تفسير الآية ١٤ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ١٤ من سورة النمل

وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًۭا وَعُلُوًّۭا ۚ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٤ من سورة النمل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.

تفسير الآية ١٤ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وجحدوا بها ) أي : في ظاهر أمرهم ، ( واستيقنتها أنفسهم ) أي : علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله ، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها ، ( ظلما وعلوا ) أي : ظلما من أنفسهم ، سجية ملعونة ، ( وعلوا ) أي : استكبارا عن اتباع الحق ; ولهذا قال : ( فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) أي : انظر يا محمد كيف كان عاقبة كفرهم ، في إهلاك الله إياهم ، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة .

وفحوى الخطاب يقول : احذروا أيها المكذبون بمحمد ، الجاحدون لما جاء به من ربه ، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى ; فإن محمدا ، صلوات الله وسلامه عليه أشرف وأعظم من موسى ، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى ، بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله ، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به ، وأخذ المواثيق له ، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا ) يقول: وكذبوا بالآيات التسع أن تكون من عند الله.

كما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: (وَجَحَدُوا بِهَا ) قال: الجحود: التكذيب بها.

وقوله: (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) يقول: وأيقنتها قلوبهم, وعلموا يقينا أنها من عند الله, فعاندوا بعد تبينهم الحق, ومعرفتهم به.

كما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس: (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) قال: يقينهم في قلوبهم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قول الله: (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) قال: استيقنوا أن الآيات من الله حق, فلم جحدوا بها؟

قال: ظلما وعلوّا.

وقوله: (ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) يعني بالظلم: الاعتداء, والعلو: الكبر, كأنه قيل: اعتداء وتكبرا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: (ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) قال: تعظما واستكبارا, ومعنى ذلك: وجحدوا بالآيات التسع ظلما وعلوّا, واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله, فعاندوا الحقّ بعد وضوحه لهم, فهو من المؤخر الذي معناه التقديم.

وقوله: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ).

ويقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد بعين قلبك كيف كان عاقبة تكذيب هؤلاء الذين جحدوا آياتنا حين جاءتهم مبصرة, وماذا حل بهم من إفسادهم في الأرض ومعصيتهم فيها ربهم, وأعقبهم ما فعلوا, فإن ذلك أخرجهم من جنات وعيون, وزروع ومقام كريم, إلى هلاك في العاجل بالغرق, وفي الآجل إلى عذاب دائم لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.

يقول: وكذلك يا محمد سنتي في الذين كذّبوا بما جئتهم به من الآيات على حقيقة ما تدعوهم إليه من الحق من قومك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا أي تيقنوا أنها من عند الله وأنها ليست سحرا ، ولكنهم كفروا بها وتكبروا أن يؤمنوا بموسى .

وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين .

و ( ظلما و علوا ) منصوبان على نعت مصدر محذوف ، أي وجحدوا بها جحودا ظلما وعلوا .

والباء زائدة أي وجحدوها ; قاله أبو عبيدة .

فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المفسدين أي آخر أمر الكافرين الطاغين ، انظر ذلك بعين قلبك وتدبر فيه .

الخطاب له والمراد غيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَجَحَدُوا بِهَا أي: كفروا بآيات الله جاحدين لها، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ أي: ليس جحدهم مستندا إلى الشك والريب، وإنما جحدهم مع علمهم ويقينهم بصحتها ظُلْمًا منهم لحق ربهم ولأنفسهم، وَعُلُوًّا على الحق وعلى العباد وعلى الانقياد للرسل، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أسوأ عاقبة دمرهم الله وغرقهم في البحر وأخزاهم وأورث مساكنهم المستضعفين من عباده.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجحدوا بها ) أي : أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله ) ( واستيقنتها أنفسهم ) أي : علموا أنها من عند الله ، قوله : ( ظلما وعلوا ) أي : شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى ( فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجحدوا بها» لم يقروا «و» قد «استيقنتها أنفسهم» أي تيقنوا أنها من عند الله «ظلماً وعلوّاً» تكبراً عن الإيمان بما جاء به موسى راجع إلى الجحد «فانظر» يا محمد «كيف كان عاقبة المفسدين» التي علمتها من إهلاكهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكذَّبوا بالمعجزات التسع الواضحة الدلالة على صدق موسى في نبوته وصدق دعوته، وأنكروا بألسنتهم أن تكون من عند الله، وقد استيقنوها في قلوبهم اعتداءً على الحق وتكبرًا على الاعتراف به، فانظر -أيها الرسول- كيف كان مصير الذين كفروا بآيات الله وأفسدوا في الأرض، إذ أغرقهم الله في البحر؟

وفي ذلك عبرة لمن يعتبر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَجَحَدُواْ بِهَا ) من الجحود .

وهو إنكار الحق مع العلم بأنه حق ، يقال : جحد فلان حق غيره ، إذا أنكره مع علمه به .وقوله : ( واستيقنتهآ ) من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم الذى لا يطرأ عليه شك وجىء بالسين لزيادة التأكيد .والمعنى : وذهب موسى - عليه السلام - ومعه المعجزات الدالة على صدقه ، إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، فلما جاءهم موسى بتلك المعجزات المضيئة الواضحة للدلالة على صدقه ، قالوا على سبيل العناد والغرورو ، هذا الذى نراه منك يا موسى ، سحر بين وظاهر فى كونه سحرا .وجحد فرعون وقومه هذه المعجزات التى جاء بها موسى من عند ربه - تعالى - ، مع أن أنفسهم قد علمت علماً لا شك معه أنها معجزات وليست سحراً ، ولكنهم خالفوا علمهم ويقينهم ( ظُلْماً ) للآيات حيث أنزلوها عن منزلتها الرفيعة وسموها سحراً ( وَعُلُوّاً ) أى : ترفعا واستكباراً عن الإيمان بها .( فانظر ) أيها العاقل ( كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين ) ؟

لقد كانت عاقبتهم أن أغرقهم الله جميعاً ، بسبب كفرهم وظلمهم وجحودهم وفسادهم فى الأرض .وفى التعبير بقوله : ( فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا .

.

) إشعار بأن هذه الآيات الدالة على صدق موسى - عليه السلام - قد وصلت إليهم بدون أن يتعبوا أنفسهم فى الذهاب إليها ، فهى جاءتهم إلى بيوتهم لكى تهديهم إلى الصراط المستقيم ، ولكنهم قابلوا ذلك بالكفر والجحود .وأسند - سبحانه - المجىء إلى الآيات وأضافها إلى ذاته - تعالى - للإشارة إلى أنها خارجة عن أن تكون من صنع موسى ، وإنما هى من صنع الله - تعالى - ومن فعله ، و موسى ما هو إلا منفذ لما أمره ربه ، ومؤيد لما منحه إياه من معجزات دالة على صدقه فيما يبلغه عنه .وقوله : ( ظُلْماً وَعُلُوّاً ) منصوبان على أنهما مفعولان لأجله ، أو على أنهما حالان من فاعل جحدوا .أى : جحدوا الآيات مع تيقنهم أنها من عند الله ، من أجل الظلم لها والتعالى على من جاء بها ، أو : جحدوا بها حالة كونهم ظالمين لها ، ومستكبرين عنها .وفى قوله - سبحانه - : ( فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين ) تسلية عظمى للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من الكافرين .فهم كانوا كفرعون وقومه فى جحود الحق الذى جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم مع يقينهم بأنه حق ، ولكن حال بينهم وبين الدخول أسباب متعددة ، على رأسها العناد ، والحسد ، مع يقينهم بأنه حق ، ولكن حال بينهم وبين الدخول أسباب متعددة ، على رأسها العناد ، والحسد ، والعكوف على ما كان عليه الآباء ، والكراهية لتغيير الأوضاع التى تهواها نفوسهم ، وزينتها لهم شهواتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أكثر ما في هذا الآيات قد مر شرحه، ولنذكر ما هو من خواص هذا الموضع: يقال علام عطف قوله: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ ؟

جوابه: على ﴿ بُورِكَ  ﴾ لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك، كلاهما تفسير لنودي.

أما قوله: ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ فالجان الحية الصغيرة، سميت جاناً، لأنها تستتر عن الناس، وقرأ الحسن ﴿ جَانٌّ ﴾ على لغة من يهرب من التقاء الساكنين، فيقول شأبة ودأبة.

أما قوله: ﴿ وَلَمْ يُعَقّبْ ﴾ معناه لم يرجع، يقال عقب المقاتل إذا (مر) بعد الفرار، وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به، ويدل عليه ﴿ إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون ﴾ وقال بعضهم: المراد إني إذا أمرتهم بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة.

أما قوله تعالى: ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ معناه لكن من ظلم وهو محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل أو الصغيرة، ويحتمل أن يكون المقصود منه التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات اللطيفة.

قال الحسن رحمه الله: كان والله موسى ممن ظلم بقتل القبطي ثم بدل، فإنه عليه السلام قال: ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى  ﴾ وقرئ (ألا من ظلم) بحرف التنبيه.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء ﴾ فالمراد حسن التوبة وسوء الذنب، وعن أبي بكر في رواية عاصم (حسناً).

أما قوله: ﴿ في تسع آيات ﴾ فهو كلام مستأنف، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف، والمعنى اذهب في تسع آيات إلى فرعون، ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة، اثنتان منها اليد والعصا، والتسع: الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا مُبْصِرَةً ﴾ فقد جعل الإبصار لها، وهو في الحقيقة لمتأملها، وذلك بسبب نظرهم وتفكرهم فيها، أو جعلت كأنها لظهورها تبصر فتهتدي، وقرأ علي بن الحسين وقتادة ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ وهو نحو مجبنة ومبخلة، أي مكاناً يكثر فيه التبصر.

أما قوله: ﴿ واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ﴾ فالواو فيها واو الحال، وقد بعدها مضمرة وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان.

أما قوله: ﴿ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾ فأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله تعالى، ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً.

وأما العلو فهو التكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله: ﴿ فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً عالين  ﴾ وقرئ (علياً) و(علياً) بالضم والكسر، كما قرئ (عتياً) و ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا  قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا  قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا  فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا  يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا  وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً وَكَانَ تَقِيًّا  وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا  وَسَلَٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا  فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا  قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا  قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمًا زَكِيًّا  قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا  قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا  فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًا قَصِيًّا  فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا  فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا  وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا  فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا  فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ قَالُوا يَٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا  يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا  فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا  قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا  وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا  وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا  وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا  ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ  مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَٰنَهُۥٓ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ  فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ  أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ  وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا  إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا  يَٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا  يَٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا  يَٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَٰنِ وَلِيًّا  قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا  قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا  وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا  فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا  وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مُوسَىٰٓ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا  وَنَٰدَيْنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَٰهُ نَجِيًّا  وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيًّا  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِسْمَٰعِيلَ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا  وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا  وَرَفَعْنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا  أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا  فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا  جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا  لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَٰمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا  تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا  وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا  رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَٰدَتِهِۦ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا  وَيَقُولُ ٱلْإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا  أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا  فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا  ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ واو الحال، وقد بعدها مضمرة، والعلو: الكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى، كقوله تعالى: ﴿ فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً عالين ﴾ [المؤمنون: 46] ، ﴿ فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عابدون ﴾ [المؤمنون: 47] وقرئ: ﴿ عليا ﴾ و ﴿ عليا ﴾ بالضم والكسر، كما قرئ: ﴿ عتيا ﴾ ، و ﴿ عتيا ﴾ ، وفائدة ذكر الأنفس: أنهم جحدوها بألسنتهم، واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم والاستيقان أبلغ من الإيقان، وقد قوبل بين المبصرة والمبين، وأي ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند الله، ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً مكشوفاً لا شبهة فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا ﴾ بِأنْ جاءَهم مُوسى بِها.

﴿ مُبْصِرَةً ﴾ بَيِّنَةً اسْمُ فاعِلٍ أُطْلِقَ لِلْمَفْعُولِ، إشْعارًا بِأنَّها لِفَرْطِ اجْتِلائِها لِلْأبْصارِ بِحَيْثُ تَكادُ تُبْصِرُ نَفْسَها لَوْ كانَتْ مِمّا يُبْصِرُ، أوْ ذاتُ تَبَصُّرٍ مِن حَيْثُ إنَّها تَهْدِي والعُمْيُ لا تَهْتَدِي فَضْلًا عَنْ أنْ تَهْدِيَ، أوْ مُبْصِرَةً كُلَّ مَن نَظَرَ إلَيْها وتَأمَّلَ فِيها.

وقُرِئَ «مَبْصَرَةً» أيْ مَكانًا يَكْثُرُكم فِيهِ التَّبَصُّرُ.

﴿ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ واضِحٌ سِحْرِيَّتُهُ.

﴿ وَجَحَدُوا بِها ﴾ وكَذَّبُوا بِها.

﴿ واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ وقَدِ اسْتَيْقَنَتْها لِأنَّ الواوَ لِلْحالِ.

﴿ ظُلْمًا ﴾ لِأنْفُسِهِمْ.

﴿ وَعُلُوًّا ﴾ تَرَفُّعًا عَنِ الإيمانِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ مِن ( جَحَدُوا ) .

﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ وهو الإغْراقُ في الدُّنْيا والإحْراقُ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَجَحَدُواْ بِهَا} قيل الجحود لا يكون إلا من علم من الجاحد وهذا ليس بصحيح لأن الجحود هو الإنكار وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به وقد يكون بعد المعرفة تعنتا كذا ذكر في الشرح التأويلات وذكر في الديوان يقال جحد حقه وبحقه بمعنى والواو في {واستيقنتها} للحال وقد بعدها مضمرة والاستيقان أبلغ من الإيقان {أَنفُسِهِمْ}

النمل (١٦ - ١٤)

أي جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم {ظُلْماً} حال من الضمير في جحدوا وأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات من عند الله ثم سماها سحراً بيناً {وَعُلُوّاً} ترفعاً عن الإيمان بما جاء به موسى {فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين} وهو الإغراق هنا والإحراق ثمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وجَحَدُوا بِها ﴾ أيْ: وكَذَّبُوا بِها ﴿ واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ: عَلِمَتْ عِلْمًا يَقِينِيًّا أنَّها آياتٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.

وفِي البَحْرِ أنَّ (اسْتَفْعَلَ) هُنا بِمَعْنى تَفَعَّلَ كاسْتَكْبَرَ بِمَعْنى تَكَبَّرَ، والأبْلَغُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةً إمّا بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها ﴿ ظُلْمًا ﴾ أيْ لِلْآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ﴾ وقَدْ ظَلَمُوا بِها أيَّ ظُلْمٍ، حَيْثُ حَطُّوها عَنْ رُتْبَتِها العالِيَةِ، وسَمَّوْها سِحْرًا، وقِيلَ: ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وعُلُوًّا ﴾ أيْ تَرَفُّعًا واسْتِكْبارًا عَنِ الإيمانِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها ﴾ وانْتِصابُهُما إمّا عَلى العِلِّيَّةِ مِن ﴿ جَحَدُوا ﴾ وهي - عَلى ما قِيلَ - بِاعْتِبارِ العاقِبَةِ والِادِّعاءِ كَما في قَوْلِهِ: لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ وإمّا عَلى الحالِ مِن فاعِلِهِ، أيْ: جَحَدُوا بِها ظالِمِينَ عالِينَ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ أيْ: ما آلَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ الإغْراقِ عَلى الوَجْهِ الهائِلِ الَّذِي هو عِبْرَةٌ لِلظّالِمِينَ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ مَشْهُورٍ لَدى كُلِّ بادٍ وحاضِرٍ، وأدْخَلَ بَعْضُهم في العاقِبَةِ حالَهم في الآخِرَةِ مِنَ الإحْراقِ والعَذابِ الألِيمِ، وفي إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ ذَمٌّ لَهم وتَحْذِيرٌ لِأمْثالِهِمْ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ «وعِلِيًّا» بِقَلْبِ الواوِ ياءً وكَسْرِ العَيْنِ واللّامِ، وأصْلُهُ (فُعُولٌ) لَكِنَّهم كَسَرُوا العَيْنَ إتْباعًا، ورُوِيَ ضَمُّها عَنِ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا يعني: جاءهم موسى بآياتنا التسع مُبْصِرَةً يعني: معاينة.

ويقال: مبينة، يعني: علامة لنبوته، ويقال: مُبْصِرَةً يعني: مضيئة واضحة قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي بيّن وَجَحَدُوا بِها يعني: بالآيات بعد المعرفة وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أنها من الله تعالى، وإنما استيقنتها قلوبهم، لأن كل آية رأوها استغاثوا بموسى، وسألوا بأن يكشف عنهم، فكشفنا عنهم، فظهر لهم بذلك أنه من الله تعالى.

وفي الآية تقديم ومعناه: وجحدوا بها ظُلْماً يعني: شركاً وَعُلُوًّا يعني: تكبراً وترفعاً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى وَاسْتَيْقَنَتْها أنفسهم يعني: وهم يعلمون أنها من الله تعالى.

ثم قال: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يعني: الذين يفسدون في الأرض بالمعاصي، فكانت عاقبتهم الغرق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الكوكب المنقضّ في أثر مسترقِ السمعِ وكل ما يُقال له «شهابٌ» من المنيرات فعلى التَّشْبِيهِ، والقبسُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكون اسماً، ويُحْتملُ أن يكونَ صفةً.

وقرأ الجمهورُ بإضافة «شِهَابٍ» إلى «قَبَسٍ» ، وقرأ حَمزَةُ والكِسائِيُّ «١» وعاصمُ بتنوينِ «شِهَابٍ قَبَسٍ» : فَهَذَا على الصِّفَةِ.

ص: وقوله: جاءَها ضميرُ المفعولِ، عائدٌ على النّار، وقيل على الشجرة، انتهى.

وبُورِكَ معناه: قُدِّسَ ونُمِيَ خَيْرُه، والبركة، مختصَّة بالخير.

وقولهِ تعالى: مَنْ فِي النَّارِ قال ابنُ عباس: أرادَ النُّورَ «٢» ، وقال الحسنُ وابنُ عباس: وأراد ب مَنْ حَوْلَها الملائكةٍ وموسى «٣» .

قال ع «٤» : ويُحتمَلُ أن تكونَ مَنْ للملائكةِ لأن ذلكَ النورَ الذي حَسِبَه موسى ناراً لم يخْلُ من ملائكة، وَمَنْ حَوْلَها لموسَى والمَلائِكَةِ المُطِيفينَ بهِ.

وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب «٥» «أن بُوركَتِ النَّارُ وَمَنْ حَولَها» .

وقوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هو تنزيهٌ للَّه تعالى مما عساه أن يخطر/ ببال في معنى النِّداءِ من الشَّجَرَةِ، أي: هو منزَّه عن جميع ما تتوّهمه الأوهام ٥١ أوعن التَّشبيهِ والتَّكْيِيفِ، والضميرُ في إِنَّهُ للأمرِ والشأنِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ أنا اللَّهُ ﴾ الهاءُ عِمادٌ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ؛ وعَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ: هي كِنايَةٌ عَنِ المُنادِي، لِأنَّ مُوسى قالَ: مَن هَذا الَّذِي يُنادِينِي؟

فَقِيلَ: ﴿ إنَّهُ أنا اللَّهُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ ﴾ في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً، ﴿ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجانُّ: الحَيَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ ولا بِالصَّغِيرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَمْ يَلْتَفِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لَمْ يَرْجِعْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأهْلُ النَّظَرِ يَرَوْنَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ : أيْ: لا يَخافُونَ عِنْدِي.

وقِيلَ: المُرادُ: في المَوْضِعِ الَّذِي يُوحِي إلَيْهِمْ فِيهِ، فَكَأنَّهُ نَبَّهَهُ عَلى أنَّ مَن أمَّنَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ مِن عَذابِهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ مِن حَيَّةٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ صَحِيحٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ؛ والمَعْنى: إلّا مَن ظُلِمَ مِنهم فَإنَّهُ يَخافُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى مُسْتَشْعِرٌ خِيفَةً مِن ذَنْبِهِ في الرَّجُلِ الَّذِي وكَزَهُ، فَقالَ: ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا ﴾ أيْ: تَوْبَةً ونَدَمًا، فَإنَّهُ يَخافُ، وإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ والمَعْنى: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَإنَّهُ يَخافُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والزَّجّاجُ.

وقالَ الفَرّاءُ: " مِن " مُسْتَثْناةٌ مِنَ الَّذِينَ تَرَكُوا في الكَلامِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ، إنَّما الخَوْفُ عَلى غَيْرِهِمْ، إلّا مَن ظَلَمَ، فَتَكُونُ " مِن " مُسْتَثْناةً.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إلّا مَن ظَلَمَ، فَمَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا.

والثّالِثُ: أنْ " إلّا " بِمَعْنى الواوِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ  ﴾ ، حَكاهُ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، ولَمْ يَرْضَهُ.

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: " ألا مَن ظَلَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالظُّلْمِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَعاصِي.

والثّانِي: الشِّرْكُ.

ومَعْنًى " حَسَنًا ":تَوْبَةً ونَدَمًا.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

﴿ بَعْدَ سُوءٍ ﴾ أيْ: بَعْدَ إساءَةٍ.

وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى أنَّ مُوسى وإنْ كانَ [قَدْ] ظَلَمَ نَفْسَهُ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، لِأنَّهُ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ وتابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ ﴾ الجَيْبُ حَيْثُ جِيبَ مِنَ القَمِيصِ، أيْ: قُطِعَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما أمَرَ بِإدْخالِهِ يَدَهُ في جَيْبِهِ، لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مُدَرَّعَةٌ مِن صُوفٍ لَيْسَ لَها كُمٌّ.

والسُّوءُ: البَرَصُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي تِسْعِ آياتٍ ﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ: " في " مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ ﴾ ﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ ﴾ ، فالتَّأْوِيلُ: أظْهَرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في تِسْعِ آَياتٍ.

و " في " بِمَعْنى " مِن "، فَتَأْوِيلُهُ: مِن تِسْعِ آَياتٍ؛ تَقُولُ: خُذْ لِي عَشْرًا مِنَ الإبِلِ فِيها فَحْلانِ، أيْ: مِنها فَحْلانِ.

وقَدْ شَرَحْنا الآَياتِ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ١٠١) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴾ أيْ: مُرْسَلًا إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْرُوفٌ.

﴿ فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً ﴾ أيْ: بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً  ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا هَذا ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي نَراهُ عِيانًا ﴿ سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .

﴿ وَجَحَدُوا بِها ﴾ أيْ: أنْكَرُوها ﴿ واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿ ظُلْمًا ﴾ أيْ: شِرْكًا ﴿ وَعُلُوًّا ﴾ أيْ: تَكَبُّرًا.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وجَحَدُوا بِها ظُلْمًا وعُلُوًّا، أيْ: تَرْفُّعًا عَنْ أنْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَ بِهِ مُوسى وهم يَعْلَمُونَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جاءَتْهُمْ ﴾ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، و"مُبْصِرَةً" مَعْناهُ: مَعَها الإبْصارُ والوُضُوحُ، وعَلى هَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَهارٌ صائِمْ، ولَيْلٌ قائِمٌ ونائِمْ، وقَرَأ قَتادَةُ والحَسَنُ: "مَبْصَرَةً" بِفَتْحِ المِيمِ والصادِ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا ﴾ حُصُولُ الكُفْرِ عِنادًا، وهي مَسْألَةٌ فِيها قَوْلانِ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ أمْ لا؟

فَجَوَّزَتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ وقالَتْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَجُلُ عارِفًا إلّا أنَّهُ يَجْحَدُ عِنادًا ويَمُوتُ عَلى مَعْرِفَتِهِ وجُحُودِهِ، فَهو بِذَلِكَ في حُكْمِ الكافِرِ المُخَلَّدِ، قالُوا: وهَذا حُكْمُ إبْلِيسَ، وحُكْمُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وأخِيهِ حَسَبَ ما رُوِيَ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ عُورِضَ هَذا المِثالُ فُرِضَ إنْسانٌ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ هَذا لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِن عاقِلٍ، والوَجْهُ الآخَرُ أنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي أنْ يَحِلَّ في القَلْبِ، وذَلِكَ إيمانٌ، وحُكْمُ الكُفْرِ لا يَلْحَقُهُ إلّا بِأنْ يَحِلَّ في القَلْبِ كُفْرٌ، ولا يَصِحُّ اجْتِماعُ الضِدَّيْنِ في مَحَلٍّ، قالُوا: ويُشْبِهُ في هَذا العارِفُ الجاحِدُ أنْ يُسْلَبَ عِنْدَ المُوافاةِ تِلْكَ المَعْرِفَةَ ويَحِلَّ بَدَلَها الكَفْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ وما جَرى مَجْراها أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ إذا نَظَرُوا في آياتِ مُوسى أعْطَتْهم قَوْلَهُمْ: "إنَّ هَذا لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ"، وحَصَلَ لَهُمُ اليَقِينُ أنَّها مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، فَيَغْلِبُهم أثْناءَ ذَلِكَ الحَسَدِ، ويَتَمَسَّكُونَ بِالظُنُونِ في أنَّها سِحْرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ حَتّى يُسْلَبَ ذَلِكَ اليَقِينُ أو يُدْفَعَ، وحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْتَلِبِ في وُجُوبِ عَذابِهِمْ.

و"ظُلْمًا" مَعْناهُ: عَلى غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِلْجَحْدِ، و"العُلُوُّ" في الأرْضِ أعْظَمُ آفَةً عَلى طالِبِهِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا  ﴾ .

ثُمَّ عَجَّبَهُ تَعالى مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ حِينَ كَذَّبُوا مُوسى، وفي هَذا تَمْثِيلٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ كانُوا مُفْسِدِينَ مُسْتَعْلِينَ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَعُلِيًّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عنهم وعن أبانِ بْنِ تَغْلِبَ أنَّهم كَسَرُوا العَيْنَ مِن "عِلِيًّا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أوجز بقية القصة وانتقل إلى العبرة بتكذيب فرعون وقومه الآيات، ليُعتبر بذلك حال الذين كذبوا بآيات محمد صلى الله عليه وسلم وقصد من هذا الإيجاز طي بساط القصة لينتقل منها إلى قصة داود ثم قصة سليمان المبسوطة في هذه السورة.

والمراد بمجيء الآيات حصولها واحدة بعد أخرى وهي الآيات الثمان التي قبل الغرق.

والمبصرة: الظاهرة.

صيغ لها وزن اسم فاعل الإبصار على طريقة المجاز العقلي، وإنما المبصر الناظرُ إليها.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة ﴾ في سورة الإسراء (59).

والجحود: الإنكار باللسان.

و ﴿ استيْقنتها ﴾ بمعنى أيقنت بها، فحُذف حرف الجر وعدي الفعل إلى المجرور على التوسع أو على نزع الخافض، أي تحققتها عقولُهم، والسين والتاء للمبالغة.

والظلم في تكذيبهم الرسول لأنهم ألصقوا به ما ليس بحق فظلموه حقه.

والعلو: الكبر ويحسن أن تكون جملة: ﴿ واستيقنتها ﴾ حالية، فقوله: ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ نشر على ترتيب اللفّ.

فالظلم في الجحد بها والعلوّ في كونهم موقنين بها.

وانتصب ﴿ ظلماً وعلوّاً ﴾ على الحال من ضمير ﴿ جحدوا ﴾ وجعل ما هو معلوم من حالهم فيما لحق بهم من العذاب بمنزلة الشيء المشاهد للسامعين فأمر بالنظر إليه بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ .

والخطاب لغير معين.

ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له بما حلّ بالمكذبين بالرسل قبله لأن في ذلك تعريضاً بتهديد المشركين بمثل تلك العاقبة.

و ﴿ كيف ﴾ يجوز أن يكون مجرّداً عن معنى الاستفهام منصوباً على المفعولية، ويجوز أن يكون استفهاماً معلِّقاً فعلَ النظر عن العمل، والاستفهام حينئذ للتعجيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَأيْتُ نارًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ ومِنهُ سُمِّيَ الإنْسانُ إنْسًا لِأنَّهم مَرْئِيُّونَ.

الثّانِي: أحْسَسْتُ نارًا، قالَهُ قَتادَةُ، والإيناسُ: الإحْساسُ مِن جِهَةٍ يُؤْنَسُ بِها.

﴿ سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَأُخْبِرُكم عَنْها بِعِلْمٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ ضَلَّ الطَّرِيقَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ والشِّهابُ الشُّعاعُ المُضِيءُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي يَمُرُّ ضَوْؤُهُ في السَّماءِ شِهابٌ، قالَ الشّاعِرُ: في كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ فِيها سِنانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ والقَبَسُ هو القِطْعَةُ مِنَ النّارِ، ومِنهُ اقْتَبَسْتُ النّارَ، أخَذْتُ مِنها قِطْعَةً، واقْتَبَسْتُ مِنهُ عِلْمًا إذا أخَذْتَ مِنهُ عِلْمًا، لِأنَّكَ تَسْتَضِيءُ بِهِ كَما تَسْتَضِيءُ بِالنّارِ.

﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَصْطَلُونَ مِنَ البَرْدِ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ شِتاءً.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ يَعْنِي ظَنَّ أنَّها نارٌ، وهي نُورٌ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَلَمّا رَأى مُوسى النّارَ وقَفَ قَرِيبًا مِنها فَرَآها تَخْرُجُ مِن فَرْعِ شَجَرَةٍ خَضْراءَ شَدِيدَةِ الخُضْرَةِ يُقالُ لَها العَلِيقُ، لا تَزْدادُ النّارُ إلّا تَضَرُّمًا وعِظَمًا، ولا تَزْدادُ الشَّجَرَةُ إلّا خُضْرَةً وحُسْنًا، فَعَجِبَ مِنها ودَنا وأهْوى إلَيْها بِضِغْثٍ في يَدِهِ لِيَقْتَبِسَ مِنها، فَمالَتْ إلَيْهِ فَخافَها فَتَأخَّرَ عَنْها، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها إلى أنْ وضَعَ أمْرَها عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ ولا يَدْرِي ما أمْرُها، إلى أنْ: ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها ﴾ وفي ﴿ بُورِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قُدِّسَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: تَبارَكَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: البَرَكَةُ في النّارِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، وأنْشَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: فَبُورِكَ في بَنِيكَ وفي بَنِيهِمْ ∗∗∗ إذا ذُكِرُوا ونَحْنُ لَكَ الفِداءُ وَفِي النّارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها نارٌ فِيها نُورٌ.

الثّانِي: أنَّها نُورٌ لَيْسَ فِيها نارٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَفِي ﴿ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بُورِكَتِ النّارُ، و ﴿ مَن ﴾ زِيادَةٌ، وهي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ( بُورِكَتِ النّارُ ومَن حَوْلَها ) قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بُورِكَ النُّورُ الَّذِي في النّارِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: بُورِكَ اللَّهُ الَّذِي في النُّورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: الشَّجَرَةُ لِأنَّ النّارَ اشْتَعَلَتْ فِيها وهي خَضْراءُ لا تَحْتَرِقُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُوسى، قالَها أبُو صَخْرٍ.

﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى قالَ حِينَ فَرَغَ مِن سَماعِ النِّداءِ مِن قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ اسْتِعانَةً بِاللَّهِ وتَنْزِيهًا لَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ ومَعْناهُ: وبُورِكَ فِيمَن يُسَبِّحُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي نُودِيَ بِهِ مُوسى.

وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ثُمَّ لَمْ يَمَسَّ مُوسى امْرَأةً بَعْدَما كَلَّمَهُ رَبُّهُ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّجَرَةِ كَلامًا خَرَجَ مِنها حَتّى سَمِعَهُ مُوسى، حَكاهُ النَّقّاشُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ ﴾ قالَ وهْبٌ: ظَنَّ مُوسى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِرَفْضِها فَرَفَضَها.

﴿ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجانَّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِنانِها واسْتِتارِها.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالجانِّ الشَّيْطانَ مِنَ الجِنِّ، لِأنَّهم يُشَبِّهُونَ كُلَّ ما اسْتَهْوَلُوهُ بِالشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ  ﴾ .

وقَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا إلى أعْظَمِ الحَيّاتِ لا إلى أصْغَرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ  ﴾ و [الشُّعَراءِ: ٣٣] .

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: وكانَتِ العَصا قَدْ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ وكانَ اسْمُها: ما شاءَ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وكانَتْ مِن عَوْسَجٍ.

﴿ وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَمْ يَرْجِعْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ قُطْرُبٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ.

الثّانِي: ولَمْ يَنْتَظِرْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: ولَمْ يَلْتَفِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ بَقِيَ ولَمْ يَمْشِ، لِأنَّهُ في المَشِيءِ مُعَقِّبٌ لِابْتِدائِهِ بِوَضْعِ عُقْبَةٍ قَبْلَ قَدَمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ أرادَ في المَوْضِعِ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلَيْهِمْ، وإلّا فالمُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ أخْوَفُ.

﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُ مِنهُمُ الظُّلْمُ، ويَكُونُ مِنهم هَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى المُرْسَلِينَ.

وَفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيما كانَ مِنهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ كالَّذِي كانَ مِن مُوسى في قَتْلِ القِبْطِيِّ، فَأمّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ جَمِيعًا.

الوَجْهُ الثّانِي: بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَإنَّهم مَعْصُومُونَ فِيها مَعَ وُجُودِ الصَّغائِرِ مِنهم، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِهِمْ في تَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ مِنها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ﴾ يَعْنِي تَوْبَةً بَعْدَ سَيِّئَةٍ.

﴿ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ غَفُورٌ لِذَنْبِهِمْ، رَحِيمٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما رآها تهتز كأنها جان ﴾ قال: حين تحوّلت حية تسعى.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولم يعقب يا موسى ﴾ قال: لم يرجع وفي قوله: ﴿ إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ قال: ثم تاب من بعد ظلمه واساءته.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولى مدبراً ﴾ قال: فاراً ﴿ ولم يعقب ﴾ قال: لم يلتفت.

وفي قوله: ﴿ لا يخاف لدي ﴾ قال: عندي وفي قوله: ﴿ إلا من ظلم ﴾ قال: إن الله لم يجز ظالماً.

ثم عاد الله بعائدته وبرحمته فقال: ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي فعمل عملاً صالحاً بعد عمل سيء عمله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ميمون قال: إن الله قال لموسى ﴿ إنه لا يخاف لديَّ المرسلون إلا من ظلم ﴾ وليس للظالم عندي أمان حتى يتوب.

وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن أسلم أنه قرأ ﴿ إلا من ظلم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت على موسى جبة لا تبلغ مرفقيه فقال له ﴿ أدخل يدك في جيبك ﴾ فادخلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مقسم قال: إنما قيل ﴿ أدخل يدك في جيبك ﴾ لأنه لم يكن لها كم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كانت عليه مدرعة إلى بعض يده، ولو كان لها كم أمره أن يدخل يده في كمه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأدخل يدك في جيبك ﴾ قال: جيب القميص.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وأدخل يدك في جيبك ﴾ قال: في جيب قميصك ﴿ تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ قال: من غير برص ﴿ في تسع آيات ﴾ قال: يقول هاتان الآيتان: يد موسى، وعصاه ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: التسع آيات: يد موسى، وعصاه، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين في بواديهم ومواشيهم، ونقص من الثمرات في أمصارهم.

وفي قوله: ﴿ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ﴾ قال: بينة ﴿ وجحدوا بها ﴾ قال: كذبت القوم بآيات الله بعدما استيقنتها أنفسهم أنها حق.

والجحود لا يكون إلا من بعد المعرفة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ قال: تعظماً واستكباراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ قال: تكبروا وقد استيقنتها أنفسهم؛ وهذا من التقديم والتأخير.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ظلماً وعلياً ﴾ وقرأ عاصم ﴿ وعلواً ﴾ برفع العين واللام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا ﴾ أي: أنكروها، ولم يقروا بأنها من عند الله قال قتادة: الجحود لا يكون إلا من بعد المعرفة (١) ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ (٢) قال أبو عبيدة: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا ﴾ جحدوها، والباء: زائدة، وأنشد: نضرب بالسيف ونرجو بالفرَج (٣) ﴿ وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ﴾ أنها من الله (٤) (٥) ﴿ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ قال السدي: هذا من التقديم والتأخير.

ونحو هذا قال مقاتل (٦) قال الزجاج: المعنى: وجحدوا بها ظلمًا، وعلوًا، ترفعًا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، فجحدوا بها وهم يعلمون أنها من الله (٧) وقال مقاتل: ﴿ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ شركًا وتكبرًا (٨) ﴿ فَانْظُرْ ﴾ يا محمد ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ في الأرض بالمعاصي (٩) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2852.

(٢) "تأويل مشكل القرآن" 322، ولم ينسبه.

(٣) أنشده كاملًا أبو عبيدة، "مجاز القرآن" 2/ 56، ولم ينسبه، وقبله: نحن بنو جعدة أصحاب الفَلَجْ وأنشده ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" 249، ولم ينسبه، وكذا البغدادي، "الخزانة" 9/ 521، ثم نقل عن أبي عبيدة: الفلج: بفتح الفاء واللام، موضع لبني قيس.

وهو في "ديوان النابغة الجعدي" 216.

والشاهد الباء الثانية، أما الأولى فللاستعانة.

"مغني اللبيب" 1/ 108.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 288.

(٥) "تفسير مقاتل" 57 أ.

(٦) "تفسير مقاتل" 57 أ.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 111.

(٨) "تفسير مقاتل" 57 أ.

(٩) "تفسير مقاتل" 75 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ هذه الجملة معطوفة على قوله: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ ، لأن المعنى يؤدي إلى أن: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ ، وأن ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ وكلاهما تفسير للنداء ﴿ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ الجان: الحية، وقيل: الحية الصغيرة، وعلى هذا يشكل قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ ﴾ [الأعراف: 107، الشعراء: 32]، والجواب أنها ثعبان في جِرْمها، جانٌ في سرعة حركتها ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ لم يرجع أو لم يلتفت ﴿ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ استثناء منقطع تقديره: لكن من ظلم من سائر الناس، لا من المرسلين، وقيل: إنه متصل على القول بتجويز الذنوب عليهم، وهذا بعيد؛ لأن الصحيح عصمتهم من الذنوب، وأيضاً فإن تسميتهم ظالمين شنيع على القول بتجويز الذنوب عليهم ﴿ بَدَّلَ حُسْناً ﴾ أي عمل صالحاً ﴿ فِي جَيْبِكَ ﴾ ذكر في [طه: 22] ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ متصل بقوله: ألق وأدخل، تقديره: نسير لك في جملة تسع آيات، وقد ذكرت الآيات التسع في [الإسراء: 101] ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ متعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام تقديره: اذهب بالآيات التسع إلى فرعون ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ أي ظاهرة واضحة الدلالة، وأسند الإبصار لها مجازاً، وهو في الحقيقة لمتأملها ﴿ واستيقنتهآ ﴾ يعني أنهم جحدوا بها مع أنهم تيقنوا أنها الحق فكفرهم عناد، ولذلك قال فيه: ﴿ ظُلْماً ﴾ .

والواو فيه واو الحال، وأضمرت بعدها قد عَلَوْا يعني تكبروا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني آنست ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ بشهاب ﴾ منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس.

الباقون بالإضافة ﴿ من في النار ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص".

الوقوف: ﴿ طس ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ هدى ﴾ حال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ أو هو مرفوع بدلاً من ﴿ الآيات ﴾ أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ط تنصيصاً على أن ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ مستأنف ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه ﴿ تصطلون ﴾ ﴿ حولها ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء ﴿ عصاك ﴾ ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ﴿ ولم يعقب ﴾ ط لابتداء النداء ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وقومه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ج ه للآية والعطف ﴿ وعلواً ﴾ ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم ﴿ المفسدين ﴾ ه.

التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين.

فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير.

فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر".

ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب.

قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف.

وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط.

ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق.

وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة.

ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم.

ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات.

ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ ملابسة ظاهرة للتزيين.

ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب ﴿ فهم يعمهون ﴾ يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن ﴿ لهم سوء العذاب ﴾ أي القتل والأسر كيوم بدر.

ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم.

و ﴿ إذ قال ﴾ منصوب بـ ﴿ عليم ﴾ أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن.

والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله.

وفي قوله ﴿ سآتيكم ﴾ مع قوله في "طه" و "القصص" ﴿ لعلي آتيكم  ﴾ دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره.

قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله  أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله ﴿ فلما جاءها ﴾ وقد قال في "طه" و"القصص" ﴿ فلما أتاها  ﴾ ﴿ نودي ﴾ لأنه كرر لفظ ﴿ آتيكم ﴾ ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى.

و ﴿ أن ﴾ مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها.

قال جار الله: معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص ﴿ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة  ﴾ وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه.

وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله  مروي عن ابن عباس.

وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة.

وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة.

وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة.

وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم.

وفي قوله ﴿ وسبحان الله رب العالمين ﴾ تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين.

والهاء في ﴿ إنه ﴾ إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم ﴿ انا ﴾ وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً.

وقوله ﴿ وألق عصاك ﴾ معطوف على ﴿ بورك ﴾ وكلاهما تفسير ﴿ نودي ﴾ والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى ﴿ لم يعقب ﴾ لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.

وإنما اقتصر ههنا على قوله ﴿ لا تخف ﴾ ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم.

ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة".

وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله ﴿ أني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ إلى أن موسى قد جعل رسولاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ إلا من ظلم ﴾ إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى ﴿ رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي  ﴾ وقرئ "الا" بحرف التنبيه.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ ثم بدل ﴾ معطوفاً على ﴿ ظلم ﴾ إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخر *** وكقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز.

قوله ﴿ وأدخل يدك ﴾ وفي "القصص" ﴿ اسلك يدك  ﴾ موافقة لأضمم ولأن المبالغة في ﴿ أدخل ﴾ أكثر منها في ﴿ أسلك ﴾ لأن سلك لازم ومتعد.

وهناك قال ﴿ فذانك برهانان  ﴾ وههنا قال ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ.

قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات.

أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون.

وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ دون أن يقول ﴿ وملئه  ﴾ كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ إلى قوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح.

ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه.

والواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ للحال وقد مضمرة وفي زيادة ﴿ انفسهم ﴾ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان.

وقوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما.

وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم.

التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره ﴿ وكتاب مبين ﴾ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين ﴿ زيناً لهم أعمالهم ﴾ الدنيوية النفسانية ﴿ فهم يعمهون ﴾ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال  "حبك للشيء يعمي ويصم" فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى.

وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي.

وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي  بقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لا من عند جبريل بل ﴿ من لدن حكيم ﴾ تجلى لقلبك بحكمة القرآن ﴿ عليم ﴾ يعلم حيث يجعل رسالته.

ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها ﴿ إني آنست ناراً ﴾ بوادي أيمن السر ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ بتلك النار عن جمود الطبيعة ﴿ فلما جاءها ﴾ على قدمي الشوق وصدق الطلب ﴿ نودي ﴾ من الشجرة الروحانية ﴿ أن بورك من في ﴾ نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴿ ومن حولها ﴾ كالفراش يريد أن يقع فيها و ﴿ ألق ﴾ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ﴿ ولى مدبراً ﴾ هارباً إلى الله ﴿ ولم يعقب ﴾ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ ﴿ لا تخف ﴾ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله ﴿ إلاَّ من ظلم ﴾ نفسه بالرجوع إلى الغير ﴿ وأدخل ﴾ يد همتك في جيب قناعتك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية من لوث الدارين ﴿ في تسع آيات ﴾ من أسباب هلاك النفس وصفاتها ﴿ فانظر كيف كان عاقبة ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : قيل: رأيت وأبصرت.

﴿ سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى  ﴾ ، هذا يدل أنه كان ضل الطريق على ما ذكره أهل التأويل، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ ، ذكر على التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف، والقصة واحدة، والممتحن بذلك موسى لا غير؛ فهذا يدل أن ليس على الناس تكلف حفظ الألفاظ والحروف بلا تقديم ولا تأخير ولا تغيير، بعد أن أصابوا المعنى المودع فيها - أعني: في الألفاظ - وحفظوها من غير تغيير يدخل في المعنى المودع؛ إذ قصة موسى هذه وغيرها من قصص الأنبياء - عليهم السلام - ذكرت في الكتاب في التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف فدل: أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف في كثير من الأحكام في الشهادات والأخبار وغيرها، وإنما عليهم إصابة المعنى.

ثم قوله: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ قال بعضهم: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والقبس: النار وشهبان: جمع، ولا تسمى النار: قبسا إلا ما يحمل من موضع إلى موضع، يقال: قبست النار قبسا واقتبست؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقال بعضهم: القبس: الجمر، والشهاب: النار الموقدة: وهو قول أبي عبيدة.

وقال بعضهم: الشهاب: النور، والشهاب: الكواكب، سمي: شهاباً لضوءه.

وقال بعضهم: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ أي: شعلة من نار، والجذوة: كأنها خشبة فيها نار؛ وهو مثل الأول.

ودل قوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ على أن الوقت وقت البرد وأيام الشتاء؛ حيث ذكر الاصطلاء وهو الاستدفاء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ : اضطربت أقاويل أهل التأويل في هذا.

صرف بعضهم تأويله إلى (ما) لا يزيده إلى سماجة وبعداً عن الحق والصواب وعمى، لكن لو جاز أن يعبر ويكنى بحرف (من) عن غير مميز وغير ذي فهم وعقل، لاستقام التأويل فيه ولم يقع فيه شبهة؛ فيجعل كأنه قال: أن بورك ما فيه من النار وما حولها، ويكون عبارة عن المكان الذي فيه النار وما حولها من الأمكنة، أي: بورك في ذلك المكان الذي فيه النار وما حولها؛ لأنه قال له في آية أخرى: ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى  ﴾ أي: طوي فيه البركات.

وقال في آية: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ عن بركة ذلك المكان؛ فعلى ذلك لو جاز أن يعبر بحرف (من) عن غير المميز والفهم، ويكنى به - جاز صرف التأويل إلى ما ذكرنا من المكان.

أو يقال: ﴿ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ ، أي: بورك ما في النار من النور وما حول ذلك، وما يستنار به ويستضاء، وهو ما استفاد به من النبوة والرسالة.

هذا كله إذا جازت العبارة والكناية بحرف (من) عن غير ذي التمييز والفهم، فإن جاز هذا لاستقام أن يقال: هذا.

أو أن يكون التأويل منصرفاً إلى ما ذكره في حرف ابن مسعود وأبي على طرح حرف (من) وحرف (في) ذكر: أن في حرفهما: ﴿ نودي أن بوركت النار ومن حولها ﴾ ، وذلك جائز في اللغة أن يقال: بورك في فلان وبورك فلانٌ وبوركت وبورك فيك؛ وكذلك ذكر عن الكسائي أنه قال ذلك، فإن كان ما ذكر عن ابن مسعود وأبيّ ثابتاً صحيحاً - لم يقع فيه شبهة ولا ريب.

أو إن لم يجز العبارة بحرف (من) عن غير ذي التمييز، فجائز أن يصرف حرف (من) إلى موسى؛ فيكون كأنه قال: بورك في الذي أتى النار وهو موسى، أو بورك فيمن جعل له اقتباس النار؛ فينصرف تأويل (من) إلى موسى، وقد جعل له من البركة في تلك النار ما لا يحصى من استفادة النبوة والإرشاد إلى الطريق والاصطلاء وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - تنزيهاً عن جميع ما قاله بعض أهل التأويل؛ تبرئة منه عن ذلك كله من نحو مقاتل، ومن قال بمثل قوله مما يؤدي إلى التشبيه والشبه.

وقوله: ﴿ يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : أي: الذي أعطاك ذلك الله العزيز الحكيم.

أو يقول: إن الذي جعل لك ذلك الله العزيز الحكيم.

أو أن يقول: إنه الذي أراك هذا وأكرمك به أنا الله العزيز الحكيم.

أو أن يقول: إن الذي أراك - أي: الذي جعل لك ذلك - الله العزيز الحكيم؛ العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الحكيم: المصيب في فعله غير مخطئ، أو أن يقال: عزيز لا يذل أبداً قط؛ لأنه عزيز بذاته، الحكيم: يضع كل شيء موضعه لا يخطئ.

قال أبو معاذ: قال مقاتل بن سليمان: إنه يقول: يا موسى، إن النور الذي رأيت أنا الله، وهذا محال لا وجه له؛ لأنك لا تقول: "إن الذي رأيت أنا" لإنسان رآه أو لشيء رآه، ولكن تقول: أنا الذي رأيت.

ومحال - أيضاً - قوله؛ لما ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ نودي يا موسى لا تخف ﴾ يكلمه الله ويخاطبه ثم يقول: إن النور الذي رأيت أنا.

ومحال - أيضاً - لقول الله: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ  ﴾ ، قال الله: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا  ﴾ ، ولم يقل: أتاه.

ومحال أيضاً -: أن يكون الله نعتاً؛ لأنك لا تقول بأن الذي رأيت أنا أخوك.

فقال: قول مقاتل محال من أربعة أوجه خلافاً لظاهر الآية، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ : في الآية الأمر بإلقاء العصا، ولم يذكر أنه ألقاها، ولكن فيه: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ فألقاها، ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ ، أي: تتحرك كأنها جان.

ذكر أهل التأويل أن الجان هي الحية الصغيرة ليست بعظيمة.

لكنه أخبر أن موسى خافها وولى مدبرا، وموسى لا يحتمل أن يخاف من حية صغيرة على الوصف الذي ذكر، فكأنها كانت عظيمة لكنها في تحركها والتوائها كأنها صغيرة؛ إذ الحية العظيمة الكبيرة لا تقدر على التحرك والالتواء كالصغيرة؛ لذلك خافها موسى، حتى نهاه الله عن ذلك وقال له: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ : قال بعضهم: لم يرجع.

وقال بعضهم: لم يلتفت، وهو مأخوذ من العقب.

والجان: قال بعضهم: من الجنّ، والجانّ: الحية، ولا تكون إلا من الجن.

وقول أبي عبيدة: وقوله: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ فإن قيل: كيف نهاه عن الخوف، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون، وقد مدح الله الملائكة وغيرهم من الخلائق بالخوف من ربهم؛ حيث قال: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ ، و ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً  ﴾ ، وأمثال ذلك من الآيات مما فيها مدحهم بالخوف من ربهم؟

لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه قد أمن موسى حيث قال: ﴿ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ  ﴾ ؛ فكأنه قال هاهنا: لا تخف بعدما أمنتك؛ ﴿ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ إذا أمنتهم.

والثاني: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ من غيري؛ ﴿ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ من غيري؛ فكأنه قال - والله أعلم - على هذا التأويل: إنما نهاه عن الخوف من غيره، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون.

والثالث: أخبر أنه أمنه من خوف الآخرة وأهوالها؛ كأنه قال: لا تخف فإني سأؤمن المرسلين من خوف يومئذ.

ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ ﴾ : هذا - أيضاً - يخرج على وجوه: أحدها: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم إذا بدل حسنا بعده سوء.

والثاني: لا يخاف لدي المرسلون، ولكن من ظلم ممن سواهم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم، رجاء المغفرة وطمع العفو عما كان منه.

والثالث: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم منهم؛ نحو: موسى بقتله النفس، وإخوة يوسف، ثم بدل حسنا وتاب عن ذلك - فإنه يخاف أيضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : فالله  قادر أن يجعل يده بيضاء من غير إدخاله إياها في جيبه، لكنه امتحن موسى بالأمر بإدخالها في جيبه؛ وكذلك قادر أن يصير عصاه في يده حية، لكنه امتحن بالأمر بإلقائها، ولله أن يمتحن عباده بكل أنواع المحن.

وقوله: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : قيل: من غير آفة من برص أو غيره، وقد ذكرنا معناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ : قال بعضهم: موسى من تسع آيات، وقد يجوز استعمال حرف في مكان من كما يقال: لفلان كذا كذا نوقاً فيها فحلان، أي: منها فحلان.

وقال بعضهم: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ : قال أبو معاذ: قد يكون معنى (في) و(مع) واحداً فيما لا يحصى عدده، تقول: (خرجت في أهل مرو إلى مكة)، و(مع أهل مرو إلى مكة)، فإذا قلت: (خرجت في تسعة) اختلفا؛ لأنك أحصيت العد في تسعة أنت تاسعهم، و(مع تسعة) أنت عاشرهم.

وقال بعضهم: هو على الانقطاع من الأول؛ كأنه قال لرسوله محمد: ولقد بعثنا موسى في تسع آيات إلى فرعون؛ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ : دل هذا أنه كان مبعوثاً إلى فرعون وقومه جميعاً؛ إذ ذكر في آية إلى فرعون خاصة، وفي آية أخرى: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ  ﴾ ، وذكر هاهنا ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ فكان مبعوثاً إلى الكل.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ﴾ أي: يبصر بها ويعلم، كقوله: ﴿ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً  ﴾ أي: يبصر به.

وقرأ بعضهم: ﴿ مبصَرة ﴾ بنصب الصاد، أي: بينة ظاهرة يبصر فيها؛ وكذلك قال موسى لفرعون: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ .

وقالوا: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ : لم يزل عادة فرعون اللعين تلبيس أمر موسى وآياته على قومه؛ لئلا يؤمنوا به ولا يطيعوه فيما يدعوهم؛ مرة قال: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، و ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ  يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ ، وأمثال ذلك مما يلبس على قومه أمره ويغويهم عليه؛ لئلا يطيعوه فيما يدعوهم إليه ولا يجيبوه.

وقوله: ﴿ وَجَحَدُواْ ﴾ بالآيات: جائز في اللغة أن يقال: (جحد بها) و(جحدها)؛ كلاهما واحد.

ثم قال بعضهم: إن الجحود لا يكون إلا بعد العلم به والإيقان.

ولكن يجوز أن يقال: جحد بعد المعرفة والعلم، وقبل أن يعلم به ويعرف؛ إذ الجحود ليس إلا الإنكار، وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به وبعد المعرفة.

وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة جحدوا بها ظلماً وعلوا.

﴿ وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ﴾ : أنها من الله، وأنها آياته، ليست بسحر، ولو كان سحرا في الحقيقة لكان آية؛ لأن السحر على غير تعلم يكون منه آية سماوية.

وقوله: ﴿ ظُلْماً ﴾ : لأنهم جحدوا الآيات وسموها سحرا، فوضعوا الآيات موضع السحر، لم يضعوها موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.

وقوله: ﴿ وَعُلُوّاً ﴾ أي: تكبرا وعنادا.

﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : ليس على الأمر له بالنظر في ذلك، ولكن على تنبيه أولئك، والزجر لهم عما هم فيه، أي: انظر ما ينزل بهم لجحود الآيات وعنادهم فيها على ما نزل بأوائلهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكفروا بهذه الآيات البينات ولم يقروا بها، واستيقنت أنفسهم أنها من عند الله؛ بسبب ظلمهم واستكبارهم عن الحق، فتأمّل -أيها الرسول- كيف كانت عاقبة المفسدين في الأرض بكفرهم ومعاصيهم، فقد أهلكناهم، ودمّرناهم كلهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.2jbQO"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل