تفسير الآية ٥٥ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٥٥ من سورة الحج

وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ٥٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٥ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن الكفار : أنهم لا يزالون في مرية ، أي : في شك وريب من هذا القرآن ، قاله ابن جريج ، واختاره ابن جرير .

وقال سعيد بن جبير ، وابن زيد : ( منه ) أي : مما ألقى الشيطان .

( حتى تأتيهم الساعة بغتة ) : قال مجاهد : فجأة .

وقال قتادة : ( بغتة ) ، بغت [ القوم ] أمر الله ، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم ، فلا تغتروا بالله ، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون .

وقوله : ( أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) : قال مجاهد : قال أبي بن كعب : هو يوم بدر ، وكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة وغير واحد .

واختاره ابن جرير .

وقال عكرمة ، ومجاهد [ في رواية عنهما ] : هو يوم القيامة لا ليلة له .

وكذا قال الضحاك ، والحسن البصري .

وهذا القول هو الصحيح ، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به ، لكن هذا هو المراد; ولهذا قال

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولا يزال الذين كفرا بالله في شكّ.

ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: منه من ذكر ما هي؟

فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: تلك الغرانيق العلى, وإن شفاعتهن لترتجى.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جُبير: ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ منه) من قوله: تلك الغرانيق العلى, وإن شفاعتهن ترتجى.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) قال: مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.

وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبيّ صلى الله عليه وسلم في النجم.

*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الصمد, قال: ثنا شعبة, قال: ثنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير: ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) قال: في مرية من سجودك.

وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن.

*ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج: ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) قال: من القرآن.

وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب, قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أقرب منه من ذكر قوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ والهاء من قوله " أنه " من ذكر القرآن, فإلحاق الهاء في قوله: ( فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) بالهاء من قوله: أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أولى من إلحاقها بما التي في قوله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ مع بُعد ما بينهما.

وقوله: ( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ) يقول: لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة (بَغْتَةً) وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة, يقول: فجأة.

واختلف أهل التأويل في هذا اليوم أيّ يوم هو؟

فقال بعضهم: هو يوم القيامة.

*ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنى أبا ساسان, قال: سألت الضحاك, عن قوله: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال: عذاب يوم لا ليلة بعده.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن عكرمة.

أن يوم القيامة لا ليلة له.

وقال آخرون: بل عني به يوم بدر.

وقالوا: إنما قيل له يوم عقيم, أنهم لم ينظروا إلى الليل, فكان لهم عقيما.

*ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد, قال: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) يوم بدر.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج: ( أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال ابن جريج: يوم ليس فيه ليلة, لم يناظروا إلى الليل.

قال مجاهد: عذاب يوم عظيم.

قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تُمَيلة, عن أبي حمزة, عن جابر, قال: قال مجاهد: يوم بدر.

حدثني أبو السائب, قال: ثنا أبو إدريس, قال: أخبرنا الأعمش, عن رجل, عن سعيد بن جُبير, في قوله: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال: يوم بدر.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال: هو يوم بدر.

ذكره عن أبي بن كعب.

حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال: هو يوم بدر.

عن أبيّ بن كعب.

وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية، لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة, أو تأتيهم الساعة; وذلك أن الساعة هي يوم القيامة, فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتين باختلاف الألفاظ, وذلك ما لا معنى له.

فإذ كان ذلك كذلك, فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب, وهو ما ذكرنا.

في معناه.

فتأويل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه, حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم, أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له، فلا ينظرون فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء, لكنهم يقتلون قبل المساء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيمقوله تعالى : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه يعني في شك من القرآن ؛ قال ابن جريج .

وغيره : من الدين ؛ وهو الصراط المستقيم .

وقيل : مما ألقى الشيطان على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ويقولون : ما باله ذكر الأصنام بخير ثم ارتد عنها .

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ( في مرية ) بضم الميم .

والكسر أعرف ؛ ذكره النحاس .

حتى تأتيهم الساعة أي القيامة .

بغتة أي فجأة .

أو يأتيهم عذاب يوم عقيم قال الضحاك : عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة .

النحاس : سمي يوم القيامة عقيما لأنه ليس يعقب بعده يوما مثله ؛ وهو معنى قول الضحاك .

والعقيم في اللغة عبارة عمن لا يكون له ولد ؛ ولما كان الولد يكون بين الأبوين وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد ، جعل الاتباع فيها بالبعدية كهيئة الولادة ، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم .

وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : المراد عذاب يوم بدر ، ومعنى عقيم لا مثل له في عظمه ؛ لأن الملائكة قاتلت فيه .

ابن جريج : لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل ، بل قتلوا قبل المساء فصار يوما لا ليلة له .

وكذلك يكون معنى قول الضحاك أنه يوم القيامة ؛ لأنه لا [ ص: 82 ] ليلة له .

وقيل : لأنه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة ، وكان عقيما من كل خير ؛ ومنه قوله تعالى : إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر ولا رحمة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حالة الكفار، وأنهم لا يزالون في شك مما جئتهم به يا محمد، لعنادهم، وإعراضهم، وأنهم لا يبرحون مستمرين على هذه الحال { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } أي: مفاجأة { أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } أي: لا خير فيه، وهو يوم القيامة، فإذا جاءتهم الساعة، أو أتاهم ذلك اليوم، علم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، وأبلسوا وأيسوا من كل خير، وودوا لو آمنوا بالرسول واتخذوا معه سبيلا، ففي هذا تحذيرهم من إقامتهم على مريتهم وفريتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ) أي : في شك مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها .

وقال ابن جريج : " منه " أي : من القرآن .

وقيل : من الدين ، وهو الصراط المستقيم .

( حتى تأتيهم الساعة بغتة ) يعني : القيامة .

وقيل : الموت ، ( أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) قال الضحاك وعكرمة : عذاب يوم لا ليلة له ، وهو يوم القيامة .

والأكثرون على أن اليوم العقيم يوم بدر ، لأنه ذكر الساعة من قبل وهو يوم القيامة .

وسمي يوم بدر عقيما لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير ، كالريح العقيم التي لا تأتي بخير ، سحاب ولا مطر ، [ والعقم في اللغة : المنع ، يقال : رجل عقيم إذا منع من الولد ] .

وقيل : لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه .

وقال ابن جريج : لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل حتى قتلوا قبل المساء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا يزال الذين كفروا في مرية» شك «منه» أي القرآن بما ألقاه الشيطان على لسان النبي ثم أبطل «حتى تأتيهم الساعة بغتة» أي ساعة موتهم أو القيامة فجأة «أو يأتيهم عذاب يوم عقيم» هو يوم بدر لا خير فيه للكفار كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، أو هو يوم القيامة لا ليل بعده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا يزال الكافرون المكذبون في شك مما جئتهم به من القرآن إلى أن تأتيهم الساعة فجأة، وهم على تكذيبهم، أو يأتيهم عذاب يوم لا خير فيه، وهو يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيستمرون على شكهم فى القرآن حتى تأتيهم الساعة ، وأنه - تعالى - سيحكم بين الناس يوم القيامة ، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا .

ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .

فقال - عز وجل - : ( وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ .

.

.

) .قال الجمل : " لما ذكر - سبحانه - حال الكافرين أولا ، ثم حال المؤمنين ثانيا ، عاد إلى شرح حال الكافرين ، فهو رجوع لقوله : ( وَإِنَّ الظالمين لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) والمرية بالكسر والضم .

لغتان مشهورتان .والضمير فى قوله : ( مِّنْهُ ) يعود إلى القرآن الكريم ، أو إلى ما جاء به الرسول من عند ربه ، وقيل إلى ما ألقاه الشيطان .وقد رجح ابن جرير كونه للقرآن فقال : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : هى كناية من ذكر القرآن الذى أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله : ( وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم .

.

) أقر منه من ذكر قوله ( فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان .

.

) والمعنى ولا يزال الذين كفروا فى شك وريب مما أوحاه الله إليك من قرآن ، بسبب قسوة قلوبهم ، واستيلاء الجحود والعناد على نفوسهم .وسيستمرون على هذه الحال ( حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة ) أى : القيامة ( بَغْتَةً ) أى : فجأة ( أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) أى : لا مثل له فى هوله وشدة عذابه ولا يوم بعده ، إذ كل يوم يلد ما بعده عن الأيام إلا هذا اليوم وهو يوم القيامة فإنه لا يوم بعده .قال ابن كثير : " وقوله : ( أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال مجاهد : قال أبى بن كعب : هو يوم بدر .وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير .وفى رواية عن عكرمة ومجاهد هو يوم القيامة لا ليلة له ، وكذا قال الضحاك والحسن .وهذا القول هو الصحيح ، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به ، لكن هذا هو المراد ، ولهذا قال : ( الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) كقوله : ( مالك يَوْمِ الدين ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم، لأن الرجل إنما يكون منذراً بذكر الوعد للمطيعين والوعيد للعاصين.

فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات فجمع بين الوصفين وهذا دليل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان، ويدخل في العمل الصالح أداء كل واجب وترك كل محظور، ثم بين سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم.

أما المغفرة فإما أن تكون عبارة عن غفران الصغائر، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة، أو عن غفرانها قبل التوبة، والأولان واجبان عند الخصم، وأداء الواجب لا يسمى غفراناً، فبقي الثالث وهو دلالته على العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة.

وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب، وكرمه يحتمل أن يكون للصفات السلبية، وهو أن الإنسان هناك يستغني عن المكاسب وتحمل المشاق والذل فيها وارتكاب المآثم والدناءة بسببها، وأن يكون للصفات الثبوتية، وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر، مقروناً بالتعظيم والتبجيل.

والأولى جعل الكريم دالاً على كل هذه الصفات، فهذا شرح حال المؤمنين.

وأما حال الكفار فقال: ﴿ والذين سَعَوْاْ فِي ءاياتنا معاجزين ﴾ والمراد اجتهدوا في ردها والتكذيب بها حيث سموها سحراً وشعراً وأساطير الأولين، ويقال لمن بذل جهده في أمر: إنه سعى فيه توسعاً من حيث بلغ في بذل الجهد النهاية، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال له سعى، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازاً.

قال صاحب الكشاف: يقال سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه، أما المعاجز فيقال عاجزته، أي طمعت في إعجازه، واختلفوا في المراد، هل معاجزين لله أو للرسول وللمؤمنين، والأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه ويغلبونه، ويصح منهم أن يظنوا ذلك في الرسول بالحيل والمكايد.

أما الذين قالوا المراد معاجزين لله، فقد ذكروا وجوهاً: أحدها: المراد بمعاجزين مغالبين مفوتين لربهم من عذابهم وحسابهم حيث جحدوا البعث.

وثانيها: أنهم يثبطون غيرهم عن التصديق بالله ويثبطونهم بسبب الترغيب والترهيب.

وثالثها: يعجزون الله بإدخال الشبه في قلوب الناس والجواب: عن الأول أن من جحد أصل الشيء لا يوصف بأنه مغالب لمن يفعل ذلك الشيء، ومن تأول الآية على ذلك فيجب أن يكون مراده أنهم ظنوا مغالبة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يقوله من أمر الحشر والنشر والجواب: عن الثاني والثالث أن المغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة، لا إلى الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ أولئك أصحاب الجحيم ﴾ فالمراد أنهم يدومون فيها وشبههم من حيث الدوام بالصاحب، فإن قيل إنه عليه السلام في هذه الآية بشر المؤمنين أولاً وأنذر الكافرين ثانياً، فكان القياس أن يقال: قل يا أيها الناس إنما أنا لكم بشير ونذير، قلنا الكلام مسوق إلى المشركين، ويا أيها الناس نداء لهم، وهم الذين قيل فيهم ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض  ﴾ ووصفوا بالاستعجال وإنما ألقى ذكر المؤمنين وثوابهم في البين زيادة لغيظهم وإيذائهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الضمير في ﴿ مِرْيَةٍ مّنْهُ ﴾ للقرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم.

اليوم العقيم: يوم بدر، وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لأنّ أولاد النساء يقتلون فيه، فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب، فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز.

وقيل: هو الذي لا خير فيه، يقال: ريح عقيم إذا لم تنشيء مطراً ولم تلقح شجراً.

وقيل: لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة عليهم السلام فيه.

وعن الضحاك أنه يوم القيامة، وأن المراد بالساعة مقدّماته، ويجوز أن يراد بالساعة وبيوم عقيم: يوم القيامة، كأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو يأتيهم عذابها، فوضع ﴿ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ موضع الضمير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ﴾ عِلَّةٌ لِتَمْكِينِ الشَّيْطانِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُلْقى أمْرٌ ظاهِرٌ عَرَفَهُ المُحِقُّ والمُبْطِلُ.

﴿ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ شَكٌّ ونِفاقٌ.

﴿ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ المُشْرِكِينَ.

﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ قَضاءً عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.

﴿ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ أنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ النّازِلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ تَمْكِينُ الشَّيْطانِ مِنَ الإلْقاءِ هو الحَقُّ الصّادِرُ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ مِمّا جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في الإنْسِ مِن لَدُنْ آدَمَ.

﴿ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِاللَّهِ.

﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾ بِالِانْقِيادِ والخَشْيَةِ.

﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيما أشْكَلَ.

﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو نَظَرٌ صَحِيحٌ يُوصِلُهم إلى ما هو الحَقُّ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ} شك {مِنْهُ} من القرآن أو من الصراط المستقيم {حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً} فجأة {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} يعني يوم بدر فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرج أو راحة كالريح العقيم لا تأتي بخير أو شديد لا رحمة فيه أو لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه وعن الضحاك أنه يوم القيامة وأن المراد بالساعة مقدماته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ ﴾ أيْ في شَكٍّ ﴿ مِنهُ ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ وقِيلَ: مِنَ الرَّسُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى المُوحِي عَلى ما سَمِعْتَ و«مِن» عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ ابْتِدائِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ إلى ما ألْقى الشَّيْطانُ واخْتِيرَ عَلَيْهِ أنَّ مِن سَبَبِيَّةٌ فَإنَّ مِرْيَةَ الكُفّارِ فِيما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِسَبَبِ ما ألْقى الشَّيْطانُ في المُوحى مِنَ الشُّبَهِ والتَّخَيُّلاتِ فَتَأمَّلْ ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ ﴾ أيِ القِيامَةُ نَفْسُها كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً فَإنَّها المَوْصُوفَةُ بِالإتْيانِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: أشْراطُها عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ.

وقِيلَ: المَوْتُ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ في ( السّاعَةُ ) لِلْعَهْدِ ﴿ أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ أيْ مُنْفَرِدٌ عَنْ سائِرِ الأيّامِ لا مَثِيلَ لَهُ في شِدَّتِهِ أوْ لا يَوْمَ بَعْدَهُ كَأنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَلِدُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأيّامِ فَما لا يَوْمَ بَعْدَهُ يَكُونُ عَقِيمًا والمُرادُ بِهِ السّاعَةُ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ يَأْتِيَهِمْ عَذابُها فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ.

و«أوْ» في مَحَلِّها لِتَغايُرِ السّاعَةِ وعَذابِها وهي لِمَنعِ الخُلُوِّ وكانَ المُرادُ المُبالَغَةُ في اسْتِمْرارِهِمْ عَلى المِرْيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِيَوْمٍ عَقِيمٍ يَوْمَ مَوْتِهِمْ فَإنَّهُ لا يَوْمَ بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ يَوْمَ حَرْبٍ يُقْتَلُونَ فِيهِ، ووُصِفَ بِالعَقِيمِ لِأنَّ أوْلادَ النِّساءِ يُقْتَلُونَ فِيهِ فَيَصِرْنَ كَأنَّهُنَّ عُقُمٌ لَمْ يَلِدْنَ أوْ لِأنَّ المُقاتِلِينَ يُقالُ لَهم أبْناءُ الحَرْبِ فَإذا قُتِلُوا وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِالعَقِيمِ، وفِيهِ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ في الإسْنادِ ومَجازٌ في المُفْرَدِ مِن جَعْلِ الثُّكْلِ عُقْمًا، وكَذا عَلى الثّانِي لِأنَّ الوَلُودَ والعَقِيمَ هي الحَرْبُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ فَإذا وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِذَلِكَ كانَ مَجازًا في الإسْنادِ، ومِن ثَمَّ قِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُوَجَّهٌ مِن قَوْلِهِمْ ثَوْبٌ مُوَجَّهٌ لَهُ وجْهانِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ يُقالُ: رِيحٌ عَقِيمٌ إذا لَمْ تُنْشِئْ مَطَرًا ولَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا، وفِيهِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِأنَّ ما في اليَوْمِ مِنَ الصِّفَةِ المانِعَةِ مِنَ الخَيْرِ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ العُقْمِ، وخَصَّ غَيْرُ واحِدٍ هَذا اليَوْمَ بِيَوْمِ بَدْرٍ فَإنَّهُ يَوْمُ حَرْبِ قُتِلَ فِيهِ عُتاةُ الكَفَرَةِ ويَوْمٌ لا خَيْرَ فِيهِ لَهم، ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِعَقِيمٍ لِتَفَرُّدِهِ بِقِتالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ مِمّا يَأْتِي بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَعَيَّنَ تَفْسِيرُ هَذا اليَوْمِ بِيَوْمِ القِيامَةِ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الشَّيْطانِ شَيْطانُ الإنْسِ كالنَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ كانَ يُلْقِي الشُّبَهَ إلى قَوْمِهِ وإلى الوافِدِينَ يُثَبِّطُهم بِها عَنِ الإسْلامِ، وقِيلَ: ضَمِيرٌ ﴿ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ لِلشَّيْطانِ والمُرادُ بِها الصُّورَةُ الحاصِلَةُ في النَّفْسِ مِن تَمَنِّي الشَّيْءِ و«فِي» لِلسَّبَبِيَّةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ  : ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» أيْ ألْقى الشَّيْطانُ بِسَبَبِ أُمْنِيَّتِهِ الشُّبَهَ وأبْداها لِيُبْطِلَ بِها الآياتِ» .

وقِيلَ: «تَمَنّى» قَرَأ و«أُمْنِيَّتُهُ» قِراءَتُهُ والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ أوِ الرَّسُولِ ( وفِيّ ) عَلى ظاهِرِها، والمُرادُ بِما يُلْقِي الشَّيْطانُ ما يَقَعُ لِلْقارِئِ مِن إبْدالِ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ أوْ حَرْفٍ بِحَرْفٍ أوْ تَغْيِيرِ إعْرابٍ سَهْوًا، وقِيلَ: المُرادُ ما يُلْقِيهِ في الآياتِ المُتَشابِهَةِ مِنَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَمَنّى هَيَّأ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) قِراءَتُهُ، والمَعْنى إذا تَمَنّى إيمانَ قَوْمِهِ وهِدايَتَهم ألْقى الشَّيْطانُ إلى أوْلِيائِهِ شُبَهًا فَيَنْسَخُ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الشُّبَهَ ويُحْكِمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى دَفْعِها، وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) تَشْبِيهٌ وما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ ما يُوجِبُ اشْتِغالَهُ في الدُّنْيا، وجَعْلُهُ فِتْنَةً بِاعْتِبارِ ما يَظْهَرُ مِنهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِأُمُورِ الدُّنْيا، ونَسْخُهُ إبْطالُهُ بِعِصْمَتِهِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِ والإرْشادُ إلى ما يُزِيِّنُهُ.

وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَرَأ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) قِراءَتُهُ وما يُلْقِي الشَّيْطانُ كَلِماتٍ تُشابِهُ الوَحْيَ يَتَكَلَّمُ بِها الشَّيْطانُ بِحَيْثُ يَظُنُّ السّامِعُ أنَّها مِن قِراءَةِ النَّبِيِّ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ فَألْقى الشَّيْطانُ في سَكْتَتِهِ مُحاكِيًا نَغَمَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَن حَوْلَهُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى فَظَنَّ المُشْرِكُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ فَفَرِحُوا وسَجَدُوا مَعَهُ لَمّا سَجَدَ آخِرَ السُّورَةِ، وقِيلَ: المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ وظَنَّ سائِرُهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي تَكَلَّمَ بِذَلِكَ عامِدًا لَكِنْ مُسْتَفْهِمًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والِاحْتِجاجِ عَلى المُشْرِكِينَ، وجُعِلَ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن ظَنِّ المُشْرِكِينَ أنَّهُ مَدْحٌ لِآلِهَتِهِمْ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي لِأنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ كانَ جائِزًا إذْ ذاكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَ ساهِيًا، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِمَكَّةَ قَرَأ عَلَيْهِمْ والنَّجْمِ فَلَمّا بَلَغَ ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتَهُنَّ تُرْتَجى وسَها رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا إنَّما ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وما أرْسَلْنا ﴾ - حَتّى بَلَغَ- ﴿ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ »، قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: وهو خَبَرٌ مُرْسَلٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وقِيلَ: تَكَلَّمَ بِذَلِكَ ناعِسًا.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَيْنا نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ إذْ نَعَسَ فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ كَلِمَةً فَتَكَلَّمَ بِها فَقالَ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى وإنَّها لَمَعَ الغَرانِيقِ العُلا فَحَفِظَها المُشْرِكُونَ وأخْبَرَهُمُ الشَّيْطانُ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ قَرَأها فَزَلَّتْ ألْسِنَتُهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وما أرْسَلْنا ﴾ الآيَةَ»، وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ و ﴿ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ قِراءَتِهِ وما يُلْقِي الشَّيْطانُ كَلِماتٍ تُشابِهُ الوَحْيَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «أُنْزِلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ وكانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا الرَّجُلُ يَذْكُرُ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ أقْرَرْناهُ وأصْحابَهُ ولَكِنَّهُ لا يَذْكُرُ مَن خالَفَ دِينَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِمِثْلِ الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَنا مِنَ الشَّتْمِ والشَّرِّ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ ما نالَهُ أصْحابُهُ مِن أذاهم وتَكْذِيبِهِمْ وأحْزَنَهُ ضَلالَتُهم فَكانَ يَتَمَنّى هُداهم فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ النَّجْمِ قالَ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ألْقى الشَّيْطانُ عِنْدَها كَلِماتٍ فَقالَ: وإنَّهُنَّ لَهُنَّ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَهي الَّتِي تُرْتَجى وكانَ ذَلِكَ مِن سَجْعِ الشَّيْطانِ وفِتْنَتِهِ فَوَقَعَتْ هاتانِ الكَلِمَتانِ في قَلْبِ كُلِّ مُشْرِكٍ بِمَكَّةَ وزَلَّتْ بِهِما ألْسِنَتُهم وتَباشَرُوا بِهِما وقالُوا، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ رَجَعَ إلى دِينِهِ الأوَّلِ ودِينِ قَوْمِهِ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ  آخِرَ النَّجْمِ سَجَدَ وسَجَدَ كُلُّ مَن حَضَرَ مِن مُسْلِمٍ أوْ مُشْرِكٍ فَفَشَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ في النّاسِ وأظْهَرَها الشَّيْطانُ حَتّى بَلَغَتْ أرْضَ الحَبَشَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وما أرْسَلْنا ﴾ الآياتِ»، وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ  حِينَ ألْقاها الشَّيْطانُ تَكَلَّمَ بِها ظانًّا أنَّها وحْيٌ حَتّى نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ النَّجْمَ فَلَمّا بَلَغَ ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى قالُوا: ما ذَكَرَ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ قَبْلَ اليَوْمِ فَسَجَدَ وسَجَدُوا ثُمَّ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: أعْرِضْ عَلَيَّ ما جِئْتُكَ بِهِ فَلَمّا بَلَغَ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ: لَمْ آتِكَ بِهَذا هَذا مِنَ الشَّيْطانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وما أرْسَلْنا ﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ البَزّارُ والطَّبَرِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ السُّجُودِ وفِيهِ أيْضًا مُغايِرَةٌ يَسِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وجاءَ حَدِيثُ السُّجُودِ في خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ أخْرَجَهُ البَزّارُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنْ شُعْبَةَ لَكِنْ قالَ في إسْنادِهِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أحْسَبُ فَشَكَّ في وصْلِهِ، وفي رِوايَةِ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أكُونَ أقْرَأْتُكَ هَذا فاشْتَدَّ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وطَيَّبَ نَفْسَهُ ﴿ وما أرْسَلْنا ﴾ الآيَةَ» قِيلَ: والمُشابَهَةُ ما ألْقى الشَّيْطانُ لِلْوَحْيِ المُنَزَّلِ وكَوْنُهُ في أثْنائِهِ أطْلَقَ عَلى إبْطالِهِ اسْمَ النَّسْخِ الشّائِعَ إيقاعُهُ عَلى ما هو وحْيٌ حَقِيقَةً لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ النَّسْخَ الشَّرْعِيَّ لا يَتَعَلَّقُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلٍ ما لِذَلِكَ، وقَدْ أنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ هَذِهِ القِصَّةَ فَقالَ البَيْهَقِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ.

وقالَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ: يَكْفِيكَ في تَوْهِينِ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الصِّحَّةِ ولا رَواهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ وإنَّما أُولِعَ بِهِ وبِمِثْلِهِ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ المُولَعُونَ بِكُلِّ غَرِيبٍ المُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وسَقِيمٍ.

وفِي البَحْرِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ سُئِلَ عَنْها الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ جامِعُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَقالَ: هَذا مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ وصَنَّفَ في ذَلِكَ كِتابًا.

وذَكَرَ الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ في كِتابِ حِصَصِ الأتْقِياءِ الصَّوابُ أنَّ قَوْلَهُ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا مِن جُمْلَةِ إيحاءِ الشَّيْطانِ إلى أوْلِيائِهِ مِنَ الزَّنادِقَةِ حَتّى يُلْقُوا بَيْنَ الضُّعَفاءِ وأرِقّاءِ الدِّينِ لِيَرْتابُوا في صِحَّةِ الدِّينِ وحَضْرَةُ الرِّسالَةِ بَرِيئَةٌ مِن مِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ النّاطِقَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ  بِسَبَبِ إلْقاءِ الشَّيْطانِ المُلَبِّسِ بِالمَلَكِ أُمُورٌ.

مِنها تَسَلُّطُ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو  بِالإجْماعِ مَعْصُومٌ مِنَ الشَّيْطانِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا مِن أُمُورِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ والِاعْتِقادِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ( إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) [الحِجْرَ: 42، الإسْراءَ: 65] وقالَ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومِنها زِيادَتُهُ  في القُرْآنِ ما لَيْسَ مِنهُ وذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَكانِ العِصْمَةِ، ومِنها اعْتِقادُ النَّبِيِّ  ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ أنَّهُ قُرْآنٌ مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدَ الِالتِئامِ مُتَناقِضًا مُمْتَزِجَ المَدْحِ بِالذَّمِّ وهو خَطَأٌ شَنِيعٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَساهَلَ في نِسْبَتِهِ إلَيْهِ  ، ومِنها أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُطْقِهِ بِذَلِكَ مُعْتَقِدًا ما اعْتَقَدَهُ المُشْرِكُونَ مِن مَدْحِ آلِهَتِهِمْ بِتِلْكَ الكَلِماتِ وهو كُفْرٌ مُحالٌ في حَقِّهِ  وإمّا أنْ يَكُونَ مُعْتَقِدًا مَعْنًى آخَرَ مُخالِفًا لِما اعْتَقَدُوهُ ومُبايِنًا لِظاهِرِ العِبارَةِ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَهم مَعَ فَرَحِهِمْ وادِّعائِهِمْ أنَّهُ مَدَحَ آلِهَتَهم فَيَكُونُ مُقِرًّا لَهم عَلى الباطِلِ وحاشاهُ  أنْ يُقِرَّ عَلى ذَلِكَ.

ومِنها كَوْنُهُ  اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ عَلَيْهِ المَلَكُ وهو يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ، ويَقْتَضِي أيْضًا جَوازَ تَصَوُّرِ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ المَلَكِ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ كَما قالَ في الشِّفاءِ لا في أوَّلِ الرِّسالَةِ ولا بَعْدَها والِاعْتِمادُ في ذَلِكَ دَلِيلُ المُعْجِزَةِ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: تَصَوُّرُ الشَّيْطانِ في صُورَةِ المَلَكِ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ كَتَصَوُّرِهِ في صُورَةِ النَّبِيِّ مُلَبِّسًا عَلى الخَلْقِ وتَسْلِيطُ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ كَتَسْلِيطِهِ في هَذا فَكَيْفَ يَسُوغُ في لُبِّ سَلِيمٍ اسْتِجازَةُ ذَلِكَ.

ومِنها التَّقَوُّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى إمّا عَمْدًا أوْ خَطَأً أوْ سَهْوًا.

وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما قالَ القاضِي عِياضٌ عَلى عِصْمَتِهِ  فِيما كانَ طَرِيقَهُ البَلاغُ مِنَ الأقْوالِ عَنِ الإخْبارِ بِخِلافِ الواقِعِ لا قَصْدًا ولا سَهْوًا، ومِنها الإخْلالُ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ فَلا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ، ولا يَنْدَفِعُ كَما قالَ البَيْضاوِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، لِأنَّهُ أيْضًا يُحْتَمَلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وذَهَبَ إلى صِحَّتِها الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ وساقَ طُرُقًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ ثُمَّ قالَ: وكُلُّها سِوى طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إمّا ضَعِيفٌ وإمّا مُنْقَطِعٌ لَكِنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلى أنَّ لَها أصْلًا مَعَ أنَّ لَها طَرِيقًا مُتَّصِلًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أخْرَجَهُالبَزّارُ وطَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ رِجالُهُما عَلى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، أحَدُهُما ما أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، والثّانِي ما أخْرَجَهُ أيْضًا مِن طَرِيقِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ وحَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَرْقُهُما عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، ثُمَّ أخَذَ في الرَّدِّ عَلى أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ والقاضِي عِياضٍ في إنْكارِهِما الصِّحَّةَ.

وذَهَبَ إلى صِحَّةِ القِصَّةِ أيْضًا خاتِمَةُ المُتَأخِّرِينَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ ثُمَّ المَدَنِيُّ، وذَكَرَ بَعْدَ كَلامٍ طَوِيلٍ أنَّهُ تَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ أنَّ الحَدِيثَ أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ الصِّحَّةِ وأنَّهُ رَواهُ ثِقاتٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِثَلاثِ أسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ ثَلاثٍ مِنَ التّابِعِينَ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ الآخِذِينَ عَنِ الصَّحابَةِ وهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو العالِيَةِ، وقَدْ قالَ السُّيُوطِيُّ في لُبابِ النُّقُولِ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ الحاكِمُ في عُلُومِ الحَدِيثِ: إذا أخْبَرَ الصَّحابِيُّ الَّذِي شَهِدَ الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ عَنْ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أنَّها نَزَلَتْ في كَذا فَإنَّهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ومَشى عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلاحِ وغَيْرُهُ ثُمَّ قالَ: ما جَعَلْناهُ مِن قَبِيلِ المُسْنَدِ مِنَ الصَّحابِيِّ إذا وقَعَ مِن تابِعِيٍّ فَهو مَرْفُوعٌ أيْضًا لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ فَقَدْ يُقْبَلُ إذا صَحَّ السَّنَدُ إلَيْهِ وكانَ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ الآخِذِينَ عَنِ الصَّحابَةِ كَمُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أوِ اعْتَضَدَ بِمُرْسَلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ في هَذِهِ القِصَّةِ مُسْنَدًا مِنَ الطَّرِيقِ المُتَّصِلَةِ بِابْنِ عَبّاسٍ مُرْسَلًا مَرْفُوعًا مِنَ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ والزِّيادَةُ فِيهِ الَّتِي رَواها الثِّقاتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في غَيْرِ رِوايَةِ البُخارِيِّ لَيْسَتْ مُخالِفَةً لِما في البُخارِيِّ عَنْهُ فَلا تَكُونُ شاذَّةً فَإطْلاقُ الطَّعْنِ فِيهِ مِن حَيْثُ النَّقْلِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وأجابَ عَمّا يَلْزَمُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ النَّبِيَّ  ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ السُّلْطانَ المَنفِيَّ عَنِ العِبادِ المُخْلَصِينَ هو الإغْواءُ أعْنِي التَّلْبِيسَ المُخِلَّ بِأمْرِ الدِّينِ وهو الَّذِي وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْصُومٌ مِنهُ وأمّا غَيْرُ المُخِلِّ فَلا دَلِيلَ عَلى نَفْيِهِ ولا إجْماعَ عَلى العِصْمَةِ مِنهُ وما هُنا غَيْرُ مُخِلٍّ لِعَدَمِ مُنافاتِهِ لِلتَّوْحِيدِ كَما يُبَيَّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَلْ فِيهِ تَأْدِيبٌ وتَصْفِيَةٌ وتَرْقِيَةٌ لِلْحَبِيبِ الأعْظَمِ  لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمَنّى هَدْيَ الكُلِّ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى والأكْمَلُ في العُبُودِيَّةِ فَناءُ إرادَتِهِ في إرادَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإلْقاءُ حالَةَ تَمَنّى هَدْيِ الكُلِّ المُصادِمِ لِلْقَدَرِ والمُنافِي لِما هو الأكْمَلُ لِيَتَرَقّى إلى الأكْمَلِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِهَذِهِ المَرَّةِ ولِذا لَمْ يَقَعِ التَّلْبِيسُ مَرَّةً أُخْرى بَلْ كانَ يُرْسَلُ بَعْدُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدٌ لِيُعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالَةَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وفي تَرْتِيبِ الإلْقاءِ عَلى التَّمَنِّي ما يُفْهِمُ العِتابَ عَلَيْهِ وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ المُسْتَحِيلَ المُنافِيَ لِلْعِصْمَةِ أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ أيْ يَزِيدُ فِيهِ ما يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَبِعَ فِيهِ الإلْقاءَ المُلَبَّسَ عَلَيْهِ في حالَةٍ خاصَّةٍ فَقَطْ تَأْدِيبًا أنْ يَعُودَ لِمِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا عَنِ الثّالِثِ فَبِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ  نَطَقَ بِهِ عَلى فَهْمِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ أوْ حِكايَةً عَنْهم بِحَذْفِ القَوْلِ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ بَعِيدَ الِالتِئامِ ولا مُتَناقِضًا ولا مُمْتَزِجَ المَدْحِ بِالذَّمِّ ولا بُدَّ مِنَ التِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الخَبَرِ لِمَكانِ العِصْمَةِ، والنُّكْتَةُ في التَّعْبِيرِ كَذَلِكَ إيهامُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةُ قُلُوبِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَدَحَ آلِهَتَهم ويَحْصُلُ ذَلِكَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَجْعَلَ ﴾ إلَخْ، وأمّا عَنِ الرّابِعِ فَبِأنّا نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِيَ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ أوْ حِكايَةٌ بِحَذْفِ القَوْلِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْتَقِدًا لِمَعْنًى مُخالِفٍ لِما اعْتَقَدُوهُ ولا يَلْزَمُ مِنهُ التَّقْرِيرُ عَلى الباطِلِ لِأنَّهُ بَيَّنَ بُطْلانَ مُعْتَقَدِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ  ﴾ فَإنَّ ما لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلْطانًا لا تُرْجى شَفاعَتُهُ إذْ لا شَفاعَةَ إلّا مِن بَعْدِ إذْنٍ إلَهِيٍّ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿ وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى  ﴾ .

وأمّا عَنِ الخامِسِ فَبِأنَّ هَذا الِاشْتِباهَ في حالَةٍ خاصَّةٍ لِلتَّأْدِيبِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ في غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا قَوْلُ القاضِي عِياضٍ: لا يَصِحُّ أنْ يَتَصَوَّرَ الشَّيْطانُ بِصُورَةِ المَلَكِ ويُلَبَّسَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنْ أرادَ بِهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُلَبَّسَ تَلْبِيسًا قادِحًا فَهو مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ وإنْ أرادَ مُطْلَقًا ولَوْ كانَ غَيْرَ مُخِلٍّ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ودَلِيلُ المُعْجِزَةِ إنَّما يَنْفِي الِاشْتِباهَ المُخِلَّ بِأمْرِ النُّبُوَّةِ المُنافِي لِلتَّوْحِيدِ القادِحِ في العِصْمَةِ وما ذُكِرَ غَيْرُ مُخِلٍّ بَلْ فِيهِ تَأْدِيبٌ بِما يَتَضَمَّنُ تَنْقِيَةً وتَرْقِيَةً إلى الأكْمَلِ في العُبُودِيَّةِ.

وأمّا ما ذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ فَقِياسٌ مَعَ الفارِقِ لِأنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْطانِ في صُورَةِ النَّبِيِّ مُطْلَقًا مَنفِيٌّ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ وتَصَوُّرَهُ في صُورَتِهِ مُلَبِّسًا عَلى الخَلْقِ إغْواءً يَعُمُّ وهو سُلْطانٌ مَنفِيٌّ بِالنَّصِّ عَنِ المُخْلَصِينَ، وأمّا تَصَوُّرُهُ في صُورَةِ المَلَكِ في حالَةٍ خاصَّةٍ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ بِما لا يَكُونُ مُنافِيًا لِلتَّوْحِيدِ لِما يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ تَأْدِيبًا ولِإيهامِهِ خِلافَ المُرادِ فِتْنَةً لِقَوْمٍ فَلَيْسَ مِنَ السُّلْطانِ المَنفِيِّ ولا بِالتَّصَوُّرِ المَمْنُوعِ لِعَدَمِ إخْلالِهِ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ.

وأمّا عَنِ السّادِسِ فَبِأنَّ التَّقَوُّلَ تَكَلُّفُ القَوْلِ ومَن لا يَتَّبِعُ إلّا ما يُلْقى إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً أوِ اعْتِقادًا ناشِئًا مِن تَلْبِيسٍ غَيْرِ مُخِلٍّ لا تَكَلُّفَ لِلْقَوْلِ عِنْدَهُ فَلا تَقَوُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى أصْلًا ما أشْبَهَ هَذِهِ القِصَّةَ بِما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ ذِي اليَدَيْنِ فالتَّلْبِيسُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإلْقاءِ في حالَةِ التَّمَنِّي تَأْدِيبًا كَإيقاعِ السَّهْوِ عَلَيْهِ  في الصَّلاةِ بِاعْتِقادِ التَّمامِ تَشْرِيعًا والنُّطْقُ بِما ألْقاهُ الشَّيْطانُ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِمّا لا يُنافِي التَّوْحِيدَ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ أنَّ المُلْقِيَ مَلَكٌ تَلْبِيسًا لِلتَّأْدِيبِ كالنُّطْقِ بِالسَّلامِ ثُمَّ بِلَمْ أنْسَ مُعْتَقِدًا أنَّهُ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ بِناءً عَلى اعْتِقادِ التَّمامِ سَهْوًا، ووُقُوعُ البَيانِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ النَّسْخُ والإحْكامُ كَوُقُوعِ البَيانِ عَلى لِسانِ الصَّحابِيِّ ثُمَّ التَّدارُكُ وسُجُودُ السَّهْوِ فَكَما أنَّ السَّهْوَ لِلتَّشْرِيعِ غَيْرُ قادِحٍ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ كَذَلِكَ الِاشْتِباهُ في الإلْقاءِ لِلتَّأْدِيبِ غَيْرُ قادِحٍ، وكَما أنَّ النُّطْقَ بِلَمْ أنْسَ مَعَ تَبَيُّنِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ نَسِيَ صِدْقٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ التَّمامِ سَهْوًا كَذَلِكَ النُّطْقُ بِما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في تِلْكَ الحالَةِ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ أنَّ المُلْقِيَ مَلَكٌ صِدْقٌ ولا شَيْءَ مِنَ الصِّدْقِ بِالتَّقَوُّلِ فَلا شَيْءَ مِنَ النُّطْقِ بِما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في تِلْكَ الحالَةِ بِهِ، وما ذُكِرَ عَنِ القاضِي عِياضٍ مِن حِكايَةِ الإجْماعِ عَلى عَدَمِ جَوازِ دُخُولِ السَّهْوِ في الأقْوالِ التَّبْلِيغِيَّةِ كَما قالَ الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ مُتَعَقَّبٌ.

وأمّا عَنِ السّابِعِ فَبِأنَّهُ لا إخْلالَ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّ وُثُوقَ كُلٍّ مِنهُما تابِعٌ لِوُثُوقِ مَتْبُوعِهِمُ الصّادِقِ الأمِينِ فَإذا جَزَمَ بِشَيْءٍ أنَّهُ كَذا جَزَمُوا بِهِ وإذا رَجَعَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ الجَزْمِ رَجَعُوا كَما هو شَأْنُهم في نَسْخِ غَيْرِ هَذا مِنَ الآياتِ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ تَعالى لَفْظًا ومَعْنًى إذْ قِيلَ نَسْخُ ما نُسِخَ لَفْظُهُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُتَعَبِّدُونَ بِتِلاوَتِهِ وبَعْدَ النَّسْخِ جَزَمُوا بِأنَّهم ما هم مُتَعَبِّدِينَ بِتِلاوَتِهِ، وما نُسِخَ حُكْمُهُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُكَلَّفُونَ بِحُكْمِهِ وبَعْدَ النَّسْخِ جَزَمُوا بِأنَّهم ما هم مُكَلَّفِينَ بِهِ، فَقَوْلُ البَيْضاوِيِّ: إنَّ ذَلِكَ لا يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ أيْضًا يَحْتَمِلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وبَيانُهُ أنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ يَحْتَمِلُهُ عِنْدَ الفِرَقِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ وهُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةُ قُلُوبِهِمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا فَهو مَمْنُوعٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ( ولِيَعْلَمَ ) إلَخْ عَلى انْتِقاءِ الِاحْتِمالِ عِنْدَ فَرِيقَيْنِ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ بَعْدَ النَّسْخِ والإحْكامِ، وإنْ أرادَ أنَّهُ يَحْتَمِلُهُ في الجُمْلَةِ أيْ عِنْدَ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ فَهو مُسَلَّمٌ وغَيْرُ مُضِرٍّ لِعَدَمِ إخْلالِهِ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا، وأمّا إخْلالُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مُرادُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

هَذا واعْتُرِضَ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّلْبِيسَ بِحَيْثُ يُشْتَبَهُ الأمْرُ عَلى النَّبِيِّ  فَيَعْتَقِدُ أنَّ الشَّيْطانَ مَلَكٌ مُخِلٌّ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ ونَقْصٌ فِيهِ فَإنَّ الوَلِيَّ الَّذِي هو دُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَراتِبَ لا يَكادُ يَخْفى عَلَيْهِ الطّائِعُ مِنَ العاصِي فَيُدْرِكُ نُورَ الطّاعَةِ وظُلْمَةَ المَعْصِيَةِ فَكَيْفَ بِمَن هو سَيِّدُ الأنْبِياءِ ونُورُ عُيُونِ قُلُوبِ الأوْلِياءِ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ مَن هو مَحْضُ نُورٍ بِمَن مَحْضُ دَيْجُورٍ، واشْتِباهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ  في بَعْضِ المَرّاتِ حَتّى لَمْ يَعْرِفْهُ إلى أنْ ذَهَبَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما شُبِّهَ ( عَلَيَّ ) مُنْذُ أتانِي قَبْلَ مُرَّتِي هَذِهِ وما عَرَفْتُهُ حَتّى ولّى إذا صَحَّ لَيْسَ مِن قَبِيلِ اشْتِباهِ الشَّيْطانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ اشْتِباهِ مَلَكٍ بِمَلَكٍ وكُلٌّ مِنهُما نُورانِيٌّ، وقَدْ كانَ يَأْتِيهِ  غَيْرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَلائِكَةِ الكِرامِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ اشْتِباهِ مَلَكٍ بِواحِدٍ مِنَ البَشَرِ نُورانِيٍّ أيْضًا لَمْ يَكُنْ رَآهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ كالخَضِرِ وإلْياسَ مَثَلًا إنْ قُلْنا بِحَياتِهِما.

وأيْضًا قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ لَهم خاطِرٌ شَيْطانِيٌّ، وكَوْنُ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ بَلْ كانَ مُجَرَّدَ إلْقاءٍ عَلى اللِّسانِ دُونَ القَلْبِ مَمْنُوعٌ ألا تَرى أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ دُونَ ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ، وتَسْمِيَةُ القِراءَةِ أُمْنِيَّةً لِما أنَّ القارِئَ يُقَدِّرُ الحُرُوفَ في قَلْبِهِ أوَّلًا ثُمَّ يَذْكُرُها شَيْئًا فَشَيْئًا، وأيْضًا حِفْظُهُ  لِذَلِكَ إلى أنْ أمْسى كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ فَنَبَّهَهُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ يَبْعُدُ كَوْنُ الإلْقاءِ عَلى اللِّسانِ فَقَطْ، عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ وقُلْنا: إنَّ الشَّيْطانَ ألْقى عَلى لِسانِهِ  ولَمْ يُلْقِ في قَلْبِهِ كَما هو شَأْنُ الوَحْيِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ ﴿ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ  ﴾ وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مِمّا يُعْقَلُ لَلَزِمَ أنْ يَعْلَمَ  مِن خُلُوِّ قَلْبِهِ واشْتِغالِ لِسانِهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الوَحْيِ في شَيْءٍ ولَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُعْلِمَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لُبِّسَ الحالُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّأْدِيبِ والتَّرْقِيَةِ إلى المَقامِ الأكْمَلِ في العُبُودِيَّةِ وهو فَناءُ إرادَتِهِ  في إرادَةِ مَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ تَمَنّى إيمانَ الكُلِّ وحَرِصَ عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِأنَّ القائِلَ بِهِ زَعَمَ أنَّ التَّأْدِيبَ بِذَلِكَ كانَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ  ﴾ ولا شَكَّ أنَّ التَّأْدِيبَ بِهِ لَمْ يَبْقَ ولَمْ يَذَرْ ولَمْ يُقْرَنْ بِما فِيهِ تَسْلِيَةٌ أصْلًا فَإذا قِيلَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى: إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَنْجَعْ فَكَيْفَ يَنْجَعُ ما دُونَهُ، وأيْضًا أيَّةُ دَلالَةٍ في الآيَةِ عَلى التَّأْدِيبِ وهي لَمْ تَخْرُجْ مَخْرَجَ العِتابِ بَلْ مَخْرَجَ التَّسْلِيَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَمّا كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِنَ السَّعْيِ في إبْطالِ الآياتِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ تَرْتِيبَ الإلْقاءِ عَلى التَّمَنِّي مَعَ ما في السِّباقِ والسِّياقِ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّسْلِيَةِ عَنْ ذَلِكَ يُجْدِي نَفْعًا في هَذا البابِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الألْبابِ.

ويَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ: إنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ التَّأْدِيبِ بِما ذَكَرَ كانَ يُرْسَلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدٌ يَحْفَظُونَهُ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِ الإرْسالِ بِما بَعْدَ ذَلِكَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا  ﴾ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا بُعِثَ إلَيْهِ المَلَكُ بِالوَحْيِ بُعِثَ مَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ أنْ يَتَشَبَّهَ الشَّيْطانُ بِالمَلَكِ»، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ- كانَ- في ذَلِكَ لِلِاسْتِمْرارِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ما جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقُرْآنِ إلى النَّبِيِّ  إلّا ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ حَفَظَةٌ، وهَذا صَرِيحٌ في ذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّ هَذا الإلْقاءَ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ كانَ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  بَيْنَما هو يُصَلِّي إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ آلِهَةِ العَرَبِ فَجَعَلَ يَتْلُوها فَسَمِعَهُ المُشْرِكُونَ فَقالُوا: إنّا نَسْمَعُهُ يَذْكُرُ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ فَدَنَوْا مِنهُ فَبَيْنَما هو يَتْلُوها وهو يَقُولُ ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ألْقى الشَّيْطانُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى» فَعَلى هَذا ونَحْوِهِ يَكُونُ الرَّصَدُ مَوْجُودًا مَعَ عَدَمِ تَرَتُّبِ أثَرِهِ عَلَيْهِ والقَوْلُ بِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ تَنَحَّوْا عَنْهُ حَتّى ألْقى الشَّيْطانُ ما ألْقى بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في آيَةِ الرَّصَدِ: كانَ النَّبِيُّ  قَبْلَ أنْ يُلْقِيَ الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ يَدْنُونَ مِنهُ فَلَمّا ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ أمْرَهم أنْ يَتَنَحَّوْا عَنْهُ قَلِيلًا فَإنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: فِيهِ فَلَمّا ألْقى فَلَمّا أرادَ أنَّ يُلْقِيَ في حَيِّزِ المَنعِ وكَذا صِحَّةُ هَذا الخَبَرِ، ثُمَّ أيَّةُ فائِدَةٍ في إنْزالِ الرَّصَدِ إذا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الحِفْظُ بَلْ كَيْفَ يُسَمّى رَصَدًا.

ومِمّا ذُكِرَ في هَذا الِاعْتِراضِ يُعْلَمُ ما في الجَوابِ الثّانِي مِنَ الِاعْتِراضِ وهو ظاهِرٌ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ إعْجازَ القُرْآنِ مَعْلُومٌ لَهُ  ضَرُورَةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ بَلْ قالَ القاضِي: إنَّ كُلَّ بَلِيغٍ أحاطَ بِمَذاهِبِ العَرَبِ وغَرائِبِ الصَّنْعَةِ يَعْلَمُ ضَرُورَةَ إعْجازِهِ، وذُكِرَ أنَّ الإعْجازَ يَتَعَلَّقُ بِسُورَةٍ أوْ قَدْرِها مِنَ الكَلامِ بِحَيْثُ يَتَبَيَّنُ فِيهِ تَفاضُلٌ قَوِيُّ البَلاغَةِ فَإذا كانَتْ آيَةٌ بِقَدْرِ حُرُوفِ سُورَةٍ وإنْ كانَتْ كَسُورَةِ الكَوْثَرِ فَهو مُعْجِزٌ، وعَلى هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَأْتِيَ الجِنُّ والإنْسُ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا بِمِقْدارِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ تُشْبِهُهُ في البَلاغَةِ ومَتى أتى أحَدٌ بِما يَزْعُمُ فِيهِ ذَلِكَ لَمْ تُنْفَقْ سُوقُهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  وكَذا عِنْدَ كُلِّ بَلِيغٍ مُحِيطٍ بِما تَقَدَّمَ ولَمْ يَخْفَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا عَلى ذَلِكَ البَلِيغِ عَدَمُ إعْجازِهِ فَلا يُشْتَبَهُ عِنْدَهُ بِالقُرْآنِ أصْلًا، ولا شَكَّ أنَّ ما ألْقى الشَّيْطانُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ حُرُوفُهُ بِقَدْرِ حُرُوفِ سُورَةِ الكَوْثَرِ بَلْ أزْيَدُ إنِ اعْتُبِرَ الحَرْفُ المُشَدَّدُ بِحَرْفَيْنِ وهو وأنَّهُنَّ لَهُنَّ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَهي الَّتِي تُرْتَجى الوارِدُ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ.

وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: هو صَحِيحٌ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ ألْقى تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلا وشَفاعَتُهُنَّ تُرْتَجى تُرْتَضى ومِثْلُهُنَّ لا يُنْسى وحُرُوفُهُ أزْيَدُ مِن حُرُوفِها إذا لَمْ يُعْتَبَرِ الحَرْفُ المُشَدَّدُ في شَيْءٍ مِنهُما حَرْفَيْنِ أمّا إذا اعْتُبِرَ فَحُرُوفُها أزْيَدُ بِواحِدٍ فَإنْ كانَ ما ذُكِرَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الإعْجازُ فَإنْ كانَ مُعْجِزًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن إلْقاءِ عَدُوِّهِ ضَرُورَةَ عَجْزِهِ كَسائِرِ الجِنِّ والإنْسِ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الإعْجازُ فَهو كَلامٌ غَيْرُ يَسِيرٍ يَتَنَبَّهُ البَلِيغُ الحاذِقُ إذا سَمِعَهُ أثْناءَ كَلامٍ فَوْقَهُ بِمَراتِبَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنهُ فَيَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُصُورُ بَلاغَتِهِ عَنْ بَلاغَةِ شَيْءٍ مِن آياتِ القُرْآنِ سَواءٌ قُلْنا بِتَفاوُتِها في البَلاغَةِ كَما اخْتارَهُ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ وجَماعَةٌ أمْ قُلْنا بِعَدَمِ التَّفاوُتِ كَما اخْتارَهُ القاضِي فَيُعْتَقَدُ أنَّهُ قُرْآنٌ حَتّى يُنَبِّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا سِيَّما وقَدْ تَكَرَّرَ عَلى سَمْعِهِ الشَّرِيفِ سُكْرُ الآياتِ ومازَجَتْ لَحْمَهُ ودَمَهُ، والواحِدُ مِنّا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ البَلاغَةِ بِمَكانٍ إذا ألِفَ شِعْرَ شاعِرٍ وتَكَرَّرَ عَلى سَمْعِهِ يَعْلَمُ إذا دُسَّ بَيْتٌ أوْ شَطْرٌ في قَصِيدَةٍ لَهُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ وقَدْ يُطالِبُ بِالدَّلِيلِ فَلا يَزِيدُ عَلى قَوْلِهِ: لِأنَّ النَّفَسَ مُخْتَلِفٌ، وهَذا البُعْدُ مُتَحَقِّقٌ عِنْدِي عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُلْقى ما في الرِّوايَةِ الشّائِعَةِ وهو تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى أيْضًا لا سِيَّما عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ: إنَّ الإعْجازَ يَتَعَلَّقُ بِقَلِيلِ القُرْآنِ وكَثِيرِهِ مِنَ الجُمَلِ المُفِيدَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ والقَوْلُ بِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلتَّأْدِيبِ فِيهِ ما فِيهِ، ولا يَبْعُدُ اسْتِحْقاقُ قائِلِهِ لِلتَّأْنِيبِ.

وما ذَكَرَهُ في الجَوابِ عَنِ الثّالِثِ مِن أنَّهُ لا بُدَّ مِن حَمْلِ الكَلامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ أوْ حَذْفِ القَوْلِ وهو دُونَ الأوَّلِ إذا صَحَّ الخَبَرُ صَحِيحٌ لَكِنَّ إثْباتَ صِحَّةِ الخَبَرِ أشَدُّ مِن خَرْطِ القَتادِ فَإنَّ الطّاعِنِينَ فِيهِ مِن حَيْثُ النَّقْلُ عُلَماءُ أجِلّاء عارِفُونَ بِالغَثِّ والسَّمِينِ مِنَ الأخْبارِ وقَدْ بَذَلُوا الوُسْعَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ فِيهِ فَلَمْ يَرْوُوهُ إلّا مَرْدُودًا وما ألْقى الشَّيْطانُ إلى أوْلِيائِهِ مَعْدُودًا وهم أكْثَرُ مِمَّنْ قالَ بِقَبُولِهِ ومِنهم مَن هو أعْلَمُ مِنهُ، ويَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهم وقَفُوا عَلى رُواتِهِ في سائِرِ الطُّرُقِ فَرَأوْهم مَجْرُوحِينَ وفاتَ ذَلِكَ القائِلَ بِالقَبُولِ، ولَعَمْرِي إنَّ القَوْلَ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ مِمّا ألْقاهُ الشَّيْطانُ عَلى بَعْضِ ألْسِنَةِ الرُّواةِ ثُمَّ وفَّقَ اللَّهُ تَعالى جَمْعًا مِن خاصَّتِهِ لِإبْطالِهِ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ حَدِيثَ الغَرانِيقِ مِمّا ألْقاهُ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نَسَخَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا سِيَّما وهو مِمّا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى صِحَّتِهِ أمْرٌ دِينِيٌّ ولا مَعْنى آيَةٍ ولا ولا سِوى أنَّها يَتَوَقَّفُ عَلَيْها حُصُولُ شُبَهٍ في قُلُوبِ كَثِيرٍ مِن ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ لا تَكادُ تُدْفَعُ إلّا بِجُهْدٍ جَهِيدٍ، ويُؤَيِّدُ عَدَمَ الثُّبُوتِ مُخالَفَتُهُ لِظَواهِرِ الآياتِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في وصْفِ القُرْآنِ: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ والمُرادُ بِالباطِلِ ما كانَ باطِلًا في نَفْسِهِ وذَلِكَ المُلْقى كَذَلِكَ وإنْ سَوَّغَ نُطْقُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ تَأْوِيلَهُ بِأحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، والمُرادُ بِلا يَأْتِيهِ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ.

وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ  ﴾ فَجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُؤَكَّدَةً بِتَأْكِيدَيْنِ ونُسِبَ فِيها الحِفْظُ المَحْذُوفُ مُتَعَلِّقُهُ إفادَةً لِلْعُمُومِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ القُرْآنِ ما فِيهِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ مِنَ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ وما عَلَيْنا ما قِيلَ في ذَلِكَ، وكَوْنُ الإلْقاءِ المَذْكُورِ لا يُنافِي الحِفْظَ لِأنَّهُ نُسِخَ ولَمْ يَبْقَ إلّا زَمانًا يَسِيرًا لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ وإنْ لَمْ يُنافِ الحِفْظَ في الجُمْلَةِ لَكِنَّهُ يُنافِي الحِفْظَ المُشارَ إلَيْهِ في الآيَةِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الِاعْتِناءُ، ثُمَّ إنْ قِيلَ: بِما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ مِن أنَّ سُورَةَ الحَجِّ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ لَزِمَ بَقاءُ ما ألْقى الشَّيْطانُ قُرْآنًا في اعْتِقادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ زَمانًا طَوِيلًا والقَوْلُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ بِمَكانٍ، وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى  ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِما يُنْطَقُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ ومِن هُنا أخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ كَما يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ.

والمُتَبادَرُ مِن لَحْنِ الخِطابِ أنَّ جَمِيعَ ما يَنْطِقُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ذَلِكَ لَيْسَ عَنْ إلْقاءٍ شَيْطانِيٍّ كَما أنَّهُ لَيْسَ عَنْ هَوًى، وبَقِيَتْ آياتٌ أُخَرُ في هَذا البابِ ظَواهِرُها تَدُلُّ عَلى المُدَّعِي أيْضًا، وتَأْوِيلُ جَمِيعِ الظَّواهِرِ الكَثِيرَةِ لِقَوْلِ شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ بِصِحَّةِ الخَبَرِ المُنافِي لَها مَعَ قَوْلِ جَمٍّ غَفِيرٍ بَعْدَ الفَحْصِ التّامِّ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِمّا لا يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ السَّلِيمُ ولا يَرْتَضِيهِ ذُو الطَّبْعِ المُسْتَقِيمِ، ويَبْعُدُ القَوْلُ بِثُبُوتِهِ أيْضًا عَدَمُ إخْراجِ أحَدٍ مِنَ المَشايِخِ الكِبارِ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتِّ مَعَ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ وفي الطِّباعِ مَيْلٌ إلى سَماعِ الغَرِيبِ ورِوايَتِهِ ومَعَ إخْراجِهِمْ حَدِيثُ سُجُودِ المُشْرِكِينَ مَعَهُ  حِينَ سَجَدَ آخِرَ النَّجْمِ، فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ  قَرَأ والنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيها وسَجَدَ كُلُّ مَن كانَ مَعَهُ غَيْرَ أنَّ شَيْخًا مِن قُرَيْشٍ أخَذَ كَفًّا مِن حَصى أوْ تُرابٍ ورَفَعَهُ إلى جَبْهَتِهِ وقالَ: يَكْفِينِي هَذا» .

ورَوى البُخارِيُّ أيْضًا.

والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  سَجَدَ بِالنَّجْمِ وسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والجِنُّ والإنْسُ» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ سُجُودَ المُشْرِكِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في السُّورَةِ ما ظاهِرُهُ مَدْحُ آلِهَتِهِمْ وإلّا لَما سَجَدُوا لِأنّا نَقُولُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا سَجَدُوا لِدَهْشَةٍ أصابَتْهم وخَوْفٍ اعْتَراهم عِنْدَ سَماعِ السُّورَةِ لِما فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ ﴿ وثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ ﴿ وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى ﴾ ﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى ﴾ ﴿ فَغَشّاها ما غَشّى  ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ فاسْتَشْعَرُوا نُزُولَ مِثْلِ ذَلِكَ بِهِمْ، ولَعَلَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَبْلَ ذَلِكَ مِثْلَها مِنهُ  وهو قائِمٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ في مَقامٍ خَطِيرٍ وجَمْعٍ كَثِيرٍ وقَدْ ظَنُّوا مِن تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالسُّجُودِ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّ سُجُودَهم ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ إيمانٍ كافٍ في دَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ، ولا تَسْتَبْعِدُ خَوْفَهم مِن سَماعِ مِثْلِ ذَلِكَ مِنهُ  فَقَدْ نَزَلَتْ سُورَةُ حم السَّجْدَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في أوَّلِ الإتْقانِ فَلَمّا سَمِعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ  ﴾ أمْسَكَ عَلى فَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وناشَدَهُ الرَّحِمَ واعْتَذَرَ لِقَوْمِهِ حِينَ ظَنُّوا بِهِ أنَّهُ صَبَأ وقالَ: كَيْفَ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ.

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ.

وابْنُ عَساكِرَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَلى بُعْدٍ: إنَّ سُجُودَهم كانَ لِاسْتِشْعارِ مَدْحِ آلِهَتِهِمْ ولا يَلْزَمُ مِنهُ ثُبُوتُ ذَلِكَ الخَبَرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْتِشْعارُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ وقَدَّرُوهُ حَسْبَما يَشْتَهُونَ أوْ عَلى أنَّ المَفْعُولَ ﴿ ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى  ﴾ وتَوَهَّمُوا أنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ فِيهِ كَوْنُ المَذْكُوراتِ إناثًا والحُبُّ لِلشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ، ولَيْسَ هَذا بِأبْعَدَ مِن حَمْلِهِمْ تِلْكَ الغَرانِيقِ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى عَلى المَدْحِ حَتّى سَجَدُوا لِذَلِكَ آخِرَ السُّورَةِ مَعَ وُقُوعِهِ بَيْنَ ذَمَّيْنِ المانِعُ مِن حَمْلِهِ عَلى المَدْحِ في البَيْنِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَلِمَتْ عَيْنُ قَلْبِهِ عَنِ الغَيْنِ.

واعْتُرِضَ عَلى الجَوابِ الرّابِعِ بِأنَّ سُجُودَهم كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  آخِرًا بَعْدَ سَماعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ  ﴾ فَكانَ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ بَعْدَ السُّجُودِ، ولَعَلَّهم أرْجَعُوا ضَمِيرَ ( هي ) لِلْأسْماءِ وهي قَوْلُهُمُ اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ كَما هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ فِيهِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى ما هَذِهِ الأسْماءُ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمْ بِها بِهَواكم وشَهْوَتِكم لَيْسَ لَكم عَلى صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِها بُرْهانٌ تَتَعَلَّقُونَ بِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى رَدِّ ما فَهِمُوهُ مِمّا ألْقى الشَّيْطانُ مِن مَدْحِ آلِهَتِهِمْ بِأنَّها الغَرانِيقُ العُلا، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أوَّلُوهُ عَلى وجْهٍ آخَرَ وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ.

واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِ في الجَوابِ الخامِسِ: إنَّ هَذا الِاشْتِباهَ في حالَةٍ خاصَّةٍ لِلتَّأْدِيبِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ  عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ في غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّ المُعْتَرِضَ لَمْ يَرُدَّ أنَّهُ إذا اشْتَبَهَ الأمْرُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرَّةً يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ في غَيْرِها بَلْ أرادَ أنَّ اللّائِقَ بِمَقامِ النَّبِيِّ  أنْ يَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ في جَمِيعِ ما يُوحى إلَيْهِ وأنَّهُ مَتى اشْتَبَهَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ لَمْ تَبْقَ الكُلِّيَّةُ كُلِّيَّةً وهو خِلافُ المُرادِ.

وفِي التَّنْقِيحِ أنَّ الوَحْيَ إمّا ظاهِرٌ أوْ باطِنٌ أمّا الظّاهِرُ فَثَلاثَةُ أقْسامٍ، الأوَّلُ ما ثَبَتَ بِلِسانِ المَلَكِ فَوَقَعَ في سَمْعِهِ  بَعْدَ عِلْمِهِ بِالمُبَلِّغِ بِأيَّةٍ قاطِعَةٍ والمُرادُ كَما قالَ ابْنُ مَلَكٍ: العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّ المُبَلِّغَ مَلَكٌ نازِلٌ بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والقُرْآنُ مِن هَذا القَبِيلِ، والثّانِي ما وضُحَ لَهُ  بِإشارَةِ المَلَكِ مِن غَيْرِ بَيانٍ بِالكَلامِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها»» الحَدِيثَ وهَذا يُسَمّى خاطِرَ المَلَكِ، والثّالِثُ ما تَبَدّى لِقَلْبِهِ الشَّرِيفِ بِلا شُبْهَةٍ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ أراهُ بِنُورٍ مِن عِنْدِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ  ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا بِخِلافِ الإلْهامِ لِلْوَلِيِّ فَإنَّهُ لا يَكُونُ حُجَّةً عَلى غَيْرِهِ، وأمّا الباطِنُ فَما يُنالُ بِالرَّأْيِ والِاجْتِهادِ وفِيهِ خِلافٌ إلى آخِرِ ما قالَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ  عَلى بَصِيرَةٍ في جَمِيعِ ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ لِأنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ مِن أقْسامِ الوَحْيِ الظّاهِرِ، ويُعْلَمُ مِنهُ عَدَمُ ثُبُوتِ تَكَلُّمِهِ  بِما ألْقى الشَّيْطانُ لِأنَّهُ عِنْدَ زاعِمِهِ يَكُونُ قَدِ اعْتَقَدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرْآنًا ووَحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَجِبُ عَلى ما سَمِعْتَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا فَحَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ يَلْزَمُ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا، واسْتِثْناءُ هَذِهِ المادَّةِ مِنَ العُمُومِ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ عِنْدَ الزّاعِمِ سِوى الخَبَرِ الَّذِي زَعَمَ صِحَّتَهُ وبَنى عَلَيْهِ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما فَسَّرَها بِهِ وذَلِكَ أوَّلَ المَسْألَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ أنَّهُ إذا وقَعَ الِاشْتِباهُ مَرَّةً اقْتَضى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى بَصِيرَةٍ في شَيْءٍ مِمّا يُوحى إلَيْهِ بَعْدُ لِأنَّ احْتِمالَ التَّأْدِيبِ عَلى تَعاطِي ما لَيْسَ أكْمَلَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ  قائِمٌ والعِصْمَةَ مِن ذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ فَقَدْ وقَعَ مِنهُ  بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي زَعَمَها الخَصْمُ ما عُوقِبَ عَلَيْهِ كَقِصَّةِ الإسْراءِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿ كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ  ﴾ الآيَةَ، وكَقِصَّةِ الإذْنِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ  ﴾ وكَقِصَّةِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهُ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ  ﴾ ودَعْوى أنَّ التَّأْدِيبَ بِذَلِكَ عَلى غَيْرِ التَّمَنِّي مِمّا لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَلا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وقُصارى ما تُفِيدُهُ الآيَةُ أنَّ الإلْقاءَ المَشْرُوطَ بِالتَّمَنِّي أوْ في وقْتِهِ بِناءً عَلى الخِلافِ في أنَّ «إذا» لِلشَّرْطِ أوْ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ وعِنْدَ انْتِفاءِ ذَلِكَ الشَّرْطِ أوْ عَدَمِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ الوَقْتِ يَبْقى الإلْقاءُ عَلى العَدَمِ الأصْلِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ ما يَقُومُ مَقامَ ذَلِكَ الشَّرْطِ أوْ ذَلِكَ الوَقْتِ.

ولا شَكَّ أنَّ صُدُورَ خِلافِ الأكْمَلِ لا سِيَّما إذا كانَ كالتَّمَنِّي أوْ فَوْقَهُ أوْ وقْتَ صُدُورِهِ مِمّا يَقُومُ مَقامَ ذَلِكَ فِيما يَقْتَضِيهِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في كُلِّ وحْيٍ مُتَوَقِّفًا غَيْرَ جازِمٍ بِأنَّهُ وحْيٌ لا تَلْبِيسَ إلى أنْ يَتَّضِحَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدَمُ صُدُورِ خِلافِ الأكْمَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مِنهُ وفي ذَلِكَ مِنَ البَشاعَةِ ما فِيهِ.

واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِ في الجَوابِ أيْضًا: إنَّ ما قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ إلَخْ بِأنَّهُ غَيْرُ حاسِمٍ لِلْقِيلِ والقالِ إذْ لَنا أنْ نَقُولَ: خُلاصَةُ ما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّهُ قَدْ صَحَّ بَلْ تَواتَرَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي»» والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَتَمَثَّلُ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا لا لِلْمُخْلَصِينَ ولا لِغَيْرِهِمْ لِعُمُومِ - مَن - ولُزُومِ مُطابَقَةِ التَّعْلِيلِ المُعَلَّلِ وإذا لَمْ يَتَمَثَّلْ مَنامًا فَلَأنْ لا يَتَمَثَّلَ يَقَظَةً مِن بابِ أوْلى، وعَلَّلَهُ الشُّرّاحُ بِلُزُومِ اشْتِباهِ الحَقِّ بِالباطِلِ.

وقالَتِ الصُّوفِيَّةُ في ذَلِكَ: إنَّ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ ظَهَرَ بِجَمِيعِ أسْماءِ الحَقِّ تَعالى وصِفاتِهِ تَخَلُّقًا وتَحَقُّقًا فَمُقْتَضى رِسالَتِهِ لِلْخَلْقِ أنْ يَكُونَ الأظْهَرُ فِيهِ حُكْمًا وسَلْطَنَةً مِن صِفاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وأسْمائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ الهِدايَةُ والِاسْمُ الهادِي والشَّيْطانُ مُظْهَرُ الِاسْمِ المُضِلِّ والظّاهِرُ بِصِفَةِ الضَّلالَةِ فَهُما ضِدّانِ فَلا يَظْهَرُ أحَدُهُما بِصِفَةِ الآخَرِ، والنَّبِيِّ  خُلِقَ لِلْهِدايَةِ فَلَوْ ساغَ ظُهُورُ إبْلِيسَ بِصُورَتِهِ لَزالَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِذَلِكَ عُصِمَتْ صُورَتُهُ  عَنْ أنْ يَظْهَرَ بِها شَيْطانٌ اهَـ، ولا شَكَّ أنَّ نِسْبَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ  وكَذا إلى سائِرِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نِسْبَةُ النَّبِيِّ  إلى الأُمَّةِ فَإذا اسْتَحالَ تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ بِالنَّبِيِّ يَقَظَةً أوْ مَنامًا لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ مُخْلَصًا أوْ غَيْرَ مُخْلَصٍ خَوْفَ الِاشْتِباهِ وزَوالَ الِاعْتِمادِ وكَمالَ التَّضادِّ فَلْيُقَلْ بِاسْتِحالَةِ تَمَثُّلِهِ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ ومَنِ ادَّعى الفَرْقَ فَقَدْ كابَرَ.

وتُعُقِّبَ ما ذَكَرَهُ في الجَوابِ السّادِسِ بِأنَّ كَوْنَ المُتَتَبِّعِ لِما يَعْتَقِدُهُ وحْيًا لِلتَّلْبِيسِ غَيْرَ مَنقُولٍ صَحِيحٌ إلّا أنَّ القَوْلَ بِاعْتِقادِهِ ما لَيْسَ قُرْآنًا لِلتَّلْبِيسِ النّاشِئِ عَنْ إرادَةِ التَّأْدِيبِ بِسَبَبِ تَمَنِّي إيمانِ الجَمِيعِ الغَيْرَ المُرادِ لَهُ تَعالى لَيْسَ بِهِ، وكَوْنُ التَّلْبِيسِ لِلتَّأْدِيبِ كالسَّهْوِ في الصَّلاةِ لِلتَّشْرِيعِ لا يَخْفى ما فِيهِ.

وأوْرَدَ عَلى قَوْلِهِ في الجَوابِ السّابِعِ: إنَّهُ لا إخْلالَ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّ وُثُوقَ كُلٍّ مِنهُما تابِعٌ لِوُثُوقِ مَتْبُوعِهِمُ الصّادِقِ الأمِينِ  أنَّهُ إذا فُتِحَ بابُ التَّلْبِيسِ لا يُوثَقُ بِالوُثُوقِ في شَيْءٍ أصْلًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ كُلُّ وُثُوقٍ ناشِئًا عَنْ تَلْبِيسٍ كالوُثُوقِ بِأنَّ تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى قُرْآنٌ فَلَمّا تَطَرَّقَ الِاحْتِمالُ الوُثُوقَ جازَ أنْ يَتَطَرَّقَ الرُّجُوعُ ولا يَظْهَرَ فَرْقٌ بَيْنَهُما فَلا يُعَوَّلُ حِينَئِذٍ عَلى جَزْمٍ ولا عَلى رُجُوعٍ.

وقَوْلُهُ فِيما ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ مَنعَ الِاحْتِمالِ عِنْدَ الفِرَقِ الأرْبَعِ بَعْدَ القَوْلِ بِجَوازِ التَّلْبِيسِ مُكابَرَةٌ والآيَةُ الَّتِي ادَّعى دَلالَتَها عَلى انْتِفاءِ الِاحْتِمالِ عِنْدَ فَرِيقَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ والإحْكامِ فِيها أيْضًا ذَلِكَ الِاحْتِمالُ، والحَقُّ أنَّهُ لا يَكادُ يُفْتَحُ بابُ قَبُولِ الشَّرائِعِ ما لَمْ يُسَدَّ هَذا البابُ.

ولا يُجْدِي نَفْعًا كَوْنُ الحِكْمَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ آبِيَةً عَنْ بَقاءِ التَّلْبِيسِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَتَوَقَّفَ قَبُولُ مُعْظَمِ ما يَجِيءُ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ لَيْسَ داخِلًا في بابِ التَّلْبِيسِ مَعَ أنّا نَرى الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُسارِعُونَ إلى امْتِثالِ الأوامِرِ عِنْدَ إخْبارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بِها مِن غَيْرِ انْتِظارِ ما يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيها مِمّا يُحَقِّقُ أنَّها لَيْسَتْ عَنْ تَلْبِيسٍ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

وتَوَسَّطَ جَمْعٌ في أمْرِ هَذِهِ القِصَّةِ فَلَمْ يُثْبِتُوها كَما أثْبَتَها الكُورانِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّهُ  نَطَقَ بِما نَطَقَ عَمْدًا مُعْتَقِدًا لِلتَّلْبِيسِ أنَّهُ وحْيٌ حامِلًا لَهُ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ولَمْ يَنْفُوها بِالكُلِّيَّةِ كَما فَعَلَ أجِلَّةُ إثْباتٍ وإلَيْهِ أمِيلُ بَلْ أثْبَتُوها عَلى وجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي أثْبَتَهُ الكُورانِيُّ واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أوْجُهٍ تُعْلَمُ مِمّا أسْلَفْناهُ مِن نَقْلِ الأقْوالِ في الآيَةِ وكُلُّها عِنْدِي مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْها.

وفي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ الأوْسَطِ أنَّ حَدِيثَ تِلْكَ الغَرانِيقُ إلَخْ ظاهِرُهُ مُخالِفٌ لِلْقَواطِعِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ إنْ صَحَّ بِما هو مَذْكُورٌ في مَوْضِعِهِ مِمّا أُقِرَّ بِهِ عَلى نَظَرٍ فِيهِ أنَّ الشَّيْطانَ تَرَصَّدَ قِراءَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ يُرَتِّلُ القِراءَةَ إذْ ذاكَ عِنْدَ البَيْتِ فَحِينَ انْتَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ وكانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقْفَةٌ ما لِلتَّرْتِيلِ أدْرَجَ ذَلِكَ في تِلاوَتِهِ مُحاكِيًا صَوْتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَظَنَّ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَ بِهِ انْتَهى، والنَّظَرُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ بِما قَدَّمْناهُ خَبَرًا وأخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدَيْهِ، وأقْبَحُ الأقْوالِ الَّتِي رَأيْناها في هَذا البابِ وأظْهَرُها فَسادًا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أدْخَلَ تِلْكَ الكَلِمَةَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ حِرْصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْها، ويَجِبُ عَلى قائِلِ ذَلِكَ التَّوْبَةُ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ إنَّها كانَتْ قُرْآنًا مُنَزَّلًا في وصْفِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلَمّا تَوَهَّمَ المُشْرِكُونَ أنَّهُ يُرِيدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَدْحَ آلِهَتِهِمْ بِها نُسِخَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا ﴾ إلَخْ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ أصْلٍ لِهَذِهِ القِصَّةِ، وأقْرَبُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِها عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ الثُّبُوتِ ما قَدَّمْناهُ، وقِيلَ: هو بَعِيدٌ صَدَقُوا لَكِنْ عَنْ إيهامِ الإخْلالِ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، واسْتَفْتِ قَلْبَكَ إنْ كُنْتَ ذا قَلْبٍ سَلِيمٍ، هَذا وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقْرَأُ «وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ ولا مُحَدِّثٍ» فَنُسِخَ «ولا مُحَدِّثٍ» والمُحُدِّثُونَ صاحِبُ يس ولُقْمانَ، ومُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وصاحِبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى، أي: حدثت نفسه، أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في حديثه.

ويقال: تمنى أي قرأ، كما قال القائل: تَمَنَّى كِتَابَ الله أوَّلَ لَيْلِه ...

وَآخِرَهُ لاَقَى حِمَامَ المَقَادِرِ وقال آخر: تَمَنَّى دَاوُدُ الزَّبُورَ عَلَى الرِّسْلِ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في تلاوته فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ، يعني: يذهب الله به ويبطله.

ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، يعني: بيّن الله عز وجل الناسخ من المنسوخ.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «أتاه الشيطان في صورة جبريل، وهو يقرأ سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النجم 1] عند الكعبة، حتى انتهى إلى قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 19، 20] ، ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، فلما سمعه المشركون يقرأ ذلك، أعجبهم: فلما انتهى إلى آخرها، سجد وسجد المسلمون والمشركون معه، فلما فأتاه جبريل  فقال: ما جئتك بهذا.

فنزل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ الآية (١) وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحو هذا.

قال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدّثنا جعفر بن زيد الطيالسي قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد قال: حدّثنا أبو عاصم، عن عمار بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «قرأ رسول الله  وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ثم قال: تلك الغرانيق العلى، وإن الشفاعة منها ترتجى، فقال المشركون: قد ذكر آلهتنا في أحسن الذكر فنزلت الآية» .

وقال مقاتل: قرأ النبيّ  والنجم بمكة عند مقام إبراهيم، فنعس، فقرأ تلك الغرانيق العلى.

فلما فرغ من السورة، سجد وسجد من خلفه فنزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ وقال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذكر الله آلهتنا بخير ففرحوا بذلك فذلك قوله: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.

روى أسباط، عن السدي، قال: خرج رسول الله  إلى المسجد فقرأ سورة النجم، فلما انتهى إلى قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 20] فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، حتى بلغ إلى آخر السورة، سجد وسجد أصحابه وسجد المشركون لذكره آلهتهم.

فلما رفع رأسه، حملوه وأسندوا به بين قطري مكة، حتى إذا جاءه جبريل  عرض عليه، فقرأ عليه الحرفين، فقال جبريل  : معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا، واشتد عليه، فأنزل الله تعالى لتطييب نفس رسول الله  ، وأخبره أن الأنبياء عليهم السلام قبله قد كانوا مثله.

ويقال: إن النبيّ  دخل المسجد وجلس عنده جماعة من المشركين، فتمنى في نفسه أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون منه، فابتلاه الله تعالى بما أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ، وقال بعضهم: تمنى: أي تفكر وحدث بنفسه تلك الغرانيق العلى، ولم يتكلم به، لأن قول النبيّ  كان حجة، فلا يجوز أن يكون يجري على لسانه كلمة الكفر.

وقال بعضهم: لما رآه الشيطان يقرأ، خلط صوته بصوت النبيّ  : فقرأ الشيطان: تلك الغرانيق، فظن الناس أن النبيّ  ولم يكن قرأها.

وقال بعضهم: قال ذلك رسول الله  على وجه التعيير والزجر، يعني: أنكم تعبدونها كأنهن الغرانيق العلى، كما قَالَ إبراهيم  فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] وقال الزجاج: ألقى الشيطان في تلاوته، فذلك محنة يمتحن الله تعالى بها من يشاء، فجرى على لسان النبي  شيء من صفة الأصنام، فافتتن بذلك أهل الشقاوة والنفاق.

وروي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: أن ابن عباس كان يقرأ (وما أرسلنا من قبلك مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ ولا محدث) والمحدث: الذي يرى أمره في منامه، من غير أن يأتيه الوحي.

ثم قال: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمَا ألقى الشيطان حَكِيمٌ حكم بالناسخ.

وبيّن قوله عز وجل: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً، يعني: بلية لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أي شك، وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني: الذين قست قلوبهم عن ذكر الله، وهم المشركون.

وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، عن الحق.

يعني: المشركين في خلاف طويل عن الحق.

ثم ذكر المؤمنين فقال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، يعني: الذين أكرموا بالتوحيد والقرآن.

ويقال: هم مؤمنوا أهل الكتاب.

أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، يعني: القرآن.

فَيُؤْمِنُوا بِهِ، أي فيصدقوا به.

ويقال: لكي يعلموا أن ما أحكم الله في آياته حق، وأن ما ألقى الشيطان باطل، ويزداد لهم يقين وبيان، فذلك قوله: فَيُؤْمِنُوا بِهِ، أي يثبتوا به على إيمانهم.

فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ، يعني: فتخلص له قلوبهم.

وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: أن الله عزَّ وجلَّ لحافظ قلوب المؤمنين في هذه المحنة، حتى لم ينزع المعرفة من قلوبهم عند إلقاء الشيطان.

(١) عزاه السيوطي: 6/ 65 إلى عبد بن حميد من طريق السدي عن أبي صالح.

والبزار والطبراني وابن مردويه بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.

وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير.

وابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ذكرنا وهذا كقوله صلى الله عليه وسلّم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» «١» ، وَ «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطّواف» «٢» ، والضمير في فَإِنَّها للقصة ونحوها من التقدير، والضميرُ في يَسْتَعْجِلُونَكَ لقريشٍ.

وقوله: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وعيد وإخبار بأنَّ كل شيءٍ إلى وقت محدود، والوعد هنا مُقَيَّدٌ بالعذاب.

وقوله سبحانه: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ/ قالت فرقة: معناه ٢٧ أوإنّ يوماً من أَيَّامِ عذاب الله كألف سنة من هذه لطول العذاب وبؤسه، فكان المعنى أي من هذه السنين فما أَجْهَلَ مَنْ يَسْتَعْجِلَ هذا، وكُرِّرَ قوله: وَكَأَيِّنْ لأَنَّهُ جلب معنى آخر ذكر أَوَّلاً القرى المُهْلَكَةَ دون إملاء بل بعقب التكذيب، ثم ثَنَّى سبحانه بالممهلة لئلاَّ يفرحَ هؤلاء بتأخير العذاب عنهم، وباقي الآية بيّن، والرزق الكريم: الجنة، ومُعاجِزِينَ معناه: مغالبين، كأَنهم طلبوا عَجْزَ صاحب الآياتِ، والآيات تقتضي تعجيزهم فصارت مفاعلة.

وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ...

الآية.

قلت: قال [القاضي أبو الفضل] «٣» عياض: وقد توجهت هاهنا لبعض الطاعنين سُؤَالاتٍ منها ما رُوِيَ مِنْ: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم لما قرأ سورة «والنجم» وقال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ١٩، ٢٠] قال: تِلْكَ الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتها لترتجى» «٤» .

قال عياض: اعلم (أكرمك الله) أَنَّ لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين:

أحدهما: في توهين أصله.

والثاني: على تقدير تسليمه.

أما المأخذ الأَوَّلُ: فيكفيك أنَّ هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولاَ رَوَاهُ ثقة بسند مُتَّصِلٍ سليم وإنما أولع به وبمثله المُفَسِّرُون والمؤرِّخُونَ المُولَعُونَ بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي أبو بكر ابن العلاء المالكيُّ (رحمه الله تعالى) حيث يقول: لقد بُلِيَ الناسُ ببعض أهل الأهواء والتفسير، ثم قال عياض: قال أبو بكر البَزَّارُ: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلّم بإسناد مُتَّصل يجوزُ ذكرُه وإنَّما يُعْرَفُ عن الكلبيِّ.

قال عياض: والكلبيُّ مِمَّنْ لا تجوز الرواية عنه ولا ذِكْرُهُ لقوَّةِ ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البَزَّارُ، وقد أجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلّم ونزاهته عن مثل هذا، انتهى، ونحو هذا لابن عطية «١» قال: وهذا الحديث الذي فيه: هن الغرانقة وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يُدْخِلْهُ البخاريُّ ولا مسلم، ولا ذكره- في علمي- مُصَنِّفٌ مشهور بل يقتضي مذهبُ أهل الحديث أَنَّ الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ الآيَةُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ( النَّجْمِ ) قَرَأها حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ ، فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ فَرِحُوا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ماذا صَنَعْتَ ؟

تَلَوْتَ عَلى النّاسِ ما لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ  حُزْنًا شَدِيدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، وإعْلامًا لَهُ أنَّ الأنْبِياءَ قَدْ جَرى لَهم مِثْلَ هَذا» .

قالَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ: وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  مَعْصُومٌ عَنْ مِثْلِ هَذا، ولَوْ صَحَّ كانَ المَعْنى: أنَّ بَعْضَ شَياطِينِ الإنْسِ قالَ تِلْكَ الكَلِماتِ، فَإنَّهم كانُوا إذا تَلا لَغَطُوا، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ  ﴾ .

قالَ: وفي مَعْنى ﴿ تَمَنّى ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَلا، قالَهُ الأكْثَرُونَ، وأنْشَدُوا: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ وَقالَ آخَرُ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلِهِ ∗∗∗ تَمَنِّي داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الأُمْنِيَةِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  تَمَنّى يَوْمًا أنْ لا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ يَنْفِرُ عَنْهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ لِما كانَ قَدْ تَمَنّاهُ»، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ﴾ ؛ أيْ: يُبْطِلُهُ ويُذْهِبُهُ.

" ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ " قالَ مُقاتِلٌ: يُحْكِمُها مِنَ الباطِلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألْقى الشَّيْطانُ ﴾ ، والفِتْنَةُ هاهُنا بِمَعْنى: البَلِيَّةُ والمِحْنَةُ.

والمَرَضُ: الشَّكُّ والنِّفاقُ.

﴿ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي: الجافِيَةَ عَنِ الإيمانِ.

ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّهم ظالِمُونَ وأنَّهم في شِقاقٍ دائِمٍ، والشِّقاقُ: غايَةُ العَداوَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآنُ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: التَّصْدِيقُ بِنَسْخِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهُ الحَقُّ ﴾ إشارَةٌ إلى نَسْخِ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، فالمَعْنى: لِيَعْلَمُوا أنَّ نَسْخَ ذَلِكَ وإبْطالَهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ، ﴿ فَيُؤْمِنُوا ﴾ بِالنَّسْخِ، ﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: تَخْضَعُ وتَذِلُّ.

ثُمَّ بَيَّنَ بِباقِي الآيَةِ أنَّ هَذا الإيمانَ والإخْباتَ إنَّما هو بِلُطْفِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ ؛ أيْ: في شَكٍّ.

وَفِي هاءِ " مِنهُ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى سُجُودِهِ في سُورَةِ ( النَّجْمِ ) .

والقَوْلانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم يَقُولُونَ: ما بالُهُ ذَكَرَ آلِهَتَنا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذِكْرِها.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الدِّينِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القِيامَةُ تَأْتِي مَن تَقُومُ عَلَيْهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ساعَةُ مَوْتِهِمْ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

وأصِلُ العُقْمَ في الوِلادَةِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَقِيمٌ: لا تَلِدُ، ورَجُلٌ عَقِيمٌ: لا يُولَدُ لَهُ، وأنْشَدُوا: عُقِمَ النِّساءُ فَلا يَلِدْنَ شَبِيهَهُ ∗∗∗ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ وَسُمِّيَتِ الرِّيحُ العَقِيمُ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّها لا تَأْتِي بِالسَّحابِ المُمْطِرِ، فَقِيلَ لِهَذا اليَوْمِ: عَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ.

فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ، في تَسْمِيَتِهِ بِالعَقِيمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِلْكُفّارِ بَرَكَةٌ ولا خَيْرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يُنْظَرُوا فِيهِ إلى اللَّيْلِ، بَلْ قُتِلُوا قَبْلَ المَساءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ في عِظَمِ أمْرِهِ لِقِتالِ المَلائِكَةِ فِيهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، في تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ لا لَيْلَةَ لَهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: لِأنَّهُ لا يَأْتِي المُشْرِكِينَ بِخَيْرٍ ولا فَرَجٍ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبِهِمْ وإنَّ الظالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّما أنا نَذِيرُ عَذابِ اللهِ، لَيْسَ إلَيَّ أنْ أُعَجِّلَ عَذابًا ولا أنْ أُؤَخِّرَهُ عن وقْتِهِ، ثُمْ قَسَّمَ حالَةَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِأنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ سُتْرَةَ ذُنُوبِهِمْ ورِزْقَهُ إيّاهم في الجَنَّةِ، و"الكَرِيمُ" صِفَةُ نَفْيِ المَذامِّ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، وبِأنَّ لِلْكافِرِينَ المُعاجِزِينَ عَذابَ الجَحِيمِ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا أمَرَهُ أنْ يَقُولَهُ، أيْ: هَذا مَعْنى رِسالَتِي لا ما تَتَمَنَّوْنَ أنْتُمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سَعَوْا" مَعْناهُ: تَحَيَّلُوا وكادُوا، مِنَ السِعايَةِ، و"الآياتُ": آياتُ القُرْآنِ، أيْ: كادُوا بِالتَكْذِيبِ وسائِرِ أقْوالِهِمْ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعاجِزِينَ"، مَعْناهُ: مُغالِبِينَ، كَأنَّهم طَلَبُوا عَجْزَ صاحِبِ الآياتِ، والآياتُ تَقْتَضِي تَعْجِيزَهُمْ، فَصارَتْ مُفاعَلَةً، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ في تَفْسِيرِ "مُعاجِزِينَ" بِظانِّينَ أنَّهم يَغْلِبُونَ اللهَ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ خارِجٌ عَنِ اللَفْظَةِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعَجِّزِينَ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِشَدِّ الجِيمِ، ومَعْناهُ: مُعَجِّزِينَ الناسَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: جاعِلُوهم بِالتَثْبِيطِ عَجَزَةً عَنِ الإيمانِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "مُعَجِّزِينَ" مَعْناهُ: ناسِبِينَ أصْحابَ النَبِيِّ -رَضِيَ اللهُ عنهُمُ- إلى العَجْزِ، كَما تَقُولُ: فَسَّقْتُ فُلانًا وزَنَّيْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ إلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ -  - عَنِ النازِلَةِ الَّتِي ألْقى الشَيْطانُ فِيها في أُمْنِيَةِ النَبِيِّ -  .

و"تَمَنّى" مَعْناهُ المَشْهُورُ: أرادَ وأحَبَّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَعْناها في الآيَةِ، والمُرادُ أنَّ الشَيْطانَ ألْقى ألْفاظَهُ بِسَبَبِ ما تَمَنّاهُ رَسُولُ اللهِ -  - مِن مُقارَبَةِ قَوْمِهِ وكَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لَهُ، قالُوا: فَلَمّا تَمَنّى رَسُولُ اللهِ -  - مِن ذَلِكَ ما لَمْ يَقْضِهِ اللهُ -تَبارَكَ وتَعالى- وجَدَ الشَيْطانُ السَبِيلَ، فَحِينَ «قَرَأ رَسُولُ اللهِ -  - "النَجْمَ" في مَسْجِدِ مَكَّةَ وقَدْ حَضَرَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى  ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ ألْقى الشَيْطانُ "تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى"، فَقالَ الكُفّارُ: هَذا مُحَمَّدٌ يَذْكُرُ آلِهَتَنا بِما نُرِيدُ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ، فَلَمّا انْتَهى إلى السَجْدَةِ سَجَدَ الناسُ أجْمَعُونَ إلّا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإنَّهُ أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فَرَفَعَها إلى جَبْهَتِهِ وقالَ: يَكْفِينِي هَذا.» قالَ البُخارِيُّ: هو أُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو أبُو أُحَيْحَةُ سَعِيدُ بْنُ العاصِي، ثُمُ اتَّصَلَ بِمُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا -  - فَفَرِحُوا لِذَلِكَ، وأقْبَلَ بَعْضُهم فَوَجَدُوا ألْقِيَةَ الشَيْطانِ قَدْ نُسِخَتْ وأهْلَ مَكَّةَ قَدِ افْتُتِنُوا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَمَنّى" مَعْناهُ: تَلا، والأُمْنِيَةُ: التِلاوَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: .............

∗∗∗ تَمَنّى داوُدُ الزَبُورَ عَلى رَسَلٍ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: "إلّا أمانِيَّ"، أيْ: إلّا تِلاوَةً.

وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى سَبَبِ إلْقاءِ الشَيْطانِ في تِلاوَةِ النَبِيِّ -  - ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن ذِكْرِ الآلِهَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: "هُنَّ الغَرانِقَةُ" وقَعَ في كُتُبِ التَفْسِيرِ ونَحْوِها، ولَمْ يُدْخِلْهُ البُخارِيُّ ولا مُسْلِمْ، ولا ذَكَرَهُ -فِي عِلْمِي- مُصَنِّفٌ مَشْهُورٌ، بَلْ يَقْتَضِي مَذْهَبُ أهْلِ الحَدِيثِ أنَّ الشَيْطانَ ألْقى، ولا يُعَيِّنُونَ هَذا السَبَبَ ولا غَيْرَهُ، ولا خِلافَ أنَّ إلْقاءَ الشَيْطانِ إنَّما هو لِألْفاظٍ مَسْمُوعَةٍ بِها وقَعَتِ الفِتْنَةُ، ثُمُ اخْتَلَفَ الناسُ في صُورَةِ هَذا الإلْقاءِ -فالَّذِي في التَفاسِيرِ- وهو مَشْهُورُ القَوْلِ أنَّ النَبِيَّ -  - تَكَلَّمَ بِتِلْكَ الألْفاظِ، وأنَّ الشَيْطانَ أوهَمَهُ ووَسْوَسَ في قَلْبِهِ حَتّى خَرَجَتْ تِلْكَ الألْفاظُ عَلى لِسانِهِ، ورُوِي «أنَّهُ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَلامُ- بَعْدَ ذَلِكَ فَدارَسَهُ سُورَةَ النَجْمِ، فَلَمّا قالَها رَسُولُ اللهِ -  - قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: لَمْ آتِكَ بِهَذا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ -  -: أفْتَرَيْتُ عَلى اللهِ وقُلْتُ ما لَمْ يَقُلْ لِي؟".

وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَغْتَمُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ » الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وحَدَّثَنِي أبِي -رَحِمَهُ اللهُ- أنَّهُ لَقِيَ بِالمَشْرِقِ مِن شُيُوخِ العُلَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ مَن قالَ: هَذا لا يَجُوزُ عَلى النَبِيِّ -  - وهو المَعْصُومُ في التَبْلِيغِ، وإنَّما الأمْرُ أنَّ الشَيْطانَ نَطَقَ بِلَفْظٍ أسْمَعَهُ الكُفّارَ عِنْدَ قَوْلِ النَبِيِّ -  -: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى  ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ .

وقَرَّبَ صَوْتَهُ مِن صَوْتِ النَبِيِّ -  - حَتّى التَبَسَ الأمْرُ عَلى المُشْرِكِينَ وقالُوا: مُحَمَّدٌ قَرَأها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"تَمَنّى" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى: "تَلا" ولا بُدَّ، وقَدْ ورَدَ هَذا التَأْوِيلُ عَنِ الإمامِ أبِي المَعالِي -رَحِمَهُ اللهُ- وغَيْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: والرَسُولُ أخَصُّ مِنَ النَبِيِّ، وكَثِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يُرْسَلُوا، وكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٍّ، و"النَسْخُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الإذْهابُ، كَما تَقُولُ: نَسَخَتِ الشَمْسُ الظِلَّ، ولَيْسَ بِرَفْعِ ما اسْتَقَرَّ مِنَ الحُكْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وطَوَّفَ الطَبَرَيُّ وأشْبَعَ الإسْنادَ في أنَّ إلْقاءَ الشَيْطانِ كانَ عَلى لِسانِ النَبِيِّ -  - واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في الألْفاظِ فَفي بَعْضِها: "تِلْكَ الغَرانِقَةُ"، وفي بَعْضِها: "تِلْكَ الغَرانِيقُ"، وفي بَعْضِها: "وَإنَّ شَفاعَتَهُمْ"، وفي بَعْضِها: وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ"، وفي بَعْضِها: "مِنها الشَفاعَةُ تُرْتَجى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرانِيقُ: السادَةُ العِظامُ الأقْدارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أهْلًا بِصائِدَةِ الغَرانِقِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَيْطانُ ﴾ الآيَةُ.

اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَجْعَلَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَيَنْسَخُ اللهُ ﴾ ، و"الفِتْنَةُ": الِامْتِحانُ والاخْتِبارُ، و"الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ" هم عامَّةُ الكُفّارِ، و"القاسِيَةُ قُلُوبُهُمْ" خَواصٌّ مِنهم عُتاةٌ كَأبِي جَهْلٍ، والنَضِرِ، وعُقْبَةِ.

و"الشِقاقُ": البُعْدُ عَنِ الخَيْرِ، والضَلالِ، والكَوْنُ في شِقٍّ غَيْرِ شَقِّ الصَلاحِ، و"بَعِيدٍ" مَعْناهُ أنَّهُ انْتَهى بِهِمْ وتَعَمَّقَ؛ فَرَجْعَتُهم مِنهُ غَيْرُ مَرْجُوَّةٌ.

و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ هَمْ أصْحابُ مُحَمَّدٍ -  - والضَمِيرُ في "أنَّهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، و"فَتُخْبِتَ" مَعْناهُ: تَتَطامَنُ وتَخْضَعُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبَتِ، وهو المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادٍ" بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادِي" بِياءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ مُعادِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَإنَّ الظالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا حكى عن الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أن ما يلقيه لهم الشيطان من إبطال ما جاءت به الرّسل يكون عليهم فتنة.

خصّ في هذه الآية الكافرين بالقرآن بعد أن عمّهم مع جملة الكافرين بالرسل، فخصّهم بأنهم يستمر شكّهم فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويترددون في الإقدام على الإسلام إلى أن يُحال بينهم وبينه بحلول الساعة بغتة أو بحلول عذاب بهم قبل الساعة، فالذين كفروا هنا هم مشركو العرب بقرينة المضارع في فعل ﴿ لا يزال ﴾ وفعل ﴿ حتى تأتيهم ﴾ الدّالين على استمرار ذلك في المستقبل.

ولأجل ذلك قال جمع من المفسرين: إن ضمير ﴿ في مرية منه ﴾ عائد إلى القرآن المفهوم من المقام، والأظهر أنه عائد إلى ما عاد عليه ضمير ﴿ أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ﴾ [الحج: 54].

و ﴿ الساعة ﴾ علَم بالغلبة على يوم القيامة في اصطلاح القرآن، واليوم: يوم الحرب، وقد شاع إطلاق اسم اليوم على وقت الحرب.

ومنه دُعيت حروب العرب المشهورة «أيام العرب».

والعقيم: المرأة التي لا تلد؛ استعير العقيم للمشؤوم لأنهم يُعدّون المرأة التي لا تلد مشؤومة.

فالمعنى: يأتيهم يوم يُستأصلون فيه قتلاً: وهذا إنذار بيوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ إذا حَدَّثَ نَفْسَهُ ألْقى الشَّيْطانُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: إذا قَرَأ ألْقى الشَّيْطانُ في قِراءَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ : تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ ﴿ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّسُولَ والنَّبِيَّ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ، وإنَّما جَمَعَ بَيْنَهُما لِأنَّ الأنْبِياءَ تَخُصُّ البَشَرَ، والرُّسُلَ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والبَشَرَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ، وأنَّ الرَّسُولَ أعْلى مَنزِلَةً مِنَ النَّبِيِّ.

واخْتَلَفَ قائِلُ هَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ بِالوَحْيِ، والنَّبِيَّ يُوحى إلَيْهِ في نَوْمِهِ.

والثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ هو المَبْعُوثُ إلى أُمَّةٍ، والنَّبِيَّ هو المُحَدِّثُ الَّذِي لا يُبْعَثُ إلى أُمَّةٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الرَّسُولَ هو المُبْتَدِئُ بِوَضْعِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، والنَّبِيَّ هو الَّذِي يَحْفَظُ شَرِيعَةَ اللَّهِ، قالَهُ الجاحِظُ.

﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ﴾ أيْ يَرْفَعُهُ.

﴿ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ﴾ أيْ يُثْبِتُها، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيما قَرَأهُ النَّبِيُّ  مِن ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْقاهُ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ فَقَرَأهُ ساهِيًا.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ ناعِسًا فَألْقاهُ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ فَقَرَأهُ في نُعاسِهِ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ تَلاهُ عَنْ إغْواءِ الشَّيْطانِ فَخُيِّلَ لِلنّاسِ أنَّهُ مِن تِلاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ  ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: إنَّما قالَ: هي كالغَرانِيقِ العُلا - يَعْنِي المَلائِكَةَ - وأنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى، أيْ في قَوْلِكم، قالَهُ الحَسَنُ.

سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ النَّجْمِ قَرَأها في المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى بَلَغَ ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ (أُولَئِكَ الغَرانِيقُ العُلا.

وَأنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ وسَجَدَ.

وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ورَفَعَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ تُرابًا إلى جَبْهَتِهِ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَقْدِرُ عَلى السُّجُودِ، ورَضِيَ بِذَلِكَ كَفّارُ قُرَيْشٍ، وسَمِعَ بِذَلِكَ مَن هاجَرَ لِأرْضِ الحَبَشَةِ.

فَأنْكَرَ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ  ما قَرَأهُ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أوَّلُهُما: مِحْنَةً.

الثّانِي: اخْتِبارًا.

﴿ لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ نِفاقٌ.

﴿ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَفي ضَلالٍ طَوِيلٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَفي فِراقٍ لِلْحَقِّ بَعِيدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا سمعت الله يقول ﴿ رزق كريم ﴾ فهي الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ معاجزين ﴾ في كل القرآن؛ يعني بألف، وقال: مشاقين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ معاجزين ﴾ قال مراغمين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن الزبير أنه كان يقرأ ﴿ والذين سعوا في آياتنا معجزين ﴾ يعني مثبطين.

وأخرج بن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير: أنه كان يعجب من الذين يقرأُون هذه الآية ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ قال: ليس معاجزين من كلام العرب، إنما هي ﴿ معجزين ﴾ يعني مثبطين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ في آياتنا معاجزين ﴾ قال: مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ قال: كذبوا بآيات الله وظنوا أنهم يعجزون الله، ولن يعجزوه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين.

﴿ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ﴾ المِرية والمُرية -بالكسر والضم- لغتان (١) (٢) (٣) وقوله ﴿ مِنْهُ ﴾ أي: مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله -  -.

يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها؟

قاله السدي عن أصحابه (٤) وقال ابن جريج: من القرآن (٥) ﴿ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ﴾ يعني: القيامة ﴿ بَغْتَةً ﴾ فجأة.

وهذا وعيد لهم بالقيامة، وهم لم يدركوها (٦) (٧) ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ .

قال أبو إسحاق: أصل [العقم] (٨) ﴿ عَجُوزٌ عَقِيمٌ  ﴾ وكذلك: رجل عقيم، إذا كان لا يولد له (٩) الأصمعي: يقال: عَقَامٌ وعَقيم (١٠) (١١) وجمعها: عقمٌ، ويقال: عقمت المرأة فهي معقومة وقد عقم الله رحمها وأعقمها (١٢) وروى عمرو (١٣) (١٤) (١٥) وقال أبو العباس: عقمت المرأة إذا لم تحمل، وهي عقيم (١٦) وأنشد أبو إسحاق (١٧) عقم النساء فما يلدن ...

شبيهه إن النساء بمثله عُقْم وأصل هذا من العقم، وهو القطع.

ومنه يقال: المُلْك عقيم؛ لأنه تقطّع فيه الأرحام بالقتل والعقوق.

هذا قول أبي عمرو (١٨) وعلى هذا العقيم: التي قطعت ولادتها.

وقال أبو عبيد: العقم: الشَّد (١٩) (٢٠) هذا هو الكلام في أصل العقيم في اللغة.

ثم يقال: "يوم عقيم" للذي لا يأتي فيه خير.

ويوم القيامة عقيم على الكفّار؛ لأنّه لا يأتي لهم بخير كما يأتي للمؤمنين.

والريح العقيم: التي لا تأتي بمطر ولا سحاب ولا تلقح (٢١) (٢٢) وأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد يوم بدر (٢٣) وهو قول قتادة (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) واختلفوا: لم سُمِّي يوم بدر عقيمًا.

فقال ابن عباس: لأنّه ليس ليوم بدر نظير من الأيام لا قبله ولا بعده، لم تقاتل الملائكة مع نبيّ قط إلاّ مع محمد -  -، ولم تقاتل مع محمد إلا يوم بدر.

وعلى هذا سمي عقيمًا، لأنه لا نظير له في عِظَمِه بقتال الملائكة فيه، فكأنَّ الدهر عقيم عن مثل ذلك اليوم.

وقال الكلبي: يوم عقيم لا فرج (٢٨) وهذا اختيار الزَّجَّاج، قال: اليوم العقيم هو الذي لا يأتي فيه خير كالريح العقيم (٢٩) وقال ابن جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء (٣٠) وروي عن عكرمة والضحاك في قوله ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ : إنه القيامة (٣١) والوجه القول الأول (٣٢) ﴿ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ .

(١) (لغتان): ساقطة من (ظ).

(٢) انظر: "الصحاح" للجوهري 9/ 2491 (مرا)، "لسان العرب" 15/ 277 (مرا).

(٣) قوله: "الشك ومنه الامتراء والتَّماري" في "تهذيب اللغة" 15/ 285 (مري) منسوبًا إلى الليث.

(٤) ذكره البغوي 5/ 397، والقرطبي 12/ 87 من غير نسبة.

(٥) ذكره الثعلبي 3/ 55 ب.

ورواه الطبري 17/ 192.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 69 - 70 وعزاه لابن المنذر.

واختار هذا القول الطبري 17/ 192 - 193 وقال: وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ﴾ والهاء من قوله (أنّه) أي من ذكر القرآن وإلحاق الهاء في قوله: ﴿ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ﴾ بالهاء من قوله: ﴿ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله: ﴿ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ﴾ مع بعد ما بينهما.

(٦) في (ظ): (يذكروها).

(٧) في (أ): (حياتهم).

(٨) زيادة من "معاني القرآن" للزجاج.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.

(١٠) كسحاب وأمير.

قاله الفيروزآبادي 4/ 152.

(١١) "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288 (عقم) من رواية أبي عبيد، عن الأصمعي.

قال ابن منظور: رجل بجال وبجيل: يبجله الناس.

وقيل: هو الشيخ الكبير العظيم السيد مع جمال ونبل.

"لسان العرب" 11/ 44 (بجل).

(١٢) من قوله: (وجمعها ...) إلى هنا، هذا كلام أبي الهيثم كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288 (عق)، دون قوله: وأعقمها.

(١٣) هو: عمرو بن إسحاق بن مرار، الشيباني، اللغوي.

(١٤) كفرح ونصر وكرم.

قاله الفيروزابادي 4/ 152.

(١٥) "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 289 (عقم) من رواية عمرو عن أبيه.

(١٦) لم أجد من ذكر هذا القول عن أبي العباس ثعلب، ولا عن أبي العباس المبرّد.

(١٧) البيت أنشده أبو إسحاق الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 434 ولم ينسبه لأحد.

ووقع في المطبوع: عقيم)، وهو خطأ.

والبيت ذكره أبو عمرو الشيباني في روايته لديوان أبي دهْبل الجمحي ص 66، قال: حدثني موسى بن يعقوب قال: أنشدني أبو دهبل قوله في مدح رسول الله -  -: ثم ساق أبياتًا ومنها هذا البيت.

ونسب البيت أيضًا لأبي دهبل في: "عيون الأخبار" لابن قتيبة 1/ 279، و"نسب قريش" لأبي عبد الله المصعب الزبيري ص 331، لكن عنده قالها في مدح عبد الله الأزرق بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس، و"الحماسة" لأبي تمام ص 257، و"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 4/ 75، وقال: قالوا يمدح رسول الله -  -.

والبيت نسبه ابن منظور في "لسان العرب" 12/ 412 (عقم) لأبي دهبل -وروايته فيه "نسبه" في موضع (ما) - ثم قال: وقيل: هو للحزين الليثي.

(١٨) قول أبي عمرو الشيباني في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 289 "عقم".

وانظر: "لسان العرب" 12/ 413 (عقم).

(١٩) في (أ).

(السدَّ).

(٢٠) هذا قطعة من حديث رواه أبو عبيد في كتابه "غريب الحديث" 4/ 71 عن عبد الله == ابن مسعود موقوفًا.

قال أبو عبيد: حدثنيه عبد الرحمن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود.

ورواه الطبري في "تفسيره" 29/ 39 من حديث عبد الرحمن، به موقوفاً بلفظ: ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كانَّما فيها السَّفافيد.

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 15/ 191 - 195، والحاكم في "مستدركه" 4/ 598 - 600 والطبراني في الكبير 9/ 413 - 416 من حديث سفيان به، مطولاً جدًا، موقوفا، بمثل لفظ الطبري.

وقال الحاكم بعد إخراجه 4/ 600: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.

وقال الذهبي -متعقبًا قول الحاكم-: قلت: ما احتجا بأبي الزعراء.

أهـ.

وهذا الخبر عن المنافقين رواه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا إسحاقُ بن راهوية في مسنده (كما في المطالب العالية لابن حجر 4/ 365 - 367)، والطبراني في الكبير 9/ 416 - 421، والحاكم في "مستدركه" 4/ 590 ولفظ إسحاق: "وتدمج أصلاب المنافقين، فتكون عظمًا واحدا، كأنها صياصي البقر، ويخرّون على أقفيتهم".

قال ابن حجر في "المطالب" 4/ 367 بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد صحيح متصل، ورجاله ثقات.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 343: رواه كله الطبراني في طرق، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة.

وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك" 4/ 592 - 593 ما أنكره حديثًا على جودة إسناده، وأبو خالد -يعني الدالاني- شيعي منحرف.

اهـ.

وذكر هذا الحديث السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 257 وعزاه لإسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبرابي والآجري في "الشريعة" والدارقطني في "الرؤية" والحاكم وابن مردويه والبيهقي في "البعث".

(٢١) في (أ): (الذي، يلقح).

(٢٢) انظر: (عقم) في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288، "الصحاح" للجوهري 5/ 198، "لسان العرب" 12/ 413.

(٢٣) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 وعزاه لابن مردويه والضياء في المختارة.

(٢٤) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 41، والطبري 17/ 193.

(٢٥) رواه الطبري 17/ 193.

(٢٦) ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 444.

(٢٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 41 عن قتادة قال: بلغني أن أبيّ بن كعب كان يقول: أربع آيات أنزلت في بدر.

هذه إحداهن "يوم عقيم" يوم بدر.

وهو منقطع.

ورواه الطبري 17/ 193 من هذا الوجه مختصرًا.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 وعزاه لابن مردويه.

(٢٨) في (أ)، (ظ)، (د): (لا فرح)، والمثبت من (ع).

(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.

(٣٠) ذكره الثعلبي 3/ 55 ب بهذا اللفظ، ورواه الطبري 17/ 193.

(٣١) ذكره عنهما الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 55 ب.

ورواه عنهما الطبري 17/ 193.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 عن الضحاك، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(٣٢) وهو اختيار الإمام الطبري 17/ 193 قال: وذلك أنَّ الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضًا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك لا معنى له.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ قيل: يعني الصحابة، واللفظ أعم من ذلك.

﴿ أَنَّهُ الحق ﴾ الضمير عائد على القرآن، وقال الزمخشري: هو لتمكين الشيطان من الإلقاء ﴿ فَتُخْبِتَ ﴾ أي تشخع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ...

﴾ الآية.

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما أخبرت لهم وذكرت من التمكين، والثبوت على الدين، ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، أو وعدوا لهم بنصر، أو نحوه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ في الرسالة وفيما تخبر عن الله من الأخبار، يصبر رسوله: لست أنت بأول رسول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا قبلك رسلهم في الرسالة، وهو ما قال: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...

﴾ الآية [هود: 120].

وقوله: ﴿ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ أي: لم يعاقب الله قوماً كذبوا رسلهم وقت تكذيبهم الرسل، بل أمهلهم حتى اغتروا بتأخير العذاب عنهم، وزاد لهم تكذيباً وعناداً، فعند ذلك أخذوا، وعوقبوا بالتكذيب، وهو ما أخبر عنهم، وهو كقوله: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ  ﴾ .

قال الحسن: إن الله لم يهلك قوماً بأول التكذيب، ولكن أمهلهم قرناً فقرنا، وقوما بعد قوم، ورسولا بعد رسول، فعند ذلك إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم، وإن كان يعلم في الأزل من يؤمن منهم ومن لا يؤمن حتى يعلم على ظهور وعلم ابتلاء أنهم لا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ علم ظهور في الخلق، وإن كان يعلم علم باطن وخفي.

وقوله: ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ ، لم يهلك الله  أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك، كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ  ﴾ ، وأمثاله كثير، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان فهي خاوية على عروشها.

وقال بعضهم: خاوية: خربة، ساقطة حيطانها على سقوفها.

وقال الحسن: العريش: كل ما ارتفع من الأرض وعلا، يقال: عرش، وعروش جمع، وهكذا كان ما أهلك الله من القرى: منها: ما أهلك أهلها وترك القرى والبنيان على حالها لأوليائها، من ذلك فرعون وقومه، وغيره من الأقوام.

ومنها: ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئاً، من نحو قريات لوط وثمود وهؤلاء.

وقال بعضهم: العرش: هي أجذام الشجر، وكأنها أسطوانة، وأصل الخاوية: خلاؤها عن الأهل، وكذلك قوله: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ عطلها أهلها، ليس بها أحد، لا أنها خربت على [ما] ذكرنا من إهلاك أهلها.

وقوله: ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : مجصص، والشيد: الجصّ.

وقال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : أي: مرتفع، والمُشَيَّد - بالتشديد -: المطول المرتفع.

قال القتبي: المشِيد: المبني بالشيد، وهو الجصّ، والمشَيَّد: المطول، ويقال: هما سواء، وهو مطول.

وكذلك قال أبو عوسجة أو قريباً، وكأنه ذكر هذا لأهل مكة لوجهين: أحدهما: أن كانت لهم قرية فيها قصور مشيدة محصّنة يتحصنون بها، يخبر أن من كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا، فلما كذبوا رسلهم لم ينفعهم ذلك، ولكن نزل بهم العذاب، فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك.

أو أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين، فقال: إن أولئك قد كانوا آمنين مطمئنين في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل، فأنتم وإن كنتم آمنين فينزل بكم ما نزل بأولئك، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً...

﴾ الآية [النحل: 112]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هلا ساروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها فينظروا؛ ليعرفوا ما حلّ بأولئك بالتكذيب؛ فيمتنعون عنه، ﴿ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ أي: يسيروا فيستمعوا إلى الأخبار التي فيها ذكر هلاكهم، وما نزل بهم بالتكذيب والعناد؛ لأن ما حل بالأولين إنما يعرف ذلك بأحد أمرين: إما بالمعاينة بالنظر إليهم، وإمّا بالسماع من الأخبار.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم تكن لهم قلوب - عقول أو أفهام - يعقلون بها ما نزل بأولئك بالتكذيب فيعتبروا بذلك، ولا كانت لهم آذان يستمعون ما حل بهم، أي: كانت لهم عقول يعقلون بها لو نظروا حق النظر، وآذان يسمعون بها لو سمعوا حق السّماع، لكنهم لما لم ينتفعوا بعقولهم وأسماعهم نفى ذلك عنهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ ﴾ الظاهرة، ﴿ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ وهو ما نفى عنهم السمع والبصر؛ لتركهم الانتفاع بها ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: هذه الآية في شأن عبد الله بن زائدة ابن أم مكتوم الأعمى، معناه: أن العمى عمى القلب، ليس عمى البصر، وهو كان أعمى البصر، لا أعمى القلب، هذا معناه إن ثبت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: لن يخلف الله وعده الذي وعد في نزول العذاب، أي: ينزل بهم، لا يتقدم ولا يتأخر عن ميعاده.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل - نحو ابن عباس والضحاك ومجاهد وهؤلاء -: إنها هي الأيام التي خلق الله فيها الدنيا وجعلها أجلا لها، يعدّ كل يوم من تلك الأيام كألف سنة، وإلى هذا صرف عامة أهل التأويل، فلا نعلم لذلك وجهاً.

وقال بعضهم: وإن يوماً عند ربكّ من عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدّون في الدنيا، اليوم الواحد ألف سنة.

ووجه هذا: أن الوقت القصير القليل يجوز أن يصير مديداً طويلا؛ لشدّة العذاب والبلاء، نحو ما قيل لهم: ﴿ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ قصر مقامهم في الدنيا؛ لشدة ما عاينوا من العذاب، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وجائز أن يكون هذا لا للتوقيت والمدّة؛ إذ الآخرة ممّا لا غاية لانتهائها، وكل شيء لا غاية لانتهائه، فذكر الوقت له يخرج مخرج التمثيل لا التوقيت، كقوله: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقال: ﴿ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ليس على التحديد لها والتوقيت، ولكن على ما خرج عن الأوهام ذكر ذلك ومثلها به، فعلى ذلك الاوّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ أي ﴿ أَمْلَيْتُ لَهَا ﴾ : لم آخذها وقت ظلمهم ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهَا ﴾ من بعد ﴿ وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ هو ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم ومعاصيهم ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ قال بعضهم: سماه رزقا كريماً؛ لأن من رزق ذلك وأعطي يكرم ويعظم قدره.

وقال بعضهم: سماه: كريماً؛ لأن الكريم هو الذي يقضى عنده الحوائج والحاجات؛ فعلى ذلك هو الرزق من ناله وأصابه قضى عنده الحوائج؛ لذلك سمي: كريماً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ في بعض القرآن: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : مثبِّطين مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع الشيء.

والأشبه - عندنا - أن يكون قوله: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : سابقين فائتين، لكنه على الإضمار، كأنّه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ على ظن منهم أنّهم سابقون فائتون عن عذابه ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا يزال الذين كفروا بالله وكذبوا برسوله في شك مما أنزل الله عليك من القرآن، مستمرّين حتى تأتيهم الساعة فجأة وهم على ذلك، أو يأتيهم عذاب يوم لا رحمة فيه ولا خير، وهو يوم القيامة بالنسبة لهم.

من فوائد الآيات استدراج الظالم حتى يتمادى في ظلمه سُنَّة إلهية.

حفظ الله لكتابه من التبديل والتحريف وصرف مكايد أعوان الشيطان عنه.

النفاق وقسوة القلوب مرضان قاتلان.

الإيمان ثمرة للعلم، والخشوع والخضوع لأوامر الله ثمرة للإيمان.

<div class="verse-tafsir" id="91.kQjmR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.

يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.

ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا  فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.

عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.

مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.

نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ - الآية.

وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي  ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى  ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.

قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..

ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.

روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.

في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ  ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.

اهـ.

فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).

وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..

-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.

وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي  لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا  إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي  ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآية.

قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.

وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.

وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.

وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.

قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي  قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ  ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..

وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته  ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي  أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل  ، وذلك كله ممتنع في حقه  ، أو يقول ذلك النبي  من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته  من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  ﴾ .

وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ .

(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي  ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.

(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي  لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.

(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.

وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه  قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!

وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.

قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.

انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.

أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...

إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.

هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.

هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.

تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.

ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.

فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.

وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.

ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ  وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ  وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  ﴾ .

إلى آخر الآيات.

ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ  فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي  لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي  والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي  من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.

فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان  : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.

وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.

والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.

هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.

ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ  ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  ﴾ إلخ الآيات.

وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.

والله أعلم.

(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.

قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.

وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.

ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا  من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه  المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.

وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.

غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ  ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ  ﴾ .

وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا  عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ  ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.

وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا  في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ  ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.

إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك  في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.

وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.

لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.

والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.

ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.

فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله