تفسير الآية ٤٧ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٤٧ من سورة طه

فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ٤٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 161 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤٧ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ) ، قد تقدم في حديث " الفتون " عن ابن عباس أنه قال : مكثا على بابه حينا لا يؤذن لهما ، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد .

وذكر محمد بن إسحاق بن يسار : أن موسى وأخاه هارون خرجا ، فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان : إنا رسل رب العالمين ، فآذنوا بنا هذا الرجل ، فمكثا فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان ، لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما ، حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه ، فقال له : أيها الملك ، إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبا ، يزعم أن له إلها غيرك أرسله إليك .

قال : ببابي ؟

قال : نعم .

قال : أدخلوه ، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه ، فلما وقف على فرعون قال : إني رسول رب العالمين .

فعرفه فرعون .

وذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر ، ضاف أمه وأخاه وهما لا يعرفانه ، وكان طعامهما ليلتئذ الطعثلل وهو اللفت ، ثم عرفاه وسلما عليه ، فقال له موسى : يا هارون ، إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى الله ، وأمر أن تعاونني .

قال : افعل ما أمرك ربك .

فذهبا ، وكان ذلك ليلا فضرب موسى باب القصر بعصاه ، فسمع فرعون فغضب وقال من يجترئ على هذا الصنيع ؟

فأخبره السدنة والبوابون بأن هاهنا رجلا مجنونا يقول : إنه رسول الله .

فقال : علي به .

فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما ما ذكر الله في كتابه .

وقوله : ( قد جئناك بآية من ربك ) أي : بدلالة ومعجزة من ربك ، ( والسلام على من اتبع الهدى ) أي : والسلام عليك إن اتبعت الهدى .

ولهذا لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم كتابا ، كان أوله : " بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى .

أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين " .

وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا ، صورته : " من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، سلام عليك .

أما بعد ، فإني قد أشركت في الأمر معك ، فلك المدر ولي الوبر ، ولكن قريش قوم يعتدون " .

فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " .

ولهذا قال موسى وهارون ، عليهما السلام ، لفرعون : ( والسلام على من اتبع الهدى)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( فَأْتِيَاهُ فَقُولا لَهُ إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ( قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) ما يحاوركما، فأوحي إليكما فتجاوبانه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأتياه فقولا إنا رسولا ربك في الكلام حذف ، والمعنى : فأتياه فقالا له ذلك .

فأرسل معنا بني إسرائيل أي خل عنهم .

ولا تعذبهم أي بالسخرة والتعب في العمل ، وكانت بنو إسرائيل عند فرعون في عذاب شديد ؛ يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، [ ص: 122 ] ويكلفهم من العمل في الطين واللبن وبناء المدائن ما لا يطيقونه .

قد جئناك بآية من ربك قال ابن عباس : يريد العصا واليد .

وقيل : إن فرعون قال له : وما هي ؟

فأدخل يده في جيب قميصه ، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع مثل شعاع الشمس ، غلب نورها على نور الشمس فعجب منها ولم يره العصا إلا يوم الزينة .

والسلام على من اتبع الهدى قال الزجاج : أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله - عز وجل - وعذابه .

قال : وليس بتحية ، والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب .

الفراء : السلام على من اتبع الهدى ولمن اتبع الهدى سواء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فأتياه بهذين الأمرين، دعوته إلى الإسلام، وتخليص هذا الشعب الشريف بني إسرائيل -من قيده وتعبيده لهم، ليتحرروا ويملكوا أمرهم، ويقيم فيهم موسى شرع الله ودينه.

{ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ } تدل على صدقنا { فَأَلْقَى } موسى { عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } إلى آخر ما ذكر الله عنهما.

{ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } أي: من اتبع الصراط المستقيم، واهتدى بالشرع المبين، حصلت له السلامة في الدنيا والآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ) أرسلنا إليك ، ( فأرسل معنا بني إسرائيل ) أي : خل عنهم وأطلقهم من أعمالك ، ( ولا تعذبهم ) لا تتعبهم في العمل .

وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة ، ( قد جئناك بآية من ربك ) قال فرعون : وما هي؟

فأخرج يده لها شعاع كشعاع الشمس ، ( والسلام على من اتبع الهدى ) ليس المراد منه التحية ، إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأتياه فقولا إنَّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل» إلى الشام «ولا تعذبهم» أي خل عنهم من استعمالك إياهم في أشغالك الشاقة كالحفر والبناء وحمل الثقيل «قد جئناك بآية» بحجة «من ربك» على صدقنا بالرسالة «والسلام على من اتبع الهدى» أي السلامة له من العذاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله لموسى وهارون: لا تخافا من فرعون؛ فإنني معكما أسمع كلامكما وأرى أفعالكما، فاذهبا إليه وقولا له: إننا رسولان إليك من ربك أن أطلق بني إسرائيل، ولا تكلِّفهم ما لا يطيقون من الأعمال، قد أتيناك بدلالة معجزة من ربك تدل على صدقنا في دعوتنا، والسلامة من عذاب الله تعالى لمن اتبع هداه.

إن ربك قد أوحى إلينا أن عذابه على مَن كذَّب وأعرض عن دعوته وشريعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم رسم لهما - سبحانه - طريق الدعوة فقال : ( فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ .

.

.

) .أى : فأتيا فرعون ، وادخلا عليه داره أو مكان سلطانه ، وقولا له بلا خوف أو وجل ( إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ) الذى خلقك فسواك فعدلك .وكان البدء بهذه الجملة لتوضيح أساس رسالتهما ، ولإحقاق الحق من أول الأمر ، ولإشعاره منذ اللحظة الأولى بأنهما قد أرسلهما ربه وربهما ورب العالمين ، لدعوته إلى الدين الحق ، وإلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار ، وإلى التخلى عن الكفر والطغيان .

وأنهما لم يأتياه بدافع شخصى منهما وإنما أتياه بتكليف من ربه ورب العالمين .أما الجملة الثانية التى أمرهما الله - تعالى - أن يقولاها لفرعون فقد حكاها - سبحانه - بقوله : ( فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ) أى : فأطلق سراح بنى إسرائيل ، ودعهم يعيشون أحرارا فى دولتك ولا تعذبهم باستعبادهم وقهرهم ، وقتل أبنائهم ، واستحياء نسائهم .قال - تعالى - : ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) قال الآلوسى : والمراد بالإرسال : إطلاقهم من الأسر ، وإخراجهم من تحت يده العادية ، لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام ، كما ينبىء عنه قوله - سبحانه - ( وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ) أى : بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب ، فإنهم كانوا تحت سيطرة القبط ، يستخدمونهم فى الأشعال الشاقة كالحفر والبناء .وقوله - تعالى - : ( قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ) جملة ثالثة تدل على صدقهما فى رسالتهما .والمراد بالآية هنا : جنسها ، فتشمل العصا واليد وغيرهما من المعجزات التى أعطاها الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - .أى : قد جئناك بمعجزة من ربك تثبت صدقنا ، وتؤيد مدعانا ، وتشهد بأنا قد أرسلنا الله - تعالى - إليك لهدايتك ودعوتك أنت وقومك إلى الدخول فى الدين الحق .فالجملة الكريمة تقرير لما تضمنه الكلام السابق من كونهما رسولين من رب العالمين ، وتعليل لوجوب إطلاق بنى إسرائيل ، وكف الأذى عنهم .أما الجملة الرابعة التى أمرهما الله - تعالى - بأن يقولاها لفرعون فهى قوله - سبحانه - : ( والسلام على مَنِ اتبع الهدى ) .أى : وقولا له - أيضا - السلامة من العذاب فى الدارين لمن اتبع الهدى بأن آمن بالله - تعالى - وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .

.

.فالسلام مصدر بمعنى السلامة ، وعلى بمعنى اللام .

ويفهم من الآية الكريمة أن من لم يتبع الهدى ، لا سلامة له ، ولا آمان عليه .وفى هذه الجملة من الترغيب فى الدخول فى الدين الحق ما فيها ، ولذا استعملها النبى - صلى الله عليه وسلم - فى كثير من كتبه ، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - فى رسالته إلى هرقل ملك الروم : بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم .

سلام على من اتبع الهدى .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن السؤال هو الطلب فعل بمعنى مفعول كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل بمعنى مأكول، واعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية، وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به تكليف لا يتكامل إلا بإجابته إليها، لا جرم أجابه الله تعالى إليها ليكون أقدر على الإبلاغ على الحد الذي كلف به فقال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ وعد ذلك من النعم العظام عليه لما فيه من وجوه المصالح ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى ﴾ فنبه بذلك على أمور: أحدها: كأنه تعالى قال: إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال.

وثانيها: إني كنت قد ربيتك فلو منعتك الآن مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي.

وثالثها: إنا لما أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك من حالة نازلة إلى درجة عالية دل هذا على أنا نصبناك لمنصب عال ومهم عظيم فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع من المطلوب، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة لفظة مؤذية والمقام مقام التلطف؟

والجواب إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصلت إليه ما كان مستحقاً لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها بمحض التفضل والإحسان.

السؤال الثاني: لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر منناً كثيرة؟

والجواب: لم يعن بمرة أخرى مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير.

واعلم أن المنن المذكورة هاهنا ثمانية: المنة الأولى: قوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى * أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ أما قوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا ﴾ فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة بل عند الشافعي رحمه الله لا تمكن من تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ  ﴾ وهذا صريح في الباب، وأيضاً فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين  ﴾ ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه: أحدها: المراد رؤيا رأتها أم موسى عليه السلام وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت وقذفه في البحر وأن الله تعالى يرده إليها.

وثانيها: أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأي الذي هو أقرب إلى الخلاص ويقال لذلك الخاطر إنه وحي.

وثالثها: المراد منه الإلهام لكنا متى بحثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأي بالبال وغلبة على القلب فيصير هذا هوالوجه الثاني وهذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني.

والجواب: لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون.

ورابعها: لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك النبي عرفها، إما مشافهة أو مراسلة، واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها.

والجواب: أن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان يأمره بالذهاب إليه مراراً.

وخامسها: لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة.

وسادسها: لعل الله تعالى بعث إليها ملكاً لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله: ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً  ﴾ وأما قوله: ﴿ مَا يوحى ﴾ فمعناه وأوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى وإنما وجب ذلك الوحي لأن الواقعة واقعة عظيمة ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي فكان الوحي واجباً أما قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقذفيه ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول.

المسألة الثانية: القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب  ﴾ .

المسألة الثالثة: روى أنها اتخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً ووضعت فيه موسى عليه السلام وقيرت رأسه وشقوقه بالقار ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجهاً فلما رآه فرعون أحبه وسيأتي تمام القصة في سورة القصص، قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون.

المسألة الرابعة: اليم هو البحر والمراد به هاهنا نيل مصر في قول الجميع واليم اسم يقع على البحر وعلى النهر العظيم.

المسألة الخامسة: قال الكسائي الساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن الماء يسحله أي يقذفه إلى أعلاه.

المسألة السادسة: قال صاحب الكشاف الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يؤدي إلى تنافر النظم فإن قيل المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال المقذوف والملقى هو موسى عليه السلام في جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر ولا يحصل التنافر.

المسألة السابعة: لما كان تقدير الله تعالى أن يجري ماء اليم ويلقي بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ ﴾ جواب الأمر أي اقذفيه يأخذه.

البحث الثاني: في كيفية الأخذ قولان، أحدهما: أن امرأة فرعون كانت بحيث تستسقي الجواري فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد من أخذ فرعون التابوت قبوله له واستحبابه إياه.

الثاني: أن البحر ألقى التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداه النهر إلى بركة فرعون فلما رآه أخذه.

البحث الثالث: قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ فيه إشكال وهو أن موسى عليه السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى.

وجوابه: أما كونه عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر وأما كونه عدواً لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه لو ظهر له حالة لقتله ويحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من العداوة.

المنة الثانية: قوله: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ وفيه قولان: الأول: وألقيت عليك محبة هي مني قال الزمخشري: ﴿ مِنّي ﴾ لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما أن يتعلق بمحذوف وهذا هو القول الثاني ويكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أي وألقيت عليك محبة حاصلة مني واقعة بخلقي فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت: ﴿ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ  ﴾ يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه وهو كقوله تعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً  ﴾ قال القاضي: هذا الوجه أقرب لأنه في حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب والمراد أن ما ذكرنا من كيفيته في الخلقة يستحلي ويغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته وسهل الله تعالى له منهما في التربية ما لا مزيد عليه ويمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار وهو أن يقال: وألقيت عليك محبة حاصلة مني وواقعة بتخليقي وعلى التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقي قوله: إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله تعالى قلنا: لا نسلم فإن محبة الله تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده وهذا المعنى كان حاصلاً في حقه في حال صباه وعلم الله تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة.

المنة الثالثة: قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ قال القفال: لترى على عيني أي على وفق إرادتي، ومجاز هذا أن من صنع لإنسان شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يحب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه فكذا هاهنا وفي كيفية المجاز قولان: الأول: المراد من العين العلم أن ترى على علم مني ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

الثاني: المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازاً وهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى  ﴾ ويقال: عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة، قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ الحفظ والحياطة كقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ فرجعناك إلى أُمّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ فصار ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له، بقي هاهنا بحثان: الأول: الواو في قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كأنه قيل: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ ألقيت عليك محبة مني ثم يكون قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ متعلقاً بأول الكلام وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى * إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى ﴾ و ﴿ إذ تمشي أختك ﴾ .

وثانيها: يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ متعلقاً بما بعده وهو قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي ﴾ وذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين  ﴾ .

وثالثها: يجوز أن تكون الواو مقحمة أي وألقيت عليك محبة مني لتصنع وهذا ضعيف.

الثاني: قرئ ولتصنع بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وقرئ ولتصنع بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك وتصرفك على علم مني.

المنة الرابعة: قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ واعلم أن العامل في إذ تمشى ألقيت أو تصنع، يروى أنه لما فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاماً في النيل وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها لأن الله تعالى قد حرم عليه المراضع غير أمه اضطروا إلى تتبع النساء فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت إليهم متنكرة فقالت: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ  ﴾ ثم جاءت بالأم فقبل ثديها فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير.

أما قوله تعالى: ﴿ فرجعناك إلى أُمّكَ ﴾ أي رددناك، وقال في موضع آخر: ﴿ فرددناه إلى أُمّهِ  ﴾ وهو كقوله: ﴿ قَالَ رَبّ ارجعون  ﴾ أي ردوني إلى الدنيا، أما قوله: ﴿ كَي تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ فالمراد أن المقصود من ردك إليها حصول السرور لها وزوال الحزن عنها، فإن قيل: لو قال كي لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيداً لأنه لا يلزم من نفي الحزن حصول السرور لها، وأما لما قال أولاً كي تقر عينها كان قوله بعد ذلك: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ ﴾ فضلاً لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة، قلنا: المراد أنه تقر عينها بسبب وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك.

والمنة الخامسة: قوله: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فنجيناك مِنَ الغم ﴾ فالمراد به وقتلت بعد كبرك نفساً وهو الرجل الذي قتله خطأ بأن وكزه حيث استغاثه الإسرائيلي عليه وكان قبطياً فحصل له الغم من وجهين، أحدهما: من عقاب الدنيا وهو اقتصاص فرعون منه ما حكى الله تعالى عنه: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَائِفاً يَتَرَقَّبُ  ﴾ والآخر من عقاب الله تعالى حيث قتله لا بأمر الله فنجاه الله تعالى من الغمين، أما من فرعون فحين وفق له المهاجرة إلى مدين وأما من عقاب الآخرة فلأنه سبحانه وتعالى غفر له ذلك.

المنة السادسة: قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: في قوله: ﴿ فُتُوناً ﴾ وجهان: أحدهما: أنه مصدر كالعكوف والجلوس والمعنى وفتناك حقاً وذلك على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر كقوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً  ﴾ ، والثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي فتناك ضروباً من الفتن وهاهنا سؤالان.

السؤال الأول: إن الله تعالى عدد أنواع مننه على موسى عليه السلام في هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ .

الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفتنة تشديد المحنة، يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أُوذِىَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله  ﴾ وقال تعالى: ﴿ الٓمٓ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والَّذِينَ آمَنُوا مَعهُ متَى نَصْرَ الله  ﴾ فالزلزلة المذكورة في الآية ومس البأساء والضراء هي الفتنة والفتون، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب لا جرم عده الله تعالى من جملة النعم.

وثانيها: ﴿ فتناك فُتُوناً ﴾ أي خلصناك تخليصاً من قولهم: فتنت الذهب من الفضة إذا أردت تخليصه وسأل سعيد بن جبير ابن عباس عن الفتون فقال: نستأنف له نهاراً يا ابن جبير.

ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الواردة في شأن موسى عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه السلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من الإرتضاع من الأجانب، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون ووضعه الجمرة في فيه، ثم قصة قتل القبطي، ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيراً لشعيب عليه السلام، ثم عوده إلى مصر وأنه أخطأ الطريق في الليلة المظلمة واستئناسة بالنار من الشجرة وكان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من الفتون يا ابن جبير.

السؤال الثاني: هل يصح إطلاق اسم الفتان عليه سبحانه اشتقاقاً من قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ والجواب لا لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي.

المنة السابعة: قوله تعالى: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ﴾ واعلم أن التقدير: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ فخرجت خائفاً إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم، أما مدة اللبث فقال أبو مسلم: إنها مشروحة في قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل  ﴾ وهي إما عشرة وإما ثمان لقوله تعالى: ﴿ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ  ﴾ وقال وهب: لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانياً وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته، والآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر، واعلم أن قوله: ﴿ فَلَبِثَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ بعد قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ كالدلالة على أن لبثه في مدين من الفتون وكذلك كان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر والغربة محناً كثيرة، واحتاج إلى أن آجر نفسه، أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ﴾ فلابد من حذف في الكلام لأنه على قدر أمر من الأمور، وذكروا في ذلك المحذوف وجوهاً: أحدها: أنه سبق في قضائي وقدري أن أجعلك رسولاً لي في وقت معين عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر لا قبله ولا بعده، ومنه قوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ  ﴾ .

وثانيها: على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة.

وثالثها: أن القدر هو الموعد فإن ثبت أنه تقدم هذا الموعد صح حمله عليه، ولا يمتنع ذلك لاحتمال أن شعيباً عليه السلام أو غيره من الأنبياء كانوا قد عينوا ذلك الموعد، فإن قيل: كيف ذكر الله تعالى مجيء موسى عليه السلام في ذلك الوقت من جملة مننه عليه، قلنا: لأنه لولا توفيقه له لما تهيأ شيء من ذلك.

المنة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِي ﴾ والاصطناع اتخاذ الصنعة، وهي افتعال من الصنع.

يقال: اصطنع فلان فلاناً أي اتخذه صنيعه، فإن قيل: إنه تعالى غني عن الكل فما معنى قوله لنفسي.

والجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا تمثيل لأنه تعالى لما أعطاه من منزلة التقريب والتكريم والتكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه أهلاً لأن يكون أقرب الناس منزلة إليه وأشدهم قرباً منه.

وثانيها: قالت المعتزلة: إنه سبحانه وتعالى إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ومن جملة الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً فلو لم يصطنعه بالرسالة لبقي في عهدة الواجب فصار موسى عليه السلام كالنائب عن ربه في أداء ما وجب على الله تعالى، فصح أن يقول: واصطنعتك لنفسي، قال القفال واصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلاناً إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وجريح فلان وقوله لنفسي: أي لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل بغير ما أمرتك به وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد عليه المنن الثمانية في مقابلة تلك الالتماسات الثمانية رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً، أما الأمر فهو أنه سبحانه وتعالى أعاد الأمر بالأول فقال: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي ﴾ واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال: ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِي ﴾ عقبه بذكر ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: الباء هاهنا بمعنى مع وذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

المسألة الثانية: اختلفوا في الآيات المذكورة هاهنا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها اليد والعصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي اقتص الله تعالى فيها حديث موسى عليه السلام فإنه تعالى لم يذكر في شيء منها أنه عليه السلام قد أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى عنه: ﴿ قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ  فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ  وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ  ﴾ وقال: ﴿ فَذَانِكَ برهانان مِن رَّبّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ  ﴾ فإذا قيل لهؤلاء كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين أجابوا بوجوه: الأول: أن العصا ما كانت آية واحدة بل كانت آيات فإن انقلاب العصا حيواناً آية ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى: ﴿ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ  ﴾ ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم كانت تصير ثعباناً وهذه آية أخرى.

ثم إن موسى عليه السلام كان يدخل يده في فيها فما كانت تضر موسى عليه السلام فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زوالهما بعد حصولهما آية أخرى فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لا آيتان.

الثاني: هب أن العصا أمر واحد لكن فيها آيات كثيرة لأن انقلابها حية يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم ويدل على نبوة موسى عليه السلام ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً فهذه آيات كثيرة ولذلك قال: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ فِيهِ ءايات بينات مَّقَامُ إبراهيم  ﴾ فإذا وصف الشيء الواحد بأن فيه آيات فالشيئان أولى بذلك.

الثالث: من الناس من قال: أقل الجمع إثنان على ما عرفت في أصول الفقه.

القول الثاني: أن قوله: ﴿ اذهبا بِآياتِي ﴾ معناه أني أمدكما بآياتي وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه فاذهبا فإن آياتي معكما كما يقال اذهب فإن جندي معك أي أني أمدك بهم متى احتجت.

القول الثالث: أن الله تعالى آتاه العصا واليد وحل عقدة لسانه وذلك أيضاً معجز فكانت الآيات ثلاثة هذا هو شرح الأمر أما النهي فهو قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ الوني الفتور والتقصير وقرئ ولا تنيا بكسر حرف المضارعة للاتباع ثم قيل فيه أقوال: أحدها: المعنى لا تنيا بل اتخذا ذكرى آلة لتحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري والحكمة فيه أن من ذكر جلال الله استحقر غيره فلا يخاف أحداً ولأن من ذكر جلال الله تقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في المقصود، ولأن ذاكر الله تعالى لابد وأن يكون ذاكراً لإحسانه وذاكر إحسانه لا يفتر في أداء أوامره.

وثانيها: المراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها فكان جديراً بأن يطلق عليه اسم الذكر.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ عند فرعون وكيفية الذكر هو أن يذكرا لفرعون وقومه أن الله تعالى لا يرضى منهم بالكفر ويذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب.

ورابعها: أن يذكرا لفرعون آلاء الله ونعماءه وأنواع إحسانه إليه ثم قال بعد ذلك: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى ﴾ وفيه سؤالان: الأول: ما الفائدة في ذلك بعد قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ قال القفال فيه وجهان.

أحدهما: أن قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأموراً بالذهاب على الانفراد فقيل مرة أخرى اذهبا ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعاً لا أن ينفرد به هرون دون موسى.

والثاني: أن قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون، ثم إن قوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ أمر بالذهاب إلى فرعون وحده.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ خطاب مع موسى وهارون عليهما السلام وهذا مشكل لأن هارون عليه السلام لم يكن حاضراً هناك وكذلك في قوله تعالى: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى  ﴾ أجاب القفال عنه من وجوه.

أحدها: أن الكلام كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه كان متبوع هارون فجعل الخطاب معه خطاباً مع هارون وكلام هارون على سبيل التقدير فالخطاب في تلك الحالة وإن كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا  ﴾ وقوله: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل  ﴾ وحكي أن القائل هو عبد الله بن أبي وحده.

وثانيها: يحتمل أن الله تعالى لما قال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ سكت حتى لقي أخاه، ثم إن الله تعالى خاطبهما بقوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ .

وثالثها: أنه حكى أنه في مصحف ابن مسعود وحفصة: ﴿ قَالاَ رَبُّنَا إِنَّنَا نَخَافُ ﴾ أي قال موسى: أنا وأخي نخاف فرعون أما قوله تعالى: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: لم أمر الله تعالى موسى عليه السلام باللين مع الكافر الجاحد.

الجواب لوجهين: الأول: أنه عليه السلام كان قد رباه فرعون فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق وهذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين.

الثاني: أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم في الوعظ أن يزدادوا عتواً وتكبراً، والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر فلهذا أمر الله تعالى بالرفق.

السؤال الثاني: كيف كان ذلك الكلام اللين.

الجواب: ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما حكى الله تعالى بعضه فقال: ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ  وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ  ﴾ وذكر أيضاً في هذه السورة بعض ذلك فقال: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ .

وثانيها: أن تعداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

وثالثها: كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ورابعها: حكي عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة سنة وتسع سنين فقال له موسى عليه السلام: «إن أطعتني عمرت مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة» واعترضوا على هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة.

أما الأول: فقيل لو حصلت له هذه الأمور الثلاثة في هذه المدة الطويلة لصار ذلك كالإلجاء إلى معرفة الله تعالى وذلك لا يصح مع التكليف.

وأما الثاني: فلأن خطابه بالكنية أمر سهل فلا يجوز أن يجعل ذلك هو المقصود من قوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ بل يجوز أن يكون ذلك من جملة المراد.

وأما الثالث: فالاعتراض عليه كما في الأول أما قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ فاعلم أنه ليس المراد أنه تعالى كان شاكاً في ذلك لأن ذلك محال عليه تعالى وإنما المراد: فقولا له قولاً ليناً، على أن تكونا راجيين لأن يتذكر هو أو يخشى.

واعلم أن أحوال القلب ثلاثة.

أحدها: الإصرار على الحق.

وثانيها: الإصرار على الباطل.

وثالثها: التوقف في الأمرين، وأن فرعون كان مصراً على الباطل وهذا القسم أردأ الأقسام فقال تعالى: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ فيرجع من إنكاره إلى الإقرار بالحق وإن لم ينتقل من الإنكار إلى الإقرار لكنه يحصل في قلبه الخوف فيترك الإنكار وإن كان لا ينتقل إلى الإقرار فإن هذا خير من الإصرار على الإنكار واعلم أن هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى لأنه تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان إيمانه ضداً لذلك العلم الذي يمتنع زواله فيكون سبحانه عالماً بامتناع ذلك الإيمان وإذا كان عالماً بذلك فكيف أمر موسى عليه السلام بذلك الرفق وكيف بالغ في ذلك الأمر بتلطيف دعوته إلى الله تعالى مع علمه استحالة حصول ذلك منه؟

ثم هب أن المعتزلة ينازعون في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في هذا السؤال ولكنهم سلموا أنه كان عالماً بأنه لايحصل ذلك الإيمان وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى عليه السلام إلا استحقاق العقاب والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بها بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه؟

يا أخى العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ولا سبيل فيها إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان، ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة: فقولا له قولاً ليناً وسأقسي قلبه فلا يؤمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فرط: سبق وتقدّم.

ومنه الفارط: الذي يتقدّم الواردة.

وفرس فرط: يسبق الخيل، أي: نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها.

وقرئ ﴿ يفرط ﴾ من أفرطه غيره إذا حمله على العجلة.

خافا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب من شيطان، أو من جبروته واستكباره وادّعائه بالربوبية.

أو من حبه الرياسة، أو من قومه القبط المتمرّدين الذين حكى عنهم ربّ العزّة ﴿ قَالَ الملا مِن قَوْمِهِ ﴾ [الأعراف: 60] ﴿ قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ ﴾ [المؤمنون: 33] وقرئ ﴿ يفرط ﴾ من الإفراط في الأذية، أي: نخاف أن يحول بيننا وبين تبليغ الرسالة بالمعاجلة.

أو يجاوز الحدّ في معاقبتنا إن لم يعاجل، بناء على ما عرفا وجرّبا من شرارته وعتوّه ﴿ أَوْ أَن يطغى ﴾ بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي، لجرأته عليك وقسوة قلبه.

وفي المجيء به هكذا على الإطلاق وعلى سبيل الرمز: باب من حسن الأدب وتحاش عن التفوّه بالعظيمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا ﴾ أنْ يَعْجَلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ولا يَصْبِرَ إلى تَمامِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ المُعْجِزَةِ، مِن فَرْطِ إذا تَقَدَّمَ ومِنهُ الفارِطُ وفَرَسٌ فَرَطٌ يَسْبِقُ الخَيْلَ.

وقُرِئَ «يَفْرُطَ» مِن أفَرَطْتَهُ إذا حَمَلْتَهُ عَلى العَجَلَةِ، أيْ نَخافُ أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ مِنَ اسْتِكْبارٍ أوْ خَوْفٍ عَلى المُلْكِ أوْ شَيْطانٌ إنْسِيٌّ أوْ جِنِّيٌّ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ، و «يَفْرُطَ» مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ.

﴿ أوْ أنْ يَطْغى ﴾ أوْ أنْ يَزْدادَ طُغْيانًا فَيَتَخَطّى إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي لِجَراءَتِهِ وقَساوَتِهِ وإطْلاقِهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ.

﴿ قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما ﴾ بِالحِفْظِ والنَّصْرِ.

﴿ أسْمَعُ وأرى ﴾ ما يَجْرِي بَيْنَكُما وبَيْنَهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، فَأُحْدِثُ في كُلِّ ما يَصْرِفُ شَرَّهَ عَنْكُما ويُوجِبُ نُصْرَتِي لَكُما، ويَجُوزُ أنْ لا يَقْدِرَ شَيْءٌ عَلى مَعْنى إنَّنِي حافِظُكُما سامِعًا ومُبْصِرًا، والحافِظُ إذا كانَ قادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا تَمَّ الحِفْظُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأْتِيَاهُ} أي فرعون {فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ} إليك {فأرسل معنا بني إسرائيل} أي اطلقهم على الاستبعاد والاسترقاق {وَلاَ تُعَذّبْهُمْ} بتكليف المشاق {قَدْ جئناك بآية مّن رَّبّكَ} بحجة على صدق ما ادعيناه وهذه الجملة جارية من الجملة الأولى وهي إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ مجرى البيان والتفسير والتفصيل لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتا وهي المجئ بالآي فقال فرعون وما هي فأخرج يده لها شعاع كشعاع الشمس {والسلام على مَنِ اتبع الهدى} أي سلم من العذاب من أسلم وليس بتحية وقيل وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأْتِياهُ ﴾ أمْرٌ بِإتْيانِهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَ ما أُمِرا بِالذَّهابِ إلَيْهِ فَلا تَكْرارَ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ لا تَخافا ﴾ بِاعْتِبارِ تَعْلِيلِهِ بِما بَعْدَهُ ﴿ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ ﴾ أُمِرا بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِيَعْرِفَ الطّاغِيَةُ شَأْنَهُما ويَبْنِيَ جَوابَهُ عَلَيْهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى وإنْ رَأى اللَّعِينُ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيرًا لَهُ حَيْثُ إنَّهُ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ ولا يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ الإغْلاظِ في القَوْلِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ إلى آخِرِهِ خِلافًا لِلْإمامِ، والفاءُ في (فَأرْسِلْ) لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ رَسُولَيْ رَبِّهِ تَعالى مِمّا يُوجِبُ إرْسالَهم مَعَهُما والمُرادُ بِالإرْسالِ إطْلاقُهم مِنَ الأُسَرِ وإخْراجُهم مِن تَحْتِ يَدِهِ العادِيَةِ لا تَكْلِيفُهم أنْ يَذْهَبُوا مَعَهُما إلى الشّامِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ ولا تُعَذِّبْهُمْ ﴾ أيْ بِإبْقائِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ فَإنَّهم كانُوا تَحْتَ مَلِكَةِ القِبْطِ يَسْتَخْدِمُونَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ كالحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الأحْجارِ وكانُوا يَقْتُلُونَ أبْناءَهم عامًا دُونَ عامٍ ويَسْتَخْدِمُونَ نِساءَهُمْ، ولَعَلَّهُما إنَّما بَدَآ بِطَلَبِ إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ دَعْوَةِ الطّاغِيَةِ وقَوْمِهِ إلى الإيمانِ لِلتَّدْرِيجِ في الدَّعْوَةِ، فَإنَّ إطْلاقَ الأسْرى دُونَ تَبْدِيلِ الِاعْتِقادِ، وقِيلَ: لِأنَّ تَخْلِيصَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكَفَرَةِ أهَمُّ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ وهَذا بَعْدَ تَسْلِيمِهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الباطِنِ أوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا بُدَّ لِذَلِكَ مِن دَلِيلٍ، وقِيلَ: إنَّما بَدَأ بِطَلَبِ إرْسالِهِمْ لِما فِيهِ مِن إزالَةِ المانِعِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ وهي أهَمُّ مِن دَعْوَةِ القِبْطِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ هُنا لِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ ودَفْعِ طُغْيانِهِ فَهي الأهَمُّ دُونَ دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ ما طَلَبا مِنهُ الإيمانُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ آيَةُ النّازِعاتِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُنا اكْتِفاءً بِما هُناكَ كَما أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ هُناكَ بِهَذا الطَّلَبِ اكْتِفاءً بِما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ وتَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الإرْسالِ، فَإنَّ مَجِيئَهُما بِآيَةٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِمّا يُحَقِّقُ رِسالَتَهُما ويُقَرِّرُها ويُوجِبُ الِامْتِثالَ بِأمْرِهِما، وإظْهارُ اسْمِ الرَّبِّ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِتَأْكِيدِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّقْرِيرِ والتَّعْلِيلِ، وجِيءَ بِقَدْ لِلتَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ أيْضًا، وتَكَلَّفَ لِإفادَتِها التَّوَقُّعَ وتَوْحِيدَ الآيَةِ مَعَ تَعَدُّدِها لِأنَّ المُرادَ إثْباتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها لا بَيانُ تَعَدُّدِ الحُجَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْناكَ بِما يُثْبِتُ مُدَّعانا، وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ اليَدُ، وقِيلَ: العَصا والقَوْلانِ كَما تَرى.

﴿ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ﴾ أيِ: السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ في الدّارَيْنِ لِمَنِ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِ آياتِ اللَّهِ تَعالى الهادِيَةِ إلى الحَقِّ، فالسَّلامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السَّلامَةِ كالرِّضاعِ والرَّضاعَةِ، وعَلى بِمَعْنى اللّامِ كَما ورَدَ عَكْسُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ وحُرُوفُ الجَرِّ كَثِيرًا ما تَتَقارَضُ، وقَدْ حَسَّنَ ذَلِكَ هُنا المُشاكَلَةُ حَيْثُ جِيءَ بِعَلى في قَوْلِهِ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، يعني: اخترتك للرسالة والنبوة ولإقامة حجتي.

فقال موسى: يا رب حسبي حسبي فقد تمت كرامتي، فقال الله عزَّ وَجَلَّ: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي، يعني: آياتي التسع، وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي يعني: لا تفترا ولا تضعفا ولا تعجزا عن أداء رسالتي.

اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى، يعني: تكبر وعلا.

فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً، يعني: كلاماً باللين والشفقة والرفق، لأن الرؤساء بكلام اللين أقرب إلى الانقياد من الكلام العنيف.

أي: قولا له: أيها الملك، ويقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لوجوب حقه عليك بما رباك، وإن كان كافراً.

وروى أسباط عن السدي قال: القول اللين، أن موسى جاءه فقال له: تسلم وتؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين، على أن لك شباباً لا يهرم أبدا، وتكون ملكا لا ينزع منك أبداً حتى تموت، ولا ينتزع منك لذة الطعام والشراب والجماع أبداً حتى تموت، فإذا مت دخلت الجنة.

قال: فكأنه أعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمراً دون هامان، وكان هامان غائباً فقال له فرعون: إن لي من أوامره وهو غائب حتى يقدم أي لأشاوره.

فلم يلبث أن قدم هامان، فقال له فرعون: علمت بأن ذلك الرجل أتاني؟

فقال هامان: ومن ذلك الرجل؟

فقال: هو موسى.

قال: فما قال؟

فأخبره بالذي دعاه إليه.

قال: فما قلت له؟

قال: لقد دعاني إلى أمر أعجبني.

فقال له هامان: قد كنت أرى لك عقلاً وأن لك رأياً بيناً، أنت رب أفتريد أن تكون مربوبا، وبينا أن تعبد أفتريد أن تعبد غيرك؟

فغلبه على رأيه فأبى.

ثم قال تعالى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى، يعني: يتعظ أو يسلم.

وقال الزجاج: «لعل» في اللغة ترجّي وتطمّع، يقول: لعله يصير إلى خير.

والله سبحانه وتعالى خاطب العباد بما يعقلون، والمعنى عند سيبويه: اذهبا على رجائكما وطمعكما، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى، إلا أن الحجة إنما تجب بإبائه.

وقال بعض الحكماء: إذا أردت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فعليك باللين لأنك لست بأفضل من موسى وهارون، ولا الذي تأمره بالمعروف ليس بأسوأ من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى بأن يأمراه باللين، فأنت أولى أن تأمر وتنهى باللين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ مَا يُوحى قيل:

هو وَحْي إلهام، وقِيلَ: بملك، وقِيلَ: برؤْيَا رَأَتْهَا، وكان مِنْ قصة موسى عليه السلام فيما رُوي أن فرعون ذُكرَ له أَنَّ خرابَ مُلْكِه يكونُ عَلَى يد غُلاَمٍ من بني إسرائيل فأمر بقتل ٩ ب كُلِّ/ مَوْلُودٍ يولَدُ لبني إسرائيل، ثم إنه رَأَى مع أَهْل مملكته: أَنَّ فناء بني إسرائيل يعودُ على القِبْطِ بالضَرَرِ إذْ هم كانوا عَمَلَةَ الأَرْضِ، والصناع، ونحو هذا فعزم على أَنْ يقتُلَ الوِلْدَانَ سنةً، ويَسْتَحْيِيَهُم سنةً، فولد هرون عليه السلام في سَنَةِ الاِسْتِحْيَاءِ، ثم ولد موسى عليه السلام في العام الرابع سَنَةَ القَتْلِ، فخافت عليه أُمُّه فأوحى اللَّه إلَيْها: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فأخذَت «١» تابُوتاً فقذفَتْ فيه موسى راقِداً في فِرَاشٍ، ثم قذفتْهُ في يَمِّ النيل، وكان فرعون جَالِساً في مَوْضِع يُشْرِفُ منه على النِّيلِ إذْ رَأَى التَّابُوتَ فأمَر به، فسِيقَ إليه، وامرأته معه، ففُتِحَ فرأَوْهُ فَرَحِمتْهُ «٢» امرأته وطلبتْهُ لتتَّخذَهُ ابنا، فأباح لها ذلك، ثم إنَّها عرضَتْهُ للرِّضَاعِ، فلم يقبلِ «٣» امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة، ويُطافُ به يُعْرَضُ للمَرَاضِعِ، فكلما عُرِضَتْ عليه امرأةٌ أَباهَا، وكانت أمه قالَتْ لأُخْتِه: قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ [القصص: ١١] وفهمت أمره، فقالت لهم: أنا أدلُّكم على أهْل بيت يَكْفلُونه لَكُمْ، وهم له نَاصِحُون، فتعلَّقُوا بِهَا، وقالوا: أنْتِ تَعْرِفينَ هذا الصبيَّ، فأنْكَرتْ، وقَالَتْ: لاَ، غير أني أعلم من أهل هذا البيْتِ الحِرْصَ على التقرُّبِ إلى المملكةِ، والجدّ في خِدْمتها، ورِضَاهَا، فتَرَكُوها وسَأَلُوها الدَّلاَلة، فجاءت بِأُمِّ مُوسَى، فلما قَرَّبَتْهُ، شَرِبَ ثَدْيَهَا، فسُرّت بذلك آسِيَةُ امرأة فِرْعون (رضي اللَّه عنها) وقالت لها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فقالت لها: ما كُنْتُ لأَدَعَ بيتي وَوَلَدِي، ولكنه يِكُون عِنْدِي، فقالت: نعم، فأَحسنت إلى أَهْل ذلك البيت غاية الإحسان،

واعتزَّ بنو إسْرَائِيل بهذا الرِّضاعِ، والسبب من المَمْلَكَةِ، وأقام موسى عليه السلام حتى كَمَلَ رضاعه، فأرسلت إليها آسية: أن جئيني بولدي لِيَوْمِ كذا، وأمَرتْ خَدَمَها، ومَنْ مَعَها أنْ يلقينه بالتحَفِ، والهَدَايا، واللّباس فوصل إليها على ذلك، وهو بخير حال وأجمل ثياب، فسُرّت بِهِ، ودخَلتْ به عَلَى فِرْعَوْن؟

ليراه ويهب له «١» فرآه وأعْجَبه، وقرَّبَهُ فأخذ موسى عليه السلام بلِحْيَةِ فرعون، وجَبَذَهَا، فاسْتَشَاطَ فرعونُ، وقال: هذا عَدُوٌّ لي، وأمَر بذبْحِهِ، فَنَاشَدَتْهُ فيه امرأته، وقالَتْ: إنه لاَ يَعْقِلُ، فقال فِرْعَونُ: بل يَعْقِلُ، فاتَّفَقَا عَلَى تَجْرِيبه بالجمْرَةِ «٢» والياقُوتِ حَسَبَ ما تقدَّمَ، فنجاه اللَّهُ من فرعون ورَجَعَ إلى أمّه، فشبّ عندها، فاعتزّ به بنو إسْرَائِيل «٣» إلى أن تَرَعْرَعَ، وكان فَتًى جَلداً «٤» فَاضِلاً كَامِلاً، فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرِّضاع، وكان يحميهم، ويكون ضِلعَهُ مَعهم، وهو يَعْلَمُ مِنْ نفسه أنه مِنْهُم، ومِنْ صَمِيمِهم، فكانت بصيرته في حمايتهم أكِيدة، وكان يَعْرِفُ ذلك أَعيانُ بني إسْرَائِيل، ثم وقعت له قِصَّةُ القِبْطِيِّ المتقاتل مع الإسرائيلي على ما سيأتي إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالى، وعدد اللَه سبحانه على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القِصَّة: مِنْ لُطْفه سُبْحَانه به في كُلِّ فَصْل، وتخليصه من قِصَّةٍ إلَى أخرى، وهذه الفُتُون التي فتنه بها، أيْ: اختبره بها، وخلَّصَهُ حتى صلح لِلنّبوّةِ، وسلم لها.

وقوله مَا يُوحى / إبهامٌ يتضمن عِظَمَ الأَمْر وَجَلالَتِه وهذا كَقَوْلِهِ تعالى: إِذْ ١٠ أيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى [النجم: ١٦] فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى

[النجم: ١٠] .

وهو كثيرٌ في القرآن، والكلام الفصيح.

وقوله: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ خبرٌ خرج في صِيغَةِ الأَمر «٥» [مُبالغةً ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ» فأخرج الخبر في صِيغَة الأمْرِ لنفسه، مُبَالغةً] «٦» ، وهذا كَثِيرٌ، والمرادُ بالعدُوِّ في الآية: فرعونُ ثم أخبر تعالى مُوسَى عليه السلام أَنه ألْقى عليه مَحَبَّةً منه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ ﴾ ؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿ مَرَّةً أُخْرى ﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى ﴾ ؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ.

فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ ما يُوحى ﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟

فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ.

والثّانِي: أنَّ ﴿ ما يُوحى ﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَغَشّاها ما غَشّى  ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ.

فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ.

﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ \[ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي \] .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ.

قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي.

وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ  ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟

فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟

قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ ﴾ ؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ.

﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا ﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿ فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ.

والفُتُونُ مَصْدَرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ.

ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى.

وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] .

وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ ﴾ ؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ الفَرّاءُ: ﴿ عَلى قَدَرٍ ﴾ ؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ ؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿ اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ.

والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ.

والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنِيا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى.

وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ.

والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي ﴾ ﴿ اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى ﴾ ﴿ قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى ﴾ ﴿ قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .............................

فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ.

و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ: فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي مَعَكُما ﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ.

"أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون انتقال إلى خطاب موسى وهارون.

فيقتضي أن هارون كان حاضراً لهذا الخطاب، وهو ظاهر قوله بعده ﴿ قالا ربنا إننا نخاف ﴾ [طه: 45]، وكان حضور هارون عند موسى بوحي من الله أوحاه إلى هارون في أرض «جاسان» حيث منازل بني إسرائيل من أرض قرب (طِيبة).

قال في التّوراة في الإصحاح الرابع من سفر الخروج «وقال (أي الله) ها هو هارون خارجاً لاستقبالك فتكلمه أيضاً».

وفيه أيضاً «وقال الرب لهارون اذهب إلى البرية لاستقبال موسى فذهب والتقيا في جبل الله» أي جبل حُوريب، فيكون قد طُوي ما حدث بين تكليم الله تعالى موسى في الوادي عند النار وما بين وصول موسى مع أهله إلى جبل (حوريب) في طريقِه إلى أرض مصر، ويكون قوله ﴿ قالا ربنا إننا نخاف ﴾ الخ، جواباً عن قول الله تعالى لهما: ويجوز أن تكون جملة اذْهَبَا إلى فِرْعَونَ } بدلاً من جملة ﴿ اذْهَب أنتَ وأخوك ﴾ [طه: 42]، فيكون قوله وجملة إنَّهُ طغى} تعليل للأمر بأن يذهبا إليه.

فعُلم أنه لقصد كفّه عن طغيانه.

وفعل ﴿ طغى ﴾ رسم في المصحف آخره ألفاً مُمالة، أي بصورة الياء للإشارة إلى أنّه من طَغِي مثل رَضي.

ويجوز فيه الواو فيقال: يطغو مثل يدعو.

والقول الليّنُ: الكلام الدال على معاني الترغيب والعرض واستدعاء الامتثال، بأن يظهر المتكلّم للمخاطب أنّ له من سداد الرأي ما يتقبّل به الحق ويميّز به بين الحق والباطل مع تجنب أن يشتمل الكلام على تسفيه رأي المخاطب أو تجهيله.

فشبه الكلام المشتمل على المعاني الحسنة بالشيء الليّننِ.

واللين، حقيقة من صفات الأجسام، وهو: رطوبة ملمس الجسم وسهولة ليّه، وضد الليّن الخشونة.

ويستعار الليّن لسهولة المعاملة والصفح.

وقال عمرو بن كلثوم: فإن قناتنا يا عَمْرو أعيَت *** على الأعداءِ قبلَكَ أن تلينا واللين من شعار الدعوة إلى الحق، قال تعالى: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ [النحل: 125] وقال: ﴿ فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ﴾ [آل عمران: 159].

ومن اللين في دعوة موسى لفرعون قوله تعالى: ﴿ فقل هل لك إلى أن تَزّكّى وأهديَك إلى ربك فتخشى ﴾ [النازعات: 18، 19] وقوله: ﴿ والسلام على من اتبّع الهدى ﴾ [الكهف: 47]، إذ المقصود من دعوة الرسل حصول الاهتداء لا إظهار العظمة وغلظة القول بدون جدوى.

فإذا لم ينفع اللين مع المدعوّ وأعرض واستكبر جاز في موعظته الإغلاظ معه، قال تعالى: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم ﴾ [العنكبوت: 46]، وقال تعالى عن موسى: ﴿ إنّا قد أوحي إلينا أن العَذاب على من كذّب وتولّى ﴾ [طه: 48].

والتّرجي المستفاد من (لعلّ) إما تمثيل لشأن الله في دعوة فرعون بشأن الراجي، وإما أن يكون إعلاماً لموسى وفرعون بأن يرجوَا ذلك، فكان النطق بحرف الترجي على لسانهما، كما تقول للشخص إذا أشرت عليه بشيء: فلعلّه يصادفك تيْسير، وأنت لا تريد أنّك ترجو ذلك ولكن بطلب رجاء من المخاطب.

وقد تقدمت نظائره في القرآن غير مرّة.

والتذكّر: من الذُّكر بضم الذال أي النظر، أي لعلّه ينظر نظر المتبصّر فيعرف الحق أو يخشى حلولَ العقاب به فيُطيع عن خشية لا عن تبصر.

وكان فرعون من أهل الطغيان واعتقاد أنه على الحق، فالتذكر: أن يعرف أنه على الباطل، والخشيةُ: أن يتردد في ذلك فيخشى أن يكون على الباطل فيحتاط لنفسه بالأخذ بما دعاه إليه موسى.

وهنا انتهى تكليم الله تعالى موسى عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ يُحْتَمَلُ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَقْتُكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّنْعَةِ.

الثّانِي: اخْتَرْتُكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّنِيعَةِ.

﴿ لِنَفْسِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَحَبَّتِي.

الثّانِي: لِرِسالَتِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنِيا في ذِكْرِي ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا تَفْتُرا في ذِكْرِي، قالَ الشّاعِرُ: فَما ونى مُحَمَّدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ لَهُ الإلَهُ ما مَضى وما غَبَرْ الثّانِي: لا تَضْعُفا في رِسالَتِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لا تُبْطِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: لا تَزالا، حَكاهُ أبانٌ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ طَرَفَةَ: كَأنَّ القُدُورَ الرّاسِياتِ أمامَهم ∗∗∗ قِبابٌ بَنُوها لا تَنِي أبَدًا تَغْلِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَطِيفًا رَقِيقًا.

الثّانِي: كَنِّياهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ إنَّ كُنْيَةَ فِرْعَوْنَ أبُو مُرَّةَ، وقِيلَ أبُو الوَلِيدِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَبْدَأهُ بِالرَّغْبَةِ قَبْلَ الرَّهْبَةِ، لِيَلِينَ بِها فَيَتَوَطَّأُ بَعْدَها مِن رَهْبَةٍ ووَعِيدٍ، قالَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ: يا رَبِّ هَذا رِفْقُكَ لِمَن عاداكَ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن والاكَ؟

وقِيلَ إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُحْسِنُ لِمُوسى حِينَ رَبّاهُ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ رِفْقَهُ بِهِ مُكافَأةً لَهُ حِينَ عَجَزَ مُوسى عَنْ مُكافَأتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر، عن أسماء بنت عميس قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بإزاء ثبير وهو يقول: «أشرق ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر لي أمري وأن تحل عقدة من لساني ﴿ يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً ﴾ » .

وأخرج السلفي في الطيوريات بسند واه، عن أبي حعفر محمد بن علي قال: «لما نزلت ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي اشدد به أزري ﴾ كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على جبل، ثم دعا ربه وقال: اللهم اشدد أزري بأخي علي» فأجابه إلى ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واحلل عقدة من لساني ﴾ قال: عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه، عن أمر امرأة فرعون تدرأ به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل.

قال: هذا عدوّ لي، فقالت امرأته: إنه لا يعقل.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي ﴾ قال: كان أكبر من موسى.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية في قوله: ﴿ اشدد به أزري ﴾ قال ظهري.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ اشدد به أزري ﴾ يقول: اشدد به أمري وقوّني به، فإن لي به قوّة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأشركه في أمري ﴾ قال: نُبِئَ هرون ساعتئذ حين نبئ موسى عليهما السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة أن عائشة سمعت رجلاً يقول: إني لأدري أي أخ في الدنيا كان أنفع لأخيه: موسى حين سأل لأخيه النبوّة.

فقالت: صدق والله.

وأخرج الحاكم، عن وهب قال: كان هرون فصيحاً بين النطق يتكلم في تؤدة ويقول بعلم وحلم، وكان أطول من موسى طولاً، وأكبرهما في السن، وأكثرهما لحماً، وأبيضهما جسماً، وأعظمهما ألواحاً، وكان موسى جعداً آدم طوالاً، كأنه من رجال شنوأة، ولم يبعث الله نبياً إلا وقد كان عليه شامة النبوّة في يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا- صلى الله عليه وسلم- فإن شامة النبوّة كانت بين كتفيه.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ ﴿ كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً ﴾ بنصب الكاف الأولى في كلهن.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش: أنه كان يجزم هذه الكافات كلها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاقذفيه في اليم ﴾ قال هو النيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سلمة بن كهيل رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حببتك إلى عبادي.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حيث نظرت آسية وجه موسى، فرأت حسناً وملاحة، فعندها قالت لفرعون: ﴿ قرة عين لي ولك لا تقتلوه ﴾ [ القصص: 9] .

وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي رجاء في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: الملاحة والحلاوة.

وأخرج ابن عساكر، عن قتادة في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حلاوة في عيني موسى، لم ينظر إليه خلق إلا أحبه.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كنت مع عبدالله بن عمر رضي الله عنه فتلقاه الناس يسلمون عليه ويحيونه ويثنون عليه ويدعون له- فيضحك ابن عمر- فإذا انصرفوا عنه، أقبل علي فقال: إن الناس ليجيئون حتى لو كنت أعطيهم الذهب والفضة ما زادوا عليه، ثم تلا هذه الآية ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: ولتعمل على عيني.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: تربى بعين الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: ولتغذى على عيني.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية يقول: أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ﴿ إذ تمشي أختك ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب، عن ابن عمر: «سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ.

يقول الله: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ قال: من قتل النفس ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: أخلصناك إخلاصاً.

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: ابتليناك إبتلاء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: ابتليناك ببلاء نعمة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: اختبرناك اختباراً.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: بلاء إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً يترقب.

وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده، وعبد بن حميد، والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ فسألت عن الفتون ما هو؟

فقال: استأنف النهار يا ابن جبير، فإن لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحت غدوت على ابن عباس، لأتنجز ما وعدني من حديث الفتون فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل- وعد إبراهيم عليه السلام- من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً.

فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هذا كان وعد الله إبراهيم.

قال فرعون: فكيف ترون؟

فائتمروا وأجمعوا أمرهم، على أن يبعث رجالاً- معه الشفار- يطوفون في بني إسرائيل: فلا يجدون مولوداً إلا ذبحوه، ففعلوا فلما رأوا أن الكبار يموتون بآجالهم، وإن الصغار يذبحون قالوا: يوشك أن يفني بنو إسرائيل، فتصيروا تباشروا الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر، فتقل أبناؤهم.

ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم، فاجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أم موسى بهرون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدت علانية آمنة، حتى إذا كان في قابل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهم والحزن، فذلك من الفتون يا ابن جبير، لما دخل عليه في بطن أمه ما يراد به، فأوحى الله إليها: أن: ﴿ لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ [ القصص: 7] وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها- أتاها الشيطان- وقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟!

لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.

فانطلق به الماء حتى أوفى به عند مستقى جواري امرأة فرعون، فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهن لبعض: إن في هذا لمالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه بهيئته لم يحركن منه شيئاً، حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقي عليها محبة لم تلق منها على أحد من البشر قط، ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ [ القصص: 10] من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت للذباحين: إن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، وإني آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فلما أتت به فرعون قالت: ﴿ قرة عين لي ولك لا تقتلوه ﴾ [ القصص: 9] قال فرعون: يكون لك، وأمَّا لي فلا حاجة لي فيه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي يحلف به، لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له، كما قالت امرأته لهداه الله به، كما هدى به امرأته ولكن الله- عز وجل- حرمه ذلك، فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً، فكلما أخذته امرأة منهن لترضعه، لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمنتع من اللبن، فيموت فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق، ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً يأخذ منها، فلم يفعل، وأصبحت أم موسى والهاً، فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً؟

أحي أم قد أكلته الدواب؟

ونسيت الذي كان وعد الله ﴿ فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون ﴾ والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به (فقالت)- من الفرح حين أعياهم الظوائر- ﴿ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ﴾ فأخذوها، فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟

هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك؟

وذلك من الفتون يا ابن جبير.

فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في جانب الملك رجاء شفقته.

فتركوها فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها: إنا قد وجدنا لابنك ظئراً.

فأرسلت إليها فأتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع قالت لها: امكثي عندي أرضعي ابني هذا- فإني لم أحب حبه شيئاً قط- قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه؟

فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي.

فذكرت أم موسى ما كان الله عز وجل وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أن الله عز وجل منجز وعده.

فرجعت بابنها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل- وهم يجتمعون في ناحية القرية- يمتنعون به من الظلم والسخرة منذ كان فيهم، فلما ترعرع، قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريد أن تريني ابني، فوعدتها يوماً تزورها فيه به.

فقالت لخزانها وجواريها وقهارمتها: لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه، وأنا باعثة أميناً يحضر ما صنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها، فلما دخل عليها أكرمته ونحلته وفرحت به وأعجبها، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت لأنطلقن به إلى فرعون فلينحلنه وليكرمنه.

فلما دخلت به عليه وجعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقالت له الغواة- من أعداء الله-: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم؟

إنه يرثك ويصرعك ويعلوك.

فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه.

وذلك من الفتون يا ابن جبير، بعد كل بلاء ابتلي به، وأريد به فتوناً.

فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟

قال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني!؟

قالت له: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أن يعقل، وإن هو تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، فاعلم أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل.

فلما قرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين أخذ الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا بدنه.

فقال للمرأة: لا يذبح.

وصرفه الله عنه بعد أن كان هم به، وكان الله بالغ أمره فيه، فلما بلغ أشده- وكان من الرجال- لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم، ولا بسخرة حتى امتنعوا كل الإمتناع.

فبينما هو يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان- أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون- فاستغاثة الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه، لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم: لا يعلم إلا أن ذلك من الرضاع من أم موسى، إلا أن يكون الله تعالى أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع غيره عليه، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله، وموسى والإسرائيلي.

(فقال) موسى: حين قتل الرجل ﴿ هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ﴾ [ القصص: 15] ثم ﴿ قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له، وأصبح في المدينة خائفاً يترقب ﴾ [ القصص: 17] الأخبار، فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم.

فقال ائتوني به ومن شهد عليه، فإن الملك- وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له، أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون فلا يجدون بينة ولا ثبتاً، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان من وكزه الذي رأى، فغضب من الإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال: ﴿ إنك لغوي مبين ﴾ [ القصص: 18] فنظر الإسرائيلي إلى موسى حين قال له ما قال- فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس- فخاف بعدما قال له: ﴿ إنك لغوي مبين ﴾ [ القصص: 18] أن يكون إياه أراد، وإنما الفرعوني ﴿ فقال يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ [ القصص: 19] وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى؛ فليقتله فيتداركا، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين يقول: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ [ القصص: 19] فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ﴿ وجاء رجل ﴾ من شيعة موسى ﴿ من أقصى المدينة ﴾ [ القصص: 20] فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فخرج موسى متوجهاً نحو مدين، لم يلق بلاء مثل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه، فإنه ﴿ قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ [ القصص: 22] ﴿ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ﴾ [ القصص: 23] يعني فلم تسقيا غنمهما قال: ﴿ ما خطبكما ﴾ [ القصص: 23] معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟

قالتا: ليست لنا قوة نزاحم القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم ﴿ فسقى لهما ﴾ [ القصص: 24] فجعل يغرف في الدلو ماءً كثيراً حتى كانتا أول الرعاة فراغاً- فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً وقال: إن لكما اليوم لشأناً: فحدثتاه بما صنع موسى.

فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته.

فلما كلمه ﴿ قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ [ القصص: 25] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته.

قالت ابنته: ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ [ القصص: 26] فحملته الغيرة أن قال: وما يدريك ما قوته؟

وما أمانته؟

قالت: أما قوته: فما رأيت منه حين سقى لنا، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا.

وأمانته: فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة، صوب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إليّ حين أقبلت إليه، حتى بلغته رسالتك.

فقال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يقل هذا إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت.

فقال: هل لك ﴿ أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ﴾ [ القصص: 27] ففعل وكانت على موسى ثماني حجج واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عدته فأتمها عشراً.

قال سعيد: فسألني رجل من أهل النصرانية من علمائهم: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟

قلت: لا.

وأنا يومئذ لا أعلم.

فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذي قال النصراني فقال: أما كنت تعلم أن ثمانياً واجبة؟

لم يكن موسى لينتقص منها، وتعلم أن الله تعالى كان قاضياً عن موسى عدته التي وعد؟

فإنه قضى عشراً، فأخبرت النصراني فقال: الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك.

قلت؛ أجل وأولى!

﴿ سار موسى بأهله ﴾ ورأى من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن، وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه- فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام- فسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون؛ ليكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به، فأتاه الله سؤاله فحل عقدة من لسانه، وأوحى إلى هارون، وأمره أن يلقى موسى، فاندفع موسى بالعصا، ولقي هارون فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما ببابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ فقال: ﴿ ومن ربكما يا موسى ﴾ فأخبراه بالذي قص الله في القرآن.

قال: فما تريدان؟

وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل.

فأبى عليه ذلك.

وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه، فتحوّلت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون،- فلما رأى فرعون أنها قاصدة إليه- خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى: أن يكفها عنه ففعل، ﴿ وأخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء ﴾ يعني برص، ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول.

فاستشار الملأ فيما رأى، فقالوا له: ﴿ هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ يعنون ملكهم الذي هم فيه، والعيش، فأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب.

وقالوا له: اجمع لهم السحرة- فإنهم بأرضنا كثير- حتى تغلب بسحرهم سحرهما ﴿ فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ﴾ [ الشعراء: 54] فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر.

قالوا: يعمل بالحيات والحبال.

وقالوا: فلا والله، ما في الأرض قوم يعملون بالحيات والحبال والعصي بالسحر ما نعمل به!

فما أجرنا إن غلبناه؟

قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع بكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا ليوم الزينة ﴿ وأن يحشر الناس ضحى ﴾ قال سعيد: فحدثني ابن عباس: أن يوم الزينة- اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة- وهو يوم عاشوراء، فلما اجتمعوا في صعيد واحد.

قال الناس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا فلنحضر هذا الأمر و ﴿ نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ﴾ [ الشعراء: 40] - يعنون بذلك موسى وهارون استهزاء بهما- فقالوا: يا موسى- لقدرتهم بسحرهم- ﴿ إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ [ الأعراف: 115] قال: ألقوا ﴿ فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ﴾ [ الأعراف: 44] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة.

فأوحى الله إليه ﴿ أن ألق عصاك ﴾ [ القصص: 31] فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرة فاها، فجعل العصا بدعوة موسى تلتبس بالحبال، حتى صارت جرداً إلى الثعبان، حتى تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلاً إلا ابتلعته، فلما عاين السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً لم تبتلع من سحرنا كل هذا!

ولكن هذا من أمر الله عز وجل.

فآمنا بالله، وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا فيه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، فظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴿ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ﴾ [ الأعراف: 119] وامرأة فرعون بارزة متبذلة- تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون- فمن رآها- من آل فرعون ظن أنها تبذلت شفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى.

فلما طال مكث موسى لمواعد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كشف ذلك عنه، نكث عهده واختلف وعده، حتى أمر موسى بقومه، فخرج بهم ليلاً.

فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا بعث في المدينة وحولها حاشرين، فتبعهم جنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى فانفرق له اثني عشر فرقاً، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق بعد على من بقي من قوم فرعون وأشياعه.

فنسي موسى أن يضرب بعصاه، فدفع إلى البحر وله قصيف؛ مخافة أن يضربه بعصاه وهو غافل فيصير عاصياً ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ وتقاربا ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ [ الشعراء: 61] فافعل ما أمرك به ربك فإنك لم تكذب ولم تكذب.

قال: وعدني ربي إذا انتهيت إلى البحر أن ينفرق لي حتى أجوز، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر- حين دنا أوائل جند فرعون- من أواخر جند موسى فانفرق البحر- كما أمره الله وكما وعد موسى، فلما جاز أصحاب موسى كلهم، ودخل أصحاب فرعون كلهم، التقى البحر عليهم كما أمره الله عز وجل، فما أن جاوز البحر ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ [ الشعراء: 61] إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نأمن هلاكه!

فدعا ربه فأخرجه له ببدنه من البحر، حتى استيقنوا.

ثم مروا بعد ذلك ﴿ على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة.

قال إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ﴾ [ الأعراف: 138] قد رأيتم من العبر ما يكفيكم وسمعتم به، فمضى حتى أنزلهم منزلاً، ثم قال لهم: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، وإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً- فصامهن ليلهن ونهارهن- كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه.

فقال له ربه:- حين أتاه- لم أفطرت؟

وهو أعلم بالذي كان.

قال: يا رب، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح.

قال: وما علمت يا موسى، أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك!

ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني.

ففعل موسى الذي أمره الله به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك.

وقد كان هارون خطبهم وقال له: إنكم خرجتم من مصر وعندكم ودائع لقوم فرعون وعوار، ولكم فيهم مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها أو عارية، ولسنا نرى أداء شيء من ذلك إليهم، ولا مُمْسِكيه.

فحفر حفرة وأمر كل قوم عندهم شيء من ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفرة، ثم أوقد عليه النار فأحرقه وقال: لا يكون لنا ولا لهم.

وكان السامري رجلاً من قوم يعبدون البقر، ليس من بني إسرائيل، جار لهم، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثر الفرس، فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون: يا سامري.

ألا تلقي ما في يديك؟- وهو قابض عليه لا يراه أحد (طوال ذلك) فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها، أن يكون ما أريد.

قال: فألقاها ودعا له هارون.

فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع: نحاس أو حديد أو حلى، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح له خوار.

فقال ابن عباس: والله ما كان له صوت، ولكن الريح كانت تدخل في دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك.

فتفرق بنو إسرائيل فقالت فرقة: يا سامري، ما هذا فإنك أنت أعلم به؟

فقال: هذا ربكم، ولكن موسى أخطأ الطريق.

فقالوا: لا نكذب بهذا ﴿ حتى يرجع إلينا موسى ﴾ [ طه: 91] فإن يك ربنا لم يكن ضيعنا وعجزنا حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإننا نتبع قول موسى.

وقال فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس ربنا ولا نصدق به ولا نؤمن به.

وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل: وأعلنوا التكذيب و ﴿ قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ﴾ وليس بهكذا.

قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين ليلة، ثم أخلفنا فهذه أربعون ليلة: فقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه، فلما كلم الله موسى وقال ما قال له، وأخبره بما لقي قومه من بعده، ﴿ فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ [ الأعراف: 150] فقال لهم ما سمعتم في القرآن ﴿ وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴾ [ الأعراف: 150] من الغضب غير أنه عذر أخاه، واستغفر ربه، ثم انصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟

فقال: ﴿ قبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ وفطنت وعميت عليكم ﴿ فقذفتها وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ ﴿ قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ إلى قوله: ﴿ في اليم نسفاً ﴾ ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك!

فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم رأي هارون، فقالوا: يا موسى، سل ربك أن يفتح لنا باب توبة نعملها ونكفر عنا ما عملنا ﴿ فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً ﴾ [ الأعراف: 155] لذلك لا يألوا لخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم ليسأل ربهم التوبة، فرجفت الأرض بهم فاستحيا موسى عليه السلام من قومه، ووفده حين فعل بهم ذلك فقال: ﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء ﴾ [ الأعراف: 155] الآية.

ومنهم من قد اطلع الله منه على ما أشرب قلبه العجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض.

فقال: ﴿ رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ﴾ [ الأعراف: 155] إلى قوله: ﴿ والإنجيل ﴾ [ الأعراف: 156] فقال: رب سألتك التوبة لقومي فقلت: إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتى أخرج في أمة ذلك الرجل المرحومة.

قال الله عز وجل: فإن توبتهم، أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد أو ولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قبل ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، وما اطلع الله عليهم من ذنوبهم فاعترفوا بها.

وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول، ثم سار بهم موسى متوجهاً نحو الأرض المقدسة، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها، حتى نتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون الأرض، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا فيها مدينة جبارين، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها!

فقالوا: يا موسى ﴿ إن فيها قوماً جبارين ﴾ [ المائدة: 22] لا طاقة لنا اليوم بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها ﴿ فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ قال رجلان من الجبارين: آمنا بموسى، فخرجا إليه فقالا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم ليس لهم قلوب ولا منعة عندهم، ﴿ فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ [ المائدة: 23] ويقول أناس إنهما من قوم موسى، وزعم سعيد أنهما من الجبارين، آمنا بموسى.

يقول: ﴿ من الذين يخافون أنعم الله عليهما ﴾ [ المائدة: 33] وإنما يعني بذلك الذين يخافهم بنو إسرائيل.

فقالوا: ﴿ يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ [ المائدة: 24] فأغضبوا موسى فدعا عليهم، فسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى فيهم من المعصية وإساءتهم- حتى كان يومئذ- فدعا عليهم فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين ﴿ فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ﴾ [ المائدة: 26] يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [ البقرة: 60] في كل ناحية ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، لا يرتحلون بها من مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأوّل» .

رفع الحديث ابن عباس، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وصدق ذلك عندي: أن معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه: أن يكون الفرعوني هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل.

وقال: إنما أفشى عليه الإسرائيلي، فأخذ ابن عباس بيده فانطلق إلى سعد بن مالك الزهري فقال: أرأيت يوم حدثنا النبي- صلى الله عليه وسلم- عن قتيل موسى من آل فرعون، من أفشى عليه؟

الإسرائيلي أو الفرعوني؟

قال: أفشى عليه الفرعوني، بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلبثت سنين في أهل مدين ﴾ [ طه: 40] قال: عشر سنين ﴿ ثم جئت على قدر يا موسى ﴾ [ طه: 40] قال على موعد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم جئت على قدر ﴾ قال: الميقات.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم جئت على قدر ﴾ قال: على موعد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنيا في ذكري ﴾ قال لا تضعفا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه مثله.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله- عز وجل- ﴿ ولا تنيا عن ذكري ﴾ قال: ولا تضعفا عن أمري.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: إني وجدك ما ونيت وإنني ** أبغي الفكاك له بكل سبيل وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنيا ﴾ قال: لا تبطئا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنِّياه.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنياه يا أبا مرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال اعذرا إليه، وقولا له: إن لك رباً ولك معاداً وإن بين يديك جنة وناراً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الفضل بن عيسى الرقاشي أنه تلا هذه الآية ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ فقال: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولى ويناديه؟.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعله يتذكر ﴾ قال: هل يتذكر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا نخاف أن يفرط علينا ﴾ قال: يعجل ﴿ أو أن يطغى ﴾ قال: يعتدي.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ﴾ قال: عقوبة منه.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ﴾ قال: أسمع ما يقول ﴿ وأرى ﴾ ما يجاوبكما، فأوحي إليكما فتجاوباه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم بسند جيد، عن ابن مسعود قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون، قال: رب، أي شيء أقول؟

قال: قل أهيا شراً هيا.

قال الأعمش: تفسير ذلك، الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء.

وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عباس قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال: «لا يغرنكما لباسه الذي ألبسته، فإن ناصيته بيدي، فلا ينطق ولا يطرف إلا بإذني، ولا يغرنكما ما متع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين، فلو شئت أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء، يعرف فرعون أن قدرته تعجز عن ذلك لفعلت، وليس ذلك لهوانكما علي، ولكني ألبستكما نصيبكما من الكرامة على أن لا تنقصكما الدنيا شيئاً، وإني لأذود أوليائي عن الدنيا، كما يذود الراعي إبله عن مبارك الغيرة، وإني لأجنبهم كما يجنب الراعي إبله عن مراتع الهلكة، أريد أن أنور بذلك صدورهم، وأطهر بذلك قلوبهم فيَّ، سيماهم الذين يعرفون وأمرهم الذي يفتخرون به، وأعلم: أنه من أخاف لي ولياً فقد بارزني، وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم وابن مردويه من طريق ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب إلى هرقل «من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب، عن قتادة قال: التسليم على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم أن تقول: السلام على من اتبع الهدى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ ﴾ قيل: العصا (١) (٢) وقال ابن الأنباري: (أراد جميع (٣) (٤) ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد من الله عز وجل على من اتبع البيان الذي جاء به موسى) (٥) وقال أبو إسحاق: (ليس يعني به التحية، وإنما معناه: أن من اتبع الهدى يسلم من عذاب الله وسخطه، والدليل على أنه ليس سلام: أنه ليس ابتداء لقاء وخطاء) (٦) وقال الفراء: (يريد والسلامة على من أَتبع الهدى، ولمن ابتع الهدى واحد.

قال: ويدل على صحة هذا المعنى.

(١) "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 39، "بحر العلوم" 2/ 345، "زاد المسير" 5/ 290، "القرطبي" 11/ 203.

(٢) "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 39، "بحر العلوم" 2/ 345، "زاد المسير" 5/ 290.

(٣) قوله: (جميع) ساقط من نسخة (س).

(٤) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 539، "المحرر" 10/ 35، "البحر المحيط" 6/ 246، "روح المعاني" 16/ 198، وقال: وتوحيد الآية مع تعددها لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا بيان الحجة فكأنه قيل: جئناك بما يثبت مدعانا.

(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 171، "زاد المسير" 5/ 290، "الجامع لأححَام القرآن" 11/ 204.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 358.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ ﴾ أي سرحهم، وكانوا تحت يد فرعون وقومه، وكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وتسريح بني إسرائيل ﴿ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ كان يعذبهم بذبح أبنائهم وتسخيرهم في خدمته وإذلالهم.

﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ ﴾ يعني قلب العصا حية وإخراج اليد بيضاء، وإنما وحدَّهما وهما آيتان، لأنه أراد إقامة البرهان وهو معنى واحد، ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يريد التحية أو السلامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: بإمالة الطاء والهاء.

حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وعباس وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.

وفي الكشاف أن أبا عمرو فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء.

والآخرون بتفخيمها ﴿ لأهله امكثوا ﴾ بضم الهاء وكذلك في "القصص": حمزة ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر غير ابن مجاهد ﴿ على النار هدى ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وحمزة في رواية ابن معدان وأبي عمر والنجاري عن ورش وأبي عمرو وغير ابراهيم وابن حماد ﴿ أني أنا ربك ﴾ بفتح الهمزة وياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.

بكسر الهمزة وفتح الياء: نافع الباقون: بكسر الهمزة وسكون الياء ﴿ طوى ﴾ منوناً حيث كان: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر ﴿ وإنا اخترناك ﴾ على الجمع: حمزة والمفضل ﴿ لذكري ﴾ ﴿ إني ﴾ ﴿ لي ﴾ ﴿ أمري ﴾ ﴿ عيني ﴾ ﴿ برأسي ﴾ (إني) بفتح الياآت: حمزة والمفضل ونافع وأبو عمرو.

(لي فيها) بالفتح: حفص والمفضل والأعشى والبرجمي والأصبهاني عن ورش مخير ﴿ أخي اشدد ﴾ بفتح الياء موصولة: ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح وأبو عمرو ﴿ واشدد ﴾ بفتح الهمزة ﴿ وأشركه ﴾ بضمها على التكلم: ابن عامر والباقون بضم الأول وفتح الثاني على الأمر ﴿ سؤلك ﴾ بالواو: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الآخرون بالهمزة.

الوقوف: ﴿ طه ﴾ ه كوفي ومن قال معناه يا رجل أو يا طالب أو يا هادي لم يقف ﴿ لتشقى ﴾ ه للاستثناء ﴿ يخشى ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ تنزيلاً ﴾ بدل ﴿ تذكره ﴾ ﴿ لعلي ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ ﴿ استوى ﴾ ه ﴿ الثرى ﴾ ه ﴿ وأخفى ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ه ﴿ حديث موسى ﴾ ه لئلا يوهم أن "إذ" ظرف للإتيان ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ نعليك ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ طوى ﴾ ه ط إلا لمن قرأ ﴿ إنا اخترناك ﴾ ﴿ بوحي ﴾ ه ﴿ فاعبدني ﴾ ه لا للعطف ﴿ لذكرى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ فتردى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ عصاي ﴾ ج لا مكان أن يجعل ﴿ أتوكأ ﴾ مستأنفاً أو حالاً والعامل أضمر أو أشير بناء على أن "هي" بمعنى "هذه".

﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ ولا تخف ﴾ ق لحق السين ﴿ الأولي ﴾ ه ﴿ آية أخرى ﴾ ه لا لتعلق اللام.

﴿ الكبرى ﴾ ه ج للآية والاستئناف بالأمر على أن المقول متصل ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ صدري ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ه لا ﴿ لساني ﴾ ه لا ﴿ قولي ﴾ ص لطول الكلام ﴿ أهلي ﴾ ه لا ﴿ أخي ﴾ ه لا وقف لمن قرأ ﴿ أشدد ﴾ بفتح الهمزة جواباً للدعاء ومن فتح الياء فله الوصل ومن قرأ ﴿ اشدد ﴾ بضم الهمزة فله الجواز لاتساق الدعاء على الدعاء بلا عاطف ﴿ أزري ﴾ ه لا ﴿ أمري ﴾ ه لا لتعلق "كي" ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ه.

التفسير: في ﴿ طه ﴾ قولان للمفسرين: أحدهما أنه من حروف التهجي وقد سلف البحث في أمثالها، والذي زادوه ههنا أمور منها: قول الثعلبي: الطاء شجرة طوبى، والهاء الهاوية وكأنه أقسم بالجنة والنار.

ومنها ما روي عن جعفر الصادق  أن الطاء طهارة أهل الدين والهاء هدايتهم.

وقيل: أراد يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب.

ومنها قول سعيد بن جبير هو افتتاح باسمه الطيب الطاهر الهادي.

قيل: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة ومعناه: يا أيها البدر.

القول الثاني أنها كلمة مفيدة ومعناها يا رجل.

مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن بير وقتادة وعكرمة والكلبي.

ثم قال سعيد بن جبير بلسان القبطية: وقال قتادة بلسان اليونانية والسريانية.

وقال عكرمة بلسان الحبشة.

وقال الكلبي بلسان عك وهو عك ابن عدنان أخو معد وهو اليوم في اليمن.

وعن الحسن أن طه أمر وأصله طأ أمراً بالوطء فقلبت الهمزة هاء وذلك لما روي أن النبي  كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معاً، ويؤكده ما روي أنه  بالليل حتى اسمعدّت قدماه - أي تورمتا - فقال له جبرائيل: أرفق على نفسك فإن لها عليك حقاً ونزلت ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ أي تتعب بالعبادة ولكنك بعثت بالحنيفية السهلة.

وعند الأكثرين معنى ﴿ لتشقى ﴾ لتتعب بفرط تأسفك عليهم وتحسرك على أن يؤمنوا.

والشقاء يجيء بمعنى التعب ومنه المثل "أشقى من رائض مهر وأتعب".

وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له: إن كل شقي لأنك تركت دين آبائك فرد الله عليهم بأن القرآن هو السبب في نيل كل سعادة.

قال جار الله: إن جعلت ﴿ طه ﴾ تعديد الأسماء الحروف فقوله ﴿ ما أنزلنا ﴾ ابتداء الكلام، وإن جعلته اسماً للسورة فمبتدأ وما بعده خبر وقد أقيم الظاهر - وهو القرآن - مقام الضمير الرابط، وإن جعلته قسماً فما يتلوه جواب وكل واحد من ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ تذكرة ﴾ علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل والثاني جاز قطع اللام عنه لوجود الشرط.

ولا يجوز أن يكون ﴿ تذكرة ﴾ بدلاً من محل ﴿ لتشقى ﴾ لاختلاف الجنسين، فإن التذكرة لا يمكن أن تحمل على الشقاء ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي فيه "إلا" بمعنى "لكن".

وفي قوله ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ إلا تذكرة ﴾ وجه آخر وهو أنه ما أنزلنا عليك القرآن لتتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة أي ما أنزلنا عليك هذا التعب الشاق إلا لهذا الغرض كما يقال: ما شافهناك بذلك الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك.

فانتصب ﴿ تذكرةً ﴾ على أنه حال أو مفعول له، وإذا كانت حالاً جاز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها، وإذا كانت مفعولاً لأجله لم يجز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها لأن الشيء لا يعلل بنفسه، فالإنزال لا يعلل بالتنزيل في الظاهر.

ويجوز أن ينتصب ﴿ تنزيلاً ﴾ بمضمر أي نزل تنزيلاً أو بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أبو بـ ﴿ يخشى ﴾ مفعولاً به أي أنزله الله تذكرةً لمن يخشى تنزيل الله عز وجلّ أي لمن يؤل أمره إلى الخشية لأنه هو المنتفع به.

ومعنى كون القرآن تذكرةً أنه  كان يعظهم به وببيانه.

﴿ ممن خلق ﴾ متعلق ﴿ بتنزيلاً ﴾ فيكون الظرف لغواً أو بكائناً صفة له فيكون مستقراً.

وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلاً منا أمور منها: الافتنان في الكلام على عادتهم.

ومنها تنسيق الصفات مع لفظ الغيبة.

ومنها التفخيم بالإسناد أولاً إلى ضمير المتكلم المطاع في ﴿ أنزلناه ﴾ ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد.

وقيل: أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا التفات.

و ﴿ العلى ﴾ جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السموات بها دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها.

ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة.

ومنه قول الحكماء: عقول الرجال تحت لسان أقلامهم.

وارتفع ﴿ الرحمن ﴾ على المدح على تقدير هو الرحمن، أو هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق.

والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة قد مر مشبعاً في "الأنعام" في قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده  ﴾ وفي الأعراف في قوله ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات  ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الآية.

عن محمد بن كعب: أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين.

وعن السدي: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة.

وقيل: الثور أو الحوت.

والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز البحر من جرم الأرض، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا الله  من المعادن وغيرها، ولا ريب أن الكل لله  .

ثم بيّن كمال علمه بقوله ﴿ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ﴾ فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك ما أخطرته ببالك،أو السر هذا وأخفى منه ما استسره.

وقيل: أخفى فعل ماضٍ أي يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلم هو.

قلت: هذا المعنى صحيح لأنه  محيط بجميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على غيوبه أحد، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال صاحب الكشاف: وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط.

وأجيب بأن معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك.

فإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله ﴿ واذكر ربك في نفسك  ﴾ وإما أن يكون تعليماً للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدي غيره به.

ومن فوائد الآية زجر المكلف عن القبائح - ظاهرة كانت أو باطنة - وترغيبه في الطاعات - ظاهرة وباطنة - وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه  في تفسيره قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ وفي غير ذلك من المواضع المناسبة، فلنقتصر الآن على ذلك.

ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره.

واعلم أن مراتب التوحيد أربع: الإقرار باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب، ثم تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى الأحد الصمد.

والأول بدون الثاني نفاق، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد مهلة كما إذا نظر وعرف فمات.

ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته "لا إله إلا الله" حتى إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك ويؤيده ما روي أنه  قال "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول، وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله، ومبتداه تفريق ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون، وآخره الفناء في الله والبقاء به.

قال النحويون: لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله.

وقال أهل العرفان: معناه لا إله في الإمكان إلا الله.

روي أن موسى بن عمران قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به.

فقال: قل لا إله إلا الله.

فقال: كل عبادك يقول.

فقال: قل لا إله إلا الله.

قال إنما أردت شيئاً تخصني به.

قال: يا موسى لو أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن "لا إله إلا الله".

والبحث عن أسماء الله  قد سلف في تفسير البسملة، وعن أسمائه الحسنى قد مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى  ﴾ واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: كامل لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو الله تقدس وتعالى، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية التي جبل عليها كصغيرة الإنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارةً يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر  ﴾ وتارةً يتسفل إلى أن يقال له ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ والكمال بالحقيقة لما ليس معرض الزوال فلا كمال في الصحة والجاه والمال وإنما الكمال في الانتساب إلى الكبير المتعال، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة الربوبية، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ويحسن ذكره.

إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى، وحسن المسمى يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يزال مواظباً على الإحسان كما قيل: يا حسن الوجه توق الخنا *** لا تخلطن الزين بالشين فيا حسن الأسماء والصفات لا تردّنا عن خوان إحسانك محرومين.

ذكر أن صياداً اصطاد سمكةً وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها.

إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردّنا إلى مقرنا وأنت أرحم الراحمين.

عن محمد بن كعب القرظي أن موسى  قال: يا رب أيّ خلق أكرم عليك؟

قال: الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري.

قال: أيّ خلقك أعلم؟

قال: الذي يلتمس علماً إلى علمه.

قال: وأيّ خلقك أعدل؟

قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس.

قال: وأيّ خلقك أعظم جرماً؟

قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له.

إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل، وكل ما لا تفعله بنا من الإحسان فهو عدل، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا.

وعن الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: سيعلم الجمع من أهل الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟

فيقومون فيتخطون رقاب الناس.

ثم يقال: أين الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله؟

ثم ينادي أين الحمادون لله على كل حال؟

ثم تكون التبعة والحساب على من بقي.

إلهي فنحن حمدناك واثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك.

وحين عظم شأن القرآن وبيّن حال الرسول  فيما كلف من أعباء الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتاً وتقوية وتسلية.

قال الكلبي: معنى ﴿ وهل أتاك ﴾ أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له.

ويقول المرء لصاحبه: هل بلغك خبر كذا ليتطلع السامع لما يومي إليه.

وعن مقاتل والضحاك عن ابن عباس أن المراد منه تقرر الخبر في قلبه أي قد أتاك ذلك في الزمان المتقدم.

"وإذ" ظرف للحديث لأنه حدث، أو المراد اذكر وقت كذا ومظروفه محذوف أي حين رأى ناراً كان كيت وكيت.

قال أهل السير: استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله وولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده، فرأى ناراً من يسار الطريق من بعيد.

قال السدي: ظن أنها من نيران الرعاة.

وقال الآخرون: إنه رآها في شجرة.

واختلفوا أيضاً في أن الذي رآه كان ناراً أم لا.

قالوا: والصحيح أنه كان ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء.

ويمكن أن يقال: إطلاق اللفظ على ما يشبه مسماه ليس بكذب.

قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهو نار الشجر ﴿ جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً  ﴾ ونار تأكل وتشرب وهي نار موسى  .

وبعبارة أخرى نور بلا حرقة وهي نار موسى، وحرقة بلا نور وهي نار جهنم، وحرقة ونور وهي نار الدنيا، ولا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار.

﴿ فقال لأهله امكثوا ﴾ إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة والخادم والولد.

ويجوز أن يخاطب المرأة وحدها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر لفظ الأهل فإنه اسم جمع.

وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم فقد ﴿ آنست ناراً ﴾ أي أبصرت إبصاراً لا شبهة فيه أو إبصاراً يؤنس به.

والتركيب يدل على الظهور، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء، ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور المطلوب وهو المأنوس به.

قال جار الله: لما وجد الإيناس وكان مقطوعاً متيقناً حققه لهم بكلمة "إن" ليوطن أنفسهم.

ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلاً ﴿ لعلي آتيكم ﴾ قال المحققون: فيه دلالة على أن إبراهيم  لم يكذب ألبتة لأن موسى قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل "إني آتيكم" لئلا يعد ما لم يستيقن الوفاء به، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب الصريح.

والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما.

﴿ وهدى ﴾ على حذف المضاف أي ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى.

والظاهر أنه أراد قوماً يهدونني الطريق.

وعن مجاهد وقتادة: قوماً ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا يشغلهم عنها شاغلٌ.

ومعنى الاستعلاء في على النار وهو مفعول ثانٍ لأجد، أو حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها كفنوها قياماً وقعوداً فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مستويين.

﴿ فلما أتاها ﴾ أي أتى النار.

قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت فألقيت عليه السكينة، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة.

وقال وهب: ظن موسى أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها، ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي ﴿ يا موسى ﴾ من قرأ ﴿ أني ﴾ بالفتح فتقديره نودي بأني، ومن قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى.

وتكرير الضمير في "أني" ﴿ أنا ربك ﴾ لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة.

روي أنه لما نودي يا موسى قال: من المتكلم؟

فقال الله عزوجلّ: إني أنا ربك.

فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان.

فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذناً.

وقيل: لعله سمع النداء من جماد كالحصا والشجرة فيكون معجزاً.

وأيضاً إنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث إن الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار ولا النار تضر بالخضرة، فعرف أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله.

وجوّز الأشاعرة أن يكون قد خلق الله  علماً ضرورياً بذلك والمعتزلة منعوا منه قالوا إن حصول العلم الضروري بأن ذلك المتكلم هو الله يستلزم العلم الضروري بوجود الصانع لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلوماً بالاستدلال، وحصول العلم الضروري بوجود الصانع ينافي التكليف وبالاتفاق لم يخرج موسى عن التكليف.

قال القاضي: إن كانت النبوة قد تقدمت لموسى فلا كلام في حصول هذه الخوارق وإلا وجب أن تكون المعجزات لغيره من الأنبياء في زمانه كشعيب مثلاً.

قال: وهذا أولى لأن قوله ﴿ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴾ دليل على أنه أوّل وحي يوحى إليه.

وعند أهل السنة الإرهاص جائز فلم يوجبوا إحالة تلك الخوارق إلى غيره.

وعندهم أن الله  أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت.

والمعتزلة أنكروا وجود ذلك الكلام.

وقالوا: إنه  خلق ذلك النداء في جسم من الأجساد كالشجرة وهو قادر على ذلك.

وأهل السنة مما وراء النهر أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى صوت خلقه الله في الشجرة لأنه  رتب النداء على أنه أتى النار، والمرتب على المحدث.

ومثله استدلال المعتزلة بقوله ﴿ فاخلع نعليك ﴾ على أن كلامه  ليس بقديم لأن الأمر والمأمور معدوم سفه فلا بد أن يكون هذا الأمر عند وجود موسى فيكون محدثاً.

أجابت الأشاعرة بأن كلامه الأزلي ليس بأمر ولا نهي، ولو سلم فأمره بالأزل مستمر إلى أن صار الشخص مأموراً من غير تغير في أمره كالقدرة الأزلية تتعلق بالمقدور الحادث.

وأما الحكمة في الأمر بخلع النعلين قال المفسرون: لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وهو قول علي ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي.

وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به.

وقيل: عظم البقعة عن وطئها إلا حافياً يؤيده قوله ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ .

ومن هنا كره بعضهم الصلاة والطواف في النعل، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة.

ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه وكان إذا وقع منه ذلك تصدق.

وعلى القول الأول لا يكره إلا إذا كان غير مدبوغ.

"وقد صلى النبي  في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟

قالوا: خلعت فخلعنا.

قال: فإن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذراً" .

يروى أن موسى خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي.

قال الجوهري ﴿ طوى ﴾ بكسر الطاء وضمها اسم موضع بالشأم.

فمن صرفه جعله اسم واد ومكان، ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة.

وقال بعضهم.

طوى بالضم مثل طوى وهو الشيء المثنى أي طوى مرتين أي قدس.

وقال الحسن: ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين، ويحتمل أن يراد نودي نداءين.

وقيل: طوى مصدر كهدى ومعناه العلى.

وعن ابن عباس أنه مر بذلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالواد المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه.

﴿ وأنا أخترتك ﴾ اصطفيتك للنبوة.

قيل: فيه دلالة على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق وإنما هي ابتداء عطية من الله.

وفي هذه الأخبار غاية اللطف والرحمة ولكن في قوله ﴿ فاستمع ﴾ نهاية الجلال والهيبة ففي الأول رجاء وفي الثاني خوف كأنه قال: جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل جميع همتك مصروفة إليه.

﴿ لما يوحى ﴾ أي للذي يوحى أو للوحي متعلق بـ ﴿ استمع ﴾ أو بـ ﴿ اخترتك ﴾ ثم قال ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ ورتب عليه ﴿ فاعبدني ﴾ ليعلم أن عبادته إنما لزمت لإلهيته ومن هنا قال العلماء: إن الله معناه المستحق للعبادة.

قال الأصوليون: تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولكن عن وقت الخطاب جائز لأنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفيتها.

وأيضاً قال ﴿ وأقم الصلاة ﴾ ولم يبين هيئاتها.

أجاب القاضي عن هذا الأخير بأنه لا يمتنع أن موسى  قد عرف الصلاة التي تعبد الله بها شعيباً وغيره من الأنبياء، فكان الخطاب متوجهاً إلى ذلك، وزيف بأن حمل الخطاب متوجهاً على التأسيس أولى قال: قد بين له ولكن لم يحك الله  سوى هذا القدر.

ورد بأن البيان أكثر فائدة من المجمل، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.

ولقائل أن يقول: سلمنا أن المبين أكثر فائدةً للمخاطب، ولكن لا نسلم أن حكاية المبين أولى فلعل حكاية المجمل تكفي لغيره لصيرورة بعض هيئات ذلك التكليف منسوخاً وإن كان أصله باقياً.

وفي قوله ﴿ لذكري ﴾ وجوه.

لأن اللام إما بمعنى الوقت أو هي للتعليل.

والذكر إما بالجنان أو هو ضد النسيان.

وياء المتكلم فاعل في الأصل أو مفعول.

وهل يحتمل الكلام تقدير مضاف أم لا؟.

ولمثل هذه الاعتبارات تعددت الوجوه فمنها: أن اللام للتعليل والياء منصوب أي لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي، أو أراد لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على الأذكار.

عن مجاهد: والفرق أن إطلاق الذكر على العبادة والصلاة في الأول حقيقة شرعية، وفي الثاني مجاز.

أو نقول: في الأول تكون نفس الصلاة مطلوبة بالذات، وفي الثاني تكون مطلوبة بعرض الذكر، أو أراد لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري.

ومنها أن المضاف مع ذلك محذوف أي لإخلاص ذكري وطلب وجهي.

ومنها أن الياء فاعل أي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثنا وأجعل لك لسان صدق.

ومنها أن اللام للوقت كقولك "جئتك لوقت كذا" أي لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة.

ومنها أن يحمل الذكر على ضد النسيان أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في كونهم رطاب اللسان في جميع الأحيان بذكر مولى الأنعام ومولى الإحسان ﴿ رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله  ﴾ وأراد ذكر الصلاة بعد نسيانها وكان حق العبارة أن يقال لذكرها كقوله  "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فلعل المضاف محذوف أي لذكر صلاتي، أو ذكر الصلاة هو ذكر الله فالياء في الأصل منصوب، أو الذكر والنسيان من الله عز وجلّ في الحقيقة فلياء فاعل.

قال الشافعي: من فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء ولو ترك الترتيب جاز.

ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة فإن كان في الوقت سعة يستحب أن يبدأ بالفائتة، وإن بدأ بصلاة الوقت جاز إلا إذا ضاق الوقت فإنه يجب الابتداء بصلاة الوقت، وإن تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها.

وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يتزيد على صلاة يوم وليلة حتى لو تذكر خلال صلاة الوقت بطلت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل.

حجة الشافعي ما روي في حديث قتادة أنهم ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس فأمرهم النبي  أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها، ولو كان وقت الانتباه متعيناً للصلاة لما فعل كذلك.

نعم إنه وقت لتقرير الوجوب عليه ثم الوقت موسع بعد ذلك.

حجة أبي حنيفة قوله  ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ وقوله  "فليصلها إذا ذكرها" وفي حديث جابر أن عمر جاء إلى النبي  يوم الخندق يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس.

فقال النبي  : " وأنا والله ما صليتها بعد." قال: فنزل في البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها.

وأما القياس فهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة ومزدلفة.

فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون كذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة، وأما إذا دخل في حد الكثرة فيسقط هذا الترتيب.

ثم لما أمر موسى بالعبادة عامة وبالصلاة التي هي أفضلها خاصة علل ذلك بقوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .

سؤال: "كاد" نفيه إثبات وإثباته نفي.

فقوله ﴿ أكاد أخفيها ﴾ يكون معناه لا أخفيها وهو باطل لقوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة  ﴾ ولأن قوله.

﴿ لتجزى كل نفس ﴾ إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار إذ لو كان المكلف عارفاً وقت القيامة وكذا وقت الموت اشتغل بالمعاصي إلى قريب من ذلك الوقت ثم تاب فيكون إغراء على المعصية.

والجواب لا نسلم أن "كاد" إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط.

والباقي موكول إلى القرينة.

ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين كأنه قال: أكاد لا أقول هي آتية لفط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به.

وبالغ بعض المفسرين في هذا المعنى فقال: أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبيّ كذلك.

فقال قطرب: هذا على عادة العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا: كتمته من نفسي.

وقيل: "كاد" من الله واجب وأراد أنا أخفيها من الخلق كقوله ﴿ عسى أن يكون قريباً  ﴾ أي هو قريب قاله الحسن.

وعن أبي مسلم أن "أكاد" بمعنى أريد كقوله ﴿ كذلك كدنا ليوسف  ﴾ ومنه قولهم "لا أفعل ذلك ولا أكاد" أي لا أريد أن أفعله.

وقيل: أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها.

وقال أبو الفتح الموصلي: الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره.

وقوله ﴿ لتجزى ﴾ متعلق ﴿ بأخفيها ﴾ كما قلنا أو بـ ﴿ آتية ﴾ ، فلولا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة.

واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه قال ﴿ بما تسعى ﴾ أي بسعيها.

فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا الإسناد، ولو لم يكن الثواب مستحقاً على العمل لم يكن لباء السببية معنى والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى الله، واستناد الجزاء إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها.

ومعنى الفاء في ﴿ فلا يصدّنك ﴾ أنه إذا صح عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن التصديق بالساعة، لأن قوله ناشىء عن الهوى واتباعه.

وجوّز أبو مسلم أن يكون الضمير في ﴿ عنها ﴾ للصلاة.

والعرب تذكر شيئين لم ترمي بضميرهما إلى السامع اعتماداً على أنه يرد كلاً منهما إلى ما هو له، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هنا.

وأما الخطاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه.

وجوّز بعضهم أن يكون لنبينا  والمقصود الأمة، والنهي عن الصد في الظاهر لمن لا يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب.

والوجه فيه أن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، أو صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب كأنه قيل: كن في الدنيا صلباً حتى لا يطمع في إغوائك الكافر.

والذي دعا إلى هذا النهي البالغ في معناه هو أن في المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا.

وفيه حث بليغ على العمل بالدليل وزجر قويّ عن التقليد وإنذار بأن الردى والهلاك مع اتباع الهوى.

وههنا استدل الأصوليون على شرف علمهم ووجوب تعلمه كيلا يتمكن الخصم من تشكيكه.

وزعم القاضي أن في نسبة الصد إلى الكافر بالبعث دليلاً على أن القبائح إنما تصدر عن العباد.

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

قال أهل التحقيق: قوله أوّلاً لموسى ﴿ اخلع نعليك ﴾ إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير عن الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيلة.

وأصول ذلك ترجع إلى علم المبدأ وهو قوله ﴿ إني أنا الله ﴾ وإلى علم الوسط وهو قوله ﴿ فاعبدني ﴾ وإنه مشتمل على الأعمال الجسمانية.

وقوله ﴿ لذكري ﴾ وهو مشتمل الأعمال الروحانية وإلى علم المعاد وذلك قوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .

وأيضاً إنه افتتح الخطاب بقوله ﴿ وأنا اخترتك ﴾ وهو غاية اللطف، وختم الكلام بقوله ﴿ فلا يصدّنك ﴾ إلى آخره وهو قهر تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه، وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف.

قوله ﴿ وما تلك ﴾ مبتدأ وخبر و ﴿ بيمينك ﴾ حال منتصب بمعنى الإشارة أو الاستفهام.

وجوّز الكوفيون أن يكون ﴿ تلك ﴾ اسماً موصولاً صلته ﴿ بيمينك ﴾ أي ما التي بيمينك.

قيل: لم يقل بيدك لأنه يحتمل أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر وكان يلتبس عليه الجواب.

أسئلة: ما الفائدة في هذا السؤال؟

جوابه أن الصانع الماهر إذا أراد أن يظهر من الشيء الحقير كقطعة من حديد شيئاً شريفاً كاللبوس المسرد عرضه على الحاضرين ويقول ما هذا حتى إنه بعد إظهار صنعته يلزمهم بقولهم ويقول: خذوا هذا من ذلك الذي قلتم فكأنه  قال لموسى: هل تعرف حقيقة ما في يمينك وأنه خشبة يابسة حتى إذا قلبه ثعباناً عظيماً كان قد نبهه على كمال قدرته الباهرة.

وقال أهل الخطابة: إنه  لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ممازجاً باللطف والقهر والتكاليف تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له ﴿ وما تلك بيمنك يا موسى ﴾ ليعرف موسى أن يمينه هي التي فيها العصا.

وأيضاً إنه لما تكلم معه بالكلم الإلهية وقرب موسى أن يدهش تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة لا لأن المسؤول عنه مما يقع فيه الغلط كما أن السائل لا يجوز عليه الغلط نظيره حال المؤمن في القبر يغلبه الوجل والخجل فيسأل عن أمر لا يشك فيه في الدنيا وهو التوحيد دفعاً للإيحاش وجلباً للاستئناس.

وأيضاً لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر ما ذكر، فعرّفه الله  أن فيها منافع أجل مما ذكر تنبيهاً على أن عقول البشر قاصرة عن خفيات الأمور لولا التوفيق والإرشاد.

آخر: خاطب موسى بلا واسطة خاطب محمداً  بواسطة جبرائيل، فيلزم أن يكون موسى أفضل.

وجوابه المنع بدليل ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سراً وكلامه مع محمد سر لم يستأهل له سواه.

وأيضاً حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم؛ المصلي يناجي ربه، وفي الآخرة شرف التسليم والتسليم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ  ﴾ .

وأيضاً إن موسى كان عند استغراقه في بحر المحبة متعلقاً بالعصا ومنافعها، ومحمد  لم يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ بل كان فانياً عن الأغيار باقياً بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذٍ على قوله "أنت كما أثنيت على نفسك" وههنا نكت منها: أنه  لما أشار إلى العصا واليد بقوله ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى ﴾ حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما - وهو الجماد - حيواناً والآخر - وهو الكثيف - نورانياً لطيفاً.

ثم إنه  ينظر في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حياً مستنيراً.

ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حياً فكيف لا يصير قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن حياً!

ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة كلهم فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء.

ثم إن جواب موسى  يتم بقوله ﴿ هي عصاي ﴾ إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة إلى درك الغرض.

وقيل: هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر منافعها.

وقيل: خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين.

ومعنى ﴿ أتوكأ عليها ﴾ أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب يدور على الشد والإيثاق.

﴿ وأهش بها ﴾ أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله.

والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه "رجل هش المكسر" أي سهل الشأن فيما يطلب من الحوائج وهو مدح "وهش الخبز" يهش بالكسر إذا كان ينكسر لرخاوته.

قال المحققون: إن موسى  كان يتوكأ على العصا ومحمد  كان يتكل على فضل الله ورحمته قائلاً مع أمته ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل  ﴾ فورد في حقه ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ أي حسبك وحسب من اتبعك.

وأيضاً إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ ثم بمصالح رعيته بقوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ ومحمد  لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر أمته ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" فلا جرم يقول موسى يوم القيامة "نفسي نفسي" ومحمد يقول "أمتي أمتي".

ثم قال ﴿ ولي فيها مآرب ﴾ هي جمع المأربة بضم الراء الحاجة وقد تفتح الراء.

وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً ومثله الأرب بفتحتين والإربة بكسر الهمزة وسكون الراء.

وإنما قال ﴿ أخرى ﴾ لأن المآرب في معنى جماعة ونظيره الأسماء الحسنى.

ومن آياتنا الكبرى قالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فتطول مكالمته وقالوا: انقطع بالهيبة كلامه فأجمل.

وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والجراب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل، وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه.

وقيل: إن موسى  كان أحس بأنه  إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة فقال: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ولكنك لما سألت عنها وكلمتني بسببها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى.

وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل.

وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام.

قلت: هذه الخوارق إن كانت بعد نبوة موسى فلا كلام، وإن كانت قبلها ففي صحة الرواية بُعْدٌ وإلا كان الأنسب تقديمها عند تعدد المنافع.

وعلى تقدير صحتها فلعلها إرهاص أو من معجزات شعيب على ما يروى أنه كان قد أعطاها إياه.

قال أهل النكت: إن موسى لما قال ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ أراد الله  أن يعرّفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها و ﴿ قال ألقها يا موسى ﴾ وبوجه آخر كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب، فأمر بتركهما تنبيهاً على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان.

وفيه أن موسى  مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا، فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه؟!

قال الكلبي: الاستطاعة قبل الفعل لأن القدرة على إلقاء العصا إما أن توجد والعصا في يديه فذاك قولنا، أو توجد وهي خارجة عن يده وذلك تكليف بأنه يلقي من يده ما ليس في يده.

ويمكن أن يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا.

قوله ﴿ فإذا هي حية تسعى  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ وفي آخر ﴿ كأنها جان  ﴾ عبارات عن معبر واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم.

وأما الثعبان - وهو العظيم من الحيات - والجان - وهو الدقيق منها - فبينهما تنافٍ في الظاهر لا في التحقيق، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة كالجان، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعباناً آخر الأمر.

أو أنها كانت في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة حركة.

والعجب أن موسى قال ﴿ أتوكأ عليها ﴾ فصدّقه الله  في ذلك وجعلها متكئاً له بأن كانت أعظم معجزاته.

وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة لموسى  يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ظهور الدلالة كهذه، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات.

وأيضاً لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوّه؛ فالولي يستر العيوب والعدوّ يبرز المناقب في صورة المثالب، فكيف إذا وجد مجال طعن وقدح؟!

وقد مر في "الأعراف" أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر، ولو أنه بلغ حينئذٍ مقام ﴿ ففروا إلى الله  ﴾ لم يفر عن شيء.

او لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله  أنه بعد في نقص الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من الله وحده.

فقد روي أنه لما قال له ربه: ﴿ لا تخف ﴾ بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها، قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري: ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة.

وعن بعضهم أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.

قلت: يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا علل عدم خوفه بقوله ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال جار الله: السيرة من السير كالركبة من الركوب.

يقال: سار فلان سيرة حسنة.

ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة ومنه سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها الأولى حال ما كانت عصاً، أو يكون أعاد منقولاً بالهمزة من عاده بنزع الخافض بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ثانياً.

ونصب ﴿ سيرتها ﴾ بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.

ثم قوى أمره بمعجزة ثانية فقال ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ يقال: لكل ناحيتين جناحان ومنه جناحا العسكر وجناحا الإنسان لجنبهما.

والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلهما.

فقيل: المراد بالآية تحت العضد بدليل قوله ﴿ تخرج ﴾ وعن ابن عباس: معناه إلى صدرك.

وضعف بأنه لا يطابقه قوله ﴿ تخرج ﴾ قلت: لا شك أن الصدر مستور بالقميص فيظهر عند ذلك معنى الخروج ويفسره قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك  ﴾ والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوءة.

والبرص أبغض شيء عند العرب بحيث تمجه أسماعهم فكان جدير بأن يكنى عنه.

ومعنى ﴿ بيضاء ﴾ أنها تنور كشعاع الشمس.

قال في الكشاف: من غير سوء من صلة البيضاء كما تقول: ابيضت من غير سوء.

قلت: لعله أراد أن "من" للتعليل أي ليس البياض هو السوء وإنما السبب غيره وحقيقته ترجع إلى الابتداء.

و ﴿ بيضاء ﴾ و ﴿ آية ﴾ حالان معاً أو متداخلتان.

واحتمل أن ينتصب آية بمضمر يدل عليه الكلام نحو "خذ ودونك".

وقوله ﴿ لنريك ﴾ إما أن يتعلق بهذا المحذوف أو بمحذوف آخر أي لنريك ﴿ من آياتنا ﴾ فلعنا ما فعلنا.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بالأمرين المذكورين أي ﴿ ألقها ﴾ و ﴿ اضمم ﴾ لنريك قال الحسن: اليد في الإعجاز أعظم من العصا لأنه  وصفها بالكبرى.

وضعف بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون وأما في العصا ففيه تغير اللون والزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة، فالمراد لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى.

وجوز في الكشاف أن يكون المراد لنريك بهما الكبرى من آياتنا.

ويرد عليه لزوم أن تكون الآيات الكبرى منحصرة فيهما وليس كذلك فإن معجزات نبينا محمد  أكبر من الكل، وكفاك بالقرآن شاهداً على ذلك.

ثم صرح بالمقصود من المعجزات فقال ﴿ اذهب إلى فرعون ﴾ وخصه بالذكر لأن قومه تبع له.

ثم بين العلة في ذلك فقال ﴿ إنه طغى ﴾ وعن وهب أن الله  قال لموسى: استمع كلامي واحفظ وصيتي برسالتي فإنك بعيني وبسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر تقديسي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار شديدة، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولاً ليناً لا يغتر بلباس الدنيا، وإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل.

قال: فسكت موسى سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك فعنده ﴿ قال رب اشرح لي صدري ﴾ قال علماء المعاني: أنهم أولاً بقوله ﴿ ربي اشرح لي ﴾ ﴿ ويسر لي ﴾ فعلم أن ثمة مشروحاً وميسراً.

ثم بين فرفع الإبهام بذكر الصدر والأمر وكان أوكد من جهة الإجمال.

ثم التفصيل كان في صدر موسى ضيق كما جاء في موضع آخر ﴿ ويضيق صدري  ﴾ فسأل الله أن يبدل الضيق بالسعة حتى يفهم ما أنزل عليه من الوحي.

وقيل: أراد شجعني على مخاطبة فرعون وعلى تحمل أعباء الرسالة.

واعلم أن الكلام في الدعاء وشرائطه وفوائده وسائر ما يتعلق به قد سبق منا في "البقرة" في تفسير قوله  ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ .

ولنذكر ههنا نكتاً شريفة: الأولى أنه  كامل في الأزل إلا أنه غير مكمل في الأزل لأن التكميل هو جعل الشيء كاملاً ولا شيء معه في الأزل فلا تكميل، وذلك كما يقال: "إنه  لا يعلم عدداً مفصلاً لحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه وحركات أهل الجنة غير متناهية فامتنع ذلك لا لقصور في العلم بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول.

ولما كان الغرض من التكوين تكميل الناقصين، وكان الوجود أول صفة من صفات الكمال أجلس الله  على هذه المائدة بعض المعدومات، لأنه لو أجلس الكل عليها لدخل في الوجود ما لا نهاية له، ولانتهت القدرة الذاتية لامتناع إيجاد الموجود.

وكما أن رحمته اقتضت وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون بعض حتى صار ذلك البعض حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير الشر فقال: الأحياء عند ذلك يا رب الأرباب شرفتنا بخلعة الوجود وخلعة الحياة، ولكن ازدادت حاجتنا لأنا - حال العدم وحال الجمادية - ما كنا نحتاج إلى الملائم والمخالف والموافق، وما كنا نخاف المنافي والمؤذي، والآن احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي، فإن لم يكن لنا قدرة على الهرب والطلب كنا كالزمن المعقد في الطريق عرضة للآفات وهدفاً لسهام البليات، فاقتضت الرحمة الكاملة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض المعدومات بالوجود وتخصيص بعض الموجودات بالحياة فقال: القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا للبهائم المسخرة في حمل الأثقال، فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك.

فأعطى بعضهم العقل فحصل في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية ختامه مسك كما أن خاتم النبيين  كان أفضل المخلوقات، فنظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالحقة المملوءة من الجواهر بل كسماء مزينة بالزواهر وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بداية العقول وصرائح الأذهان، يهتدي بها السائرون في ظلمات بر الشكوك وبحر الشبهات، فاستدل العقل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على نقاش، فغلبته دهشة الأنوار الأزلية وكاد يغرق في بحر الفكر، ويضيق عليه نطاق التأمل والتدبر، ويقع في تجاذب أيدي الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الجن والإنس فعند ذلك قال: ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ فانتهاء جميع الحوادث اليه وتيسير الأمور الكلية والجزئية من عنده، وهو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته.

الثانية: إنه  خاطبه أولاً بالتوحيد ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وثانياً بالعبادة ﴿ فاعبدني ﴾ وثالثاً بمعرفة المعاد ﴿ إن الساعة آتية ﴾ ورابعاً بمعرفة الحكمة في جملة أفعاله ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وخامساً بعرض المعجزات الباهرة عليه ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ وسادساً بإرساله إلى أعظم الناس كفراً وكانت هذه التكاليف الشاقة سبباً لضيق العطن وانحلال عقدة الصبر فلا جرم تضرع إلى الله  قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ وههنا دقيقة هي أن شرح الصدر.

مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع مقدّمة الفهم.

ولما أعطى موسى المقدّمة بقوله ﴿ فاستمع ﴾ نسج موسى على ذلك المنوال فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ ولما آل الأمر إلى محمد وكان خاتم النبيين ومقصوداً من الكائنات ومخاطباً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ أوتي النتيجة فقيل له ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ووصف بقوله ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فشرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلاً للنور، والسراج المنير هو المعطي للنور: فالتفاوت بين موسى ومحمد عليهما السلام هو التفاوت بين الآخذ والمعطي ولهذا قال موسى: اللهم اجعلني من أمة محمد.

الثالثة: إنه  ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدهما وصف ذاته بالنور ﴿ الله نور السموات والارض  ﴾ وثانيهما الرسول ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ وثالثهما الكتاب ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ورابعها الإيمان ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله  ﴾ وخامسها عدل الله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وسادسها ضياء القمر ﴿ جعل القمر فيهن نوراً  ﴾ وسابعها النهار ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ وثامنها البينات ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور  ﴾ وتاسعها الأنبياء ﴿ نور على نور  ﴾ وعاشرها المعرفة ﴿ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح  ﴾ فكأن موسى  قال أوّلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بمعرفة أنوار جلال كبريائك.

وثانياً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك.

وثالثاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك.

ورابعاً ﴿ رب أشرح لي صدري ﴾ بنور الإيمان والإيقان بالهتيك.

وخامساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك.

وسادساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك كما فعله إبراهيم صلوات الرحمن عليه.

وسابعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ عن مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك.

وثامناً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمائك.

وتاسعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ في أن أكون خلف صدق أنبيائك المتقدمين متشبهاً بهم في الانقياد لحكم رب العالمين.

وعاشراً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بأن تجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح.

الرابعة: شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج، ومستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء: زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن.

فالزند زند المجاهد ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والحجر حجر التضرع ﴿ وادعوا ربكم تضرعاً وخيفةً  ﴾ والحراق منع الهوى ﴿ ونهى النفس عن الهوى  ﴾ والكبريت الإنابة ﴿ وأنيبوا إلى ربكم  ﴾ والمسرجة الصبر ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ والفتيلة الشكر ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ والدهن الرضا ﴿ واصبر لحكم ربك  ﴾ ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك بالتضرع والدعاء قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ فهنالك تسمع ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ .

الخامسة: هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه أحدها: الشمس يحجبها الغيم، وشمس المعرفة لا تحجبها السموات السبع ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب  ﴾ وثانيها الشمس تغيب ليلاً وشمس المعرفة لا تغيب ليلاً ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً  ﴾ ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ الليل للعاشقين ستير ياليت أوقاته تدوم وعند الصباح يحمد القوم السرى.

وثالثها الشمس تفنى ﴿ إذا الشمس كورت  ﴾ والمعرفة لا تفنى ﴿ أصلها ثابت وفرعها في السماء  ﴾ ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ  ﴾ ورابعها الشمس إذا قارنها القمر انكسفت وشمس توحيد المعرفة وهي "أشهد أن لا إله إلا الله" إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي "أشهد أن محمداً رسول الله  " لم يصل نور إلى عالم الجوارح.

وخامسها الشمس تسود الوجه والمعرفة تبيض الوجوه ﴿ يوم تبيض وجوه  ﴾ وسادسها الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الإحراق "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" وسابعها الشمس تصدع والمعرفة تصعد ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب  ﴾ وثامنها الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين ﴿ فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ وبوجه آخر الشمس زينة لأهل الأرض، والمعرفة زينة لأهل السماء.

وتاسعها الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، وفيه أن الخيبة مع الترفع والشرف مع التواضع.

وعاشرها الشمس تعرّف أحوال الخلق، والمعرفة تصل القلب إلى الخالق.

والشمس تقع على الولي والعدوّ والمعرفة لا تحصل إلا للولي، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى بطلبه قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

السادسة: الشمس سراج أوقدها الله  للفناء ﴿ كل من عليها فان  ﴾ والمعرفة سراج استوقده للبقاء ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت  ﴾ والذي خلقه للفناء إذا قرب منه الشيطان احترق ﴿ يجد له شهاباً رصداً  ﴾ والذي خلقه للبقاء كيف يقرب منه الشيطان ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً: الشمس في السماء ثم إنها مع بعدها تزيل الظلمة عن بيتك، فشمس المعرفة مع قربها لأنها في قلبك أولى أن تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك.

وأيضاً الإنسان إذا استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده، والله  هو الموقد لسراج المعرفة ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان  ﴾ أفلا يمده وهو معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

وأيضاً إذا كان في البيت سراج فإن اللص لا يقرب منه، وإنه  قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً المجوس إذا أوقدوا ناراً لا يجوزون إطفاءها، فالملك القدوس إذا أوقد سراج المعرفة في قلبك كيف يرضى بإطفائها ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

السابعة: أنه  أعطى قلب المؤمن تسع كرامات أحدها ﴿ أوَمَنْ كان ميتاً فأحييناه  ﴾ وقال  : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" فيعلم أنه لما خلق أرض القلب فأحياها بنور الإيمان لا يكون لغيره فيها نصيب.

وثانيها الشفاء ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين  ﴾ وفيه أنه إذا وضع الشفاء في العسل بقيت تلك الخاصية فيه أبداً.

فإذا وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى أبداً؟

وثالثها الطهارة ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى  ﴾ وفيه أن الصائغ إذا امتحن الذهب فبعد ذلك لا يدخله في النار، فالله  لما امتحن قلب المؤمن كيف يدخله النار بعده؟

ورابعها الهداية ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه  ﴾ وفيه أن الرسول  يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك، والأول قد يحصل وقد لا يحصل ﴿ إنك لا تهدي من أحببت  ﴾ وكذا الثاني ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً  ﴾ وأما هداية القلب فلا تزول ألبتة لأن الهادي لا يزول ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  ﴾ وخامسها الكتابة ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ وفيه أن القرطاس إذا كتب فيه القرآن لم يجز إحراقه، فقلب المؤمن الذي فيه القرآن وجميع أحكام ذات الله وصفاته كيف يليق بالكريم إحراقه؟

وأيضاً إن بشراً الحافي أكرم قرطاساً فيه اسم الله  فنال سعادة الدارين، فإكرام قلب فيه معرفة الله أولى بذلك.

وأيضاً إن القرطاس إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب والحائض مسه، فالقلب الذي فيه أكرم الموجودات كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه؟

وسادسها ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين  ﴾ وفيه أن أبا بكر لما نزلت عليه السكينة في الغار قيل له لا تحزن إن الله معنا.

فالمؤمن إذا نزلت السكينة في قلبه لا بد أن يقال له عند قبض الروح: لاتخف ولا تحزن كما قال ﴿ تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا  ﴾ وسابعها المحبة والزينة كما قال ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم  ﴾ وفيه أن الدهقان إذا ألقى في الأرض حبة فهو لا يفسدها ولا يحرقها، فهو  حين ألقى حبة المحبة في أرض القلب كيف يحرقها؟

وثامنها ﴿ وألف بين قلوبكم  ﴾ وفيه أن محمداً حين ألف بين قلوب أصحابه ما تركهم غيبة ولا حضوراً سلام " علينا وعلى عباد الله الصالحين" فأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين كيف يتركهم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم  ﴾ وتاسعها الطمأنينة ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ وفيه أن الحاجات غير متناهية وما سوى الله فهو متناه، المتناهي لا يقابل غير المتناهي.

فالكافي للمهمات لا يكون إلا من له كمالات غير متناهيات فلا يزيل قلق الحوائج واضطراب الأماني إلا الله  ، وبإزاء هذه الكرامات ورد في حق الكفار أضدادها ﴿ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم  ﴾ ﴿ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم  ﴾ ﴿ في قلوبهم مرض  ﴾ ﴿ قلوبهم قاسية  ﴾ ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم  ﴾ ﴿ أم على قلوب أقفالها  ﴾ ﴿ بل ران على قلوبهم  ﴾ ﴿ طبع الله على قلوبهم  ﴾ فلأجل تلك الكرامات والهرب من أضدادها قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ .

الثامنة: في حقيقة شرح الصدر وذلك أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا إلا رغبة بأن يكون متعلق القلب الأهل والولد وتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم، ولا رهبة بأن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإن القوة البشرية لضعفها كينبوع صغير، فإذا وزعت على جداول كثيرة ضعف الكل وضاعت وإذا انصب الكل في موضع واحد ظهر أثرها وقويت فائدتها، فسأل موسى ربه أن يوقفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها ليكون متوجهاً بالكلية إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات وهذا معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

أو نقول: إنه لما كلف بضبط الوحي في قوله ﴿ فاستمع لما يوحى ﴾ وبالمواظبة على خدمة الخالق في قوله ﴿ فاعبدني ﴾ فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر فسأل موسى ربه قوة وافية بالطرفين فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ أو نقول: معدن النور هو القلب، والاشتغال بما سوى الله - من الزوجة والولد والصديق والعدوّ بل الجنة والنار - هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر، فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه كالذباب والبق والبعوض فلا يدعوه رغبة إلى شيء مما يتعلق بالدنيا ولا رهبة من شيء من ذلك فيصير الكل عنده كالعدم فعند ذلك يزول الحجاب وينفسخ القلب بل الصدر للنور ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

التاسعة: لنضرب مثلاً لذلك فنقول: البدن بالكلية كالمملكة، والصدر كالقلعة، والفؤاد كالصفة، والقلب كالسرير، والروح كالملك، والعقل كالوزير، والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة، والغضب كالاسفهيد الذي يشتغل بالضرب، والتأديب والحواس كالجواسيس، وسائر القوى كالمحترفين والعملة والصناع.

ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده، فإذا أخرج الروح وزيره وهو العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله  والهوى إلى الشيطان.

ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا، والشهوة تحسن لذات الدنيا.

ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما قال "تفكر ساعة خيرمن عبادة سنة" فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فأخرج الشيطان بإزائه العجلة والسرعة فلهذا قال  " ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه" وخلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة.

ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا، وله سور وهو الرغبة في الآخرة.

فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا، وإن كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة، وينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه، ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح وانشرح ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

النكتة العاشرة: في الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب.

الصدر مقر الإسلام ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام  ﴾ والقلب مقر الإيمان ﴿ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم  ﴾ ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والفؤاد مقر المشاهدة ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ واللب مقام التوحيد ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب  ﴾ أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي وبقوا بلب الوجود الحقيقي.

ثم إن القلب كاللوح المحفوظ في العالم الصغير فإذا ركب العقل سفينة التوفيق وألقاها في بحار أمواج المعقولات من عالم الروحانيات هبت من مهاب العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الأدبار أخرى، فحينئذٍ يضطر الراكب إلى التماس أنوار الهدايات وطلب انفتاح أبواب السعادات فيقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وإنما سأل موسى شرح الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس.

وأيضاً شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والجواد يكفيه الإشارة، فإذا علم أنه طالب للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة.

وأيضاً إنه راعى الأدب في الطلب فاقتصر على طلب الأدنى.

فلا جرم أعطى المقصود فقال ﴿ قد أتيت سؤلك يا موسى ﴾ وحين اجترأ في طلب الرؤية بقوله ﴿ أرني أنظر إليك  ﴾ أجيب بقوله ﴿ لن تراني ﴾ .

واعلم أن جميع المهيئات الممكنة كالبلور الصافي الموضع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت له نسبة إليها بأسرها، فينعكس شعاع كبرياء الإلهية من كل واحد منها إلى القلب فيحرق القلب.

ومعلوم أن المحرق كلما كان أكثر كان الاحتراق أتم، فلهذا قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات وأصل إلى مقام الاحتراق بأنوار الجلال كما نبينا  "أرني الأشياء كما هي" وههنا دقيقة وهي أن موسى لما زاد لفظة ﴿ لي ﴾ في قوله ﴿ رب اشرح لي ﴾ دون أن يقول "رب اشرح صدّري" علم أنه أراد أن تعود منفعة الشرح إليه فلا جرم يقول يوم القيامة "نفسي نفسي" وإن نبينا  لما لم ينس أمته في مقام القرب إذ قيل له "السلام عليك أيها النبي" فقال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ، فلا جرم يقول يوم القيامة "أمتي أمتي" وشتان ما بين نبي يتضرع إلى الله ويقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وبين نبي يخاطب أولاً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ .

ولا يخفى أن المراد بالشرح والتيسير عند أهل السنة هو خلقهما، وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة، فإنه يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال.

أما قوله  ﴿ واحلل عقدةً من لساني ﴾ فاعلم أن النطق فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال ﴿ خلق الإنسان علمه البيان  ﴾ بغير توسط العاطف كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان.

وفي لسان الشاعر وهو زهير: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده *** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.

وعن علي كرم الله وجهه: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة.

وقال العقلاء: المرء بأصغريه.

المرء مخبوء تحت لسانه.

وفي مناظرة آدم والملائكة لم تظهر الفضيلة إلا بالنطق.

ومن التعريفات المشهورة: إن الإنسان هو الحيوان الناطق، وهذا النطق وإن كان في التحقيق هو إدراك المعاني الكلية لكن النطق اللساني لا ريب أنه أظهر خواص الآدمي وقد نيط به أمر تمدنه والتعبير عما في ضميره فقول موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إشارة إلى طلب النور الواقع في القلب، وقوله ﴿ ويسر لي أمري ﴾ رمز الى تسهيل ذلك التحصيل، وقوله ﴿ واحلل ﴾ طلب لسهولة أسباب التكميل لأن اللسان آلة إلافاضة والإفادة وبه يتيسر ذلك الخط الجسيم والمنصب العظيم.

وحسبك يا فتى شرفاً وفخراً *** سكوت الحاضرين وأنت قائل ومن الناس من مدح الصمت بوجوه منها: قوله  "الصمت حكمة وقليل فاعله" وقوله: مقتل الرجل بين فكيه.

وفي نوابغ الكلم: يا بني قِ فاك لا تقرع قفاك.

ومنها أن الكلام خمسة أقسام: فالذي ضرره خالص أو غالب أو مساوٍ للنفع واجب الترك احترازاً من السفه والعبث، والذي نفعه خالص أو غالب عسر المراعاة فالأولى تركه.

ومنها أنه ما من موجود أو معدوم معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله بإثبات أو نفي بحق أو بباطل، بخلاف سائر الأعضاء.

فالعين لاتصل إلا إلى الألوان والسطوح، والأذن لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلا إلى الأجسام، وكذا باقي الجوارح.

أما اللسان فإنه رحب الميدان واسع المضطرب خفيف المؤنة سهل التناول لا يحتاج إلى آلات وأدوات للمعصية به فكان الأولى ترك الكلام وإمساك اللسان.

والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والنطق في نفسه فضيلة، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل فيرجع الحق إلى ما قاله النبي  "رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم" قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء: الصمت وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم "مال ناطق أو صامت".

والسكوت وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والإنصات هو السكوت مع استماع قال  ﴿ فاستمعوا له وأنصتوا  ﴾ والإصاخة وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد.

أما العقدة فقيل: إنها كانت في أصل خلقته وعن ابن عباس أنه في حال صباه أخذ بلحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال: هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وإن شئت فامتحنه بالتمرة والجمرة.

وقيل: بالياقوت والجمر.

فأحضرا بين يديه فأراد مد اليد إلى الياقوت فحول جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فظهر به تعقد وتحبس عن بعض الحروف.

فإن صحت هذه الرواية فالنار إنما أحرقته وأثرت فيه إطفاء لثائرة غضب فرعون وإلا فالله  قادر على دفع الإحراق عن طبع النار كما في حق إبراهيم صلوات الرحمن عليه، وكما في حق موسى حين ألقي في التنور.

ويروى أن يده احترقت أيضاً وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم يبرأ ولما دعاه قال: الي أيّ رب تدعوني؟

قال: إلى الذين أبرأ يدي وقد عجزت عنها.

وعن بعض العلماء أنه لم تبرأ يده لئلا ينعقد بينه وبين فرعون حرمة المؤاكلة من قصعة واحدة.

وقيل: لم تحرق يده لأن الصولة ظهرت باليد، وإنما احترق اللسان لأنه خاطبه بقوله "يا أبت".

وما الحكمة في طلب حل العقدة؟

الأظهر كيلا يقع في أداء الرسالة خلل فلهذا ﴿ قال يفقهوا قولي ﴾ وقيل: لأن العقدة في اللسان قد تقتضي الاستخفاف بالقائل وعدم الالتفات إليه.

وقيل: إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً له فكذا إطلاق لسان موسى كان معجزاً في حقه.

وهل زالت تلك العقدة بالكلية؟

فعن الحسن نعم لقوله ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ والأصح أنه بقي بعضها لقوله  حكاية عن فرعون ﴿ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين  ﴾ أي يقارب أن لا يبين.

وكان في لسان الحسين بن علي  رتة أي عجمة في الكلام فقال رسول الله  : "ورثها من عمه موسى" .

وفي تنكير عقدة أيّ عقدة من عقد دلالة على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهماً جيداً ولم يطلب الفصاحة الكاملة.

وقال أهل التحقيق: وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد  فكان أفصح العرب والعجم وقد قال  ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  ﴾ فلما كان ذلك حقاً ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله.

ومن مطالب موسى قوله ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي هرون ﴾ قال أهل الاشتقاق: الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنة، أو من الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه أموره، أو من الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله  ﴿ اشدد به أزري ﴾ أي ظهري لأنه محل القوة.

قال الجوهري: آزرت فلاناً أي عاونته، والعامة تقول: وازرته.

وعلى هذا فيكون القياس أزيراً بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه القلب حمل "فعيل على "مفاعل" لاتحاد معنييهما في نحو "عشير" و "جليس" و "صديق" وغيرها.

وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر والاستعانة بالوزير وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء وقد استحسنه نبينا  فقال "إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه عليه، وإن أراد شراً كفه" وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير.

وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخراً وشرفاً وذكراً أن النبي  المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى الله  في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه، فيجب على من أوتي هذه الرتبة أن يؤدي إلى الله حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها، ويزرع في أرض الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده.

وقيل: إن موسى خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين.

والأظهر أنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن التهمة وأعون على الغرض، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ وخوطب نبينا  بقوله ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ وروي أنه  قال "إن لي في السماء وزيرين وفي الارض وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر" ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقاً بأخيه هارون فأراد أن يخصه بهذا المنصب الشريف قضاء لحقوق الإخاء، فمن منع المستوجبين فقد ظلم وكان أفصح منه لساناً وأكبر سناً وألين جانباً.

قال جار الله: ﴿ وزيراً ﴾ و ﴿ هرون ﴾ مفعولاً ﴿ اجعل ﴾ قدم ثانيهما عناية بأمر الوزارة، أو ﴿ لي ﴾ و ﴿ وزيراً ﴾ مفعولان ﴿ هرون ﴾ عطف بيان للوزير و ﴿ أخي ﴾ في الوجهين بدل من ﴿ هرون ﴾ أو عطف بيان آخر.

وقيل: يجوز فيمن قرأ ﴿ اشدد ﴾ على الأمر أن يجعل ﴿ أخي ﴾ مرفوعاً على الابتداء و ﴿ اشدد ﴾ خبره فيوقف على ﴿ هرون ﴾ وشد الأزر به عبارة عن تقويته به وأن يجعله ناصراً له فيما عسى يرد عليه من الشدائد والخطوب، بل يجعله وسيلة له في أمر النبوة وطريق الرسالة لأنه صرح بذلك في قوله ﴿ وأشركه في أمري ﴾ .

ثم ذكر غاية الأدعية فإن المقصد الأسنى هو الاستغراق في بحر التوحيد ونفي الإشراك، فإن التعاون مهيج الرغبات ومسهل سلوك سبل الخيرات فقال ﴿ كي نسبحك كثيراً ﴾ أي تسبيحاً كثيراً ﴿ ونذكرك ﴾ ذكراً ﴿ كثيراً ﴾ وقدم التسبيح وهو التنزيه لأن النفي مقدم على الإثبات، فبالأول تزول العقائد الفاسدة، وبالثاني ترتسم النقوش الحسنة المفيدة.

ثم ختم الأدعية بقوله ﴿ إنك كنت بنا بصيراً ﴾ وفيه فوائد منها: أنه فوض استجابة الدعوات إلى عمله بأحوالهما وأنهما يصدد أهلية الإجابة أم لا، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى.

ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمه وأنه مفتقر إلى التعاون والتعاضد ولهذا سأل ما سأل.

ومنها أنه أعلم بأحوال أخيه هل يصلح لوزارته أم لا، وأن وزارته هل تصير سبباً لكثرة التسبيح والذكر.

وحين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله  مطالبه وأنجح مآربة قائلاً ﴿ قد أوتيت سؤلك ﴾ والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول.

وزيادة قوله ﴿ يا موسى ﴾ بعد رعاية الفاصلة لأجل كمال التمييز والتعيين والله أعلم.

بمصالح عبيده.

التأويل: يا من طاب بطهارته بساط النبوة ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن ﴾ إلا لتسعد بتخلقك بخلقه ويسعد بسببك الأولون والآخرون من أهل السموات وأهل الأرضين.

﴿ تنزيلاً ممن خلق ﴾ أرض بشريتك وسموات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات الممكنات كما قال "أول ما خلق الله روحي" .

استوى بصفة الرحمانية على عرش قلبك ليكون معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل: ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الصفات الحميدة ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الصفات الذميمة ﴿ وما بينهما ﴾ أي بين سماء الروح وأرض النفس وهو القلب بما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص ﴿ وما تحت الثرى ﴾ أي ما هو مركوز في جبلة الإنسانية: ﴿ وإن تجهر بالقول ﴾ أن يظهر شيء من صفاتك بالقول ﴿ فإنه يعلم السر ﴾ وهو ما يظهر من سيرتك ﴿ وأخفى ﴾ هو ما أخفى الله من خفيك.

السر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح، وهو معدن الأسرار الروحانية.

والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات، وقد يحصل لكل إنسان عند نشأته الأولى وإن كان كافراً.

والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمن موحد صار مهبط الأنوار الربانية وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية، ولهذا قال عقيبه ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ لأن مظهر الألوهية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ وهو حقيقة قوله "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" ﴿ وهل أتاك حديث موسى ﴾ القلب ﴿ إذ رأى ناراً  ﴾ وهو نور في الحقيقة مأنوس به من جانب طور الروح ﴿ فقال لأهله ﴾ وهم النفس وصفاتها ﴿ امكثوا ﴾ في ظلمة الطبيعة الحيوانية ﴿ إني آنست ﴾ نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي شيئاً ﴿ لعلي آتيكم منها بقبس ﴾ يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ بآداب الطريقة إلى الحقيقة ﴿ فلما أتاها نودي ﴾ من شجرة القدس بخطاب الإنس ﴿ فاخلع نعليك ﴾ أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن النعل يعبر في الرؤيا بهما، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل الى جناب القدس، أو هما المقدمتان في نحو قولنا "العالم محدث وكل محدث فله محدث وموجد" وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل ﴿ وأنا اخترتك ﴾ يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح ﴿ فاستمع ﴾ بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى إلا أنا ﴿ فاعبدني ﴾ بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري إياك بالتجلي.

إن قيامة العشق ﴿ آتية أكاد أخفيها ﴾ لعظم شأنها إلا أن متقاضى الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى ﴾ في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إليّ أمكن إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه.

وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق.

وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية، فجزاؤه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها.

ويحتمل أن يقال: أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار.

قالوا: أخطأ موسى في قوله ﴿ هي عصاي ﴾ وكان عليه أن يقول "أنت أعلم بحالها مني" وفي قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له ﴿ ألقها يا موسى ﴾ وفي قوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله.

﴿ خذها ولا تخف ﴾ فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به ﴿ واضمم ﴾ يد همتك إلى جناح قنوعك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير.

وفي قوله ﴿ قد أوتيت ﴾ بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ...

﴾ الآية يشبه أن يكون المنة حين أنجاه فيما ابتلى بالرّد واشتباه الطريق، حتى قال: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ فتلك المنة الأخرى.

أو أن يكون المنة التي ذكر هي ما أنجاه الله حيث [قتل] ذلك القبطي فاشتد له ذلك الخوف حتى بلغ الإياس، فتلك المنة التي ذكر، أو ما ذكر من الوحي إلى أمه ﴿ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ مع النبوة مرة أخرى، ثم بيّن النعمة، ثم قال: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وإلى هذا ذهب أهل التأويل، وإلا قد كان منه إليه من المنن ما لا يحصى، والله أعلم.

ثم الكلام فيما ألهم أمّه في روعها أن تقذفه في البحر أنه يسع لهذا أن يفعل ذلك، ويحل أو لا؟

إذ قد يجوز أن يكون من الشيطان مثل هذا، نحو ما قال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [الأنفال: 48]، فلم يعرفوا وقت ما كلمهم بهذا: هو شيطان أو غيره؟

فعلى ذلك يجوز أن يلقي الشيطان إليها؛ فكيف وسع لها أن تعمل ما علمت من الأخطار؟

لكن يجوز أن يكون في ذلك الإلهام وما ألقى إليها - آية ومعنى، عرفت بذلك أنّ ذلك من الله، لا من أحد سواه.

أو أن يكون رفع الحجاب والموانع من قلبها، وصار لها ذلك كالعيان.

أو كانت كالمضطرة إلى ذلك؛ فوسع لها ذلك لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون، حيث قالت: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ...

﴾ الآية [القصص: 9]، لكن ألقى [عليه] محبّة في قلب امرأته وقلب فرعون أيضاً، حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم، بعد ما كان يقتل الولدان بسببه؛ ليجده ويظفر به، يذكره - عز وجل - رحمته عليه ومننه له، وهي المنة التي ذكر، حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ، الصنع: هو فعل الخير والمعروف، أي: لنصنع إليك المعروف والإحسان.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ : قال بعضهم: لتُغَذَّى على حفظي، يقال: عين الله عليك: أي كن في حفظ الله، وهو قول الحسن وقتادة.

وقال بعضهم: لتربي على عيني، أي: على علمي، والأوّل أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ، أي: من يضمه، يسمى كافل اليتيم الذي يضمه ويضمنه ويحفظه، وهو كقوله: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ  ﴾ أي: يضمها ويحفظها، فهذا يدل أنه كان عندهم من أحبّ الناس إليهم، وأشفقهم عليه، حيث قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ حيث قال لها: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ  ﴾ وعد لها أن يرده إليها فردّه.

وقوله: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: يذهب حزنها الذي كان؛ لأنها قد كانت حزينة بطرحها إياه في اليم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ...

﴾ الآية [القصص: 10]، [و] هذا يدلّ أن قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: يذهب حزنها الذي كان بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ ﴾ : يحتمل أن يكون الغم الذي أخبر أنه نجاه منه هو الخوف الذي كان به بعد مقتل ذلك القبطي، حيث قال: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ  ﴾ ، ونحوه، أو نجاه من أنواع الغموم؛ إذ كان له غموم.

وفي الآية دلالة أن لا قصاص يجب في شبه العمد وإن كان الضرب بشيء لا نجاة فيه؛ لأن موسى - صلوات الله عليه - كانت له قوة أربعين نفراً على ما ذكر، فإنما لطمه لطمة، فقضى عليه، ثم قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ هذا يدل أنه كان لا يحل له قتله، ثم قال: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ سمّاهم: ظلمة، فلو كان يحل القتل ويجب القصاص، لكان لا يسميهم ظلمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾ قال بعضهم: ﴿ فُتُوناً ﴾ : هو جمع فتنة، أي: فتناك فتوناً.

[وقال بعضهم: ﴿ فُتُوناً ﴾ :] هو مصدر الفتنة، أي: ابتليناك ابتلاء، أي: بلاء، والفتنة في البلايا والشدائد: الغموم الّتي ذكر أنه نجاه منها.

ويحتمل: النعم والخيرات؛ إذ لم يكن الأنبياء في جميع الأوقات في البلاء، ولكن كانوا في وقت في بلاء وشدة، وفي وقت آخر في نعمة وخير.

أو فتنة بهما جميعاً، على ما أخبر: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - من المنة التي ذكر، حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: بالنبوة والرّسالة.

وقال بعضهم: على موعود، أو على قدر وقت المجيء، فكيفما كان ففيه أن مجيء العبد وذهابه وجميع سعيه يكون بقدر من الله، وتقدير منه، وفيه أنه يجعل الأمور بأسباب، وإن كان يجعل [بعضها] بغير أسباب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ ، أي: اخترتك، واصطفيتك لرسالتي.

ونبوّتي، فذكر نفسه؛ لأن بأمره يقوم بأداء ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأتياه، فقولا له: إنا رسولا ربك -يا فرعون- فابعث معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، قد أتيناك ببرهان من ربك على صدقنا، والأمان من عذابِ الله لمن آمن، واتبع هدى الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.OnBlV"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد