تفسير الآية ٥٢ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٥٢ من سورة طه

قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ٥٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٢ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال له موسى في جواب ذلك : هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم ، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله ، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال ، ( لا يضل ربي ولا ينسى ) أي : لا يشذ عنه شيء ، ولا يفوته صغير ولا كبير ، ولا ينسى شيئا .

يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط ، وأنه لا ينسى شيئا ، تبارك وتعالى وتقدس ، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان : أحدهما : عدم الإحاطة بالشيء ، والآخر : نسيانه بعد علمه ، فنزه نفسه عن ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى (51) يقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى، إذ وصف موسى ربه جلّ جلاله بما وصفه به من عظيم السلطان، وكثرة الإنعام على خلقه والأفضال: فما شأن الأمم الخالية من قبلنا لم تقرّ بما تقول، ولم تصدّق بما تدعو إليه، ولم تخلص له العبادة، ولكنها عبدت الآلهة والأوثان من دونه، إن كان الأمر على ما تصف من أن الأشياء كلها خلقه، وأنها في نِعمه تتقلَّب، وفي منَنه تتصرف .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

هذه الآية ونظائرها مما تقدم ويأتي تدل على تدوين العلوم وكتبها لئلا تنسى .

فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان .

وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه .

وروينا بالإسناد المتصل عن قتادة أنه قيل له : أنكتب ما نسمع منك ؟

قال : وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب ؛ فقال : علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى .

[ ص: 124 ] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده : إن رحمتي تغلب غضبي .

وأسند الخطيب أبو بكر عن أبي هريرة قال : ( كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه الحديث ويعجبه ولا يحفظه ، فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إني أسمع منك الحديث يعجبني ولا أحفظه ؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعن بيمينك وأومأ إلى الخط وهذا نص .

وعلى جواز كتب العلم وتدوينه جمهور الصحابة والتابعين ؛ وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه - رجل من اليمن - لما سأله كتبها .

أخرجه مسلم .

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قيدوا العلم بالكتابة .

وقال معاوية بن قرة : من لم يكتب العلم لم يعد علمه علما .

وقد ذهب قوم إلى المنع من الكتب ؛ فروى أبو نصرة قال : قيل لأبي سعيد : أنكتب حديثكم هذا ؟

قال : لم تجعلونه قرآنا ؟

ولكن احفظوا كما حفظنا .

وممن كان لا يكتب الشعبي ويونس بن عبيد وخالد الحذاء - قال خالد ما كتبت شيئا قط إلا حديثا واحدا ، فلما حفظته محوته - وابن عون والزهري .

وقد كان بعضهم يكتب فإذا حفظ محاه ؛ منهم محمد بن سيرين وعاصم بن ضمرة .

وقال هشام بن حسان : ما كتبت حديثا قط إلا حديث الأعماق فلما حفظته محوته .قلت : وقد ذكرنا عن خالد الحذاء مثل هذا .

وحديث الأعماق خرجه مسلم في آخر الكتاب : لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق - أو - بدابق الحديث ذكره في كتاب الفتن .

وكان بعضهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ ، منهم الأعمش وعبد الله بن إدريس وهشيم وغيرهم .

وهذا احتياط على الحفظ .

والكتب أولى على الجملة ، وبه وردت الآي والأحاديث ؛ وهو مروي عن عمر وعلي وجابر وأنس - رضي الله عنهم ، ومن يليهم من كبراء [ ص: 125 ] التابعين كالحسن وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير ، ومن بعدهم من أهل العلم ؛ قال الله تعالى : وكتبنا له في الألواح من كل شيء .

وقال تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون .

وقال تعالى : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة الآية .

وقال تعالى : وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر .

قال علمها عند ربي في كتاب إلى غير هذا من الآي .وأيضا فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب ، ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا ، وإنما كره الكتب من كره من الصدر الأول لقرب العهد ، وتقارب الإسناد لئلا يعتمده الكاتب فيهمله ، أو يرغب عن حفظه والعمل به ؛ فأما والوقت متباعد ، والإسناد غير متقارب ، والطرق مختلفة ، والنقلة متشابهون ، وآفة النسيان معترضة ، والوهم غير مأمون ؛ فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى ، والدليل على وجوبه أقوى ؛ فإن احتج محتج بحديث أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحه خرجه مسلم ؛ فالجواب أن ذلك كان متقدما ؛ فهو منسوخ بأمره بالكتاب ، وإباحتها لأبي شاه وغيره .

وأيضا كان ذلك لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه .

وكذا ما روي عن أبي سعيد أيضا - حرصنا أن يأذن لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكتابة فأبى - إن كان محفوظا فهو قبل الهجرة ، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن .قال أبو بكر الخطيب : ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد ؛ ثم الحبر خاصة دون المداد لأن السواد أصبغ الألوان ، والحبر أبقاها على مر الدهور .

وهو آلة ذوي العلم ، وعدة أهل المعرفة .

ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال : رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه ؛ فقال لم تخفيه وتستره ؟

إن الحبر على الثوب من المروءة لأن صورته في الأبصار سواد ، وفي البصائر بياض .

وقال خالد بن زيد : الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخلوق في ثوب العروس .

وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البلوي فقال :[ ص: 126 ]مداد المحابر طيب الرجال وطيب النساء من الزعفرانفهذا يليق بأثواب ذاوهذا يليق بثوب الحصانوذكر الماوردي أن عبد الله بن سليمان فيما حكي ؛ رأى على بعض ثيابه أثر صفرة ؛ فأخذ من مداد الدواة وطلاه به ، ثم قال : المداد بنا أحسن من الزعفران ؛ وأنشد :إنما الزعفران عطر العذارى ومداد الدوي عطر الرجالقوله تعالى : لا يضل ربي ولا ينسى اختلف في معناه على أقوال خمسة : الأول : إنه ابتداء كلام ، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين ، وقد كان الكلام تم في قوله : في كتاب .

وكذا قال الزجاج ، وأن معنى لا يضل لا يهلك من قوله : أئذا ضللنا في الأرض .

ولا ينسى شيئا ؛ نزهه عن الهلاك والنسيان .

القول الثاني : لا يضل لا يخطئ ؛ قاله ابن عباس ؛ أي لا يخطئ في التدبير ، فمن أنظره فلحكمة أنظره ، ومن عاجله فلحكمة عاجله .

القول الثالث : لا يضل لا يغيب .

قال ابن الأعرابي : أصل الضلال الغيبوبة ؛ يقال : ضل الناسي إذا غاب عنه حفظ الشيء .

قال : ومعنى لا يضل ربي ولا ينسى أي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء .

القول الرابع : قاله الزجاج أيضا وقال النحاس أشبهها بالمعنى : - أخبر الله - عز وجل - أنه لا يحتاج إلى كتاب ؛ والمعنى لا يضل عنه علم شيء من الأشياء ولا معرفتها ، ولا ينسى ما علمه منها .قلت : وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي .

وقول خامس : إن لا يضل ربي ولا ينسى في موضع الصفة ل ( كتاب ) أي الكتاب غير ضال عن الله - عز وجل - ؛ أي غير ذاهب عنه .

ولا ينسى أي غير ناس له فهما نعتان ل " كتاب " .

وعلى هذا يكون الكلام متصلا ، ولا يوقف على كتاب .

تقول العرب .

ضلني الشيء إذا لم أجده ، وأضللته أنا إذا تركته في موضع فلم أجده فيه .

وقرأ الحسن وقتادة وعيسى بن عمر وابن محيصن وعاصم الجحدري وابن كثير فيما روى شبل عنه ( لا يضل ) بضم الياء على معنى لا يضيعه ربي ولا ينساه .

قال ابن عرفة : الضلالة عند العرب سلوك سبيل غير القصد ؛ يقال : ضل عن الطريق ، وأضل الشيء إذا أضاعه .

ومنه قرأ من قرأ لا يضل ربي أي لا يضيع ؛ هذا مذهب العرب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال موسى: { عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } أي: قد أحصى أعمالهم من خير وشر، وكتبه في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وأحاط به علما وخبرا، فلا يضل عن شيء منها، ولا ينسى ما علمه منها.

ومضمون ذلك، أنهم قدموا إلى ما قدموا، ولاقوا أعمالهم، وسيجازون عليها، فلا معنى لسؤالك واستفهامك يا فرعون عنهم، فتلك أمة قد خلت، لها ما كسبت،ولكم ما كسبتم، فإن كان الدليل الذي أوردناه عليك، والآيات التي أريناكها، قد تحققت صدقها ويقينها، وهو الواقع، فانقد إلى الحق، ودع عنك الكفر والظلم، وكثرة الجدال بالباطل، وإن كنت قد شككت فيها أو رأيتها غير مستقيمة، فالطريق مفتوح وباب البحث غير مغلق، فرد الدليل بالدليل، والبرهان بالبرهان، ولن تجد لذلك سبيلا، ما دام الملوان.

كيف وقد أخبر الله عنه، أنه جحدها مع استيقانها، كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } وقال موسى: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } فعلم أنه ظالم في جداله، قصده العلو في الأرض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) موسى : ( علمها عند ربي ) أي : أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها .

وقيل : إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك ، فإن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه .

( في كتاب ) يعني : في اللوح المحفوظ ، ( لا يضل ربي ) أي : لا يخطئ .

وقيل : لا يضل عنه شيء ولا يغيب عن شيء ، ( ولا ينسى ) [ أي : لا يخطئ ] ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم .

وقيل : لا ينسى أي : لا يترك ، فينتقم من الكافر ويجازي المؤمن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» موسى «علمها» أي علم حالهم محفوظ «عند ربي في كتاب» هو اللوح المحفوظ يجازيهم عليها يوم القيامة «لا يضل» يغيب «ربي» عن شيء «ولا ينسى» ربي شيئا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال موسى لفرعون: عِلْمُ تلك القرون فيما فَعَلَت من ذلك عند ربي في اللوح المحفوظ، ولا عِلْمَ لي به، لا يضل ربي في أفعاله وأحكامه، ولا ينسى شيئًا ممَّا علمه منها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولذا رد عليه موسى - عليه السلام - بما يخرس لسانه ، ويبطل كيده ، فقال - كما حكى القرآن عنه - ( عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ) .أى : علم حال هذه القرون الأولى محفوظ عند ربى وحده فى كتاب هو اللوح المحفوظ ، وهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء من حالهم ، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب .وقوله : ( لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ) مؤكد لما قبله .

أى : لا يخطىء ربى فى علمه ، ولا ينسى شيئا مما علمه لأنه منزه عن ذلك ، فالضلال هنا بمعنى الخطأ وقلة الإدراك .وجمع - سبحانه - بين نفى الضلال والنسيان ، لإفادة تنزهه عن أن يغيب شىء من أحوال هذا الكون عن علمه الشامل لكل شىء ، ولبيان أن علمه باق بقاء أبديا لا نسيان معه ، ولا زوال له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ ﴾ فيه أسئلة: السؤال الأول: قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ﴾ يدل على أن المتكلم بذلك موسى وهرون عليهما السلام وهرون لم يكن حاضراً هذا المقال فكيف ذلك وجوابه قد تقدم.

السؤال الثاني: أن موسى عليه السلام قال: ﴿ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي  ﴾ فأجابه الله تعالى بقوله: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى  ﴾ وهذا يدل على أنه قد انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قال بعده: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ ﴾ فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر.

والجواب: أن شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواحي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليه السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف.

السؤال الثالث: أما علم موسى وهرون وقد حملهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل الذي هو مقطعة عن الأداء.

الجواب: قد أمنا ذلك وإن جوزا أن ينالهما السوء من قبل تمام الأداء أو بعده وأيضاً فإنهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على دعائه وذلك بأن ينضاف الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما قال: ﴿ ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ .

السؤال الرابع: لما تكرر الأمر من الله تعالى بالذهاب فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية.

الجواب: لو اقتضى الأمر الفور لكان ذلك من أقوى الدلائل على المعصية لا سيما وقد أكثر الله تعالى من أنواع التشريف وتقوية القلب وإزالة الغم ولكن ليس الأمر على الفور فزال السؤال وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الرسل أما قوله تعالى: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى ﴾ فاعلم أن في: ﴿ أَن يَفْرُطَ ﴾ وجوهاً: أحدها: فرط سبق وتقدم ومنه الفارط الذي يتقدم الواردة وفرس فرط يسبق الخيل والمعنى نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة.

وثانيها: أنه مأخوذ من أفرط غيره إذا حمله على العجلة فكان موسى وهارون عليهما السلام خافا من أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقوبة وذلك الحامل هو إما الشيطان أو إدعاؤه للربوبية أو حبه للرياسة أو قومه وهم القبط المتمردون الذين حكى الله تعالى عنهم: ﴿ قَالَ الملا مِن قَوْمِهِ  ﴾ .

وثالثها: يفرط من الإفراط في الأذية أما قوله: ﴿ أَوْ أَن يطغى ﴾ فالمعنى يطغى بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته عليك واعلم أن من أمر بشيء فحاول دفعه بأعذار يذكرها فلابد وأن يختم كلامه بما هو الأقوى وهذا كما أن الهدهد ختم عذره بقوله: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله  ﴾ فكذا هاهنا بدأ موسى بقوله: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا ﴾ وختم بقوله: ﴿ أَوْ أَن يطغى ﴾ لما أن طغيانه في حق الله تعالى أعظم من إفراطه في حق موسى وهارون عليهما السلام.

أما قوله: ﴿ قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى ﴾ فالمراد لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط والطغيان لأن ذلك هو المفهوم من الكلام يبين ذلك أنه تعالى لم يؤمنهما من الرد ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة أما قوله: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا ﴾ فهو عبارة عن الحراسة والحفظ وعلى هذا الوجه يقال: الله معك على وجه الدعاء وأكد ذلك بقوله: ﴿ أَسْمَعُ وأرى ﴾ فإن من يكون مع الغير وناصراً له وحافظاً يجوز أن لا يعلم كل ما يناله وإنما يحرسه فيما يعلم فبين سبحانه وتعالى أنه معهما بالحفظ والعلم في جميع ما ينالهما وذلك هو النهاية في إزالة الخوف قال القفال قوله: ﴿ أَسْمَعُ وأرى ﴾ يحتمل أن يكون مقابلاً لقوله: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى ﴾ والمعنى: ﴿ يَفْرُطَ عَلَيْنَا ﴾ بأن لا يسمع منا: ﴿ أَوْ أَن يطغى ﴾ بأن يقتلنا فقال الله تعالى: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا ﴾ أسمع كلامه معكما فأسخره للاستماع منكما وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه، واعلم أن هذه الآية تدل على أن كونه تعالى سميعاً وبصيراً صفتان زائدتان على العلم لأن قوله: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا ﴾ دل على العلم فقوله: ﴿ أَسْمَعُ وأرى ﴾ لو دل على العلم لكان ذلك تكريراً وهو خلاف الأصل ثم إنه سبحانه أعاد ذلك التكليف فقال: ﴿ فَأْتِيَاهُ ﴾ لأنه سبحانه وتعالى قال في المرة الأولى: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَٰتِنَا ٱلْكُبْرَى  ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ  ﴾ وفي الثانية: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ  ﴾ وفي الثالثة: قال: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ  ﴾ وفي الرابعة قال هاهنا فأتياه فإن قيل إنه تعالى أمرهما في المرة الثانية بأن يقولا له: ﴿ قَوْلاً لَّيّناً  ﴾ وفي هذه المرة الرابعة أمرهما أن يقولاَ: ﴿ إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل ﴾ وفيه تغليظ من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ ﴾ فيه أبحاث: البحث الأول: انقياده إليهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك المتبوع.

البحث الثاني: قوله: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل ﴾ فيه إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجاً إليهم فيما يريده من الأعمال من بناء أو غيره.

البحث الثالث: قوله: ﴿ وَلاَ تُعَذّبْهُمْ ﴾ .

البحث الرابع: قوله: ﴿ قَدْ جئناك بآيةٍ مّن رَّبّكَ ﴾ فما الفائدة في التليين أولاً والتغليظ ثانياً؟

قلنا: لأن الإنسان إذا ظهر لجاجه فلابد له من التغليظ فإن قيل: أليس كان من الواجب أن يقولا إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم، لأن ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه؟

قلنا: بل هذا أولى من تأخيره عنه لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجزة، أما قوله: ﴿ قَدْ جئناك بآيةٍ مّن رَّبّكَ ﴾ ففيه سؤال وهو أنه تعالى أعطاه آيتين وهما العصا واليد ثم قال: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآياتي  ﴾ وذلك يدل على ثلاث آيات وقال هاهنا: ﴿ جئناك بِآيَةٍ ﴾ وهذا يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع؟

أجاب القفال بأن معنى الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال: قد جئناك ببيان من عند الله ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججاً كثيرة، وأما قوله: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ فقال بعضهم هو من قول الله تعالى لهما كأنه قال: فقولا إنا رسولا ربك، وقولا له: والسلام على من اتبع الهدى، وقال آخرون بل كلام الله تعالى قد تم عند قوله: ﴿ قَدْ جئناك بِآيَةٍ مّن رَّبّكَ ﴾ فقوله بعد ذلك: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ وعد من قبلهما لمن آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة، والسلام بمعنى السلامة كما يقال رضاع ورضاعة واللام وعلى هاهنا بمعنى واحد كما قال: ﴿ لَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سُوء الدار  ﴾ على معنى عليهم وقال تعالى: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا  ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أما قوله: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى ﴾ فاعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا يدوم وذلك لأن الألف واللام في قوله: ﴿ العذاب ﴾ تفيد الاستغراق أو تفيد الماهية وعلى التقديرين يقتضي انحصار هذا الجنس فيمن كذب وتولى فوجب في غير المكذب المتولي أن لا يحصل هذا الجنس أصلاً، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين بترك العمل به في بعض الأوقات فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام لأن العقاب المتناهي إذا حصل بعده السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب كأنه لا عقاب فلذلك يحسن مع حصول ذلك القدر أن يقال: إنه لا عقاب، وأيضاً فقوله: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ ، وقد فسرنا السلام بالسلامة فظاهره يقتضي حصول السلامة لكل من اتبع الهدى، والعارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون صاحب السلامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

خاطب الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى؛ لأنه الأصل في النبوّة، وهارون وزيره وتابعه.

ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه.

لما عرف من فصاحة هارون والرتة في لسان موسى.

ويدل عليه قوله: ﴿ أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين ﴾ [الزخرف: 52] ﴿ خَلَقَهُ ﴾ أول مفعولي أعطى، أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به.

أو ثانيهما، أي: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان: كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة، غير ناب عنه.

أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة، حيث جعل الحصان والحِجر.

زوجين، والبعير والناقة، والرجل والمرأة، فلم يزاوج منها شيئاً غير جنسه وما هو على خلاف خلقه.

وقرئ ﴿ خَلَقَهُ ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه، أي: كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه ﴿ ثُمَّ هدى ﴾ أي عرف كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه.

ولله درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه، وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالباً للحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ فَما حالُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.

﴿ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ أيْ هو غَيْبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو وإنَّما أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ لا أعْلَمُ مِنهُ إلّا ما أخْبَرَنِي بِهِ.

﴿ فِي كِتابٍ ﴾ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِتَمَكُّنِهِ في عِلْمِهِ بِما اسْتَحْفَظَهُ العالَمَ وقَيَّدَهُ بِالكَتَبَةِ ويُؤَيِّدُهُ.

﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ والضَّلالُ أنْ تُخْطِئَ الشَّيْءَ في مَكانِهِ فَلَمْ تَهْتَدِ إلَيْهِ، والنِّسْيانُ أنْ تَذْهَبَ عَنْهُ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِكَ، وهُما مُحالانِ عَلى العالِمِ بِالذّاتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُؤالُهُ دَخْلًا عَلى إحاطَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِالأشْياءِ كُلِّها وتَخْصِيصِهِ أبْعاضَها بِالصُّوَرِ والخَواصِّ المُخْتَلِفَةِ، بِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي عِلْمَهُ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها، والقُرُونُ الخالِيَةُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وتَمادِي مُدَّتِهِمْ وتَباعُدِ أطْرافِهِمْ كَيْفَ أحاطَ عِلْمُهُ بِهِمْ وَبِأجْزائِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَيَكُونُ مَعْنى الجَوابِ: أنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ وأنَّهُ مُثْبَتٌ عِنْدَهُ لا يَضِلُّ ولا يَنْسى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ} موسى مجيباً {عِلْمُهَا عِندَ رَبّى} مبتدأ وخبر {في الكتاب} أي اللوح خبر ثانٍ أي هذا سؤال عن الغيب وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب وعلم أحوال الفروق مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ {لاَّ يضل ربي} أي لا يخطئ شيئا يقال صللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهد له أي لا يخطئ في سعادة الناس وشقاوتهم {وَلاَ يَنسَى} ثوابهم وعقابهم وقيل لا ينسى ما علم فيذكره الكتاب ولكن ليعلم الملائكة أن معمول الخلق يوافق معلومه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنَّما أنا عَبْدٌ لا أعْلَمُ مِنها إلّا ما عَلَّمَنِيهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّسالَةِ والعِلْمِ بِأحْوالِ القُرُونِ وما جَرى عَلَيْهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ مِمّا لا مُلابَسَةَ فِيهِ بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ كَما زَعَمْتَ.

وقِيلَ: إنَّما سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَ أنَّهُ نَبِيٌّ أوْ هو مِن جُمْلَةِ القُصّاصِ الَّذِينَ دارَسُوا قِصَصَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ اللَّعِينَ لَمّا سَمِعَ وعْظَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ الآيَةَ سَألَ عَنْ ذَلِكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ فَإنَّهُ كانَ نُزُولُها بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ السُّؤالَ مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ﴾ إلَخْ أيْ فَما حالُ القُرُونِ السّالِفَةِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمُرادُ بَيانُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ فَفَصِّلَ لَنا حالَ مَن مَضى مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ولِذا رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ العِلْمَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّهُ لَوْ كانَ المَسْؤُولُ عَنْهُ ما ذُكِرَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لَأُجِيبَ بِبَيانِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى مِنهم فَقَدْ سَلِمَ ومَن تَوَلّى فَقَدْ عُذِّبَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسَّلامُ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا ﴾ إلَخْ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى كَذَّبُوا ثُمَّ ما عُذِّبُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ والسُّؤالُ عَنِ البَعْثِ، والضَّمِيرُ في ﴿ عِلْمُها ﴾ لِلْقِيامَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى القِيامَةِ أدْهى مِن أمْرِ التَّعَلُّقِ (وأمَرَّ) .

وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِراضًا عَلى ما تُضَمِّنُهُ مِن عِلْمِهِ تَعالى بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها المُسْتَتْبِعِ إحاطَةَ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا بِالأشْياءِ كُلِّها كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى كَما أشَرْتَ فَما تَقُولُ في القُرُونِ الخالِيَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وتَمادِي مُدَّتِهِمْ وتَباعُدِ أطْرافِهِمْ، كَيْفَ إحاطَةُ عِلْمِهِ تَعالى بِهِمْ وبِأجْزائِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَأجابَ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلى آخِرِ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وتَخْصِيصُ القُرُونِ الأُولى عَلى هَذا بِالذِّكْرِ مَعَ أوْلَوِيَّةِ التَّعْمِيمِ قِيلَ لِعِلْمِ فِرْعَوْنَ بِبَعْضِها وبِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِن مَعْرِفَةِ صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ بَيَّنَ أحْوالَها، وقِيلَ: إنَّهُ لِإلْزامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَبْكِيتِهِ عِنْدَ قَوْمِهِ في أسْرَعِ وقْتٍ لِزَعْمِهِ أنَّهُ لَوْ عَمَّمَ رُبَّما اشْتَغَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَفْصِيلِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمَوْجُوداتِ المَحْسُوسَةِ الظّاهِرَةِ فَتَطُولُ المُدَّةُ ولا يَتَمَشّى ما أرادَهُ، وأيًّا ما كانَ يَسْقُطُ ما قِيلَ: إنَّهُ يَأْبى هَذا الوَجْهُ تَخْصِيصَ القُرُونِ الأُولى مِن بَيْنِ الكائِناتِ، فَإنَّهُ لَوْ أخَذَها بِجُمْلَتِها كانَ أظْهَرَ وأقْوى في تَمَشِّي ما أرادَ، نَعَمْ بُعْدُ هَذا الوَجْهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ اعْتِراضٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ ما ذَكَرْتُ مِن دَلِيلِ إثْباتِ المَبْدَأِ في هَذِهِ الغايَةِ مِنَ الظُّهُورِ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى نَسُوهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ تَعالى فَلَوْ كانَتِ الدَّلالَةُ واضِحَةً وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها ومَآلُهُ عَلى ما قالَ الإمامُ مُعارَضَةُ الحُجَّةِ بِالتَّقْلِيدِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما يُقالُ إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ ثُمَّ هَدى ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، وحاصِلُ الجَوابِ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ ذَلِكَ مِن سِرِّ القَدَرِ وعِلْمُهُ عِنْدَ رَبِّي جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِـ ”عِلْمُها“ والخَبَرُ الأوَّلُ ﴿ عِنْدَ رَبِّي ﴾ .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونا خَبَرًا واحِدًا مِثْلَ هَذا حُلْوٌ حامِضٌ وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿ عِنْدَ رَبِّي ﴾ ، و ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ أوْ هو مَعْمُولٌ لَهُ.

وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ في كِتابٍ و(عِنْدَ رَبِّي) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ والعامِلُ الظَّرْفُ وهو يَعْمَلُ مُتَأخِّرًا عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: يَكُونُ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في ﴿ عِلْمُها ﴾ ، وقِيلَ: يَكُونُ ظَرْفًا لِلظَّرْفِ الثّانِي، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِلْعِلْمِ ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ ثُمَّ قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِعِلْمِها و ﴿ عِنْدَ رَبِّي ﴾ الخَبَرُ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ خَبَرِهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أوَّلَ الأوْجُهِ هو الأوْجَهُ وكَأنَّهُ عَنى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ أيْ عِلْمُها مُثَبَّتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِتَفاصِيلِهِ وهَذا مِن بابِ المَجازِ، إذِ المُثْبَتُ حَقِيقَةً إنَّما هو النُّقُوشُ الدّالَّةُ عَلى الألْفاظِ المُتَضَمَّنَةِ شَرْحَ أحْوالِهِمُ المَعْلُومَةِ لَهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ الدَّفْتَرَ كَما هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِتَمَكُّنِهِ وتَقَرُّرِهِ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما اسْتَحْفَظَهُ العالِمُ وقَيَّدَهُ بِكَتَبَتِهِ في جَرِيدَةٍ ولَعَلَّهُ أوْلى، ويُلَوِّحُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ فَإنَّ عَدَمَ الضَّلالِ والنِّسْيانِ أوْفَقُ بِإتْقانِ العِلْمِ، والظّاهِرُ أنَّ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ دَفْعَ تَوَهُّمِ الِاحْتِياجِ لِأنَّ الإثْباتَ في الكِتابِ إنَّما يَفْعَلُهُ مَن يَفْعَلُهُ لِخَوْفِ النِّسْيانِ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، والإثْباتُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِحِكَمٍ ومَصالِحَ يَعْلَمُ بَعْضَها العالِمُونَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأوَّلِ تَكْمِيلٌ لِدَفْعِ ما يَتَوَهَّمُ مِن أنَّ الإثْباتَ في اللَّوْحِ لِلِاحْتِياجِ لِاحْتِمالِ خَطَأٍ أوْ نِسْيانٍ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ، وعَلى الثّانِي تَذْيِيلٌ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والمَعْنى لا يُخْطِئُ رَبِّي ابْتِداءً بِأنْ لا يَدْخُلَ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ في واسِعِ عِلْمِهِ فَلا يَكُونُ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطًا بِالأشْياءِ ولا يَذْهَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَقاءً بِأنْ يَخْرُجَ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَ أنْ دَخَلَ بَلْ هو عَزَّ وجَلَّ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا أزَلًا وأبَدًا، وتَفْسِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِما ذُكِرَ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ القَفّالُ ووافَقَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولا يَخْفى حُسْنُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ولَيْسَ بِذاكَ، والفِعْلانِ قِيلَ: مُنَزَّلانِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقِيلَ: هُما باقِيانِ عَلى تَعَدِّيهِما والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ لا يَضِلُّ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ولا يَنْساهُ، وقِيلَ: شَيْئًا مِن أحْوالِ القُرُونِ الأُولى، وعَنِ الحَسَنِ لا يَضِلُّ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ وكَأنَّهُ جَعَلَ السُّؤالَ عَنِ البَعْثِ وخَصَّصَ لِأجْلِهِ المَفْعُولَ وقَدْ عَلِمْتَ حالَهُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: لا يَتْرُكُ مَن كَفَرَ بِهِ حَتّى يَنْتَقِمَ مِنهُ ولا يَتْرُكُ مَن وحَّدَهُ حَتّى يُحازِيَهُ وكَأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ جَعَلَ السُّؤالَ عَنْ حالِهِمْ مِن حَيْثُ السَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكِتابٍ والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ لا يُضِلُّهُ رَبِّي ولا يَنْساهُ، وقِيلَ: العائِدُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ في الفِعْلِ (ورَبِّي) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ أيْ لا يَضِلُّ الكِتابَ رَبِّي أيْ عَنْهُ.

وفي ﴿ يَنْسى ﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلَيْهِ أيْضًا أيْ ولا يَنْسى الكِتابَ شَيْئًا أيْ لا يَدَعُهُ عَلى حَدِّ ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ .

والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إلى مَثَلِ هَذِهِ الأقْوالِ، وإظْهارُ (رَبِّي) في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلتَّلَذُّذِ بِذِكْرِهِ تَعالى ولِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإشْعارِ بِعَلِيَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ مِمّا تَقْتَضِي عَدَمَ الضَّلالِ والنِّسْيانِ حَتْمًا.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ مَن أضَلَّ وأضْلَلْتُ الشَّيْءَ وضَلَلْتُهُ قِيلَ بِمَعْنًى.

وفي الصَّحّاحِ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ يُقالُ: أضْلَلْتُ بَعِيرِي إذا ذَهَبَ مِنكَ وضَلَلْتُ المَسْجِدَ والزّادَ إذا لَمْ تَعْرِفْ مَوْضِعَهُما وكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ مُقِيمٌ لا يُهْتَدى إلَيْهِ، وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الفَرّاءِ وابْنِ عِيسى، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ وجْهَيْنِ جَعَلَ (رَبِّي) مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والمَعْنى لا يُضِلُّ أحَدٌ رَبِّي عَنْ عِلْمِهِ، وجَعَلَهُ فاعِلًا والمَعْنى لا يَجِدُ رَبِّي الكِتابَ ضالًّا أيْ ضائِعًا، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( لا يُضَلُّ رُبِّيَ ولا يُنْسى ) بِبِناءِ الفِعْلَيْنِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال الله عزّ وجلّ: قالا، يعني: موسى وهارون: رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا يعني: أن يبادر بعقوبتنا.

يقال: قد فرط منه أمر، أي: قد بدر منه.

قال النبيّ  : «أنا فرطكم على الحوض» .

ويقال: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا، يعني: أن يضر بنا.

أَوْ أَنْ يَطْغى، يعني: يقتلنا: قال: كان هذا القول من موسى وهارون حين رجع موسى إلى مصر، وأوحى الله تعالى إليهما فقالا عند ذلك: إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى وقال بعضهم: قد قال الله عزّ وجلّ ذلك لموسى عند طور سيناء، فأجابه موسى عن نفسه وعن هارون، فأضاف القول إليهما جميعاً.

قالَ الله عزَّ وجلَّ: لا تَخافا، عقوبة فرعون عند أداء الرسالة.

إِنَّنِي مَعَكُما، أي: معينكما.

أَسْمَعُ ما نزل عليكما، وَأَرى ما يصنع بكما.

ثم قال عز وجل: فَأْتِياهُ، يعني: فاذهبا إلى فرعون، فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: في الآية دليل أنه يجوز رواية الأخبار بالمعنى، وإنما العبرة للمعنى دون اللفظ، لأن الله تعالى حكى معنى واحداً بألفاظ مختلفة، وقال في موضع آخرقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: 16] وقال هاهنا: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ وقال في آية أخرى: قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ [الأعراف: 121- 122] ، وقال في موضع: آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى.

ثم قال تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ، يعني: لا تستعبدهم.

قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ، يعني: باليد والعصا.

وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، يعني: على مَنْ طلب الحق ورغب في الإسلام.

قال الزجاج: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى معناه: أن من اتبع الهدى، فقد سلم من عذاب الله عز وجل وسخطه.

قال عز وجل: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ يعني: أَنَّ العذاب في الآخرة بالدوام عَلى مَنْ كَذَّبَ بالتوحيد وَتَوَلَّى عن التوحيد والإيمان ولم يذكر في الآية أنهما أتيا فرعون، لأن في الكلام دليلاً عليه حيث ذكر قول فرعون، ومعناه: أنهما أتيا فرعون وأديا إليه الرسالة وقالا: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ.

لأن في الكلام دليلاً عليه، حيث ذكر قول فرعون: قالَ فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى، ولم يقل من ربي تكبراً منه.

قالَ موسى: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني: شكله، ويقال: خلق لكل ذكر أنثى شبهه ثُمَّ هَدى، يعني: ألهمه الأكل والشرب والجماع، وقال القتبي: الإهداء أصله الإرشاد، كقوله عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي [القصص: 22] .

ثم الإرشاد مرة يكون بالدعاء، ومرة بالبيان.

وقد ذكرناه في سورة الأعراف، ومرة بالإلهام كقوله: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ أي: صورته ثُمَّ هَدى أي: ألهمه إتيان الإناث.

ويقال: ألهمه طلب المرعى وتوقي المهالك.

وقال الحسن: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ما يصلح له، ثم هداه.

ثمّ أن موسى أخبره بالبعث والجزاء وأمر الآخرة.

وقال فرعون: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى؟

يعني: ما حال وما شأن القرون الماضية؟

قالَ موسى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ، يعني: في اللوح المحفوظ.

لاَّ يَضِلُّ رَبِّي يعني: لا يخفى على ربي، وَلا يَنْسى ما كان من أمرهم.

وقال مجاهد لاَّ يَضِلُّ رَبِّي، أي: لا يخفى عليه شيء واحد.

قال السدي: أي: لا يغفل ولا يترك، وكان الحسن يقرأ لاَّ يَضِلُّ بضم الياء، يعني: لا يضله الله، يعني به: الكتاب.

وإلى هذا الموضع حكاية كلام موسى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ مَا يُوحى قيل:

هو وَحْي إلهام، وقِيلَ: بملك، وقِيلَ: برؤْيَا رَأَتْهَا، وكان مِنْ قصة موسى عليه السلام فيما رُوي أن فرعون ذُكرَ له أَنَّ خرابَ مُلْكِه يكونُ عَلَى يد غُلاَمٍ من بني إسرائيل فأمر بقتل ٩ ب كُلِّ/ مَوْلُودٍ يولَدُ لبني إسرائيل، ثم إنه رَأَى مع أَهْل مملكته: أَنَّ فناء بني إسرائيل يعودُ على القِبْطِ بالضَرَرِ إذْ هم كانوا عَمَلَةَ الأَرْضِ، والصناع، ونحو هذا فعزم على أَنْ يقتُلَ الوِلْدَانَ سنةً، ويَسْتَحْيِيَهُم سنةً، فولد هرون عليه السلام في سَنَةِ الاِسْتِحْيَاءِ، ثم ولد موسى عليه السلام في العام الرابع سَنَةَ القَتْلِ، فخافت عليه أُمُّه فأوحى اللَّه إلَيْها: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فأخذَت «١» تابُوتاً فقذفَتْ فيه موسى راقِداً في فِرَاشٍ، ثم قذفتْهُ في يَمِّ النيل، وكان فرعون جَالِساً في مَوْضِع يُشْرِفُ منه على النِّيلِ إذْ رَأَى التَّابُوتَ فأمَر به، فسِيقَ إليه، وامرأته معه، ففُتِحَ فرأَوْهُ فَرَحِمتْهُ «٢» امرأته وطلبتْهُ لتتَّخذَهُ ابنا، فأباح لها ذلك، ثم إنَّها عرضَتْهُ للرِّضَاعِ، فلم يقبلِ «٣» امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة، ويُطافُ به يُعْرَضُ للمَرَاضِعِ، فكلما عُرِضَتْ عليه امرأةٌ أَباهَا، وكانت أمه قالَتْ لأُخْتِه: قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ [القصص: ١١] وفهمت أمره، فقالت لهم: أنا أدلُّكم على أهْل بيت يَكْفلُونه لَكُمْ، وهم له نَاصِحُون، فتعلَّقُوا بِهَا، وقالوا: أنْتِ تَعْرِفينَ هذا الصبيَّ، فأنْكَرتْ، وقَالَتْ: لاَ، غير أني أعلم من أهل هذا البيْتِ الحِرْصَ على التقرُّبِ إلى المملكةِ، والجدّ في خِدْمتها، ورِضَاهَا، فتَرَكُوها وسَأَلُوها الدَّلاَلة، فجاءت بِأُمِّ مُوسَى، فلما قَرَّبَتْهُ، شَرِبَ ثَدْيَهَا، فسُرّت بذلك آسِيَةُ امرأة فِرْعون (رضي اللَّه عنها) وقالت لها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فقالت لها: ما كُنْتُ لأَدَعَ بيتي وَوَلَدِي، ولكنه يِكُون عِنْدِي، فقالت: نعم، فأَحسنت إلى أَهْل ذلك البيت غاية الإحسان،

واعتزَّ بنو إسْرَائِيل بهذا الرِّضاعِ، والسبب من المَمْلَكَةِ، وأقام موسى عليه السلام حتى كَمَلَ رضاعه، فأرسلت إليها آسية: أن جئيني بولدي لِيَوْمِ كذا، وأمَرتْ خَدَمَها، ومَنْ مَعَها أنْ يلقينه بالتحَفِ، والهَدَايا، واللّباس فوصل إليها على ذلك، وهو بخير حال وأجمل ثياب، فسُرّت بِهِ، ودخَلتْ به عَلَى فِرْعَوْن؟

ليراه ويهب له «١» فرآه وأعْجَبه، وقرَّبَهُ فأخذ موسى عليه السلام بلِحْيَةِ فرعون، وجَبَذَهَا، فاسْتَشَاطَ فرعونُ، وقال: هذا عَدُوٌّ لي، وأمَر بذبْحِهِ، فَنَاشَدَتْهُ فيه امرأته، وقالَتْ: إنه لاَ يَعْقِلُ، فقال فِرْعَونُ: بل يَعْقِلُ، فاتَّفَقَا عَلَى تَجْرِيبه بالجمْرَةِ «٢» والياقُوتِ حَسَبَ ما تقدَّمَ، فنجاه اللَّهُ من فرعون ورَجَعَ إلى أمّه، فشبّ عندها، فاعتزّ به بنو إسْرَائِيل «٣» إلى أن تَرَعْرَعَ، وكان فَتًى جَلداً «٤» فَاضِلاً كَامِلاً، فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرِّضاع، وكان يحميهم، ويكون ضِلعَهُ مَعهم، وهو يَعْلَمُ مِنْ نفسه أنه مِنْهُم، ومِنْ صَمِيمِهم، فكانت بصيرته في حمايتهم أكِيدة، وكان يَعْرِفُ ذلك أَعيانُ بني إسْرَائِيل، ثم وقعت له قِصَّةُ القِبْطِيِّ المتقاتل مع الإسرائيلي على ما سيأتي إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالى، وعدد اللَه سبحانه على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القِصَّة: مِنْ لُطْفه سُبْحَانه به في كُلِّ فَصْل، وتخليصه من قِصَّةٍ إلَى أخرى، وهذه الفُتُون التي فتنه بها، أيْ: اختبره بها، وخلَّصَهُ حتى صلح لِلنّبوّةِ، وسلم لها.

وقوله مَا يُوحى / إبهامٌ يتضمن عِظَمَ الأَمْر وَجَلالَتِه وهذا كَقَوْلِهِ تعالى: إِذْ ١٠ أيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى [النجم: ١٦] فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى

[النجم: ١٠] .

وهو كثيرٌ في القرآن، والكلام الفصيح.

وقوله: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ خبرٌ خرج في صِيغَةِ الأَمر «٥» [مُبالغةً ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ» فأخرج الخبر في صِيغَة الأمْرِ لنفسه، مُبَالغةً] «٦» ، وهذا كَثِيرٌ، والمرادُ بالعدُوِّ في الآية: فرعونُ ثم أخبر تعالى مُوسَى عليه السلام أَنه ألْقى عليه مَحَبَّةً منه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ.

وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿ إنَّهُ طَغى  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ ﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى  ﴾ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ.

والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟

فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ.

والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما.

والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ.

ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ.

وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أنْ يَطْغى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي مَعَكُما ﴾ ؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿ أسْمَعُ ﴾ أقْوالَكم، ﴿ وَأرى ﴾ أفْعالَكم.

قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿ وَلا تُعَذِّبْهُمْ ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا.

قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى مَن كَذَّبَ ﴾ ؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ ﴿ قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ ﴿ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ اسْتَبَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِجَوابِهِ مِن حَيْثُ خَصَّهُ في السُؤالِ، ثُمْ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللهِ بِالَّتِي لا تَشْرِيكَ لِفِرْعَوْنَ فِيهِ ولا بِوَجْهِ مَجازٍ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ الذَكْرَ مِن كُلِّ الحَيَوانِ - نَوْعَهُ وخِلْقَتُهُ - أُنْثى، ثُمْ هَدى لِلْإتْيانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ كُلَّ مَوْجُودٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ، أيْ أكْمَلَ ذَلِكَ لَهُ وأتْقَنَهُ، ثُمْ هَدى أيْ: يَسَّرَّ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أشْرَفُ مَعْنًى وأعَمُّ في المَوْجُوداتِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "أعْطى" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: كَمالُهُ أو مَصْلَحَتُهُ.

وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحاجَّتَهُ بِحَسْبِ ما تُقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ ومُناقَضَتَهُ فِيهِ، فَلَيْسَ يَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ يُرِيدَ إلّا: ما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ تُبْعَثْ ولَمْ يُوجَدْ أمْرُكَ عِنْدَها؟

فَرَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمُ ذَلِكَ إلى اللهِ تَعالى.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فِرْعَوْنُ قَطْعَ الكَلامِ الأوَّلِ والرُجُوعَ إلى سُؤالِ مُوسى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الناسِ رَوَغانًا في الحُجَّةِ وحِيدَةً، وقِيلَ: "البالُ": الحالُ، فَكَأنَّهُ سَألَهُ عن حالِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بالَكم».

وقالَ النِقاشُ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ لِما سَمِعَ مُؤْمِنُ آلَهِ يَقُولُ: ﴿ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ  ﴾ ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ  ﴾ الآيَةُ، ورَدَّ مُوسى العَلَمَ إلى اللهِ لَأنَّهُ لَمْ تَأْتِهِ التَوْراةُ بَعْدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ يُرِيدُ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، أو فِيما كَتَبَهُ المَلائِكَةُ مِن أحْوالِ البَشَرِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ، تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى عن هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، وقَدْ كانَ الكَلامُ تَمَّ في قَوْلِهِ: "فِي كِتابٍ"، و"يَضِلُّ" مَعْناهُ: يُتْلَفُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ مِن صِفَةِ الكِتابِ، أيْ أنَّ الكِتابَ لا يَغِيبُ عَنِ اللهِ تَعالى، تَقُولُ العَرَبُ: "ضَلَّنِي الشَيْءُ" إذا لَمْ أجِدْهُ، و"أضْلَلْتُهُ أنا"، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  حِكايَةً عَنِ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي طَلَبَ أنْ يَحْرُقَ بَعْدَ مَوْتِهِ: لَعَلِّي أضِلُّ اللهَ» الحَدِيثُ، ﴿ وَلا يَنْسى ﴾ أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، يَصِفُهُ بِأنَّهُ لا يَنْسى، أيْ: لا يَدَعُ شَيْئًا، فالنِسْيانُ هُنا اسْتِعارَةٌ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ إلا أحْصاها  ﴾ ، فَوَصَفَهُ بِالإحْصاءِ مِن حَيْثُ حُصِرَتْ فِيهِ الحَوادِثُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

والبال: كلمة دقيقة المعنى، تطلق على الحال المهمّ، ومصدره البالة بتخفيف اللاّم، قال تعالى: ﴿ كفّر عنهم سيّآتهم وأصلح بالهم ﴾ [محمد: 2]، أي حالهم.

وفي الحديث " كل أمر ذي بال...

" الخ، وتطلق على الرأي يقال: خطر كذا ببالي.

ويقولون: ما ألقى له بالاً، وإيثار هذه الكلمة هنا من دقيق الخصائص البلاغيّة.

أراد فرعون أن يحاجّ موسى بما حصل للقرون الماضية الذين كانوا على ملّة فرعون، أي قرون أهل مصر، أي ما حالهم، أفتزعم أنّهم اتفقوا على ضلالة.

وهذه شنشنة من لا يجد حجّة فيعمد إلى التشغيب بتخييل استبعاد كلام خصمه، وهو في معنى قول فرعون وملئه في الآية الأخرى ﴿ قالوا أجِئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ﴾ [يونس: 78].

ويجوز أن يكون المعنى أنّ فرعون أرَاد التشغيب على موسى حين نهضت حجّته بأن ينقله إلى الحديث عن حال القرون الأولى: هل هم في عذاب بمناسبة قول موسى: ﴿ أنّ العذاب على من كذّب وتولّى ﴾ [طه: 48]، فإذا قال: إنّهم في عذاب، ثارت ثائرة أبنائهم فصاروا أعداء لموسى، وإذا قال: هم في سلام، نهضت حجّة فرعون لأنه متابع لدينهم، ولأنّ موسى لمّا أعلمه بربّه وكان ذلك مشعراً بالخلق الأوّل خطر ببال فرعون أن يسأله عن الاعتقاد في مصير النّاس بعد الفناء، فسأل: ما بال القرون الأولى؟

ما شأنهم وما الخبر عنهم؟

وهو سؤال تعجيز وتشغيب.

وقول موسى في جوابه ﴿ عِلْمُهَا عند رَبِّي فِي كتاب ﴾ صالحٌ للاحتمالين، فعلى الاحتمال الأول يكون موسى صرفه عن الخوض فيما لا يجدي في مقامه ذلك الذي هو المتمحض لدعوة الأحياء لا البحث عن أحوال الأموات الذين أفضوا إلى عالم الجزاء، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم لمّا سئل عن ذراري المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».

وعلى الاحتمال الثاني يكون موسى قد عدل عن ذكر حالهم خيبة لمراد فرعون وعدولاً عن الاشتغال بغير الغرض الذي جاء لأجله.

والحاصل أنّ موسى تجنّب التصدي للمجادلة والمناقضة في غير ما جاء لأجله لأنّه لم يبعث بذلك.

وفي هذا الإعراض فوائد كثيرة وهو عالم بمجمل أحوال القرون الأولى وغير عالم بتفاصيل أحوالهم وأحوال أشخاصهم.

وإضافة ﴿ عِلْمُهَا ﴾ من إضافة المصدر إلى مفعوله.

وضمير ﴿ عِلْمُها ﴾ عائد إلى ﴿ القُرُوننِ الأولى ﴾ لأنّ لفظ الجمع يجوز أن يؤنث ضميره.

وقوله ﴿ في كتاب ﴾ يحتمل أن يكون الكتاب مجازاً في تفصيل العلم تشبيهاً له بالأمور المكتوبة، وأن يكون كناية عن تحقيق العلم لأنّ الأشياء المكتوبة تكون محققة كقول الحارث بن حِلِّزَة: وهل ينقض ما في المهارق الأهواء ويؤكد هذا المعنى قوله ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبي ولا يَنسَى ﴾ .

والضلال: الخطأ في العلم، شبّه بخطأ الطريق.

والنسيان: عدم تذكر الأمر المعلوم في ذهن العالم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ زَوْجَهُ مِن جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ لِنِكاحِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَعِيشَتِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةً وكَذاكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ يَعْنِي بِالخِلْقَةِ الصُّورَةَ.

الثّالِثُ: أعْطى كُلًّا ما يُصْلِحُهُ، ثُمَّ هَداهُ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما ألْهَمَهُ مِن عِلْمٍ أوْ صِناعَةٍ وهَداهُ إلى مَعْرِفَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ وهي جَمْعُ قَرْنٍ، والقَرْنُ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ مَأْخُوذٌ مِن قِرانُهم فِيهِ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: القَرْنُ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ وفِيهِ نَبِيٌّ أوْ طَبَقَةٌ عالِيَةٌ في العِلْمِ، فَجَعَلَهُ مِنَ اقْتِرانِ أهْلِ العَصْرِ بِأهْلِ العِلْمِ، فَإذا كانَ زَمانٌ فِيهِ فَتْرَةٌ وغَلَبَةُ جَهْلٍ لَمْ يَكُنْ قَرْنًا.

واخْتُلِفَ في سُؤالِ فِرْعَوْنَ عَنِ القُرُونِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْها فِيما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، هَلْ كانُوا عَلى مِثْلِ ما يَدْعُو إلَيْهِ أوْ بِخِلافِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُ قَطْعًا لِلِاسْتِدْعاءِ ودَفْعًا عَنِ الجَوابِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ ذَنْبِهِمْ ومُجازاتِهِمْ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا دَعاهُ إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ قالَ: ما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ تُبْعَثْ؟

﴿ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ فَرَدَّ مُوسى عِلْمَ ذَلِكَ إلى رَبِّهِ.

﴿ فِي كِتابٍ ﴾ ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ أيْ لَمْ يَجْعَلْ عِلْمَ ذَلِكَ في كِتابٍ لِأنَّهُ يَضِلُّ أوْ يَنْسى.

وَيَحْتَمِلُ إثْباتُهُ في الكِتابِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لَهُ فَضْلًا لَهُ وحُكْمًا بِهِ.

الثّانِي: لِيُعْلِمَ بِهِ مَلائِكَتَهُ في وقْتِهِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُخْطِئُ فِيهِ ولا يَتْرُكُهُ.

الثّانِي: لا يَضِلُّ الكِتابُ عَنْ رَبِّي، ولا يَنْسى رَبِّي ما في الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ [الوَقْتِ] عِنْدَ مُوسى عِلْمَ القُرُونِ الأُولى، لِأنَّهُ عَلِمَها مِنَ التَّوْراةِ، ولَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وغَرَقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال: من كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ قال: خلق لكل شيء روحه، ثم ﴿ هدى ﴾ قال: هداه لمنكحه، ومطعمه، ومشربه، ومسكنه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ﴾ يقول: مثله، أعطى الإنسان انسانة، والحمار حمارة، والشاة شاته: ﴿ ثم هدى ﴾ إلى الجماع.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ قال: أعطى كل شيء ما يصلحه ثم هداه له.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ قال: سوى خلق كل دابة ثم هداها لما يصلحها وعلمها إياه، لم يجعل خلق الناس كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الناس، ولكن ﴿ خلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ [ الفرقان: 2] .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ﴾ قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل الإنسان في خلق الدابة، ولا الدابة في خلق الكلب، ولا الكلب في خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس منها شيء يملك شيئاً في فعاله، في الخلق والرزق والنكاح ﴿ ثم هدى ﴾ قال: هدى كل شيء إلى رزقه وإلى زوجته.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ﴾ قال: أعطى كل شيء صورته ﴿ ثم هدى ﴾ قال: لمعيشته.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ قال: ألم تر إلى البعير كيف يقوم لصاحبه ينتظره!

حتى يجيء هذا منه!.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم هدى ﴾ قال: كيف يأتي الذكر الأنثى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن سابط قال: ما أبهمت البهائم، فلم تبهم عن أربع: تعلم أن الله ربها، ويأتي الذكر الأنثى، وتهتدي لمعايشها، وتخاف الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال فما بال القرون الأولى ﴾ يقول: فما حال القرون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا يضل ربي ﴾ قال: لا يخطئ.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال: هما شيء واحد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال: ﴿ لا يضل ربي ﴾ الكتاب ﴿ ولا ينسى ﴾ ما فيه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي المليح قال: الناس يعيبون علينا الكتاب، وقال الله تعالى: ﴿ علمها عند ربي في كتاب ﴾ .

وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هلال قال: كنا عند قتادة فذكروا الكتاب وسألوه عن ذلك؟

فقال: وما بأس بذلك.

أليس الله الخبير يخبر؟

قال: ﴿ فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال موسى: ﴿ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ﴾ قال أبو إسحاق: (أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها) (١) ﴿ فِي كِتَابٍ ﴾ قال الكلبي: (اللوح المحفوظ) (٢) ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾ تأكيد وتحقيق للجزاء بالأعمال.

قال: يريد لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا ينسى من وحده حتى يجازيه.

وقال الكلبي: (لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم، حتى يوافيهم بأعمالهم بالحسن حسنًا وبالسيئ سيئًا) (٣) قال الفراء: (يقال أضللت الشيء: إذا ضاع منك مثل: الدابة وما أشبهها إذا انفلت منك، وإذا أخطأت موضع الشيء الثابت مثل: الدار والمكان، قلت: ضللته ولا يقال أضللته) (٤) وقال أبو إسحاق: (ضَلَلْتُ الشيء أَضِلُّه إذا جعلته في مكان لم تدر أين هو، وأَضْلَلْتُه أضعته) (٥) (٦) (٧) وقال أبو عمرو: (يقال أَضْلَلْتُ بعيري: إذا كان معقولاً فلم يهتد لمكانه، وأَضْلَلْتُه إِضْلاَلاً: إذا كان مطلقًا فذهب ولا يدري أين ذهب وأخذ، وكل ما جاء من الضَّلال من قِبَلِك قلت: ضَلَلْتُه، وما جاء من المفعول به قلت: أَضْلَلْته.

قال: وأصل الضلال: من الغيبوبة، يقال: ضَلَّ الماء في اللبن إذا غاب، وضَلَّ الكافر غاب عن الحجة، وضَلَّ الناسي إذا غاب عن حفظه) (٨) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾ أي: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء.

وقال ابن الأنباري: (مذهب مقاتل في هذه الآية: أن عدو الله فرعون كان قد قال له مؤمن آل فرعون: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} [غافر: 31 - 31].

وكان هذا في قلب فرعون يحب أيعلم حالاتهم، فلما أورد موسى عليه الآية الباهرة التي عجز عن معارضتها أحب أن يعلم من جهته أخبارهم، ولم يكن عند موسى في ذلك الوقت علم بأخبارهم؛ لأنه عرف أخبار القرون من التوراة ولم تنزل التوراة على موسى إلا بعد هلكة فرعون وغرقه) (٩) ﴿ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ﴾ يعني: اللوح المحفوظ، ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾ قال وذهب الأولون إلى أن المعنى في: ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي ﴾ لا يضل الكتاب من ربي.

قال وهذا باطل؛ لأن الخافض لا يحتمل له سقوط في مثل هذا المكان، لا يجوز أن تقول: سقط الدرهم كمك.

وأنت تريد من كمك، كذلك هاهنا لا يجوز) (١٠) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 359.

(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 19 أ، "بحر العلوم" 2/ 345، "معالم التنزيل" 5/ 277، "المحرر الوجيز" 10/ 40، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 205.

(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 173، "معالم التنزيل" 5/ 277، "زاد المسير" 5/ 292، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 208.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 181.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 359.

(٦) "جامع البيان" 16/ 173، "الكشف والبيان" 3/ 19 أ، "بحر العلوم" 2/ 345 ، "الدر المنثور" 4/ 538.

(٧) "بحر العلوم" 2/ 345.

(٨) "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2129، "لسان العرب" (ضلل) 5/ 2602.

(٩) "تفسير مقاتل" 3 أ، "النكت والعيون" 3/ 407، "زاد المسير" 5/ 292.

(١٠) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 539، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 208، "البحر المحيط" 6/ 248، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 122.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى ﴾ يحتمل أن يكون سؤاله عن القرون الأولى محاجة ومناقضة لموسى: أي ما بالها لم تبعث كما يزعم موسى؟

أو ما بالها لم تكن على دين موسى أو ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب كما زعم موسى في قوله: ﴿ أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى ﴾ [طه: 48]، ويحتمل أن يكون قال ذلك قطعاً للكلام الأول، ورَوَغاناً عنه وحيرة لما رأى أنه مغلوب بالحجة ولذلك أضرب موسى عن الكلام في شأنها، فقال ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ ، ثم عاد إلى وصف الله رجوعاً إلى الكلام الأول ﴿ فِي كِتَابٍ ﴾ يعني اللوح المحفوظ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: بإمالة الطاء والهاء.

حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وعباس وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.

وفي الكشاف أن أبا عمرو فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء.

والآخرون بتفخيمها ﴿ لأهله امكثوا ﴾ بضم الهاء وكذلك في "القصص": حمزة ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر غير ابن مجاهد ﴿ على النار هدى ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وحمزة في رواية ابن معدان وأبي عمر والنجاري عن ورش وأبي عمرو وغير ابراهيم وابن حماد ﴿ أني أنا ربك ﴾ بفتح الهمزة وياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.

بكسر الهمزة وفتح الياء: نافع الباقون: بكسر الهمزة وسكون الياء ﴿ طوى ﴾ منوناً حيث كان: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر ﴿ وإنا اخترناك ﴾ على الجمع: حمزة والمفضل ﴿ لذكري ﴾ ﴿ إني ﴾ ﴿ لي ﴾ ﴿ أمري ﴾ ﴿ عيني ﴾ ﴿ برأسي ﴾ (إني) بفتح الياآت: حمزة والمفضل ونافع وأبو عمرو.

(لي فيها) بالفتح: حفص والمفضل والأعشى والبرجمي والأصبهاني عن ورش مخير ﴿ أخي اشدد ﴾ بفتح الياء موصولة: ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح وأبو عمرو ﴿ واشدد ﴾ بفتح الهمزة ﴿ وأشركه ﴾ بضمها على التكلم: ابن عامر والباقون بضم الأول وفتح الثاني على الأمر ﴿ سؤلك ﴾ بالواو: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الآخرون بالهمزة.

الوقوف: ﴿ طه ﴾ ه كوفي ومن قال معناه يا رجل أو يا طالب أو يا هادي لم يقف ﴿ لتشقى ﴾ ه للاستثناء ﴿ يخشى ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ تنزيلاً ﴾ بدل ﴿ تذكره ﴾ ﴿ لعلي ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ ﴿ استوى ﴾ ه ﴿ الثرى ﴾ ه ﴿ وأخفى ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ه ﴿ حديث موسى ﴾ ه لئلا يوهم أن "إذ" ظرف للإتيان ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ نعليك ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ طوى ﴾ ه ط إلا لمن قرأ ﴿ إنا اخترناك ﴾ ﴿ بوحي ﴾ ه ﴿ فاعبدني ﴾ ه لا للعطف ﴿ لذكرى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ فتردى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ عصاي ﴾ ج لا مكان أن يجعل ﴿ أتوكأ ﴾ مستأنفاً أو حالاً والعامل أضمر أو أشير بناء على أن "هي" بمعنى "هذه".

﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ ولا تخف ﴾ ق لحق السين ﴿ الأولي ﴾ ه ﴿ آية أخرى ﴾ ه لا لتعلق اللام.

﴿ الكبرى ﴾ ه ج للآية والاستئناف بالأمر على أن المقول متصل ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ صدري ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ه لا ﴿ لساني ﴾ ه لا ﴿ قولي ﴾ ص لطول الكلام ﴿ أهلي ﴾ ه لا ﴿ أخي ﴾ ه لا وقف لمن قرأ ﴿ أشدد ﴾ بفتح الهمزة جواباً للدعاء ومن فتح الياء فله الوصل ومن قرأ ﴿ اشدد ﴾ بضم الهمزة فله الجواز لاتساق الدعاء على الدعاء بلا عاطف ﴿ أزري ﴾ ه لا ﴿ أمري ﴾ ه لا لتعلق "كي" ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ه.

التفسير: في ﴿ طه ﴾ قولان للمفسرين: أحدهما أنه من حروف التهجي وقد سلف البحث في أمثالها، والذي زادوه ههنا أمور منها: قول الثعلبي: الطاء شجرة طوبى، والهاء الهاوية وكأنه أقسم بالجنة والنار.

ومنها ما روي عن جعفر الصادق  أن الطاء طهارة أهل الدين والهاء هدايتهم.

وقيل: أراد يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب.

ومنها قول سعيد بن جبير هو افتتاح باسمه الطيب الطاهر الهادي.

قيل: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة ومعناه: يا أيها البدر.

القول الثاني أنها كلمة مفيدة ومعناها يا رجل.

مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن بير وقتادة وعكرمة والكلبي.

ثم قال سعيد بن جبير بلسان القبطية: وقال قتادة بلسان اليونانية والسريانية.

وقال عكرمة بلسان الحبشة.

وقال الكلبي بلسان عك وهو عك ابن عدنان أخو معد وهو اليوم في اليمن.

وعن الحسن أن طه أمر وأصله طأ أمراً بالوطء فقلبت الهمزة هاء وذلك لما روي أن النبي  كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معاً، ويؤكده ما روي أنه  بالليل حتى اسمعدّت قدماه - أي تورمتا - فقال له جبرائيل: أرفق على نفسك فإن لها عليك حقاً ونزلت ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ أي تتعب بالعبادة ولكنك بعثت بالحنيفية السهلة.

وعند الأكثرين معنى ﴿ لتشقى ﴾ لتتعب بفرط تأسفك عليهم وتحسرك على أن يؤمنوا.

والشقاء يجيء بمعنى التعب ومنه المثل "أشقى من رائض مهر وأتعب".

وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له: إن كل شقي لأنك تركت دين آبائك فرد الله عليهم بأن القرآن هو السبب في نيل كل سعادة.

قال جار الله: إن جعلت ﴿ طه ﴾ تعديد الأسماء الحروف فقوله ﴿ ما أنزلنا ﴾ ابتداء الكلام، وإن جعلته اسماً للسورة فمبتدأ وما بعده خبر وقد أقيم الظاهر - وهو القرآن - مقام الضمير الرابط، وإن جعلته قسماً فما يتلوه جواب وكل واحد من ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ تذكرة ﴾ علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل والثاني جاز قطع اللام عنه لوجود الشرط.

ولا يجوز أن يكون ﴿ تذكرة ﴾ بدلاً من محل ﴿ لتشقى ﴾ لاختلاف الجنسين، فإن التذكرة لا يمكن أن تحمل على الشقاء ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي فيه "إلا" بمعنى "لكن".

وفي قوله ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ إلا تذكرة ﴾ وجه آخر وهو أنه ما أنزلنا عليك القرآن لتتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة أي ما أنزلنا عليك هذا التعب الشاق إلا لهذا الغرض كما يقال: ما شافهناك بذلك الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك.

فانتصب ﴿ تذكرةً ﴾ على أنه حال أو مفعول له، وإذا كانت حالاً جاز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها، وإذا كانت مفعولاً لأجله لم يجز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها لأن الشيء لا يعلل بنفسه، فالإنزال لا يعلل بالتنزيل في الظاهر.

ويجوز أن ينتصب ﴿ تنزيلاً ﴾ بمضمر أي نزل تنزيلاً أو بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أبو بـ ﴿ يخشى ﴾ مفعولاً به أي أنزله الله تذكرةً لمن يخشى تنزيل الله عز وجلّ أي لمن يؤل أمره إلى الخشية لأنه هو المنتفع به.

ومعنى كون القرآن تذكرةً أنه  كان يعظهم به وببيانه.

﴿ ممن خلق ﴾ متعلق ﴿ بتنزيلاً ﴾ فيكون الظرف لغواً أو بكائناً صفة له فيكون مستقراً.

وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلاً منا أمور منها: الافتنان في الكلام على عادتهم.

ومنها تنسيق الصفات مع لفظ الغيبة.

ومنها التفخيم بالإسناد أولاً إلى ضمير المتكلم المطاع في ﴿ أنزلناه ﴾ ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد.

وقيل: أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا التفات.

و ﴿ العلى ﴾ جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السموات بها دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها.

ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة.

ومنه قول الحكماء: عقول الرجال تحت لسان أقلامهم.

وارتفع ﴿ الرحمن ﴾ على المدح على تقدير هو الرحمن، أو هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق.

والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة قد مر مشبعاً في "الأنعام" في قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده  ﴾ وفي الأعراف في قوله ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات  ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الآية.

عن محمد بن كعب: أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين.

وعن السدي: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة.

وقيل: الثور أو الحوت.

والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز البحر من جرم الأرض، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا الله  من المعادن وغيرها، ولا ريب أن الكل لله  .

ثم بيّن كمال علمه بقوله ﴿ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ﴾ فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك ما أخطرته ببالك،أو السر هذا وأخفى منه ما استسره.

وقيل: أخفى فعل ماضٍ أي يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلم هو.

قلت: هذا المعنى صحيح لأنه  محيط بجميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على غيوبه أحد، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال صاحب الكشاف: وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط.

وأجيب بأن معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك.

فإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله ﴿ واذكر ربك في نفسك  ﴾ وإما أن يكون تعليماً للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدي غيره به.

ومن فوائد الآية زجر المكلف عن القبائح - ظاهرة كانت أو باطنة - وترغيبه في الطاعات - ظاهرة وباطنة - وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه  في تفسيره قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ وفي غير ذلك من المواضع المناسبة، فلنقتصر الآن على ذلك.

ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره.

واعلم أن مراتب التوحيد أربع: الإقرار باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب، ثم تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى الأحد الصمد.

والأول بدون الثاني نفاق، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد مهلة كما إذا نظر وعرف فمات.

ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته "لا إله إلا الله" حتى إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك ويؤيده ما روي أنه  قال "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول، وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله، ومبتداه تفريق ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون، وآخره الفناء في الله والبقاء به.

قال النحويون: لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله.

وقال أهل العرفان: معناه لا إله في الإمكان إلا الله.

روي أن موسى بن عمران قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به.

فقال: قل لا إله إلا الله.

فقال: كل عبادك يقول.

فقال: قل لا إله إلا الله.

قال إنما أردت شيئاً تخصني به.

قال: يا موسى لو أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن "لا إله إلا الله".

والبحث عن أسماء الله  قد سلف في تفسير البسملة، وعن أسمائه الحسنى قد مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى  ﴾ واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: كامل لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو الله تقدس وتعالى، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية التي جبل عليها كصغيرة الإنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارةً يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر  ﴾ وتارةً يتسفل إلى أن يقال له ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ والكمال بالحقيقة لما ليس معرض الزوال فلا كمال في الصحة والجاه والمال وإنما الكمال في الانتساب إلى الكبير المتعال، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة الربوبية، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ويحسن ذكره.

إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى، وحسن المسمى يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يزال مواظباً على الإحسان كما قيل: يا حسن الوجه توق الخنا *** لا تخلطن الزين بالشين فيا حسن الأسماء والصفات لا تردّنا عن خوان إحسانك محرومين.

ذكر أن صياداً اصطاد سمكةً وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها.

إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردّنا إلى مقرنا وأنت أرحم الراحمين.

عن محمد بن كعب القرظي أن موسى  قال: يا رب أيّ خلق أكرم عليك؟

قال: الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري.

قال: أيّ خلقك أعلم؟

قال: الذي يلتمس علماً إلى علمه.

قال: وأيّ خلقك أعدل؟

قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس.

قال: وأيّ خلقك أعظم جرماً؟

قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له.

إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل، وكل ما لا تفعله بنا من الإحسان فهو عدل، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا.

وعن الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: سيعلم الجمع من أهل الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟

فيقومون فيتخطون رقاب الناس.

ثم يقال: أين الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله؟

ثم ينادي أين الحمادون لله على كل حال؟

ثم تكون التبعة والحساب على من بقي.

إلهي فنحن حمدناك واثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك.

وحين عظم شأن القرآن وبيّن حال الرسول  فيما كلف من أعباء الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتاً وتقوية وتسلية.

قال الكلبي: معنى ﴿ وهل أتاك ﴾ أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له.

ويقول المرء لصاحبه: هل بلغك خبر كذا ليتطلع السامع لما يومي إليه.

وعن مقاتل والضحاك عن ابن عباس أن المراد منه تقرر الخبر في قلبه أي قد أتاك ذلك في الزمان المتقدم.

"وإذ" ظرف للحديث لأنه حدث، أو المراد اذكر وقت كذا ومظروفه محذوف أي حين رأى ناراً كان كيت وكيت.

قال أهل السير: استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله وولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده، فرأى ناراً من يسار الطريق من بعيد.

قال السدي: ظن أنها من نيران الرعاة.

وقال الآخرون: إنه رآها في شجرة.

واختلفوا أيضاً في أن الذي رآه كان ناراً أم لا.

قالوا: والصحيح أنه كان ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء.

ويمكن أن يقال: إطلاق اللفظ على ما يشبه مسماه ليس بكذب.

قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهو نار الشجر ﴿ جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً  ﴾ ونار تأكل وتشرب وهي نار موسى  .

وبعبارة أخرى نور بلا حرقة وهي نار موسى، وحرقة بلا نور وهي نار جهنم، وحرقة ونور وهي نار الدنيا، ولا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار.

﴿ فقال لأهله امكثوا ﴾ إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة والخادم والولد.

ويجوز أن يخاطب المرأة وحدها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر لفظ الأهل فإنه اسم جمع.

وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم فقد ﴿ آنست ناراً ﴾ أي أبصرت إبصاراً لا شبهة فيه أو إبصاراً يؤنس به.

والتركيب يدل على الظهور، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء، ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور المطلوب وهو المأنوس به.

قال جار الله: لما وجد الإيناس وكان مقطوعاً متيقناً حققه لهم بكلمة "إن" ليوطن أنفسهم.

ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلاً ﴿ لعلي آتيكم ﴾ قال المحققون: فيه دلالة على أن إبراهيم  لم يكذب ألبتة لأن موسى قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل "إني آتيكم" لئلا يعد ما لم يستيقن الوفاء به، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب الصريح.

والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما.

﴿ وهدى ﴾ على حذف المضاف أي ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى.

والظاهر أنه أراد قوماً يهدونني الطريق.

وعن مجاهد وقتادة: قوماً ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا يشغلهم عنها شاغلٌ.

ومعنى الاستعلاء في على النار وهو مفعول ثانٍ لأجد، أو حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها كفنوها قياماً وقعوداً فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مستويين.

﴿ فلما أتاها ﴾ أي أتى النار.

قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت فألقيت عليه السكينة، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة.

وقال وهب: ظن موسى أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها، ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي ﴿ يا موسى ﴾ من قرأ ﴿ أني ﴾ بالفتح فتقديره نودي بأني، ومن قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى.

وتكرير الضمير في "أني" ﴿ أنا ربك ﴾ لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة.

روي أنه لما نودي يا موسى قال: من المتكلم؟

فقال الله عزوجلّ: إني أنا ربك.

فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان.

فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذناً.

وقيل: لعله سمع النداء من جماد كالحصا والشجرة فيكون معجزاً.

وأيضاً إنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث إن الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار ولا النار تضر بالخضرة، فعرف أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله.

وجوّز الأشاعرة أن يكون قد خلق الله  علماً ضرورياً بذلك والمعتزلة منعوا منه قالوا إن حصول العلم الضروري بأن ذلك المتكلم هو الله يستلزم العلم الضروري بوجود الصانع لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلوماً بالاستدلال، وحصول العلم الضروري بوجود الصانع ينافي التكليف وبالاتفاق لم يخرج موسى عن التكليف.

قال القاضي: إن كانت النبوة قد تقدمت لموسى فلا كلام في حصول هذه الخوارق وإلا وجب أن تكون المعجزات لغيره من الأنبياء في زمانه كشعيب مثلاً.

قال: وهذا أولى لأن قوله ﴿ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴾ دليل على أنه أوّل وحي يوحى إليه.

وعند أهل السنة الإرهاص جائز فلم يوجبوا إحالة تلك الخوارق إلى غيره.

وعندهم أن الله  أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت.

والمعتزلة أنكروا وجود ذلك الكلام.

وقالوا: إنه  خلق ذلك النداء في جسم من الأجساد كالشجرة وهو قادر على ذلك.

وأهل السنة مما وراء النهر أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى صوت خلقه الله في الشجرة لأنه  رتب النداء على أنه أتى النار، والمرتب على المحدث.

ومثله استدلال المعتزلة بقوله ﴿ فاخلع نعليك ﴾ على أن كلامه  ليس بقديم لأن الأمر والمأمور معدوم سفه فلا بد أن يكون هذا الأمر عند وجود موسى فيكون محدثاً.

أجابت الأشاعرة بأن كلامه الأزلي ليس بأمر ولا نهي، ولو سلم فأمره بالأزل مستمر إلى أن صار الشخص مأموراً من غير تغير في أمره كالقدرة الأزلية تتعلق بالمقدور الحادث.

وأما الحكمة في الأمر بخلع النعلين قال المفسرون: لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وهو قول علي ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي.

وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به.

وقيل: عظم البقعة عن وطئها إلا حافياً يؤيده قوله ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ .

ومن هنا كره بعضهم الصلاة والطواف في النعل، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة.

ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه وكان إذا وقع منه ذلك تصدق.

وعلى القول الأول لا يكره إلا إذا كان غير مدبوغ.

"وقد صلى النبي  في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟

قالوا: خلعت فخلعنا.

قال: فإن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذراً" .

يروى أن موسى خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي.

قال الجوهري ﴿ طوى ﴾ بكسر الطاء وضمها اسم موضع بالشأم.

فمن صرفه جعله اسم واد ومكان، ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة.

وقال بعضهم.

طوى بالضم مثل طوى وهو الشيء المثنى أي طوى مرتين أي قدس.

وقال الحسن: ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين، ويحتمل أن يراد نودي نداءين.

وقيل: طوى مصدر كهدى ومعناه العلى.

وعن ابن عباس أنه مر بذلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالواد المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه.

﴿ وأنا أخترتك ﴾ اصطفيتك للنبوة.

قيل: فيه دلالة على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق وإنما هي ابتداء عطية من الله.

وفي هذه الأخبار غاية اللطف والرحمة ولكن في قوله ﴿ فاستمع ﴾ نهاية الجلال والهيبة ففي الأول رجاء وفي الثاني خوف كأنه قال: جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل جميع همتك مصروفة إليه.

﴿ لما يوحى ﴾ أي للذي يوحى أو للوحي متعلق بـ ﴿ استمع ﴾ أو بـ ﴿ اخترتك ﴾ ثم قال ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ ورتب عليه ﴿ فاعبدني ﴾ ليعلم أن عبادته إنما لزمت لإلهيته ومن هنا قال العلماء: إن الله معناه المستحق للعبادة.

قال الأصوليون: تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولكن عن وقت الخطاب جائز لأنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفيتها.

وأيضاً قال ﴿ وأقم الصلاة ﴾ ولم يبين هيئاتها.

أجاب القاضي عن هذا الأخير بأنه لا يمتنع أن موسى  قد عرف الصلاة التي تعبد الله بها شعيباً وغيره من الأنبياء، فكان الخطاب متوجهاً إلى ذلك، وزيف بأن حمل الخطاب متوجهاً على التأسيس أولى قال: قد بين له ولكن لم يحك الله  سوى هذا القدر.

ورد بأن البيان أكثر فائدة من المجمل، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.

ولقائل أن يقول: سلمنا أن المبين أكثر فائدةً للمخاطب، ولكن لا نسلم أن حكاية المبين أولى فلعل حكاية المجمل تكفي لغيره لصيرورة بعض هيئات ذلك التكليف منسوخاً وإن كان أصله باقياً.

وفي قوله ﴿ لذكري ﴾ وجوه.

لأن اللام إما بمعنى الوقت أو هي للتعليل.

والذكر إما بالجنان أو هو ضد النسيان.

وياء المتكلم فاعل في الأصل أو مفعول.

وهل يحتمل الكلام تقدير مضاف أم لا؟.

ولمثل هذه الاعتبارات تعددت الوجوه فمنها: أن اللام للتعليل والياء منصوب أي لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي، أو أراد لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على الأذكار.

عن مجاهد: والفرق أن إطلاق الذكر على العبادة والصلاة في الأول حقيقة شرعية، وفي الثاني مجاز.

أو نقول: في الأول تكون نفس الصلاة مطلوبة بالذات، وفي الثاني تكون مطلوبة بعرض الذكر، أو أراد لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري.

ومنها أن المضاف مع ذلك محذوف أي لإخلاص ذكري وطلب وجهي.

ومنها أن الياء فاعل أي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثنا وأجعل لك لسان صدق.

ومنها أن اللام للوقت كقولك "جئتك لوقت كذا" أي لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة.

ومنها أن يحمل الذكر على ضد النسيان أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في كونهم رطاب اللسان في جميع الأحيان بذكر مولى الأنعام ومولى الإحسان ﴿ رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله  ﴾ وأراد ذكر الصلاة بعد نسيانها وكان حق العبارة أن يقال لذكرها كقوله  "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فلعل المضاف محذوف أي لذكر صلاتي، أو ذكر الصلاة هو ذكر الله فالياء في الأصل منصوب، أو الذكر والنسيان من الله عز وجلّ في الحقيقة فلياء فاعل.

قال الشافعي: من فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء ولو ترك الترتيب جاز.

ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة فإن كان في الوقت سعة يستحب أن يبدأ بالفائتة، وإن بدأ بصلاة الوقت جاز إلا إذا ضاق الوقت فإنه يجب الابتداء بصلاة الوقت، وإن تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها.

وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يتزيد على صلاة يوم وليلة حتى لو تذكر خلال صلاة الوقت بطلت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل.

حجة الشافعي ما روي في حديث قتادة أنهم ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس فأمرهم النبي  أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها، ولو كان وقت الانتباه متعيناً للصلاة لما فعل كذلك.

نعم إنه وقت لتقرير الوجوب عليه ثم الوقت موسع بعد ذلك.

حجة أبي حنيفة قوله  ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ وقوله  "فليصلها إذا ذكرها" وفي حديث جابر أن عمر جاء إلى النبي  يوم الخندق يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس.

فقال النبي  : " وأنا والله ما صليتها بعد." قال: فنزل في البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها.

وأما القياس فهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة ومزدلفة.

فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون كذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة، وأما إذا دخل في حد الكثرة فيسقط هذا الترتيب.

ثم لما أمر موسى بالعبادة عامة وبالصلاة التي هي أفضلها خاصة علل ذلك بقوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .

سؤال: "كاد" نفيه إثبات وإثباته نفي.

فقوله ﴿ أكاد أخفيها ﴾ يكون معناه لا أخفيها وهو باطل لقوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة  ﴾ ولأن قوله.

﴿ لتجزى كل نفس ﴾ إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار إذ لو كان المكلف عارفاً وقت القيامة وكذا وقت الموت اشتغل بالمعاصي إلى قريب من ذلك الوقت ثم تاب فيكون إغراء على المعصية.

والجواب لا نسلم أن "كاد" إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط.

والباقي موكول إلى القرينة.

ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين كأنه قال: أكاد لا أقول هي آتية لفط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به.

وبالغ بعض المفسرين في هذا المعنى فقال: أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبيّ كذلك.

فقال قطرب: هذا على عادة العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا: كتمته من نفسي.

وقيل: "كاد" من الله واجب وأراد أنا أخفيها من الخلق كقوله ﴿ عسى أن يكون قريباً  ﴾ أي هو قريب قاله الحسن.

وعن أبي مسلم أن "أكاد" بمعنى أريد كقوله ﴿ كذلك كدنا ليوسف  ﴾ ومنه قولهم "لا أفعل ذلك ولا أكاد" أي لا أريد أن أفعله.

وقيل: أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها.

وقال أبو الفتح الموصلي: الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره.

وقوله ﴿ لتجزى ﴾ متعلق ﴿ بأخفيها ﴾ كما قلنا أو بـ ﴿ آتية ﴾ ، فلولا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة.

واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه قال ﴿ بما تسعى ﴾ أي بسعيها.

فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا الإسناد، ولو لم يكن الثواب مستحقاً على العمل لم يكن لباء السببية معنى والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى الله، واستناد الجزاء إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها.

ومعنى الفاء في ﴿ فلا يصدّنك ﴾ أنه إذا صح عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن التصديق بالساعة، لأن قوله ناشىء عن الهوى واتباعه.

وجوّز أبو مسلم أن يكون الضمير في ﴿ عنها ﴾ للصلاة.

والعرب تذكر شيئين لم ترمي بضميرهما إلى السامع اعتماداً على أنه يرد كلاً منهما إلى ما هو له، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هنا.

وأما الخطاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه.

وجوّز بعضهم أن يكون لنبينا  والمقصود الأمة، والنهي عن الصد في الظاهر لمن لا يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب.

والوجه فيه أن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، أو صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب كأنه قيل: كن في الدنيا صلباً حتى لا يطمع في إغوائك الكافر.

والذي دعا إلى هذا النهي البالغ في معناه هو أن في المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا.

وفيه حث بليغ على العمل بالدليل وزجر قويّ عن التقليد وإنذار بأن الردى والهلاك مع اتباع الهوى.

وههنا استدل الأصوليون على شرف علمهم ووجوب تعلمه كيلا يتمكن الخصم من تشكيكه.

وزعم القاضي أن في نسبة الصد إلى الكافر بالبعث دليلاً على أن القبائح إنما تصدر عن العباد.

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

قال أهل التحقيق: قوله أوّلاً لموسى ﴿ اخلع نعليك ﴾ إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير عن الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيلة.

وأصول ذلك ترجع إلى علم المبدأ وهو قوله ﴿ إني أنا الله ﴾ وإلى علم الوسط وهو قوله ﴿ فاعبدني ﴾ وإنه مشتمل على الأعمال الجسمانية.

وقوله ﴿ لذكري ﴾ وهو مشتمل الأعمال الروحانية وإلى علم المعاد وذلك قوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .

وأيضاً إنه افتتح الخطاب بقوله ﴿ وأنا اخترتك ﴾ وهو غاية اللطف، وختم الكلام بقوله ﴿ فلا يصدّنك ﴾ إلى آخره وهو قهر تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه، وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف.

قوله ﴿ وما تلك ﴾ مبتدأ وخبر و ﴿ بيمينك ﴾ حال منتصب بمعنى الإشارة أو الاستفهام.

وجوّز الكوفيون أن يكون ﴿ تلك ﴾ اسماً موصولاً صلته ﴿ بيمينك ﴾ أي ما التي بيمينك.

قيل: لم يقل بيدك لأنه يحتمل أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر وكان يلتبس عليه الجواب.

أسئلة: ما الفائدة في هذا السؤال؟

جوابه أن الصانع الماهر إذا أراد أن يظهر من الشيء الحقير كقطعة من حديد شيئاً شريفاً كاللبوس المسرد عرضه على الحاضرين ويقول ما هذا حتى إنه بعد إظهار صنعته يلزمهم بقولهم ويقول: خذوا هذا من ذلك الذي قلتم فكأنه  قال لموسى: هل تعرف حقيقة ما في يمينك وأنه خشبة يابسة حتى إذا قلبه ثعباناً عظيماً كان قد نبهه على كمال قدرته الباهرة.

وقال أهل الخطابة: إنه  لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ممازجاً باللطف والقهر والتكاليف تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له ﴿ وما تلك بيمنك يا موسى ﴾ ليعرف موسى أن يمينه هي التي فيها العصا.

وأيضاً إنه لما تكلم معه بالكلم الإلهية وقرب موسى أن يدهش تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة لا لأن المسؤول عنه مما يقع فيه الغلط كما أن السائل لا يجوز عليه الغلط نظيره حال المؤمن في القبر يغلبه الوجل والخجل فيسأل عن أمر لا يشك فيه في الدنيا وهو التوحيد دفعاً للإيحاش وجلباً للاستئناس.

وأيضاً لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر ما ذكر، فعرّفه الله  أن فيها منافع أجل مما ذكر تنبيهاً على أن عقول البشر قاصرة عن خفيات الأمور لولا التوفيق والإرشاد.

آخر: خاطب موسى بلا واسطة خاطب محمداً  بواسطة جبرائيل، فيلزم أن يكون موسى أفضل.

وجوابه المنع بدليل ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سراً وكلامه مع محمد سر لم يستأهل له سواه.

وأيضاً حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم؛ المصلي يناجي ربه، وفي الآخرة شرف التسليم والتسليم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ  ﴾ .

وأيضاً إن موسى كان عند استغراقه في بحر المحبة متعلقاً بالعصا ومنافعها، ومحمد  لم يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ بل كان فانياً عن الأغيار باقياً بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذٍ على قوله "أنت كما أثنيت على نفسك" وههنا نكت منها: أنه  لما أشار إلى العصا واليد بقوله ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى ﴾ حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما - وهو الجماد - حيواناً والآخر - وهو الكثيف - نورانياً لطيفاً.

ثم إنه  ينظر في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حياً مستنيراً.

ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حياً فكيف لا يصير قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن حياً!

ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة كلهم فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء.

ثم إن جواب موسى  يتم بقوله ﴿ هي عصاي ﴾ إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة إلى درك الغرض.

وقيل: هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر منافعها.

وقيل: خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين.

ومعنى ﴿ أتوكأ عليها ﴾ أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب يدور على الشد والإيثاق.

﴿ وأهش بها ﴾ أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله.

والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه "رجل هش المكسر" أي سهل الشأن فيما يطلب من الحوائج وهو مدح "وهش الخبز" يهش بالكسر إذا كان ينكسر لرخاوته.

قال المحققون: إن موسى  كان يتوكأ على العصا ومحمد  كان يتكل على فضل الله ورحمته قائلاً مع أمته ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل  ﴾ فورد في حقه ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ أي حسبك وحسب من اتبعك.

وأيضاً إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ ثم بمصالح رعيته بقوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ ومحمد  لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر أمته ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" فلا جرم يقول موسى يوم القيامة "نفسي نفسي" ومحمد يقول "أمتي أمتي".

ثم قال ﴿ ولي فيها مآرب ﴾ هي جمع المأربة بضم الراء الحاجة وقد تفتح الراء.

وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً ومثله الأرب بفتحتين والإربة بكسر الهمزة وسكون الراء.

وإنما قال ﴿ أخرى ﴾ لأن المآرب في معنى جماعة ونظيره الأسماء الحسنى.

ومن آياتنا الكبرى قالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فتطول مكالمته وقالوا: انقطع بالهيبة كلامه فأجمل.

وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والجراب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل، وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه.

وقيل: إن موسى  كان أحس بأنه  إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة فقال: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ولكنك لما سألت عنها وكلمتني بسببها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى.

وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل.

وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام.

قلت: هذه الخوارق إن كانت بعد نبوة موسى فلا كلام، وإن كانت قبلها ففي صحة الرواية بُعْدٌ وإلا كان الأنسب تقديمها عند تعدد المنافع.

وعلى تقدير صحتها فلعلها إرهاص أو من معجزات شعيب على ما يروى أنه كان قد أعطاها إياه.

قال أهل النكت: إن موسى لما قال ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ أراد الله  أن يعرّفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها و ﴿ قال ألقها يا موسى ﴾ وبوجه آخر كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب، فأمر بتركهما تنبيهاً على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان.

وفيه أن موسى  مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا، فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه؟!

قال الكلبي: الاستطاعة قبل الفعل لأن القدرة على إلقاء العصا إما أن توجد والعصا في يديه فذاك قولنا، أو توجد وهي خارجة عن يده وذلك تكليف بأنه يلقي من يده ما ليس في يده.

ويمكن أن يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا.

قوله ﴿ فإذا هي حية تسعى  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ وفي آخر ﴿ كأنها جان  ﴾ عبارات عن معبر واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم.

وأما الثعبان - وهو العظيم من الحيات - والجان - وهو الدقيق منها - فبينهما تنافٍ في الظاهر لا في التحقيق، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة كالجان، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعباناً آخر الأمر.

أو أنها كانت في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة حركة.

والعجب أن موسى قال ﴿ أتوكأ عليها ﴾ فصدّقه الله  في ذلك وجعلها متكئاً له بأن كانت أعظم معجزاته.

وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة لموسى  يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ظهور الدلالة كهذه، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات.

وأيضاً لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوّه؛ فالولي يستر العيوب والعدوّ يبرز المناقب في صورة المثالب، فكيف إذا وجد مجال طعن وقدح؟!

وقد مر في "الأعراف" أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر، ولو أنه بلغ حينئذٍ مقام ﴿ ففروا إلى الله  ﴾ لم يفر عن شيء.

او لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله  أنه بعد في نقص الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من الله وحده.

فقد روي أنه لما قال له ربه: ﴿ لا تخف ﴾ بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها، قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري: ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة.

وعن بعضهم أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.

قلت: يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا علل عدم خوفه بقوله ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال جار الله: السيرة من السير كالركبة من الركوب.

يقال: سار فلان سيرة حسنة.

ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة ومنه سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها الأولى حال ما كانت عصاً، أو يكون أعاد منقولاً بالهمزة من عاده بنزع الخافض بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ثانياً.

ونصب ﴿ سيرتها ﴾ بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.

ثم قوى أمره بمعجزة ثانية فقال ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ يقال: لكل ناحيتين جناحان ومنه جناحا العسكر وجناحا الإنسان لجنبهما.

والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلهما.

فقيل: المراد بالآية تحت العضد بدليل قوله ﴿ تخرج ﴾ وعن ابن عباس: معناه إلى صدرك.

وضعف بأنه لا يطابقه قوله ﴿ تخرج ﴾ قلت: لا شك أن الصدر مستور بالقميص فيظهر عند ذلك معنى الخروج ويفسره قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك  ﴾ والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوءة.

والبرص أبغض شيء عند العرب بحيث تمجه أسماعهم فكان جدير بأن يكنى عنه.

ومعنى ﴿ بيضاء ﴾ أنها تنور كشعاع الشمس.

قال في الكشاف: من غير سوء من صلة البيضاء كما تقول: ابيضت من غير سوء.

قلت: لعله أراد أن "من" للتعليل أي ليس البياض هو السوء وإنما السبب غيره وحقيقته ترجع إلى الابتداء.

و ﴿ بيضاء ﴾ و ﴿ آية ﴾ حالان معاً أو متداخلتان.

واحتمل أن ينتصب آية بمضمر يدل عليه الكلام نحو "خذ ودونك".

وقوله ﴿ لنريك ﴾ إما أن يتعلق بهذا المحذوف أو بمحذوف آخر أي لنريك ﴿ من آياتنا ﴾ فلعنا ما فعلنا.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بالأمرين المذكورين أي ﴿ ألقها ﴾ و ﴿ اضمم ﴾ لنريك قال الحسن: اليد في الإعجاز أعظم من العصا لأنه  وصفها بالكبرى.

وضعف بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون وأما في العصا ففيه تغير اللون والزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة، فالمراد لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى.

وجوز في الكشاف أن يكون المراد لنريك بهما الكبرى من آياتنا.

ويرد عليه لزوم أن تكون الآيات الكبرى منحصرة فيهما وليس كذلك فإن معجزات نبينا محمد  أكبر من الكل، وكفاك بالقرآن شاهداً على ذلك.

ثم صرح بالمقصود من المعجزات فقال ﴿ اذهب إلى فرعون ﴾ وخصه بالذكر لأن قومه تبع له.

ثم بين العلة في ذلك فقال ﴿ إنه طغى ﴾ وعن وهب أن الله  قال لموسى: استمع كلامي واحفظ وصيتي برسالتي فإنك بعيني وبسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر تقديسي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار شديدة، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولاً ليناً لا يغتر بلباس الدنيا، وإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل.

قال: فسكت موسى سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك فعنده ﴿ قال رب اشرح لي صدري ﴾ قال علماء المعاني: أنهم أولاً بقوله ﴿ ربي اشرح لي ﴾ ﴿ ويسر لي ﴾ فعلم أن ثمة مشروحاً وميسراً.

ثم بين فرفع الإبهام بذكر الصدر والأمر وكان أوكد من جهة الإجمال.

ثم التفصيل كان في صدر موسى ضيق كما جاء في موضع آخر ﴿ ويضيق صدري  ﴾ فسأل الله أن يبدل الضيق بالسعة حتى يفهم ما أنزل عليه من الوحي.

وقيل: أراد شجعني على مخاطبة فرعون وعلى تحمل أعباء الرسالة.

واعلم أن الكلام في الدعاء وشرائطه وفوائده وسائر ما يتعلق به قد سبق منا في "البقرة" في تفسير قوله  ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ .

ولنذكر ههنا نكتاً شريفة: الأولى أنه  كامل في الأزل إلا أنه غير مكمل في الأزل لأن التكميل هو جعل الشيء كاملاً ولا شيء معه في الأزل فلا تكميل، وذلك كما يقال: "إنه  لا يعلم عدداً مفصلاً لحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه وحركات أهل الجنة غير متناهية فامتنع ذلك لا لقصور في العلم بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول.

ولما كان الغرض من التكوين تكميل الناقصين، وكان الوجود أول صفة من صفات الكمال أجلس الله  على هذه المائدة بعض المعدومات، لأنه لو أجلس الكل عليها لدخل في الوجود ما لا نهاية له، ولانتهت القدرة الذاتية لامتناع إيجاد الموجود.

وكما أن رحمته اقتضت وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون بعض حتى صار ذلك البعض حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير الشر فقال: الأحياء عند ذلك يا رب الأرباب شرفتنا بخلعة الوجود وخلعة الحياة، ولكن ازدادت حاجتنا لأنا - حال العدم وحال الجمادية - ما كنا نحتاج إلى الملائم والمخالف والموافق، وما كنا نخاف المنافي والمؤذي، والآن احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي، فإن لم يكن لنا قدرة على الهرب والطلب كنا كالزمن المعقد في الطريق عرضة للآفات وهدفاً لسهام البليات، فاقتضت الرحمة الكاملة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض المعدومات بالوجود وتخصيص بعض الموجودات بالحياة فقال: القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا للبهائم المسخرة في حمل الأثقال، فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك.

فأعطى بعضهم العقل فحصل في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية ختامه مسك كما أن خاتم النبيين  كان أفضل المخلوقات، فنظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالحقة المملوءة من الجواهر بل كسماء مزينة بالزواهر وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بداية العقول وصرائح الأذهان، يهتدي بها السائرون في ظلمات بر الشكوك وبحر الشبهات، فاستدل العقل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على نقاش، فغلبته دهشة الأنوار الأزلية وكاد يغرق في بحر الفكر، ويضيق عليه نطاق التأمل والتدبر، ويقع في تجاذب أيدي الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الجن والإنس فعند ذلك قال: ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ فانتهاء جميع الحوادث اليه وتيسير الأمور الكلية والجزئية من عنده، وهو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته.

الثانية: إنه  خاطبه أولاً بالتوحيد ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وثانياً بالعبادة ﴿ فاعبدني ﴾ وثالثاً بمعرفة المعاد ﴿ إن الساعة آتية ﴾ ورابعاً بمعرفة الحكمة في جملة أفعاله ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وخامساً بعرض المعجزات الباهرة عليه ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ وسادساً بإرساله إلى أعظم الناس كفراً وكانت هذه التكاليف الشاقة سبباً لضيق العطن وانحلال عقدة الصبر فلا جرم تضرع إلى الله  قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ وههنا دقيقة هي أن شرح الصدر.

مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع مقدّمة الفهم.

ولما أعطى موسى المقدّمة بقوله ﴿ فاستمع ﴾ نسج موسى على ذلك المنوال فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ ولما آل الأمر إلى محمد وكان خاتم النبيين ومقصوداً من الكائنات ومخاطباً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ أوتي النتيجة فقيل له ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ووصف بقوله ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فشرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلاً للنور، والسراج المنير هو المعطي للنور: فالتفاوت بين موسى ومحمد عليهما السلام هو التفاوت بين الآخذ والمعطي ولهذا قال موسى: اللهم اجعلني من أمة محمد.

الثالثة: إنه  ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدهما وصف ذاته بالنور ﴿ الله نور السموات والارض  ﴾ وثانيهما الرسول ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ وثالثهما الكتاب ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ورابعها الإيمان ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله  ﴾ وخامسها عدل الله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وسادسها ضياء القمر ﴿ جعل القمر فيهن نوراً  ﴾ وسابعها النهار ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ وثامنها البينات ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور  ﴾ وتاسعها الأنبياء ﴿ نور على نور  ﴾ وعاشرها المعرفة ﴿ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح  ﴾ فكأن موسى  قال أوّلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بمعرفة أنوار جلال كبريائك.

وثانياً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك.

وثالثاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك.

ورابعاً ﴿ رب أشرح لي صدري ﴾ بنور الإيمان والإيقان بالهتيك.

وخامساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك.

وسادساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك كما فعله إبراهيم صلوات الرحمن عليه.

وسابعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ عن مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك.

وثامناً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمائك.

وتاسعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ في أن أكون خلف صدق أنبيائك المتقدمين متشبهاً بهم في الانقياد لحكم رب العالمين.

وعاشراً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بأن تجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح.

الرابعة: شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج، ومستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء: زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن.

فالزند زند المجاهد ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والحجر حجر التضرع ﴿ وادعوا ربكم تضرعاً وخيفةً  ﴾ والحراق منع الهوى ﴿ ونهى النفس عن الهوى  ﴾ والكبريت الإنابة ﴿ وأنيبوا إلى ربكم  ﴾ والمسرجة الصبر ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ والفتيلة الشكر ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ والدهن الرضا ﴿ واصبر لحكم ربك  ﴾ ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك بالتضرع والدعاء قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ فهنالك تسمع ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ .

الخامسة: هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه أحدها: الشمس يحجبها الغيم، وشمس المعرفة لا تحجبها السموات السبع ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب  ﴾ وثانيها الشمس تغيب ليلاً وشمس المعرفة لا تغيب ليلاً ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً  ﴾ ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ الليل للعاشقين ستير ياليت أوقاته تدوم وعند الصباح يحمد القوم السرى.

وثالثها الشمس تفنى ﴿ إذا الشمس كورت  ﴾ والمعرفة لا تفنى ﴿ أصلها ثابت وفرعها في السماء  ﴾ ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ  ﴾ ورابعها الشمس إذا قارنها القمر انكسفت وشمس توحيد المعرفة وهي "أشهد أن لا إله إلا الله" إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي "أشهد أن محمداً رسول الله  " لم يصل نور إلى عالم الجوارح.

وخامسها الشمس تسود الوجه والمعرفة تبيض الوجوه ﴿ يوم تبيض وجوه  ﴾ وسادسها الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الإحراق "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" وسابعها الشمس تصدع والمعرفة تصعد ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب  ﴾ وثامنها الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين ﴿ فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ وبوجه آخر الشمس زينة لأهل الأرض، والمعرفة زينة لأهل السماء.

وتاسعها الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، وفيه أن الخيبة مع الترفع والشرف مع التواضع.

وعاشرها الشمس تعرّف أحوال الخلق، والمعرفة تصل القلب إلى الخالق.

والشمس تقع على الولي والعدوّ والمعرفة لا تحصل إلا للولي، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى بطلبه قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

السادسة: الشمس سراج أوقدها الله  للفناء ﴿ كل من عليها فان  ﴾ والمعرفة سراج استوقده للبقاء ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت  ﴾ والذي خلقه للفناء إذا قرب منه الشيطان احترق ﴿ يجد له شهاباً رصداً  ﴾ والذي خلقه للبقاء كيف يقرب منه الشيطان ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً: الشمس في السماء ثم إنها مع بعدها تزيل الظلمة عن بيتك، فشمس المعرفة مع قربها لأنها في قلبك أولى أن تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك.

وأيضاً الإنسان إذا استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده، والله  هو الموقد لسراج المعرفة ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان  ﴾ أفلا يمده وهو معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

وأيضاً إذا كان في البيت سراج فإن اللص لا يقرب منه، وإنه  قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً المجوس إذا أوقدوا ناراً لا يجوزون إطفاءها، فالملك القدوس إذا أوقد سراج المعرفة في قلبك كيف يرضى بإطفائها ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

السابعة: أنه  أعطى قلب المؤمن تسع كرامات أحدها ﴿ أوَمَنْ كان ميتاً فأحييناه  ﴾ وقال  : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" فيعلم أنه لما خلق أرض القلب فأحياها بنور الإيمان لا يكون لغيره فيها نصيب.

وثانيها الشفاء ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين  ﴾ وفيه أنه إذا وضع الشفاء في العسل بقيت تلك الخاصية فيه أبداً.

فإذا وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى أبداً؟

وثالثها الطهارة ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى  ﴾ وفيه أن الصائغ إذا امتحن الذهب فبعد ذلك لا يدخله في النار، فالله  لما امتحن قلب المؤمن كيف يدخله النار بعده؟

ورابعها الهداية ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه  ﴾ وفيه أن الرسول  يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك، والأول قد يحصل وقد لا يحصل ﴿ إنك لا تهدي من أحببت  ﴾ وكذا الثاني ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً  ﴾ وأما هداية القلب فلا تزول ألبتة لأن الهادي لا يزول ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  ﴾ وخامسها الكتابة ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ وفيه أن القرطاس إذا كتب فيه القرآن لم يجز إحراقه، فقلب المؤمن الذي فيه القرآن وجميع أحكام ذات الله وصفاته كيف يليق بالكريم إحراقه؟

وأيضاً إن بشراً الحافي أكرم قرطاساً فيه اسم الله  فنال سعادة الدارين، فإكرام قلب فيه معرفة الله أولى بذلك.

وأيضاً إن القرطاس إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب والحائض مسه، فالقلب الذي فيه أكرم الموجودات كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه؟

وسادسها ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين  ﴾ وفيه أن أبا بكر لما نزلت عليه السكينة في الغار قيل له لا تحزن إن الله معنا.

فالمؤمن إذا نزلت السكينة في قلبه لا بد أن يقال له عند قبض الروح: لاتخف ولا تحزن كما قال ﴿ تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا  ﴾ وسابعها المحبة والزينة كما قال ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم  ﴾ وفيه أن الدهقان إذا ألقى في الأرض حبة فهو لا يفسدها ولا يحرقها، فهو  حين ألقى حبة المحبة في أرض القلب كيف يحرقها؟

وثامنها ﴿ وألف بين قلوبكم  ﴾ وفيه أن محمداً حين ألف بين قلوب أصحابه ما تركهم غيبة ولا حضوراً سلام " علينا وعلى عباد الله الصالحين" فأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين كيف يتركهم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم  ﴾ وتاسعها الطمأنينة ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ وفيه أن الحاجات غير متناهية وما سوى الله فهو متناه، المتناهي لا يقابل غير المتناهي.

فالكافي للمهمات لا يكون إلا من له كمالات غير متناهيات فلا يزيل قلق الحوائج واضطراب الأماني إلا الله  ، وبإزاء هذه الكرامات ورد في حق الكفار أضدادها ﴿ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم  ﴾ ﴿ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم  ﴾ ﴿ في قلوبهم مرض  ﴾ ﴿ قلوبهم قاسية  ﴾ ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم  ﴾ ﴿ أم على قلوب أقفالها  ﴾ ﴿ بل ران على قلوبهم  ﴾ ﴿ طبع الله على قلوبهم  ﴾ فلأجل تلك الكرامات والهرب من أضدادها قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ .

الثامنة: في حقيقة شرح الصدر وذلك أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا إلا رغبة بأن يكون متعلق القلب الأهل والولد وتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم، ولا رهبة بأن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإن القوة البشرية لضعفها كينبوع صغير، فإذا وزعت على جداول كثيرة ضعف الكل وضاعت وإذا انصب الكل في موضع واحد ظهر أثرها وقويت فائدتها، فسأل موسى ربه أن يوقفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها ليكون متوجهاً بالكلية إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات وهذا معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

أو نقول: إنه لما كلف بضبط الوحي في قوله ﴿ فاستمع لما يوحى ﴾ وبالمواظبة على خدمة الخالق في قوله ﴿ فاعبدني ﴾ فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر فسأل موسى ربه قوة وافية بالطرفين فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ أو نقول: معدن النور هو القلب، والاشتغال بما سوى الله - من الزوجة والولد والصديق والعدوّ بل الجنة والنار - هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر، فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه كالذباب والبق والبعوض فلا يدعوه رغبة إلى شيء مما يتعلق بالدنيا ولا رهبة من شيء من ذلك فيصير الكل عنده كالعدم فعند ذلك يزول الحجاب وينفسخ القلب بل الصدر للنور ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

التاسعة: لنضرب مثلاً لذلك فنقول: البدن بالكلية كالمملكة، والصدر كالقلعة، والفؤاد كالصفة، والقلب كالسرير، والروح كالملك، والعقل كالوزير، والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة، والغضب كالاسفهيد الذي يشتغل بالضرب، والتأديب والحواس كالجواسيس، وسائر القوى كالمحترفين والعملة والصناع.

ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده، فإذا أخرج الروح وزيره وهو العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله  والهوى إلى الشيطان.

ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا، والشهوة تحسن لذات الدنيا.

ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما قال "تفكر ساعة خيرمن عبادة سنة" فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فأخرج الشيطان بإزائه العجلة والسرعة فلهذا قال  " ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه" وخلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة.

ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا، وله سور وهو الرغبة في الآخرة.

فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا، وإن كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة، وينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه، ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح وانشرح ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

النكتة العاشرة: في الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب.

الصدر مقر الإسلام ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام  ﴾ والقلب مقر الإيمان ﴿ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم  ﴾ ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والفؤاد مقر المشاهدة ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ واللب مقام التوحيد ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب  ﴾ أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي وبقوا بلب الوجود الحقيقي.

ثم إن القلب كاللوح المحفوظ في العالم الصغير فإذا ركب العقل سفينة التوفيق وألقاها في بحار أمواج المعقولات من عالم الروحانيات هبت من مهاب العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الأدبار أخرى، فحينئذٍ يضطر الراكب إلى التماس أنوار الهدايات وطلب انفتاح أبواب السعادات فيقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وإنما سأل موسى شرح الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس.

وأيضاً شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والجواد يكفيه الإشارة، فإذا علم أنه طالب للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة.

وأيضاً إنه راعى الأدب في الطلب فاقتصر على طلب الأدنى.

فلا جرم أعطى المقصود فقال ﴿ قد أتيت سؤلك يا موسى ﴾ وحين اجترأ في طلب الرؤية بقوله ﴿ أرني أنظر إليك  ﴾ أجيب بقوله ﴿ لن تراني ﴾ .

واعلم أن جميع المهيئات الممكنة كالبلور الصافي الموضع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت له نسبة إليها بأسرها، فينعكس شعاع كبرياء الإلهية من كل واحد منها إلى القلب فيحرق القلب.

ومعلوم أن المحرق كلما كان أكثر كان الاحتراق أتم، فلهذا قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات وأصل إلى مقام الاحتراق بأنوار الجلال كما نبينا  "أرني الأشياء كما هي" وههنا دقيقة وهي أن موسى لما زاد لفظة ﴿ لي ﴾ في قوله ﴿ رب اشرح لي ﴾ دون أن يقول "رب اشرح صدّري" علم أنه أراد أن تعود منفعة الشرح إليه فلا جرم يقول يوم القيامة "نفسي نفسي" وإن نبينا  لما لم ينس أمته في مقام القرب إذ قيل له "السلام عليك أيها النبي" فقال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ، فلا جرم يقول يوم القيامة "أمتي أمتي" وشتان ما بين نبي يتضرع إلى الله ويقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وبين نبي يخاطب أولاً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ .

ولا يخفى أن المراد بالشرح والتيسير عند أهل السنة هو خلقهما، وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة، فإنه يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال.

أما قوله  ﴿ واحلل عقدةً من لساني ﴾ فاعلم أن النطق فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال ﴿ خلق الإنسان علمه البيان  ﴾ بغير توسط العاطف كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان.

وفي لسان الشاعر وهو زهير: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده *** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.

وعن علي كرم الله وجهه: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة.

وقال العقلاء: المرء بأصغريه.

المرء مخبوء تحت لسانه.

وفي مناظرة آدم والملائكة لم تظهر الفضيلة إلا بالنطق.

ومن التعريفات المشهورة: إن الإنسان هو الحيوان الناطق، وهذا النطق وإن كان في التحقيق هو إدراك المعاني الكلية لكن النطق اللساني لا ريب أنه أظهر خواص الآدمي وقد نيط به أمر تمدنه والتعبير عما في ضميره فقول موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إشارة إلى طلب النور الواقع في القلب، وقوله ﴿ ويسر لي أمري ﴾ رمز الى تسهيل ذلك التحصيل، وقوله ﴿ واحلل ﴾ طلب لسهولة أسباب التكميل لأن اللسان آلة إلافاضة والإفادة وبه يتيسر ذلك الخط الجسيم والمنصب العظيم.

وحسبك يا فتى شرفاً وفخراً *** سكوت الحاضرين وأنت قائل ومن الناس من مدح الصمت بوجوه منها: قوله  "الصمت حكمة وقليل فاعله" وقوله: مقتل الرجل بين فكيه.

وفي نوابغ الكلم: يا بني قِ فاك لا تقرع قفاك.

ومنها أن الكلام خمسة أقسام: فالذي ضرره خالص أو غالب أو مساوٍ للنفع واجب الترك احترازاً من السفه والعبث، والذي نفعه خالص أو غالب عسر المراعاة فالأولى تركه.

ومنها أنه ما من موجود أو معدوم معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله بإثبات أو نفي بحق أو بباطل، بخلاف سائر الأعضاء.

فالعين لاتصل إلا إلى الألوان والسطوح، والأذن لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلا إلى الأجسام، وكذا باقي الجوارح.

أما اللسان فإنه رحب الميدان واسع المضطرب خفيف المؤنة سهل التناول لا يحتاج إلى آلات وأدوات للمعصية به فكان الأولى ترك الكلام وإمساك اللسان.

والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والنطق في نفسه فضيلة، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل فيرجع الحق إلى ما قاله النبي  "رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم" قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء: الصمت وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم "مال ناطق أو صامت".

والسكوت وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والإنصات هو السكوت مع استماع قال  ﴿ فاستمعوا له وأنصتوا  ﴾ والإصاخة وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد.

أما العقدة فقيل: إنها كانت في أصل خلقته وعن ابن عباس أنه في حال صباه أخذ بلحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال: هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وإن شئت فامتحنه بالتمرة والجمرة.

وقيل: بالياقوت والجمر.

فأحضرا بين يديه فأراد مد اليد إلى الياقوت فحول جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فظهر به تعقد وتحبس عن بعض الحروف.

فإن صحت هذه الرواية فالنار إنما أحرقته وأثرت فيه إطفاء لثائرة غضب فرعون وإلا فالله  قادر على دفع الإحراق عن طبع النار كما في حق إبراهيم صلوات الرحمن عليه، وكما في حق موسى حين ألقي في التنور.

ويروى أن يده احترقت أيضاً وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم يبرأ ولما دعاه قال: الي أيّ رب تدعوني؟

قال: إلى الذين أبرأ يدي وقد عجزت عنها.

وعن بعض العلماء أنه لم تبرأ يده لئلا ينعقد بينه وبين فرعون حرمة المؤاكلة من قصعة واحدة.

وقيل: لم تحرق يده لأن الصولة ظهرت باليد، وإنما احترق اللسان لأنه خاطبه بقوله "يا أبت".

وما الحكمة في طلب حل العقدة؟

الأظهر كيلا يقع في أداء الرسالة خلل فلهذا ﴿ قال يفقهوا قولي ﴾ وقيل: لأن العقدة في اللسان قد تقتضي الاستخفاف بالقائل وعدم الالتفات إليه.

وقيل: إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً له فكذا إطلاق لسان موسى كان معجزاً في حقه.

وهل زالت تلك العقدة بالكلية؟

فعن الحسن نعم لقوله ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ والأصح أنه بقي بعضها لقوله  حكاية عن فرعون ﴿ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين  ﴾ أي يقارب أن لا يبين.

وكان في لسان الحسين بن علي  رتة أي عجمة في الكلام فقال رسول الله  : "ورثها من عمه موسى" .

وفي تنكير عقدة أيّ عقدة من عقد دلالة على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهماً جيداً ولم يطلب الفصاحة الكاملة.

وقال أهل التحقيق: وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد  فكان أفصح العرب والعجم وقد قال  ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  ﴾ فلما كان ذلك حقاً ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله.

ومن مطالب موسى قوله ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي هرون ﴾ قال أهل الاشتقاق: الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنة، أو من الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه أموره، أو من الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله  ﴿ اشدد به أزري ﴾ أي ظهري لأنه محل القوة.

قال الجوهري: آزرت فلاناً أي عاونته، والعامة تقول: وازرته.

وعلى هذا فيكون القياس أزيراً بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه القلب حمل "فعيل على "مفاعل" لاتحاد معنييهما في نحو "عشير" و "جليس" و "صديق" وغيرها.

وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر والاستعانة بالوزير وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء وقد استحسنه نبينا  فقال "إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه عليه، وإن أراد شراً كفه" وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير.

وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخراً وشرفاً وذكراً أن النبي  المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى الله  في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه، فيجب على من أوتي هذه الرتبة أن يؤدي إلى الله حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها، ويزرع في أرض الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده.

وقيل: إن موسى خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين.

والأظهر أنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن التهمة وأعون على الغرض، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ وخوطب نبينا  بقوله ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ وروي أنه  قال "إن لي في السماء وزيرين وفي الارض وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر" ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقاً بأخيه هارون فأراد أن يخصه بهذا المنصب الشريف قضاء لحقوق الإخاء، فمن منع المستوجبين فقد ظلم وكان أفصح منه لساناً وأكبر سناً وألين جانباً.

قال جار الله: ﴿ وزيراً ﴾ و ﴿ هرون ﴾ مفعولاً ﴿ اجعل ﴾ قدم ثانيهما عناية بأمر الوزارة، أو ﴿ لي ﴾ و ﴿ وزيراً ﴾ مفعولان ﴿ هرون ﴾ عطف بيان للوزير و ﴿ أخي ﴾ في الوجهين بدل من ﴿ هرون ﴾ أو عطف بيان آخر.

وقيل: يجوز فيمن قرأ ﴿ اشدد ﴾ على الأمر أن يجعل ﴿ أخي ﴾ مرفوعاً على الابتداء و ﴿ اشدد ﴾ خبره فيوقف على ﴿ هرون ﴾ وشد الأزر به عبارة عن تقويته به وأن يجعله ناصراً له فيما عسى يرد عليه من الشدائد والخطوب، بل يجعله وسيلة له في أمر النبوة وطريق الرسالة لأنه صرح بذلك في قوله ﴿ وأشركه في أمري ﴾ .

ثم ذكر غاية الأدعية فإن المقصد الأسنى هو الاستغراق في بحر التوحيد ونفي الإشراك، فإن التعاون مهيج الرغبات ومسهل سلوك سبل الخيرات فقال ﴿ كي نسبحك كثيراً ﴾ أي تسبيحاً كثيراً ﴿ ونذكرك ﴾ ذكراً ﴿ كثيراً ﴾ وقدم التسبيح وهو التنزيه لأن النفي مقدم على الإثبات، فبالأول تزول العقائد الفاسدة، وبالثاني ترتسم النقوش الحسنة المفيدة.

ثم ختم الأدعية بقوله ﴿ إنك كنت بنا بصيراً ﴾ وفيه فوائد منها: أنه فوض استجابة الدعوات إلى عمله بأحوالهما وأنهما يصدد أهلية الإجابة أم لا، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى.

ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمه وأنه مفتقر إلى التعاون والتعاضد ولهذا سأل ما سأل.

ومنها أنه أعلم بأحوال أخيه هل يصلح لوزارته أم لا، وأن وزارته هل تصير سبباً لكثرة التسبيح والذكر.

وحين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله  مطالبه وأنجح مآربة قائلاً ﴿ قد أوتيت سؤلك ﴾ والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول.

وزيادة قوله ﴿ يا موسى ﴾ بعد رعاية الفاصلة لأجل كمال التمييز والتعيين والله أعلم.

بمصالح عبيده.

التأويل: يا من طاب بطهارته بساط النبوة ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن ﴾ إلا لتسعد بتخلقك بخلقه ويسعد بسببك الأولون والآخرون من أهل السموات وأهل الأرضين.

﴿ تنزيلاً ممن خلق ﴾ أرض بشريتك وسموات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات الممكنات كما قال "أول ما خلق الله روحي" .

استوى بصفة الرحمانية على عرش قلبك ليكون معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل: ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الصفات الحميدة ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الصفات الذميمة ﴿ وما بينهما ﴾ أي بين سماء الروح وأرض النفس وهو القلب بما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص ﴿ وما تحت الثرى ﴾ أي ما هو مركوز في جبلة الإنسانية: ﴿ وإن تجهر بالقول ﴾ أن يظهر شيء من صفاتك بالقول ﴿ فإنه يعلم السر ﴾ وهو ما يظهر من سيرتك ﴿ وأخفى ﴾ هو ما أخفى الله من خفيك.

السر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح، وهو معدن الأسرار الروحانية.

والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات، وقد يحصل لكل إنسان عند نشأته الأولى وإن كان كافراً.

والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمن موحد صار مهبط الأنوار الربانية وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية، ولهذا قال عقيبه ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ لأن مظهر الألوهية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ وهو حقيقة قوله "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" ﴿ وهل أتاك حديث موسى ﴾ القلب ﴿ إذ رأى ناراً  ﴾ وهو نور في الحقيقة مأنوس به من جانب طور الروح ﴿ فقال لأهله ﴾ وهم النفس وصفاتها ﴿ امكثوا ﴾ في ظلمة الطبيعة الحيوانية ﴿ إني آنست ﴾ نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي شيئاً ﴿ لعلي آتيكم منها بقبس ﴾ يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ بآداب الطريقة إلى الحقيقة ﴿ فلما أتاها نودي ﴾ من شجرة القدس بخطاب الإنس ﴿ فاخلع نعليك ﴾ أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن النعل يعبر في الرؤيا بهما، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل الى جناب القدس، أو هما المقدمتان في نحو قولنا "العالم محدث وكل محدث فله محدث وموجد" وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل ﴿ وأنا اخترتك ﴾ يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح ﴿ فاستمع ﴾ بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى إلا أنا ﴿ فاعبدني ﴾ بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري إياك بالتجلي.

إن قيامة العشق ﴿ آتية أكاد أخفيها ﴾ لعظم شأنها إلا أن متقاضى الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى ﴾ في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إليّ أمكن إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه.

وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق.

وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية، فجزاؤه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها.

ويحتمل أن يقال: أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار.

قالوا: أخطأ موسى في قوله ﴿ هي عصاي ﴾ وكان عليه أن يقول "أنت أعلم بحالها مني" وفي قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له ﴿ ألقها يا موسى ﴾ وفي قوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله.

﴿ خذها ولا تخف ﴾ فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به ﴿ واضمم ﴾ يد همتك إلى جناح قنوعك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير.

وفي قوله ﴿ قد أوتيت ﴾ بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ...

﴾ الآية يشبه أن يكون المنة حين أنجاه فيما ابتلى بالرّد واشتباه الطريق، حتى قال: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ فتلك المنة الأخرى.

أو أن يكون المنة التي ذكر هي ما أنجاه الله حيث [قتل] ذلك القبطي فاشتد له ذلك الخوف حتى بلغ الإياس، فتلك المنة التي ذكر، أو ما ذكر من الوحي إلى أمه ﴿ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ مع النبوة مرة أخرى، ثم بيّن النعمة، ثم قال: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وإلى هذا ذهب أهل التأويل، وإلا قد كان منه إليه من المنن ما لا يحصى، والله أعلم.

ثم الكلام فيما ألهم أمّه في روعها أن تقذفه في البحر أنه يسع لهذا أن يفعل ذلك، ويحل أو لا؟

إذ قد يجوز أن يكون من الشيطان مثل هذا، نحو ما قال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [الأنفال: 48]، فلم يعرفوا وقت ما كلمهم بهذا: هو شيطان أو غيره؟

فعلى ذلك يجوز أن يلقي الشيطان إليها؛ فكيف وسع لها أن تعمل ما علمت من الأخطار؟

لكن يجوز أن يكون في ذلك الإلهام وما ألقى إليها - آية ومعنى، عرفت بذلك أنّ ذلك من الله، لا من أحد سواه.

أو أن يكون رفع الحجاب والموانع من قلبها، وصار لها ذلك كالعيان.

أو كانت كالمضطرة إلى ذلك؛ فوسع لها ذلك لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون، حيث قالت: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ...

﴾ الآية [القصص: 9]، لكن ألقى [عليه] محبّة في قلب امرأته وقلب فرعون أيضاً، حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم، بعد ما كان يقتل الولدان بسببه؛ ليجده ويظفر به، يذكره - عز وجل - رحمته عليه ومننه له، وهي المنة التي ذكر، حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ، الصنع: هو فعل الخير والمعروف، أي: لنصنع إليك المعروف والإحسان.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ : قال بعضهم: لتُغَذَّى على حفظي، يقال: عين الله عليك: أي كن في حفظ الله، وهو قول الحسن وقتادة.

وقال بعضهم: لتربي على عيني، أي: على علمي، والأوّل أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ، أي: من يضمه، يسمى كافل اليتيم الذي يضمه ويضمنه ويحفظه، وهو كقوله: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ  ﴾ أي: يضمها ويحفظها، فهذا يدل أنه كان عندهم من أحبّ الناس إليهم، وأشفقهم عليه، حيث قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ حيث قال لها: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ  ﴾ وعد لها أن يرده إليها فردّه.

وقوله: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: يذهب حزنها الذي كان؛ لأنها قد كانت حزينة بطرحها إياه في اليم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ...

﴾ الآية [القصص: 10]، [و] هذا يدلّ أن قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: يذهب حزنها الذي كان بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ ﴾ : يحتمل أن يكون الغم الذي أخبر أنه نجاه منه هو الخوف الذي كان به بعد مقتل ذلك القبطي، حيث قال: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ  ﴾ ، ونحوه، أو نجاه من أنواع الغموم؛ إذ كان له غموم.

وفي الآية دلالة أن لا قصاص يجب في شبه العمد وإن كان الضرب بشيء لا نجاة فيه؛ لأن موسى - صلوات الله عليه - كانت له قوة أربعين نفراً على ما ذكر، فإنما لطمه لطمة، فقضى عليه، ثم قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ هذا يدل أنه كان لا يحل له قتله، ثم قال: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ سمّاهم: ظلمة، فلو كان يحل القتل ويجب القصاص، لكان لا يسميهم ظلمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾ قال بعضهم: ﴿ فُتُوناً ﴾ : هو جمع فتنة، أي: فتناك فتوناً.

[وقال بعضهم: ﴿ فُتُوناً ﴾ :] هو مصدر الفتنة، أي: ابتليناك ابتلاء، أي: بلاء، والفتنة في البلايا والشدائد: الغموم الّتي ذكر أنه نجاه منها.

ويحتمل: النعم والخيرات؛ إذ لم يكن الأنبياء في جميع الأوقات في البلاء، ولكن كانوا في وقت في بلاء وشدة، وفي وقت آخر في نعمة وخير.

أو فتنة بهما جميعاً، على ما أخبر: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - من المنة التي ذكر، حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: بالنبوة والرّسالة.

وقال بعضهم: على موعود، أو على قدر وقت المجيء، فكيفما كان ففيه أن مجيء العبد وذهابه وجميع سعيه يكون بقدر من الله، وتقدير منه، وفيه أنه يجعل الأمور بأسباب، وإن كان يجعل [بعضها] بغير أسباب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ ، أي: اخترتك، واصطفيتك لرسالتي.

ونبوّتي، فذكر نفسه؛ لأن بأمره يقوم بأداء ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى  لفرعون: عِلْمُ ما كانت عليه تلك الأمم عند ربي، مثبت في اللوح المحفوظ، لا يخطئ ربي في علمها, ولا ينسى ما علمه منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.okM47"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله