إحالة تلك الخوارق إلى غيره.
وعندهم أن الله أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت.
والمعتزلة أنكروا وجود ذلك الكلام.
وقالوا: إنه خلق ذلك النداء في جسم من الأجساد كالشجرة وهو قادر على ذلك.
وأهل السنة مما وراء النهر أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى صوت خلقه الله في الشجرة لأنه رتب النداء على أنه أتى النار، والمرتب على المحدث.
ومثله استدلال المعتزلة بقوله ﴿ فاخلع نعليك ﴾ على أن كلامه ليس بقديم لأن الأمر والمأمور معدوم سفه فلا بد أن يكون هذا الأمر عند وجود موسى فيكون محدثاً.
أجابت الأشاعرة بأن كلامه الأزلي ليس بأمر ولا نهي، ولو سلم فأمره بالأزل مستمر إلى أن صار الشخص مأموراً من غير تغير في أمره كالقدرة الأزلية تتعلق بالمقدور الحادث.
وأما الحكمة في الأمر بخلع النعلين قال المفسرون: لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وهو قول علي ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي.
وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به.
وقيل: عظم البقعة عن وطئها إلا حافياً يؤيده قوله ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ .
ومن هنا كره بعضهم الصلاة والطواف في النعل، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة.
ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه وكان إذا وقع منه ذلك تصدق.
وعلى القول الأول لا يكره إلا إذا كان غير مدبوغ.
"وقد صلى النبي في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟
قالوا: خلعت فخلعنا.
قال: فإن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذراً" .
يروى أن موسى خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي.
قال الجوهري ﴿ طوى ﴾ بكسر الطاء وضمها اسم موضع بالشأم.
فمن صرفه جعله اسم واد ومكان، ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة.
وقال بعضهم.
طوى بالضم مثل طوى وهو الشيء المثنى أي طوى مرتين أي قدس.
وقال الحسن: ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين، ويحتمل أن يراد نودي نداءين.
وقيل: طوى مصدر كهدى ومعناه العلى.
وعن ابن عباس أنه مر بذلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالواد المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه.
﴿ وأنا أخترتك ﴾ اصطفيتك للنبوة.
قيل: فيه دلالة على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق وإنما هي ابتداء عطية من الله.
وفي هذه الأخبار غاية اللطف والرحمة ولكن في قوله ﴿ فاستمع ﴾ نهاية الجلال والهيبة ففي الأول رجاء وفي الثاني خوف كأنه قال: جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل جميع همتك مصروفة إليه.
﴿ لما يوحى ﴾ أي للذي يوحى أو للوحي متعلق بـ ﴿ استمع ﴾ أو بـ ﴿ اخترتك ﴾ ثم قال ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ ورتب عليه ﴿ فاعبدني ﴾ ليعلم أن عبادته إنما لزمت لإلهيته ومن هنا قال العلماء: إن الله معناه المستحق للعبادة.
قال الأصوليون: تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولكن عن وقت الخطاب جائز لأنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفيتها.
وأيضاً قال ﴿ وأقم الصلاة ﴾ ولم يبين هيئاتها.
أجاب القاضي عن هذا الأخير بأنه لا يمتنع أن موسى قد عرف الصلاة التي تعبد الله بها شعيباً وغيره من الأنبياء، فكان الخطاب متوجهاً إلى ذلك، وزيف بأن حمل الخطاب متوجهاً على التأسيس أولى قال: قد بين له ولكن لم يحك الله سوى هذا القدر.
ورد بأن البيان أكثر فائدة من المجمل، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.
ولقائل أن يقول: سلمنا أن المبين أكثر فائدةً للمخاطب، ولكن لا نسلم أن حكاية المبين أولى فلعل حكاية المجمل تكفي لغيره لصيرورة بعض هيئات ذلك التكليف منسوخاً وإن كان أصله باقياً.
وفي قوله ﴿ لذكري ﴾ وجوه.
لأن اللام إما بمعنى الوقت أو هي للتعليل.
والذكر إما بالجنان أو هو ضد النسيان.
وياء المتكلم فاعل في الأصل أو مفعول.
وهل يحتمل الكلام تقدير مضاف أم لا؟.
ولمثل هذه الاعتبارات تعددت الوجوه فمنها: أن اللام للتعليل والياء منصوب أي لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي، أو أراد لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على الأذكار.
عن مجاهد: والفرق أن إطلاق الذكر على العبادة والصلاة في الأول حقيقة شرعية، وفي الثاني مجاز.
أو نقول: في الأول تكون نفس الصلاة مطلوبة بالذات، وفي الثاني تكون مطلوبة بعرض الذكر، أو أراد لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري.
ومنها أن المضاف مع ذلك محذوف أي لإخلاص ذكري وطلب وجهي.
ومنها أن الياء فاعل أي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثنا وأجعل لك لسان صدق.
ومنها أن اللام للوقت كقولك "جئتك لوقت كذا" أي لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة.
ومنها أن يحمل الذكر على ضد النسيان أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في كونهم رطاب اللسان في جميع الأحيان بذكر مولى الأنعام ومولى الإحسان ﴿ رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله ﴾ وأراد ذكر الصلاة بعد نسيانها وكان حق العبارة أن يقال لذكرها كقوله "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فلعل المضاف محذوف أي لذكر صلاتي، أو ذكر الصلاة هو ذكر الله فالياء في الأصل منصوب، أو الذكر والنسيان من الله عز وجلّ في الحقيقة فلياء فاعل.
قال الشافعي: من فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء ولو ترك الترتيب جاز.
ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة فإن كان في الوقت سعة يستحب أن يبدأ بالفائتة، وإن بدأ بصلاة الوقت جاز إلا إذا ضاق الوقت فإنه يجب الابتداء بصلاة الوقت، وإن تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها.
وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يتزيد على صلاة يوم وليلة حتى لو تذكر خلال صلاة الوقت بطلت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل.
حجة الشافعي ما روي في حديث قتادة أنهم ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس فأمرهم النبي أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها، ولو كان وقت الانتباه متعيناً للصلاة لما فعل كذلك.
نعم إنه وقت لتقرير الوجوب عليه ثم الوقت موسع بعد ذلك.
حجة أبي حنيفة قوله ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ وقوله "فليصلها إذا ذكرها" وفي حديث جابر أن عمر جاء إلى النبي يوم الخندق يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس.
فقال النبي : " وأنا والله ما صليتها بعد." قال: فنزل في البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها.
وأما القياس فهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة ومزدلفة.
فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون كذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة، وأما إذا دخل في حد الكثرة فيسقط هذا الترتيب.
ثم لما أمر موسى بالعبادة عامة وبالصلاة التي هي أفضلها خاصة علل ذلك بقوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .
سؤال: "كاد" نفيه إثبات وإثباته نفي.
فقوله ﴿ أكاد أخفيها ﴾ يكون معناه لا أخفيها وهو باطل لقوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ ولأن قوله.
﴿ لتجزى كل نفس ﴾ إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار إذ لو كان المكلف عارفاً وقت القيامة وكذا وقت الموت اشتغل بالمعاصي إلى قريب من ذلك الوقت ثم تاب فيكون إغراء على المعصية.
والجواب لا نسلم أن "كاد" إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط.
والباقي موكول إلى القرينة.
ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين كأنه قال: أكاد لا أقول هي آتية لفط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به.
وبالغ بعض المفسرين في هذا المعنى فقال: أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبيّ كذلك.
فقال قطرب: هذا على عادة العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا: كتمته من نفسي.
وقيل: "كاد" من الله واجب وأراد أنا أخفيها من الخلق كقوله ﴿ عسى أن يكون قريباً ﴾ أي هو قريب قاله الحسن.
وعن أبي مسلم أن "أكاد" بمعنى أريد كقوله ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ ومنه قولهم "لا أفعل ذلك ولا أكاد" أي لا أريد أن أفعله.
وقيل: أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها.
وقال أبو الفتح الموصلي: الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله ﴿ اقتربت الساعة ﴾ ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره.
وقوله ﴿ لتجزى ﴾ متعلق ﴿ بأخفيها ﴾ كما قلنا أو بـ ﴿ آتية ﴾ ، فلولا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة.
واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه قال ﴿ بما تسعى ﴾ أي بسعيها.
فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا الإسناد، ولو لم يكن الثواب مستحقاً على العمل لم يكن لباء السببية معنى والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى الله، واستناد الجزاء إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها.
ومعنى الفاء في ﴿ فلا يصدّنك ﴾ أنه إذا صح عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن التصديق بالساعة، لأن قوله ناشىء عن الهوى واتباعه.
وجوّز أبو مسلم أن يكون الضمير في ﴿ عنها ﴾ للصلاة.
والعرب تذكر شيئين لم ترمي بضميرهما إلى السامع اعتماداً على أنه يرد كلاً منهما إلى ما هو له، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هنا.
وأما الخطاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه.
وجوّز بعضهم أن يكون لنبينا والمقصود الأمة، والنهي عن الصد في الظاهر لمن لا يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب.
والوجه فيه أن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، أو صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب كأنه قيل: كن في الدنيا صلباً حتى لا يطمع في إغوائك الكافر.
والذي دعا إلى هذا النهي البالغ في معناه هو أن في المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا.
وفيه حث بليغ على العمل بالدليل وزجر قويّ عن التقليد وإنذار بأن الردى والهلاك مع اتباع الهوى.
وههنا استدل الأصوليون على شرف علمهم ووجوب تعلمه كيلا يتمكن الخصم من تشكيكه.
وزعم القاضي أن في نسبة الصد إلى الكافر بالبعث دليلاً على أن القبائح إنما تصدر عن العباد.
وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
قال أهل التحقيق: قوله أوّلاً لموسى ﴿ اخلع نعليك ﴾ إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير عن الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيلة.
وأصول ذلك ترجع إلى علم المبدأ وهو قوله ﴿ إني أنا الله ﴾ وإلى علم الوسط وهو قوله ﴿ فاعبدني ﴾ وإنه مشتمل على الأعمال الجسمانية.
وقوله ﴿ لذكري ﴾ وهو مشتمل الأعمال الروحانية وإلى علم المعاد وذلك قوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .
وأيضاً إنه افتتح الخطاب بقوله ﴿ وأنا اخترتك ﴾ وهو غاية اللطف، وختم الكلام بقوله ﴿ فلا يصدّنك ﴾ إلى آخره وهو قهر تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه، وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف.
قوله ﴿ وما تلك ﴾ مبتدأ وخبر و ﴿ بيمينك ﴾ حال منتصب بمعنى الإشارة أو الاستفهام.
وجوّز الكوفيون أن يكون ﴿ تلك ﴾ اسماً موصولاً صلته ﴿ بيمينك ﴾ أي ما التي بيمينك.
قيل: لم يقل بيدك لأنه يحتمل أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر وكان يلتبس عليه الجواب.
أسئلة: ما الفائدة في هذا السؤال؟
جوابه أن الصانع الماهر إذا أراد أن يظهر من الشيء الحقير كقطعة من حديد شيئاً شريفاً كاللبوس المسرد عرضه على الحاضرين ويقول ما هذا حتى إنه بعد إظهار صنعته يلزمهم بقولهم ويقول: خذوا هذا من ذلك الذي قلتم فكأنه قال لموسى: هل تعرف حقيقة ما في يمينك وأنه خشبة يابسة حتى إذا قلبه ثعباناً عظيماً كان قد نبهه على كمال قدرته الباهرة.
وقال أهل الخطابة: إنه لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ممازجاً باللطف والقهر والتكاليف تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له ﴿ وما تلك بيمنك يا موسى ﴾ ليعرف موسى أن يمينه هي التي فيها العصا.
وأيضاً إنه لما تكلم معه بالكلم الإلهية وقرب موسى أن يدهش تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة لا لأن المسؤول عنه مما يقع فيه الغلط كما أن السائل لا يجوز عليه الغلط نظيره حال المؤمن في القبر يغلبه الوجل والخجل فيسأل عن أمر لا يشك فيه في الدنيا وهو التوحيد دفعاً للإيحاش وجلباً للاستئناس.
وأيضاً لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر ما ذكر، فعرّفه الله أن فيها منافع أجل مما ذكر تنبيهاً على أن عقول البشر قاصرة عن خفيات الأمور لولا التوفيق والإرشاد.
آخر: خاطب موسى بلا واسطة خاطب محمداً بواسطة جبرائيل، فيلزم أن يكون موسى أفضل.
وجوابه المنع بدليل ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سراً وكلامه مع محمد سر لم يستأهل له سواه.
وأيضاً حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم؛ المصلي يناجي ربه، وفي الآخرة شرف التسليم والتسليم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ ﴾ .
وأيضاً إن موسى كان عند استغراقه في بحر المحبة متعلقاً بالعصا ومنافعها، ومحمد لم يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه ﴿ ما زاغ البصر وما طغى ﴾ بل كان فانياً عن الأغيار باقياً بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذٍ على قوله "أنت كما أثنيت على نفسك" وههنا نكت منها: أنه لما أشار إلى العصا واليد بقوله ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى ﴾ حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما - وهو الجماد - حيواناً والآخر - وهو الكثيف - نورانياً لطيفاً.
ثم إنه ينظر في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حياً مستنيراً.
ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حياً فكيف لا يصير قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن حياً!
ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة كلهم فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء.
ثم إن جواب موسى يتم بقوله ﴿ هي عصاي ﴾ إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة إلى درك الغرض.
وقيل: هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر منافعها.
وقيل: خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين.
ومعنى ﴿ أتوكأ عليها ﴾ أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب يدور على الشد والإيثاق.
﴿ وأهش بها ﴾ أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله.
والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه "رجل هش المكسر" أي سهل الشأن فيما يطلب من الحوائج وهو مدح "وهش الخبز" يهش بالكسر إذا كان ينكسر لرخاوته.
قال المحققون: إن موسى كان يتوكأ على العصا ومحمد كان يتكل على فضل الله ورحمته قائلاً مع أمته ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فورد في حقه ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ أي حسبك وحسب من اتبعك.
وأيضاً إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ ثم بمصالح رعيته بقوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ ومحمد لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر أمته ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" فلا جرم يقول موسى يوم القيامة "نفسي نفسي" ومحمد يقول "أمتي أمتي".
ثم قال ﴿ ولي فيها مآرب ﴾ هي جمع المأربة بضم الراء الحاجة وقد تفتح الراء.
وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً ومثله الأرب بفتحتين والإربة بكسر الهمزة وسكون الراء.
وإنما قال ﴿ أخرى ﴾ لأن المآرب في معنى جماعة ونظيره الأسماء الحسنى.
ومن آياتنا الكبرى قالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فتطول مكالمته وقالوا: انقطع بالهيبة كلامه فأجمل.
وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والجراب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل، وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه.
وقيل: إن موسى كان أحس بأنه إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة فقال: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ولكنك لما سألت عنها وكلمتني بسببها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى.
وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل.
وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام.
قلت: هذه الخوارق إن كانت بعد نبوة موسى فلا كلام، وإن كانت قبلها ففي صحة الرواية بُعْدٌ وإلا كان الأنسب تقديمها عند تعدد المنافع.
وعلى تقدير صحتها فلعلها إرهاص أو من معجزات شعيب على ما يروى أنه كان قد أعطاها إياه.
قال أهل النكت: إن موسى لما قال ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ أراد الله أن يعرّفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها و ﴿ قال ألقها يا موسى ﴾ وبوجه آخر كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب، فأمر بتركهما تنبيهاً على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان.
وفيه أن موسى مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا، فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه؟!
قال الكلبي: الاستطاعة قبل الفعل لأن القدرة على إلقاء العصا إما أن توجد والعصا في يديه فذاك قولنا، أو توجد وهي خارجة عن يده وذلك تكليف بأنه يلقي من يده ما ليس في يده.
ويمكن أن يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا.
قوله ﴿ فإذا هي حية تسعى ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ وفي آخر ﴿ كأنها جان ﴾ عبارات عن معبر واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم.
وأما الثعبان - وهو العظيم من الحيات - والجان - وهو الدقيق منها - فبينهما تنافٍ في الظاهر لا في التحقيق، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة كالجان، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعباناً آخر الأمر.
أو أنها كانت في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة حركة.
والعجب أن موسى قال ﴿ أتوكأ عليها ﴾ فصدّقه الله في ذلك وجعلها متكئاً له بأن كانت أعظم معجزاته.
وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة لموسى يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ظهور الدلالة كهذه، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات.
وأيضاً لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوّه؛ فالولي يستر العيوب والعدوّ يبرز المناقب في صورة المثالب، فكيف إذا وجد مجال طعن وقدح؟!
وقد مر في "الأعراف" أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر، ولو أنه بلغ حينئذٍ مقام ﴿ ففروا إلى الله ﴾ لم يفر عن شيء.
او لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله أنه بعد في نقص الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من الله وحده.
فقد روي أنه لما قال له ربه: ﴿ لا تخف ﴾ بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها، قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري: ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة.
وعن بعضهم أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.
قلت: يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا علل عدم خوفه بقوله ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال جار الله: السيرة من السير كالركبة من الركوب.
يقال: سار فلان سيرة حسنة.
ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة ومنه سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها الأولى حال ما كانت عصاً، أو يكون أعاد منقولاً بالهمزة من عاده بنزع الخافض بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ثانياً.
ونصب ﴿ سيرتها ﴾ بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.
ثم قوى أمره بمعجزة ثانية فقال ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ يقال: لكل ناحيتين جناحان ومنه جناحا العسكر وجناحا الإنسان لجنبهما.
والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلهما.
فقيل: المراد بالآية تحت العضد بدليل قوله ﴿ تخرج ﴾ وعن ابن عباس: معناه إلى صدرك.
وضعف بأنه لا يطابقه قوله ﴿ تخرج ﴾ قلت: لا شك أن الصدر مستور بالقميص فيظهر عند ذلك معنى الخروج ويفسره قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك ﴾ والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوءة.
والبرص أبغض شيء عند العرب بحيث تمجه أسماعهم فكان جدير بأن يكنى عنه.
ومعنى ﴿ بيضاء ﴾ أنها تنور كشعاع الشمس.
قال في الكشاف: من غير سوء من صلة البيضاء كما تقول: ابيضت من غير سوء.
قلت: لعله أراد أن "من" للتعليل أي ليس البياض هو السوء وإنما السبب غيره وحقيقته ترجع إلى الابتداء.
و ﴿ بيضاء ﴾ و ﴿ آية ﴾ حالان معاً أو متداخلتان.
واحتمل أن ينتصب آية بمضمر يدل عليه الكلام نحو "خذ ودونك".
وقوله ﴿ لنريك ﴾ إما أن يتعلق بهذا المحذوف أو بمحذوف آخر أي لنريك ﴿ من آياتنا ﴾ فلعنا ما فعلنا.
ولا يبعد عندي أن يتعلق بالأمرين المذكورين أي ﴿ ألقها ﴾ و ﴿ اضمم ﴾ لنريك قال الحسن: اليد في الإعجاز أعظم من العصا لأنه وصفها بالكبرى.
وضعف بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون وأما في العصا ففيه تغير اللون والزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة، فالمراد لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى.
وجوز في الكشاف أن يكون المراد لنريك بهما الكبرى من آياتنا.
ويرد عليه لزوم أن تكون الآيات الكبرى منحصرة فيهما وليس كذلك فإن معجزات نبينا محمد أكبر من الكل، وكفاك بالقرآن شاهداً على ذلك.
ثم صرح بالمقصود من المعجزات فقال ﴿ اذهب إلى فرعون ﴾ وخصه بالذكر لأن قومه تبع له.
ثم بين العلة في ذلك فقال ﴿ إنه طغى ﴾ وعن وهب أن الله قال لموسى: استمع كلامي واحفظ وصيتي برسالتي فإنك بعيني وبسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر تقديسي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار شديدة، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولاً ليناً لا يغتر بلباس الدنيا، وإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل.
قال: فسكت موسى سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك فعنده ﴿ قال رب اشرح لي صدري ﴾ قال علماء المعاني: أنهم أولاً بقوله ﴿ ربي اشرح لي ﴾ ﴿ ويسر لي ﴾ فعلم أن ثمة مشروحاً وميسراً.
ثم بين فرفع الإبهام بذكر الصدر والأمر وكان أوكد من جهة الإجمال.
ثم التفصيل كان في صدر موسى ضيق كما جاء في موضع آخر ﴿ ويضيق صدري ﴾ فسأل الله أن يبدل الضيق بالسعة حتى يفهم ما أنزل عليه من الوحي.
وقيل: أراد شجعني على مخاطبة فرعون وعلى تحمل أعباء الرسالة.
واعلم أن الكلام في الدعاء وشرائطه وفوائده وسائر ما يتعلق به قد سبق منا في "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ .
ولنذكر ههنا نكتاً شريفة: الأولى أنه كامل في الأزل إلا أنه غير مكمل في الأزل لأن التكميل هو جعل الشيء كاملاً ولا شيء معه في الأزل فلا تكميل، وذلك كما يقال: "إنه لا يعلم عدداً مفصلاً لحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه وحركات أهل الجنة غير متناهية فامتنع ذلك لا لقصور في العلم بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول.
ولما كان الغرض من التكوين تكميل الناقصين، وكان الوجود أول صفة من صفات الكمال أجلس الله على هذه المائدة بعض المعدومات، لأنه لو أجلس الكل عليها لدخل في الوجود ما لا نهاية له، ولانتهت القدرة الذاتية لامتناع إيجاد الموجود.
وكما أن رحمته اقتضت وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون بعض حتى صار ذلك البعض حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير الشر فقال: الأحياء عند ذلك يا رب الأرباب شرفتنا بخلعة الوجود وخلعة الحياة، ولكن ازدادت حاجتنا لأنا - حال العدم وحال الجمادية - ما كنا نحتاج إلى الملائم والمخالف والموافق، وما كنا نخاف المنافي والمؤذي، والآن احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي، فإن لم يكن لنا قدرة على الهرب والطلب كنا كالزمن المعقد في الطريق عرضة للآفات وهدفاً لسهام البليات، فاقتضت الرحمة الكاملة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض المعدومات بالوجود وتخصيص بعض الموجودات بالحياة فقال: القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا للبهائم المسخرة في حمل الأثقال، فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك.
فأعطى بعضهم العقل فحصل في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية ختامه مسك كما أن خاتم النبيين كان أفضل المخلوقات، فنظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالحقة المملوءة من الجواهر بل كسماء مزينة بالزواهر وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بداية العقول وصرائح الأذهان، يهتدي بها السائرون في ظلمات بر الشكوك وبحر الشبهات، فاستدل العقل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على نقاش، فغلبته دهشة الأنوار الأزلية وكاد يغرق في بحر الفكر، ويضيق عليه نطاق التأمل والتدبر، ويقع في تجاذب أيدي الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الجن والإنس فعند ذلك قال: ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ فانتهاء جميع الحوادث اليه وتيسير الأمور الكلية والجزئية من عنده، وهو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته.
الثانية: إنه خاطبه أولاً بالتوحيد ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وثانياً بالعبادة ﴿ فاعبدني ﴾ وثالثاً بمعرفة المعاد ﴿ إن الساعة آتية ﴾ ورابعاً بمعرفة الحكمة في جملة أفعاله ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وخامساً بعرض المعجزات الباهرة عليه ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ وسادساً بإرساله إلى أعظم الناس كفراً وكانت هذه التكاليف الشاقة سبباً لضيق العطن وانحلال عقدة الصبر فلا جرم تضرع إلى الله قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ وههنا دقيقة هي أن شرح الصدر.
مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع مقدّمة الفهم.
ولما أعطى موسى المقدّمة بقوله ﴿ فاستمع ﴾ نسج موسى على ذلك المنوال فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ ولما آل الأمر إلى محمد وكان خاتم النبيين ومقصوداً من الكائنات ومخاطباً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ أوتي النتيجة فقيل له ﴿ وقل ربي زدني علماً ﴾ ووصف بقوله ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ فشرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلاً للنور، والسراج المنير هو المعطي للنور: فالتفاوت بين موسى ومحمد عليهما السلام هو التفاوت بين الآخذ والمعطي ولهذا قال موسى: اللهم اجعلني من أمة محمد.
الثالثة: إنه ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدهما وصف ذاته بالنور ﴿ الله نور السموات والارض ﴾ وثانيهما الرسول ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ وثالثهما الكتاب ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه ﴾ ورابعها الإيمان ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ وخامسها عدل الله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ وسادسها ضياء القمر ﴿ جعل القمر فيهن نوراً ﴾ وسابعها النهار ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ وثامنها البينات ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ﴾ وتاسعها الأنبياء ﴿ نور على نور ﴾ وعاشرها المعرفة ﴿ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ﴾ فكأن موسى قال أوّلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بمعرفة أنوار جلال كبريائك.
وثانياً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك.
وثالثاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك.
ورابعاً ﴿ رب أشرح لي صدري ﴾ بنور الإيمان والإيقان بالهتيك.
وخامساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك.
وسادساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك كما فعله إبراهيم صلوات الرحمن عليه.
وسابعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ عن مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك.
وثامناً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمائك.
وتاسعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ في أن أكون خلف صدق أنبيائك المتقدمين متشبهاً بهم في الانقياد لحكم رب العالمين.
وعاشراً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بأن تجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح.
الرابعة: شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج، ومستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء: زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن.
فالزند زند المجاهد ﴿ والذين جاهدوا فينا ﴾ والحجر حجر التضرع ﴿ وادعوا ربكم تضرعاً وخيفةً ﴾ والحراق منع الهوى ﴿ ونهى النفس عن الهوى ﴾ والكبريت الإنابة ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾ والمسرجة الصبر ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ والفتيلة الشكر ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ والدهن الرضا ﴿ واصبر لحكم ربك ﴾ ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك بالتضرع والدعاء قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ فهنالك تسمع ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ .
الخامسة: هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه أحدها: الشمس يحجبها الغيم، وشمس المعرفة لا تحجبها السموات السبع ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ وثانيها الشمس تغيب ليلاً وشمس المعرفة لا تغيب ليلاً ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً ﴾ ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ﴾ الليل للعاشقين ستير ياليت أوقاته تدوم وعند الصباح يحمد القوم السرى.
وثالثها الشمس تفنى ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ والمعرفة لا تفنى ﴿ أصلها ثابت وفرعها في السماء ﴾ ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ ﴾ ورابعها الشمس إذا قارنها القمر انكسفت وشمس توحيد المعرفة وهي "أشهد أن لا إله إلا الله" إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي "أشهد أن محمداً رسول الله " لم يصل نور إلى عالم الجوارح.
وخامسها الشمس تسود الوجه والمعرفة تبيض الوجوه ﴿ يوم تبيض وجوه ﴾ وسادسها الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الإحراق "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" وسابعها الشمس تصدع والمعرفة تصعد ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ وثامنها الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين ﴿ فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ وبوجه آخر الشمس زينة لأهل الأرض، والمعرفة زينة لأهل السماء.
وتاسعها الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، وفيه أن الخيبة مع الترفع والشرف مع التواضع.
وعاشرها الشمس تعرّف أحوال الخلق، والمعرفة تصل القلب إلى الخالق.
والشمس تقع على الولي والعدوّ والمعرفة لا تحصل إلا للولي، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى بطلبه قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .
السادسة: الشمس سراج أوقدها الله للفناء ﴿ كل من عليها فان ﴾ والمعرفة سراج استوقده للبقاء ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ والذي خلقه للفناء إذا قرب منه الشيطان احترق ﴿ يجد له شهاباً رصداً ﴾ والذي خلقه للبقاء كيف يقرب منه الشيطان ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً: الشمس في السماء ثم إنها مع بعدها تزيل الظلمة عن بيتك، فشمس المعرفة مع قربها لأنها في قلبك أولى أن تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك.
وأيضاً الإنسان إذا استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده، والله هو الموقد لسراج المعرفة ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ﴾ أفلا يمده وهو معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .
وأيضاً إذا كان في البيت سراج فإن اللص لا يقرب منه، وإنه قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً المجوس إذا أوقدوا ناراً لا يجوزون إطفاءها، فالملك القدوس إذا أوقد سراج المعرفة في قلبك كيف يرضى بإطفائها ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .
السابعة: أنه أعطى قلب المؤمن تسع كرامات أحدها ﴿ أوَمَنْ كان ميتاً فأحييناه ﴾ وقال : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" فيعلم أنه لما خلق أرض القلب فأحياها بنور الإيمان لا يكون لغيره فيها نصيب.
وثانيها الشفاء ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ وفيه أنه إذا وضع الشفاء في العسل بقيت تلك الخاصية فيه أبداً.
فإذا وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى أبداً؟
وثالثها الطهارة ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾ وفيه أن الصائغ إذا امتحن الذهب فبعد ذلك لا يدخله في النار، فالله لما امتحن قلب المؤمن كيف يدخله النار بعده؟
ورابعها الهداية ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ وفيه أن الرسول يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك، والأول قد يحصل وقد لا يحصل ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وكذا الثاني ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ وأما هداية القلب فلا تزول ألبتة لأن الهادي لا يزول ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ وخامسها الكتابة ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ وفيه أن القرطاس إذا كتب فيه القرآن لم يجز إحراقه، فقلب المؤمن الذي فيه القرآن وجميع أحكام ذات الله وصفاته كيف يليق بالكريم إحراقه؟
وأيضاً إن بشراً الحافي أكرم قرطاساً فيه اسم الله فنال سعادة الدارين، فإكرام قلب فيه معرفة الله أولى بذلك.
وأيضاً إن القرطاس إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب والحائض مسه، فالقلب الذي فيه أكرم الموجودات كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه؟
وسادسها ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ وفيه أن أبا بكر لما نزلت عليه السكينة في الغار قيل له لا تحزن إن الله معنا.
فالمؤمن إذا نزلت السكينة في قلبه لا بد أن يقال له عند قبض الروح: لاتخف ولا تحزن كما قال ﴿ تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ وسابعها المحبة والزينة كما قال ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ﴾ وفيه أن الدهقان إذا ألقى في الأرض حبة فهو لا يفسدها ولا يحرقها، فهو حين ألقى حبة المحبة في أرض القلب كيف يحرقها؟
وثامنها ﴿ وألف بين قلوبكم ﴾ وفيه أن محمداً حين ألف بين قلوب أصحابه ما تركهم غيبة ولا حضوراً سلام " علينا وعلى عباد الله الصالحين" فأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين كيف يتركهم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم ﴾ وتاسعها الطمأنينة ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ وفيه أن الحاجات غير متناهية وما سوى الله فهو متناه، المتناهي لا يقابل غير المتناهي.
فالكافي للمهمات لا يكون إلا من له كمالات غير متناهيات فلا يزيل قلق الحوائج واضطراب الأماني إلا الله ، وبإزاء هذه الكرامات ورد في حق الكفار أضدادها ﴿ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ﴾ ﴿ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ﴾ ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ ﴿ قلوبهم قاسية ﴾ ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم ﴾ ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ ﴿ بل ران على قلوبهم ﴾ ﴿ طبع الله على قلوبهم ﴾ فلأجل تلك الكرامات والهرب من أضدادها قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ .
الثامنة: في حقيقة شرح الصدر وذلك أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا إلا رغبة بأن يكون متعلق القلب الأهل والولد وتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم، ولا رهبة بأن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإن القوة البشرية لضعفها كينبوع صغير، فإذا وزعت على جداول كثيرة ضعف الكل وضاعت وإذا انصب الكل في موضع واحد ظهر أثرها وقويت فائدتها، فسأل موسى ربه أن يوقفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها ليكون متوجهاً بالكلية إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات وهذا معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .
أو نقول: إنه لما كلف بضبط الوحي في قوله ﴿ فاستمع لما يوحى ﴾ وبالمواظبة على خدمة الخالق في قوله ﴿ فاعبدني ﴾ فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر فسأل موسى ربه قوة وافية بالطرفين فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ أو نقول: معدن النور هو القلب، والاشتغال بما سوى الله - من الزوجة والولد والصديق والعدوّ بل الجنة والنار - هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر، فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه كالذباب والبق والبعوض فلا يدعوه رغبة إلى شيء مما يتعلق بالدنيا ولا رهبة من شيء من ذلك فيصير الكل عنده كالعدم فعند ذلك يزول الحجاب وينفسخ القلب بل الصدر للنور ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .
التاسعة: لنضرب مثلاً لذلك فنقول: البدن بالكلية كالمملكة، والصدر كالقلعة، والفؤاد كالصفة، والقلب كالسرير، والروح كالملك، والعقل كالوزير، والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة، والغضب كالاسفهيد الذي يشتغل بالضرب، والتأديب والحواس كالجواسيس، وسائر القوى كالمحترفين والعملة والصناع.
ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده، فإذا أخرج الروح وزيره وهو العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله والهوى إلى الشيطان.
ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا، والشهوة تحسن لذات الدنيا.
ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما قال "تفكر ساعة خيرمن عبادة سنة" فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فأخرج الشيطان بإزائه العجلة والسرعة فلهذا قال " ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه" وخلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة.
ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا، وله سور وهو الرغبة في الآخرة.
فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا، وإن كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة، وينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه، ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح وانشرح ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .
النكتة العاشرة: في الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب.
الصدر مقر الإسلام ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام ﴾ والقلب مقر الإيمان ﴿ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ﴾ ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ والفؤاد مقر المشاهدة ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ واللب مقام التوحيد ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴾ أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي وبقوا بلب الوجود الحقيقي.
ثم إن القلب كاللوح المحفوظ في العالم الصغير فإذا ركب العقل سفينة التوفيق وألقاها في بحار أمواج المعقولات من عالم الروحانيات هبت من مهاب العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الأدبار أخرى، فحينئذٍ يضطر الراكب إلى التماس أنوار الهدايات وطلب انفتاح أبواب السعادات فيقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وإنما سأل موسى شرح الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس.
وأيضاً شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والجواد يكفيه الإشارة، فإذا علم أنه طالب للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة.
وأيضاً إنه راعى الأدب في الطلب فاقتصر على طلب الأدنى.
فلا جرم أعطى المقصود فقال ﴿ قد أتيت سؤلك يا موسى ﴾ وحين اجترأ في طلب الرؤية بقوله ﴿ أرني أنظر إليك ﴾ أجيب بقوله ﴿ لن تراني ﴾ .
واعلم أن جميع المهيئات الممكنة كالبلور الصافي الموضع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت له نسبة إليها بأسرها، فينعكس شعاع كبرياء الإلهية من كل واحد منها إلى القلب فيحرق القلب.
ومعلوم أن المحرق كلما كان أكثر كان الاحتراق أتم، فلهذا قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات وأصل إلى مقام الاحتراق بأنوار الجلال كما نبينا "أرني الأشياء كما هي" وههنا دقيقة وهي أن موسى لما زاد لفظة ﴿ لي ﴾ في قوله ﴿ رب اشرح لي ﴾ دون أن يقول "رب اشرح صدّري" علم أنه أراد أن تعود منفعة الشرح إليه فلا جرم يقول يوم القيامة "نفسي نفسي" وإن نبينا لما لم ينس أمته في مقام القرب إذ قيل له "السلام عليك أيها النبي" فقال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ، فلا جرم يقول يوم القيامة "أمتي أمتي" وشتان ما بين نبي يتضرع إلى الله ويقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وبين نبي يخاطب أولاً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ .
ولا يخفى أن المراد بالشرح والتيسير عند أهل السنة هو خلقهما، وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة، فإنه يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال.
أما قوله ﴿ واحلل عقدةً من لساني ﴾ فاعلم أن النطق فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ بغير توسط العاطف كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان.
وفي لسان الشاعر وهو زهير: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده *** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.
وعن علي كرم الله وجهه: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة.
وقال العقلاء: المرء بأصغريه.
المرء مخبوء تحت لسانه.
وفي مناظرة آدم والملائكة لم تظهر الفضيلة إلا بالنطق.
ومن التعريفات المشهورة: إن الإنسان هو الحيوان الناطق، وهذا النطق وإن كان في التحقيق هو إدراك المعاني الكلية لكن النطق اللساني لا ريب أنه أظهر خواص الآدمي وقد نيط به أمر تمدنه والتعبير عما في ضميره فقول موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إشارة إلى طلب النور الواقع في القلب، وقوله ﴿ ويسر لي أمري ﴾ رمز الى تسهيل ذلك التحصيل، وقوله ﴿ واحلل ﴾ طلب لسهولة أسباب التكميل لأن اللسان آلة إلافاضة والإفادة وبه يتيسر ذلك الخط الجسيم والمنصب العظيم.
وحسبك يا فتى شرفاً وفخراً *** سكوت الحاضرين وأنت قائل ومن الناس من مدح الصمت بوجوه منها: قوله "الصمت حكمة وقليل فاعله" وقوله: مقتل الرجل بين فكيه.
وفي نوابغ الكلم: يا بني قِ فاك لا تقرع قفاك.
ومنها أن الكلام خمسة أقسام: فالذي ضرره خالص أو غالب أو مساوٍ للنفع واجب الترك احترازاً من السفه والعبث، والذي نفعه خالص أو غالب عسر المراعاة فالأولى تركه.
ومنها أنه ما من موجود أو معدوم معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله بإثبات أو نفي بحق أو بباطل، بخلاف سائر الأعضاء.
فالعين لاتصل إلا إلى الألوان والسطوح، والأذن لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلا إلى الأجسام، وكذا باقي الجوارح.
أما اللسان فإنه رحب الميدان واسع المضطرب خفيف المؤنة سهل التناول لا يحتاج إلى آلات وأدوات للمعصية به فكان الأولى ترك الكلام وإمساك اللسان.
والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والنطق في نفسه فضيلة، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل فيرجع الحق إلى ما قاله النبي "رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم" قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء: الصمت وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم "مال ناطق أو صامت".
والسكوت وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والإنصات هو السكوت مع استماع قال ﴿ فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ والإصاخة وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد.
أما العقدة فقيل: إنها كانت في أصل خلقته وعن ابن عباس أنه في حال صباه أخذ بلحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال: هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وإن شئت فامتحنه بالتمرة والجمرة.
وقيل: بالياقوت والجمر.
فأحضرا بين يديه فأراد مد اليد إلى الياقوت فحول جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فظهر به تعقد وتحبس عن بعض الحروف.
فإن صحت هذه الرواية فالنار إنما أحرقته وأثرت فيه إطفاء لثائرة غضب فرعون وإلا فالله قادر على دفع الإحراق عن طبع النار كما في حق إبراهيم صلوات الرحمن عليه، وكما في حق موسى حين ألقي في التنور.
ويروى أن يده احترقت أيضاً وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم يبرأ ولما دعاه قال: الي أيّ رب تدعوني؟
قال: إلى الذين أبرأ يدي وقد عجزت عنها.
وعن بعض العلماء أنه لم تبرأ يده لئلا ينعقد بينه وبين فرعون حرمة المؤاكلة من قصعة واحدة.
وقيل: لم تحرق يده لأن الصولة ظهرت باليد، وإنما احترق اللسان لأنه خاطبه بقوله "يا أبت".
وما الحكمة في طلب حل العقدة؟
الأظهر كيلا يقع في أداء الرسالة خلل فلهذا ﴿ قال يفقهوا قولي ﴾ وقيل: لأن العقدة في اللسان قد تقتضي الاستخفاف بالقائل وعدم الالتفات إليه.
وقيل: إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً له فكذا إطلاق لسان موسى كان معجزاً في حقه.
وهل زالت تلك العقدة بالكلية؟
فعن الحسن نعم لقوله ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ والأصح أنه بقي بعضها لقوله حكاية عن فرعون ﴿ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ﴾ أي يقارب أن لا يبين.
وكان في لسان الحسين بن علي رتة أي عجمة في الكلام فقال رسول الله : "ورثها من عمه موسى" .
وفي تنكير عقدة أيّ عقدة من عقد دلالة على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهماً جيداً ولم يطلب الفصاحة الكاملة.
وقال أهل التحقيق: وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد فكان أفصح العرب والعجم وقد قال ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ فلما كان ذلك حقاً ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله.
ومن مطالب موسى قوله ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي هرون ﴾ قال أهل الاشتقاق: الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنة، أو من الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه أموره، أو من الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله ﴿ اشدد به أزري ﴾ أي ظهري لأنه محل القوة.
قال الجوهري: آزرت فلاناً أي عاونته، والعامة تقول: وازرته.
وعلى هذا فيكون القياس أزيراً بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه القلب حمل "فعيل على "مفاعل" لاتحاد معنييهما في نحو "عشير" و "جليس" و "صديق" وغيرها.
وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر والاستعانة بالوزير وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء وقد استحسنه نبينا فقال "إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه عليه، وإن أراد شراً كفه" وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير.
وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخراً وشرفاً وذكراً أن النبي المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى الله في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه، فيجب على من أوتي هذه الرتبة أن يؤدي إلى الله حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها، ويزرع في أرض الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده.
وقيل: إن موسى خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين.
والأظهر أنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن التهمة وأعون على الغرض، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ وخوطب نبينا بقوله ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ وروي أنه قال "إن لي في السماء وزيرين وفي الارض وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر" ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقاً بأخيه هارون فأراد أن يخصه بهذا المنصب الشريف قضاء لحقوق الإخاء، فمن منع المستوجبين فقد ظلم وكان أفصح منه لساناً وأكبر سناً وألين جانباً.
قال جار الله: ﴿ وزيراً ﴾ و ﴿ هرون ﴾ مفعولاً ﴿ اجعل ﴾ قدم ثانيهما عناية بأمر الوزارة، أو ﴿ لي ﴾ و ﴿ وزيراً ﴾ مفعولان ﴿ هرون ﴾ عطف بيان للوزير و ﴿ أخي ﴾ في الوجهين بدل من ﴿ هرون ﴾ أو عطف بيان آخر.
وقيل: يجوز فيمن قرأ ﴿ اشدد ﴾ على الأمر أن يجعل ﴿ أخي ﴾ مرفوعاً على الابتداء و ﴿ اشدد ﴾ خبره فيوقف على ﴿ هرون ﴾ وشد الأزر به عبارة عن تقويته به وأن يجعله ناصراً له فيما عسى يرد عليه من الشدائد والخطوب، بل يجعله وسيلة له في أمر النبوة وطريق الرسالة لأنه صرح بذلك في قوله ﴿ وأشركه في أمري ﴾ .
ثم ذكر غاية الأدعية فإن المقصد الأسنى هو الاستغراق في بحر التوحيد ونفي الإشراك، فإن التعاون مهيج الرغبات ومسهل سلوك سبل الخيرات فقال ﴿ كي نسبحك كثيراً ﴾ أي تسبيحاً كثيراً ﴿ ونذكرك ﴾ ذكراً ﴿ كثيراً ﴾ وقدم التسبيح وهو التنزيه لأن النفي مقدم على الإثبات، فبالأول تزول العقائد الفاسدة، وبالثاني ترتسم النقوش الحسنة المفيدة.
ثم ختم الأدعية بقوله ﴿ إنك كنت بنا بصيراً ﴾ وفيه فوائد منها: أنه فوض استجابة الدعوات إلى عمله بأحوالهما وأنهما يصدد أهلية الإجابة أم لا، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى.
ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمه وأنه مفتقر إلى التعاون والتعاضد ولهذا سأل ما سأل.
ومنها أنه أعلم بأحوال أخيه هل يصلح لوزارته أم لا، وأن وزارته هل تصير سبباً لكثرة التسبيح والذكر.
وحين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله مطالبه وأنجح مآربة قائلاً ﴿ قد أوتيت سؤلك ﴾ والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول.
وزيادة قوله ﴿ يا موسى ﴾ بعد رعاية الفاصلة لأجل كمال التمييز والتعيين والله أعلم.
بمصالح عبيده.
التأويل: يا من طاب بطهارته بساط النبوة ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن ﴾ إلا لتسعد بتخلقك بخلقه ويسعد بسببك الأولون والآخرون من أهل السموات وأهل الأرضين.
﴿ تنزيلاً ممن خلق ﴾ أرض بشريتك وسموات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات الممكنات كما قال "أول ما خلق الله روحي" .
استوى بصفة الرحمانية على عرش قلبك ليكون معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل: ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الصفات الحميدة ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الصفات الذميمة ﴿ وما بينهما ﴾ أي بين سماء الروح وأرض النفس وهو القلب بما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص ﴿ وما تحت الثرى ﴾ أي ما هو مركوز في جبلة الإنسانية: ﴿ وإن تجهر بالقول ﴾ أن يظهر شيء من صفاتك بالقول ﴿ فإنه يعلم السر ﴾ وهو ما يظهر من سيرتك ﴿ وأخفى ﴾ هو ما أخفى الله من خفيك.
السر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح، وهو معدن الأسرار الروحانية.
والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات، وقد يحصل لكل إنسان عند نشأته الأولى وإن كان كافراً.
والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمن موحد صار مهبط الأنوار الربانية وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية، ولهذا قال عقيبه ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ لأن مظهر الألوهية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ وهو حقيقة قوله "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" ﴿ وهل أتاك حديث موسى ﴾ القلب ﴿ إذ رأى ناراً ﴾ وهو نور في الحقيقة مأنوس به من جانب طور الروح ﴿ فقال لأهله ﴾ وهم النفس وصفاتها ﴿ امكثوا ﴾ في ظلمة الطبيعة الحيوانية ﴿ إني آنست ﴾ نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي شيئاً ﴿ لعلي آتيكم منها بقبس ﴾ يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ بآداب الطريقة إلى الحقيقة ﴿ فلما أتاها نودي ﴾ من شجرة القدس بخطاب الإنس ﴿ فاخلع نعليك ﴾ أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن النعل يعبر في الرؤيا بهما، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل الى جناب القدس، أو هما المقدمتان في نحو قولنا "العالم محدث وكل محدث فله محدث وموجد" وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل ﴿ وأنا اخترتك ﴾ يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح ﴿ فاستمع ﴾ بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى إلا أنا ﴿ فاعبدني ﴾ بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري إياك بالتجلي.
إن قيامة العشق ﴿ آتية أكاد أخفيها ﴾ لعظم شأنها إلا أن متقاضى الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى ﴾ في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إليّ أمكن إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه.
وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق.
وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية، فجزاؤه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها.
ويحتمل أن يقال: أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار.
قالوا: أخطأ موسى في قوله ﴿ هي عصاي ﴾ وكان عليه أن يقول "أنت أعلم بحالها مني" وفي قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له ﴿ ألقها يا موسى ﴾ وفي قوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله.
﴿ خذها ولا تخف ﴾ فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به ﴿ واضمم ﴾ يد همتك إلى جناح قنوعك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير.
وفي قوله ﴿ قد أوتيت ﴾ بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ الطغيان: هو المجاوزة عن الحدود التي جعلت، كان فرعون قد تعدى، وجاوز الحدّ في كل شيء، حتى ادعى لنفسه الربوبيّة، حيث قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ إن موسى سأل ربّه أن يشرح له صدره، وذكر محمد أنه شرح له صدره بقوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ ، ثم جائز أن يكون شرح صدرهم لتسع ما حمل عليهم من ثقل النبوة والرسالة؛ ليتسع صدرهم لذلك، ويقدروا على القيام بذلك والوفاء به.
أو أن يكون سأله شرح صدره؛ لما كان الرسل يغضبون لله عند تكذيبهم قومهم حين دعوهم إلى دينه، ويحزنون على ذلك، فيمنعهم غضبهم وحزنهم عن القيام بتبليغ الرسالة، كقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ...
﴾ الآية [الشعراء: 12]، أخبر أنه يخاف عند تكذيب قومه ضيق صدره وثقل لسانه؛ لذلك أن يشرح له صدره، ويطلق له لسانه.
ويحتمل ما قاله بعض أهل التأويل: ﴿ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ ، أي: ليّن لي قلبي؛ لأن الرسل قد امتحنوا في حال واحدة بشيئين متضادين: بالغضب لله عند تكذيب قومهم إياهم، والرأفة لهم، والرحمة بما حل بهم بالتكذيب من العذاب، فذلك أمران يتضادان خصّ الرسل بهما، فجائز أن يكون سأل ربه أن يشرح له صدره؛ ليتسع للأمرين جميعاً: الغضب له، والرحمة عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي ﴾ : يحتمل: تبليغ الرسالة إليهم، والقيام بها، أو سأله التيسير بجميع ما أمره به ونهاه عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي ﴾ : يحتمل ما ذكرنا أنه إذا اشتد به الغضب يحبس لسانه ويثقل حتى يمنعه عن النطق به؛ فيظن ذلك اللعين أنه لخوف صار كذلك.
أو أن يكون سأل ذلك لآفة كانت بلسانه ما كان يمنعه عن التكلم به، فسأله أن يحل تلك الآفة والرتوتة التي كانت به.
وأمّا قول أهل التأويل: إنه أخذ بلحية فرعون، فلطمه، فأراد أن يعاقبه، فقالت له امرأته: إن فعل ذلك؛ فإنه لا يعقل.
فأتى بطشت من جمر وطشت من حلو، فهم أن يتناول من الحلو، فأهوى جبريل بيده إلى الجمر، فأخذه وجعله في فيه، فتلك الرتوتة التي سأله أن يحلها لذلك، لكن ذلك لا يعلم إلا بالوحي عن الله أنه كذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي ﴾ سأل ربّه أن يجعل أخاه معه وزيراً له ويشاوره؛ ليتحمل عنه بعض ما حمل عليه من الأثقال؛ إذ قيل: الوزير: هو الذي يتحمل عن الملك بعض ثقل ما حمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَزْرِي ﴾ ظهري.
وقال بعضهم: ﴿ ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ أي: عوني، وكذلك ذكر في حرف حفصة.
وقرأ بعضهم: ﴿ ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ على الخبر من موسى، وكذلك في قوله: ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي ﴾ ، وأمّا قراءة عامة القراء فهي على الدعاء والسؤال.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ ، أي: ظهري، ويقال: آزرته: أعنته، ويقال: توازروا: أي: تعاونوا، واستوزرته: أي: استعنت به، ومن هذا أخذ الوزير.
وقال القتبي: ﴿ أَزْرِي ﴾ : ظهري، ويقال: آزرت فلاناً على الأمر، أي: قويته عليه، فأمّا وازرته: فصرت له وزيراً، وأصل الوزارة من الوزر: وهو الحمل، كأنّ الوزير يتحمل عن السلطان بعض الثقل ويرفع عنه.
موسى سأل ربه أن يعينه بأخيه، ويقويه به فيما حمله، وأن يشركه فيما قلّده من الرسالة والقيام بها، فأجابه الله لذلك، حيث قال: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ﴾ يحتمل: كي نسبّحك كثيراً بالجماعة؛ لأن الصلاة بالجماعة تتضاعف على الصلاة وحده، وأن يعين بعضنا على التسبيح لك والذكر، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً ﴾ ، أي: إنك بضعفنا وعجزنا فيما حملتنا وقلدتنا بصيراً، عالماً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، أي: أعطيت ما سألته، وكان سأله أشياء فأوفي، فقوله: [ ﴿ سُؤْلَكَ ﴾ ، وسؤالك] ومسألتك لغات ثلاثة، كلها واحد.
<div class="verse-tafsir"
فقد أمرناها حين ألهمناها: أن ارميه بعد ولادته في الصندوق، واطرحي الصندوق في البحر، فسيطرحه البحر بالشاطن بأمر منّا، فيأخذه عدو لي وله، وهو فرعون، ووضعت عليك محبّة منّي، فأحبّك الناس، ولتتربى على عيني وفي حفظي ورعايتي.
<div class="verse-tafsir" id="91.9YaKb"