الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٩٧ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 129 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٩٧ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ) أي : كما أخذت ومسست ما لم يكن أخذه ومسه من أثر الرسول ، فعقوبتك في الدنيا أن تقول : " لا مساس " أي : لا تماس الناس ولا يمسونك .
( وإن لك موعدا ) أي : يوم القيامة ، ( لن تخلفه ) أي : لا محيد لك عنه .
وقال قتادة : ( أن تقول لا مساس ) قال : عقوبة لهم ، وبقاياهم اليوم يقولون : لا مساس .
وقوله : ( وإن لك موعدا لن تخلفه ) قال الحسن ، وقتادة ، وأبو نهيك : لن تغيب عنه .
وقوله : ( وانظر إلى إلهك ) أي : معبودك ، ( الذي ظلت عليه عاكفا ) أي : أقمت على عبادته ، يعني : العجل ( لنحرقنه ) قال الضحاك عن ابن عباس ، والسدي : سحله بالمبارد ، وألقاه على النار .
وقال قتادة : استحال العجل من الذهب لحما ودما ، فحرقه بالنار ، ثم ألقاه ، أي : رماده في البحر; ولهذا قال : ( ثم لننسفنه في اليم نسفا ) .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : إن موسى لما تعجل إلى ربه ، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل ، ثم صوره عجلا قال : فعمد موسى إلى العجل ، فوضع عليه المبارد ، فبرده بها ، وهو على شط نهر ، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب .
فقالوا لموسى : ما توبتنا ؟
قال : يقتل بعضكم بعضا .
وهكذا قال السدي : وقد تقدم في تفسير سورة " البقرة " ثم في حديث " الفتون " بسط ذلك .
وقوله ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) يقول: قال السامريّ: علمت ما لم يعلموه، وهو فعلت من البصيرة: أي صرت بما عملت بصيرا عالما.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: لما قتل فرعون الولدان قالت أمّ السامريّ: لو نحيته عني حتى لا أراه، ولا أدري قتله، فجعلته في غار، فأتى جبرائيل، فجعل كفّ نفسه في فيه، فجعل يُرضعه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قال: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ).
وقال آخرون: هي بمعنى: أبصرت ما لم يبصروه، وقالوا: يقال: بصرت بالشيء وأبصرته، كما يقال: أسرعت وسرعت ما شئت.
* ذكر من قال: هو بمعنى أبصرت: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) يعني فرس جبرائيل عليه السلام.
وقوله ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) يقول: قبضت قبضة من أثر حافر فرس جبرائيل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قذفت بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آل فرعون في النار، وتكسرت، ورأى السامري أثر فرس جبرائيل عليه السلام، فأخذ ترابا من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار فقذفه فيها، وقال: كن عجلا جسدا له خوار، فكان للبلاء والفتنة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قبض قبضة من أثر جبرائيل، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا ) قال: من تحت حافر فرس جبرائيل، نبذه السامريّ على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار، حفيف الريح فيه فهو خواره، والعجل: ولد البقرة.
واختلف القرّاء في قراءة هذين الحرفين، فقرأته عامَّة قرّاء المدينة والبصرة ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) بالياء، بمعنى: قال السامريّ بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل.
وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) بالتاء على وجه المخاطبة لموسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بمعنى: قال السامريّ لموسى: بصرت بما لم تبصر به أنت وأصحابك.
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء مع صحة معنى كل واحدة منهما، وذلك أنه جائز أن يكون السامريّ رأى جبرائيل، فكان عنده ما كان بأن حدثته نفسه بذلك أو بغير ذلك من الأسباب، أن تراب حافر فرسه الذي كان عليه يصلح لما حدث عنه حين نبذه في جوف العجل، ولم يكن علم ذلك عند موسى، ولا عند أصحابه من بني إسرائيل، فلذلك قال لموسى ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) أي علمت بما لم تعلموا به.
وأما إذا قرئ(بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) بالياء، فلا مؤنة فيه، لأنه معلوم أن بني إسرائيل لم يعلموا ما الذي يصلح له ذلك التراب.
وأما قوله ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) فإن قرّاء الأمصار على قراءته بالضاد، بمعنى: فأخذت بكفي ترابا من تراب أثر فرس الرسول.
ورُوي عن الحسن البصري وقَتادة ما حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عباد بن عوف، عن الحسن أنه قرأها( فَقَبَصْتُ قَبْصَةً ) بالصاد.
وحدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عباد، عن قَتادة مثل ذلك بالصاد بمعنى: أخذت بأصابعي من تراب أثر فرس الرسول، والقبضة عند العرب: الأخذ بالكفّ كلها، والقبصة: الأخذ بأطراف الأصابع.
وقوله (فَنَبَذْتُها) يقول: فألقيتها( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) يقول: وكما فعلت من إلقائي القبضة التي قبضت من أثر الفرس على الحلية التي أوقد عليها حتى انسبكت فصارت عجلا جسدا له خوار ، ( سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) يقول: زينت لي نفسي أن يكون ذلك كذلك.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) قال: كذلك حدثتني نفسي.
قوله تعالى : قال فاذهب أي قال له موسى فاذهب أي من بيننا فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس أي لا أمس ولا أمس طول الحياة .
فنفاه موسى عن قومه وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له .
قال الشاعر :تميم كرهط السامري وقوله ألا لا يريد السامري مساساقال الحسن : جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه عقوبة له ولمن كان منه إلى يوم القيامة ؛ وكأن الله - عز وجل - شدد عليه المحنة ، بأن جعله لا يماس أحدا ولا يمكن من أن يمسه أحد ، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا .
ويقال : ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت .
وقال قتادة : بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك - لا مساس - وإن مس واحد من غيرهم أحدا منهم حم كلاهما في الوقت .
ويقال : إن موسى هم بقتل السامري ، فقال الله تعالى له : لا تقتله فإنه سخي .
ويقال لما قال له موسى : فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحشي ، لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار كالقائل لا مساس ؛ لبعده عن الناس وبعد الناس عنه ؛ كما قال الشاعر :حمال رايات بها قناعسا حتى تقول الأزد لا مساسامسألة : هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا ، وقد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بكعب بن مالك والثلاثة الذين خلفوا .
ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل [ ص: 155 ] لا يقتل عند بعض الفقهاء ، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى ، وهو إرهاق إلى الخروج .
ومن هذا القبيل التغريب في حد الزنا ، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه ، فلا معنى لإعادته .
والحمد لله وحده .
وقال هارون القارئ : ولغة العرب لا مساس بكسر السين وفتح الميم ، وقد تكلم النحويون فيه ؛ فقال سيبويه : هو مبني على الكسر كما يقال اضرب الرجل .
وقال أبو إسحاق : لا مساس نفي وكسرت السين لأن الكسرة من علامة التأنيث ؛ تقول فعلت يا امرأة .
قال النحاس وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : إذا اعتل الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبنى ، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف ؛ لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء ؛ فمساس ودراك اعتل من ثلاث جهات : منها أنه معدول ، ومنها أنه مؤنث ، وأنه معرفة ؛ فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين ؛ كما تقول اضرب الرجل .
ورأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن هذا القول خطأ ، وألزم أبا العباس إذا سمى امرأة بفرعون يبنيه ، وهذا لا يقوله أحد .
وقال الجوهري في الصحاح : وأما قول العرب لا مساس مثال قطام فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المس .
وقرأ أبو حيوة ( لا مساس ) .
وإن لك موعدا لن تخلفه يعني يوم القيامة .
والموعد مصدر ؛ أي إن لك وعدا لعذابك .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( تخلفه ) بكسر اللام وله معنيان : أحدهما : ستأتيه ولن تجده مخلفا ؛ كما تقول : أحمدته أي وجدته محمودا .
والثاني : على التهديد أي لا بد لك من أن تصير إليه .
والباقون بفتح اللام ؛ بمعنى : إن الله لن يخلفك إياه .قوله تعالى : وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا أي دمت وأقمت عليه .
عاكفا أي ملازما .
وأصله ظللت ؛ قال :خلا أن العتاق من المطايا أحسن به فهن إليه شوشأي أحسسن .
وكذلك قرأ الأعمش بلامين على الأصل .
وفي قراءة ابن مسعود ( ظلت ) بكسر الظاء .
يقال : ظللت أفعل كذا إذا فعلته نهارا وظلت وظلت ؛ فمن قال : ظلت حذف اللام الأولى تخفيفا ؛ ومن قال ظلت ألقى حركة اللام على الظاء .
لنحرقنه قراءة العامة بضم النون وشد الراء من حرق يحرق .
وقرأ الحسن وغيره بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه .
وقرأ علي وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب العقيلي ( لنحرقنه ) بفتح النون وضم الراء خفيفة ، من حرقت الشيء أحرقه حرقا بردته وحككت بعضه ببعض ، ومنه قولهم : حرق نابه يحرقه ويحرقه أي سحقه حتى سمع له صريف ؛ فمعنى هذه [ ص: 156 ] القراءة لنبردنه بالمبارد ، ويقال للمبرد المحرق .
والقراءتان الأوليان معناهما الحرق بالنار .
وقد يمكن جمع ذلك فيه ؛ قال السدي : ذبح العجل فسال منه كما يسيل من العجل إذا ذبح ، ثم برد عظامه بالمبرد وحرقه وفي حرف ابن مسعود ( لنذبحنه ثم لنحرقنه ) واللحم والدم إذا أحرقا صارا رمادا فيمكن تذريته في اليم فأما الذهب فلا يصير رمادا وقيل عرف موسى ما صير به الذهب رمادا ، وكان ذلك من آياته .ومعنى لننسفنه لنطيرنه .
وقرأ أبو رجاء ( لننسفنه ) بضم السين لغتان ، والنسف نفض الشيء ليذهب به الريح وهو التذرية ، والمنسف ما ينسف به الطعام ؛ وهو شيء متصوب الصدر أعلاه مرتفع ، والنسافة ما يسقط منه ؛ يقال : اعزل النسافة وكل من الخالص .
ويقال : أتانا فلان كأن لحيته منسف ؛ حكاه أبو نصر أحمد بن حاتم .
والمنسفة آلة يقلع بها البناء ، ونسفت البناء نسفا قلعته ، ونسف البعير الكلأ ينسفه بالكسر إذا اقتلعه بأصله ، وانتسفت الشيء اقتلعته ؛ عن أبي زيد .
فقال له موسى: { فَاذْهَبْ } أي: تباعد عني واستأخر مني { فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ } أي: تعاقب في الحياة عقوبة، لا يدنو منك أحد، ولا يمسك أحد، حتى إن من أراد القرب منك، قلت له: لا تمسني، ولا تقرب مني، عقوبة على ذلك، حيث مس ما لم يمسه غيره، وأجرى ما لم يجره أحد، { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } فتجازى بعملك، من خير وشر، { وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } أي: العجل { لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا } ففعل موسى ذلك، فلو كان إلها، لامتنع ممن يريده بأذى ويسعى له بالإتلاف، وكان قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل، فأراد موسى عليه السلام إتلافه وهم ينظرون، على وجه لا تمكن إعادته بالإحراق والسحق وذريه في اليم ونسفه، ليزول ما في قلوبهم من حبه، كما زال شخصه، ولأن في إبقائه محنة، لأن في النفوس أقوى داع إلى الباطل، فلما تبين لهم بطلانه، أخبرهم بمن يستحق العبادة وحده لا شريك له
( قال فاذهب فإن لك في الحياة ) أي : ما دمت حيا ، ( أن تقول لا مساس ) أي : لا تخالط أحدا ، ولا يخالطك أحد ، وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ، ولا يقربوه .
قال ابن عباس : لا مساس لك ولولدك ، و " المساس " من المماسة ، معناه : لا يمس بعضنا بعضا ، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحوش والسباع ، لا يمس أحدا ولا يمسه أحد ، عاقبه الله بذلك ، وكان إذا لقي أحدا يقول : " لا مساس " ، أي : لا تقربني ولا تمسني .
وقيل : كان إذا مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك ، وإذا مس أحد من غيرهم أحدا منهم حما جميعا في الوقت .
( وإن لك ) يا سامري ، ( موعدا ) لعذابك ، ( لن تخلفه ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : ( لن تخلفه ) بكسر اللام أي : لن تغيب عنه ، ولا مذهب لك عنه ، بل توافيه يوم القيامة ، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي : لن تكذبه ولن يخلفك الله ، ومعناه : أن الله تعالى يكافئك على فعلك ولا تفوته .
( وانظر إلى إلهك ) بزعمك ، ( الذي ظلت عليه عاكفا ) أي ظلت ودمت عليه مقيما تعبده ، والعرب تقول : ظلت أفعل كذا بمعنى ظللت ، ومست بمعنى مسست .
( لنحرقنه ) بالنار ، قرأ أبو جعفر بالتخفيف من الإحراق ، ( ثم لننسفنه ) لنذرينه ، ( في اليم ) في البحر ، ( نسفا ) روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم ، لأنه كان قد صار لحما ودما ثم حرقه بالنار ، ثم ذراه في اليم ، قرأ ابن محيصن : " لنحرقنه " بفتح النون وضم الراء لنبردنه بالمبرد ، ومنه قيل للمبرد المحرق .
وقال السدي : أخذ موسى العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في اليم .
«قال» له موسى «فاذهب» من بيننا «فإن لك في الحياة» أي مدة حياتك «أن تقول» لمن رأيته «لا مساس» أي لا تقربني فكان بهم في البرية وإذا مس أحدا أو مسه أحد حُمَّا جميعا «وإن لك موعدا» لعذابك «لن تخلفه» بكسر اللام: أي لن تغيب عنه، وبفتحها أي بل تبعث إليه «وانظر إلى إلهك الذي ظلْت» أصله ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفا أي دمت «عليه عاكفا» أي مقيما تعبده «لنحرقنه» بالنار «ثم لننسفنه في اليمّ نسفا» نذرينه في هواء البحر، وفعل موسى بعد ذبحه ما ذكره.
قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياتك أن تعيش منبوذًا تقول لكل أحد: لا أَمَسُّ ولا أُمَسُّ، وإن لك موعدا لعذابك وعقابك، لن يُخْلفك الله إياه، وسوف تلقاه، وانظر إلى معبودك الذي أقمت على عبادته لنُحرقنَّه بالنار، ثم لنُذرينَّه في اليمِّ تذرية.
و قوله - سبحانه - : ( قَالَ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ) حكاية لما قاله موسى - عليه السلام - للسامرى .والمساس : مصدر ماسّ - بالتشديد - كقتال من قاتل ، وهو منفى بلا التى لنفى الجنس .والمعنى : قال موسى للسامرى : ما دمت قد فعلت ذلك فاذهب ، فإن لك فى مدة حياتك ، أن تعاقب بالنبذ من الناس ، وأن تقول لهم إذا ما اقترب أحد منك : ( لاَ مِسَاسَ ) أى لا أمَسُّ أحدا ولا يَمسُّنى أحد ، ولا أخالط أحداً ولا يخالطنى أحد .قال صاحب الكشاف : عوقب فى الدنيا بعقوبة لا شىء أطم منها وأوحش وذلك أنه مُنِع من مخالطة الناس منعا كليا ، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمه ومبايعته ومواجهته ، وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا .
وإذا اتفق أن يماس أحدا - رجلا أو امرأة - حم الماس والممسوس - أى أصيبا بمرض الحمى - فتحامى الناس وتحاموه ، وكان يصيح : لا مساس .
وعادى فى الناس أوحش من القاتل اللاجىء إلى الحرم ، ومن الوحش النافر فى البرية .
.
.وقال الآلوسى ما ملخصه : والسر فى عقوبته على جنايته بما ذكر .
أنه ضد ما قصده من إظهار ذلك ليجتمع عليه الناس ويعززوه ، فكان ما فعله سببا لبعدهم عنه وتحقيره .
وقيل : عوقب بذلك ليكون الجزاء من جنس العمل ، حيث نبذ فنبذ ، فإن ذلك التحامى عنه أشبه شىء بالنبذ .
.
.قالوا : وهذه الآية الكريمة أصلى فى نفى أهل البدع والمعاصى وهجرانهم وعدم مخالطتهم .ثم بين - سبحانه - عقوبة السامرى فى الآخرة ، بعد بيان عقوبته فى الدنيا فقال : ( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ ) .وقوله : ( تُخْلَفَهُ ) قرأها الجمهور بضم التاء وفتح اللام .
أى : وإن لك موعدا فى الآخرة لن يخلفك الله - تعالى - إياه .
بل سينجزه لك ، فيعاقبك يومئذ العقاب الأليم الذى تستحقه بسبب ضلالك وإضلالك ، كما عاقبك فى الدنيا بعقوبة الطرد والنفور من الناس .وقرأ ابن كثير وأبو عمر ( لَّن تُخِلَفَهُ ) بضم التاء وكسر اللام أى : وإن لك موعدا فى الآخرة لن تستطيع التخلف عنه ، أو المهرب منه ، بل ستأتيه وأنت صاغر .
.
.ثم بين - سبحانه - أيضا - للسامرى : وانظر إلى معبودك العجل الذى أقمت على عبادته أنت وأتباعك فى غيبتى عنكم .( لَّنُحَرِّقَنَّهُ ) بالنار أمام أعينكم ، والجملة جواب لقسم محذوف ، أى : والله لنحرقنه ( ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً ) أى : لم لَنُذرِينَّه فى البحر تذرية ، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر .يقال : نسف الطعام ينسفه نسفا ، إذا فرقه وذراه بحيث لا يبقى منه شىء .وقد نفذ موسى - عليه السلام - ذلك حتى يظهر للأغبياء الجاهلين الذين عبدوا العجل ، أنه لا يستحق ذلك .
وإنما يستحق الذبح والتذرية ، وأن عبادتهم له إنما هى دليل واضح على انطماس بصائرهم ، وشدة جهلهم .
اعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بهذه الآية من وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام إما أن يكون قد أمر هرون باتباعه أو لم يأمره، فإن أمره به فإما أن يكون هرون قد اتبعه أو لم يتبعه، فإن اتبعه كانت ملامة موسى لهارون معصية وذنباً لأن ملامة غير المجرم معصية.
وإن لم يتبعه كان هارون تاركاً للواجب فكان فاعلاً للمعصية، وأما إن قلنا: إن موسى عليه السلام ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية فثبت أن على جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هرون.
وثانيها: قول موسى عليه السلام: ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴾ استفهام على سبيل الإنكار فوجب أن يكون هارون قد عصاه، وأن يكون ذلك العصيان منكراً، وإلا لكان موسى عليه السلام كاذباً وهو معصية، فإذا فعل هارون ذلك فقد فعل المعصية.
وثالثها: قوله: ﴿ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ﴾ وهذا معصية لأن هارون عليه السلام قد فعل ما قدر عليه من النصيحة والوعظ والزجر، فإن كان موسى عليه السلام قد بحث عن الواقعة، وبعد أن علم أن هرون قد فعل ما قدر عليه كان الأخذ برأسه ولحيته معصية وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك أيضاً معصية.
ورابعها: إن هارون عليه السلام قال: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ﴾ فإن كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزاً كان قول هارون لا تأخذ منعاً له عما كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية، وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى عليه السلام فاعلاً للمعصية فهذه أمثلة لطيفة في هذا الباب.
والجواب عن الكل: أنا بينا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا ﴾ أنواعاً من الدلائل الجلية في أنه لا يجوز صدور المعصية من الأنبياء، وحاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز، إذا ثبتت هذه المقدمة فاعلم أن لنا في الجواب عن هذه الإشكالات وجوهاً: أحدها: أنا وإن اختلفنا في جواز المعصية على الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم، وإن كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنعه الآخر أعني بهما موسى وهارون عليهما السلام لعله كان أحدهما أولى والآخر كان ترك الأولى فلذلك فعَله أحدهما وتركه الآخر، فإن قيل هذا التأويل غير جائز لأن كل واحد منهما كان جازماً فيما يأتي به فعلاً كان أو تركاً وفعل المندوب وتركه لا يجزم به، قلنا: تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فنحن نحمل ذلك الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوماً متقرراً.
وثانيها: أن موسى عليه السلام أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض لحيته فأجرى موسى عليه السلام أخاه هرون مجرى نفسه لأنه كان أخاه وشريكه فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب فأما قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ﴾ فلا يمتنع أن يكون هرون عليه السلام خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل من سوء ظنهم أنه منكر عليه غير معاون له، ثم أخذ في شرح القصة فقال: ﴿ إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْراءِيلَ ﴾ .
وثالثها: أن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السلام حتى أن هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى عليه السلام: «أنت قتلته، فلما واعد الله تعالى موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها بعشر وكتب له في الألواح من كل شيء ثم رجع فرآى في قومه ما رآى فأخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون عليه السلام أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له فقال إشفاقاً على موسى: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي لئلا يظن القوم ما لا يليق بك».
ورابعها: قال صاحب الكشاف: كان موسى عليه السلام رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء شديد الغضب لله تعالى ولدينه فلم يتمالك حين رآى قومه يعبدون عجلاً من دون الله تعالى من بعد ما رأوا من الآيات العظام أن ألقى ألواح التوراة لما غلب على ذهنه من الدهشة العظيمة غضباً لله تعالى وحمية وعنف بأخيه وخليفته على قومه فأقبل عليه إقبال العدو المكاشر، واعلم أن هذا الجواب ساقط لأنه يقال: هب أنه كان شديد الغضب ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلاً مكلفاً أم لا؟
فإن بقي عاقلاً مكلفاً فالأسئلة باقية بتمامها أكثر ما في الباب أنك ذكرت أنه أتى بغضب شديد وذلك من جملة المعاصي فقد زدت إشكالاً آخر.
فإن قلتم بأنه في ذلك الغضب لم يبق عاقلاً ولا مكلفاً فهذا مما لا يرتضيه مسلم ألبتة فهذه أجوبة من لم يجوز الصغائر وأما من جوزها فلا شك في سقوط السؤال، والله أعلم.
أما قوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن لا صلة والمراد ما منعك أن تتبعني.
والثاني: أن يكون المراد ما دعاك إلى أن لا تتبعني فأقام منعك مقام دعاك وفي الاتباع قولان: أحدهما: ما منعك من اتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء.
والثاني: أن تتبعني في وصيتي إذ قلت لك: ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين ﴾ فلم تركت قتالهم وتأديبهم وهذا قول مقاتل ثم قال: ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴾ ومعناه ظاهر وهذا يدل على أن تارك المأمور به عاص والعاصي مستحق للعقاب لقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا ﴾ ولقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا ﴾ فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب، فأجاب هارون عليه السلام وقال: ﴿ يبنؤم ﴾ قيل: إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه فيتركه، وقيل: كان أخاه لأمه: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ﴾ واعلم أنه ليس في القرآن دلالة على أنه فعل ذلك، فإن النهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهى عنه كقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ وقوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ والذي فيه أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه وهذا القدر لا يدل على الاستخفاف به بل قد يفعل ذلك لسائر الأغراض على ما بيناه، ومن الناس من يقول إنه أخذ ذؤابتيه بيمينه ولحيته بيساره ثم قال: ﴿ إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْراءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ﴾ ولقائل أن يقول: إن قول موسى عليه السلام: (ما منعك أن لا تتبعن أفعصيت أمري) يدل على أنه أمره بشيء فكيف يحسن في جوابه أن يقال: إنما لم أمتثل قولك خوفاً من أن تقول: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ﴾ فهل يجوز مثل هذا الكلام على العاقل.
والجواب: لعل موسى عليه السلام إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى فساد في القوم فلما قال موسى: (ما منعك أن لا تتبعن) قال لأنك إنما أمرتني باتباعك إذا لم يحصل الفساد فلو جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقباً لقولك.
قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة كانوا أجانب عن الإيمان وما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا العذاب الشديد في الدنيا ولم يرجعوا عن الإيمان، وأما قومه فإنهم رأوا انقلاب العصا ثعباناً والتقم كل ما جمعه السحرة ثم عاد عصا ورأوا اعتراف السحرة بأن ذلك ليس بسحر وأنه أمر إلهي ورأوا الآيات التسع مدة مديدة ثم رأوا انفراق البحر إثني عشر طريقاً وأن الله تعالى أنجاهم من الغرق وأهلك أعداءهم مع كثرة عددهم، ثم إن هؤلاء مع ما شاهدوا من هذه الآيات لما خرجوا من البحر ورأوا قوماً يعبدون البقر قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، ولما سمعوا صوتاً من عجل عكفوا على عبادته، وذلك يدل على أنه لا يحصل الغرض بالدلائل بل بالهداية، قرأ حمزة والكسائي: (يا ابن أم) بكسر الميم والإضافة ودلت كسرة الميم على الياء والباقون بالفتح وتقديره يا ابن أماه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضاً، وإذا اتفق أن يماس أحداً رجلاً أو امرأة، حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحشي النافر في البرية.
ويقال: إن قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم.
وقرئ: ﴿ لاَ مِسَاسَ ﴾ بوزن فجار.
ونحوه قولهم في الظباء.
إذا وردت الماء فلا عباب، وإن فقدته فلا أباب: وهي أعلام للمسة والعبة والأبة، وهي المرة من الأب وهو الطلب ﴿ لَّن تُخْلَفَهُ ﴾ أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
وقرئ: ﴿ لن تخلفه ﴾ وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً قال الأعشى: أثْوَى وَأقْصَرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدَا ** فَمَضى وَأخْلَفَ مِنْ قَتِيلَةَ مَوْعِداً وعن ابن مسعود ﴿ نخلفه ﴾ بالنون، أي: لن يخلفه الله، كأنه حكى قوله عز وجل كما مر في ﴿ لاِهَبَ لَكِ ﴾ [مريم: 19] .
﴿ ظَلْتَ ﴾ وظلت، وظللت والأصل ظللت، فحذفوا اللام الأولى ونقلوا حركتها إلى الظاء، ومنهم من لم ينقل ﴿ لَّنُحَرّقَنَّهُ ﴾ ولنحرقنه ولنحرقنه.
وفي حرف ابن مسعود ﴿ لنذبحنه ﴾ ، و ﴿ لنحرقنه ﴾ و ﴿ لنحرقنه ﴾ القراءتان من الإحراق.
وذكر أبو علي الفارسي في لنحرِّقنه أنه يجوز أن يكون حرّق مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد.
وعليه القراءة الثالثة، وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ لَنَنسِفَنَّهُ ﴾ بكسر السين وضمها، وهذه عقوبة ثالثة وهي إبطال ما افتتن به وفتن، وإهدار سعيه، وهدم مكره ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ [آل عمران: 54] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ ﴾ عُقُوبَةً عَلى ما فَعَلْتَ.
﴿ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ ﴾ خَوْفًا مِن أنْ يَمَسَّكَ أحَدٌ فَتَأْخُذَكَ الحُمّى ومَن مَسَّكَ فَتَتَحامى النّاسَ ويَتَحامَوْكَ وتَكُونَ طَرِيدًا وحِيدًا كالوَحْشِ النّافِرِ، وقُرِئَ «لا مُسّاسَ» كَفُجّارٍ وهو عَلَمٌ لِلْمَسَّةِ.
﴿ وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا ﴾ في الآخِرَةِ.
﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ لَنْ يُخْلِفَكَهُ اللَّهُ ويُنْجِزَهُ لَكَ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عاقَبَكَ في الدُّنْيا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ الواعِدَ إيّاهُ وسَيَأْتِيكَ لا مَحالَةَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِأنَّ المَقْصُودَ هو المَوْعِدُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتُهُ خُلْفًا، وقُرِئَ بِالنُّونِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ اللَّهِ.
﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا ﴾ ظَلِلْتَ عَلى عِبادَتِهِ مُقِيمًا فَحَذَفَ اللّامَ الأوْلى تَخْفِيفًا، وقُرِئَ بِكَسْرِ الظّاءِ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ اللّامِ إلَيْها.
﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ أيْ بِالنّارِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ ، أوْ بِالمُبَرَّدِ عَلى أنَّهُ مُبالَغَةٌ في حَرَقَ إذْ بَرُدَ بِالمُبَرَّدِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ .
﴿ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ ﴾ ثُمَّ لَنَذْرِيَنَّهُ رَمادًا أوْ مَبْرُودًا وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ.
﴿ فِي اليَمِّ نَسْفًا ﴾ فَلا يُصادَفُ مِنهُ شَيْءٌ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ عُقُوبَتِهِ وإظْهارُ غَباوَةِ المُفْتَتَنِينَ بِهِ لِمَن لَهُ أدْنى نَظَرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)
{قَالَ} له موسى {فاذهب} من بيننا طريداً {فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة} ما عشت {أَن تَقُولَ} لمن أراد مخالطتك جاهلاً بحالك {لاَ مِسَاسَ} أي لا يمسني أحد ولا أمسه فمنع مخالطة الانس منعا كليا وحرمع عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته وإذا اتفق أن يماس أحداً حم الماس والممسوس وكان يهيم في البرية يصبح لا مساس ويقال إن ذلك موجود في أولاده إلى الآن وقيل أراد موسى عليه السلام أن يقتله فمنعه الله تعالى مه لسخائه {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض ينجزه لك في الآخرة بعدما عاقبك بذاك في الدنيا لَّن تُخْلَفَهُ مكي وأبو عمر وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً {وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ} وأصله ظللت فحذف اللام الأولى تخفيفاً {عَاكِفاً} مقيماً {لَّنُحَرّقَنَّهُ} بالنار {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ} لنذرينه {فِى اليم نَسْفاً} فحرقه وذراه في البحر فشرب بعضهم من مائه حباله فظهرت على شفاهم صفرة الذهب
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ ﴿ فاذْهَبْ ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ النّاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ ﴾ إلى آخِرِهِ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ.
و( في ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ العامِلِ في (لَكَ) أيْ: ثابِتٌ لَكَ في الحَياةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكافِ، والعامِلُ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ المَذْكُورِ أيْضًا لِاعْتِمادِهِ عَلى ما هو مُبْتَدَأٌ مَعْنًى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ ﴾ ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ بِتَقُولَ لِمَكانِ أنْ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عُذْرُ مَن يُعَلِّقُ الظَّرْفَ المُتَقَدِّمَ بِما بَعْدَها.
ولا يَظْهَرُ ما يُشْفِي الخاطِرَ في وجْهِ تَعْلِيقِ العَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ- إذْ- في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ ﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ فِيما بَعْدَ أنْ وعَدَمُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ ﴿ فِي الحَياةِ ﴾ فِيما بَعْدَها أيْ إنَّ لَكَ مُدَّةَ حَياتِكَ أنْ تُفارِقَ النّاسَ مُفارَقَةً كُلِّيَّةً لَكِنْ لا بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ بِمُوجِبِ التَّكْلِيفِ بَلْ بِحَسَبِ الِاضْطِرارِ المُلْجِئِ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى رَماهُ بِداءٍ عُقامٍ لا يَكادُ يَمَسُّ أحَدًا أوْ يَمَسُّهُ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ إلّا حُمَّ مِن ساعَتِهِ حُمّى شَدِيدَةً فَتَحامى النّاسُ وتَحامُوهُ وكانَ يَصِيحُ بِأقْصى صَوْتِهِ لا مِساسَ وحَرُمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُؤاكَلَتُهُ ومُبايَعَتُهُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُعْتادُ جَرَيانُهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُعامَلاتِ، وصارَ بَيْنَ النّاسِ أوْحَشَ مِنَ القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ ومِنَ الوَحْشِيِّ النّافِرِ في البَيْداءِ، وذُكِرَ أنَّهُ لَزِمَ البَرِّيَّةَ وهَجَرَ البَرِيَّةَ، وذَكَرَ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ أنَّ لَكَ ولِوَلَدِكَ أنْ تَقُولَ إلَخْ، وخَصَّ عَمْرٌو الحُمّى بِما إذا كانَ الماسُّ أجْنَبِيًّا، وذُكِرَ أنَّ بَقايا ولَدِهِ باقٍ فِيهِمْ تِلْكَ الحالُ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: ابْتُلِيَ بِالوَسْواسِ حِينَ قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَأصْبَحَ ذَلِكَ كالسّامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسا وأنْكَرَ الجُبّائِيُّ ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَرٍّ والحُمّى عِنْدَ المَسِّ وقالَ: إنَّهُ خافَ وهَرَبَ وجَعَلَ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ لا يَجِدُ أحَدًا مِنَ النّاسِ يَمَسُّهُ حَتّى صارَ لِبُعْدِهِ عَنِ النّاسِ كالقائِلِ لا مِساسَ وصَحَّحَ الأوَّلَ، والمِساسُ مَصْدَرُ ماسَّ كَقِتالٍ مَصْدَرِ قاتَلَ وهو مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ وأُرِيدَ بِالنَّفْيِ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقَعْنَبٌ ( لا مَساسِ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِّينِ آخِرِهِ وهو بِوَزْنِ فَجارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الظِّباءِ إنْ ورَدْتَ الماءَ فَلا عُبابَ وإنْ فَقَدْتَهُ فَلا أُبابَ.
وهي كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أعْلامٌ لِلْمَسَّةِ والِعَبَّةِ والأبَّةِ وهي المَرَّةُ مِنَ الأبِّ أيِ الطَّلَبِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: تَمِيمٌ كَرَهْطِ السّامِرِيِّ وقَوْلُهُ ∗∗∗ ألا لا يُرِيدُ السّامِرِيُّ مَساسِ و( لا ) عَلى هَذا لَيْسَتِ النّافِيَةَ لِلْجِنْسِ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالنَّكِراتِ وهَذا مَعْرِفَةٌ مِن أعْلامِ الأجْناسِ ولا داخِلَةٌ مَعْنًى عَلَيْهِ فَإنَّ المَعْنى لا يَكُونُ أوْ لا يَكُنْ مِنكَ مَسٌّ لَنا.
وهَذا أوْلى مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى لا أقُولُ مَساسِ.
وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ كَنِزالِ.
والمُرادُ نَفْيُ الفِعْلِ أيْ لا أُمْسِكُ والسِّرُّ في عُقُوبَتِهِ عَلى جِنايَتِهِ بِما ذُكِرَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ ضِدَّ ما قَصَدَهُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ النّاسُ ويُعَزِّزُوهُ، فَكانَ سَبَبًا لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ وتَحْقِيرِهِ وصارَ لَدَيْهِمْ أبْغَضَ مِنَ الطَّلْياءِ وأهْوَنَ مِن مِعْبَأةٍ.
وقِيلَ: لَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ ما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ التَّضادِّ فَإنَّهُ لَمّا أنْشَأ الفِتْنَةَ بِما كانَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِحَياةِ المَواتِ عُوقِبَ بِما يُضادُّهُ حَيْثُ جُعِلَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِلْحُمّى الَّتِي هي مِن أسْبابِ مَوْتِ الأحْياءِ، وقِيلَ: عُوقِبَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ حَيْثُ نَبَذَ فَنَبَذَ فَإنَّ ذَلِكَ التِحامِيَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنَّبْذِ وكانَتْ هَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى ما في البَحْرِ بِاجْتِهادٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحُكِيَ فِيهِ القَوْلُ بِأنَّهُ أرادَ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ سَخِيًّا، ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ في شَرْعِنا في قَضِيَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ لا يُكَلَّمُوا ولا يُخالَطُوا وأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم حَتّى تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ» .
ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ نَحْوُ ذَلِكَ لِيَضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ فَيُقْتَلَ في الحِلِّ ﴿ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ أيْ: لَنْ يُخْلِفَكَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الوَعْدَ بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ البَتَّةَ بَعْدَ ما عاقَبَكَ في الدُّنْيا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتَهُ خَلَفًا كَأجْبَنْتُهُ إذا وجَدْتَهُ جَبانًا.
وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدا ∗∗∗ فَمَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَنْ تُخْلِفَ الواعِدَ إيّاهُ فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ وذُكِرَ الثّانِي لِأنَّهُ المَقْصُودُ.
والمَعْنى لَنْ تَقْدِرَ أنْ تَجْعَلَ الواعِدَ مُخْلِفًا لِوَعْدِهِ بَلْ سَيَفْعَلُهُ، ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ ابْنِ نَهِيكٍ أنَّهُ قَرَأ ( لَنْ تَخْلُفُهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وضَمِّ اللّامِ، وفي اللَّوامِحِ أنَّهُ قُرِئَ ( لَنْ يَخْلُفَهُ ) بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ مِن تَحْتُ وضَمِّ اللّامِ وهو مِن خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا جاءَ بَعْدَهُ، قِيلَ: المَعْنى عَلى الرِّوايَةِ الأُولى وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لا بُدَّ أنْ تُصادِفَهُ، وعَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لا يَدْفَعُ قَوْلَ لا مِساسَ فافْهَمْ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ( لَنْ نَخْلِفَهُ ) بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أيْ لَنْ نُصادِفَهُ خَلَفًا فَيَكُونُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ وهو ظاهِرٌ لَوْ كانَتِ النُّونُ مَضْمُومَةً ﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ ﴾ أيْ: مَعْبُودِكَ ﴿ الَّذِي ظَلْتَ ﴾ أيْ ظَلِلْتَ كَما قَرَأ بِذَلِكَ أُبَيٌّ والأعْمَشُ فَحَذَفَتِ اللّامُ الأُولى تَخْفِيفًا، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّ هَذا الحَذْفَ مِن شُذُوذِ القِياسِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا إذا سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ، وعَنْ بَعْضِ مُعاصِرِيهِ أنَّ ذَلِكَ مُنْقاسٌ في كُلِّ مُضاعِفِ العَيْنِ واللّامِ في لُغَةِ بَنِي سُلَيْمٍ حَيْثُ سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَقِيسٌ في المُضاعَفِ إذا كانَتْ عَيْنُهُ مَكْسُورَةً أوْ مَضْمُومَةً.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ يَعْمُرَ بِخِلافٍ عَنْهُ أيْضًا ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ عَلى أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ اللّامِ إلَيْها بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها، وعَنِ ابْنِ يَعْمُرَ أنَّهُ ضَمَّ الظّاءَ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَجِيءِ الفِعْلِ في بَعْضِ اللُّغاتِ عَلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ وحِينَئِذٍ يُقالُ بِالنَّقْلِ كَما في الكَسْرِ ﴿ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى عِبادَتِهِ ﴿ عاكِفًا ﴾ أيْ مُقِيمًا، وخاطَبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ سائِرِ العاكِفِينَ عَلى عِبادَتِهِ القائِلِينَ: ﴿ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى ﴾ لِأنَّهُ رَأسُ الضَّلالِ ورَئِيسَ أُولَئِكَ الجُهّالِ ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ بِاللَّهِ تَعالى لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ.
وأبِي رَجاءٍ والكَلْبِيِّ (لَنُحْرِقَنَّهُ) مُخَفَّفًا مِن أحْرَقَ رُباعِيًّا فَإنَّ الإحْراقَ شائِعٌ فِيما يَكُونُ بِالنّارِ وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ ذا لَحْمٍ ودَمٍ.
وكَذا ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ ( لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرِّقَنَّهُ ) .
وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ نُحَرِّقُ مُبالَغَةً في حَرَقَ الحَدِيدَ حَرْقًا بِفَتْحِ الرّاءِ إذا بَرَدَهُ بِالمِبْرَدِ.
ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وحُمَيْدٌ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ وأبِي جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ.
وكَذا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (لِنَحْرُقُنَّهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ فَإنَّ حَرَقَ يَحْرُقُ بِالضَّمِّ مُخْتَصٌّ بِهَذا المَعْنى كَما قِيلَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَصِرْ ذا لَحْمٍ ودَمٍ بَلْ كانَ باقِيًا عَلى الجَمادِيَّةِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا بُعْدَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَيًّا في تَحْرِيقِهِ بِالمِبْرَدِ إذْ يَجُوزُ خَلْقُ الحَياةِ في الذَّهَبِ مَعَ بَقائِهِ عَلى الذَّهَبِيَّةِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وقالَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّهُ صارَ حَيَوانًا ذا لَحْمٍ ودَمٍ: إنَّ التَّحْرِيقَ بِالمِبْرَدِ كانَ لِلْعِظامِ وهو كَما تَرى، وقالَ النَّسَفِيُّ: تَفْرِيقُهُ بِالمِبْرَدِ طَرِيقُ تَحْرِيقِهِ بِالنّارِ فَإنَّهُ لا يُفَرَّقُ الذَّهَبُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ.
وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَقَهُ بِالمِبْرَدِ ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ النّارَ تُذِيبُهُ وتَجْمَعُهُ ولا تَحْرُقُهُ وتَجْعَلُهُ رَمادًا فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِالحِيَلِ الإكْسِيرِيَّةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ ﴾ أيْ: لَنُذْرِيَنَّهُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عِيسى بِضَمِّ السِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ (لَنُنَسِّفَنَّهُ) بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ ﴿ فِي اليَمِّ ﴾ أيْ في البَحْرِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالنَّهْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ نَسْفًا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ لَنَفْعَلَنَّ بِهِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولا يُصادَفُ مِنهُ شَيْءٌ فَيُؤْخَذُ، ولَقَدْ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ كُلِّهِ كَما يَشْهَدُ بِهِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ المُؤَكَّدِ بِاليَمِينِ، وفي ذَلِكَ زِيادَةُ عُقُوبَةٍ لِلسّامِرِيِّ وإظْهارٌ لِغَباوَةِ المُفْتَتَنِينَ، وقالَ في البَحْرِ بَيانًا لِسِرِّ هَذا الفِعْلِ: يُظْهِرُ أنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ أخَذَ السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو داخِلَ البَحْرِ ناسَبَ أنْ يَنْسِفَ ذَلِكَ العِجْلَ الَّذِي صاغَهُ مِنَ الحُلِيِّ الَّذِي كانَ أصْلُهُ لِلْقِبْطِ وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ في البَحْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ بِهِ قِيامُ الحَياةِ آلَ إلى العَدَمِ وألْقى في مَحَلِّ ما قامَتْ بِهِ الحَياةُ وأنَّ أمْوالَ القِبْطِ قَذَفَها اللَّهُ تَعالى في البَحْرِ لا يَنْتَفِعُ بِها كَما قَذَفَ سُبْحانَهُ أشْخاصَ مالِكِيها وغَرَّقَهم فِيهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم أقبل على السامري فقال له: قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ؟
يقول: ما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟
قالَ السامري: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ.
قرأ حمزة والكسائي بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، يعني: رأيت ما لم يَرَوا وعلمت ما لم يعلموا به يعني: بني إسرائيل.
قال موسى: ما الذي رأيت دون بني إسرائيل؟
فقال: رأيت جبريل على فرس الحياة.
وهو قوله: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، يعني: من أثر فرس جبريل.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود فَقَبصتُ قَبْصَةً بالصاد، وروي عن الحسن أنه قرأ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً بالصاد، وهو الأخذ بأطراف الأصابع، وقراءة الجماعة فَقَبَضْتُ قَبْضَةً بالضاد وهو القبض بالكف.
فَنَبَذْتُها، يعني: فطرحتها في العجل.
ثمّ قال: وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، أي: زينت، فلا تلمني بهذا الفعل ولمهم بعبادتهم إياه.
قالَ له موسى : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ، يعني: عقوبتك في الدنيا أَنْ تَقُولَ لاَ مِساسَ، يعني: لا أمس أحداً ولا يَمسَّني أحد، ويقال: ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت، ويقال: معناه لن تخالط أحداً ولن يخالطك أحد، فنفاه عن قومه.
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً في الآخرة لَنْ تُخْلَفَهُ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: لَنْ تُخْلَفَهُ بكسر اللام، يعني: لن تغيب عنه، ومعناه: تبعث يوم القيامة لا تقدر على غير ذلك، ولا تخلفه، وقرأ الباقون تُخْلَفَهُ بنصب اللام، يعني: لن تؤخر ولن تجاوز عنه، ويقال: معناه يكافئك الله تعالى على ما فعلت، والله لا يخلف الميعاد.
ثمّ قال: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً، يعني: عابداً.
لَنُحَرِّقَنَّهُ.
روى معمر، عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود: وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا لنذبّحنّه ثم لَّنُحَرّقَنَّهُ، وقرأ الحسن لَّنُحَرّقَنَّهُ بالتخفيف، وقراءة العامة بالتشديد ونصب الحاء، ومعناه: أنه يحرق مرة بعد مرة.
وقرأ أبو جعفر المدني لَنُحَرِّقَنَّهُ بنصب النون وضم الراء، ومعناه: لنبردنه بالمبارد، ويقال: حرقه وأحرقه.
ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً، يعني: لنذرينه في البحر ذروّا والنسف: التذرية.
<div class="verse-tafsir"
قد قاربوا الموت، إلا أنّهم لا يُجْهز عليهم، ولا يجددُ عذابهم فهذا فرقُ ما بينهم وبين الكفار، وفي الحديث الصحيح: «أَنَّهُمْ يُمَاتُونَ فِيهَا إمَاتَةً» ، وهذا هو معناها لأنه لا موت في الآخرة: وتَزَكَّى معناه: أطاع اللَّهَ، وأخذَ بأَزْكَى الأُمور.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى هذا استئناف إخبارٍ عن شيء من أمر موسى، وباقي الآية بيِّنٌ، وقد تقدم ذكر ما يخصها من القصص.
وقوله تعالى: لاَ تَخافُ دَرَكاً أيْ: من فرعون، وجنودِهِ، وَلا تَخْشى غرقاً من البحر.
وقوله: مَا غَشِيَهُمْ إبهام أهول من النصّ وهذا كقوله: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى.
[النجم: ١٦] .
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ يريد: من أول أمره إلى هذه النهاية، وَما هَدى مقابل لقوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: ٢٩] .
وقوله عز وجل: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ ...
الآية، ظاهر هذه الآية: أنّ هذا القول قِيل لبني إسرائيل حينئذٍ عند حُلولِ النِّعم التي عددها اللهُ عليهم، ويحتمل أن تكون هذه المقالة خُوطِب بها مُعَاصِرُو النبي صلى الله عليه وسلّم، والمعنى: هذا فِعْلُنا بأسلافكم وتكون الآيةُ على هذا اعتراضاً في أثناء قصة موسى، والقصدُ به توبيخُ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفُهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبْين.
وقوله سبحانه: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ...
الآية، وقصص هذه الآية:
أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل، وغرّق فرعون، وعد بني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى، ويناجيه بما فيه صلاحهم، فلما أخذوا في السير، تعجل موسى عليه السلام ابتغاء مَرضَاةِ ربِّه، حَسْبما يأتِي بعدُ.
وقرأ جمهورُ الناس «١» : «فيَحِلّ» بكسر الحاء، «ويَحْلِلْ» بكسر اللام.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مُوسى، ﴿ يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ﴾ ؛ أيِ: ابْتُلِيتُمْ، ﴿ وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ﴾ لا العِجْلُ، ﴿ قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَنْ نَزالَ مُقِيمِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، ﴿ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى ﴾ فَلَمّا رَجَعَ مُوسى، ﴿ قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( ألّا تَتَّبِعَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ ساكِنَةٍ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ.
ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: ( ألّا تَتَّبِعَنِيَ أفَعَصَيْتَ ) بِياءٍ مَنصُوبَةٍ.
ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو سَواءً.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والمَعْنى: ما مَنَعَكَ مِنَ اتِّباعِي، و" لا " كَلِمَةٌ زائِدَةٌ.
وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَسِيرُ ورائِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتُفارِقُهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنْ تُناجِزَهُمُ القِتالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ وهو قَوْلُهُ في وصِيَّتِهِ إيّاهُ: ﴿ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ غَضَبًا مِنهُ عَلَيْهِ.
وهَذا وإنْ لَمْ يُذْكُرْ هاهُنا، فَقَدْ ذُكِرَ في ( الأعْرافِ: ١٥٠ )، فاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْنا هُناكَ مَعْنى ﴿ يا ابْنَ أُمَّ ﴾ ، واخْتِلافَ القُرّاءِ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا بِرَأْسِي ﴾ ؛ أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِي.
وهَذا الغَضَبُ كانَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ عَصى اللَّهَ بِتَرْكِ اتِّباعِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي خَشِيتُ ﴾ ؛ أيْ: إنْ فارَقَتْهم واتَّبَعْتُكَ، ﴿ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِي إيّاكَ ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: بِقِتالِي لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لَكَ: ﴿ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ﴾ .
والثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ أمْرِي فِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ﴾ ﴿ قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ ﴿ قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا ﴾ المَعْنى: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مُخاطِبًا لِلسّامِرِيِّ: فَما خَطْبُكَ؟
وقَوْلُهُ: "فَما خَطْبُكَ" كَما تَقُولُ: ما شَأْنُكَ؟
وما أمْرُكَ؟، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا؛ لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ؟
وما شُؤْمُكَ؟
وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلِكَ.
و" السامِرِيُّ " قِيلَ: هو مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويُقالُ: إلى قَرْيَةٍ يُقالُ لَها: سامِرَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ مَعْرُوفَةٌ اليَوْمَ بِبِلادِ مِصْرَ، وقِيلَ: اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بَصُرْتُ"، قَرَأتْ فِرْقَةٌ "بَصُرْتُ" بِضَمِّ الصادِ عَلى مَعْنى: صارَتْ بَصِيرَتِي بِصُورَةٍ ما، فَهو كَظَرُفْتُ وشَرُفْتُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَصِرْتُ" بِكَسْرِ الصادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِنَ البَصِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ البَصَرِ، وذَلِكَ أنَّ في أمْرِ السامِرِيِّ ما زادَ عَلى الناسِ بِالبَصَرِ، وهو وجْهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وفَرَسُهُ، وبِالبَصِيرَةِ، وهو ما عَلِمَهُ مِن أنَّ القَبْضَةَ إذا نَبَذَها مَعَ الحُلِيِّ جاءَهُ مِن ذَلِكَ ما يُرِيدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُبْصِرُوا بِهِ" بِالياءِ، يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُبْصِرُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، يُرِيدُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قَبْضَةً" بِالضادِ مَنقُوطَةً، بِمَعْنى: أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وغَيْرُهُمْ: "فَقَبَصْتُ قَبْصَةً" بِالصادِّ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، بِمَعْنى: أخَذْتُ بِأصابِعِي فَقَطْ، وقَرَأ الحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ - "قُبْصَةً" بِضَمِّ القافِ.
و"الرَسُولُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الأثَرُ" هو تُرابٌ تَحْتَ حافِرِ فَرَسِهِ.
وَسَبَبُ مَعْرِفَةِ السامِرِيِّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَيَّزَهُ فِيما رُوِيَ أنَّ أُمُ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَطَرَحَتْهُ في مَغارَةٍ، فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ يَغْذُوهُ فِيها ويَحْمِيَهُ حَتّى كَبِرَ وشَبَّ، فَمَيَّزَهُ بِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ: "فَنَبَذْتُها" أيْ عَلى الحُلِيِّ فَكانَ مِنها ما تَراهُ، وهَذا مَحْذُوفٌ مِنَ اللَفْظِ يَقْتَضِيهِ الحالُ والمُخاطَبَةُ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ ، أيْ: كَما وقَعَ وحَدَثَ قَرَّبَتْ لِي نَفْسِي وجَعَلَتْهُ لِي سُؤْلًا ورَأْبًا حَتّى فَعَلَتْهُ.
وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا يَقْتُلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا في حَدٍّ أو وحْيٍ، فَعاقَبَهُ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ بِأنْ أبْعَدَهُ ونَحّاهُ عَنِ الناسِ، وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِاجْتِنابِهِ واجْتِنابِ قَبِيلَتِهِ، وأنْ لا يُؤاكِلُوا ولا يُناكِحُوا، ونَحْوَ هَذا، وعَلَّمَهُ مَعَ ذَلِكَ، وجَعَلَ لَهُ أنْ يَقُولَ مُدَّةَ حَيّاتِهِ: "لا مِساسَ"، أيْ: لا مُماسَّةَ ولا إذايَةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا مِساسَ" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ السِينِ، عَلى النَصْبِ بِالتَبْرِئَةِ، وهو اسْمٌ يَنْصَرِفُ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: أصْبَحَ مِن ذاكَ كالسامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسًا ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: حَتّى يَقُولَ الأزْدُ لا مِساسًا واسْتِعْمالُهُ عَلى هَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لا مَساسِ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ، وَهُوَ مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ كَفُجّارٍ ونَحْوِهِ، وشَبَّهَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ بِنِزالٍ ودِراكٍ ونَحْوِهِ، والشَبَهُ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ هي مَعْدُولاتٌ، وفارَقَهُ في أنَّ هَذِهِ عَدَلَتْ عَنِ الأمْرِ، و"مِساسَ" و"فُجّارَ" عَدَلَتْ عَنِ المَصْدَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: تَمِيمٌ كَرَهْطِ السامِرِيِّ وقَوْلِهِ ألّا لا يُرِيدُ السامِرِيُّ مِساسَ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُخْلَفَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، عَلى مَعْنى: لَنْ يَقَعَ فِيهِ خُلْفٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لَنْ تُخْلِفَهُ" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى: لَنْ تَسْتَطِيعَ الزَوَغانَ عنهُ والحَيْدَةَ، فَتَزُولُ عن مَوْعِدِ العَذابِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لَنْ نُخْلِفَهُ" بِالنُونِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: المَعْنى: لَنْ نُصادِفَهُ مُخَلَّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّها بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ.
ثُمْ وبَّخَهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ ﴾ الآيَةَ أيِ: انْظُرْ صَنِيعَكَ وتَغْيِيرَنا لَهُ ورَدَّنا الأمْرَ فِيهِ إلى الواجِبِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظَلْتَ" بِفَتْحِ الظاءِ، عَلى حَذْفِ اللامِ الواحِدَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظِلْتَ" بِكَسْرِ الظاءِ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ اللامِ إلى الظاءِ ثُمْ حَذْفِها بَعْدَ ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: لا أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحُسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شَوَسٌ أرادَ: أحْسُسْنَ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ السِينِ إلى الحاءِ ثُمْ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: حُسَيْنَ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظَلِلْتَ"، و"ظَلَّ" مَعْناهُ: أقامَ يَفْعَلُ الشَيْءَ نَهارًا، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الدائِبِ لَيْلًا ونَهارًا، بِمَثابَةِ طَفِقَ.
و"عاكِفًا" مَعْناهُ: مُلازِمًا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنُحْرِقَنَّهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ بِمَعْنى: بِالنارِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَنَحْرُقَنَّهُ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الراءِ خَفِيفَةً، بِمَعْنى: لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، وقَرَأ نافِعٌ وغَيْرُهُ: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وهَذا تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ الحَرْقَ بِالنارِ، وتَحْتَمِلُ بِالمِبْرَدِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما: "لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمْ لَنَحْرُقَنَّهُ ثُمْ لَنَنْسِفَنَّهُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ مَعَ رِوايَةِ مَن رَوى أنَّ العِجْلَ صارَ لَحْمًا ودَمًا، وعَلى هَذِهِ الرِوايَةِ يَتَرَكَّبُ أنْ يَكُونَ هُناكَ حَرْقٌ بِنارٍ، وإلّا فَإذا كانَ جَمادًا مِن ذَهَبٍ فَإنَّما هو حَرْقٌ بِمِبْرَدٍ، اللهم إلّا أنْ تَكُونَ إذابَهً، ويَكُونُ النَسْفُ مُسْتَعارًا لِتَفْرِيقِهِ في اليَمِّ مُذابًا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنَنْسِفَنَّهُ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنَنْسُفَنَّهُ" بِضَمِّ السِينِ، و"النَسْفُ": تَفْرِيقُ الرِيحِ الغُبارَ، وكُلَّ ما هو مِثْلَهُ كَتَفْرِيقِ الغِرْبالِ ونَحْوِهُ فَهو نَسْفٌ.
و"اليَمُّ": غَمَرَ الماءَ مِن بَحْرٍ أو نَهْرٍ، وكُلُّ ما غَمَرَ الإنْسانَ مِنَ الماءِ فَهو يَمٌّ.
و"نَسْفًا" تَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ، واللامِ في قَوْلِهِ: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" لامُ القَسَمِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القِصَصِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَرَدَ العِجْلَ حَتّى رَدَّهُ كالغُبارِ ثُمْ ذَراهُ في البَحْرِ، ثُمْ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَشْرَبَ جَمِيعَهم مِنَ الماءِ، فَمَن شَرِبَ مِمَّنْ كانَ في قَلْبِهِ حُبُّ العِجْلِ خَرَجَ عَلى شارِبِهِ مِنَ الذَهَبِ فَضِيحَةً لَهُ، وقالَ مَكِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَأسْنَدَ -: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ، وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وإنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عنهُمْ، وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعَ لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ أعْلَمَهم مُوسى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ رِوايَةُ الجُمْهُورِ عَلى خِلافِها، وإنَّما تَعَجَّلَ مُوسى وحْدَهُ فَوَقَعَ أمْرُ العِجْلِ، ثُمْ جاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وصَنَعَ بِالعِجْلِ ما صَنَعَ، ثُمْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَبْعِينَ عَلى مَعْنى الشَفاعَةِ في ذَنْبِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ يُطْلِعَهم أيْضًا عَلى أمْرِ المُناجاةِ فَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهْضَتانِ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
لم يزد موسى في عقاب السامريّ على أن خلعه من الأمّة، إما لأنّه لم يكن من أنفسهم فلم يكن بالذي تجري عليه أحكام الشريعة، وإما لأنّ موسى أعلم بأن السامري لا يرجى صلاحه، فيكون ممن حقّت عليه كلمة العذاب، مثل الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 96، 97]، ويكون قد أطلع الله موسى على ذلك بوحي أو إلهام، مثل الذي قاتل قتالاً شديداً مع المسلمين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما إنه من أهل النّار "، ومثل المنافقين الذين أعلم الله بهم محمداً صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بن اليمان ببعضهم.
فقوله ﴿ فَاذْهَبْ ﴾ الأظهر أنه أمر له بالانصراف والخروج من وسط الأمّة، ويجوز أن يكون كلمة زجر، كقوله تعالى: ﴿ قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنّم جزاؤكم ﴾ [الإسراء: 63]، وكقول الشاعر مما أنشده سيبويه في «كتابه» ولم يعزه: فاليوم قَرّبْتَ تهجونا وتشتمنا *** فاذْهَبْ فما وبك لأيام من عجب ويجوز أن يكون مراداً به عدم الاكتراث بحاله كقول النبهاني من شعراء «الحماسة»: فإن كنتَ سيدنا سُدْتَنا *** وإن كنت للخَال فاذْهَب فَخَلْ أما قوله ﴿ فَإنَّ لَكَ في الحَيَاةِ أن تَقُولَ لا مِساس وإنَّ لكَ مَوْعِداً لَن تُخْلفَهُ ﴾ فهو إخبار بما عاقبه الله به في الدنيا والآخرة، فجعل حَظه في حياته أن يقول لا مِساس، أي سلبه الله الأُنس الذي في طبع الإنسان فعوضه به هوساً ووسواساً وتوحشاً، فأصبح متباعداً عن مخالطة الناس، عائشاً وحده لا يترك أحداً يقترب منه، فإذا لقيه إنسان قال له: لا مساس، يخشى أن يمسه، أي لا تمسني ولا أمسك، أو أراد لا اقتراب مني، فإن المس يطلق على الاقتراب كقوله ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ [هود: 64]، وهذا أنسب بصيغة المفاعلة، أي مقاربة بيننا، فكان يقول ذلك، وهذه حالة فظيعة أصبح بها سخرية.
ومِساس بكسر الميم في قراءة جميع القراء وهو مصدر ماسّهُ بمعنى مسه، و(لا) نافية للجنس، و{مساس اسمها مبني على الفتح.
وقوله وإنَّ لكَ مَوعِداً } اللام في ﴿ لَكَ ﴾ استعارة تهكمية، كقوله تعالى: ﴿ وإن أسأتم لها ﴾ [الإسراء: 7] أي فعليها.
وتوعده بعذاب الآخرة فجعله موعداً له، أي موعد الحشر والعذاببِ، فالموعد مصدر، أي وعد لا يخلف ﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ [الروم: 6].
وهنا توعُّد بعذاب الآخرة.
وقرأ الجمهور {لن تُخلَفه بفتح اللاّم مبنيّاً للمجهول للعلم بفاعله، وهو الله تعالى، أي لا يؤخره الله عنك، فاستعير الإخلاف للتأخير لمناسبة الموعد.
وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بكسر اللام مضارع أخْلَف وهمزته للوجدان.
يقال: أخلف الوعد إذا وجده مُخْلَفاً، وإما على جعل السامريّ هو الذي بيده إخلاف الوعد وأنه لا يخلفه، وذلك على طريق التهكم تبعاً للتهكم الذي أفاده لام الملك.
وبعد أن أوعد موسى السامريّ بيّن له وللذين اتبعوه ضلالهم بعبادتهم العجل بأنه لا يستحق الإلهيّة لأنّه معرّض للامتهان والعَجز، فقال: وانْظُر إلى إلهك الَّذِي ظَلتَ عليهِ عاكِفاً لنُحرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ في الْيَممِ نَسْفاً}.
فجعَل الاستدلال بالنظر إشارة إلى أنه دليل بيّن لا يحتاج المستدل به إلى أكثر من المشاهدة فإن دلالة المحسوسات أوضح من دلالة المعقولات.
وأضاف الإله إلى ضمير السامريّ تهكماً بالسامريّ وتحقيراً له، ووصف ذلك الإله المزعوم بطريق الموصولية لما تدلّ عليه الصلة من التنبيه على الضلال والخطأ، أي الذي لا يستحق أن يعكف عليه.
وقوله ﴿ ظلتَ ﴾ بفتح الظاء في القراءات المشهورة، وأصله: ظَلَلْتَ: حذفت منه اللام الأولى تخفيفاً من توالي اللاميْن وهو حذف نادر عند سيبويه وعند غيره هو قياس.
وفعل (ظلّ) من أخوات (كان).
وأصله الدلالة على اتصاف اسمه بخبره في وقت النّهار، وهو هنا مجاز في معنى (دام) بعلاقة الإطلاق بناء على أنّ غالب الأعمال يكون في النّهار.
والعكوف: ملازمة العبادة وتقدم آنفاً.
وتقديم المجرور في قوله ﴿ عَلَيْهِ عَاكِفَاً ﴾ للتخصيص، أي الذي اخترته للعبادة دون غيره، أي دون الله تعالى.
وقرأ الجمهور ﴿ لنُحرِّقنَّه ﴾ بضم النون الأولى وفتح الحاء وكسر الراء مشددة.
والتحريق: الإحراق الشديد، أي لنحرقنه إحراقاً لا يدع له شكلاً.
وأراد به أن يذيبه بالنّار حتى يفسد شكله ويصير قِطَعاً.
وقرأ ابن جمّاز عن أبي جعفر {لنُحْرِقنه بضم النّون الأولى وبإسكان الحاء وتخفيف الراء.
وقرأه ابن وَردان عن أبي جعفر بفتح النون الأولى وإسكان الحاء وضم الراء لأنّه يقال: أحرقه وحرّقه.
والنسف: تفريقٌ وإذراء لأجزاء شيء صلب كالبناء والتراب.
وأراد باليمّ البحر الأحمر المسمى بحر القلزم، والمسمى في التوراة: بحْرَ سُوف، وكانوا نازلين حينئذ على ساحله في سفح الطور.
و (ثم) للتّراخي الرتبي، لأن نسف العجل أشد في إعدامه من تحريقه وأذل له.
وأكد ننسِفَنّه بالمفعول المطلق إشارة إلى أنه لا يتردد في ذلك ولا يخشى غضبه كما يزعمون أنّه إله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ يَعْنِي بِعِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ألّا تَتَّبِعَنِي في الخُرُوجِ ولا تَقُمْ مَعَ مَن ضَلَّ.
الثّانِي: ألّا تَتَّبِعَ عادَتِي في مَنعِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ فَلَمّا أقامَ مَعَهم ولَمْ يُبالِغْ في مَنعِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ نَسَبَهُ إلى العِصْيانِ ومُخالَفَةِ أمْرِهِ.
﴿ قالَ يا ابْنَ أُمَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ أخاهُ لِأبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، وإنَّما قالَ يا ابْنَ أُمِّ تَرْفِيقًا لَهُ واسْتِعْطافًا.
﴿ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ شَعَرَهُ بِيَمِينِهِ، ولِحْيَتَهُ بِيُسْراهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أخَذَ بِأُذُنِهِ ولِحْيَتِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأُذُنِ بِالرَّأْسِ، وهو قَوْلُ مَن جَعَلَ الأُذُنَ مِنَ الرَّأْسِ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ أخْذِهِ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: لِيُسِرَّ إلَيْهِ نُزُولَ الألْواحِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ في هَذِهِ المُناجاةِ.
وَأرادَ أنْ يُخْفِيَها عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَقالَ لَهُ هارُونُ: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي لِيَشْتَبِهَ سِرارُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
الثّانِي: فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ مائِلٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فِيما فَعَلُوهُ مِن أمْرِ العِجْلِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ.
الثّالِثُ: وهو الأشْبَهُ - أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِإمْساكِهِ عَنِ الإنْكارِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ ومَقامِهِ بَيْنَهم عَلى مَعاصِيهِمْ.
﴿ إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وهَذا جَوابُ هارُونَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرَّقْتَ بَيْنَهم بِما وقَعَ مِنَ اخْتِلافِ مُعْتَقَدِهِمْ.
الثّانِي: [فَرَّقْتَ] بَيْنَهم بِقِتالِ مَن عَبَدَ العِجْلَ مِنهم.
وَقِيلَ: إنَّهم عَبَدُوهُ جَمِيعًا إلّا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا بَقُوا مَعَ هارُونَ لَمْ يَعْبُدُوهُ.
﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَعْمَلْ بِوَصِيَّتِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ عَهْدِي، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً ﴾ قال: يابساً ليس فيه ماء ولا طين.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ طريقاً في البحر يبساً ﴾ قال: يابساً.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد عمنا.
فأنزل الله: ﴿ لا تخاف دركاً ولا تخشى ﴾ من البحر غرقاً ولا وحلاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تخاف دركاً ﴾ قال: من آل فرعون ﴿ ولا تخشى ﴾ من البحر غرقاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فغشيهم من اليم ﴾ قال البحر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ قال: الطغيان فيه أن يأخذه بغير حله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ قال: فينزل عليكم غضبي.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه قرأ ﴿ من يحلل عليه غضبي ﴾ بكسر اللام على تفسير من يجب عليه غضبي.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي ﴾ قال: إن غضبه خلق من خلقه يدعوه فيكلمه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقد هوى ﴾ قال: شقي.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سقي بن ماتع: أن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين، قبل أن يبلغ الصلصال، فذلك قوله: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وإني لغفار لمن تاب ﴾ قال: من الشرك ﴿ وآمن ﴾ .
قال: وحد الله ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: أدى الفرائض ﴿ ثم اهتدى ﴾ قال: لم يشك.
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني لغفار ﴾ الآية.
قال: تاب من الذنب، وآمن من الشرك.
وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه ﴿ ثم اهتدى ﴾ علم أن لعمله ثواباً يجزى عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ثم اهتدى ﴾ قال: ثم استقام لفرقة السنة والجماعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعجل موسى إلى ربه فقال الله: ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ قال: فرأى في ظل العرش رجلاً فعجب له.
فقال: من هذا يا رب؟
قال: لا أحدثك حديثه لكن سأحدثك بثلاث فيه: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة.
وأخرج ابن مردويه، عن وهب بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما وعد موسى أن يكلمه، خرج للوقت الذي وعده، فبينما هو يناجي ربه، إذ سمع خلفه صوتاً، فقال إلهي إني أسمع خلفي صوتاً، قال: لعل قومك ضلوا، قال: إلهي، من أضلهم؟
قال: السامري.
قال: كيف أضلهم؟
قال: صاغ لهم ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: إلهي هذا السامري صاغ لهم العجل: فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار؟
قال: أنا يا موسى، قال: فبعزتك، ما أَضَلَّ قومي أحد غيرك.
قال: صدقت.
قال: يا حكيم الحكماء، لا ينبغي حكيم أن يكون أحكم منك» .
وأخرج ابن جرير في تهذيبه، عن راشد بن سعد قال: إن موسى لما قدم على ربه- واعد قومه أربعين ليلة- قال: يا موسى، إن قومك قد افتتنوا من بعدك.
قال: يا رب كيف يفتنون؟
وقد نجيتهم من فرعون، ونجيتهم من البحر، وأنعمت عليهم، وفعلت بهم؟!
قال: يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً له خوار قال: يا رب، فمن جعل فيه الروح؟
قال: أنا.
قال: فأنت يا رب أضللتهم.
قال: يا موسى، يا رأس النبيين، ويا أبا الحكام، إني رأيت ذلك في قلوبهم، فيسرته لهم.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن علي رضي الله عنه قال: لما تعجل موسى إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار فقال لهم السامري: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ فقال لهم هارون: ﴿ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ فلما أن رجع موسى أخذ رأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامري: ﴿ ما خطبك ﴾ فقال: ﴿ قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ﴾ فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد فبرده وهو على شطر نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء- ممن كان يعبد ذلك العجل- إلا اصفر وجهه مثل الذهب!
فقالوا: يا موسى، ما توبتنا؟
قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أباه وأخاه وابنه، لا يبالي من قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفاً!
فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل، وتبت على من بقي.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما هجم فرعون على البحر وأصحابه- وكان فرعون على فرس أدهم حصان، هاب الحصان أن يقتحم البحر، فمثل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان هجم خلفها، وعرف السامري جبريل- لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه- فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، في واحدة لبناً، وفي الأخرى عسلاً، وفي الأخرى سمناً، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه.
قال أخذ من تحت الحافر قبضة، وألقى في روع السامري: إنك لا تلقيها على شيء فتقول كن كذا إلا كان، فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، أغرق الله آل فرعون.
قال موسى لأخيه هارون ﴿ اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ ومضى موسى لموعد ربه، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله، فلما جمعوه قال السامري: بالقبضة هكذا، فقذفها فيه، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار فصار ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ فكان يدخل الريح من دبره، ويخرج من فيه يسمع له صوت!
فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا ﴾ على العجل يعبدونه.
فقال هارون: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ ﴿ قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان السامري رجلاً من أهل ماجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان يحب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما فصل موسى إلى ربه قال لهم هارون: إنكم قد حملتم ﴿ أوزاراً من زينة القوم ﴾ آل فرعون ومتاعاً وحلياً فتطهروا منها، فإنها رجس، وأوقد لهم ناراً، فقال: اقذفوا ما معكم من ذلك فيها، فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفون فيها، ورأى السامري أثر فرس جبريل، فأخذ تراباً من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، فقال لهارون يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟
قال: نعم.
ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة فقذفه فيها فقال: كن ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ ، فكان للبلاء والفتنة.
فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ ﴿ فعكفوا عليه ﴾ وأحبوه حباً لم يحبوا مثله شيئاً قط: يقول الله: ﴿ فنسي ﴾ أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري ﴿ أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ﴾ وكان اسم السامري: موسى بن ظفر وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿ يا قوم، إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ فأقام هارون فيمن معه من المسلمين مخافة أن يقول له موسى: ﴿ فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ﴾ وكان له سامعاً مطيعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن هارون مر بالسامري وهو يتنحت العجل فقال له: ما تصنع؟
قال: اصنع ما لا يضر ولا ينفع!
فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على نفسه، ومضى هارون فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور، فخار.
فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن بني إسرائيل استعاروا حليا من القبط، فخرجوا به معهم، فقال لهم هارون: قد ذهب موسى إلى السماء اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى، فيقضي فيه ما قضى، فجمع ثم أذيب، فلما ألقى السامري القبضة تحول ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ قال: إن موسى ذهب يطلب ربه، فضل فلم يعلم مكانه وهو هذا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن علي رضي الله عنه قال: إن جبريل لما نزل فصعد بموسى إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، وحمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد، وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده، نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان السامري من أهل كرمان.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال انطلق موسى إلى ربه فكلمه قال له: ﴿ ما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ ﴿ قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ قال: ﴿ فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ﴾ فلما خبره خبرهم قال: يا رب، هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل.
أرأيت الروح من نفخها فيه؟
قال الرب: أنا.
قال: يا رب.
فأنت إذاً أضللتهم.
ثم رجع ﴿ موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ قال: حزيناً ﴿ قال يا قوم ألم يَعِدَكُم ربكم وعداً حسناً ﴾ إلى قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ يقول: بطاقتنا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ يقول: من حلي القبط: ﴿ فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً خوار ﴾ ﴿ فعكفوا عليه يعبدونه ﴾ وكان يخور ويمشي.
فقال لهم هارون: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ يقول ابتليتم بالعجل.
قال: ﴿ فما خطبك يا سامري ﴾ ما بالك.
إلى قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليك عاكفاً لنحرقنه ﴾ قال: فأخذه فذبحه ثم خرقه بالمبرد.
يعني سحكه، ثم ذراه في اليم.
فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شيء، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا.
فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول: ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ قال: فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ﴾ فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل؛ إلا بالحال التي كرهوا أنهم كرهوا أن يقاتلوهم، حين عبدوا العجل ﴿ فقال موسى يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم ﴾ فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل، ربنا البقية...
البقية، فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل منهم....
كان شهيداً، ومن بقي كان مكفراً عنه، فذلك قوله تعالى: ﴿ فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ﴾ ثم إن الله تعالى أمر موسى: أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فوعدهم موعداً ﴿ فاختار موسى سبعين رجلاً ﴾ ثم ذهب ليعتذروا من عبادة العجل، فلما أتوا ذلك، قالوا: ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ فإنك قد كلمته فأرناه ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب.
ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟
﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل.
فذلك حين يقول موسى: ﴿ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ يقول: الوعد وفي قوله: ﴿ فأخلفتم موعدي ﴾ يقول: عهدي وفي قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بأمر ملكنا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً ﴾ قال: أثقالاً من زينة القوم، وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون ﴿ فقذفناها ﴾ قال: فألقيناها ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ قال: كذلك صنع ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: حفيف الريح فيه.
فهو خواره، والعجل ولد البقرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بملكنا ﴾ قال: بأمرنا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ قال: بطاقتنا.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بملكنا ﴾ قال: بسلطاننا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن يحيى أنه قرأ ﴿ بملكنا ﴾ وملكنا.
واحد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ قال: نسي موسى أن يذكر لكم: إن هذا إلهه!
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فنسي ﴾ قال هم يقولونه، قومه: أخطأ الرب العجل ﴿ أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ﴾ قال: العجل ﴿ ولا يملك لهم ضراً ﴾ قال: ضلالة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن ﴾ قال: تدعهم.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية قال: أمره موسى أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل.
فذلك قوله: ﴿ أن لا تتبعن أفعصيت أمري ﴾ كذلك أيضاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ قال: خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ قال: قد كره الصالحون الفرقة قبلكم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ قال: لم تنتظر قولي وما أنا صانع وقائل.
قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لم ترقب قولي ﴾ لم تحفظ قولي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال فما خطبك يا سامري ﴾ قال: لم يكن اسمه، ولكنه كان من قرية اسمها سامرة ﴿ قال بصرت بما لم يبصروا به ﴾ يعني فرس جبريل.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ بما لم يبصروا به ﴾ بالياء ورفع الصاد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل ﴿ فنبذتها ﴾ قال: نبذ السامري على حلية بني إسرائيل فانقلبت عجلاً.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ قال: قبض السامري قبضة من أثر الفرس فصره في ثوبه.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن أنه كان يقرؤها ﴿ فقبصت ﴾ بالصاد.
قال: والقبص بأطراف الأصابع.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب قال: كان الحسن يقرؤها ﴿ فقبصت قبصة ﴾ بالصاد، يعني بأطراف أصابعه، وكان أبو رجاء يقرؤها ﴿ فقبصت قبصة ﴾ بالصاد، هكذا بجميع كفيه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القبضة ملء الكف، والقبصة بأطراف الأصابع.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ فقبضت قبضة ﴾ بالضاد على معنى القبض.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ قال: عقوبة له ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال: لن تغيب عنه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ قال: أقمت ﴿ لنحرقنه ﴾ قال: بالنار ﴿ ثم لننسفنه في اليم نسفاً ﴾ قال: لنذرينه في البحر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه كان يقرأ ﴿ لنحرقنه ﴾ خفيفة.
يقول: إن الذهب والفضة لا يحرقان بالنار، يسحل بالمبرد ثم يلقى على النار فيصير رماداً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: في بعض القراءة ﴿ لنذبحنه ثم لنحرقنه ﴾ خفيفة.
قال قتادة: وكان له لحم ودم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك الأزدي، أنه قرأ ﴿ لنحرقنه ﴾ بنصب النون وخفض الراء وخففها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اليم، البحر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: اليم، النهر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَاذْهَبْ ﴾ روي في التفسير: (أن موسى - - همَّ بقتل السامري، فنهاه الله عن ذلك وقال: لا تفعل، فإنه سخي) (١) (٢) فقال له موسى: ﴿ فَاذْهَبْ ﴾ أي: من بيننا ﴿ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ﴾ قال ابن عباس: (لك (٣) (٤) (٥) قال الكلبي: (يقول: لا يخالط أحداً ولا يخالطك) (٦) (٧) وقال أبو إسحاق: (التأويل: أن موسى حرم (٨) (٩) (١٠) (١١) على أن ابن الأنباري ذكر في هذا وجهين أحدهما: (أن السامري ألهم هذا القول، وأجبر عليه إذلالا له وتصغيرًا لشأنه.
والثاني: (أن الفعل نسب إلى السامري وهو في المعنى لغيره.
وتلخيصه: فاذهب فإن لك في الحياة أن يقال لك: لا مساس فنسب إليه قول غيره تحقيقًا للزوم الفعل وبقائه) (١٢) والصحيح ما ذكر في التفسير من وجه آخر: أنه جعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك) (١٣) (١٤) (١٥) وهذا معنى ما ذكره قتادة في قوله: ﴿ لَا مِسَاسَ ﴾ قال: (عقوبة لهم) (١٦) ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد موعد القيامة) (١٧) ﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ وقرئ: بفتح اللام (١٨) قال أبو إسحاق: (أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد.
ومن قرأ: ﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ فالمعنى: أنك تبعث وتوافي القيامة لا تقدر على غير ذلك) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي طفقت تعبده وظللت عليه مقيمًا) (٢٠) قال الزجاج: (ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر) (٢١) (٢٢) (٢٣) مَسْنَا السَّمَاءَ فَنِلْنَاهَا وطَالَهُمُ ...
حَتَى رأَوا أُحُدًا يَمْشِي وَثَهْلانَا فحذفوا أحد السينين من مسسنا استثقالا للجمع بينهما ومثله كثير.
وقوله تعالى: ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول بالنار) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال الكلبي: (أحرق العجل بالنار، ثم دق، ثم ذري في البحر) (٢٧) وقال السدي: (أخذ موسى العجل فذبحه، فسأل منه دمًا كما يسيل من العجل إذا ذبح، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم) (٢٨) (٢٩) (٣٠) وروى عطاء عن ابن عباس: (فبرد بالمبارد ثم ألقي في البحر) (٣١) وهذا يحمل على برد عظامه، إلا على قول مجاهد فإنه لم يجعله لحمًا ودمًا، وحينئذ برد العجل بالمبرد وهو من الذهب.
والدليل على أن المبرد كان للعظام قول ابن مسلم في قوله: ﴿ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ﴾ (أي: لنطيرن تلك البرادة والرماد في البحر) (٣٢) (٣٣) (١) السخاوة والسخاء: الجود، والسخي: الجواد.
انظر: "تهذيب اللعة" (سخا) 7/ 487، "القاموس المحيط" (السخي) 4/ 341، "لسان العرب" (سخا) 9/ 208، "مختار الصحاح" (سخا) 291.
(٢) "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 241، "روح المعاني" 16/ 256.
وهذا القول من الروايات الإسرائيلية التي ذكرها أهل التفسير في هذه الآية.
(٣) قوله: (لك)، ساقط من نسخة (ص).
(٤) "معالم التنزيل" 5/ 292، "روح المعاني" 16/ 256.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (مس) 4/ 339، "مقاييس اللغة" (مس) 5/ 271، "لسان العرب" (مسس) 7/ 4201، "المفردات في غريب القرآن" (مسس) ص 467.
(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 240.
(٧) "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "النكت والعيون" 3/ 424، "معالم التنزيل" 35/ 292.
(٨) قوله: (حرم)، ساقط من نسخة (ص).
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 473.
(١٠) "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "المحرر الوجيز" 10/ 84، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 240.
(١١) قال الرازي -رحمه الله- في "تفسيره" 22/ 113: وهذا الإعتراض ضعيف؛ لأن الرجل إذا بقي طريدًا فريدًا فإذا قيل له كيف حالك؟
فله أن يقول: لا مساس.
أي: == لا يماسني أحد ولا أماس أحدًا، المعنى: إني أجعلك يا سامري في المطرودين بحيث لو أردت أن تخبر غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس، وهذا الوجه أحسن وأقرب إلى نظم الكلام.
(١٢) ورد نحوه بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 319، "البحر المحيط" 6/ 275، "روح المعاني" 16/ 256.
(١٣) "النكت والعيون" 3/ 423، "معالم التنزيل" 5/ 292، "زاد المسير" 5/ 319، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 41.
(١٤) "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 49.
"زاد المسير" 5/ 319.
قول المؤلف -رحمه الله-: (إن بقاياهم اليوم يقولون ذلك) قول يحتاج إلى دليل فليس في ظاهر الآية دليل على هذا القول.
وقد قال سبحانه في سورة النجم: ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ .
(١٥) "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "معالم التنزيل" 5/ 292، "الكشاف" 2/ 551 "زاد المسير" 5/ 319، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 241.
(١٦) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 242، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183، "الدر المنثور" 4/ 548.
(١٧) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 242 بدون نسبة.
(١٨) قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (لن تخلَفه) بفتح اللام.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لن تخلِفه) بكسر اللام.
انظر: "السبعة" ص 424، "الحجة" 5/ 249، "حجة القراءات" ص 463، "التبصرة" ص 261.
(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 375.
(٢٠) "جامع البيان" 16/ 207، "زاد المسير" 5/ 319، "فتح القدير" 3/ 549.
(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 375.
(٢٢) أوس بن مغراء من بني ربيعة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، شاعر اشتهر في الجاهلية، وعاش زمنًا في الإسلام، له شعر في الهجاء والمدح.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 457، "سمط اللآلي" ص 795، "الأغاني" 5/ 12، "الأعلام" 2/ 31.
(٢٣) البيت لأوس بن مغراء السعدي.
انظر: "تهذيب اللغة" (مس) 4/ 339، "لسان العرب" (مسس) 17/ 4201.
(٢٤) "جامع البيان" 16/ 208، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 182، "الدر المنثور" 4/ 549، "روح المعاني" 16/ 257.
(٢٥) في (ص): (في اليم).
(٢٦) "جامع البيان" 16/ 208، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الدر المنثور" 4/ 549، "روح المعاني" 16/ 258.
(٢٧) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر.
"جامع البيان" 16/ 153، "معالم التنزيل" 5/ 293، "زاد المسير" 5/ 319، "القرطبي" 11/ 242، "التفسير الكبير" 22/ 113.
(٢٨) "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "القرطبي" 11/ 242، وذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 208، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 50.
(٢٩) قرأ علي بن أبي طالب - -: ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بفتح النون وضم الراء.
وقرأ الحسن: ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بضم النون وسكون الحاء وكسر الراء.
انظر: "جامع البيان" 16/ 258، "المحتسب" 2/ 58، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 57، "غريب القرآن" لابن قتيبة 281، "غريب القرآن" لابن الملقن 249.
(٣٠) "جامع البيان" 16/ 208، "الكشف والبيان" 3/ 24/ أ، "بحر العلوم" 2/ 353، "المحرر الوجيز" 10/ 87، "الكشف" 2/ 552.
(٣١) ذكر نحوه السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 549 وعزاه لابن أبي حاتم.
(٣٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 208، "بحر العلوم" 2/ 353، "معالم التنزيل" 5/ 293، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143.
"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 243.
(٣٣) انظر: "تهذيب اللغة" (نسف) 4/ 3561، "القاموس المحيط" (نسف) 3/ 199.= "الصحاح" (نسف) 4/ 1431، "لسان العرب" (نسف) 7/ 4411، "المفردات في غريب القرآن" (نسف) 490.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ يَبْنَؤُمَّ ﴾ ذكر في [الأعراف: 150] ﴿ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ كان موسى قد أخذ بشعر هارون ولحيته من شدّة غضبه، لما وجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ ﴾ أي: لو قاتلت من عبد العجل منهم بمن لم يعبده، لقلت فرقت جماعتهم وأدخلت العداوة بينهم، وهذا على أن يكون معنى قوله: ﴿ تَتَّبِعَنِ ﴾ في الزجر والقتال، ولو أتبعتك في المشي إلى الطور لاتبعني بعضهم دون بعض، فتفرقت جماعتهم وهذا على أن يكون معنى ﴿ تَتَّبِعَنِ ﴾ في المشي إلى الطور ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ يعني قوله له: اخلفني في قومي وأصلح.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.
﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.
الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.
الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.
الباقون مشددة.
﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.
الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.
والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.
وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.
الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.
﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.
الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.
الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.
﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.
﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.
التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.
قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.
فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.
وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.
ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.
"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.
قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.
وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.
واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.
وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.
قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.
يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.
وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.
أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.
قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.
والنكتة فيه أن عدوّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟
فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.
قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.
قال القاضي.
هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.
ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.
وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.
يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال ﴿ وحرمنا عليه المراضع ﴾ جاءت أخت موسى واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.
وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.
عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.
ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.
قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.
قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.
والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.
وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.
وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.
وقال غيره من المعتزلة: إنه إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.
ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.
أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.
﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.
وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.
وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.
وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.
والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.
وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.
وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.
وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.
ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟
والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.
ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ والقاتل واحد منهم.
ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.
وقيل: ألهم بذلك.
وقيل: سمع بخبره فتلقاه.
سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟
جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.
وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.
وكيف ذلك القول اللين؟
الأصح انه نحو قوله ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.
وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.
حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.
فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.
وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.
ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.
بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.
ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.
قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.
وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.
قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.
ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.
وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟
وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.
قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.
وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.
ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.
قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.
وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.
ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.
وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.
وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟
وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.
قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.
والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.
قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.
وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.
وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.
فأراد أن يعجز عن الجواب.
قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!
وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.
وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.
واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.
وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.
وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.
وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله غير حاصل للبشر.
وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.
ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.
فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.
ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.
وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.
قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.
ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.
من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.
وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.
ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.
واعلم أن عجائب حكمة الله في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.
ثم إنه جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.
وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.
وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.
والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.
ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.
قال أهل النظم: إن موسى لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟
أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟
فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.
أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.
ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟
فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.
وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.
والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.
وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.
وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.
وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.
وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.
والتحقيق ما قاله القفال.
وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.
ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.
قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.
وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.
وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.
يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.
ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.
و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.
ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم ﴾ ومن نعم الله أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.
قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.
وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.
﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.
أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.
﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.
﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.
وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.
وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.
وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.
والحاصل أنه عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.
وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.
ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.
ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.
ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.
قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.
ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.
سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.
الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.
قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.
وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.
ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.
وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.
وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.
ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.
وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.
ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.
وهو معنى قول مجاهد.
فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.
وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.
وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.
قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.
وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.
وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.
وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.
ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.
ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.
وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.
عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.
وقيل: أربعمائة.
وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.
حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.
وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.
وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.
وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.
والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.
﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.
وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.
وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.
وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.
وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.
والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.
قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.
وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.
وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.
وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.
وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.
وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.
وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.
ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.
ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.
والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.
من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.
وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.
ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.
وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.
﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.
واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.
﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.
قال وهب: سحروا أعين موسى حتى تخيل ذلك.
وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.
وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.
﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".
ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.
ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!.
وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.
واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.
وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.
ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.
قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.
قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.
قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.
وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.
والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.
والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.
ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.
وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.
وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.
وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.
قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.
أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ إلى آخر السورة.
فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟
سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.
سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.
قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.
ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.
قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.
وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.
ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.
وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ .
يذكر - والله [أعلم] - بهذا رسوله: أن الذين كذبوك وجحدوا رسالتك لم يكذبوك لجهلهم بالرسالة، ولكن لتعنتهم وعنادهم على ما ذكروا نبأه من قول هارون لقومه لما عبدوا العجل حيث قال: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ فكأنه يؤيسه عن إيمان أولئك لعنادهم، وهو ما قال: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ فُتِنتُمْ ﴾ ، أي: صرتم مفتونين بالعجل بصوته وخواره أو بغيره.
والثاني: ﴿ فُتِنتُمْ ﴾ أي: ضللتم به، أي: بالعجل وإن ربكم الرحمن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّبِعُونِي ﴾ ، أي: أجيبوا لي إلى ما أدعوكم به ﴿ وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي ﴾ ، أي: ما آمركم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَن نَّبْرَحَ ﴾ ، أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين حتى يرجع إلينا موسى.
وقال بعضهم: ﴿ لَن نَّبْرَحَ ﴾ ، أي: لن نفارق عبادته، ثم قال موسى: ﴿ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ ﴾ هذا يدل أن قول هارون لهم: ﴿ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ ﴾ أراد به: الضلال؛ حيث قال له موسى: ﴿ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ يحتمل ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ ، أي: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا صرت إلى ما كنت صرت أنا؟
وقد علمت إلى أين صرت أنا، أو أن يكون قوله: ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ ، أي: ألا تتبع ديني وسنتي وكانت [سنته] ومذهبه القتال والحرب معهم إذا ضلوا وتركوا دين الله.
فاعتذر إليه هارون فقال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ ، هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: أني خشيت إن اتبعتك وصرت إلى ما صرت أنت تقول لي: ﴿ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ ﴾ ؛ لأنك لو نهيتهم عما اختاروا من عبادة العجل وبينت لهم السبيل لعلهم يتبعونك، فحيث لم تفعل فأنت الذي فرقت بينهم.
والثاني: على تأويل القتال والحرب في قوله: ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ إني خشيت لو قاتلتهم ونصبت الحرب بينهم صاروا فريقين، فإذا تفرقوا اقتتلوا وسفكوا الدماء وتفانوا، فترك القتال لما أطمعوه الإيمان إذا رجع إليهم موسى ونهاهم عن ذلك، فلعل سنته في القتال مع من لم يطمع منه الإيمان، هذا على تأويل من يقول بأن هارون اعتزلهم لما عبدوا العجل مع عشرة آلاف نفر وأكثر أو أقل على ما ذكر.
وأما الحسن فإنه يقول: كلهم قد عبدوا العجل إلا هارون، فعلى قوله لا يحتمل الحرب والقتال معهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ .
قيل: هو ما قال: ﴿ وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ ، ودل قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ بأن كان له الشعر، فكنى بالرأس عن الشعر.
<div class="verse-tafsir"
قال موسى للسامري: فاذهب أنت فإن لك أن تقول ما دمت حيًّا: لا أَمَسّ ولا أُمَسّ، فتعيش منبوذًا، وإن لك موعدًا يوم القيامة تُحَاسَب فيه وتُعَاقَب، لن يخلفك الله هذا الموعد، وانظر إلى عجلك الذي اتخذته معبودك، وأقمت على عبادته من دون الله، لنشعلنّ عليه نارًا حتى ينصهر، ثم لنَذْرِينه في البحر حتى لا يبقى له أثر.
<div class="verse-tafsir" id="91.1oADJ"