تفسير الآية ٣٩ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣٩ من سورة الحج

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٩ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي ، عن ابن عباس : نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة .

وقال غير واحد من السلف هذه أول آية نزلت في الجهاد ، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية ، وقاله مجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وغير واحد .

وقال ابن جرير : حدثني يحيى بن داود الواسطي : حدثنا إسحاق بن يوسف ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم هو البطين عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم .

إنا لله وإنا إليه راجعون ، ليهلكن .

قال ابن عباس : فأنزل الله عز وجل : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) ، قال أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه : فعرفت أنه سيكون قتال .

ورواه الإمام أحمد ، عن إسحاق بن يوسف الأزرق ، به وزاد : قال ابن عباس : وهي أول آية نزلت في القتال .

ورواه الترمذي ، والنسائي في التفسير من سننيهما ، وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف زاد الترمذي : ووكيع ، كلاهما عن سفيان الثوري ، به .

وقال الترمذي : حديث حسن ، وقد رواه غير واحد ، عن الثوري ، وليس فيه ابن عباس .

وقوله : ( وإن الله على نصرهم لقدير ) أي : هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال ، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوا جهدهم في طاعته ، كما قال : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم .

سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) [ محمد : 4 6 ] ، وقال تعالى : ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين .

ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ) [ التوبة : 14 ، 15 ] ، وقال : ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ) [ التوبة : 16 ] ، ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم [ الله ] الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) [ آل عمران : 142 ] ، وقال : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) [ محمد : 31 ] .

والآيات في هذا كثيرة; ولهذا قال ابن عباس في قوله : ( وإن الله على نصرهم لقدير ) وقد فعل .

وإنما شرع [ الله ] تعالى الجهاد في الوقت الأليق به; لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا ، فلو أمر المسلمين ، وهم أقل من العشر ، بقتال الباقين لشق عليهم; ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا نيفا وثمانين ، قالوا : يا رسول الله ، ألا نميل على أهل الوادي يعنون أهل منى ليالي منى فنقتلهم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لم أؤمر بهذا " .

فلما بغى المشركون ، وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم ، وهموا بقتله ، وشردوا أصحابه شذر مذر ، فذهب منهم طائفة إلىالحبشة ، وآخرون إلى المدينة .

فلما استقروا بالمدينة ، ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واجتمعوا عليه ، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلا يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء ، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك ، فقال تعالى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: أذن الله للمؤمنين الذين يقاتلون المشركين في سبيله بأن المشركين ظلموهم بقتالهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة: (أُذِنَ) بضم الألف,(يُقاتَلُونَ) بفتح التاء بترك تسمية الفاعل في أُذِنَ ويُقاتَلُون جميعًا.

وقرأ ذلك بعض الكوفيين وعامة قرّاء البصرة: (أُذِنَ) بترك تسمية الفاعل, و " يُقاتِلُونَ" بكسر التاء, بمعنى يقاتل المأذون لهم في القتال المشركين.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض المكيين: " أَذِنَ" بفتح الألف, بمعنى: أذن الله, و " يُقاتِلُونَ" بكسر التاء, بمعنى: إن الذين أذن الله لهم بالقتال يقاتلون المشركين.

وهذه القراءات الثلاث متقاربات المعنى; لأن الذين قرءوا أُذِنَ على وجه ما لم يسمّ فاعله يرجع معناه في التأويل إلى معنى قراءة من قرأه على وجه ما سمي فاعله- وإن من قرأ يُقاتِلونَ، ويُقاتَلُون بالكسر أو الفتح, فقريب معنى أحدهما من معنى الآخر- وذلك أن من قاتل إنسانا فالذي قاتله له مقاتل, وكل واحد منهما مقاتل.

فإذ كان ذلك كذلك فبأية هذه القراءات قرأ القارئ فمصيب الصواب.

غير أن أحبّ ذلك إليّ أن أقرأ به: أَذِنَ بفتح الألف, بمعنى: أذن الله, لقرب ذلك من قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) أذن الله في الذين لا يحبهم للذين يقاتلونهم بقتالهم, فيردُ أذنَ على قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ ) وكذلك أحب القراءات إليّ في يُقاتِلُون كسر التاء, بمعنى: الذين يقاتلون من قد أخبر الله عنهم أنه لا يحبهم, فيكون الكلام متصلا معنى بعضه ببعض.

وقد اختُلف في الذين عُنوا بالإذن لهم بهذه الآية في القتال, فقال بعضهم: عني به: نبيّ الله وأصحابه.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) يعني محمدا وأصحابه إذا أخرجوا من مكة إلى المدينة; يقول الله: ( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) وقد فعل.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جُبير, قال: لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة, قال رجل: أخرجوا نبيهم، فنـزلت: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) الآية الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

حدثنا يحيى بن داود الواسطي, قال: ثنا إسحاق بن يوسف, عن سفيان, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم, إنا لله وإنا إليه راجعون, ليهلكنّ- قال ابن عباس: فأنـزل الله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال.

وهي أوّل آية نـزلت.قال ابن داود: قال ابن إسحاق: كانوا يقرءون: (أُذِنَ) ونحن نقرأ: " أَذِنَ".

حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا إسحاق, عن سفيان, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم, ثم ذكر نحوه, إلا أنه قال: فقال أبو بكر: قد علمت أنه يكون قتال.

وإلى هذا الموضع انتهى حديثه, ولم يزد عليه.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني, قال: ثنا محمد بن يوسف, قال: ثنا قيس بن الربيع, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, قال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون, أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, والله ليهلكنّ جميعا!

فلما نـزلت: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا )إلى قوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ عرف أبو بكر أنه سيكون قتال.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: أذن لهم في قتالهم بعد ما عفا عنهم عشر سنين.

وقرأ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ وقال: هؤلاء المؤمنون.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ .

(1) وقال آخرون: بل عني بهذه الآية قوم بأعيانهم كانوا خرجوا من دار الحرب يريدون الهجرة, فمنعوا من ذلك.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: أناس مؤمنون خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة, فكانوا يمنعون, فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار, فقاتلوهم.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: ناس من المؤمنين خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة, وكانوا يمنعون, فأدركهم الكفار, فأذن للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم.

قال ابن جُرَيج: يقول: أوّل قتال أذن الله به للمؤمنين.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: " أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ" قال قَتادة: وهي أوّل آية نـزلت في القتال, فأذن لهم أن يقاتلوا.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: هي أوّل آية أنـزلت في القتال, فأذن لهم أن يقاتلوا.

وقد كان بعضهم يزعم أن الله إنما قال: أذن للذين يقاتلون بالقتال من أجل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الكفار إذا آذوهم واشتدّوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة سرّا; فأنـزل الله في ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) فَلَمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة, أطلق لهم قتلهم وقتالهم, فقال: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ).

وهذا قول ذُكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت.

وقوله: ( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) يقول جل ثناؤه: وإن الله على نصر المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله لقادر, وقد نصرهم فأعزّهم ورفعهم وأهلك عدوّهم وأذلهم بأيديهم.

------------------------ الهوامش: (1) لعله اختصره إن لم يكن سقط منه شيء من الناسخ ، والأصل : هم والنبي وأصحابه ، أو نحو ذلك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقديرفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : أذن للذين يقاتلون قيل : هذا بيان قوله إن الله يدافع عن الذين آمنوا أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم القتال وينصرهم ؛ وفيه إضمار ، أي أذن للذين يصلحون للقتال في القتال ؛ فحذف لدلالة الكلام على المحذوف .

وقال الضحاك : استأذن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة ؛ فأنزل الله إن الله لا يحب كل خوان كفور فلما هاجر نزلت أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا .

وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك صفح .

وهي أول آية نزلت في القتال .

قال ابن عباس ، وابن جبير : نزلت عند هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة .

وروى النسائي ، والترمذي ، عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكن ؛ فأنزل الله تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير فقال أبو بكر : لقد علمت أنه سيكون قتال .

فقال : هذا حديث حسن .

وقد روى غير واحد ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير مرسلا ، ليس فيه : عن ابن عباس .[ ص: 65 ] الثانية : في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع ، خلافا للمعتزلة ؛ لأن قوله : أذن معناه أبيح ؛ وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع .

وقد تقدم هذا المعنى في ( البقرة ) وغير موضع .

وقرئ ( أذن ) بفتح الهمزة ؛ أي أذن الله .

يقاتلون بكسر التاء أي يقاتلون عدوهم .

وقرئ ( يقاتلون ) بفتح التاء ؛ أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون .

ولهذا قال : بأنهم ظلموا أي أخرجوا من ديارهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا، وحصل لهم منعة وقوة، أذن لهم بالقتال، قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ } يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين، فأذن الله لهم بقتال الذين يقاتلون، وإنما أذن لهم، لأنهم ظلموا، بمنعهم من دينهم، وأذيتهم عليه، وإخراجهم من ديارهم.{ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } فليستنصروه، وليستعينوا به .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم : " أذن " بضم الألف والباقون بفتحها ، أي : أذن الله ، " للذين يقاتلون " ، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص " يقاتلون " بفتح التاء يعني المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون ، وقرأ الآخرون بكسر التاء يعني الذين أذن لهم بالجهاد " يقاتلون " المشركين .

قال المفسرون : كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج ، ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول لهم : اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال ، فنزلت هذه الآية بالمدينة .

وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة ( بأنهم ظلموا ) أي : بسبب ما ظلموا ، واعتدي عليهم بالإيذاء ، ( وإن الله على نصرهم لقدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أذن للذين يقاتلون» أي للمؤمنين أن يقاتلوا، وهذه أول آية نزلت في الجهاد «بأنهم» أي بسبب أنهم «ظلموا» لظلم الكافرين إياهم «وإن الله على نصرهم لقدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(كان المسلمون في أول أمرهم ممنوعين من قتال الكفار، مأمورين بالصبر على أذاهم، فلما بلغ أذى المشركين مداه وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من "مكة" مهاجرًا إلى "المدينة"، وأصبح للإسلام قوة) أَذِنَ الله للمسلمين في القتال؛ بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان، وإن الله تعالى قادر على نصرهم وإذلال عدوِّهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم رخص - سبحانه - للمؤمنين بأن يقاتلوا فى سبيله فقال : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ .

.

.

) .وقوله - تعالى - ( أُذِنَ ) فعل ماض مبنى للمجهول مأخوذ من الإذن بمعنى الإباحة والرخصة .

والمقصود إباحة مشروعية القتال ، وقد قالوا : بأن هذه الآيات أول ما نزل في شأن مشروعية القتال .أخرج الإمام أحمد والترمذى عن ابن عباس قال : لما خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكن ، فنزلت هذه الآيات .وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ( أُذِنَ ) بالبناء الفاعل .

والمأذون لهم فيه هو القتال ، وهو محذوف فى قوة المذكور بدليل قوله ( يُقَاتَلُونَ ) والباء فى قوله ( بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ) للسببية .أى : أذن الله - تعالى - للمؤمنين ، ورخص لهم ، بأن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم ، وآذوهم ، واعتدوا عليه ، بعد أن صبر هؤلاء المؤمنون على أذى أعدائهم صبرا طويلا .قال الآلوسى : والمراد بالموصول أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - الذين فى مكة ، فقد نقل الواحدى وغيره ، أن المشركين كانوا يؤذونهم ، وكانوا يأتون النبى - صلى الله عليه وسلم - بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقو لهم : اصبروا فإنى لم أومر بالقتال حتى هاجر - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية ، وهى أول آية نزلت فى القتال بعد ما نهى عنه فى نيف وسبعين آية .وقوله - تعالى - : ( وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) وعد منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر وحض لهم على الإقدام على الجهاد فى سبيله بدون تردد أو وهن .أى : وإن الله - تعالى - لقادر على أن ينصر عباده المؤمنين .

وعلى أن يمكن لهم فى الأرض ، وعلى أن يجعلهم الوارثين لأعدائهم الكافرين .قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) أى : هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال ، ولكنه يريد من عباده أن يبلوا جهدهم فى طاعته ، كما قال - تعالى - : ( فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ) وإنما شرع - سبحانه - الجهاد فى الوقت الأليق به ، لأنهم لما كانوا بمكة ، كان المشركون أكثر عددا .

فلو أمر المسملون بالقتال لشق ذلك عليهم .

.

.فلما استقروا بالمدينة .

وصارت لهم دار إسلام ، ومعقلا يلجأون إليه شرع الله جهاد الأعداء ، فكانت هذه الآية أول ما نزل فى ذلك .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ والبدن ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: البدن جمع بدنة كخشب وخشبة، سميت بذلك إذا أهديت للحرم لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق البقر بالإبل حين قال: البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ولأنه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ وهذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون البقر، وقال قوم البدن الإبل والبقر التي يتقرب بها إلى الله تعالى في الحج والعمرة، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه، أما الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة.

المسألة الثانية: قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة، وابن أبي إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف، وقرئ بالنصب والرفع كقوله: ﴿ والقمر قدرناه مَنَازِلَ  ﴾ والله أعلم.

المسألة الثالثة: إذا قال لله عليَّ بدنة، هل يجوز له نحرها في غير مكة؟

قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هدياً أن عليه ذبحه بمكة، ولو قال: لله عليَّ جزور، أنه يذبحه حيث شاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدي فإنه تعالى قال: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي، واحتج أبو يوسف رحمه الله بقوله تعالى: ﴿ والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله ﴾ فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدي، أجاب أبو حنيفة رحمه الله بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن.

أما قوله تعالى: ﴿ جعلناها لَكُمْ ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما خلق البدن وأوجب أن تهدى في الحج جاز أن يقول: ﴿ جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله ﴾ أما قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ فالكلام فيه ما تقدم في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع  ﴾ وإذا كان قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب في الآخرة وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله تعالى بأن فيه خيراً وبأن فيه منافع، أما قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا ﴾ ففيه حذف أي اذكروا اسم الله على نحرها، قال المفسرون هو أن يقال عند النحر أو الذبح بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك، أما قوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فالمعنى قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرئ صوافن من صفون الفرس، وهو أن تقوم على ثلاث وتنصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرئ صوافي أي خوالص لوجه الله تعالى لا تشركوا بالله في التسمية على نحرها أحداً كما كان يفعله المشركون، وعن عمرو ابن عبيد صوافياً بالتنوين عوضاً عن حرف الإطلاق عند الوقف، وعن بعضهم صوافي نحو قول العرب اعط القوس باريها ولا يبعد أن تكون الحكمة في إصفافها ظهور كثرتها للناظرين فتقوى نفوس المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجراً وأقرب إلى ظهور التكبير وإعلاء اسم الله وشعائر دينه، وأما قوله: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط، ووجبت الشمس وجبة إذا غربت، والمعنى إذا سقطت على الأرض وذلك عند خروج الروح منها ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما يجوز أكله منها ﴿ وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر ﴾ القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعاً إذا سأل قال أبو عبيد هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفهم ونحوه، قال الفراء والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعة إذا رضي بما قسم له وترك السؤال، أما المعتر فقيل إنه المتعرض بغير سؤال، وقيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهري قال ابن الأعرابي يقال عروت فلاناً وأعررته وعروته واعتريته إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه، قال أبو عبيد والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر هو الذي يتعرض ويطلب ويعتريهم حالاً بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً وقرأ الحسن والمعتري وقرأ أبو رجاء القنع وهو الراضي لا غير يقال قنع فهو قنع وقانع.

أما قوله: ﴿ كذلك سخرناها لَكُمْ ﴾ فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما يمتنع علينا التمكن منه، فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد، وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى في الدين والدنيا، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ والمراد لكي تشكروا.

قالت المعتزلة: هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع، والكلام عليه قد تقدم غير مرة.

أما قوله تعالى: ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: لما كانت عادة الجاهلية على ما روي في القربان أنهم يلوثون بدمائها ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ما هو القصد من النحر فقال: ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ ﴾ فبين أن الذي يصل إليه تعالى ويرتفع إليه من صنع المهدي من قوله ونحره وما شاكله من فرائضه هو تقوى الله دون نفس اللحم والدم، ومعلوم أن شيئاً من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه قوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  ﴾ .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور: أحدها: أن الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره.

وثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك، وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره.

وثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلاً وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم.

ورابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولاً وأنه لا ثواب له والجواب: أما الأولان فحقان، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم، وأما الرابع فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً ولكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم.

المسألة الثالثة: كلهم قرأوا ﴿ يَنَالَ الله ﴾ ويناله بالياء إلا يعقوب فإنه قرأ بالتاء في الحرفين فمن أنث فقد رده إلى اللفظ ومن ذكر فللحائل بين الاسم والفعل.

ثم قال: ﴿ كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ والمراد أنه إنما سخرها كذلك لتكبروا الله وهو التعظيم، بما نفعله عند النحر وقبله وبعده على ما هدانا ودلنا عليه وبينه لنا، ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره ﴿ وَبَشّرِ المحسنين ﴾ كما قال من قبل ﴿ وَبَشِّرِ المخبتين  ﴾ والمحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير محسناً إلى نفسه بتوفير الثواب عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

خصّ المؤمنين بدفعه عنهم ونصرته لهم، كما قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ ﴾ [غافر: 51] وقال: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون ﴾ [الصافات: 172] وقال: ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ [الصف: 13] وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم: وهم الخونة الكفرة الذين يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم ويكفرون نعم الله ويغمطونها.

ومن قرأ: ﴿ يُدَافِعُ ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه؛ لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ أُذِنَ ﴾ رُخِّصَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ.

﴿ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ﴾ المُشْرِكِينَ والمَأْذُونُ فِيهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ لِلَّذِينِ يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ.

﴿ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  كانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهم وكانُوا يَأْتُونَهُ مِن بَيْنِ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ يَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُمُ: «اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ» حَتّى هاجَرَ فَأنْزَلَتْ.

وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بَعْدَ ما نُهِيَ عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً.

﴿ وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ كَما وعَدَ بِدَفْعِ أذى الكُفّارِ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أُذِنَ} مدني وبصري وعاصم {لِلَّذِينَ يقاتلون} بفتح التاء مدني وشامي وحفص والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه {بأنهم ظلموا} بسبب كونهم

الحج (٤٢ - ٣٩)

مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركوا مكة يؤذونهم أذىً شديداً وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت هذه الآية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية {وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ} على نصر المؤمنين {لَقَدِيرٌ} قادر وهو بشارة المؤمنين بالنصرة وهو مثل قوله إن الله يدافع عن الذين آمنوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُذِنَ ﴾ أيْ رُخِّصَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( أذِنَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ﴾ أيْ يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ والمَأْذُونُ فِيهِ القِتالُ وهو في قُوَّةِ المَذْكُورِ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ دَلالَةً نَيِّرَةً.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ «يُقاتِلُونَ» عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ أيْ يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ في المُسْتَقْبَلِ ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ فَدَلالَتُهُ عَلى المَحْذُوفِ أنْوَرُ ﴿ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا.

والمُرادُ بِالمَوْصُولِ أصْحابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ في مَكَّةَ فَقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَهم وكانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ ويَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُمُ: اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ حَتّى هاجَرَ فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بَعْدَ ما نُهِيَ عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً عَلى ما رَوى الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِيهِ ﴿ وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ  ﴾ ، وفي الإكْلِيلِ لِلْحاكِمِ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ في ذَلِكَ ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ  ﴾ ، ورَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وجَماعَةٌ أنَّها نَزَلَتْ في أُناسٍ مُؤْمِنِينَ خَرَجُوا مُهاجِرِينَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهم في قِتالِهِمْ وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالظّالِمِ لِمَزِيدِ السُّخْطِ تَحاشِيًا عَنْ ذِكْرِهِ.

﴿ وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ وتَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ العِدَةِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَخْلِيصِهِمْ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ بَلْ تَغْلِيبُهم وإظْهارُهم عَلَيْهِمْ، وقَدْ أُخْرِجَ الكَلامُ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ فَإنَّ الرَّمْزَةَ والِابْتِسامَةَ مِنَ المَلِكِ الكَبِيرِ كافِيَةٌ في تَيَقُّنِ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ وقَدْ أوْكَدَ تَأْكِيدًا بَلِيغًا زِيادَةً في تَوْطِينِ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ قرأ بعضهم: وَالْبُدْنَ بضم الدال وقراءة العامة بسكون الدال والمعنى واحد.

مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، يعني: جعلنا البدن من مناسك الحج.

لَكُمْ فِيها خَيْرٌ، أي: في نحرها أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا.

فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ، يعني: قائمة قد صفت قوائمها.

والآية تدل على أن الإبل تنحر قائمة.

وروي عن عبد الله بن عمر: «أنه أمر برجل قد أناخ بعيره لينحره، فقال له: «انحره قائماً، فإنه سنّة أبي القاسم  » ، وروي عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما كانا يقرآن فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صوافن، والصوافن: التي تقوم على ثلاثة قوائم، إذا أرادوا نحره، تعقل إحدى يديه فهو الصافن، وجماعته صوافن.

وقال مجاهد: من قرأ صوافن، قال: قائمة معقولة.

من قرأها صواف، قال يصف بين يديها.

وروي عن زيد بن أسلم أنه قرأ صوافي بالياء منتصبة، ويقال: خالصة من الشرك.

وروي عن الحسن مثله وقال: خالصة لله تعالى، وهكذا روى عنهما أبو عبيدة، وحكى القتبي عن الحسن أنه كان يقرأ صَوافَّ مثل قاض وغاز، أي خالصة لله تعالى، يعني: لا يشرك به في حال التسمية على نحرها.

ثم قال: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها، يعني: إذا ضربت بجنبها على الأرض بعد نحرها، يقال: وجب الحائط إذا سقط، ووجب القلب إذا تحرك من الفزع.

ويقال: وجب البيع إذا تمّ.

فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، فالقانع: الراضي الذي يقنع بما أعطي، وهو السائل.

وَالْمُعْتَرَّ الذي يتعرض للمسألة ولا يتكلم، ويقال: الْقانِعَ المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ ويقنع بما أرسلت إليه وَالْمُعْتَرَّ: السائل الذي يعتريك للسؤال.

وقال الزهري: «السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق» ، وروي عن عطاء، عن النبيّ  أنه قال: «لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَتِه» .

وروى منصور، عن إبراهيم قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين بقوله: فَكُلُوا مِنْها فَمَن شَاء أَكَلَ وَمَن شَاء لَمْ يَأْكُلُ.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: والأفضل أن يتصدق بثلثه على المساكين، ويعطي ثلثه للجيران والقرابة، أغنياء كانوا أو فقراء، ويمسك ثلثه لنفسه.

وروي عن ابن مسعود نحو هذا.

وروي عن ابن عباس: «أن نافع بن الأزرق سأله عن الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، فقال: القانع الذي يقنع بما أعطي، والمعتر الذي يعتري بالأبواب وقال: أما سمعت قول زهير: عَلَى مُكْثريهمُ حَقُّ مَنِ يَعتَرِيهِم ...

وَعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ وَالبَذْلُ وقال مجاهد: القانع جارك وإن كان غنياً.

ثم قال: كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ، أي ذللناها لكم وهي البدن.

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يعني: لكي تشكروا ربكم على هذه النعمة.

قوله عز وجل: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها، وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا إذا نحروا البدن عند زمزم، أخذوا دماءها، ولطخوا بها حول الكعبة، وعلقوا لحومها بالبيت، وقالوا: اللهم تقبل منا.

فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزل: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها، يعني: لن يصل إلى الله عز وجل لحومها ولا دماؤها.

وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ، أي يصل إليه التقوى من أعمالكم الزاكية والنية الخالصة.

قرأ الحضرمي: لن تنال الله بالتاء، لأن لفظ اللحوم مؤنثة، ولكن تناله بالتاء، لأن لفظ التقوى مؤنث، وقراءة العامة بالياء، وانصرف إلى المعنى، لأن الفعل مقدم.

ثم قال: كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ، يعني: ذلَّلها لكُم، لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ يقول: لتعظموا الله عَزَّ وَجَلَّ عَلى مَا هَداكُمْ، يعني: أرشدكم لأمر دينه.

وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ بالجنة، فمن فعل ما ذكر في هذه الآيات، فهو محسن.

ويقال: المحسن الذي يحسن الذبيحة فيختار بغير عيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)

وقوله سبحانه: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ...

الاية: عبارة مبالغة، وهي بمعنى: لن تُرْفَعَ عنده سبحانه، وتتحصل سبب ثواب، والمعنى: ولكن تُنَالُ الرِّفْعَةُ عنده، وتحصلُ الحسنة لديه بالتقوى.

وقوله تعالى: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ رُوِيَ: أن قوله: «وبشر المحسنين» نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما تَقَدَّمَ في التي قبلها، وظاهر اللفظ العمومُ في كل مُحْسِنٍ.

وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: «يَدْفَعُ» «١» وَلَوْلا دَفْعُ [الحج: ٤٠] .

قال أبو علي: أجريت «دافع» مُجْرى «دفع» كعاقبت اللِّصَّ وطارقت النعلَ، قال أبو الحسن الأَخْفَشُ: يقولون: دافع الله عنك، ودفع عنك، إلاَّ أَنَّ «دفع» أكثر في الكلام.

قال ع «٢» : ويحسن «يدافع» لأَنَّهُ قد عنّ للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم، فيجيء دفعه سبحانه مدافعةً عنهم، وروي أَنَّ هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لَمَّا كَثُروا بمكة وآذاهم الكُفَّارُ هَمَّ بعضُهم أَنْ يقتل مَنْ أمكنه من الكُفَّارَ، ويغتالَ، وَيَغْدُرَ، فنزلت هذه الآية إلى قوله: كَفُورٍ، ثم أَذِنَ الله سبحانه في قتال المؤمنين لِمَنْ قاتلهم من الكفار بقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ.

وقوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا معناه: كان الإذن بسبب أنهم «٣» ظُلِمُوا، قال ابن جريج «٤» :

وهذه الآية أول ما نقضت الموادعة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبُدْنَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرُ بِرَفْعِ الدّالِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: بُدْنٌ وبُدُنٌ، والتَّخْفِيفُ أجْوَدُ وأكْثَرُ؛ لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ كانَ واحِدُهُ عَلى ( فَعَلَةٍ )، ثُمَّ ضُمَّ أوَّلُ جَمْعِهِ خُفِّفَ، مِثْلُ: أكَمَةٍ وأُكْمٍ، وأجَمَةٍ وأُجْمٍ، وخَشَبَةٍ وخُشْبٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " البُدْنَ " مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الَّذِي ظَهَرَ، والمَعْنى وجَعَلَنا البُدْنَ.

وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها عَلى الِاسْتِئْنافِ، والنَّصْبُ أحْسَنُ، ويُقالُ: بُدْنٌ وبُدُنٌ وبَدَنَةٌ، مِثْلُ قَوْلِكَ: ثُمْرٌ وثُمُرٌ وثَمَرَةٌ، وإنَّما سُمِّيَتْ بَدَنَةً لِأنَّها تَبْدُنُ؛ أيْ: تَسْمَنُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في البُدْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ والبَقَرُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الإبِلُ خاصَّةً، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ: الأوَّلُ قَوْلُ أكْثَرِ فُقَهاءِ الأمْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: البَدَنَةُ: اسْمٌ يَخْتَصُّ الإبِلَ في اللُّغَةِ، والبَقَرَةُ تَقُومُ مَقامَها في الحُكْمِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ  جَعَلَ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ ؛ أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها عِبادَةً لِلَّهِ، مِن سَوْقِها إلى البَيْتِ، وتَقْلِيدِها، وإشْعارِها، ونَحْرِها، والإطْعامِ مِنها.

﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ وهو النَّفْعُ في الدُّنْيا والأجْرُ في الآخِرَةِ، ﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ ؛ أيْ: عَلى نَحْرِها، ﴿ صَوافَّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ( صَوافِنَ ) بِالنُّونِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( صَوافِي ) بِالياءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: " صَوّافَّ " مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكِنَّها لا تُنَوَّنُ لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ؛ أيْ: قَدْ صُفَّتْ قَوائِمُها، والمَعْنى: اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها في حالِ نَحْرِها، والبَعِيرُ يُنْحَرُ قائِمًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

ومَن قَرَأ: ( صَوافِنَ ) فالصّافِنُ: الَّتِي تَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، والبَعِيرُ إذا أرادُوا نَحْرَهُ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْهِ، فَهو الصّافِنُ، والجَمِيعُ صَوافِنُ.

هَذا ومَن قَرَأ: ( صَوافِي ) بِالياءِ وبِالفَتْحِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَتَفْسِيرُهُ: خَوالِصُ؛ أيْ: خالِصَةً لِلَّهِ لا تُشْرِكُوا بِهِ في التَّسْمِيَةِ عَلى نَحْرِها أحَدًا.

﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ ؛ أيْ: إذا سَقَطَتْ إلى الأرْضِ، يُقالُ: وجَبَ الحائِطُ وجْبَةً: إذا سَقَطَ، ووَجَبَ القَلْبُ وجَيْبًا: إذا تَحَرَّكَ مِن فَزَعٍ.

واعْلَمْ أنَّ نَحْرَها قِيامًا سُنَّةٌ، والمُرادُ بِوُقُوعِها عَلى جَنُوبِها: مَوْتُها، والأمْرُ بِالأكْلِ مِنها أمْرُ إباحَةٍ، وهَذا في الأضاحِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ: ( والمُعْتَرِ ) بِكَسْرِ الرّاءِ خَفِيفَةً.

وفِيهِما سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ القانِعَ: الَّذِي يَسْألُ، والمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، رَواهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَزُّ: السّائِلُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ القانِعَ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتَهُ وهو في بَيْتِهِ، والمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ ويُلِمُّ بِكَ ولا يَسْألُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: القانِعُ: جارُكَ الَّذِي يَقْنَعُ بِما أعْطَيْتَهُ، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، وهَذا مَذْهَبُ القُرَظِيِّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى القانِعِ: أنْ يَقْنَعَ بِما أُعْطِي.

ومَن قالَ: هو المُتَعَفِّفُ، قالَ: هو القانِعُ بِما عِنْدَهُ.

والرّابِعُ: القانِعُ: أهْلُ مَكَّةَ، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِهِمْ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: القانِعُ: الجارُ وإنْ كانَ غَنِيًّا، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِكَ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: القانِعُ: المِسْكِينُ السّائِلُ، والمُعْتَرُّ: الصَّدِيقُ الزّائِرُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا: إذا سَألَ، وقَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً: إذا رَضِيَ، ويُقالُ في المُعْتَرِّ: اعْتَرَنِي واعْتَرانِي وعَرّانِي.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ القانِعَ: السّائِلُ، يُقالُ: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا: إذا سَألَ، فَهو قانِعٌ، قالَ الشَّمّاخُ: لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ أيْ: مِنَ السُّؤالِ، ويُقالُ: قَنِعَ قَناعَةً: إذا رَضِيَ، فَهو قَنِعٌ، والمُعْتَرُّ والمُعْتَرِي واحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: مِثْلَ ما وصَفْنا مِن نَحْرِها قائِمَةً، ﴿ سَخَّرْناها لَكُمْ ﴾ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْكم لِتَتَمَكَّنُوا مِن نَحْرِها عَلى الوَجْهِ المَسْنُونِ، ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( لَنْ تَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ) بِالتّاءِ، ( ولَكِنْ تَنالُهُ التَّقْوى ) بِالتّاءِ أيْضًا.

سَبَبُ نُزُولِها أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا ذَبَحُوا اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ بِالدِّماءِ يَنْضَحُونَ بِها نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُرْفَعَ إلى اللَّهِ لُحُومُها ولا دِماؤُها، وإنَّما يُرْفَعُ إلَيْهِ التَّقْوى، وهو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ مِنكم.

فَمَن قَرَأ: ( تَنالُهُ التَّقْوى ) بِالتّاءِ، فَإنَّهُ أنَّثَ لِلَفْظِ التَّقْوى.

ومَن قَرَأ: ( يَنالُهُ ) بِالياءِ؛ فَلِأنَّ التَّقْوى والتُّقى واحِدٌ.

والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ اللُّحُومَ والدِّماءَ، إذا لَمْ تَكُنْ صادِرَةً عَنْ تَقْوى اللَّهِ، وإنَّما يَتَقَبَّلُ ما يَتَّقُونَهُ بِهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى امْتِناعِ قَبُولِ الأعْمالِ إذا عَرِيَتْ عَنْ نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَها ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الحَجّ: ٣٧ ] .

﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلى ما بَيَّنَ لَكم وأرْشَدَكم إلى مَعالِمِ دِينِهِ ومَناسِكِ حَجِّهِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما هَدانا، ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المُوَحِّدِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَقْوى مِنكم كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ "البُدْنُ": جَمْعُ بَدَنَةٍ، وهي ما أُشْعِرَ مِن ناقَةٍ أو بَقَرَةٍ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وسَمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَبْدَنُ، أيْ تَسْمَنُ، وقِيلَ: بَلْ هَذا الِاسْمُ خاصٌّ بِالإبِلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُدْنَ": جَمْعُ بَدَنٍ -بِفَتْحِ الباءِ والدالِ- ثُمُ اخْتَلَفَتْ، فَقالَ بَعْضُها: البُدْنَ مُفْرِدٌ اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ العَظِيمُ السَمِينُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، ويُقالُ لِلسَّمِينِ مِنَ الرِجالِ: بَدُنَ، وقالَ بَعْضُها: البُدْنَ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَثَمَرَةٍ وثُمْرٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والبَدَنُ" ساكِنَةُ الدالِّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحَقٍ: "البُدُنُ" بِضَمِّ الدالِّ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بَدَنَةٍ كَثُمُرٍ، وعَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى الناسِ في هَذِهِ البُدُنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الشَعائِرِ".

و"الخَيْرُ" قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ في "المَنافِعِ" الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، والصَوابُ عُمُومُهُ في خَيْرِ الدُنْيا والآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلَيْها" يُرِيدُ: عِنْدَ نَحْرِها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوافَّ" بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: مُطِيعَةٌ في قِيامِها، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيِّ، وشَقِيقٌ، وَسُلَيْمانَ التَيْمِيِّ، والأعْرَجُ: "صَوافِي" جَمْعُ صافِيَةٍ، أيْ: خالِصَةٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، لا شَرِكَةَ فِيها لِشَيْءٍ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُشْرِكُ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَوافٍ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَنْوِينِها مُخَفِّفَةً، وهي بِمَعْنى الَّتِي قَبْلَها لَكِنْ حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: "صَوافِنَ" بِالنُونِ جَمْعُ صافِنَةٍ، وهي الَّتِي قَدْ رَفَعَتْ إحْدى يَدَيْها بِالعَقْلِ لِئَلّا تَضْطَرِبُ، والصافِنُ مِنَ الخَيْلِ: الرافِعُ لِفَراهَتِهِ إحْدى يَدَيْهِ وقِيلَ إحْدى رِجْلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصافِناتُ الجِيادُ  ﴾ ، وقالَ عَمْرُو بْنِ كُلْثُومٍ: تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا و"وَجَبَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ بَعْدَ نَحْرِها، ومِنهُ: وجَبَتِ الشَمْسُ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ: ألَمْ تُكْسِفُ الشَمْسُ والبَدْرُ والـ ∗∗∗ ـكَواكِبُ لِلْجَبَلِ الواجِبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "فَكُلُوا" نَدَبٌ، وكُلُّ العُلَماءِ يَسْتَحِبُّ أنْ يَأْكُلَ الإنْسانُ مِن هَدْيِهِ، وفِيهِ أجْرٌ وامْتِثالٌ إذْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِن هَدْيِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والطَبَرِيُّ: هي إباحَةٌ.

و"القانِعُ": السائِلُ، يُقالُ: قَنِعَ الرَجُلُ يَقْنَعُ قَنُوعًا إذا سَألَ، بِفَتْحِ النُونِ في الماضِي، وقَنِعَ بِكَسْرِ النُونِ يَقْنَعُ قَناعَةً فَهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واسْتَغْنى بِبُلْغَتِهِ، قالَهُ الخَلِيلُ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشَمّاخُ: لِمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ فَمُحَرِّرُوا القَوْلِ مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: القانِعُ: السائِلُ.

و"المُعْتَرُّ": المُتْعَرِضُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعَكَسَتْ فِرْقَةٌ هَذا القَوْلَ، حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: القانِعُ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتُهُ، والمُعْتَرُّ هو المُعْتَرِضُ، وحُكِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَرُّ: السائِلُ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: القانِعُ: الجارُ وإنَّ كانَ غَنِيًّا، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "القانِعَ"، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: أطْعَمُوا المُتَعَفِّفَ الَّذِي لا يَأْتِي مُعْتَرِضًا، وذَهَبَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ إلى أنَّهُ أرادَ "القانِعَ" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا.

وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَها عَلى ما ذَكَرْتُهُ آنِفًا أحْسَنُ، وإنَّما يُلْجَأُ إلى هَذا إذا لَمْ تُوجَدُ مَندُوحَةً، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعَمْرُو بْنِ عَبِيدٍ: "المُعْتَرِي"، والمَعْنى واحِدٌ، ويُرْوى عن أبِي رَجاءٍ "والمُعْتَرَّ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقالَ الشاعِرُ: لَعَمْرُكَ ما المُعْتَرُّ يَغْشى بِلادَنا ∗∗∗ لِنَمْنَعَهُ بِالضائِعِ المُتَهَضِّمْ وذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أنَّ الهَدْيَ أثْلاثٌ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن أبِيهِ: أُطْعِمُ القانِعُ والمُعْتَرُّ ثُلْثًا، والبائِسُ الفَقِيرُ ثُلْثًا، وأهْلِي ثُلْثًا، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لَيْسَ لِصاحِبِ الهَدْيِ مِنهُ إلّا الرُبْعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْسانِ لا عَلى الفَرْضِ، ثُمْ قالَ تَعالى: "كَذَلِكَ"، أيْ: كَما أمَرْتُكم فِيها بِهَذا كُلِّهِ سَخَّرْناها لَكُمْ، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّنا وبِالإضافَةِ إلى نَظَرِنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَنالَ" عِبارَةُ مُبالَغَةٍ وتَوْكِيدٍ، وهي بِمَعْنى: لَنْ يَرْتَفِعَ عِنْدَهُ ويَتَحَصَّلَ سَبَبُ ثَوابٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنْ أهِلَ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يُضَرِّجُونَ البَيْتَ بِالدِماءِ فَأرادَ المُؤْمِنُونَ فِعْلَ ذَلِكَ فَنَهى اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: ولَكِنْ يَنالُ الرِفْعَةَ عِنْدَهُ والتَحْصِيلَ حَسَنَةً لَدَيْهِ التَقْوى، أيِ الإخْلاصِ وعَمَلِ الطاعاتِ.

وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمَرِ، والزَهْرِيُّ: "لَنْ تَنالَ"، "وَلَكِنْ تَنالُهُ" بِتاءٍ فِيهِما.

والتَسْمِيَةُ والتَكْبِيرُ عَلى الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ هو أنْ يَقُولَ الذابِحُ: بِاسْمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ، ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ نَزَلَتْ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم حَسْبَما تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها، فَأمّا ظاهِرُ اللَفْظِ فَيَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ مُحْسِنٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة وقعت بدل اشتمال من جملة: ﴿ إن الله يدافع ﴾ [الحج: 38] لأن دفاع الله عن الناس يكون تارة بالإذن لهم بمقاتلة من أراد الله مدافعتهم عنهم فإنه إذا أذن لهم بمقاتلتهم كان متكفلاً لهم بالنصر.

وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم ﴿ أُذِن ﴾ بالبناء للنائب.

وقرأه الباقون بالبناء إلى الفاعل.

وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر ﴿ يقاتَلون ﴾ بفتح التاء الفوقية مبنياً إلى المجهول.

وقرأه البقية بكسر التاء مبنياً للفاعل.

والذين يقاتلون مراد بهم المؤمنون على كلتا القراءتين لأنهم إذا قوتلوا فقد قاتَلوا.

والقتال مستعمل في المعنى المجازي إما بمادته، وإما بصيغة المضي.

فعلى قراءة فتح التاء فالمراد بالقتال فيه القتل المجازي، وهو الأذى.

وأما على قراءة ﴿ يقاتِلون ﴾ بكسر التاء فصيغة المضي مستعملة مجازاً في التهيُّؤِ والاستعداد، أي أذن للذين تَهَيّئوا للقتال وانتظروا إذن الله.

وذلك أنّ المشركين كانوا يُؤذون المؤمنين بمكة أذى شديداً فكان المسلمون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومَر بالقتال، فلما هاجر نزلت هذه الآية بعد بيعة العقبة إذناً لهم بالتهيُّؤ للدفاع عن أنفسهم ولم يكن قتال قبل ذلك كما يؤذن به قوله تعالى عقب هذا: ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ﴾ [الحج: 40].

والباء في ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أراها متعلقة ب ﴿ أذن ﴾ لتضمينه معنى الإخبار، أي أخبرناهم بأنهم مظلومون.

وهذا الإخبار كناية عن الإذن للدفاع لأنك إذا قلت لأحد: إنك مظلوم، فكأنك استعديته على ظالمه، وذكرته بوجوب الدفاع، وقرينة ذلك تعقيبه بقوله: ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ نائب فاعل ﴿ أذن ﴾ على قراءة ضم الهمزة أو مفعولاً على قراءة فتح الهمزة.

وذهب المفسرون إلى أن الباء سببية وأن المأذون به محذوف دل عليه قوله ﴿ يقاتلون، ﴾ أي أُذن لهم في القتال.

وهذا يجري على كلتا القراءتين في قوله ﴿ يقاتلون ﴾ والتفسير الذي رأيتُه أنسبُ وأرشق.

وجملة ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عطف على جملة ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ أي أذن لهم بذلك وذُكروا بقدرة الله على أن ينصرهم.

وهذا وعد من الله بالنصر وارد على سنن كلام العظيم المقتدر بإيراد الوعد في صورة الإخبار بأن ذلك بمحل العلم منه ونحوه، كقولهم: عسى أن يكون كذا، أو أن عندنا خيراً، أو نحو ذلك، بحيث لا يبقى للمترقب شك في الفوز بمطلوبه.

وتوكيد هذا الخبر بحرف التوكيد لتحقيقه أو تعريض بتنزيلهم منزلة المتردد في ذلك لأنهم استبطأوا النصر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ الدِّماءَ وإنَّما يَقْبَلُ التَّقْوى، وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.

والثّانِي: مَعْناهُ لَنْ يَصْعَدَ إلى اللَّهِ لُحُومُها ولا دِماؤُها، لِأنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا ذَبَحُوا بُدْنَهُمُ اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ بِدِمائِها فَيُضْجِعُونَها نَحْوَ البَيْتِ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ فِعْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ ﴾ أيْ يَصْعَدُ إلَيْهِ التَّقْوى والعَمَلُ الصّالِحُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ ﴾ أيْ ذَلَّلَها لَكم يَعْنِي الأنْعامَ.

﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ.

والثّانِي: لِتُكَبِّرُوا عِنْدَ الإحْلالِ بَدَلًا مِنَ التَّلْبِيَةِ في الإحْرامِ.

﴿ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ أيْ ما أرْشَدَكم إلَيْهِ مِن حَجِّكم.

﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالقَبُولِ.

والثّانِي: بِالجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: لما خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن القوم!

فنزلت ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ الآية.

وكان ابن عباس يقرأها ﴿ أذن ﴾ قال أبو بكر: فعملت أنه سيكون قتال.

قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد قال: خرج ناس مؤمنون مهاجرين من مكة إلى المدينة، فاتبعهم كفار قريش، فأذن لهم في قتالهم فأنزل الله: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ الآية.

فقاتلوهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير أن أول آية أنزلت في القتال حين ابتلي المسلمون بمكة وسطت بهم عشائرهم، ليفتنوهم عن الإسلام، وأخرجوهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم، فأنزل الله: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ الآية.

وذلك حين أذن الله لرسوله بالخروج، وأذن لهم بالقتال.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن أبي هريرة قال: كانت أول آية نزلت في القتال ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ قال: أذن لهم في قتالهم، بعدما عفى عنهم عشر سنين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ قال النبي: صلى الله عليه وسلم وأصحابه ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ يعني ظلمهم أهل مكة حين أخرجوهم من ديارهم.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن سيرين قال: أشرف عليهم عثمان من القصر فقال: ائتوني برجل قارئ كتاب الله، فأتوه بصعصعة بن صوحان، فتكلم بكلام فقال: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ فقال له عثمان: كذبت!

ليست لك ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير (١) (٢) (٣)  - من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم ليهلكن.

فنزلت هذه الآية.

قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال (٤) قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله -  - فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك فيقول لهم النبي -  -: "اصبروا فإنّي لم أؤمر بالقتال"، حتى هاجر فأنزل الله هذه الآية (٥) وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد -في هذه الآية- قال: ناس مؤمنون مهاجرون خرجوا من مكة إلى المدينة، وكانوا يمنعون، فأدركهم كفار قريش، فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار (٦) وعلى هذا القول الآية نازلةٌ في قوم مخصوصين بأعيانهم.

والقول الأول عليه أهل التفسير.

قال مقاتل بن حيان: إن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فاستأذنوا النبي -  - في قتالهم، فنهاهم فلما خرج إلى المدينة أنزل عليه بالمدينة هذه الآية، وهي أول آية نزلت عليهم (٧) (٨) وقرئ "أذن" بفتح الألف وبضمها (٩) (١٠) (١١) ﴿ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ﴾ في موضع نصب ومن ضم الألف بني الفعل للمفعول به، والمعنى على أن الله سبحانه وتعالى أذن لهم في القتال، والجار والمجرور في موضع رفع لإسناد الفعل المني للمفعول إليهم.

والمأذون لهم في القتال أصحاب رسول الله -  - (١٢) وقوله: "يقاتِلون" أي: الذين يقاتلون عدوهم الظالمين لهم بإخراجهم عن ديارهم.

وهم المؤمنون.

وقرئ "يقاتَلون" بفتح التاء (١٣) (١٤) وفي الآية محذوف يدل على ظاهر الكلام.

قال الفراء (١٥) (١٦) وقال أبو علي: المعنى فيه: أذن للذين يقاتَلون بالقتال.

قال (١٧) (١٨) (١٩) وقوله: ﴿ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ قال المبّرد: أي من أجل أنّهم ظلموا.

وقال أبو إسحاق: بسبب ما ظلموا (٢٠) قال ابن عباس: اعتدوا عليهم وظاهروا عليهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم.

قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ قال مقاتل: يعني نصر أصحاب النبي -  - فنصرهم عليهم (٢١) وقال أبو إسحاق: هذا وعبد من الله بالنَّصر (٢٢) (١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 261 - 262، والنسائي في "التفسير" 2/ 88، والطبري في "تفسيره" 17/ 172، والحاكم في "مستدركه" 2/ 66 كلهم من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند 3/ 261: إسناده صحيح.

(٢) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39، والطبري 17/ 173.

(٣) رواه عنه النسائي في "تفسيره" 2/ 89 - 90.

(٤) رواه الترمذي في جامعه (كتاب التفسير -باب ومن سورة الحج 9/ 15) من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

ثم قال: وقد رواه غير واحد عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير مرسلا وليس فيه عن ابن عباس.

(٥) ذكره الثعلبي 3/ 53 ب بنصَّه.

قال الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 388 - بعد ذكره لما ساقه الزمخشري من وهو مثل الرواية هنا-: غريب جدًّا، وعزاه للواحدي في الوسيط.

== وقال ابن حجر في "الكافي": لم أجده هكذا.

ثم قال: وهو منتزع من أحاديث أقربها ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان في قوله "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا": وذلك أن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فأستاذنوا النبي -  - في قتالهم بمكة فنهاهم؛ ليمتحن بذلك النبي -  - عن ذلك، فلما خرج النبي -  - إلى المدينة أنزل عليه "أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا".

وذكر الطبري عن الضحاك: أن الصحابة  م استأذنوا رسول الله -  - في قتال الكفار إذ آذوهم واشتطوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة وسرا، فأنزل الله "إن الله لا يحب كل خوان كفور، فلما هاجروا أطلق لهم قتلهم وقتالهم، فقال "أذن للذين يقاتلون" الآية.

(٦) رواه الطبري 17/ 173 عنه من رواية ابن أبي نجيح، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 57 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل".

(٧) (عليهم): ساقطة من (ط)، وفي (د)، (ع): (نزلت في القتال عليهم).

(٨) تقدم في كلام ابن حجر أنَّ ابن أبي حاتم أخرجه عنه.

(٩) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن عامر: "أذن" مفتوحة الألف، وقرأ == الباقون بضمها.

"السبعة" ص 437، "التَّبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157، "الإقناع" 2/ 706.

(١٠) في (ظ): (علي ما تقدّم)، وفي "الحجة" للفارسي: فلما تقدم.

(١١) يعني أنَّه قرب من قوله -قبلها-: "إن الله لا يحب كل خوان كفور"، فأسندوا الفعل إلى الله لتقدم اسمه وأنَّ الفعل قرب منه.

قاله ابن زنجلة في "حجة القراءات" ص 478.

(١٢) من قوله: من فتح الألف إلى هنا.

هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 280 - 281 مع تقديم وتأخير.

وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 426، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 478، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 120.

(١٣) قرأ نافع، وحفص عن عاصم، وابن عامر: "يقاتلون" بفتح التاء، وقرأ الباقون بكسر التاء.

"السبعة" ص 437، "التبصرة" ص 266: "التيسير" ص 157، "الإقناع" 2/ 706.

(١٤) من قوله: الذين يقاتلون عدوهم ...

إلى هنا.

هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 280 - 281 مع تقديم وتأخير.

== وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 478 - 479، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 121.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 227.

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 430.

(١٧) (قال): ساقطة من (ظ).

(١٨) في (ظ): (بالدلالة).

(١٩) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 281.

(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 430.

(٢١) "تفسير مقاتل" 2/ 26 أ.

(٢٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 430 بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ﴾ هذه أول آية نزلت في الإذن في القتال، ونسخت الموادعة مع الكفار، وكان نزولها عند الهجرة، وقرئ أذن بضم الهمزة على البناء لما لم يسم فاعله وبالفتح على البناء للفاعل وهو الله تعالى والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة ﴿ يُقَاتَلُونَ ﴾ عليه، وقرئ ﴿ يُقَاتَلُونَ ﴾ بفتح التاء وكسرها ﴿ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ أي بسبب أنهم ظلموا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.

يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.

روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.

الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.

﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.

التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله  في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.

ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.

يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله  فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها  ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.

والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.

وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله  سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.

أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.

وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.

وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.

و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.

عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.

وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.

قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي  قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.

روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.

فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.

قال: يا رب وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟

فقال رسول الله  : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .

واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.

وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.

ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.

ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق  ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.

عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.

ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.

وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.

وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.

والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.

قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.

وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.

وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟

فيقول  : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.

وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.

وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟

ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.

والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.

همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً  ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.

ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.

ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.

﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.

وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.

الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.

الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.

فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.

الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.

قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.

وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.

والذي يسنح لي في تفسيره أنه  أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟

فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه  واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.

وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.

ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله  أعلم بمراده.

قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.

وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.

وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.

قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.

وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.

وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.

قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.

﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".

ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.

قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.

وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.

وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.

وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي  فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.

والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.

وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.

دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.

فيه بحث لفظي وبحث معنوي.

أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.

والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.

وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟

والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.

سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس  ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.

والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.

أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.

قوله  ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد  للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟

قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.

وعندي في هذا القول بعد.

وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.

وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله  يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.

والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.

ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.

الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.

قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.

ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.

وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.

قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله  فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.

أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.

واعترض بأن الله  وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.

ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله  وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد  وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.

ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.

وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.

وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.

وقيل: إن أقل الجمع اثنان.

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.

وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد  وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.

وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

فقال علي  : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله  يوم القيامة.

وعن عكرمة هما الجنة والنار.

قالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد  والأقرب هو الأول.

وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه  يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.

وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ والحميم الماء الحار.

عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.

ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم  ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.

قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.

وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض  ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".

وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون  ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله  أعلم.

التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.

﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.

وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.

﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ جائز أن يكون الذي تقدم ذكره من قوله: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصّة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...

 ﴾ كذا ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ...

 ﴾ كذا، قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ﴾ يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأوّل وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ كذلك.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ كأنّه قال: ومن يعظم حرمات الله، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربّه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات الله خير له ممن لم يعظمها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود: (وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ ﴾ وهم الأوثان.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ﴾ عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير الأوثان ليس برجس، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ليس فيه أن يحل قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴾ يحتمل كل قول زور.

ويحتمل الزور الذي قالوا في الله من الولد والشريك وما لا يليق به.

﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: واجتنبوا قول الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به.

وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ قد ذكرناه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ﴾ تفسير قوله: ﴿ حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ أي: كونوا مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ يحتمل ضرب مثل من أشرك بالله بالسّاقط من السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوهاً: أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ ، ونحو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...

﴾ الآية [النور: 39]، ضرب مثل الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟

ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟

ولا يظفر به، فعلى ذلك الكافر.

والثاني: ضرب مثله بالسّاقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين الله.

والثالث: [الساقط] من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحّته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين الله، والله أعلم.

وقال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في هلاكه وبعده من الهدى، والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ  ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر الله بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضاً إذا كان في القلب ظهر في الجوارح.

وقوله: ﴿ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ شَعَائِرَ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هما واحد، وهي المناسك.

وقال بعضهم: الحرمات هي جميع محارم الله ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ذكرنا تأويل ﴿ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ في سورة [المائدة: 2]، والسحيق: هو المكان البعيد، يقال: سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضاً: الشيء الخلق، يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقاً، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة.

وقوله: ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ ﴾ أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب بنفسه.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: فيما ذكر من الشعائر ﴿ مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ، أي: إلى أن تقلد وتهدى، ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ ﴾ إذا قلدت وأهديت ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ .

وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل الانتفاع بلحمها.

ومنهم من قال في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : إلى وقت محلها من الرّكوب بظهرها، وحلب اللبن، وجزّ الصّوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من قبل، ويَرْوي في ذلك خبراً: "رُوي أنّ نبيّ الله  رأى رجلا ساق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: اركبها ويلك" ، وبه يقول بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ركوبه لها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى أن تهلك أو تهلكون أنتم، كقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ  ﴾ أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول.

ثم يكون قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ - والله أعلم - ابتداء سؤال سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: ﴿ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، والله أعلم.

والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد بقوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ  ﴾ نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ﴾ ، فإنما يطاف به، وقال هنالك: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أضاف إليه؛ دل أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ قال بعضهم: المنسك: الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: يصيرون ويخرجون إليه للعبادة، وقال: المنسك: الدّين، وقال: الشريعة.

وقال بعضهم: المنسك: المنحر والمذبح.

وجائز أن يسمّى في اللغة الذبح: نسكاً، كقوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ وهو الذبح، وقوله: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي  ﴾ ، ولو كان النسك عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك الذبح.

وقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم الله ولم يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم الله الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى الشافعي فإن لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعاً، حيث لم يجعل ذكر اسم الله من شرط الذبيحة.

وقوله: ﴿ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ كأنه ذكر قوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ لقوم أنكروا الذبائح، فقال: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ ، أي: أخلصوا ذلك كله، ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴾ قال: المتواضعين.

وقال بعضهم: المطمئنين.

وقال بعضهم الخاشعين.

وقال بعضهم: كل مجتهد في العبادة هو المخبت.

ويقال: المخلصين.

وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...

﴾ الآية.

ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمأنينة.

قوله: ﴿ مَنسَكاً ﴾ و (منسِكا)، فيه لغتان: قال الكسائي: من قرأ: (مَنِسكاً) بكسر السين فهو من نَسَك يَنْسِك، ومن قرأ: ﴿ مَنسَكاً ﴾ بالنصب فهو من نَسَكَ يَنْسَكُ، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي يحل به؟

وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة.

ولم يختلف في أن معنى قول الله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ يدخل فيه الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى [ذلك] رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : "عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريقٌ ومنحر" ، وعن علي -  - قال: قال رسول الله  : "كل عرفة موقف، وكل منى منحر" ، وفي بعض الأخبار: "في كل أيام التشريق ذبح" ، وعن علي -  - "أن النبي  أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومني كلها منحر" ، وعن ابن عباس -  - قال: "إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومني مكة" وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي: خافت وفرقت؛ خوفاً منه ﴿ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ ﴾ من المصائب والرزايا ﴿ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.

وقوله: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: من فرائض الله.

وقال الحسن: من دين الله.

والأشبه أن يكون قوله: ﴿ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: من معالم دين الله وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصّت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميّت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.

وظاهر ما روي عن رسول الله  أنه قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قال بعضهم: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هدياً.

وقال بعضهم: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ  ﴾ وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، وما روي عنه  "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال له: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي: اركبها، فقال: إنها بدنة.

فقال: اركبها ويحك" ، وفي بعض الأخبار: "ويلك"؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ﴾ دل هذا أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من شرط جوازها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فيه لغات ثلاث: إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.

والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.

والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.

وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار.

وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.

وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنّه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجَبَتْ ﴾ ، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قياماً لا مضطجعة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ و ﴿ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : من سألك؛ هذا قول بعض.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المعروف بالبؤس، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : المتعفف الذي لا يسأل.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المسكين، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : فقير.

قال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : الضرير.

و ﴿ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الراضي، وهو من القناعة.

وقال بعضهم: هو السائل، وهو من القنوع، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، و ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الجالس في بيته، ونحوه.

وقال القتبي: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، يقال: قنع يقنع قنوعاً، ومن الرضا: قنع يقنع قناعة، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، واعتراني.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها واحد.

وقال: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائماً على ثلاث قوائم.

يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاث قوائم.

وقوله: ﴿ وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت وجبة، أي: صوتاً، وقال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة.

وعن ابن عباس قال: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : الذي يقنع بما أعطيته، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يريك نفسه ولا يسأل.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي: البدن التي ذكرناها.

ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين: أحدهما: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا ﴾ أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بها في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ذلك من تسخيرها إياها لكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن يقبل الله ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ ﴾ أي: لن يرفع إلى الله إلا الأعمال الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد بها، وهو ما قال: ﴿ وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن نضحوا بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْمِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ قد ذكرنا ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ أي: لتصفوا الله بالعظمة والكبرياء على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا الله وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ لقوتها ولشدّتها وصلابتها.

والثاني: بأن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ من أمر الدّين والهدي.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ على وجوه: أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى الله فلا يحتمل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أَذِن الله للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون بالقتال؛ لما وقع عليهم من ظلم أعدائهم لهم، وإن الله على نصر المؤمنين على عدوهم دون قتال لقدير، لكنّ حكمته اقتضت أن يختبر المؤمنين بقتال الكافرين.

<div class="verse-tafsir" id="91.QqXek"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل