تفسير الآية ٩٠ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٩٠ من سورة طه

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ٩٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩٠ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩٠ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما كان من نهي هارون ، عليه السلام ، لهم عن عبادة العجل ، وإخباره إياهم : إنما هذا فتنة لكم ( وإن ربكم الرحمن ) الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا ، ذو العرش المجيد ، الفعال لما يريد ( فاتبعوني ) أي : فيما آمركم به ، واتركوا ما أنهاكم عنه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (89) يقول تعالى ذكره موبخا عبدة العجل، والقائلين له هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ وعابهم بذلك، وسفه أحلامهم بما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلههم وإله موسى لا يكلمهم، وإن كلَّموه لم يرد عليهم جوابا، ولا يقدر على ضرّ ولا نفع، فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها؟

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم.

قال: ثنا عيسى " ح " وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا ) العجل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ( أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا ) قال: العجل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله ( أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ) ذلك العجل الذي اتخذوه ( قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد قال لهم هارون من قبل أي من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم يا قوم إنما فتنتم أي ابتليتم وأضللتم به ؛ أي بالعجل .

وإن ربكم الرحمن لا العجل .

فاتبعوني في عبادته .

وأطيعوا أمري لا أمر السامري .

أو فاتبعوني في مسيري إلى موسى ودعوا العجل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إن اتخاذهم العجل، ليسوا معذورين فيه، فإنه وإن كانت عرضت لهم الشبهة في أصل عبادته، فإن هارون قد نهاهم عنه، وأخبرهم أنه فتنة، وأن ربهم الرحمن، الذي منه النعم الظاهرة والباطنة، الدافع للنقم وأنه أمرهم أن يتبعوه، ويعتزلوا العجل

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد قال لهم هارون من قبل ) من قبل رجوع موسى ، ( ياقوم إنما فتنتم به ) ابتليتم بالعجل ، ( وإن ربكم الرحمن فاتبعوني ) على ديني في عبادة الله ، ( وأطيعوا أمري ) في ترك عبادة العجل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد قال لهم هارون من قبل» أي قبل أن يرجع موسى «يا قوم إنما فُتنْتم به وإنَّ ربكم الرحمن فاتَّبعوني» في عبادته «وأطيعوا أمري» فيها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد قال هارون لبني إسرائيل من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم إنما اختُبرتم بهذا العجل؛ ليظهر المؤمن منكم من الكافر، وإن ربكم الرحمن لا غيره فاتبعوني فيما أدعوكم إليه من عبادة الله، وأطيعوا أمري في اتباع شرعه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - موقف هارون - عليه السلام - من هؤلاء الجاهلين الذين عبدوا العجل ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ .

.

.

) .جملة : ( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ .

.

.

) قسمية مؤكدة لما قبلها .أى : والله لقد نصح هارون - عليه السلام - عبدة العجل من قومه ، قبل رجوع موسى إليهم ، فقال لهم مستعطفا : ( .

.

.

ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ .

.

.

) أى : يا قوم إن ضلالكم وكفركم إنما هو بسبب عبادتكم العجل ، فالمضير فى ( بِهِ ) يعود إلى العجل .( وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن ) هو وحده المستحق للعبادة والطاعة .وجمع - سبحانه - بين لفظى الرب والرحمن ، لجذبهم نحو الحق ، واستمالتهم نحوه ، وللتنبيه على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم ، لأنه - سبحانه - هو الرحمن الرحيم .والفاء فى قوله : ( فاتبعوني وأطيعوا أَمْرِي ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها .أى : وما دام الأمر كذلك فاتبعونى وأطيعوا أمرى ، فى الثبات على الحق ، وفى نبذ عبادة العجل ، وفى المحافظة على ما عاهدكم عليه موسى - عليه السلام - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال لموسى: ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ  ﴾ وقال موسى في جوابه: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى  ﴾ عرفه الله تعالى ما حدث من القوم بعد أن فارقهم مما كان يبعد أن يحدث لو كان معهم فقال: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامرى ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى خلق فيهم الكفر لوجهين، الوجه الأول: الدلائل العقلية الدالة على أنه لا يجوز من الله أن يفعل ذلك.

الثاني: أنه قال: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ السامرى ﴾ ولو كان الله خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامري فيه أثر وكان يبطل قوله: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ السامرى ﴾ وأيضاً فلأن موسى عليه السلام لما طالبهم بذكر سبب تلك الفتنة قال: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فلو حصل ذلك بخلق الله تعالى لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فينا لا ما ذكرت فكان يبطل تقسيم موسى عليه السلام وأيضاً فقال: ﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو الخالق له ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله: ﴿ فَتَنَّا ﴾ معنى آخر وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان.

يقال: فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته بالنار لكي يتميز الجيد من الرديء فهاهنا شدد الله التكليف عليهم وذلك لأن السامري لما أخرج لهم ذلك العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أن لها إلهاً ليس بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف فكان فتنة والتشديد في التكليف موجود قال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ  ﴾ هذا تمام كلام المعتزلة قال الأصحاب: ليس في ظهور صوت عن عجل متخذ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون ذلك العجل إلهاً فحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف فلا يصح حمل الآية عليه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم، قولهم: أضاف الإضلال إلى السامري قلنا: أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها هو الله تعالى فكذا هاهنا وأيضاً قرئ وأضلهم السامري أي وأشدهم ضلالاً السامري وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة الاستدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب التمسك بفصل الداعي على ما سبق تقريره في هذا الكتاب مراراً كثيرة.

المسألة الثانية: المراد بالقوم هاهنا هم الذين خلفهم مع هارون عليه السلام على ساحل البحر وكانوا ستمائة ألف افتتنوا بالعجل غير أثني عشر ألفاً.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية سعيد بن جبير: كان السامري علجاً من أهل كرمان وقع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر والذي عليه الأكثرون أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة، قال الزجاج وقال عطاء عن ابن عباس: بل كان رجلاً من القبط جاراً لموسى عليه السلام وقد آمن به.

المسألة الرابعة: روى في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل بعد ذلك والتوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ من وجهين: الأول: أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على عادته.

الثاني: أن السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى عليه السلام وعزم على إضلالهم حال مفارقة موسى عليه السلام وكأنه قدر الفتنة موجودة.

المسألة الخامسة: إنما رجع موسى عليه السلام بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة.

المسألة السادسة: ذكروا في الأسف وجوهاً: أحدها: أنه شدة الغضب وعلى هذا التقدير لا يلزم التكرار لأن قوله: غضبان يفيد أصل الغضب وقوله: أسفاً يفيد كماله.

وثانيها: قال الأكثرون حزناً وجزعاً يقال أسف يأسف أسفاً إذا حزن فهو آسف.

وثالثها: قال قوم: الآسف المغتاظ وفرقوا بين الاغتياظ والغضب بأن الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويوصف بالغضب من حيث كان الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه والغيظ تغير يلحق المغتاظ وذلك لا يصح إلا على الأجسام كالضحك والبكاء ثم إن الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه عاتبهم بعد رجوعه إليهم قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه ليس المراد من قوله: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ أنه تعالى خلق الكفر فيهم وإلا لما عاتبهم بل يجب أن يعاتب الله تعالى قال الأصحاب: وقد فعل ذلك بقوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ  ﴾ ومجموع تلك المعاتبات أمور.

أحدها: قوله: ﴿ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: قوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ ﴾ هذا الكلام إنما يتوجه عليهم لو كانوا معترفين بإله آخر سوى العجل أما لما اعتقدوا أنه لا إله سواه على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا هذا إلهكم وإله موسى كيف يتوجه عليهم هذا الكلام.

الجواب: أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي يذكره عبدة الأصنام.

السؤال الثاني: ما المراد بذلك الوعد الحسن.

الجواب: ذكروا وجوهاً: أحدها: أن المراد ما وعدهم من إنزال التوراة عليهم ليقفوا على الشرائع والأحكام ويحصل لهم بسبب ذلك مزية فيما بين الناس وهو الذي ذكره الله تعالى فيما تقدم من قوله: ﴿ وواعدناكم جَانِبَ الطور الأيمن  ﴾ .

وثانيها: أن الوعد الحسن هو الوعد الصدق بالثواب على الطاعات.

وثالثها: الوعد هو العهد وهو قول مجاهد وذلك العهد هو قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى  ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ اهتدى  ﴾ والدليل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فكأنه قال: أفنسيتم ذلك الذي قال الله لكم ولا تطغوا فيه.

ورابعها: الوعد الحسن هاهنا يحتمل أن يكون وعداً حسناً في منافع الدين وأن يكون في منافع الدنيا، أما منافع الدين فهو الوعد بإنزال الكتاب الشريف الهادي إلى الشرائع والأحكام والوعد بحصول الثواب العظيم في الآخرة.

وأما منافع الدنيا فهو أنه تعالى قبل إهلاك فرعون كان قد وعدهم أرضهم وديارهم، وقد فعل ذلك ثم قال: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فالمراد أفنسيتم ذلك العهد أم تعمدتم المعصية، واعلم أن طول العهد يحتمل أموراً: أحدها: أفطال عليكم العهد بنعم الله تعالى من إنجائه إياكم من فرعون وغير ذلك من النعم المعدودة المذكورة في أوائل سورة البقرة وهذا كقوله: ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

وثانيها: يروى أنهم عرفوا أن الأجل أربعون ليلة فجعلوا كل يوم بأزاء ليلة وردوه إلى عشرين.

قال القاضي: هذا ركيك لأن ذلك لا يكاد يشتبه على أحد.

وثالثها: أن موسى عليه السلام وعدهم ثلاثين ليلة فلما زاد الله تعالى فيها عشرة أخرى كان ذلك طول العهد، وأما قوله: ﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فهذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد ذلك ولكن المعصية لما كانت توجب ذلك، ومريد السبب مريد للمسبب بالعرض صح هذا الكلام واحتج العلماء بذلك على أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله تعالى لا تنزل في شيء من الأجسام.

أما قوله: ﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى ﴾ فهذا يدل على موعد كان منه عليه السلام مع القوم وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد ما وعدوه من اللحاق به والمجيء على أثره.

والثاني: ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور، فعند هذا قالوا: ﴿ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ وفي أن قائل هذا الجواب من هو وجهان: الأول: أنهم الذين لم يعبدوا العجل فكأنهم قالوا: إنا ما أخلفنا موعدك بملكنا أي بأمر كنا نملكه وقد يضيف الرجل فعل قريبه إلى نفسه كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر  ﴾ ، ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا  ﴾ وإن كان الفاعل لذلك آباءهم لا هم فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم لأنا خفنا أن يصير ذلك سبباً لوقوع التفرقة وزيادة الفتنة.

الوجه الثاني: أن هذا قول عبدة العجل والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا وفاعل السبب فاعل المسبب ومخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة فإنه كان كالمالك لنا.

فإن قيل: كيف يعقل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة العجل الذي يعرف فسادها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب رجوع موسى عليه السلام وحده إليهم، قلنا: هذا غير ممتنع في حق البله من الناس، واعلم أن في بملكنا ثلاث قراءات، قرأ حمزة والكسائي بضم الميم ونافع وعاصم بفتح الميم وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالكسر، أما الكسر والفتح فهما واحد وهما لغتان مثل رطل ورطل.

وأما الضم فهو السلطان، ثم إن القوم فسروا ذلك العذر المجمل فقالوا: ﴿ ولكنا حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر حملنا مخففة من الحمل وقرأ ابن كثير ونافع وحفص وابن عامر: حملنا مشددة، فمن قرأ بالتخفيف فمعناه حملنا مع أنفسنا ما كنا استعرناه من القوم ومن قرأ بالتشديد ففيه وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام حملهم على ذلك أي أمرهم باستعارة الحلي والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك.

وثانيها: جعلنا كالضامن لها إلى أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله.

وثالثها: أن الله تعالى حملهم ذلك على معنى أنه ألزمهم فيه حكم المغنم، أما الأوزار فهي الأثقال ومن ذلك سمي الذنب وزراً لأنه ثقل ثم فيه احتمالات.

أحدها: أنه لكثرتها كانت أثقالاً.

وثانيها: أن المغانم كانت محرمة عليهم فكان يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت أثقالاً.

وثالثها: المراد بالأوزار الآثام والمعنى حملنا آثاماً، روي في الخبر أن هارون عليه السلام قال: إنها نجسة فتطهروا منها، وقال السامري: إن موسى عليه السلام إنما احتبس عقوبة بالحلي فيجوز أن يكونوا أرادوا هذا القول.

وقد يقول الإنسان للشيء الذي يلزمه رده هذا كله إثم وذنب.

ورابعها: أن ذلك الحلي كان القبط يتزينون به في مجامع لهم يجري فيها الكفر لا جرم أنها وصفت بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي.

أما قوله: ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ فذكروا فيه وجوهاً في أنهم أين قذفوها؟

الوجه الأول: قذفوها في حفرة كان هارون عليه السلام أمرهم بجمع الحلي فيها انتظاراً لعود موسى عليه السلام.

والوجه الثاني: قذفوها في موضع أمرهم السامري بذلك.

الوجه الثالث: في موضع جمع فيه النار ثم قالوا: فكذلك ألقى السامري أي فعل السامري مثل ما فعلنا، أما قوله: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ فاختلفوا في أنه هل كان ذلك الجسد حياً أم لا؟

فالقول الأول: لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيها منافذ ومخارق بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوت يشبه صوت العجل.

والقول الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: قوله: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول  ﴾ ولو لم يصر حياً لما بقي لهذا الكلام فائدة.

وثانيها: أنه تعالى سماه عجلاً والعجل حقيقة في الحيوان وسماه جسداً وهو إنما يتناول الحي.

وثالثها: أثبت له الخوار وأجابوا عن حجة الأولين بأن ظهور خوارق العادة على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الإلتباس وهاهنا كذلك فوجب أن لا يمتنع، وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون عليه السلام مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟

فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي فقال: اللهم أعطه ما سأل فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار وعلى هذا التقدير يكون ذلك معجزاً للنبي، أما قوله: ﴿ فَقَالُواْ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ ففيه إشكال وهو أن القوم إن كانوا في الجهالة بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسموات والأرض فهم مجانين وليسوا بمكلفين ولأن مثل هذا الجنون على مثل ذلك الجمع العظيم محال وإن لم يعتقدوا ذلك فكيف قالوا: هذا إلهكم وإله موسى، وجوابه: لعلهم كانوا من الحلولية فجوزوا حلول الإله أو حلول صفة من صفاته في ذلك الجسم، وإن كان ذلك أيضاً في غاية البعد لأن ظهور الخوار لا يناسب الإلهية، ولكن لعل القوم كانوا في نهاية البلادة والجلافة، وأما قوله: فنسي ففيه وجوه: الأول: أنه كلام الله تعالى كأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لايحل في شيء ولا يحل فيه شيء ثم إنه سبحانه بين المعنى الذي يجب الاستدلال به وهو قوله: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ ألا يَرجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً ولا نفعاً ﴾ أي لم يخطر ببالهم أن من لا يتكلم ولا يضر ولا ينفع لا يكون إلهاً ولا يكون للإله تعلق به في الحالية والمحلية.

الوجه الثاني: أن هذا قول السامري وصف به موسى عليه السلام والمعنى أن هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى أن هذا هو الإله فذهب يطلبه في موضع آخر وهو قول الأكثرين.

الوجه الثالث: فنسي وقت الموعد في الرجوع أما قوله: ﴿ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ فهذا استدلال على عدم إلهيتها بأنها لا تتكلم ولا تنفع ولا تضر وهذا يدل على أن الإله لابد وأن يكون موصوفاً بهذه الصفات وهو كقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ وإن موسى عليه السلام في أكثر الأمر لا يعول إلا على دلائل إبراهيم عليه السلام بقي هاهنا بحثان.

البحث الأول: قال الزجاج: الاختيار أن لا يرجع بالرفع بمعنى أنه لا يرجع وهذا كقوله: ﴿ وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ  ﴾ بمعنى أنه لا تكون وقرئ بالنصب أيضاً على أن أن هذه هي الناصبة للأفعال.

البحث الثاني: هذه الآية تدل على وجوب النظر في معرفة الله تعالى وقال في آية أخرى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً  ﴾ وهو قريب في المعنى من قوله في ذم عبدة الأصنام: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا  ﴾ وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهاً لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، ولكن حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط.

الثالث: قال بعض اليهود لعلي عليه السلام: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم؟

فقال: إنما اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه، وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الأسف: الشديد الغضب.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في موت الفجأة: «رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر» وقيل: الحزين.

فإن قلت: متى رجع إلى قومه؟

قلت: بعد ما استوفى الأربعين: ذا القعدة وعشر ذي الحجة.

وعدهم الله سبحانه أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور، ولا وعد أحسن من ذاك وأجمل، حكي لنا أنها كانت ألف سورة كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملاً ﴿ العهد ﴾ الزمان، يريد: مدة مفارقته لهم.

يقال: طال عهدي بك، أي: طال زماني بسبب مفارقتك.

وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل ﴿ بِمَلْكِنَا ﴾ قرئ بالحركات الثلاث، أي: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخلينا وراءنا لما أخلفناه، ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده.

أي: حملنا أحمالاً من حليّ القبط التي استعرناها منهم.

أو أرادوا بالأوزار: أنها آثام وتبعات، لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب.

وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ في نار السامري، التي أوقدها من الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي وقرئ: ﴿ حملنا ﴾ ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامرى ﴾ أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوا.

وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطيء حيزوم فرس جبريل.

أوحى إليه وليه الشيطان أنها إذا خالطت مواتا صار حيواناً ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ ﴾ السامري من الحفرة عجلاً خلقه الله من الحليّ التي سبكتها النار يخور كما تخور العجاجيل.

فإن قلت: كيف أثرت تلك التربة في إحياء الموات؟

قلت: أما يصحّ أن يؤثر الله سبحانه روح القدس بهده الكرامة الخاصة كما آثره بغيرها من الكرامات.

وهي أن يباشر فرسه بحافره تربة إذا لاقت تلك التربة جماداً أنشأه الله إن شاء عند مباشرته حيواناً ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير أب عند نفخه في الدرع.

فإن قلت: فلم خلق الله العجل من الحليّ حتى صار فتنة لبني إسرائيل وضلالاً؟

قلت: ليس بأوّل محنة محن الله بها عباده ليثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين.

ومن عجب من خلق العجل، فليكن من خلق إبليس أعجب.

والمراد بقوله: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ ﴾ هو خلق العجل للامتحان، أي: امتحناهم بخلق العجل وحملهم السامري على الضلال، وأوقعهم فيه حين قال لهم: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فَنَسِىَ ﴾ أي: فنسي موسى أن يطلبه ههنا، وذهب يطلبه عند الطور.

أو فنسي السامري: أي ترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ﴾ بِأنْ مَلَكْنا أمَرَنا إذْ لَوْ خُلِّينا وأمْرُنا ولَمْ يُسَوِّلْ لَنا السّامِرِيُّ لَما أخْلَفْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ بِمَلْكِنا ﴾ بِالفَتْحِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ وثَلاثَتُها في الأصْلِ لُغاتٌ في مَصْدَرِ مَلَكْتُ الشَّيْءَ.

﴿ وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ ﴾ حَمَلْنا أحْمالًا مَن حُلِيِّ القِبْطِ الَّتِي اسْتَعَرْناها مِنهم حِينَ هَمَمْنا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ بِاسْمِ العُرْسِ.

وقِيلَ اسْتَعارُوا لِعِيدٍ كانَ لَهم، ثُمَّ لَمْ يَرُدُّوا عِنْدَ الخُرُوجِ مَخافَةَ أنْ يَعْلَمُوا بِهِ، وقِيلَ: هي ما ألْقاهُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ بَعْدَ إغْراقِهِمْ فَأخَذُوهُ ولَعَلَّهم سَمَّوْها أوْزارًا لِأنَّها آثامٌ، فَإنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ تَحُلُّ بَعْدُ أوْ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَأْمَنِينَ ولَيْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِ أنْ يَأْخُذَ مالَ الحَرْبِيِّ.

﴿ فَقَذَفْناها ﴾ أيْ في النّارِ.

﴿ فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ ﴾ أيْ ما كانَ مَعَهُ مِنها.

رَوِيَ أنَّهم لَمّا حَسِبُوا أنَّ العِدَّةَ قَدْ كَمُلَتْ قالَ لَهُمُ السّامِرِيَّ: إنَّما أخْلَفَ مُوسى مِيعادَكم لِما مَعَكم مَن حُلِيِّ القَوْمِ وهو حَرامٌ عَلَيْكم، فالرَّأْيُ أنْ نَحْفِرَ حَفِيرَةً ونَسْجُرَ فِيها نارًا ونَقْذِفُ كُلَّ ما مَعَنا فِيها فَفَعَلُوا.

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ورُوحُ ( حَمَلْنا ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ.

﴿ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا ﴾ مِن تِلْكَ الحُلِيِّ المُذابَةِ.

﴿ لَهُ خُوارٌ ﴾ صَوْتُ العِجْلِ.

﴿ فَقالُوا ﴾ يَعْنِي السّامِرِيَّ ومَنِ افْتُتِنَ بِهِ أوَّلَ ما رَآهُ.

﴿ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ ﴾ أيْ فَنَسِيَهُ مُوسى وذَهَبَ يَطْلُبُهُ عِنْدَ الطُّورِ، أوْ فَنَسِيَ السّامِرِيُّ أيْ تَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن إظْهارِ الإيمانِ.

﴿ أفَلا يَرَوْنَ ﴾ أفَلا يَعْلَمُونَ.

﴿ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ﴾ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَلامًا ولا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا.

وَقُرِئَ ( يَرْجِعَ ) بِالنَّصْبِ وفِيهِ ضَعْفٌ لِأنَّ أنَّ النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ اليَقِينِ.

﴿ وَلا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ ولا يَقْدِرُ عَلى إنْفاعِهِمْ وإضْرارِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ} لمن عبدوا العجل {هارون مِن قَبْلُ} من قبل رجوع موسى إليهم {يا قوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} ابتليتم بالعجل فلا تعبدوه {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن} لا العجل {فاتبعونى} كونوا على ديني الذي هو الحق {وَأَطِيعُواْ أَمْرِى} في ترك عبادة العجل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ ﴾ مَعَ ما بَعْدُ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ والتَّشْنِيعِ بِبَيانِ عُتُوِّهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الرَّسُولِ إثْرَ بَيانِ مُكابَرَتِهِمْ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ نَصَحَ لَهم هارُونُ ونَبَّهَهم عَلى كُنْهِ الأمْرِ مِن قَبْلِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ وخِطابِهِ إيّاهم بِما ذُكِرَ مِنَ المَقالاتِ، وإلى اعْتِبارِ المُضافِ إلَيْهِ قَبْلَ ما ذُكِرَ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ قَوْلِ السّامِرِيِّ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ ما أبْصَرَهُ حِينَ طَلَعَ مِنَ الحُفَيْرَةِ تَفَرَّسَ فِيهِما الِافْتِتانَ فَسارَعَ إلى تَحْذِيرِهِمْ، واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ وقالَ: هو أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى تَوْبِيخِهِمْ بِالإعْراضِ عَنْ دَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ في ( أفَلا يَرَوْنَ ) .

ولَقَدْ قالَ، واخْتارَ بَعْضُهُمِ الأوَّلَ وادَّعى أنَّ الجَوابَ يُؤَيِّدُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ في ذَلِكَ.

وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وجْهَيْنِ: كَوْنَها مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ﴾ وقالَ: إنَّ في إيثارِ المُضارِعِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ في ذِهْنِ السّامِعِ واسْتِدْعاءِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وكَوْنَها في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَرَوْنَ) مُقَرِّرَةً لِجِهَةِ الإنْكارِ أيْ أفَلا يَرَوْنَ والحالُ أنَّ هارُونَ نَبَّهَهم قَبْلَ ذَلِكَ عَلى كُنْهِ الأمْرِ، وقالَ لَهم: ﴿ يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ أوْقَعْتَهم في الفِتْنَةِ بِالعِجْلِ أوْ أضْلَلْتُمْ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ ﴿ إنَّما ﴾ في أغْلَبِ اسْتِعْمالاتِها إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ القَوْمُ لا إلى قَيْدِهِ المَذْكُورِ بِالقِياسِ إلى قَيْدٍ آخَرَ عَلى مَعْنى إنَّما فَعَلَ بِكُمُ الفِتْنَةَ لا الإرْشادَ إلى الحَقِّ لا عَلى مَعْنى إنَّما فُتِنْتُمْ بِالعِجْلِ لا بِغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَطْفًا عَلى (إنَّما) إلَخْ إرْشادٌ لَهم إلى الحَقِّ إثْرَ زَجْرِهِمْ عَنِ الباطِلِ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ لِلِاعْتِناءِ بِاسْتِمالَتِهِمْ إلى الحَقِّ.

وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِتَخْلِيصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ زَمانَ لَمْ يُوجَدِ العِجْلُ.

وكَذا عَلى ما قِيلَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مَتى تابُوا قَبْلَهم.

وتَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ وإنَّ رَبَّكُمُ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو الرَّحْمَنُ لا غَيْرَ.

وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ( وأنَّ رَبَّكم ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ والأمْرُ أنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما مَرَّ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ ولِأنَّ رَبَّكم إلَخْ وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقًا بِاتَّبِعُونِي.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( أنَّما ) ( وأنَّ رَبَّكم ) بِفَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ، وخُرِّجَ عَلى لُغَةِ سُلَيْمٍ حَيْثُ يَفْتَحُونَ هَمْزَةَ إنَّ بَعْدَ القَوْلِ مُطْلَقًا.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي في الثَّباتِ عَلى الدِّينِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ فاتَّبِعُونِي إلى الطُّورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ.

وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بِصَدَدِ الذَّهابِ إلى الطُّورِ ولَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ وما واعَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أُولَئِكَ المَفْتُونِينَ بِذَهابِهِمْ أنْفُسِهِمْ إلَيْهِ، وقِيلَ: - لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ- أيْ فاتَّبِعُونِي في الثَّباتِ عَلى الحَقِّ وأطِيعُوا أمْرِي هَذا وأعْرِضُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لِعِبادَةِ ما عَرَفْتُمْ أمْرَهُ أوْ كُفُّوا أنْفُسَكم عَنِ اعْتِقادِ أُلُوهِيَّتِهِ وعِبادَتِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا، يعني: ما تعمدنا ذلك.

قرأ حمزة والكسائي بِمَلْكِنا بضم الميم، يعني: ما فعلناه بسلطان كان لنا ولا قدرة.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بِمَلْكِنا بكسر الميم.

والملك ما حوته اليد.

وقرأ نافع وعاصم بِمَلْكِنا بنصب الميم وهو بمعنى الملك.

وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً، يعني: آثاماً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ، يعني: من حلي آل فرعون.

ويقال: أَوْزاراً يعني: أحمالا، فَقَذَفْناها يعني: فطرحناها في النار.

قرأ حمزة والكسائي، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر حُمِّلْنا بالنصب والتخفيف، وقرأ الباقون حُمِّلْنا بضم الحاء وتشديد الميم على فعل ما لم يُسم فاعله.

فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ يعني: ألقاها في النار كما ألقينا.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «كان السامري من أهل قرية يعبدون البقرة، فدخل في بني إسرائيل فأظهر الإسلام معهم وفي قلبه حب عبادة البقر، فابتلى الله عز وجل به بني إسرائيل فكشف له عن بصره، فرأى أثر فرس جبريل  فأخذ من أثرها.

وقد كان هارون قال لبني إسرائيل: إنكم قد تحملتم من حلي آل فرعون وأمتعتهم معكم، وهي نجسة فتطهروا منها، وأوقدوا لهم نارا ثم قل لهم: أحرقوها فيها.

فجعلوا يأتون بالحلي والأمتعة فيقذفونها في النار، فانسبك الحلي.

وأقبل السامري وفي يده تلك القبضة من أثر فرس الرسول يعني جبريل  فوقف فقال: يا نبي الله ألقها فيه؟

فقال: نعم، وهارون لا يظن إلا أنه من الحلي الذي يأتي به بنو إسرائيل، فقذفها فيه وقال: كن عجلا جسدا له خوار» وقال السدي: «جاء جبريل ليذهب بموسى إلى ربه عز وجل، وجبريل  على فرس، فبصر به السامري، ويقال: إن ذلك الفرس فرس الحياة، فأخذ قبضة من أثر حافر الفرس، فلما ألقى التراب في الحلي تفرّخ عجلا جسدا له خوار، فذلك قوله: فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى.

وقال بعضهم: كان السامري من بني إسرائيل وقد ولدته أمه في غار مخافة أن يذبح، فرباه جبريل  في الغار حتى كبر، فلما رأى جبريل على فرس الحياة، عرفه لأنه قد كان ربّاه في صغره.

فأخذ قبضة من تراب من أثر حافر فرسه، ثم ألقاها في جوف العجل، فصار عجلاً له خوار، يعني: صوت.

وقال مجاهد: خوار العجل كان هفيف الريح إذا دخلت جوفه، وهكذا روي عن علي بن أبي طالب، وإحدى الروايتين عن ابن عباس  أنه قال: «صار عجلاً له لحم ودم وخرج منه الصوت مرة واحدة» .

فقال: هذا إِلهُكُمْ، يعني: قال السامري وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ، يعني: أخطأ موسى الطريق.

وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: فَنَسِيَ يعني: «قال نسي موسى أن يخبركم بأنّ هذا إله، وقال قتادة: هذا إلهكم وإله موسى ولكن موسى نسي ربه عندكم.

قال الله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا؟

يعني: لم يكن لهم عقل يعلموا أنه لم يكن إلههم، حيث لا يكلمهم ولا يجيبهم.

وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً، يعني: لا يقدر على دفع مضرة، ولا جر منفعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قد قاربوا الموت، إلا أنّهم لا يُجْهز عليهم، ولا يجددُ عذابهم فهذا فرقُ ما بينهم وبين الكفار، وفي الحديث الصحيح: «أَنَّهُمْ يُمَاتُونَ فِيهَا إمَاتَةً» ، وهذا هو معناها لأنه لا موت في الآخرة: وتَزَكَّى معناه: أطاع اللَّهَ، وأخذَ بأَزْكَى الأُمور.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى هذا استئناف إخبارٍ عن شيء من أمر موسى، وباقي الآية بيِّنٌ، وقد تقدم ذكر ما يخصها من القصص.

وقوله تعالى: لاَ تَخافُ دَرَكاً أيْ: من فرعون، وجنودِهِ، وَلا تَخْشى غرقاً من البحر.

وقوله: مَا غَشِيَهُمْ إبهام أهول من النصّ وهذا كقوله: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى.

[النجم: ١٦] .

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ يريد: من أول أمره إلى هذه النهاية، وَما هَدى مقابل لقوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: ٢٩] .

وقوله عز وجل: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ ...

الآية، ظاهر هذه الآية: أنّ هذا القول قِيل لبني إسرائيل حينئذٍ عند حُلولِ النِّعم التي عددها اللهُ عليهم، ويحتمل أن تكون هذه المقالة خُوطِب بها مُعَاصِرُو النبي صلى الله عليه وسلّم، والمعنى: هذا فِعْلُنا بأسلافكم وتكون الآيةُ على هذا اعتراضاً في أثناء قصة موسى، والقصدُ به توبيخُ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفُهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبْين.

وقوله سبحانه: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ...

الآية، وقصص هذه الآية:

أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل، وغرّق فرعون، وعد بني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى، ويناجيه بما فيه صلاحهم، فلما أخذوا في السير، تعجل موسى عليه السلام ابتغاء مَرضَاةِ ربِّه، حَسْبما يأتِي بعدُ.

وقرأ جمهورُ الناس «١» : «فيَحِلّ» بكسر الحاء، «ويَحْلِلْ» بكسر اللام.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿ قالَ هم أُولاءِ ﴾ ؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿ عَلى أثَرِي ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.

والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي.

﴿ وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ﴾ ؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿ وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ ﴾ ؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ.

وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا ﴾ ؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم.

.

.

﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ  ﴾ .

والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ ﴾ ؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿ فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴾ ؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ.

﴿ قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ.

والثّانِي: عابِدُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً.

والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ.

فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ.

وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا.

والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ.

وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ.

وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا.

فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ.

وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ.

والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمُ غَضَبٌ مِن رَبُّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي  ﴾ ﴿ قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ ﴾ ﴿ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ﴾ وبَخَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَوْمَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ، و"الوَعْدُ الحَسَنُ" هو ما وعَدَهم مِنَ الوُصُولِ إلى جانِبِ الطَوْرِ الأيْمَنِ، وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفُتُوحِ في الأرْضِ، والمَغْفِرَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ أهْلَ طاعَتِهِ.

وقَوْلُهُ: وعْدًا، إمّا أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ، والمَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَوْعُودِ، ويَكُونُ هو المَفْعُولُ الثانِي بِعَيْنِهِ.

ثُمْ وقَّفَهم عَلى أعْذارٍ لَمْ تَكُنْ ولا تَصِحُّ لَهُمْ، وهي طُولُ العَهْدِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم خُلْفٌ في المَوْعِدِ.

وإرادَةُ غَضَبِ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ، ولَكِنَّهم عَمِلُوا عَمَلَ مَن لَمْ يَتَدَيَّنْ.

وسُمِّيَ العَذابُ غَضَبًا مِن حَيْثُ هو ناشِئٌ عَنِ الغَضَبِ، والغَضَبُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ جُعِلَ ظُهُورُ النِقْمَةِ والعِقابِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، فَهو مِنَ التَرَدُّدِ بَيْنَ الحالَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ: "بِمَلْكِنا" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِمُلْكِنا" بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "بِمِلْكِنا" بِكَسْرِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ لُغاتٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ظاهِرُ الكَلامِ أنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، ولَكِنَّ أبا عَلِيٍّ - وغَيْرَهُ - قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَعانِيها، فَأمّا ضَمُّ المِيمِ فَمَعْناهُ - عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ - لَمْ يَكُنْ لَنا مَلِكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ بِقُوَّتِهِ وسُلْطانِهِ، وإنَّما أخْلَفْناهُ بِنَظَرٍ أدّى إلَيْهِ ما فَعَلَ السامِرِيُّ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ لَهم مَلِكًا، وإنَّما هو كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: يَشْتَكِي سَقْطَةً مِنها وقَدْ رَقَصَتْ بِها المَفاوِزُ حَتّى ظَهْرَها حَدَبٌ أيْ: لا يَكُونُ مِنها سَقْطَةٌ فَتَشْتَكِي، قالَ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا  ﴾ ، أيْ: لَيْسَ مِنهم سُؤالٌ فَيَكُونُ مِنهم إلْحافٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ مِن قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ، وإنَّما مَشى في ذَلِكَ أثَرَ الزُجاجِ دُونَ تَعَقُّبٍ، وقَدْ شَرَحْتُ هَذا المَعْنى في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا  ﴾ ، وتَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الأمْثِلَةِ لِأنَّهم لَمْ يَرْفَعُوا الِاخْتِلافَ، والأمْثِلَةُ فِيها رَفْعُ الوَجْهَيْنِ.

وَأمّا فَتْحُ المِيمِ فَهو مَصْدَرٌ مِن مَلِكِ، والمَعْنى: ما فَعَلْنا ذَلِكَ بِأنّا مَلَكْنا الصَوابَ ولا وُفِّقْنا لَهُ، بَلْ غَلَبَتْنا أنْفُسُنا.

وأمّا كَسْرُ المِيمِ فَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما تَحُوزُهُ اليَدُ، ولَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الَّتِي يُبْرِمُها الإنْسانُ، ومَعْناها كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها.

والمَصْدَرُ مُضافٌ في الوَجْهَيْنِ إلى الفاعِلِ.

والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، أيْ: بِمِلْكِنا الصَوابَ، وهَذا كَما قَدْ يُضافُ أحْيانًا إلى المَفْعُولِ والفاعِلِ مُقَدَّرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن دُعاءِ الخَيْرِ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "حُمِّلْنا" بِضَمِّ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حَمَلْنا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ.

و"الأوزارُ": الأثْقالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التَسْمِيَةُ مِن حَيْثُ هي ثَقِيلَةُ الأجْرامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن حَيْثُ تَأْثَمُوا في قَذْفِها وظَهَرَ لَهم أنَّ ذَلِكَ هو الحَقُّ فَكانَتْ آثامًا لِمَن حَمَلَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ ﴾ أيْ: فَكَما قَذَفْنا نَحْنُ فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ ما كانَ بِيَدِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الألْفاظُ تَقْتَضِي أنَّ العِجْلَ لَمْ يَصُغْهُ السامِرِيُّ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِعْلِ السامِرِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا ﴾ ، ومَعْنى "جَسَدًا" أيْ شَخْصًا لا رُوحَ فِيهِ، وقِيلَ: مَعْنى "جَسَدًا": لا يَتَغَذّى، و"الخُوارُ": صَوْتُ البَقَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَذا العِجْلُ يَخُورُ ويَمْشِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَكَذا تَكُونُ الفِتْنَةُ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ خُوارُهُ بِالرِيحِ، كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ فَيُصَوِّتُ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون اعتراضاً وليس من حكاية كلام القوم، فهو معترض بين جملة ﴿ فكذلك ألقى السامريّ ﴾ [طه: 87] وجملة ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألاّ تتبعن ﴾ [طه: 92، 93] الخ، فتكون الفاء لتفريع كلاممِ متكلممٍ على كلام غيره، أي لتفريع الإخبار لا لتفريع المخبر به، والمخبِر متعدد.

ويجوز أن يكون من حكاية كلام الذين تصدّوا لخطاب موسى عليه السلام من بين قومه وهم كبراؤهم وصلحاؤهم ليعلم أنهم على بصيرة من التوحيد.

والاستفهام: إنكاري، نزلوا منزلة من لا يرى العجل لعدم جَرْيهم على موجَب البصر، فأُنكر عليهم عدم رؤيتهم ذلك مع ظهوره، أي كيف يدّعون الإلهية للعجل وهم يرون أنه لا يتكلم ولا يستطيع نفعاً ولا ضراً.

والرؤية هنا بصرية مكنى بها أو مستعملةً في مطلق الإدراك فآلت إلى معنى الاعتقاد والعلم، ولا سيما بالنسبة لجملة ﴿ ولاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَراً ولا نَفْعاً ﴾ فإن ذلك لا يُرى بالبصر بخلاف ومعنى يَرْجِعُ} يَرُدّ، أي يجيب القول، لأن ذلك محل العبرة من فقدانه صفات العاقل لأنهم يَدْعُونه ويُثنون عليه ويمجدونه وهو ساكت لا يشكر لهم ولا يَعِدهم باستجابة، وشأن الكامل إذا سمع ثناء أو تلقّى طِلبة أن يجيب.

ولا شك أن في ذلك الجمع العظيم من هو بحاجة إلى جلب نفع أو دفع ضرّ، وأنهم يسألونه ذلك فلم يجدوا ما فيه نفعهم أو دفع ضر عنهم مثل ضر عدّو أو مرض.

فهم قد شاهدوا عدم غنائه عنهم، ولأن شواهد حاله من عدم التحرك شاهدة بأنه عاجز عن أن ينفع أو يضر، فلذلك سلط الإنكار على عدم الرؤية لأنّ حاله مما يُرى.

ولامَ ﴿ لَهُمْ ﴾ متعلّق ب ﴿ يَمْلِكُ ﴾ الذي هو في معنى يستطيع كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً ﴾ في سورة العقود.

(76).

وقدم الضرّ على النفع قطعاً لعُذرهم في اعتقاد إلهيته، لأن عذر الخائف من الضرّ أقوى من عذر الراغب في النفع.

و (أنْ) في قوله ألاَّ يَرْجِعُ} مخفّفة من (أنّ) المفتوحة المشددة واسمها ضمير شأن محذوف، والجملة المذكورة بعدها هي الخبر، ف {يرجعُ مرفوع باتفاق القراءات ما عدا قراءات شاذة.

وليست (أنْ) مصدرية لأن (أن) المصدرية لا تقع بعد أفعال العلم ولا بعد أفعال الإدراك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأسَفَ أشَدُّ الغَضَبِ.

الثّانِي: الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الجَزَعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُتَنَدِّمُ.

الخامِسُ: أنَّهُ المُتَحَسِّرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وعَدَكُمُ النَّصْرَ والظَّفَرَ.

الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ ﴾ الآيَةِ.

الثّالِثُ: التَّوْراةُ فِيها هُدًى ونُورٌ لِيَعْمَلُوا بِما فِيها فَيَسْتَحِقُّوا ثَوابَ عَمَلِهِمْ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما وعَدَهم بِهِ في الآخِرَةِ عَلى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهم عَلى أثَرِهِ لِلْمِيقاتِ فَتَوَقَّفُوا.

﴿ قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ ذَلِكَ لِلْبَلِيَّةِ الَّتِي وقَعَتْ بِنا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: لَمْ يَمْلِكِ المُؤْمِنُونَ مَنعَ السُّفَهاءِ مِن ذَلِكَ، والمَوْعِدُ الَّذِي أخْلَفُوهُ أنْ وعْدَهم أرْبَعِينَ فَعَدُّوا الأرْبَعِينَ عِشْرِينَ يَوْمًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً وظَنُّوا أنَّهم قَدِ اسْتَكْمَلُوا المِيعادَ، وأسْعَدَهُمُ السّامِرِيُّ أنَّهم قَدِ اسْتَكْمَلُوهُ.

﴿ وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ ﴾ أيْ حُمِّلْنا مِن حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ مُوسى أمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا مِن حُلِيِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

وَقِيلَ: جُعِلَتْ حَمْلًا.

والأوْزارُ: الأثْقالُ، فاحْتُمِلَ ذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرادَ بِها أثْقالُ الذُّنُوبِ لِأنَّهم قَدْ كانَ عِنْدَهم غُلُولٌ.

الثّانِي: أنْ يُرادَ أثْقالُ الحَمْلِ لِأنَّهُ أثْقَلَهم وأثْقَلَ أرْجُلَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ ﴾ الآيَةِ.

قالَ قَتادَةُ.

أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهم حِينَ اسْتَبْطَأ القَوْمُ مُوسى: إنَّما احْتُبِسَ عَلَيْكم مِن أجْلِ ما عِنْدَكم مِنَ الحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ ورَفَعُوهُ لِلسّامِرِيِّ، فَصاغَ مِنهُ عِجْلًا، ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِ قَبْضَةً قَبَضَها مِن أثَرِ الرَّسُولِ وهو جِبْرِيلُ، وقالَ مَعْمَرٌ: الفَرَسُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هو الحَياةُ فَلَمّا ألْقى القَبْضَةَ عَلَيْهِ صارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ.

والخُوارُ صَوْتُ الثَّوْرِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صَوْتُ حَياةٍ خَلَقَهُ؛ لِأنَّ العِجْلَ المُصاغَ انْقَلَبَ بِالقَبْضَةِ الَّتِي مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَصارَ حَيَوانًا حَيًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خارَ العِجْلُ خَوْرَةً واحِدَةً لَمْ يُتْبِعْها مِثْلَها.

الثّانِي: أنَّ خُوارَهُ وصَوْتَهُ كانَ بِالرِّيحِ؛ لِأنَّهُ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا، فَإذا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِيهِ خارَ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ حَياةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ﴾ يَعْنِي أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لِقَوْمِ مُوسى بَعْدَ فَراغِهِ مِنَ العِجْلِ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، يَعْنِي لِيُسْرِعُوا إلى عِبادَتِهِ.

﴿ فَنَسِيَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إسْلامَهُ وإيمانَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ قالَ لَهُمْ: قَدْ نَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: فَنَسِيَ أنَّ قَوْمَهُ لا يُصَدِّقُونَهُ في عِبادَةِ عِجْلٍ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّ مُوسى نَسِيَ أنَّ قَوْمَهُ قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ﴾ يَعْنِي أفَلا يَرى بَنُو إسْرائِيلَ أنَّ العِجْلَ الَّذِي عَبَدُوهُ لا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا.

﴿ وَلا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ ؟

فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا.

قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا مَضى مِن مَوْعِدِ مُوسى خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ يَوْمًا أمَرَ السّامِرِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْمَعُوا ما اسْتَعارُوهُ مِن حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ، وصاغَهُ عِجْلًا في السّادِسِ والثَّلاثِينَ والسّابِعِ والثّامِنِ ودَعاهم إلى عِبادَةِ العِجْلِ في التّاسِعِ فَأجابُوهُ، وجاءَهم مُوسى بَعْدَ اسْتِكْمالِ الأرْبَعِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة: أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة فقالوا لفرعون: إن يكونا هذان ساحرين، فإنا نغلبهم، فإنه لا أسحر منا، وإن كان من رب العالمين، فلما كان من أمرهم ﴿ خروا سجداً ﴾ أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها قالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ إلى قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن القاسم بن أبي بزة قال: لما وقعوا سجداً رأوا أهل النار، وأهل الجنة وثواب أهليهما فقالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالعوماء، وقال: علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض.

قال ابن عباس: فهم من الذين قالوا: ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ قال: خير منك أن أطيع وأبقى منك عذاباً إن عصي.

وأخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية ﴿ إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهلها الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السبيل والله أعلم» .

وأخرج الطبراني، عن أبي الدرداء، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاث من كن فيه، لم ينل الدرجات العلى: من تكهن، أو استقسم، أو رده من سفره طيرة» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب، عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان وصلة لأخيه إلى سلطان في مبلغ بر، أو مدفع مكروه، رفعه الله في الدرجات» .

وأخرج ابن المبارك في الزهد وأبو نعيم في الحلية، عن عون بن عبد الله قال: إن الله ليدخل خلقاً الجنة فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في ﴿ الدرجات العلى ﴾ فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون: يا ربنا إخواننا كنا معهم فبم فضلتهم علينا؟

فيقال: هيهات..

!

إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويستحصون حين تختصون.

وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عمير قال: إن الرجل وعبده يدخلان الجنة، فيكون عبده أرفع درجة منه، فيقول: يا رب هذا كان عبدي في الدنيا؟!

فيقال: إنه كان أكثر ذكراً لله تعالى منك.

وأخرج أبو داود وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الذري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم وانعما» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: من قبل أن يأتي موسى، وذلك أنه لما رأى ما وقعوا فيه قال لهم: ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (ضللتم به) (١) (٢) ﴿ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ﴾ لا العجل ﴿ فَاتَّبِعُونِي ﴾ في عبادته ﴿ وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴾ ولا أمر السامري، فعصوه.

(١) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 236 بدون نسبة.

(٢) "جامع البيان" 16/ 202، "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 78، "زاد المسير" 5/ 315، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 236.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً ﴾ معناه لا يردّ عليهم كلاماً إذا كلموه وذلك ردّ عليهم في دعوى الربوبية له، وقرئ ﴿ يَرْجِعُ ﴾ بالرفع، وأن مخففة من الثقيلة، وبالنصب وهي مصدرية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: إن موسى - صلوات الله عليه - خرج بنفر من قومه إلى الجبل؛ ليأخذ التوراة، فجعل حتى خلفهم وتركهم وراءه، فعند ذلك قال له ربه: ﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

وقال بعضهم: لم يخرج بنفر، ولكن خرج وحده وترك قومه، فأصابهم ما أصاب من الافتتان بالعجل الذي اتخذه السامري.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي ﴾ .

هذا على التأويل الأول، أي: هم يجيئون على أثري.

وعلى التأويل الثاني، أي: تركتهم على ديني وسبيلي، وهو قول الحسن وقتادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ .

أي: عجلت إليك ربّ فيما دعوتني إجابة وطاعة فيما أمرتني؛ لترضى، هذا على التأويل الذي قال: إنه خرج وحده.

وعلى التأويل الذي يقول: إنه خرج بنفر يقول - والله أعلم -: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ ؛ إذ لم يكن لي سبب ولا معنى يمنعني عن الإسراع إلى ما دعوتني وأمرتني.

وهكذا عندنا أن من لزمه أمر الله وفرضه، لزمه الإسراع والعجلة إلى القيام بأدائه، إذا لم يكن هناك سبب يمنعه عن التعجيل له والقيام به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ .

الفتنة: هي المحنة التي فيها شدائد وبلايا، ومعنى الافتتان هاهنا: هو ما فتنهم بالعجل الذي اتخذه السامري، جعله جسداً بدم ولحم على ما ذكر، ونفخ فيه الروح، وجعل له خوار، فذلك معنى الافتتان منه إياهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ .

أضاف الإضلال إلى السامري؛ لأنه كان سبب إضلالهم حيث اتخذ لهم العجل، ودعاهم إلى عبادته، وقال: ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ ﴾ ، فأضاف الإضلال إليه؛ لما ذكرنا من دعائه إليه والسبب الذي كان منه، وإلا لم يكن لأحد إضلال أحد، وأضاف الافتتان إلى نفسه؛ لما ذكرنا من جعل العجل جسداني من لحم ودم وروحاني.

فإن قيل: ما معنى إجراء ما أجري على يدي السامري مع ضلالة من الآية؟

قيل: هو - والله أعلم - أنه لو ادعى لنفسه الرسالة، لكان لا يتهيأ له ذلك، لكنه إنما ادعى أنه إله وآثار العبودية فيه ظاهرة قائمة يعرف كل أحد أنه ليس بإله، وأما الرسالة فإنه يجوز أن تشتبه على الناس وتلتبس عليهم، فيمنع الله - عز وجل - من ليس برسول إذا ادعى الرسالة إقامة دلالة الرسالة لاشتباهها على الناس، وأما الألوهية فلا يمنع عن إجراء ذلك؛ لأن آثار العبودة وأعلام العجز فيها ظاهرة يعرفها كل أحد.

وهكذا من أتى [أهل] قرية لم يبلغهم هذا القرآن فقرأ هذا القرآن وقال: إني رسول الله إليكم [لم] يقدره الله على قراءته، ولو ادعى الربوبية لم يمنع؛ لأن آثار العجز عن إتيان مثله ظاهرة وفي الرسالة لا؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ .

والأسف: هو النهاية في الغضب، والنهاية في الحزن، وهكذا جبل الله رسله وأنشأهم على نهاية الغضب لله والأسف له عند معاينتهم الخلاف لله والتكذيب له؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 3]، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ .

على تأويل الحسن: وعداً حسناً، هو الثواب الذي وعد لهم بالدين والسبيل.

﴿ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي ﴾ ، أي: على ديني وسبيلي.

وقال بعضهم: ﴿ وَعْداً حَسَناً ﴾ أي: عدلا وصدقا؛ حيث وعد لهم أنه يرجع إليهم عند رأس أربعين أو ثلاثين ليلة، على ما ذكر - عز وجل -: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ ﴾ على تأويل الحسن: أفطال عليكم عهد ما وعد لكم من دون الثواب والجزاء على دينه وسبيله حتى نسيتم ذلك.

وعلى تأويل من قال: إن الوعد هو ما وعد أنه يرجع إليهم على رأس كذا يقول: أفطال عليكم ومضى وعدي حتى فعلتم ما فعلتم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أي: أم تعمدتم الخلاف فيحل عليكم غضب من ربكم.

﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي ﴾ يحتمل الموعد الوجهين اللذين ذكرناهما فيما مضى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ برفع الميم وكسره: فمن قرأه (بِمُلْكِنَا) برفع الميم، أي: بسلطاننا وطاقتنا، أي: لم نفعل بسلطاننا وطاقتنا.

ومن قرأه: (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم [أي]: بما ملكت أيدينا.

وقال الكسائي: من قرأ (بِمُلْكِنَا)، معناه: بسلطاننا، ومن قرأه: (بِمَلْكِنَا) بكسر الميم ونصبه معناهما: وهو ما ملكت أيدينا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ .

قيل: أثقالا من زينة القوم، أي: من حلي القبط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ ، أي: قذفنا ما حملنا من حليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ .

أي: كذلك قذف ما حمل السامري من حليهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ ما أخذ من قبضته من أثر الرسول؛ كقوله: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ .

أي: عجلا جسده جسد عجل، وليس هو بعجل في الحقيقة.

وقال بعضهم: عجلا جسداً لا يتعيش كما يتعيش العجل المولود من البقر، والأول أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ﴾ .

هذا القول إنما قاله السامري.

وقوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ قال بعضهم: نسي السامري حيث قال لهم: هذا إلهكم فنسي هذا القول، فيكون النسيان على هذا التأويل التضييع والترك؛ كأنه قال: ضيع السامري بعد ما علم وعرف رب العالمين ونسب الألوهية إلى العجل.

وقال بعضهم: إن السامري لما قال: هذا إلهكم وإله موسى، لكن موسى نسي هذا حيث خرج في طلب غيره، ولا يحتمل أن يقبلوا هذا القول منه، ويجعلوا العجل الذي اتخذه السامري إلها، وقد علموا أنه إنما اتخذه من حلي حملوه من القبط، لكنه كان في عقدهم أنه يجوز اتخاذ إله دون إله رب العالمين والعبادة له؛ رجاء أن تقرب عبادتهم تلك الآلهة إلى الله، وعلى هذا كانوا يعبدون الأصنام دون الله؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكذلك قالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وكذلك ما اتخذ لهم فرعون من آلهة عبدوها دونه، وإلا لم يحتمل أن يقع عندهم أن رب العالمين هو ذلك العجل، لكنه ما ذكرنا أنهم كانوا يستجيزون في اعتقادهم عبادة من دونه، فقال عند ذلك ورد عليهم اعتقادهم فقال: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ، أي: ألا يرون أن لا إذن في عبادة من يرجع إليه القول ويملك النفع والضر وهو البشر، فكيف أذن في عبادة من لا يملك شيئاً من ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد قال لهم هارون قبل رجوع موسى إليهم: ما في صياغة العجل من الذهب وخُوَارِه إلا اختبار لكم ليظهر المؤمن من الكافر، وإن ربّكم -يا قوم- هو من يملك الرحمة لا من لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا فضلًا عن أن يرحمكم، فاتبعوني في عبادته وحده, وأطيعوا أمري بترك عبادة غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.yDZlB"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله