الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٨ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٨ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ) أي : الذي أنزل القرآن عليك هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا .
وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة " الأعراف " ولله الحمد والمنة .
وأما قوله تعالى ذكره ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) فإنه يعني به: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له ، يقول: فإياه فاعبدوا أيها الناس دون ما سواه من الآلهة والأوثان ( لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى ) يقول جلّ ثناؤه: لمعبودكم أيها الناس الأسماء الحسنى، فقال: الحسنى، فوحَّد، وهو نعت للأسماء، ولم يقل الأحاسن، لأن الأسماء تقع عليها هذه، فيقال: هذه أسماء، وهذه في لفظة واحدة; ومنه قول الأعشى: وَسَــوْفَ يُعْقِبُنِيـه إنْ ظَفِـرْت بِـهِ رَبّ غَفُــورٌ وَبِيــضٌ ذاتُ أطْهـارِ (7) فوحد ذات، وهو نعت للبيض لأنه يقع عليها هذه، كما قال حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ومنه قوله جلّ ثناؤه مَآرِبُ أُخْرَى فوحد أخرى، وهي نعت لمآرب، والمآرب: جمع، واحدتها: مأربة، ولم يقل أخر، لما وصفنا، ولو قيل: أخر، لكان صوابا.
---------------------- الهوامش : (7) في ( اللسان : عقب ) يقال : أعقبه الله بإحسان وخيرا .
والاسم العقبى ، وهو شبه العوض .
واستعقب منه خيرا أو شرا : اعتاضه ، فأعقبه خيرا ، أي عوضه وأبدله .
والشاهد في البيت أن قائله وصف البيض وهو جمع بيضاء ، بكلمة ( ذات ) وهي واحد ، ولم يطابق بين النعت والمنعوت في العدد .
وتأويل ذلك عند المؤلف أنه كلمة البيض وإن كانت جمعا فإنها يشار إليها بكلمة هذه وهذه في الأصل إشارة للواحدة فلما جاز أن يشار بهذه إلى الجمع جاز أن أن ينعت البيض بذات التي هي للواحدة ، وذلك نظير قول القرآن : " له الأسماء الحسنى" ، والأسماء جمع ، والحسنى صفتها وهي واحدة .
كما قال ابن عباس الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى الله رفع بالابتداء ، أو على إضمار مبتدإ أو على البدل من الضمير في يعلم ، وحد نفسه سبحانه وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، فكبر ذلك عليهم فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن قال للوليد بن المغيرة محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلها آخر ، وهو يدعو الله والرحمن فأنزل الله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى وهو واحد وأسماؤه كثيرة ثم قال : الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى .
وقد تقدم التنبيه عليها في سورة ( الأعراف ) .
{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } أي: لا معبود بحق، ولا مألوه بالحب والذل، والخوف والرجاء، والمحبة والإنابة والدعاء، وإلا هو.
{ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } أي: له الأسماء الكثيرة الكاملة الحسنى، من حسنها أنها كلها أسماء دالة على المدح، فليس فيها اسم لا يدل على المدح والحمد، ومن حسنها أنها ليست أعلاما محضة، وإنما هي أسماء وأوصاف، ومن حسنها أنها دالة على الصفات الكاملة، وأن له من كل صفة أكملها وأعمها وأجلها، ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها، لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها، قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا }
" الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى " .
«الله لا إله إلى هو له الأسماء الحسنى» التسعة والتسعون الوارد بها الحديث والحسنى مؤنث الأحسن.
الله الذي لا معبود بحق إلا هو، له وحده الأسماء الكاملة في الحسن.
ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له فقال : ( الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسمآء الحسنى ) .أى : هو الله - تعالى - وحده الذى يجب أن يخلص الخلق له العبادة والطاعة ولا أحد غيره يستحق ذلك ، وهو صاحب الأسماء ( الحسنى ) أى : الفضلى والعظمى ، لدلالتها على معانى التقديس والتمجيد والتعظيم والنهاية فى السمو والكمال .وفى الحديث الصحيح عن النبى - صلى الله عليه وسلم - :" إن لله تسعة وتسعين اسما ، من أحصاها دخل الجنة " .قال - تعالى - : ( وَللَّهِ الأسمآء الحسنى فادعوه بِهَا وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) وقال - سبحانه - ( قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى .
.
) ثم ساقت السورة الكريمة بشىء من التفصيل جانبا من قصة موسى ، التى تعتبر أكثر قصص الأنبياء ورودا فى القرآن الكريم ، حيث جاء الحديث عنها فى سور : البقرة ، والمائدة ، والأعراف ، ويونس ، والإسراء ، والكهف ، والشعراء ، والقصص .
اعلم أن قوله: ﴿ طه ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الطاء وقرأ حمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء، قال الزجاج وقرئ طه بفتح الطاء وسكون الهاء وكلها لغات.
قال الزجاج من فتح الطاء والهاء فلأن ما قبل الألف مفتوح ومن كسر الطاء والهاء فأمال الكسرة لأن الحرف مقصور والمقصور يغلب عليه الإمالة إلى الكسرة.
المسألة الثانية: للمفسرين فيه قولان: أحدهما: أنه من حروف التهجي والآخر أنه كلمة مفيدة، أما على القول الأول فقد تقدم الكلام فيه في أول سورة البقرة والذي زادوه هاهنا أمور: أحدها: قال الثعلبي: طا شجرة طوبى والهاء الهاوية فكأنه أقسم بالجنة والنار.
وثانيها: يحكى عن جعفر الصادق عليه السلام الطاء طهارة أهل البيت والهاء هدايتهم.
وثالثها: يا مطمع الشفاعة للأمة ويا هادي الخلق إلى الملة.
ورابعها: قال سعيد بن جبير هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي.
وخامسها: الطاء من الطهارة والهاء من الهداية كأنه قيل يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب.
وسادسها: الطاء طول القراء والهاء هيبتهم في قلوب الكفار.
قال الله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ .
وسابعها: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة تكون أربعة عشر ومعناه يا أيها البدر وقد عرفت فيما تقدم أن أمثال هذه الأقوال لا يجب أن يعتمد عليها.
القول الثاني: قول من قال: إنها كلمة مفيدة وعلى هذا القول ذكروا وجهين: أحدهما: معناه يا رجل وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي رضي الله عنهم ثم قال سعيد بن جبير بلسان النبطية وقال قتادة بلسان السريانية وقال عكرمة بلسان الحبشة وقال الكلبي بلغة عك وأنشد الكلبي لشاعرهم: إن السفاهة طه في خلائقكم *** لا قدس الله أرواح الملاعين وقد تكلم الناس على هذا القول من وجهين: الأول: أنه بمعنى يا رجل في اللغة حمل عليه لكنه لا يجوز إن ثبت على هذا المعنى إلا في لغة العرب إذ القرآن بهذه اللغة نزل فيحتمل أن تكون لغة العرب في هذه اللفظة موافقة لسائر اللغات التي حكيناها، فأما على غير هذا الوجه فلا يحتمل ولا يصح.
الثاني: قال صاحب الكشاف: إن كان طه في لغة عك بمعنى يا رجل فلعلهم تصرفوا في يا هذا فقلبوا الياء طاء فقالوا: طا واختصروا في هذا واقتصروا على ها فقوله طه بمعنى يا هذا واعترض بعضهم عليه وقالوا: لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طا ها.
وثانيهما: أنه عليه السلام كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معاً وكان الأصل طأ فقلبت همزته هاء كما قالوا هياك في إياك وهرقت في أرقت ويجوز أن يكون الأصل من وطئ على ترك الهمزة فيكون أصله طأ يا رجل ثم أثبت الهاء فيها للوقف والوجهان ذكرهما الزجاج، أما قوله تعالى: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْءَانَ لتشقى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: إن جعلت طه تعديداً لأسماء الحروف فهذا ابتداء كلام وإن جعلتها اسماً للسورة احتمل أن يكون قوله: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى ﴾ خبراً عنها وهي في موضع المبتدأ والقرآن ظاهر أوقع موقع المضمر لأنها قرآن وأن يكون جواباً لها وهي قسم.
المسألة الثانية: قرئ ﴿ مَّا نَزَّلَ عَلَيْكَ القرءان لتشقى ﴾ .
المسألة الثالثة: ذكروا في سبب نزول الآية وجوهاً: أحدها: قال مقاتل إن أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي والنضر بن الحارث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك فقال عليه السلام: «بل بعثت رحمة للعالمين» قالوا: بل أنت تشقى فأنزل الله تعالى هذه الآية رداً عليهم وتعريفاً لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن دين الإسلام هو السلام وهذا القرآن هو السلام إلى نيل كل فوز والسبب في إدراك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
وثانيها: أنه عليه السلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام: «أبق على نفسك فإن لها عليك حقاً» أي ما أنزلناه لتهلك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وروي أيضاً أنه عليه السلام: «كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام» وقال بعضهم كان يقوم على رجل واحدة، وقال بعضهم كان يسهر طول الليل فأراد بقوله: ﴿ لتشقى ﴾ ذلك، قال القاضي هذا بعيد لأنه عليه السلام إن فعل شيئاً من ذلك فلابد وأن يكون قد فعله بأمر الله تعالى، وإذا فعله بأمره فهو من باب السعادة فلا يجوز أن يقال له: ما أمرناك بذلك.
وثالثها: قال بعضهم يحتمل أن يكون المراد لا تشق على نفسك ولا تعذبها بالأسف على كفر هؤلاء فإنا إنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به، فمن آمن وأصلح فلنفسه ومن كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إلا البلاغ وهو كقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ الآية، ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ .
ورابعها: أنك لا تلام على كفر قومك كقوله تعالى: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بمصيطر ﴾ ، ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ أي ليس عليك كفرهم إذا بلغت ولا تؤاخذ بذنبهم.
وخامسها: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وفي ذلك الوقت كان عليه السلام مقهوراً تحت ذل أعدائه فكأنه سبحانه قال له لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة أبداً بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقياً فيما بينهم بل تصير معظماً مكرماً.
وأما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لّمَن يخشى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في كلمة إلا هاهنا قولان، أحدهما: أنه استثناء منقطع بمعنى لكن.
والثاني: التقدير ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة كما يقال ما شافهناك بهذا الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك.
المسألة الثانية: إنما خص من يخشى بالتذكرة لأنهم المنتفعون بها وإن كان ذلك عاماً في الجميع وهو كقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وقال سبحانه وتعالى: ﴿ تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً ﴾ وقال: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غافلون ﴾ وقال: ﴿ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ﴾ وقال: ﴿ وَذَكّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين ﴾ .
المسألة الثالثة: وجه كون القرآن تذكرة أنه عليه السلام كان يعظمهم به وببيانه فيدخل تحت قوله لمن يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه في الخشية والتذكرة بالقرآن كان فوق الكل.
وأما قوله تعالى: ﴿ تَنزِيلاً مّمَّنْ خَلَق الأرض والسماوات العلى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في نصب تنزيلا وجوهاً: أحدها: تقديره نزل تنزيلاً ممن خلق الأرض فنصب تنزيلاً بمضمر.
وثانيها: أن ينصب بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة.
وثالثها: أن ينصب على المدح والاختصاص.
ورابعها: أن ينصب بيخشى مفعولاً به أي أنزله الله تعالى: ﴿ تَذْكِرَةً لّمَن يخشى ﴾ تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين وقرئ تنزيل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
المسألة الثانية: فائدة الانتقال من لفظ التكلم إلى لفظ الغيبة أمور، أحدها: أن هذه الصفات لا يمكن ذكرها إلا مع الغيبة.
وثانيها: أنه قال أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فتضاعفت الفخامة من طريقين.
وثالثها: يجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل عليه السلام والملائكة النازلين معه.
المسألة الثالثة: أنه تعالى عظم حال القرآن بأن نسبه إلى أنه تنزيل ممن خلق الأرض وخلق السموات على علوها وإنما قال ذلك لأن تعظيم الله تعالى يظهر بتعظيم خلقه ونعمه وإنما عظم القرآن ترغيباً في تدبره والتأمل في معانيه وحقائقه وذلك معتاد في الشاهد فإنه تعظم الرسالة بتعظيم حال المرسل ليكون المرسل إليه أقرب إلى الامتثال.
المسألة الرابعة: يقال سماء عليا وسموات علا وفائدة وصف السموات بالعلا الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها أما قوله تعالى: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ الرحمن مجروراً صفة لمن خلق والرفع أحسن لأنه إما أن يكون رفعاً على المدح والتقدير هو الرحمن وإما أن يكون مبتدأ مشاراً بلامه إلى من خلق فإن قيل الجملة التي هي على العرش استوى ما محلها إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح؟
قلنا: إذا جررت فهو خبر مبتدأ محذوف لا غير وإن رفعت جاز أن يكون كذلك وأن يكون مع الرحمن خبرين للمبتدأ.
المسألة الثانية: المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه: أحدها: أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنياً عنه فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع الله عرش.
وثانيها: أن الجالس على العرش لابد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش فيكون في نفسه مؤلفاً مركباً وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف والمركب وذلك محال.
وثالثها: أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكناً من الإنتقال والحركة أو لا يمكنه ذلك فإن كان الأول فقد صار محل الحركة والسكون فيكون محدثاً لا محالة وإن كان الثاني كان كالمربوط بل كان كالزمن بل أسوأ منه فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك وهو غير ممكن على معبودهم.
ورابعها: هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه بذلك المكان فيكون محتاجاً وهو على الله محال.
وخامسها: أن قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ﴾ يتناول نفي المساواة من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شيء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون وصحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور تحته، فلو كان جالساً لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية.
وسادسها: قوله تعالى: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية ﴾ فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان معبودهم فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخلق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله.
وسابعها: أنه لو جاز أن يكون المستقر في المكان إلهاً فكيف يعلم أن الشمس والقمر ليس بإله لأن طريقنا إلى نفس إلهية الشمس والقمر أنهما موصوفان بالحركة والسكون وما كان كذلك كان محدثاً ولم يكن إلهاً فإذا أبطلتم هذا الطريق انسد عليكم باب القدح في إلهية الشمس والقمر.
وثامنها: أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض وبالعكس، فلو كان المعبود مختصاً بجهة فتلك الجهة وإن كانت فوقاً لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال المبعود تحت جميع الأشياء.
وتاسعها: أجمعت الأمة على أن قوله: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ من المحكمات لا من المتشابهات فلو كان مختصاً بالمكان لكان الجانب الذي منه يلي ما على يمينه غير الجانب الذي منه يلي ما على يساره فيكون مركباً منقسماً فلا يكون أحداً في الحقيقة فيبطل قوله: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ .
وعاشرها: أن الخليل عليه السلام قال: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ ولو كان المعبود جسماً لكان آفلاً أبداً غائباً أبداً فكان يندرج تحت قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ فثبت بهذه الدلائل أن الإستقرار على الله تعالى محال وعند هذا للناس فيه قولان، الأول: أنا لا نشتغل بالتأويل بل نقطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة ونترك تأويل الآية وروى الشيخ الغزالي عن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل أنه أول ثلاثة من الأخبار: قوله عليه السلام الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وقوله عليه السلام: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن».
وقوله عليه السلام: «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن».
واعلم أن هذا القول ضعيف لوجهين: الأول: أنه إن قطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة فقد قطع بأن ليس مراد الله تعالى من الإستواء الجلوس وهذا هو التأويل.
وإن لم يقطع بتنزيه الله تعالى عن المكان والجهة بل بقي شاكاً فيه فهو جاهل بالله تعالى، اللهم إلا أن يقول أنا قاطع بأنه ليس مراد الله تعالى ما يشعر به ظاهره بل مراده به شيء آخر ولكني لا أعين ذلك المراد خوفاً من الخطأ فهذا يكون قريباً، وهو أيضاً ضعيف لأنه تعالى لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا يريد باللفظ إلا موضوعه في لسان العرب وإذا كان لا معنى للاستواء في اللغة إلا الاستقرار والإستيلاء وقد تعذر حمله على الإستقرار فوجب حمله على الإستيلاء وإلا لزم تعطيل اللفظ وإنه غير جائز.
والثاني: وهو دلالة قاطعة على أنه لابد من المصير إلى التأويل وهو أن الدلالة العقلية لما قامت على امتناع الاستقرار ودل ظاهر لفظ الاستواء على معنى الاستقرار، فإما أن نعمل بكل واحد من الدليلين، وإما أن نتركهما معاً، وإما أن نرجح النقل على العقل، وإما أن نرجح العقل ونؤول النقل.
والأول باطل وإلا لزم أن يكون الشيء الواحد منزهاً عن المكان وحاصلاً في المكان وهو محال.
والثاني: أيضاً محال لأنه يلزم رفع النقيضين معاً وهو باطل.
والثالث: باطل لأن العقل أصل النقل فإنه ما لم يثبت بالدلائل العقلية وجود الصانع وعلمه وقدرته وبعثته للرسل لم يثبت النقل فالقدح في العقل يقتضي القدح في العقل والنقل معاً، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل وهذا برهان قاطع في المقصود إذا ثبت هذا فنقول قال بعض العلماء المراد من الإستواء الإستيلاء قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق فإن قيل هذا التأويل غير جائز لوجوه: أحدها: أن الإستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز وذلك في حق الله تعالى محال.
وثانيها: أنه إنما يقال فلان استولى على كذا إذا كان له منازع ينازعه، وكان المستولى عليه موجوداً قبل ذلك، وهذا في حق الله تعالى محال، لأن العرش إنما حدث بتخليقه وتكوينه.
وثالثها: الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة.
والجواب: أنا إذا فسرنا الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية، قال صاحب الكشاف لما كان الاستواء على العرش، وهو سرير الملك لا يحصل إلامع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على البلد يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير ألبتة، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد وبخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم تبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأساً قيل فيه يده مبسوطة لأنه لا فرق عندهم بينه وبين قوله جواد، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي هو بخيل ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ أي هو جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط، والتفسير بالنعمة والتمحل بالتسمية من ضيق العطن.
وأقول: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم أيضاً يقولون المراد من قوله: ﴿ فاخلع نَعْلَيْكَ ﴾ الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور فعل، وقوله: ﴿ يا نَارُ كُونِى بَرْداً وسلاما على إبراهيم ﴾ المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام من يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب ألبتة، وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله تعالى، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئاً لم يخض فيه، فهذا تمام الكلام في هذه الآية، ومن أراد الاستقصاء في الآيات والأخبار المتشابهات فعليه بكتاب تأسيس التقديس وبالله التوفيق.
أما قوله تعالى: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى ﴾ فاعلم أنه سبحانه لم شرح ملكه بقوله: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى ﴾ والملك لا ينتظم إلا بالقدرة والعلم، لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم.
أما القدرة فهي هذه الآية والمراد أنه سبحانه مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من ملك ونجم وغيرهما، ومالك لما في الارض من المعادن والفلزات ومالك لما بينهما من الهواء.
ومالك لما تحت الثرى، فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شيء فكيف يكون الله مالكاً له قلنا: الثرى في اللغة التراب الندي فيحتمل أن يكون تحته شيء وهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات، أما العلم فقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى ﴾ وفيه قولان، أحدهما: أن قوله: ﴿ وَأَخْفَى ﴾ بناء المبالغة، وعلى هذا القول نقول إنه تعالى قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: الجهر، والسر.
والأخفى.
فيحتمل أن يكون المراد من الجهر القول الذي يجهر به، وقد يسر في النفس وإن ظهر البعض، وقد يسر ولا يظهر على ما قال بعضهم.
ويحتمل أن يكون المراد بالسر وبالأخفى ما ليس بقول وهذا أظهر فكأنه تعالى بين أنه يعلم السر الذي لا يسمع وما هو أخفى منه فكيف لا يعلم الجهر، والمقصود منه زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة، والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر والأخفى على ما فيه ثواب أو عقاب، والسر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها، والأخفى هو الذي لم يبلغ حد العزيمة، ويحتمل أن يفسر الأخفى بما عزم عليه وما وقع في وهمه الذي لم يعزم عليه، ويتحمل ما لم يقع في سره بعد فيكون أخفى من السر، ويحتمل أيضاً ما سيكون من قبل الله تعالى من الأمور التي لم تظهر، وإن كان الأقرب ما قدمناه مما يدخل تحت الزجر والترغيب.
القول الثاني: أن أخفى فعل يعني أنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلمه وهو كقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ ﴾ فإن قيل كيف يطابق الجزاء الشرط؟
قلنا معناه إن تجهر بذكر الله تعالى من دعاء أو غيره، فاعلم أنه غني عن جهرك، وإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول ﴾ وإما تعليماً للعباد أن الجهر ليس لاستماع الله تعالى، وإنما هو لغرض آخر، واعلم أن الله تعالى لذاته عالم وأنه عالم بكل المعلومات في كل الأوقات بعلم واحد وذلك العلم غير متغير، وذلك العلم من لوازم ذاته من غير أن يكون موصوفاً بالحدوث أو الإمكان والعبد لا يشارك الرب إلا في السدس الأول وهو أصل العلم ثم هذا السدس بينه وبين عباده أيضاً نصفان فخمسة دوانيق ونصف جزء من العلم مسلم له والنصف الواحد لجملة عباده، ثم هذا الجزء الواحد مشترك بين الخلائق كلهم من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وحملة العرش وسكان السموات وملائكة الرحمة وملائكة العذاب وكذا جميع الأنبياء الذين أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وكذا جميع الخلائق كلهم في علومهم الضرورية والكسبية والحرف والصناعات وجميع الحيوانات في إدراكاتها وشعوراتها والاهتداء إلى مصالحها في أغذيتها ومضارها ومنافعها، والحاصل لك من ذلك الجزء أقل من الذرة المؤلفة، ثم إنك بتلك الذرة عرفت أسرار إلهيته وصفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة.
فإذا كنت بهذه الذرة عرفت هذه الأسرار فكيف يكون علمه بخمس دوانيق ونصف.
أفلا يعلم بذلك العلم أسرار عبوديتك؟
فهذا تحقيق قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى ﴾ بل الحق أن الدينار بتمامه له، لأن الذي علمته فإنما علمته بتعليمه على ما قال: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وقال: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ ولهذا مثال وهو الشمس فإن ضوءها يجعل العالم مضيئاً، ولا ينتقص ألبتة من ضوئها شيء، فكذا هاهنا فكيف لا يكون عالماً بالسر والأخفى، فإن من تدبيراته في خلق الأشجار وأنواع النبات أنها ليس لها فم ولا سائر آلات الغذاء فلا جرم أصولها مركوزة في الأرض تمتص بها الغذاء فيتأدى ذلك الغذاء إلى الأغصان ومنها إلى العروق ومنها إلى الأوراق، ثم إنه تعالى جعل عروقها كالأطناب التي بها يمكن ضرب الخيام.
وكما أنه لابد من مد الطنب من كل جانب لتبقى الخيمة واقفة، كذلك العروق تذهب من كل جانب لتبقى الشجرة واقفة، ثم لو نظرت إلى كل ورقة وما فيها من العروق الدقيقة المبثوثة فيها ليصل الغذاء منها إلى كل جانب من الورقة ليكون ذلك تقوية لجرم الورقة فلا يتمزق سريعاً، وهي شبه العروق المخلوقة في بدن الحيوان لتكون مسالك للدم والروح فتكون مقوية للبدن، ثم انظر إلى الأشجار فإن أحسنها في المنظر الدلب والخلاف، ولا حاصل لهما، وأقبحها شجرة التين والعنب، ولكن انظر إلى منفعتهما، فهذه الأشياء وأشباهها تظهر أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
أما قوله تعالى: ﴿ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى ﴾ فالكلام فيه على قسمين.
الأول: في التوحيد اعلم أن دلائل التوحيد ستأتي إن شاء الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ وإنما ذكره هاهنا ليبين أن الموصوف بالقدرة وبالعلم على الوجه الذي تقدم واحد لا شريك له، وهو الذي يستحق العبادة دون غيره، ولنذكر هاهنا نكتاً متعلقة بهذا الباب وهي أبحاث: البحث الأول: اعلم أن مراتب التوحيد أربع.
أحدها: الإقرار باللسان.
والثاني: الاعتقاد بالقلب.
والثالث: تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة.
والرابع: أن يصير العبد مغموراً في بحر التوحيد بحيث لا يدور في خاطره شيء غير عرفان الأحد الصمد.
أما الإقرار باللسان فإن وجد خالياً عن الاعتقاد بالقلب فذلك هو المنافق، وأما الاعتقاد بالقلب إذا وجد خالياً عن الإقرار باللسان ففيه صور.
الصورة الأولى: أن من نظر وعرف الله تعالى وكما عرفه مات قبل أن يمضي عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بكلمة الشهادة فقال قوم إنه لا يتم إيمانه والحق أنه يتم لأنه أدى ما كلف به وعجز عن التلفظ به فلا يبقى مخاطباً، ورأيت في بعض الكتب أن ملك الموت مكتوب على جبهته لا إله إلا الله لكي إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك التذكر عن الذكر.
الصورة الثانية: أن من عرف الله ومضى عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بالكلمة ولكنه قصر فيه، قال الشيخ الغزالي: يحتمل أن يقال اللسان ترجمان القلب فإذا حصل المقصود في القلب كان امتناعه من التلفظ جارياً مجرى امتناعه من الصلاة والزكاة وكيف يكون من أهل النار، وقد قال عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان».
وقلب هذا الرجل مملوء من الإيمان؟
وقال آخرون: الإيمان والكفر أمور شرعية نحن نعلم أن الممتنع من هذه الكلمة كافر.
الصورة الثالثة: من أقر باللسان واعتقد بالقلب من غير دليل فهو مقلد والاختلاف في صحة إيمانه مشهور.
أما المقام الثالث: وهو إثبات التوحيد بالدليل والبرهان فقد بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ أنه يمكن إثبات هذا المطلوب بالدلائل العقلية والسمعية واستقصينا القول فيها هناك.
أما المقام الرابع: وهو الفناء في بحر التوحيد فقال المحققون: العرفان مبتدأ من تفريق ونقض وترك ورفض ممكن في جميع صفات هي من صفات الحق للذات المريدة بالصدق منتبه إلى الواحد القهار، ثم وقوف هذه الكلمات محيطة بأقصى نهايات درجات السائرين إلى الله تعالى.
البحث الثاني: في الأخبار الواردة في التهليل، أولها: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: أستغفر الله» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ .
وثانيها: قال عليه السلام: «إن الله تعالى خلق ملكاً من الملائكة قبل أن خلق السموات والأرض وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله ماداً بها صوته لا يقطعها ولا يتنفس فيها ولا يتمها، فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة تعظيماً لله عز وجل».
وثالثها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال عليه السلام: «ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني وأشفع إليه ويشفعني حتى قلت: يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله قال يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي لا أدع أحداً في النار قال لا إله إلا الله».
وثانيها: قال سفيان الثوري: سألت جعفر بن محمد عن حم عسق قال: الحاء حكمه والميم ملكه والعين عظمته والسين سناؤه والقاف قدرته، يقول الله جل ذكره: بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي وقدرتي لا أعذب بالنار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وخامسها: أن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام في السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب له الله ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له بيتاً في الجنة».
البحث الثالث: في النكت.
أحدها: ينبغي لأهل لا إله إلا الله أن يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا الله: التصديق والتعظيم والحلاوة والحرية، فمن ليس له التصديق فهو منافق ومن ليس له التعظيم فهو مبتدع ومن ليس له الحلاوة فهو مراء ومن ليس له الحرية فهو فاجر.
وثانيها: قال بعضهم قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ ﴾ إنه لا إله إلا الله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ لا إله إلا الله: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالحق ﴾ لا إله إلا الله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة ﴾ لا إله إلا الله: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون ﴾ عن قول لا إله إلا الله: ﴿ بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلين ﴾ هو لا إله إلا الله: ﴿ يُثَبّتُ الله الذين ءَامَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِى الآخرة ﴾ هو لا إله إلا الله: ﴿ وَيُضِلُّ الله الظالمين ﴾ عن قول لا إله إلا الله.
وثالثها: أن موسى بن عمران عليه السلام قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به، قال: قل لا إله إلا الله قال كل عبادك يقولون لا إله إلا الله!
فقال: قل لا إله إلا الله قال إنما أردت شيئاً تحصني به!
قال يا موسى لو أن السموات السبع ومن فيهن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله.
البحث الرابع: في إعرابه قالوا كلمة لا هاهنا دخلت على الماهية، فانتفت الماهية، وإذا انتفت الماهية انتفت كل أفراد الماهية.
وأما الله فإنه اسم علم للذات المعينة إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملاً للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد، فقالوا: لا استحقت عمل أن لمشابهتها لها من وجهين، أحدهما: ملازمة الأسماء، والآخر تناقضهما فإن أحدهما لتأكيد الثبوت والآخر لتأكيد النفي، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم، إذا ثبت هذا فنقول لما قالوا: إن زيداً ذاهب كان يجب أن يقولوا لا رجلاً ذاهب إلا أنهم بنوا لا مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح، أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا اسماً واحداً، وأما الفتح فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقاً بين الدليل الموجب للإعراب والدليل الموجب للبناء.
الثاني: خبره محذوف والأصل لا إله في الوجود ولا حول ولا قوة لنا وهذا يدل على أن الوجود زائد على الماهية.
البحث الخامس: قال بعضهم تصور الثبوت مقدم على تصور السلب، فإن السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره فكيف قدم هاهنا السلب على الثبوت.
وجوابه: أنه لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه.
القسم الثاني: من الكلام في الآية البحث عن أسماء الله تعالى وفيه أبحاث: البحث الأول: قال عليه السلام: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أيها الناس أنا جعلت لكم نسباً وأنتم جعلتم لأنفسكم نسباً، أنا جعلت أكرمكم عندي أتقاكم وأنتم جعلتم أكرمكم أغناكم فالآن أرفع نسبي وأضع نسبكم، أين المتقون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
واعلم أن الأشياء في قسمة العقول على ثلاثة أقاسم: كامل لا يحتمل النقصان، وناقص لا يحتمل الكمال، وثالث يقبل الأمرين، أما الكامل الذي لا يحتمل النقصان فهو الله تعالى وذلك في حقه بالوجوب الذاتي وبعده الملائكة فإن من كمالهم أنهم: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ ﴾ ومن صفاتهم أنهم: ﴿ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ ومن صفاتهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا، وأما الناقص الذي لا يحتمل الكمال فهو الجمادات والنبات والبهائم، وأما الذي يقبل الأمرين جميعاً فهو الإنسان تارة يكون في الترقي بحيث يخبر عنه بأنه ﴿ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ ﴾ وتارة في التسفل بحيث يقال: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سافلين ﴾ وإذا كان كذلك استحال أن يكون الإنسان كاملاً لذاته، وما لا يكون كاملاً لذاته استحال أن يصير موصوفاً بالكمال إلى أن يصير منتسباً إلى الكامل لذاته.
لكن الانتساب قسمان: قسم يعرض للزوال وقسم لا يكون يعرض للزوال.
أما الذي يكون يعرض للزوال، فلا فائدة فيه ومثاله الصحة والمال والجمال، وأما الذي لا يكون يعرض للزوال فعبوديتك لله تعالى فإنه كما يمتنع زوال صفة الإلهية عنه يمتنع زوال صفة العبودية عنك فهذه النسبة لا تقبل الزوال، والمنتسب إليه وهو الحق سبحانه لا يقبل الخروج عن صفة الكمال.
ثم إذا كنت من بلد أو منتسباً إلى قبيلة فإنك لا تزال تبالغ في مدح تلك البلدة والقبيلة بسبب ذلك الانتساب العرضي فلأن تشتغل بذكر الله تعالى ونعوت كبريائه بسبب الانتساب الذاتي كان أولى فلهذا قال: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا ﴾ وقال: ﴿ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى ﴾ .
البحث الثاني: في تقسيم أسماء الله تعالى.
اعلم أن اسم كل شيء، إما أن يكون واقعاً عليه بحسب ذاته أو بحسب أجزاء ذاته أو بحسب الأمور الخارجة عن ذاته.
أما القسم الأول: فقد اختلفوا في أنه هل لله تعالى اسم على هذا الوجه وهذه المسألة مبنية على أن حقيقة الله تعالى هل هي معلومة للبشر أم لا؟
فمن قال إنها غير معلومة للبشر قال: ليس لذاته المخصوصة اسم، لأن المقصود من الاسم أن يشار به إلى المسمى وإذا كانت الذات المخصوصة غير معلومة امتنعت الإشارة العقلية إليها، فامتنع وضع الاسم لها، وقد تكلمنا في تحقيق ذلك في تفسير اسم الله، وأما الاسم الواقع عليه بحسب أجزاء ذاته فذلك محال لأنه ليس لذاته شيء من الأجزاء لأن كل مركب ممكن وواجب الوجود لا يكون ممكناً فلا يكون مركباً، وأما الاسم الواقع بحسب الصفات الخارجة عن ذاته، فالصفات إما أن تكون ثبوتية حقيقية أو ثبوتية إضافية أو سلبية أو ثبوتية مع إضافية أو ثبوتية مع سلبية أو إضافية مع سلبية أو ثبوتية وإضافية وسلبية ولما كانت الإضافات الممكنة غير متناهية، وكذا السلوب غير متناهية، أمكن أن يكون للباري تعالى أسماء متباينة لا مترادفة غير متناهية.
فهذا هو التنبيه على المأخذ.
البحث الثالث: يقال: إن لله تعالى أربعة آلاف اسم، ألف لا يعلمها إلا الله تعالى وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة والأنبياء.
وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونها فثلثمائة منها في التوراة وثلثمائة في الإنجيل وثلثمائة في الزبور ومائة في الفرقان تسع وتسعون منها ظاهرة وواحد مكتوم فمن أحصاها دخل الجنة.
البحث الرابع: الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناء ومدحاً، كقوله جاعل وفالق وخالق فإذا قيل: ﴿ فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ اليل سَكَناً ﴾ صار مدحاً، وأما الاسم الذي يكون مدحاً فمنه ما إذا قرن بغيره صار أبلغ نحو قولنا: حي فإذا قيل الحي القيوم أو الحي الذي لا يموت كان أبلغ وأيضاً قولنا بديع فإنك إذا قلت بديع السموات والأرض ازداد المدح، ومن هذا الباب ما كان اسم مدح ولكن لا يجوز إفراده كقولك: دليل.
وكاشف فإذا قيل: يا دليل المتحيرين، ويا كاشف الضر والبلوى جاز، ومنه ما يكون اسم مدح مفرداً أو مقروناً كقولنا الرحمن الرحيم.
البحث الخامس: من الأسماء ما يكون مقارنتها أحسن كقولك الأول الآخر المبدئ المعيد الظاهر الباطن ومثاله قوله تعالى في حكاية قول المسيح: ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ وبقية الأبحاث قد تقدمت في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم.
البحث السادس: في النكت: أولها رأى بشر الحافي كاغداً مكتوباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم فرفعه وطيبه بالمسك وبلعه فرأى في النوم قائلاً يقول: يا بشر طيبت اسمنا فنحن نطيب اسمك في الدنيا والآخرة.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى ﴾ وليس حسن الأسماء لذواتها لأنها ألفاظ وأصوات بل حسنها لحسن معانيها ثم ليس حسن أسماء الله حسناً يتعلق بالصورة والخلقة فإن ذلك محال على من ليس بجسم بل حسن يرجع إلى معنى الإحسان مثلاً اسم الستار والغفار والرحيم إنما كانت حسناء لأنها دالة على معنى الإحسان، وروى أن حكيماً ذهب إليه قبيح وحسن والتمسا الوصية فقال للحسن: أنت حسن والحسن لا يليق به الفعل القبيح، وقال للآخر أنت قبيح والقبيح إذا فعل الفعل القبيح عظم قبحه.
فنقول: إلهنا أسماؤك حسنة وصفاتك حسنة فلا تظهر لنا من تلك الأسماء الحسنة والصفات الحسنة إلا الإحسان، إلهنا يكفينا قبح أفعالنا وسيرتنا فلا نضم إليه قبح العقاب ووحشة العذاب.
وثالثها: قوله عليه السلام: «اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه» إلهنا حسن الوجه عرضى أما حسن الصفات والأسماء فذاتي فلا تردنا عن إحسانك خائبين خاسرين.
رابعها: ذكر أن صياداً كان يصيد السمك فصاد سمكة وكان له ابنة فأخذتها ابنته فطرحتها الماء وقالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها، إلهنا تلك الصبية رحمت غفلة هاتيك السمكة وكانت تلقيها مرة أخرى في البحر ونحن قد اصطادتنا وسوسة إبليس وأخرجتنا من بحر رحمتك فارحمنا بفضلك وخلصنا منها وألقنا في بحار رحمتك مرة أخرى.
وخامسها: ذكرت من الأسماء خمسة في الفاتحة، وهي الله والرب والرحمن والرحيم والملك فذكرت الإلهية وهي إشارة إلى القهارية والعظمة فعلم أن الأرواح لا تطيق ذلك القهر والعلو فذكر بعده أربعة أسماء تدل على اللطف، الرب وهو يدل على التربية والمعتاد أن من ربى أحداً فإنه لا يهمل أمره ثم ذكر الرحمن الرحيم وذلك هو النهاية في اللطف والرأفة ثم ختم الأمر بالملك والملك العظيم لا ينتقم من الضعيف العاجز ولأن عائشة قالت لعلي عليه السلام: «ملكت فأسجح فأنت أولى بأن تعفو عن هؤلاء الضعفاء».
وسادسها: عن محمد بن كعب القرظي قال موسى عليه السلام: إلهي أي خلقك أكرم عليك؟
قال الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري، قال: فأي خلقك أعلم؟
قال: الذي يلتمس إلى علمه علم غيره، قال: فأي خلقك أعدل؟
قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس، قال: فأي خلقك أعظم جرماً؟
قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له.
إلهنا إنا لا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت به فهو فضل وكل ما تفعله فهو عدل فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا.
وسابعها: قال الحسن إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ سيعلم الجمع من أولى بالكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟
فيقومون فيتخطون رقاب الناس، ثم يقال: أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟
ثم ينادي منادٍ أين الحامدون لله على كل حال؟
ثم تكون التبعة والحساب على من بقي إلهنا فنحن حمدناك وأثنينا عليك بمقدار قدرتنا ومنتهى طاقتنا فاعف عنا بفضلك ورحمتك.
ومن أراد الاستقصاء في الأسماء والصفات فعليه بكتاب لوامع البينات في الأسماء والصفات وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
أي يعلم ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، أو ما أسررته في نفسك ﴿ وَأَخْفَى ﴾ منه وهو ما ستسره فيها.
وعن بعضهم: أن أخفى فعل ماضي، لا أفعل تفضيل يعنى: أنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلمه، هو كقوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ [طه: 110] وليس بذاك.
فإن قلت كيف طابق الجزاء الشرط؟
قلت: معناه وإن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فأعلم أنه غنيّ عن جهرك، فإماأن يكون نهياً عن الجهر كقوله تعالى: ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول ﴾ [الأعراف: 205] وإما تعليماً للعباد أنّ الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر ﴿ الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن، وصفت بها الأسماء لأنّ حكمها حكم المؤنث كقولك: الجماعة الحسنى، ومثلها ﴿ مآرِبُ أخرى ﴾ [طه: 18] ، و ﴿ مِنْ ءاياتنا الكبرى ﴾ [طه: 23] .
والذي فضلت به أسماؤه في الحسن على سائر الأسماء: دلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في الحسن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ ومَن في ﴿ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ ﴾ صِلَةٌ لِـ ﴿ تَنْزِيلا ﴾ أوْ صِفَةٌ لَهُ، والِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغِيبَةِ لِلتَّفَنُّنِ في الكَلامِ وتَفْخِيمِ المُنَزِّلِ مِن وجْهَيْنِ إسْنادُ إنْزالِهِ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، ونِسْبَتُهُ إلى المُخْتَصِّ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ واجِبُ الإيمانِ بِهِ والِانْقِيادِ لَهُ مِن حَيْثُ أنَّهُ كَلامُ مَن هَذا شَأْنُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْزَلَنا حِكايَةَ كَلامِ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ النّازِلِينَ مَعَهُ.
وقُرِئَ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ عَلى الجَرِّ صِفَةٌ لِمَن خَلَقَ فَيَكُونُ ﴿ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، وكَذا إنْ رَفَعَ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ عَلى المَدْحِ دُونَ الِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، والثَّرى الطَّبَقَةُ التُّرابِيَّةُ مِنَ الأرْضِ وهي آخِرُ طَبَقاتِها، و ﴿ الحُسْنى ﴾ تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وفَضْلُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى عَلى سائِرِ الأسْماءِ في الحُسْنِ لِدَلالَتِها عَلى مَعانٍ هي أشْرَفُ المَعانِي وأفْضَلُها.
<div class="verse-tafsir"
{الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى} أي هو واحد بذاته وإن افترقت عبارات صفاته رد لقولهم إنك تدعو آلهة حين سمعوا اسماءه تعالى والحسنى تأنيث الاحسان
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ اللَّهُ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَوْصُوفُها ذَلِكَ المَعْبُودُ الحَقُّ أيْ ذَلِكَ المَنعُوتُ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَصْرِيحٌ بِما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ مِنِ اخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِن خَلْقِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ والعُلُوِّ اللّائِقِ بِشَأْنِهِ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ والرَّحْمانِيَّةِ والمالِكِيَّةِ لِلْعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والعِلْمُ الشّامِلُ مِمّا يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً بَيِّنًا، وقَوْلُهُ تَبارَكَ اسْمُهُ ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِنَ الخالِقِيَّةِ وغَيْرِها أسْماءَهُ تَعالى وصِفاتَهُ مِن غَيْرِ تَعَدُّدٍ في ذاتِهِ تَعالى، وجاءَ الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ وصِفَةُ المُؤَنَّثَةِ المُفْرَدَةِ تَجْرِي عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ وحُسْنِ ذَلِكَ كَوْنُها وقَعَتْ فاصِلَةً، وقِيلَ: تَضْمَنُها الإشارَةُ إلى عَدَمِ التَّعَدُّدِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى عَدَمِ زِيادَةِ صِفاتِهِ تَعالى عَلى ذاتِهِ واتِّحادِها مَعَها وفَضْلِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى عَلى سائِرِ الأسْماءِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ خَبَرُهُ وجُمْلَةُ ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٌ، وظاهِرُ صَنِيعِهِ يَقْتَضِي اخْتِيارَهُ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ، ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ أوَّلِيَّةُ ما تَقَدَّمَ، <div class="verse-tafsir"
وهي مكية مائة وثلاثون وخمس آيات قوله سبحانه وتعالى: طه قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي في رواية أبي بكر «طِهِ» بكسر الطاء والهاء، وقرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص: طه بنصب الطاء والهاء، وقرأ نافع وسطاً بين النصب والكسر، وقرأ أبو عمرو وابن العلاء بنصب الطاء وكسر الهاء.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «لما نزل على رسول الله الوحي بمكة، اجتهد رسول الله في العبادة، فاشتد عليه، فجعل يصلي الليل كله حتى شق عليه ذلك، ونحل جسمه، وتغير لونه، فقال أبو جهل وأصحابه: إنك شقي فأتنا بآية أنه ليس مع إلهك إله» ، فنزل طه يعني: يا رجل بلسان عك، وعنى به: النبيّ .
وقال عكرمة والسدي: هو بالنبطية، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: طه كقولك: «يا فلان» ، ويقال: إنّ النبيّ كان إذا صلى رفع رجلا ووضع أخرى (١) وقال مجاهد: طه فواتح السورة.
ويقال: «طا» طرب المؤمنين في الجنة، و «ها» هو أن الكافرين في النار.
ويقال: «طا» طلب المؤمنين في الحرب و «ها» : هرب الكافرين.
مَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى يعني: لتتعب نفسك وتعيا إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى يقول: لم ننزله إلا عظة لمن يسلم، وقال القتبي: في الآية تقديم، يقول: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى لا أن تشقى.
ثم قال: تَنْزِيلًا يعني: نزل به جبريل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني: نزل من عند خالق السموات والأرض الْعُلى يعني: الرفيع.
وقال أهل اللغة: الْعُلى جمع العليا، تقول: السماء العليا والسموات العلى.
ثم قال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أي: استولى حكمه ونفذ وعَلَى الْعَرْشِ يعني: علا.
ويقال: كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض، ويقال: اسْتَوى استولى وملك، كما يقال: استوى فلان على بلد كذا يعني: استولى عليها وملكها، فالله تعالى بين لخلقه قدرته وتمام ملكه، أنه يملك العرش وَلَهُ مَا فِى السموات وما في الأرض، فذلك قوله تعالى: لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي من خلق وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني: ما تحت الأرض السابعة السفلى.
وروى أسباط عن السدي في قوله عز وجل: وَما تَحْتَ الثَّرى قال: الصخرة التي تحت الأرض السابعة وهي صخرة خضراء، وهي سجين التي فيها كتاب الكفار، ويقال: الثرى تراب رطب مقدار خمسمائة عام تحت الأرض، ولولا ذلك لأحرقت النار الدنيا وما فيها.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «بسطت الأرض على الحوت، والحوت على الماء والماء على الصخرة، الصخرة بين قرني الثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله عز وجل.
(١) عزاه السيوطي 5/ 550 إلى ابن مردويه وعن علي بإسناد حسن والربيع بن أنس عند البزار.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة طه]
بسم الله الرحمن الرحيم وهي مكيّة قوله سبحانه وتعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله سحانه وتعالَى: طه مَآ أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قيل: طه: آسْمٌ من أَسْمَاءِ نَبِيِّنَا محمّدٍ صلى الله عليه وسلّم وقِيلَ: معناه: يا رَجُلُ بالسُّرْيَانِيّة، وقِيلَ: بغيرها مِنْ لُغَاتِ العَجَمِ.
قال البخاريُّ: قال ابن جُبَيْرٍ: طه: يا رجلُ، بالنَّبطِيَّة «١» انتهى.
وقيل «٢» : إنها لغةٌ يَمَانِيةٌ في «عَكَّ» وأَنشد الطبريُّ «٣» في ذلك: [الطويل]
دَعَوْتُ ب «طَه» فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِب ...
فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُوَائِلاَ «٤»
وقال آخرُ: [البسيط]
إنَّ السَّفَاهَةِ «٥» - طه- مِنْ خَلاَئِقِكُم ...
لاَ بَارَكَ اللهُ فِي الْقَوْمِ المَلاَعِينِ «٦»
وقالت فِرْقَةٌ من العُلَمَاءِ: سَبَبُ نزولِ هذه الآية أَن قريشاً لما نظرت إلى عيش النبي صلى الله عليه وسلّم وشَظَفِه وكَثْرة عِبَادَته قالت: إن محمداً مع ربِّه في شقاءٍ، فنزلت الآيةُ رادَّةً عليهم «٧» .
سُورَةُ طَه وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، وفي سَبَبِ نُزُولِ ( طَه ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيَهِ، يَقُومُ عَلى رِجْلٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ [ عَلِيٌّ ] عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ صَلّى هو وأصْحابُهُ فَأطالَ القِيامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، والمُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ : إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي ﴿ طه ﴾ قِراءاتٌ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( طَه ) بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ: ( طَه ) بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وهو إلى الفَتْحِ أقْرَبُ، كَذَلِكَ قالَ خَلَفٌ عَنِ المُسَيِّبِيِّ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورَوى عَنْهُ عَبّاسٌ مِثْلَ حَمْزَةَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ الطّاءِ وفَتْحِ الهاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ ومُوَرِّقٌ: ( طِهْ ) بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.
واخْتَلَفُوا في مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحُدُها: بِالنَّبَطِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: بِلِسانِ عَكٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولُغَةُ قُرَيْشٍ وافَقَتْ هَذِهِ اللُّغَةَ في المَعْنى.
والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ.
ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ مِنَ اللَّطِيفِ، والهاءَ مِنَ الهادِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّ الطّاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( طاهِرٍ ) و( طَيِّبٍ )، والهاءَ افْتِتاحُ اسْمِهِ ( هادِي )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مِن غَيْرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّ الطّاءَ مِن طابَةَ، وهي مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ، والهاءُ مِن مَكَّةَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ أهْلِ الجَنَّةِ، والهاءَ هَوانُ أهْلِ النّارِ.
والثّالِثُ: أنَّ الطّاءَ في حِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ والهاءَ خَمْسَةٌ، فَتَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ.
فالمَعْنى: يا أيُّها البَدْرُ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا في فاتِحَةِ ( مَرْيَمَ ) .
وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِتَشْقى ﴾ : لِتَتْعَبَ وتَبْلُغَ مِنَ الجُهْدِ ما قَدْ بَلَغَتَ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَهَدَ في العِبادَةِ وبالَغَ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ القِيامِ، فَأُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَذْكِرَةً ﴾ قالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لِتَشْقى ﴾ ، ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً؛ أيْ: عِظَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا، و ﴿ العُلا ﴾ جَمْعُ العُلْيا، تَقُولُ: سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلى، مِثْلَ: الكُبْرى والكُبَرِ، فَأمّا ﴿ الثَّرى ﴾ فَهو التُّرابُ النَّدِيُّ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أرادَ: الثَّرى الَّذِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ ﴾ ؛ أيْ: تَرْفَعْ صَوْتَكَ، ﴿ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ ﴾ والمَعْنى: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ.
وَفِي المُرادِ بِـ ﴿ السِّرَّ وأخْفى ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السِّرَّ: ما أسَرَّهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ، وأخْفى: ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وسَيَكُونُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّ السِّرَّ: ما حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَكَ، وأخْفى: ما لَمْ تَلْفِظْ بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّ السِّرَّ: العَمَلُ الَّذِي يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِنَ النّاسِ، وأخْفى مِنهُ: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَعْلَمُ إسْرارَ عِبادِهِ، وقَدْ أخْفى سِرَّهُ عَنْهم فَلا يُعْلَمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ.
والخامِسُ: يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ، وما أخَفاهُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٨٠ ) .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ طه ﴾ ﴿ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى ﴾ ﴿ إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ﴿ تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا ﴾ ﴿ الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى ﴾ ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طه ﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ".
واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا وَيُرْوى: مُزايِلًا.
وقالَ الآخَرُ: إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي".
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿ لِتَشْقى ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً.
و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ تَنْزِيلا ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا ﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ.
و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿ الرَحْمَنُ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ اسْتَوى ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَحْتَ الثَرى ﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى.
و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ.
و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿ مَآرِبُ أُخْرى ﴾ ، و ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي ﴾ وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ : «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».
<div class="verse-tafsir"
تذييل لما قبله لأنّ ما قبله تضمن صفات من فعل الله تعالى ومن خَلقه ومن عظمته فجاء هذا التذييل بما يجمع صفاته.
واسم الجلالة خبر لمبتدأ محذوف.
والتقدير: هو الله، جرياً على ما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ الرحمن على العَرْشِ استوى ﴾ [طه: 5].
وجملة ﴿ لا إله إلاَّ هُو ﴾ حال من اسم الجلالة.
وكذلك جملة ﴿ لهُ الأسماءُ الحسنى ﴾ .
والأسماء: الكلمات الدالة على الاتّصاف بحقائق.
وهي بالنسبة إلى الله: إما علَم وهو اسم الجلالة خاصةً.
وإما وصف مثل الرحمان والجبّار وبقية الأسماء الحسنى.
وتقديم المجرور في قوله ﴿ له الأسماءُ الحُسْنى ﴾ للاختصاص، أي لا لغيره لأنّ غيره إما أن يكون اسمه مجرداً من المعاني المدلولة للأسماء مثل الأصنام، وإما أن تكون حقائقها فيه غير بالغة منتهى كمال حقيقتها كاتصاف البشر بالرحمة والمِلك، وإما أن يكون الاتّصاف بها كَذباً لا حقيقة، كاتصاف البشر بالكِبْر، إذ ليس أهلاً للكبر والجبروت والعزّة.
ووصْف الأسمَاءُ بالحسنى لأنها دالة على حقائق كاملة بالنسبة إلى المسمى بها تعالى وتقدس.
وذلك ظاهر في غير اسم الجلالة، وأما في اسم الجلالة الذي هو الاسم العلَم فلأنه مخالف للأعلام من حيث إنّه في الأصل وصف دال على الانفراد بالإلهية لأنّه دال على الإله، وعُرّف باللام الدالة على انحصار الحقيقة عنده، فكان جامعاً لمعنى وجوب الوجود، واستحق العبادة لوجود أسباب استحقاقها عنده.
وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ﴾ في سورة الأعراف (180).
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ طه قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ طه ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ يا رَجُلُ; قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحَكى الطَّبَرِيُّ: أنَّهُ بِالنَّبَطِيَّةِ يا رَجُلُ; وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ كَذَلِكَ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: هو لُغَةُ عُكْلٍ، وقالَ قُطْرُبٌ: هو بِلُغَةِ طَيِّئٍ وأنْشَدَ لِيَزِيدَ بْنِ مُهَلْهِلٍ: إنَّ السَّفاهَةَ (طه) مِن خَلِيقَتِكم لا قَدَّسَ اللَّهُ أرْواحَ المَلاعِينَ الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وقَسَمٌ أقْسَمَ بِهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ ومِفْتاحٌ لَها.
الرّابِعُ: أنَّهُ اخْتِصارٌ مِن كَلامٍ خَصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِعِلْمِهِ.
الخامِسُ: أنَّ حُرُوفَ مُقَطَّعَةٌ يَدُلُّ كُلُّ حَرْفٍ مِنها عَلى مَعْنًى.
السّادِسُ: مَعْناهُ: طُوبى لِمَنِ اهْتَدى، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدٍ الباقِرِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ العابِدِينَ رَحِمَهُما اللَّهُ.
السّابِعُ: مَعْناهُ طَأِ الأرْضَ بِقَدَمِكَ، ولا تَقُمْ عَلى إحْدى رِجْلَيْكَ يَعْنِي في الصَّلاةِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ طَهِّرْ، ويَحْتَمِلُ ما أمَرَهُ بِتَطْهِيرِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: طَهِّرْ قَلْبَكَ مِنَ الخَوْفِ.
والثّانِي: طَهِّرْ أُمَّتَكَ مِنَ الشِّرْكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالتَّعَبِ والسَّهَرِ في قِيامِ اللَّيْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ جَوابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا: إنَّهُ بِالقُرْآنِ شَقِيَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَشْقَ بِالحُزْنِ والأسَفِ عَلى كُفْرِ قَوْمِكَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا إنْذارًا لِمَن يَخْشى اللَّهَ.
والثّانِي: إلّا زَجْرًا لِمَن يَتَّقِي الذُّنُوبَ.
والفَرْقُ بَيْنَ الخَشْيَةِ والخَوْفِ: أنَّ الخَوْفَ فِيما ظَهَرَتْ أسْبابُهُ والخَشْيَةَ فِيما لَمْ تَظْهَرْ أسْبابُهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ.
الثّانِي: لَهُ تَدْبِيرُها.
الثّالِثُ: لَهُ عِلْمَ ما فِيها.
وَفي ﴿ الثَّرى ﴾ وجْهانِ: أحَدُها: كُلُّ شَيْءٍ مُبْتَلٍّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ التُّرابُ في بَطْنِ الأرْضِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّها الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ، وهي صَخْرَةٌ خَضْراءُ وهي سِجِّينٌ الَّتِي فِيها كِتابُ الفُجّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ ﴾ فَما حاجَتُكَ إلى الجَهْرِ؟
لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ بِالجَهْرِ وبِالسِّرِّ.
﴿ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ (السِّرَّ) ما حَدَّثَ بِهِ العَبْدُ غَيْرَهُ في السِّرِّ.
(وَأخْفى) ما أضْمَرَهُ في نَفْسِهِ، ولَمْ يُحَدِّثْ بِهِ غَيْرَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السِّرَّ ما أضْمَرَهُ العَبْدُ في نَفْسِهِ.
وَأخْفى مِنهُ ما لَمْ يَكُنْ ولا أضْمَرَهُ أحَدٌ في نَفْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: يَعْلَمُ أسْرارَ عِبادِهِ، وأخْفى سِرَّ نَفْسِهِ عَنْ خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّ السِّرَّ ما أسَرَّهُ النّاسُ، وأخْفى: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّ السِّرَّ ما أسَرَّهُ مِن عِلْمِهِ وعَمَلِهِ السّالِفِ، وأخْفى: وما يَعْلَمُهُ مِن عَمَلِهِ المُسْتَأْنَفِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
السّادِسُ: السِّرُّ: العَزِيمَةُ، وما هو أخْفى: هو الهَمُّ الَّذِي دُونَ العَزِيمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ قال المبرد: يجوز أن يكون ﴿ اللهُ ﴾ ابتداء، وخبره ﴿ لا إِلَهَ إِلا هُو ﴾ ويجوز أن تكون خبر ابتداء على قدير: هو الله لا إله إلا هو، نعت) (١) ﴿ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ يعني: التسعة والتسعين التي ورد بها الخبر (٢) ﴿ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة ﴾ ، و ﴿ مَارِبُ أُخْرَى ﴾ ، كأنها اسم واحد للجميع (٣) (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 332، "البحر المحيط" 6/ 227، "روح المعاني" 16/ 164 "الفتوحات الإلهية" 3/ 82 (٢) وهو ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة - - قال: قال رسول الله - -: لله تسع وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة".
أخرجه البخاري في التوحيد، باب: لله عز وجل مائة اسم غير واحد 8/ 169، ومسلم في الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى 4/ 2062.
والحديث الذي فيه ذكر الأسماء أخرجه ابن ماجه 2/ 1269، والحاكم في "المستدرك" 1/ 16، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 15، والترمذي 5/ 530، وقال: هذا حديث غريب، وذكر الأسماء ليس له إسناد صحيح.
وقال ابن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" 6/ 379: (وتعيينها ليس من كلام النبي - - باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي - -).
وقال النووي في "شرح مسلم" 7/ 17: (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه إنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث: أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصرها).
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 802، "شرح أسماء الله الحسني" للرازي ص 36، "القواعد المثلى" للشيخ محمد بن عثيمين ص 13.
(٣) "الكشاف" 2/ 530 "البحر المحيط" 6/ 227، "روح المعاني" 16/ 165.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأسمآء الحسنى ﴾ تكلمنا عليها في [الأعراف: 179].
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ طه ﴾ : قال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ طه ﴾ : يا رجل بالنبطية، وقال بعضهم: بالسريانية، وقيل: يا فلان، وقيل: هو اسم من أسماء الله، وقيل: حروف من أسمائه ونحو ذلك، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ : لا يحتمل أن يكون هذا نزل على الابتداء من غير سبب ولا أمر، لكنه لم يبيّن السّبب [الذي] به نزل هذا، فيحتمل أن يكون سببه وجوهاً: أحدها: ما حمل نفسه من الشدائد والمؤن العظام، وأجهد نفسه في ذلك؛ فنزل: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، أي: لتتعب به نفسك، كقوله: ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ﴾ أي: تتعب؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ ﴾ .
والثاني: أنه لما كف نفسه عن الشهوات ومنعها عن جميع ما تهواه من اللذات، فقال أولئك الكفرة: إنه شقى؛ حيث رأوه لم يعط نفسه شيئاً من شهواتها ولذاتها.
والثالث: أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه واتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون، وكانت عادتهم القتل وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك، فعند ذلك قالوا: إنّه شقيّ؛ حيث يخاطر بنفسه، فقال: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ على ما يقول أولئك، بل أنزله عليك؛ لتسعد حيث أخبر أنه عصمه بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
أو ألا يفسر ولا يذكر ذلك الأمر والسبب الذي به نزل؛ لأنه لم يبيّن، ولا حاجة بنا [إلا] إلى معرفة ما ذكر، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، بل أنزلناه لتسعد، وأنزلناه ليتذكر به من يخشى، كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: عظة لمن يتقى ما به يخشى.
ويحتمل قوله: ﴿ لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : كل مؤمن؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه الخشية منه والاتقاء من نقمته وعذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ .
كأن هذا نزل على إثر قول قاله أولئك الكفرة، وهو ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، وإنه شاعر [و] إنما يعلمه بشر ونحوه، فقال جواباً لقولهم: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ ليس كما يقول أولئك: إنه ساحر وإنه مفتر وإنما يعلمه بشر، بل تنزيلاً ممّن خلق الأرض والسّماوات العلا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته: فإن كان الأول فهو إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق؛ إذ هو دونه، ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به الأمكنة لجاز [أن] يحيط به الأوقات؛ فيصير متناهياً بذاته مقصراً عن خلقه.
وإن كان على الوجه الثاني، فلو زيد في الخلق، لانتقص أيضاً، وفيه ما في الأوّل.
ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مما يذم ذا من فعل الملوك أن يفضل عنهم من المقاعد شيئاً.
وبعد: فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك، وذلك كله وصف الخلائق، والله يتعالى عن ذلك.
وبعد: فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر؛ فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه[؛ حيث] فيها ذكر العظمة والجلال؛ إذ ذكر في قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وصفه بالعظمة والسلطان، والقدرة، فكذلك على تعظيم العرش، أي شيء كان من نور أو جوهر؟
لا يبلغه علم الخلق، وإضافة الاستواء إليه لوجهين: أحدهما: على تعظيمه، بما ذكر على إثره، ذكر سلطانه في ربوبيته، وقدرته وخلقه ما ذكر.
والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله؛ على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا، واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق به؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...
﴾ الآية [المائدة: 3] بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم، وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة، وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك، ولكن يذكر عظم الأمر، فمثله أمر العرش، وهو كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ على لحوق غيرٍ بهم، ويحتمل أن يكون على المنع بوصف المكان؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول شيئاً، فأشار إليه ليعلم علوّه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة، وعلى ذلك قوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ...
﴾ الآية [المجادلة: 7]، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان، ولكن يضاف إلى الإسرار فأخبر بعلوه عن الأمكنة، وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ ، أي: بالسلطان والقوة، وبالألوهية في البقاع كلها؛ لأنها أمكنة العادة بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ ﴾ ويملك كل شيء بقوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ وبقوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ثم بعلوّه وجلاله بقوله: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ ، ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك، ليعلم أنه بكل ما سمي به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه، وكذلك عزّه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره.
وقال بعضهم: يريد بالعرش: الملك؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمى به السطوح ورءوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة: أحدها: الاستيلاء، كما يقال: استوى فلان على كورة كذا، بمعنى: استولى.
والثاني: العلو [و] الارتفاع، كقوله: ﴿ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ ﴾ \[المؤمنون: 28\] وقوله: ﴿ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أي: علوتهم.
والثالث: التمام، كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ﴾ ، أي: تم واستقر.
وقد قيل بالقصد، وإلى ذلك وَجَّهَ أهل الأدب قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ بمعنى: خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم فعلاً أن يكون بالقصد، وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا بالله.
ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء، والعزيز الملك أنه مستولٍ على جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا، يدلّ على الأمرين قوله: ﴿ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ بمعنى: الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره، فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة، والله الموفق.
وأمّا على تأويل التمام والعلو، فهو أن الله قال: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...
﴾ الآية [فصلت: 9]، فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ ﴾ بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك، وعلا، وارتفع؛ إذ هم المقصودون من خلق ما بيّنا، فبذلك تم معنى الملك وعلا؛ إذ وصل إلى الذين لهم خلقوا وقد قيل ذا في خلق البشر خاصّة بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً...
﴾ الآية [البقرة: 29]، وقوله: ﴿ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ ونحوه.
وذكر عن ابن عباس: أن البشر خلق اليوم السابع فبه التمام والعلو؛ إذ خلق لهم كل شيء وخلقهم لعبادة الله، وألحق بهم الجن بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...
﴾ الآية [الذاريات: 56]، لكن المقصود البشر؛ إذ تسخير ما ذكرت كله إنما يرجع إلى منافعهم، والله الموفق.
والأصل عندنا في ذلك: أن الله - عز وجل - قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه؛ فيجب القول بـ ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ على ما جاء به التنزيل، وينفي عنه شبه الخلق لما أضاف إليه، وإذ لزم القول في الله بالتعالي عن الأشباه ذاتاً وفعلاً، لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، والله الموفق، وقد ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن.
وفي قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ ، الوصف له بالسلطان والقدرة والملك على ما ذكرنا.
وفي قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ الوصف له بالعلم في الغيب والسر والعلانية جميعاً؛ ليكونوا أبداً على حذر وخوف ويقظة في جميع أفعالهم وأقوالهم، وفي الأوّل؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم من الخلق إلى خالقهم، وألا يطمع ولا يرجى غيره.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به إلى غيرك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما أضمرته وأكننته في نفسك، لم تسره إلى أحد.
قال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به وحدثت به نفسك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما علم الله أنه كائن يكون، ولم يكن بعد، ولم تعلم به.
وقال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسره في نفسه، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما خطر في قلبه، وهو لا يضبطه، ونحو ذلك، وأصله في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ ﴾ كأنه يقول: وإن تجهر بالقول أو تسرّ ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: أي: من وحّد الله بأسمائه فله الحسنى، وهي الجنة، وقد ذكرناه فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
الله لا معبود بحق غيره, له وحده الأسماء البالغة الكمال في الحسن.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZGOoL"