الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١٥ من سورة الحج
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٥ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قال ابن عباس : من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، ( فليمدد بسبب ) أي : بحبل ) إلى السماء ) أي : سماء بيته ، ( ثم ليقطع ) يقول : ثم ليختنق به .
وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، وأبو الجوزاء ، وقتادة ، وغيرهم .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( فليمدد بسبب إلى السماء ) أي : ليتوصل إلى بلوغ السماء ، فإن النصر إنما يأتي محمدا من السماء ، ( ثم ليقطع ) ذلك عنه ، إن قدر على ذلك .
وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى ، وأبلغ في التهكم; فإن المعنى : من ظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه ، فليذهب فليقتل نفسه ، إن كان ذلك غائظه ، فإن الله ناصره لا محالة ، قال الله تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .
يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 51 ، 52 ] ; ولهذا قال : ( فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ) قال السدي : يعني : من شأن محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال عطاء الخراساني : فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ .
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالهاء التي في قوله: ( أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) .
فقال بعضهم: عُنِي بها نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فتأويله على قول بعض قائلي ذلك: من كان من الناس يحسب أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة، فليمدد بحبل، وهو السبب إلى السماء: يعني سماء البيت، وهو سقفه، ثم ليقطع السبب بعد الاختناق به، فلينظر هل يذهبن اختناقه ذلك، وقطعه السبب بعد الاختناق ما يغيظ، يقول: هل يذهبن ذلك ما يجد في صدره من الغيظ.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، قال: ثني خالد بن قيس، عن قَتادة: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ولا دينه ولا كتابه، ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) يقول: بحبل إلى سماء البيت فليختنق به ( فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ) .
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) قال: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) يقول: بحبل إلى سماء البيت، ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ ) يقول: ثم ليختنق ثم لينظر هل يذهبنّ كيده ما يغيظ.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قَتادة، بنحوه.
وقال آخرون ممن قال: الهاء في ينصره من ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم السماء التي ذكرت في هذا الموضع، هي السماء المعروفة.
قالوا: معنى الكلام ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) فقرأ حتى بلغ ( هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ) قال: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكابد هذا الأمر ليقطعه عنه ومنه: فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء، فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه من الله، فإنه لا يكايده حتى يقطع أصله عنه، فكايد ذلك حتى قطع أصله عنه.( فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ) ما دخلهم من ذلك، وغاظهم الله به من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وما ينـزل عليه.
وقال آخرون ممن قال " الهاء " التي في قوله: ( يَنْصُرَهُ) من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم; معنى النصر هاهنا الرزق، فعلى قول هؤلاء تأويل الكلام: من كان يظنّ أن لن يرزق الله محمدا في الدنيا، ولن يعطيه.
وذكروا سماعا من العرب: من ينصرني نصره الله، بمعنى: من يعطيني أعطاه الله، وحكوا أيضا سماعا منهم: نصر المطر أرض كذا: إذا جادها وأحياها.
واستشهد لذلك ببيت الفقعسيّ: وإنَّـكَ لا تُعْطِـي امْـرأً فَـوْقَ حَظِّـهِ ولا تَمْلِـكُ الشَّـقَّ الَّـذِي الغَيْثُ ناصِرُهُ (2) * ذكر من قال ذلك: حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ) قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، فليربط حبلا في سقف ثم ليختنق به حتى يموت.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس، عن قوله: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) قال: أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) والسبب: الحَبْل، والسماء: سقف البيت، فليعلق حبلا في سماء البيت ثم ليختنق ( فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ) هذا الذي صنع ما يجد من الغيظ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) قال: سماء البيت.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت التميميّ، يقول: سألت ابن عباس، فذكر مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) ...
إلى قوله: ( مَا يَغِيظُ ) قال: السماء التي أمر الله أن يمد إليها بسبب سقف البيت أمر أن يمد إليه بحبل فيختنق به، قال: فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ إذا اختنق إن خشي أن لا ينصره الله!
وقال آخرون: الهاء في ينصره من ذكر " مَنْ".
وقالوا: معنى الكلام: من كان يظنّ أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى سماء البيت ثم ليختنق، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، أنه لا يرزق!
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث (3) ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ( أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) قال: يرزقه الله.( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) قال: بحبل ( إِلَى السَّمَاءِ ) سماء ما فوقك ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ ) ليختنق، هل يذهبن كيده ذلك خنقه أن لا يرزق.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) يرزقه الله ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) قال: بحبل إلى السماء.
قال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس، قال: ( إِلَى السَّمَاءِ ) إلى سماء البيت.
قال ابن جُرَيج: وقال مجاهد: ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ ) قال: ليختنق، وذلك كيده ( مَا يَغِيظُ ) قال: ذلك خنقه أن لا يرزقه الله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) يعني: بحبل ( إِلَى السَّمَاءِ ) يعني: سماء البيت.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عطية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: سُئل عكرِمة عن قوله: ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) قال: سماء البيت.( ثُمَّ لِيَقْطَعْ ) قال: يختنق.
وأولى ذلك بالصواب عندي في تأويل ذلك قول من قال: الهاء من ذكر نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ودينه وذلك أن الله تعالى ذكره، ذكر قومًا يعبدونه على حرف وأنهم يطمئنون بالدين إن أصابوا خيرا في عبادتهم إياه، وأنهم يرتدّون عن دينهم لشدّة تصيبهم فيها، ثم أتبع ذلك هذه الآية، فمعلوم أنه إنما أتبعه إياها توبيخا لهم على ارتدادهم عن الدين، أو على شكهم فيه نفاقهم، استبطاء منهم السعة في العيش، أو السبوغ في الرزق.
وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقيب الخبر عن نفاقهم، فمعنى الكلام إذن، إذ كان كذلك: من كان يحسب أن لن يرزق الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته في الدنيا، فيوسع عليهم من فضله فيها، ويرزقهم في الآخرة من سَني عطاياه وكرامته، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم، فليمدد بحبل إلى سماء فوقه: إما سقف بيت، أو غيره مما يعلق به السبب من فوقه، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله، فاستعجل انكشاف ذلك عنه، فلينظر هل يذهبنّ كيده اختناقه كذلك ما يغيظ، فإن لم يذهب ذلك غيظه؛ حتى يأتي الله بالفرج من عنده فيذهبه، فكذلك استعجاله نصر الله محمدا ودينه لن يُؤَخِّر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته، ولا يعجَّل قبل حينه، وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في أسد وغطفان، تباطئوا عن الإسلام، وقالوا: نخاف أن لا ينصر محمد صلى الله عليه وسلم، فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يُرَوُّوننا، فقال الله تبارك وتعالى لهم: من استعجل من الله نصر محمد، فليمدد بسبب إلى السماء فليختنق فلينظر استعجاله بذلك في نفسه، هل هو مُذْهِبٌ غيظه؟
فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدّم نصره قبل حينه.
واختلف أهل العربية في " ما " التي في قوله: ( مَا يَغِيظُ ) فقال بعض نحوييِّ البصرة هي بمعنى الذي، وقال: معنى الكلام: هل يذهبنّ كيده الذي يغيظه، قال: وحذفت الهاء لأنها صلة الذي، لأنه إذا صارا جميعا اسما واحدا كان الحذف أخفّ.
وقال غيره: بل هو مصدر لا حاجة به إلى الهاء، هل يذهبنّ كيده غيظه.
------------------------ الهوامش: (2) البيت للفقعسي ، كما قال المؤلف .
والشاهد فيه قوله " الغيث ناصره " .
قال في ( اللسان : نصر ) قال أبو حنيفة الدينوري الناصر والناصرة : ما جاء من مكان بعيد إلى الوادي ، فنصر السيول .
ونصر البلاد ينصرها أتاها .
عن ابن الأعرابي ، ونصرت أرض بني فلان أي أتيتها ، ونصر الغيث الأرض نصرا : أغاثها وسقاها وأنبتها .
قال : مــن كـان أخطـأه الـربيع فإنمـا نصـر الحجـاز بغيـث عبـد الواحد ونصر الغيث البلد : إذا أعانه على الخصب والنبات .
وقال أبو عبيدة : نصرت البلاد : إذا مطرت فهي منصورة : أي ممطورة .
ونصر القوم : إذا أغيثوا .
وفي الحديث .
" إن هذه السحابة تنصر أرض بني كعب " أي تمطرهم .
(3) في السند اختصار لعله من الناسخ .
قوله تعالى : من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء قال أبو جعفر النحاس : من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه .
فليمدد بسبب إلى السماء أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء .
ثم ليقطع أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ وحيلته ما يغيظه من نصر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر .
وكذا قال ابن عباس : ( إن الكناية في ينصره الله ترجع إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه ؛ لأن الإيمان هو الإيمان بالله وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين الذي أتى به محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي من كان يظن ممن يعادي محمدا - صلى الله عليه وسلم - ومن يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا ) .
وعن ابن عباس أيضا ( أن الهاء تعود على ( من ) والمعنى : من كان يظن أن الله لا يرزقه فليختنق ، فليقتل نفسه ؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله ) .
والنصر على هذا القول الرزق ؛ تقول العرب : من ينصرني نصره الله ؛ أي من أعطاني أعطاه الله .
ومن ذلك قول العرب : أرض منصورة ؛ أي ممطورة .
قال الفقعسي :وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه ولا ملك الشق الذي الغيث ناصرهوكذا روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : من كان يظن أن لن ينصره الله أي لن يرزقه .
وهو قول أبي عبيدة .
وقيل : إن الهاء تعود على الدين ؛ والمعنى : من كان يظن أن لن ينصر الله دينه .
فليمدد بسبب أي بحبل .
والسبب ما يتوصل به إلى الشيء .
إلى السماء إلى سقف البيت .
ابن زيد : هي السماء المعروفة .
وقرأ الكوفيون ثم ليقطع بإسكان اللام .
قال النحاس : وهذا بعيد في العربية ؛ ( لأن ) ثم ليست مثل الواو والفاء ، لأنها يوقف عليها وتنفرد .
وفي قراءة عبد الله ( فليقطعه ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ) .
قيل : ( ما ) بمعنى الذي ؛ أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه ، فحذف الهاء ليكون أخف .
وقيل : ( ما ) بمعنى المصدر ؛ أي هل يذهبن كيده غيظه .
أي: من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله، وأن دينه سيضمحل، فإن النصر من الله ينزل من السماء { فَلْيَمْدُدْ } ذلك الظان { بِسَبَبٍ } أي: حبل { إِلَى السَّمَاءِ } وليرقى إليها { ثُمَّ لِيَقْطَعْ } النصر النازل عليه من السماء { فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } أي: ما يكيد به الرسول، ويعمله من محاربته، والحرص على إبطال دينه، ما يغيظه من ظهور دينه، وهذا استفهام بمعنى النفي [وأنه]، لا يقدر على شفاء غيظه بما يعمله من الأسباب.
ومعنى هذه الآية الكريمة: يا أيها المعادي للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الساعي في إطفاء دينه، الذي يظن بجهله، أن سعيه سيفيده شيئا، اعلم أنك مهما فعلت من الأسباب، وسعيت في كيد الرسول، فإن ذلك لا يذهب غيظك، ولا يشفي كمدك، فليس لك قدرة في ذلك، ولكن سنشير عليك برأي، تتمكن به من شفاء غيظك، ومن قطع النصر عن الرسول -إن كان ممكنا- ائت الأمر مع بابه، وارتق إليه بأسبابه، اعمد إلى حبل من ليف أو غيره، ثم علقه في السماء، ثم اصعد به حتى تصل إلى الأبواب التي ينزل منها النصر، فسدها وأغلقها واقطعها، فبهذه الحال تشفي غيظك، فهذا هو الرأي: والمكيدة، وأما ما سوى هذه الحال فلا يخطر ببالك أنك تشفي بها غيظك، ولو ساعدك من ساعدك من الخلق.
وهذه الآية الكريمة، فيها من الوعد والبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله وعباده المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس الكافرين، الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره، ولو كره الكافرون، أي: وسعوا مهما أمكنهم.
( من كان يظن أن لن ينصره الله ) يعني نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ( في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب ) بحبل ( إلى السماء ) أراد بالسماء سقف البيت على قول الأكثرين أي ليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به حتى يموت ، ( ثم ليقطع ) الحبل بعد الاختناق وقيل " ثم ليقطع " أي ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا ( فلينظر هل يذهبن كيده ) صنيعه وحيلته ، ( ما يغيظ ) " ما " بمعنى المصدر أي هل يذهبن كيده وحيلته غيظه معناه فليختنق غيظا حتى يموت وليس هذا على سبيل الحتم أي : أن يفعله لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت ولكنه كما يقال للحاسد إن لم ترض هذا فاختنق ومت غيظا وقال ابن زيد : المراد من السماء السماء المعروفة ومعنى الآية : من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه فليقطعه من أصله فإن أصله من السماء فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل وروي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان ، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وكان بينهم وبين اليهود حلف وقالوا لا يمكننا أن نسلم لأنا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود ، فلا يميروننا ولا يئووننا فنزلت هذه الآية .
وقال مجاهد : " النصر " بمعنى الرزق والهاء راجعة إلى ( من ) ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة نزلت فيمن أساء الظن بالله عز وجل وخاف ألا يرزقه الله " فليمدد بسبب إلى السماء " أي إلى سماء البيت فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ وهو خيفة أن لا يرزق .
وقد يأتي النصر بمعنى الرزق تقول العرب من ينصرني نصره الله أي من يعطني أعطاه الله قال أبو عبيدة : تقول العرب أرض منصورة أي ممطورة .
قرأ أبو عمرو ، ونافع ، وابن عامر ، ويعقوب : " ثم ليقطع " " ثم ليقضوا " بكسر اللام والباقون بجزمها لأن الكل لام الأمر زاد ابن عامر " وليوفوا نذورهم وليطوفوا " الحج 29 ) بكسر اللام فيهما ومن كسر في " ثم ليقطع " وفي " ثم ليقضوا " فرق بأن ثم مفصول من الكلام والواو كأنها من نفس الكلمة كالفاء في قوله : " فلينظر "
«من كان يظن أن لن ينصره الله» أي محمدا نبيه «في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب» بحبل «إلى السماء» أي سقف بيته يشدّه فيه وفي عنقه «ثم ليقطع» أي ليختنق به بأن يقطع نفسه من الأرض كما في الصحاح «فلينظر هل يُذهبن كيده» في عدم نصرة النبي «ما يغيظ» منها المعنى فليختنق غيظا منها فلا بد منها.
من كان يعتقد أن الله تعالى لن يؤيد رسوله محمدًا بالنصر في الدنيا بإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، وعذابِ مَن كذَّبه، فلْيَمدُدْ حبلا إلى سقف بيته وليخنق به نفسه، ثم ليقطع ذلك الحبل، ثم لينظر: هل يُذْهِبنَّ ذلك ما يجد في نفسه من الغيظ؟
فإن الله تعالى ناصرٌ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم لا محالة.
للعلماء فى تفسير الآية الأولى أقوال :أولها أن الضمير فى قوله ( يَظُنُّ ) يعود إلى أعداء النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى قوله ( يَنصُرَهُ ) يعود إليه - صلى الله عليه وسلم - .والمعنى : ( من كان يظن ) من الكافرين الكارهين للحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ( أن لن ينصره الله ) .
أى : أن لن ينصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ( فى الدنيا والآخرة فليمدد ) هذا الكافر ( بسبب ) أى : بحبل إلى السماء ، أى : سقف بيته ، لأن العرب تسمى كل ما علاك فهو سماء ." ثم ليقطع " ثم ليختنق هذا الكافر بهذا الحبل ، بأن يشده حول عنقه ويتدلى من الحبل المعلق بالسقف حتى يموت .( فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ) أى : فليتفكر هذا الكافر فى أمره ، هل يزيل فعله هذا ما امتلأت به نفسه من غيط لنصر الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -؟كلا ، فإن ما يفعله بنفسه من الاختناق والغيظ ، لن يغير شيئاً من نصر الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، فليمت هذا الكافر بغيظه وكيده .فالمقصود بالآية الكريمة ، بيان أن ما قدره الله - تعالى - من نصر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لن يحول بين تنفيذه حائل ، مهما فعل الكافرون ، وكره الكارهون ، فليموتوا بغيظهم ، فإن الله - تعالى - ناصر نبيه لا محالة .وصح عود الضمير فى قوله ( أَن لَّن يَنصُرَهُ ) إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - مع أنه لم يسبق له ذكر ، لأن الكلام دال عليه فى الآيات السابقة ، إذ المراد بالإيمان فى قوله - تعالى - فى الآية السابقة ( إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات .
.
) الإيمان بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به عند ربه - تعالى - .وعبر - سبحانه - عن اختناق هذا الحاقد بالحبل بقوله : ( ثُمَّ لْيَقْطَعْ ) لأن قطع الشىء يؤدى إلى انتهائه وهلاكه ، والمفعول محذوف .
والتقدير : ثم ليقطع نفسه أو حياته .وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا القول فقال : هذا كلام قد دخله اختصار .والمعنى : إن الله ناصر رسوله فى الدنيا والآخرة ، فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك .
.
فليستقص وسعه ، وليستفرغ مجهوده فى إزالة ما يغيظه .
بأن يفعل ما يفعله من بلغ به الغيظ كل مبلغ ، حتى مد حبلاً إلى سماء بيته فاختنق ، فلينظر - هذا الحاسد - وليصور فى نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذى يغيظه؟وسمى - سبحانه - فعل هذا الكاف كيداً ، لأنه وضعه موضع الكيد ، حيث لم يقدر على غيره ، أو سماه كذلك على سبيل الاستهزاء ، لأنه لم يكد به محسوده ، إنما كاد نفسه .والمراد : إنه ليس فى يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه .
.
" .وثانيها : إن الضمير فى قوله : ( لَّن يَنصُرَهُ ) يعود إلى " من " فى قوله ( مَن كَانَ يَظُنُّ ) وأن النصر هنا بمعنى الرزق .
.فيكون المعنى : من كان من الناس يظن أن لن يرزقه الله فى الدنيا والآخرة فليختنق ، وليقتل نفسه ، إذ لا خير فى حياة ليس فيها رزق الله وعونه ، أو فليختنق ، فإن اختناقه لن يغير شيئاً مما قضاه الله - تعالى - .قال الآلوسى : واستظهر أبو حيان كون الضمير فى " ينصره " عائداً على " من " لأنه المذكور ، وحق الضمير أن يعود على مذكور .
.
.
وفسر النصر بالرزق .قال أبو عبيدة : وقف علينا سائل من بنى بكر فقال : من ينصرنى نصره الله - أى : من يرزقنى رزقه الله .والمعنى : أن الارزاق بيد الله - تعالى - لا تنال إلا بمشيئته ، فمن ظن أن الله - تعالى - غير رازقه ، ولم يصبر ولم يستسلم فليختنق ، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقاً .والغرض : الحث على الرضا بما قسمه الله - تعالى - لا كمن يعبده على حرف .
.
.وثالثها : أن الآية فى قوم من المسلمين استبطأوا نصر الله - تعالى - لاستعجالهم وشدة غيظهم وحنقهم على المشركين ، فنزلت الآية لبيان أن كل شىء عند الله بمقدار .ويكون المعنى : من كان من الناس يظن أن لن ينصره الله ، واستبطأ حدوث ذلك ، فليمت غيظاً .
لأن للنصر على المشركين وقتاً لا يقع إلا فيه بإذن الله ومشيئته .ويبدو أن أقرب الأقوال إلى الصواب ، القول الأول ، وعليه جمهور المفسرين ، ويؤيده قوله - تعالى - : ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ) وقوله - سبحانه - : ( .
.
.
وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ).
القراءة: قرئ ﴿ فِى الدنيا والآخرة ﴾ بالنصب والرفع فالنصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفي حرف عبدالله ﴿ مِنْ ضَرُّهُ ﴾ بغير لام، واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ ﴾ وفي تفسير الحرف وجهان: الأول: ما قاله الحسن وهو أن المرء في باب الدين معتمدة القلب واللسان فهما حرفا الدين، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفي قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف الثاني: قوله: ﴿ على حَرْفٍ ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه.
وهذا هو المراد ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقاً مذموماً وهو مثل قوله تعالى: ﴿ مذبذبين بَيْنَ ذلك ﴾ وكقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ .
المسألة الثانية: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأن إليه وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه وذهب ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عن دينه.
وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والحسن ومجاهدة وقتادة.
وثانيها: وهو قول الضحاك نزلت في المؤلفة قلوبهم، منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيراً عرفنا أنه حق، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل.
وثالثها: قال أبو سعيد الخدري: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فقال يا رسول الله أقلني فإني لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري وولدي ومالي.
فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام لا يقال، إن الإسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة».
فنزلت هذه الآية.
وأما قوله: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ ففيه سؤالات: الأول: كيف قال: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ والخير أيضاً فتنة لأنه امتحان وقال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً ﴾ ، والجواب: مثل هذا كثير في اللغة لأن النعمة بلاء وابتلاء لقوله: ﴿ فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾ ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي، لأنه لا دين له.
فلذلك وردت الآية على ما يعتقدونه، وإن كان الخير كله فتنة، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل.
السؤال الثاني: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله: ﴿ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد؟
والجواب: المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب في الحقيقة.
السؤال الثالث: قال مقاتل: الخير هو ضد الشر فلما قال: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ ﴾ كان يجب أن يقول: وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح.
أما قوله تعالى: ﴿ خَسِرَ الدنيا والآخرة ﴾ فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصوناً، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم ﴿ وذلك هُوَ الخسران المبين ﴾ .
أما قوله: ﴿ يَدْعُو مِن دون الله مَالا يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ فالأقرب أنه المشرك الذي يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي لأنه ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام، والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه النفاق وبين تعالى أن: ﴿ ذلك هُوَ الضلال البعيد ﴾ ، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم، ويحتمل أن يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان يشترك في أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض، واستعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالاً وطالت وبعدت مسافة ضلاله.
أما قوله تعالى: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في تفسيره على وجهين: أحدهما: أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض.
القول الثاني: أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور: أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها، كقوله تعالى: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس ﴾ فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال، فكذا هاهنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر.
وثانيها: كأنه سبحانه وتعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع، ثم قال في الآية الثانية: لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها.
وثالثها: كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ضرر في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها في الآخرة: إن ضرركم أعظم من نفعكم.
المسألة الثانية: اختلف النحويون في إعراب قوله: ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ ﴾ .
أما قوله: ﴿ لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير ﴾ فالمولى هو الولي والناصر، والعشير الصاحب والمعاشر، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء، ثم ذم الرؤساء بقوله: ﴿ لَبِئْسَ المولى ﴾ والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم.
<div class="verse-tafsir"
هذا كلام قد دخله اختصار.
والمعنى إن الله ناصر رسوله في الدنيا والأخرة؛ فمن كان يظنّ من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك ويطمع فيه، ويغيظه أنه يظفر بمطلوبه، فليستقص وسعه وليستفرغ مجهوده في إزالة ما يغيظه، بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيط كل مبلغ حتى مدّ حبلاً إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر وليصوّر في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه؟
وسمي الاختناق قطعاً؛ لأنّ المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه.
ومنه قيل للبهر: القطع وسمي فعله كيداً لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على غيره.
أو على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده إنما كاد به نفسه.
والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه.
وقيل: فليمدد بحبل إلى السماء المظلة، وليصعد عليه فليقطع الوحي أو ينزل عليه.
وقيل: كان قوم من المسلمين لشدّة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤن ما وعد الله رسوله من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يثبت أمره.
فنزلت.
وقد فسر النصر: بالرزق، وقيل: معناه أن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئته ولا بد للعبد من الرضا بقسمته، فمن ظنّ أن الله غير رازقه وليس به صبر واستسلام، فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يردّه مرزوقاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ مِن إثابَةِ المُوَحِّدِ الصّالِحِ وعِقابِ المُشْرِكِ الطّالِحِ لا دافِعَ لَهُ ولا مانِعَ.
﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ كَلامٌ فِيهِ اخْتِصارٌ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ناصِرٌ رَسُولَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَمَن كانَ يَظُنُّ خِلافَ ذَلِكَ ويَتَوَقَّعُهُ مِن غَيْظِهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالنَّصْرِ الرِّزْقُ والضَّمِيرُ لِمَن.
﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ فَلْيَسْتَقْصِ في إزالَةِ غَيْظِهِ أوْ جَزَعِهِ بِأنْ يَفْعَلَ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ المُمْتَلِئُ غَيْظًا، أوِ المُبالِغُ جَزَعًا حَتّى يَمُدَّ حَبْلًا إلى سَماءِ بَيْتِهِ فَيَخْتَنِقَ مِن قَطَعَ إذا اخْتَنَقَ، فَإنَّ المُخْتَنِقَ يَقْطَعُ نَفَسَهُ بِحَبْسِ مَجارِيهِ.
وقِيلَ فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى سَماءِ الدُّنْيا ثُمَّ لِيَقْطَعْ بِهِ المَسافَةَ حَتّى يَبْلُغَ عَنانَها فَيَجْتَهِدَ في دَفْعِ نَصْرِهِ أوْ تَحْصِيلِ رِزْقِهِ.
وقَرَأ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ﴿ لِيَقْطَعْ ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿ فَلْيَنْظُرْ ﴾ فَلْيَتَصَوَّرْ في نَفْسِهِ.
﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ فِعْلُهُ ذَلِكَ وسَمّاهُ عَلى الأوَّلِ كَيْدًا لِأنَّهُ مُنْتَهى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
﴿ ما يَغِيظُ ﴾ غَيْظَهُ أوِ الَّذِي يُغِيظُهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُسْلِمِينَ اسْتَبْطَئُوا نَصْرَ اللَّهِ لِاسْتِعْجالِهِمْ وشِدَّةِ غَيْظِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والآخرة} المعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة فمن ظن من أعاديه غير ذلك {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} بحبل {إِلَى السماء} إلى سماء بيته {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} ثم ليختنق به وسمي الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه وبكسر اللام بصري وشامي {فَلْيَنْظُرْ
هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} أي الذي يغيظه أو ما مصدرية أي غيظه والمعنى فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه سمي فعله كيداً على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده إنما كاديه نفسه والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ
﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ الضَّمِيرُ في ( يَنْصُرَهُ ) لِرَسُولِ اللَّهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ المُجادِلَ بِالباطِلِ وخِذْلانَهُ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا يُدْلِي بِحُجَّةٍ ما ضَرُورِيَّةٍ أوْ نَظَرِيَّةٍ أوْ سَمْعِيَّةٍ ولِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِنَ النَّكالِ، وفي الآخِرَةِ بِما هو أطَمُّ وأطَمُّ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مُشايِعِيهِ وعَمَّمَ خَسارَهم في الدّارَيْنِ ذَكَرَ في مُقابِلِهِمُ المُؤْمِنِينَ وأتْبَعَهُ ذِكْرَ المُجادِلِ عَنْهم وعَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى بِالَّتِي هي أحْسَنُ وهو رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبالَغَ في كَوْنِهِ مَنصُورًا بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، واخْتَصَرَ الكَلامَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ العَلَمُ الَّذِي لا يُشْتَبَهُ وأنَّ الكَلامَ فِيهِ ولَهُ ومَعَهُ وإنْ ذُكِرَ غَيْرُهُ بِتَبَعِيَّةِ ذِكْرِهِ، فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى ناصِرٌ لِرَسُولِهِ في الدُّنْيا بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ وفي الآخِرَةِ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِ وإدْخالِ مَن صَدَّقَهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ وإذاقَتِهِ عَذابَ الحَرِيقِ لا يَصْرِفُهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ صارِفٌ ولا يَعْطِفُهُ عَنْهُ عاطِفٌ فَمَن كانَ يَغِيظُهُ ذَلِكَ مِن أعادِيهِ وحُسّادِهِ ويَظُنُّ أنْ لَنْ يَفْعَلَهُ تَعالى بِسَبَبِ مُدافَعَتِهِ بِبَعْضِ الأُمُورِ ومُباشَرَةِ ما يُرِيدُهُ مِنَ المَكائِدِ فَلْيُبالِغْ في اسْتِفْراغِ المَجْهُودِ ولْيَتَجاوَزْ في الجِدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ فَقُصارى أمْرِهِ خَيْبَةُ مَساعِيهِ وعُقْمُ مُقَدِّماتِهِ ومَبادِيهِ وبَقاءُ ما يَغِيظُ عَلى حالِهِ ودَوامُ شَجْوِهِ وبَلْبالِهِ، وقَدْ وُضِعَ مَقامَ هَذا الجَزاءِ.
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ إلَخْ أيْ فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا ﴿ إلى السَّماءِ ﴾ أيْ إلى سَقْفِ بَيْتِهِ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ أيْ لِيَخْتَنِقْ كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن قَطَعَ إذا اخْتَنَقَ كانَ أصْلُهُ قَطَعَ نَفَسَهُ بِفَتْحَتَيْنِ أوْ أجَلَهُ ثُمَّ تُرِكَ المَفْعُولُ نَسْيًا مَنسِيًّا فَصارَ بِمَعْنى اخْتَنَقَ لازِمُ خَنَقَهُ، وذَكَرُوا أنَّ قَطَعَ النَّفَسَ كِنايَةً عَنِ الِاخْتِناقِ، وقِيلَ المَعْنى لِيَقْطَعَ الحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِناقِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ فَرْضُ القَطْعِ وتَقْدِيرُهُ كَما أنَّ المُرادَ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ تَقْدِيرُ النَّظَرِ وتَصْوِيرُهُ وإلّا فَبَعْدَ الِاخْتِناقِ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ أيْ فَلْيُقَدِّرْ في نَفْسِهِ النَّظَرَ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ غَيْظَهُ أوِ الَّذِي يَغِيظُهُ مِنَ النَّصْرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلْيَنْظُرِ الآنَ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يَذْهَبُ ما يَغِيظُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِالنَّظَرِ غَيْرَ المَأْمُورِ الأوَّلِ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ النَّظَرُ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ كَما قِيلَ إنَّ تَسْمِيَةَ فِعْلِهِ ذَلِكَ كَيْدًا خارِجَةٌ هَذا المَخْرَجَ، وقالَ جَمْعٌ: إنَّ إطْلاقَ الكَيْدِ عَلى ذَلِكَ لِشِبْهِهِ بِهِ فَإنَّ الكائِدَ إذا كادَ أتى بِغايَةِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ وذَلِكَ الفِعْلُ غايَةُ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ العَدُوُّ الحَسُودُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المَعْنى فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى السَّماءِ المُظِلَّةِ ولْيَصْعَدْ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيَقْطَعِ الوَحْيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِيَقْطَعِ المَسافَةَ حَتّى يَبْلُغَ عَنانَ السَّماءِ فَيَجْهَدْ في دَفْعِ نَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ النّازِلِ مِن جِهَتِها.
وتَعَقَّبَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيانُ أنَّ الأُمُورَ المَفْرُوضَةَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها وتَحَقُّقِها بِمَعْزِلٍ مِن إذْهابِ ما يَغِيظُ، ومِنَ البَيْنِ أنْ لا مَعْنى لِفَرْضِ وُقُوعِ الأُمُورِ المُمْتَنِعَةِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ عَلَيْهِ لا سِيَّما قَطْعَ الوَحْيِ فَإنَّ فَرْضَ وُقُوعِهِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ قَطْعًا، ونُوقِشَ في ذَلِكَ بِما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ، نَعَمِ المَعْنى السّابِقُ هو الأوْلى، وأيًّا ما كانَ فَمَن يَظُنُّ ذَلِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الحاسِدُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: أعْرابٌ مِن أسْلَمَ.
وغَطَفانَ تَباطَؤُوا عَنِ الإسْلامِ وقالُوا: نَخافُ أنْ لا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَنْقَطِعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودٍ فَلا يُقْرُونا ولا يُؤْوُونا، وقِيلَ: قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّصْرِ والمَعْنى عَلَيْهِ وكَذا عَلى سابِقِهِ إنْ قِيلَ إنَّ أُولَئِكَ الأعْرابَ كانُوا يَسْتَبْطِئُونَ النَّصْرَ أيْضًا مَنِ اسْتَبْطَأ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَهُ عاجِلًا فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ لِأنَّ لَهُ وقْتًا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ فِيهِ فَلا يَقَعُ في غَيْرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ بُعْدَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ وأنَّ ثانِيَهُما أبْعَدُهُ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ضَمِيرِ يَنْصُرُهُ عائِدًا عَلى مَن لِأنَّهُ المَذْكُورُ وحَقُّ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم وفُسِّرَ النَّصْرُ بِالرِّزْقِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى وقالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ، وقالَ الفَقْعَسِيُّ: وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرَأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشَّيْءَ الَّذِي أنْتَ ناصِرُهُ أيْ مُعْطِيهِ وكَأنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ النَّصْرِ بِمَعْنى العَوْنِ فالمَعْنى أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا تُنالُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ فَلا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنَ الرِّضا بِقِسْمَتِهِ فَمَن ظَنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ رازِقِهِ ولَمْ يَصْبِرْ ولَمْ يَسْتَسْلِمْ فَلْيَبْلُغْ غايَةَ الجَزَعِ وهو الِاخْتِناقُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْلِبُ القِسْمَةَ ولا يَرُدُّهُ مَرْزُوقًا والغَرَضُ الحَثُّ عَلى الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لا كَمَن يَعْبُدُهُ عَلى حَرْفٍ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ عَقِيبَهم عَلى ما مَرَّ حَذَّرَهم عَنْ مِثْلِ حالِهِمْ لُطْفًا في شَأْنِهِمْ.
ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ وإنْ كانَ رَبْطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ قَرِيبًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَن والنَّصْرِ عَلى المُتَبادَرِ مِنهُ والمَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ تَعالى فَيَغْتاظُ لِانْتِفاءِ نَصْرِهِ فَلْيَحْتَلْ بِأعْظَمِ حِيلَةٍ في نَصْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ولْيَسْتَفْرِغْ جُهْدَهُ في إيصالِ النَّصْرِ إلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ ذَلِكَ ما يَغِيظُهُ مِنَ انْتِفاءِ النَّصْرِ.
ولا يَخْفى ما في وجْهِ الرَّبْطِ عَلى هَذا مِنَ الخَفاءِ.
ومَن كَما أشَرْنا إلَيْهِ شَرْطِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والفاءُ في خَبَرِها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ وهَلْ يُذْهِبَنَّ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَنْظُرُ، وذُكِرَ أنَّهُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، وقَرَأ البَصْرِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ ووَرْشٌ ثُمَّ لِيَقْطَعْ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ والباقُونَ بِسُكُونِها عَلى تَشْبِيهِ ثُمَّ بِالواوِ والفاءِ لِأنَّ الجَمِيعَ عَواطِفُ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: يعبد مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ، إن لم يعبده، يعني: الصنم، وَما لاَ يَنْفَعُهُ إن عبده.
ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يعني: الخطأ البين.
ويقال: في خطأ طويل بعيد عن الحق.
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، يعني: لمن إثمه وعقوبته أكثر من ثوابه ومنفعته، ويقال: ضره في الآخرة أكثر من نفعه في الدنيا.
فإن قيل: لم يكن في عبادته نفع البتة، فكيف يقال: من نفعه ولا نفع له؟
قيل له: إنما قال هذا على عاداتهم، وهم يقولون لشيء لا منفعة فيه: ضره أكثر من نفعه، كما يقولون لشيء لا يكون هذا بعيد، كما قالوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 3] .
ثم قال تعالى: لَبِئْسَ الْمَوْلى، يعني: بئس الصاحب، وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ يعني: بئس الخليط.
ويقال: معناه من كانت عبادته عقوبة عليه، فبئس المعبود هو.
ثم ذكر ما أعد الله تعالى لأهل الصلاح والإيمان، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، يعني: يحكم في خلقه ما يشاء من السعادة والشقاوة.
قوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، الهاء: كناية عن النبيّ ، ويجوز في اللغة الإضمار في الكناية وإن لم تكن مذكورة إذا كان الأمر ظاهراً، كقوله تعالى: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: 45] ، يعني: على ظهر الأرض، وكقوله عز وجل: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: 32] يعني: الشمس.
ومعناه: مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لن ينصر الله محمداً بالغلبة والحجة.
فِي الدُّنْيا وَالشفاعة في الْآخِرَةِ.
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ، يعني: فليربط بحبل من سقف البيت، لأن كل ما علاك فهو سماء.
ثُمَّ لْيَقْطَعْ، يعني: ليختنق، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ، أي: اخْتِنَاقُه.
مَا يَغِيظُ، معناه: هل ينفعه ذلك؟
قال ابن عباس: «نزلت الآية في نفر من أسد وغطفان، فقالوا: نخافُ أن لن ينصر الله محمداً ، فيقطع ما بيننا وبين حلفائنا من المودة، يعني: اليهود» .
وقال القتبي: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين، يستبطئون ما وعد لهم من النصرة، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم لهم أمره، فنزل مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، يعني: محمدا بعد ما سمعوا منه النصرة والإظهار.
ولكن كلام العرب على وجه الاختصار، يعني: إن لم تثق بما أقول لك، فاذهب فاختنق، أو اجتهد جهدك.
قال: وفيه وجه آخر وهو: أن يكون هاهنا السماء بعينها لا السقف، فكأنه قال فليمدد بسبب إليها أي بحبل وليرتق فيه، ثم ليقطع الحبل حتى يخر فيهلك، فلينظر هل ينفعه؟
كقوله عز وجل: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ [الأنعام: 35] وقال أبو عبيدة: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني: أن لن يرزقه الله.
وذهب إلى قول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة، فكأنه قال: من كان قانطاً من رزق الله ورحمته، فليفعل ذلك فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ، أي حيلته ما يغيظ، أي غيظه لتأخير الرزق عنه.
وقال الزجاج: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ يعني: محمدا ، حتى يظهره الله على الدين كله، فليمت غيظاً.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ قالت فرقة: معناه أمر البعث، وَنُقِرُّ أي: ونحن نُقِرُّ في الأرحام، والأجل المُسَمَّى مختلف بحسب حين حين، فَثَمَّ مَنْ يسقط، وثم مَنْ يكمل أمره ويخرج حَيّاً.
وقوله سبحانه: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً قد تقدَّمَ بيانُ هذه المعاني، والردّ إلى أَرذل العمر هو حصول الإنسان في زمانة، واختلال العقل والقوة، فهذا مثال واحد يقتضي للمُعْتَبِرِ به أن القادِرَ على هذه المناقل، المُتْقِنَ لها- قادرٌ على إعادة تلك الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل، إلى حالها الأولى.
وقوله عز وجل: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ هذا هو المثال الثَّاني الذي يُعْطِي للمعتبر فيه جوازَ بعث الأجساد وذلك أَنَّ إحياءَ الأرض بعد موتها بيّن فكذلك الأجساد، وهامِدَةً: معناه: ساكنة دارسة بالية، واهتزاز الأرض: هو حركتها بالنبات وغيرِ ذلك مِمَّا يعتريها بالماء، وَرَبَتْ:
معناه: نشزت وارتفعت ومنه الرَّبْوَةُ وهي المكان المرتفع، والزوج: النوع، والبهيج: من البهجة، وهي الحسن قاله قتادة «١» وغيره.
وقوله: ذلِكَ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ...
الآية، الإشارة بقوله: وَمِنَ النَّاسِ إلى القوم الذين تقدَّمَ ذكرُهُم، وكَرَّرَ هذه الآية على جهة التوبيخ فكأنه يقول: فهذه الأمثال في غاية الوضوح، ومِنَ الناس مع ذلك مَنْ يجادل، وثانِيَ:
حال من الضمير في يُجادِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى حَرْفٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: عَلى شَكٍّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شاكٍّ في شَيْءٍ فَهو عَلى حَرْفٍ لا يَثْبُتُ ولا يَدُومُ.
وبَيانُ هَذا أنَّ القائِمَ عَلى حَرْفِ الشَّيْءِ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ، فَشُبِّهَ بِهِ الشّاكُّ؛ لِأنَّهُ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ، ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ ﴾ ؛ أيْ: رَخاءٌ وعافِيَةٌ، ﴿ اطْمَأنَّ بِهِ ﴾ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ﴿ وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ اخْتِبارٌ بِجَدْبٍ وقِلَّةِ مالٍ، ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ ؛ أيْ: رَجَعَ عَنْ دِينِهِ إلى الكُفْرِ، والمَعْنى: انْصَرَفَ إلى وجْهِهِ الَّذِي تُوَجَّهَ مِنهُ، وهو الكُفْرُ.
﴿ خَسِرَ الدُّنْيا ﴾ حَيْثُ لَمْ يَظْفَرْ بِما أرادَ مِنها، وخَسِرَ " الآخِرَةَ " بِارْتِدادِهِ عَنِ الدِّينِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، ومُجاهِدٌ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: ( خاسِرَ الدُّنْيا ) بِألِفٍ قَبْلَ السِّينِ، وبِنَصْبِ الرّاءِ، ( والآخِرَةِ ) بِخَفْضِ التّاءِ.
﴿ يَدْعُو ﴾ هَذا المُرْتَدُّ؛ أيْ: يَعْبُدُ، ﴿ ما لا يَضُرُّهُ ﴾ إنْ لَمْ يَعْبُدْهُ، ﴿ وَما لا يَنْفَعُهُ ﴾ إنْ أطاعَهُ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ، ﴿ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ عَنِ الحَقِّ، ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ ﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: اللّامُ صِلَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ.
وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ أنَّ اللّامَ مَعْناها التَّأْخِيرُ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن لِضُرِّهِ، ﴿ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ ، قالَ: وشَرْحُ هَذا: أنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ، فَحَقُّها أنْ تَكُونَ أوَّلَ الكَلامِ، فَقُدِّمَتْ لِتُجْعَلَ في حَقِّها.
قالَ السُّدِّيُّ: ضُرُّهُ في الآخِرَةِ بِعِبادَتِهِ إيّاهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لِلنَّفْعِ مِن عِبادَةِ الصَّنَمِ وجْهٌ ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لا نَفْعَ مِن قِبَلِهِ أصْلًا، غَيْرَ أنَّهُ جاءَ عَلى لُغَةِ العَرَبِ، وهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي لا يَكُونُ: هَذا بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَوْلى: الوَلِيُّ، والعَشِيرُ: الصّاحِبُ والخَلِيلُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ ﴿ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في أعْرابٍ وقَوْمٍ لا يَقِينَ لَهُمْ، كانَ أحَدُهم إذا أسْلَمَ فاتَّفَقَتْ لَهُ اتِّفاقاتٌ حَسّانٌ مِن نُمُوِّ مالٍ ووَلَدٍ ذَكَرٍ يَرْزُقُهُ وغَيْرِ ذَلِكَ قالَ: هَذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتَمَسَّكَ بِهِ لِهَذِهِ المَعانِي، وإنْ كانَ الأمْرُ بِخِلافٍ تَشاءَمَ بِهِ وارْتَدَّ كَما صَنَعَ العُرَنِيُّونَ وغَيْرُهم.
قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حَرْفٍ" مَعْناهُ: عَلى انْحِرافٍ مِنهُ عَنِ العَقِيدَةِ البَيْضاءِ، أو عَلى شَفًا مِنها، مُعَدٌّ لِلزَّهُوقِ، و "الفِتْنَةُ": الِاخْتِبارُ، وقَوْلُهُ: ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ عِبارَةٌ لِلْمُوَلِّي عَنِ الأُمُورِ.
و "خَسارَتُهُ الدُنْيا والآخِرَةَ" أمّا الدُنْيا فَبِالمَقادِيرِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِ، وأمّا الآخِرَةُ فَبِارْتِدادِهِ وسُوءِ مُعْتَقَدِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والأعْرَجُ: "خاسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ" نَصْبًا عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ﴾ يُرِيدُ الأوثانَ، ومَعْنى "يَدْعُو": يَعْبُدُ، ويَدْعُو أيْضًا في مُلِمّاتِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ: اللامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، وإنَّما التَقْدِيرُ: يَدْعُو مَن يَضُرُّهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَرَأ: "يَدْعُو مَن ضَرَّهُ"، وقالَ الأخْفَشُ: "يَدْعُو" بِمَعْنى يَقُولُ، و "مِن" مُبْتَدَأٌ، و "ضَرُّهُ" مُبْتَدَأٌ، و "أقْرَبُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ، وخَبَرُ "مِن" مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: يَقُولُ لِمَن ضَرَّهُ أقْرَبُ مِنهُ نَفْعُهُ: إلَهٌ، وشِبْهُ هَذا يَقُولُ عنتَرَةُ: يَدْعُونَ عنتَرَ والرِماحَ كَأنَّها...........................
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ، فَتَأمَّلْ إفْسادَهُ لِلْمَعْنى إذْ لَمْ يَعْتَقِدِ الكافِرُ قَطُّ أنَّ ضُرَّ الأوثانِ أقْرَبُ مِن نَفْعِها، واعْتِذارُ أبِي عَلِيٍّ هَنا مُمَوَّهٌ، وأيْضًا فَهو لا يُشَبِّهُ البَيْتَ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى في "يَدْعُو" يُسَمّى، وهَذا كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّ المَحْذُوفَ آخِرًا مَفْعُولٌ تَقْدِيرُهُ: إلَهًا.
وقالَ الزَجاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَدْعُو" في مَوْضِعِ الحالِ وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ، والتَقْدِيرُ: ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ، أيْ: يَدَّعُوهُ، فَيُوقِفُ عَلى هَذا.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" بِمَعْنى: الَّذِي، أيِ: الَّذِي هو الضَلالُ البَعِيدُ يَدْعُو، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "ذَلِكَ" مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ هُوَ الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ، ويَكُونُ "يَدْعُو" عامِلًا في قَوْلِهِ: "ذَلِكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَوْنُ "ذَلِكَ" بِمَعْنى "الَّذِي" غَيْرُ سَهْلٍ، وشَبَّهَهُ المَهَدَوِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ .
وقَدْ يَظْهَرُ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "يَدْعُو" مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، ويَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ قالَ: يَدْعُو مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ثُمْ كَرَّرَ "يَدْعُو" -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- غَيْرَ مُعَدّى؛ إذْ قَدْ عُدِّيَ أوَّلُ الكَلامِ، ثُمُ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِقَوْلِهِ: "لَمَن ضَرُّهُ" واللامُ مُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القِسْمِ، والثانِيَةُ الَّتِي في "لَبِئْسَ" لامُ القَسَمِ وإنْ كانَ أبُو عَلِيًّ مالَ إلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ والثانِيَةُ لامُ اليَمِينِ، ويَظْهَرُ أيْضًا في الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُراُدُ: يَدْعُو مِن ضَرَّهُ، ثُمْ عَلَّقَ الفِعْلَ بِاللامِ، وصَحَّ أنْ يُقَدَّرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعَلَّقُ وهي أفْعالُ النَفْسِ كَظَنَنْتَ وحَسِبَتْ، وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى هَذا ورَدَ عَلَيْهِ.
و "العَشِيرُ": القَرِيبُ المُعاشِرُ في الأُمُورِ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِـ "المَوْلى" و "العَشِيرِ" هو الوَثَنُ الَّذِي ضَرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
موقع هذه الآية غامض، ومُفادها كذلك.
ولنبدأ ببيان موقعها ثم نتبعه ببيان معناها فإن بين موقعها ومعناها اتصالاً.
فيحتمل أن يكون موقعها استئنافاً ابتدائياً أريد به ذكر فريق ثالث غير الفريقين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ﴾ [الحج: 8] الآية، وقوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11].
وهذا الفريق الثالث جماعة أسلموا واستبطأوا نصْر المسلمين فأيسوا منه وغاظهم تعجُّلهم للدخول في الإسلام وأن لم يتريثوا في ذلك وهؤلاء هم المنافقون.
ويحتمل أن يكون موقعها تذييلاً لقوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11] الآية بعد أن اعتُرض بين تلك الجملة وبين هاته بجمل أخرى فيكون المراد: أن الفريق الذين يعبدون الله على حرف والمخبر عنهم بقوله: ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ [الحج: 11] هم قوم يظنون أن الله لا ينصرهم في الدنيا ولا في الآخرة إنْ بقُوا على الإسلام.
فأما ظنهم انتفاء النصر في الدنيا فلأنهم قد أيسوا من النصر استبطاءً، وأما في الآخرة فلأنهم لا يؤمنون بالبعث ومن أجل هذا علق فعل ﴿ لن ينصره ﴾ بالمجرور بقوله ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ إيماء إلى كونه متعلق الخسران في قوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ [الحج: 11].
فإن عدم النصر خسران في الدنيا بحصول ضده، وفي الآخرة باستحالة وقوع الجزاء في الآخرة حسب اعتقاد كفرهم، وهؤلاء مشركون مترددون.
ويترجح هذا الاحتمالُ بتغيير أسلوب الكلام، فلم يعطف بالواو كما عطف قوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله ﴾ [الحج: 11] ولم تورد فيه جملة ﴿ ومن الناس ﴾ كما أوردت في ذكر الفريقين السابقين ويكون المقصود من الآية تهديد هذا الفريق.
فيكون التعبير عن هذا الفريق بقوله ﴿ من كان يظن ﴾ الخ إظهاراً في مقام الإضمار؛ فإن مقتضى الظاهر أن يؤتَى بضمير ذلك الفريق فيقالَ بعد قوله: ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ [الحج: 14]، ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾ الخ...
عائداً الضميرُ المستتر في قوله ﴿ فليمدد ﴾ على ﴿ مَن يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11].
والعدول عن الإضمار إلى الإظهار لوجهين، أحدهما: بُعد معاد الضمير، وثانيهما: التنبيه على أنّ عبادته الله على حرف ناشئة عن ظنه أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة إن صمم على الاستمرار في اتباع الإسلام لأنه غير واثق بوعد النصر للمسلمين.
وضمير النصب في ﴿ ينصره ﴾ عائد إلى ﴿ من يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11] على كلا الاحتمالين.
واسم ﴿ السماء ﴾ مرادٌ به المعنى المشهور على كلا الاحتمالين أيضاً أخذاً بما رواه القرطبي عن ابن زيد (يعني عبد الرحمان بن زيد بن أسلم) أنه قال في قوله تعالى: ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾ قال: هي السماء المعروفة، يعني المُظِلة.
فالمعنى: فليَنُط حبلاً بالسماء مربوطاً به ثم يقطعه فيسقط من السماء فيتمزق كل ممزق فلا يغني عنه فعله شيئاً من إزالة غيظه.
ومفعول ﴿ يقطع ﴾ محذوف لدلالة المقام عليه.
والتقدير: ثم ليقطعه، أي ليقطع السبب.
والأمر في قوله ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾ للتعجيز، فيعلم أن تعليق الجواب على حصول شرطٍ لا يقع كقوله تعالى: ﴿ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ﴾ [الرحمن: 33].
وأما استخراج معنى الآية من نظمها فإنها نُسجت على إيجاز بديع، شُبهت حالة استبطان هذا الفريق الكفر وإظهارِهم الإسلام على حنَق، أو حالةُ تردّدهم بين البقاء في المسلمين وبين الرجوع إلى الكفار بحالة المغتاظ مما صنع فقيل لهم: عليكم أن تفعلوا ما يفعله أمثالكم ممن ملأهم الغيظ وضاقت عليهم سُبل الانفراج، فامدُدوا حبلاً بأقصى ما يُمَدّ إليه حبلٌ، وتعلّقوا به في أعلى مكان ثم قطعوه تخرّوا إلى الأرض، وذلك تهكم بهم في أنهم لا يجدون غنى في شيء من أفعالهم، وإنذار باستمرار فتنتهم في الدنيا مع الخسران في الآخرة.
ويحتمل أن تكون الآية مشيرة إلى فريق آخر أسلموا في مدة ضعف الإسلام واستبطأوا النصر فضاقت صدورهم فخطرت لهم خواطر شيطانية أن يتركوا الإسلام ويرجعوا إلى الكفر فزجرهم الله وهددهم بأنهم إن كانوا آيسين من النصر في الدنيا ومُرتابين في نَيل ثواب الآخرة فإن ارتدادهم عن الإسلام لا يضرّ الله ولا رسوله ولا يكيد الدينَ وإن شاءوا فليختنقوا فينظروا هل يزيل الاختناق غيظهم، ولعلّ هؤلاء من المنافقين.
فموقع الآية على هذا الوجه موقع الاستئناف الابتدائي لذكر فريق آخر يشبه من يعبد الله على حرف، والمناسبة ظاهرة.
ويجيء على هذا الوجه أن يكون ضمير ﴿ ينصره الله ﴾ عائداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مروي عن ابن عباس واختاره الفرّاء والزجاج.
ويستتبع ذلك في كل الوجوه تعريضاً بالتنبيه لخلص المؤمنين أن لا ييأسوا من نصر الله في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط.
قال تعالى: ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ﴾ [الأحزاب: 2324] الآية.
والسبب: الحبل.
وتقدم في قوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ في [سورة البقرة: 166].
والقطع: قيل يطلق على الاختناق لأنه يقطع الأنفاس.
و (مَا) مصدرية، أي غيظَهُ.
والاستفهام ب ﴿ هل ﴾ إنكاري، وهو معلق فعلَ ﴿ فلينظر ﴾ عن العمل، والنظر قلبي، وسمي الفعلُ كيداً لأنه يشبه الكيد في أنه فعله لأن يكيد المسلمين على وجه الاستعارة التهكمية فإنه لا يكيد به المسلمين بل يضر به نفسه.
وقرأ الجمهور ﴿ ثم لْيَقطع ﴾ بسكون لام ليقطع وهو لام الأمر.
فإذا كان في أول الكلمة كان مكسوراً، وإذا وقع بعد عاطف غير (ثُمّ) كان ساكناً مثل ﴿ ولْتَكُنْ منكم أمّة ﴾ [آل عمران: 104].
فإذا وقع بعد (ثُم) جاز فيه الوجهان.
وقرأه ابن عامر، وأبو عمرو وورش عن نافع، وأبو جعفر ورويس عن يعقوب بكسر اللام.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَلى وشْكٍ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، لِكَوْنِهِ مُنْحَرِفًا بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ.
والثّانِي: عَلى شَرْطٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ كامِلٍ.
والثّالِثُ: عَلى ضَعْفٍ في العِبادَةِ كالقِيامِ عَلى حَرْفٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا رابِعًا: أنَّ حَرْفَ الشَّيْءِ بَعْضُهُ، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ بِلِسانِهِ ويَعْصِيهِ بِقَلْبِهِ.
﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ في بَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ وفِيمَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِن أهْلِ القُرى، كانُوا يَقُولُونَ: نَأْتِي مُحَمَّدًا فَإنْ صادَفْنا خَيْرًا اتَّبَعْناهُ، وإلّا لَحِقْنا بِأهْلِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ ﴾ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: اطْمَأنَّ بِالخَيْرِ إلى إيمانِهِ.
الثّانِي: اطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ إلى مَقامِهِ.
﴿ وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ أيْ مِحْنَةٌ في نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ أوْ مالِهِ.
﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: رَجَعَ عَنْ دِينِهِ مُرْتَدًّا.
الثّانِي: رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَزِعًا.
﴿ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ﴾ خَسِرَ الدُّنْيا بِفِراقِهِ، وخَسِرَ الآخِرَةَ بِنِفاقِهِ.
﴿ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ أيِ البَيِّنُ لِفَسادِ عاجِلِهِ وذَهابِ آجِلِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ يَعْنِي الصَّنَمَ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرَ الصّاحِبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: المَوْلى المَعْبُودُ، والعَشِيرُ الخَلِيطُ، ومِنهُ قِيلَ لِلزَّوْجِ عَشِيرٌ لِخِلْطَتِهِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُعاشَرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح؛ وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا صالح فتمسكوا به؛ وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير.
فأنزل الله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كان أحدهم إذا قدم المدينة- وهي أرض وبيئة- فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن اليه وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً؛ وإن رجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شراً.
وذلك الفتنة.
وأخرج ابن مردويه من طريق عطية، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني.
فقال: إن الإسلام لا يقال.
فقال: لم أصب في ديني هذا خيراً.
ذهب بصري ومالي ومات ولدي...
!
فقال: يا يهودي، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة» ونزلت: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: على شك.
وفي قوله: ﴿ فإن أصابه خير ﴾ قال: رخاء وعافية ﴿ اطمأن به ﴾ قال: استقر ﴿ وإن أصابته فتنة ﴾ قال: عذاب ومصيبة ﴿ انقلب على وجهه ﴾ قال: ارتد على وجهه كافراً.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: كان الرجل يأتي المدينة مهاجراً، فإن صح جسمه وتتابعت عليه الصدقة وولدت امرأته غلاماً وأنتجت فرسه مهراً، قال: والله لنعم الدين وجدت دين محمد صلى الله عليه وسلم هذا، ما زلت أعرف الزيادة في جسدي وولدي؛ وإن سقم بها جسمه واحتبست عليه الصدقة وأزلقت فرسه وأصابته الحاجة وولدت امرأته الجارية، قال: والله لبئس الدين دين محمد هذا، والله ما زلت أعرف النقصان في جسدي وأهلي وولدي ومالي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: على شك ﴿ فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ﴾ يقول: إن أصاب خصباً وسلوة من عيش وما يشتهي، اطمأن إليه وقال: أنا على حق وأنا أعرف الذي أنا عليه ﴿ وإن أصابته فتنة ﴾ أي بلاء ﴿ انقلب على وجهه ﴾ يقول: ترك ما كان عليه من الحق فأنكر معرفته، خسر الدنيا والآخرة.
يقول: خسر دنياه التي كان لها يحزن وبها يفرح ولها يسخط ولها يرضى، وهي همه وسدمه وطلبته ونيته، ثم أفضى إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها خيراً ﴿ فذلك هو الخسران المبين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يدعو من دون الله ما لا يضره ﴾ إن عصاه في الدنيا ﴿ وما لا ينفعه ﴾ إن أطاعه وهو الصنم ﴿ يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ﴾ يقول: ضره في الآخرة من أجل عبادته إياه في الدنيا ﴿ لبئس المولى ﴾ يقول: الصنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ قال: الصاحب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ أكثر أهل التفسير على أن الهاء في (ينصره) كناية عن محمد - - (١) قال ابن عباس: يريد أن لن ينصر الله محمدًا (٢) وهو قول قتادة (٣) (٤) (٥) قال الزجاج: أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظًا، وهو تفسير قوله ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ (٦) (٧) ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ أي: ليمد الحبل حتى ينقطع (٨) (٩) وقال الفراء: من كان منكم يظن أن الله لن ينصر محمدًا (١٠) ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ (١١) (١٢) وعلى هذا القول النصر معناه: حسن المعونة وعون المظلوم والإظهار بالغلبة.
ومعنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين (١٣) ووجه ما ذكره (١٤) وذكر الأزهري وجها آخر فقال: أجمع المفسرون على أن تأويل قوله ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ثم ليختنق، وهو محتاج إلى شرح يزيد في بيانه، ومعنى ﴿ لْيَقْطَعْ ﴾ ليمد الحبل مشدودًا على حلقه مدًا شديدًا حتى يقطع (١٥) (١٦) وعلى هذا معنى ﴿ لْيَقْطَعْ ﴾ ليقطع نفسه.
والقول هو الأول، ويدل عليه قراءة عبد الله (ليقطعه) بالهاء الراجع إلى السبب.
قال الأزهري: والمعنى: فليختنق غيظًا حتى يموت، فإن الله (١٧) (١٨) قوله تعالى: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ أي: صنيعه وحيلته ﴿ مَا يَغِيظُ ﴾ (ما) بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده غيظه؟
ويجوز أن يكون (ما) بمعنى: (الذي)، والمعنى (١٩) (٢٠) والأول قول الفراء والزجاج (٢١) (٢٢) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظهُ وأغَاظَهُ وغَيَّظه بمعنى واحد (٢٣) وشرح ابن قتيبة هذه الآية على هذا القول بأبلغ بيان فقال: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤون ما وعد الله رسوله (٢٤) ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ يعني محمدًا - - على مذهب العرب في الإضمار لغير مذكور (٢٥) (٢٦) ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ أي: بحبل ﴿ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ يعني سقف البيت، وكل شيء علاك (٢٧) ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ﴾ (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) هُوَ المُدْخِلُ النُّعمانَ بيتًا سماؤه نُحورُ ...
الفُيول (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ قال المفسرون: ليختنق.
وقوله ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ (٣٦) (٣٧) وفعل هذا رجل وَعَدْتَه شيئًا مرة بعد مرة، ووكدت على نفسك الوعد (٣٨) (٣٩) (٤٠) ومعنى ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ إلي آخر الآية إنما أمر بالخنق لا على وجه الإلزام، ولكن (٤١) (٤٢) - لا ينصر عن قلبه فلم يبق له (٤٣) (٤٤) - كما قال الشاعر: إنْ كنت لا ترضى بما قد ترى (٤٥) (٤٦) أي: لا سبيل إلى تغييره (٤٧) وذُكر أنَّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) ولابن زيد طريق آخر في تفسير هذه الآية، وهو أن جعل السماء في قوله ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ السماء المعروفة، وقال: معناه: من كان يظن (٥٣) (٥٤) ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ عن النبي - - الوحي الذي يأتيه من الله، فلينظر هل يقدر على إذهاب (٥٥) (٥٦) وهذا التفسير لا يوافق معنى قوله ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ (٥٧) (٥٨) (٥٩) هذا الذي ذكرنا كله على قول من يقول الهاء في (ينصره) كناية عن النبي - -.
ومذهب مجاهد والضحاك (٦٠) ﴿ مَنْ كَانَ ﴾ .
قال مجاهد: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ أن لن يرزقه الله (٦١) وهذا القول هو اختيار أبي عبيدة، قال: ﴿ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ أن لن يرزقه (٦٢) (٦٣) (٦٤) وأصل هذا من قولهم: نصرت السماء أرض كذا، إذا سَقَتْها (٦٥) قال أبو عبيد: نُصَرت البلاد، فهي منصورة.
ونُصِرَ القوم، إذا غِيثُوا (٦٦) (٦٧) من كان أخْطاه الربيع فإنّما ...
نُصرَ الحجاز بغَيث عبد الواحد (٦٨) قال ابن قتيبة -على هذا القول-: كأنه يريد من كان قانطا من رزق الله ورحمته فليفعل ذلك الذي ذكره (٦٩) (٧٠) وقوله: ﴿ مَا يَغِيظُ ﴾ يعني حنقه أن لا يرزق.
وهذا ذم على سوء الظن بالله.
وفي قوله ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ قراءتان: كسر اللام وتسكينها (٧١) والأصل (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) فَبَاتَ مُنْتَصْبًا وما تكَرْدَسا (٨٠) (٨١) وهذا مما تقدم الكلام فيه.
ومن قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة (٨٢) ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا ﴾ ﴿ وَلْيُوفُوا ﴾ ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا ﴾ فإنه أخذ بالوجهين لاجتماعهما في الجواز (٨٣) (١) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 48 ب وانظر الطبري 17/ 125 - 127.
(٢) رواه الطبري 17/ 126 - 127، والحاكم في "مستدركه" 2/ 386، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 15 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 33، والطبري 17/ 126.
(٤) ذكره عن السدي والكلبي الرازي 23/ 15، وأبو حيان في "البحر" 6/ 357.
(٥) رواه الطبري 17/ 126، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 16.
(٦) في (ظ): (من)، وهو خطأ.
(٧) في (أ): (شقفه).
(٨) في (ظ) زيادة: (الحبل)، بعد قوله (ينقطع)، وليست عند الزجاج.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.
(١٠) العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (أن لن ينصر الله محمدا)، وما أثبتنا من (أ) هو الموافق لمعاني الفراء.
(١١) في (ظ)، (د)، (ع) زيادة: (فذلك) بعد قوله: (ثم ليقط) ، ولا معنى لها.
(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 218.
(١٣) القول بأن معنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين محل نظر، فقد قيل (فليقطع) أي فليقطع النصر أو الوحي عن محمد - - إن تهيأ له ذلك.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 90، "النكت" للماوردي 4/ 12، "زاد المسير" 5/ 414.
(١٤) في (أ): (ذكرناه)، وهو خطأ.
(١٥) في (ظ): (تنقطع).
(١٦) "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 188 (قطع).
(١٧) لفظ الجلالة لم يرد في (د)، (ع).
وفي (ظ): (فإنه مظهره).
(١٨) "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 160 (نصر) وفي المطبوع: ولا ينفعه موته خنقًا.
وفي "اللسان" 5/ 210: ولا ينفعه غيظه وموته خنقًا.
فيظهر أن (غيظه) ساقطة من المطبوع.
(١٩) في (ظ)، (د)، (ع): (وهو المعنى).
(٢٠) "تفسير الطبري" 17/ 128، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 48 ب.
(٢١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 218، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.
(٢٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 173 (غاظ) نقلاً عن الليث.
وهو في "العين" 4/ 439 (غيظ).
(٢٣) "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 173 (غاظ) عن ثعلب، عن ابن الأعرابي.
(٢٤) في (أ): (ورسوله)، وما أثبتناه هو الموافق للمشكل ص 358.
(٢٥) العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (لغيره في الإضمار مذكور.
وهي عبارة غير مفهومة.
(٢٦) في (ظ)، (د)، (ع): (إذ كان)، وفي "المشكل" ص 358: (وإن كان.
(٢٧) في (أ): (وكل ما علاك)، والمثبت هو الموافق للمشكل ص 358.
(٢٨) في جميع النسخ: (وأنزلنا)، وهو خطأ.
(٢٩) هو: سلامة بن جندل بن عبد عمرو، من بني كعب بن سعدة التميمي، أبو مالك.
شاعر جاهلي قديم، وهو من فرسان تميم المعدودين، في شعره حكمة وجودة، وهو ممن يصف الخيل فيحسن.
"طبقات فحول الشعراء" 1/ 155، "الشعر والشعراء" ص 166، "خزانة الأدب" 4/ 29، "الأعلام" للزركلي 3/ 106.
(٣٠) في (أ): (قبل)، وفي (د): (قبل): بإهمال ثانية.
ومهملة في (ظ)، (ع).
(٣١) هو: النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس.
من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، ملك الحيرة بعد أبيه، وكانت متابعة للفرس، وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، نقم عيله كسرى أمرًا فعزله وسجنه حتى مات، وقيل ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته، فهلك نحو 15 ق.
هـ.
انظر: "الكامل" لابن الأثير 1/ 246، "البداية والنهاية" 1/ 199، "الأعلام" للزركلي 8/ 43.
(٣٢) في (أ): (القبول).
(٣٣) البيت أنشده ابن قتيبة لسلامة في "مشكل القرآن" ص 358.
وهو في "ديوانه" ص 184، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 399 ومنه (المولج) في موضع (المدخل)، و (صدور) في موضع (نحور).
والطبري 15/ 238 بمثل رواية أبي عبيدة، و"لسان العرب" 10/ 158 وفيه صدور).
وبيت مُسردق: هو أن يكون أعلاه وأسفله مشدود كله.
"لسان العرب" 10/ 158 (سردق) "القاموس المحيط" 3/ 244.
(٣٤) في (أ): (فيه قبله)، وانظر قصة قتل كسرى للنعمان في: "الكامل" لابن الأثير 1/ 287 - 289، "خزانة الأدب" للبغدادي 3/ 383 - 386.
(٣٥) في (أ): (قوله).
(٣٦) من بعد (فلينظر) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).
(٣٧) في (ظ): (مما).
(٣٨) في (ظ)، (د)، (ع): (الوعيد)، وهو خطأ.
(٣٩) في (أ): (واختنق).
(٤٠) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 358 - 359 مع اختلاف يسير.
(٤١) في (ظ)، (د)، (ع): (لكن).
(٤٢) (من): زيادة من (أ).
(٤٣) (له): ليست في (ظ)، (د)، (ع).
(٤٤) في (أ): (لتستريح).
(٤٥) في (أ): (إن كنت لا ترى بما قد ترضى)، وهو خطأ.
(٤٦) لم أهتد لهذا البيت.
(٤٧) مهملة في (أ).
(٤٨) أسد: قبيلة عظيمة، تنسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهذه ذات بطون كثيرة.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 11، 479، "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي ص 47 - 48، "معجم قبائل العرب" لكحالة 1/ 21.
وغطفان: بطن عظيم متسع كثير الأفخاذ، وهم بنو غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
انظر: "الجمهرة" ص 248، "نهاية الأرب" ص 348، "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 888 - 889.
(٤٩) يميروننا: يعني: يجلبوا لنا الطعام.
"لسان العرب" 5/ 188 (مير).
(٥٠) في (ظ): (بما).
(٥١) في (أ): (وعده).
(٥٢) ذكره الطبري 17/ 128 من غير سند، وذكره ابن الجوزي 5/ 412 عن مقاتل.
وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 21 أ.
(٥٣) في (أ): (نظر)، وهو خطأ.
(٥٤) في (أ): (لكابده).
(٥٥) في (أ): (ذهاب).
(٥٦) ذكر عنه بهذا اللفظ الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 48 ب.
وقد رواه الطبري 17/ 126، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 16 بنحوه.
(٥٧) في (أ): (بنصر الله): وهو خطأ.
(٥٨) في (أ): (أصح)، وهو خطأ.
(٥٩) في (ظ)، (د)، (ع): (أواخر).
(٦٠) يظهر أن الواحدي اعتمد في نسبة هذا القول على الطبري، فقد قال الطبري في "تفسيره" 17/ 127: وقال آخرون: الهاء في (ينصره) من ذكر (من) ...
ثم قال == الطبري: ذكر من قال ذلك.
ثم ذكر الطبري آثارًا عن مجاهد وغيره، ثم قال 175/ 128: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فليمدد بسبب) يعني: بحبل (إلى السماء) يعني: سماء البيت.
أهـ.
والنص -كما ترى- ليس فيه ما يدل على أن الضحاك يرى أن الهاء عائدة إلى (من).
وقد جاء عن الضحاك ما يخالف ما نسب إليه، فقد روى عبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 16 عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، فليجعل حبلاً في سماء بيته، فليختنق به، فلينظر هل يغيظ ذلك إلا نفسه؟.
(٦١) رواه الطبري 17/ 127، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 15 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.
(٦٢) في (د)، (ع): (أن لن ينصره) أن لن يرزقه.
(٦٣) في المطبوع من "المجاز" 2/ 46، بني بكر، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة: بني أبي بكر.
وما ذكره الواحدي هنا من قوله (ابن كلاب) ليس في المجاز لأبي عبيدة فيحتمل أن يكون السائل من بني أبي بكر -كما وقع في إحدى نسخ المجاز وكما نسبه الواحدي إلى بني أبي بكر ابن كلاب- وهو كما قال ابن الأثير في تهذيب الأنساب 1/ 170 نسبة إلى أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسمه عبيد، ينسب إليه كثير.
أهـ.
ويحتمل أن يكون السائل من بني بكر -كما وقع في بعض نسخ المجاز- وهو كما قال ابن الأثير (1708) نسبة إلى بكر بن وائل، أبو بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة، أو بكر بن عوف بن النخع.
وقد وقع عند ابن الجوزي 5/ 4، والرازي 17/ 23، وأبي حيان 3/ 357، والشنقيطي 5/ 51، من بني بكر.
(٦٤) البيت أنشده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 25/ 46 - 47.
وهو في "ديوانه" ص 209 من أبيات يمدح بها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وفيه (فأسكت) في موضع (فأنصت).
و"الاشتقاق" لابن دريد ص 110 وفيه (فأسكت).
وهو من غير نسبة في: "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 155، و"اللسان" 2/ 99، و"تاج العروس" 5/ 123 (نصت).
(٦٥) انظر (نصر) في: "تهذيب اللغة" 12/ 160، "الصحاح" 2/ 829، "لسان العرب" 5/ 211.
(٦٦) هكذا في جميع النسخ و"اللسان" لابن منظور 5/ 211.
وفي المطبوع من "تهذيب الأزهري": أعيثوا.
(٦٧) في (أ): (وأنشد الشاعر فقال).
(٦٨) قول أبي عبيد وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 159 - 160 منسوبًا إليه.
والبيت لابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك.
وهو في "ديوانه" ص 112)، و"الوحشيات" (الحماسة الصغرى) لأبي تمام ص 270، وفيه: (يجود) في موضع (يغيث).
ومن غير نسبة في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 160 (نصر)، و"المخصص" لابن سيدة 9/ 121، و"اللسان" 5/ 211 (نصر).
(٦٩) في (أ): (ذكر).
(٧٠) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 365.
وليس فيه: الذي ذكره من الاختناق.
(٧١) قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع) بكسر اللام، وقرأ الباقون بسكون اللام: (ثم ليقطع).
"السبعة" ص 434 - 435، "التبصرة" ص 265، "التيسير" ص 156، "الإقناع" 2/ 705.
(٧٢) في (ظ)، (د)، (ع): (فالأصل).
(٧٣) في (أ): (وثم)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في الحجة.
(٧٤) في (أ): (مع الواو والفاء).
(٧٥) في (ظ): (فإنهما)، وهو خطأ.
(٧٦) في (أ): (وفي)، وهو خطأ.
(٧٧) في "الحجة" للفارسي 5/ 270: وقبل ذلك قولهم: ﴿ وَهِىَ ﴾ ، ﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ ﴾ .
(٧٨) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).
(٧٩) في (أ)، (د): (اذاك)، وفي (ظ)، (ع): (اداك)، والتصويب من "الحجة" 5/ 270.
(٨٠) في (أ): (بكردشا).
(٨١) هذا الشطر من الرجز للعجاج بهذه الرواية (منتصبا) في "الحجة" للفارسي 1/ 408، 5/ 270، و"الخصائص" لابن جني 2/ 338، وفي "اللسان" 1/ 758 (نصب) من غير نسبة.
وروايته في "ديوان العجاج" ص 130، و"تهذيب اللغة" 10/ 423 (كردس)، و"اللسان" 6/ 195 (كردس): (فبات منتصا وما تكردسا.
ولا شاهد فيه على هذه الرواية.
وهو يصف فيها حمارًا وحشيًّا، وبعده: إذا أحس نبأة توجسا.
قال الأصمعي في "شرحه لديوان العجاج" ص 130: (قوله (منتصبا) أي منتصبًا.
والمكردس: الذي قد رمى بنفسه.
(٨٢) قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة: أبو عمرو، وابن عامر في غير رواية ابن ذكران، وورث عن نافع، وابن كثير في رواية قنبل.
فقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع)، (ثم ليقضوا) بكسر اللام، ووافقهم في (ليقضوا) وحدها ابن كثير في رواية قنبل.
ووافق هؤلاء المتقدمون بقية القراء في قراءة (وليوفوا)، (وليطوفوا) بإسكان اللام.
أمَّا رواية ابن ذكوان عن ابن كثير فبالكسر في المواطن الأربعة.
"السبعة" ص 434 - 435، "المبسوط" لابن مهران 257، "التبصرة" ص 215، "التيسير" ص 156، "النشر" 2/ 326.
(٨٣) من قوله: (والأصل) إلى هنا هذا كلام الفارسي في "الحجة" 5/ 269 - 270 مع تصرف وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 420 - 421، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 73، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 473 - 474.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السمآء ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ السبب هنا الحبل، والسماء هنا سقف البيت وشبهه من الأشياء، التي تعلق منها الحبال، والقطع هنا يراد به: الاختناق بالحبل، يقال: قطع الرجل إذا اختنق، ويحتمل أن يراد به قطع الرجل من الأرض بعد ربط الحبل في العنق، وربطه في السقف، والمراد بالاختناق هنا ما يفعله من اشتد غيظه وحسرته، أو طمع فيما لا يصل إليه، كقوله للحسود: مت كمداً، أو اختنق؛ فإنك لا تقدر على غير ذلك، وفي معنى الآية قولان: الأول أن الضمير في ينصره لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى على هذا: من كان من الكفار يظنّ أن لن ينصر الله محمداً فليختنق بحبل، فإن الله ناصره ولابد على غيظ الكفار، فموجب الاختناق هو الغيظ من نصرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والقول الثاني أن الضمير في ﴿ يَنصُرَهُ ﴾ عائد الى ﴿ مَن ﴾ ، والمعنى على هذا من ظنّ بسبب ضيق صدره وكثرة غمه أن لن ينصره الله: فيليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على غير ذلك، فموجب الاختناق على هذا القنوط والسخط من القضاء، وسوء الظنّ بالله حتى ييأس من نصره، ولذلك فسر بعضهم أن لن ﴿ يَنصُرَهُ الله ﴾ بمعنى أن لن يرزقه، وهذا القول أرجح من الأول لوجهين: أحدهما أن هذا القول مناسب لمن يعبد الله على حرف، لأنه إذا أصابته فتنة انقلب وقنط، حتى ظنّ أن الله لن ينصره، فيكون هذا الكلام متصلاً بما قبله: ويدل على ذلك قوله قبل هذه الآية: ﴿ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [الحج: 14]: أي الأمور بيد الله، فلا ينبغي لأحد أن يتسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني، أن الضمير في ينصره على هذا القول يعود على ما تقدّمه، وأما على القول الأول فلا يعود على مذكور قبله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر قبل ذلك بحيث يعود الضمير عليه، ولا يدل سياق الكلام عليه دلالة ظاهرة ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ الكيد هنا يراد به اختناقه، وسُميَ كيداً لأنه وضعه موضع الكيد، إذ هو غاية حيلته، والمعنى إذا خنق نفسه فلينظر هل يذهب ذلك ما يغيظه من الأمر، أي ليس يذهبه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ ، أي: على شك يمتحن ربه؛ على أنه [إن] أعطاه طمعََه وأملَه في هذه الدنيا حقق له الألوهية والعبادة، وإن لم يجد طمعه وأمله لا يحقق له ذلك، ويقول: ليس هو بإله؛ إذ لو كان إلهاً لأعطاه ما يطلب منه على هذا الشك، يعبد بالامتحان.
وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ أي: على شرط، أي: يعبده على شرط الإعطاء؛ يقول: إن أعطاني أملي عبدته، وإن لم يعطني ذلك لم أعبده؛ تكون عبادته على هذا الشرط.
وقال بعضهم: ﴿ يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ أي: على حال واحدة، [و] على جهة واحدة، ليس يعبده على حالين كالمؤمن يعبده في حالين جميعاً: حالة الظاهر، وحالة الباطن، وحالة الضراء والسراء، وحالة السعة والشدة على ما تَعَبَّدَه الله، كقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ونحوه، عبده المؤمن على الحالين جميعاً على ما تعبده الله، والمنافق إنما يعبده على حالة السعة [و] الخصب؛ لأنه ليس يعرف ربّه حق المعرفة، فإنما يعبد السّعة والرخاء، وأمّا المؤمن فإذا عرف ربّه عبده في الأحوال كلها لما عرف نفسه عبداً لسيّده، ولم ير للعبد سعة ترك العبادة لمولاه في كل حال، ورأى للمعبود حق استعباده واستخدامه في كل حال: في حال الضيق وحال السّعة.
أو أن يكون رأى ما يصيبه من الشدائد والبلايا بتقصير كان منه وتفريط؛ فعبده في الأحوال كلها.
أو لما رأى وعرف [أن نعم] ربه عليه كثيرة، ورأى شكر تلك النعم عليه لازماً؛ فعبده في الأحوال كلها؛ شكراً لتلك النعم، وأمّا أولئك لم يروا لله على أنفسهم نعماً فإنما عبدوه على الجهة التي ذكرنا، كانوا فرقا من الكفرة: [منهم] من يعبد الله في حال الشدة والضيق ولا يعبده في حال السعة والرخاء، كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً ﴾ ، ونحوه.
ومنهم من كان يعبده في حال السعة والرخاء، وهو ما ذكرنا من أمر المنافق.
وأمّا المؤمن فهو يعبده في الأحوال كلها لما رآه معبوداً حقيقة، على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ : قد ذكرنا أن الفتنة هي المحنة التي فيها بلاء وشدة.
وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ : قال بعضهم: هو على التمثيل؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: على تحقيق انقلاب وجهه؛ لأنه كان عبادته ظاهرة، لم يكن يعبده في الباطن في حال السعة، فلما أصابته الشدة ترك عبادته ظاهراً على ما كان باطنه، فهو انقلاب وجهه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ﴾ : أمّا خسران الدنيا؛ لأنه فات عنه ما كان يأمله بزوالها، وخسران الآخرة ظاهر: العذاب والشدائد.
وجائز أن يكون خسران الدنيا هو خضوعه لمن لا يضر ولا ينفع للعبادة للأصنام ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ؛ لأنه خسر في الدارين جميعاً أمله وطمعه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ .
قيل: إن الآية في المنافقين، وهم كانوا لا يعبدون على حرف ليست بعبادة الله، إنما هي عبادة للشيطان، فأخبر أنه يعبد ما لا يضرّه إن ترك العبادة له، ولا ينفعه إن عبده؛ يدل على ذلك: [قوله]: ﴿ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ ﴾ ؛ لأنه عبد من لا يضره إن لم يعبده، ولا ينفعه إن عبده، فذلك هو الضلال البعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ .
قال بعضهم: تأويله: يدعو من ضرره أقرب من نفعه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ، هذا إن عبده، ضرّه عبادته إيّاه في الآخرة والأولى؛ حيث قال: ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُ ﴾ إن ترك عبادته في الدنيا ﴿ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ إن عبده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ ﴾ أي: الولي، وهو الشيطان ﴿ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ يعني: الصاحب، كقوله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ أي: صاحبوهنّ بالمعروف.
وقال بعضهم: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ ﴾ أي: الولي، وهو الشيطان، ﴿ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ أي: القرين الذي لا يفارق.
وقال القتبي: أي: الصاحب والخليل، وهو ما ذكرنا، كله واحد.
وقال أبو عوسجة: العشير: الرفيق الذي تعاشره وتصاحبه وتخالطه، والعشير: الزوج أيضاً.
وقال القتبي: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ : يتكبر معرضا، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ ، أي: متكبرا متجبرا، والعطف في الأصل: الجانب، والأعطاف جمع.
وقوله: ﴿ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ قال: لا يدري أحق هو أم باطل؟
وهو الشك، يقال: إني من هذا الأمر على حرف، أي: على شك، لست بمستيقن.
وقال القتبي: على حرف واحد، وعلى وجه واحد، وعلى مذهب واحد.
وقال قتادة: على شكّ، على ما ذكرنا.
وقال أبو عبيدة: على حرف، أي: لا يدوم، ويقول: إنما أنا حرف، أي: لا أثق بك، ونحو هذا، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ ﴾ في الآخرة ﴿ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ، ﴿ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ أي: يرجع إلى دينه.
<div class="verse-tafsir"
من كان يظن أن الله لا ينصر نبيه في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى سقف بيته، ثم ليختنق به بقطع نفسه عن الأرض، ثم لينظر هل يذهبنّ ذلك ما يجده في نفسه من الغيظ، فالله ناصر نبيَّه، شاء المعاند أم أبى.
من فوائد الآيات أسباب الهداية إما علم يوصل به إلى الحق، أو هادٍ يدلهم إليه، أو كتاب يوثق به يهديهم إليه.
الكبر خُلُق يمنع من التوفيق للحق.
من عدل الله أنه لا يعاقب إلا على ذنب.
الله ناصرٌ نبيه ودينه ولو كره الكافرون.
<div class="verse-tafsir" id="91.3zJZ4"