الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٢١ من سورة النمل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة النمل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.
وقوله : ( لأعذبنه عذابا شديدا ) : قال الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد ، عن ابن عباس : يعني نتف ريشه .
وقال عبد الله بن شداد : نتف ريشه وتشميسه .
وكذا قال غير واحد من السلف : إنه نتف ريشه ، وتركه ملقى يأكله الذر والنمل .
وقوله : ( أو لأذبحنه ) يعني : قتله ، ( أو ليأتيني بسلطان مبين ) أي : بعذر واضح بين .
وقال سفيان بن عيينة ، وعبد الله بن شداد : لما قدم الهدهد قال له الطير : ما خلفك ، فقد نذر سليمان دمك !
فقال : هل استثنى ؟
فقالوا : نعم ، قال : ( لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) فقال : نجوت إذا .
قال مجاهد : إنما دفع [ الله ] عنه ببره بأمه .
وقوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) يقول: فلما أخبر سليمان عن الهدهد أنه لم يحضر، وأنه غائب غير شاهد, أقسم (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) وكان تعذيبه الطير فيما ذُكر عنه إذا عذبها أن ينتف ريشها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب قال: ثنا الحماني, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس, في قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عطية, عن شريك, عن عطاء, عن مجاهد, عن ابن عباس في: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) عذابه: نتفه وتشميسه.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه وتشميسه.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه كله.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريش الهدهد كله, فلا يغفو سِنة.
قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: نتف ريشه.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) يقول: نتف ريشه.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن يزيد بن رومان أنه حدّث أن عذابه الذي كان يعذّب به الطير نتف جناحه.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: قيل لبعض أهل العلم: هذا الذبح, فما العذاب الشديد؟.
قال: نتف ريشه بتركه بَضعة تنـزو.
حدثنا سعيد بن الربيع الرازي, قال: ثنا سفيان, عن عمرو بن بشار, عن ابن عباس, في قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتفه.
حدثني سعيد بن الربيع, قال: ثنا سفيان, عن حسين بن أبي شدّاد, قال: نتفه وتشميسه (أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) يقول: أو لأقتلنه.
كما حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: (أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) يقول: أو لأقتلنه.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عباد بن العوّام, عن حصين, عن عبد الله بن شدّاد: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ )...
الآية, قال: فتلقَّاهُ الطير, فأخبره, فقال: ألم يستثن.
وقوله: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: أو ليأتيني بحجة تبين لسامعها صحتها وحقيقتها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ بن الحسين الأزدي, قال: ثنا المعافى بن عمران, عن سفيان, عن عمار الدُّهْني, عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: ببينة أعذره بها, وهو مثل قوله: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ يقول: بغير بينة.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن رجل, عن عكرمة, قال: كل شيء في القرآن سلطان, فهو حجة.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد الله, بن يزيد, عن قباث (3) بن رزين, أنه سمع عكرِمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: كل سلطان في القرآن فهو حجة, كان للهدهد سلطان.
حدثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) قال: بعذر بين.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) : أي بحجة عذر له في غيبته.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: ببينة, وهو قول الله الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ بغير بينة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) قال: بعذر أعذره فيه.
------------------------ الهوامش : (3) قباث بوزن سحاب، ابن رزين اللخمي (ويقال: التجيبي).
وقباث: اسم عربي.
قوله تعالى : لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه دليل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد ، أما إنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة .
روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه .
قال ابن جريج : ريشه أجمع .
وقال يزيد بن رومان : جناحاه .
فعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا على العاصين ، وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته ; وكأن الله أباح له ذلك ، كما أباح ذبح البهائم والطير للأكل وغيره من المنافع .
والله أعلم .
وفي ( نوادر الأصول ) قال : حدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الإيادي ، قال : حدثنا عون بن عمارة ، عن الحسين الجعفي ، عن الزبير بن الخريت ، عن عكرمة ، قال : إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه .
وسيأتي .
وقيل : تعذيبه أن يجعل [ ص: 168 ] مع أضداده .
وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد .
وقيل : لألزمنه خدمة أقرانه .
وقيل : إيداعه القفص .
وقيل : بأن يجعله للشمس بعد نتفه .
وقيل : بتبعيده عن خدمتي ، والملوك يؤدبون بالهجران الجسد بتفريق إلفه .
وهو مؤكد بالنون الثقيلة ، وهي لازمة هي أو الخفيفة .
قال أبو حاتم : ولو قرئت " لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه " جاز .
أو ليأتيني بسلطان مبين أي بحجة بينة .
وليست اللام في ليأتيني لام القسم لأنه لا يقسم سليمان على فعل الهدهد ; ولكن لما جاء في أثر قوله : لأعذبنه وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه .
وقرأ ابن كثير وحده : ( ليأتينني ) بنونين .
فحينئذ تغيظ عليه وتوعده فقال: لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا دون القتل، أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: حجة واضحة على تخلفه، وهذا من كمال ورعه وإنصافه أنه لم يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب، وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح فلذلك استثناه لورعه وفطنته.
ثم أوعده على غيبته ، فقال : ( لأعذبنه عذابا شديدا ) واختلفوا في العذاب الذي أوعده به ، فأظهر الأقاويل أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطا ، لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض .
وقال مقاتل وابن حيان : لأطلينه بالقطران ولأشمسنه .
وقيل : لأودعنه القفص .
وقيل : لأفرقن بينه وبين إلفه .
وقيل : لأحبسنه مع ضده .
) ( أو لأذبحنه ) لأقطعن حلقه ( أو ليأتيني بسلطان مبين ) بحجة بينة في غيبته ، وعذر ظاهر ، قرأ ابن كثير : " ليأتينني " بنونين ، الأولى مشددة ، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة .
وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم ، فتجهز للمسير ، واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ ، فحملهم الريح ، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم ، وكان ينحر كل يوم بمقامه بمكة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن حضره من أشراف قومه : إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا ، يعطى النصر على جميع من ناوأه ، وتبلغ هيبته مسيرة شهر ، القريب والبعيد عنده في الحق سواء ، لا تأخذه في الله لومة لائم .
قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله ؟
قال : يدين بدين الحنيفية ، فطوبى لمن أدركه وآمن به ، فقالوا : كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله ؟
قال مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل ، قال : فأقام بمكة حتى قضى نسكه ، ثم خرج من مكة صباحا ، وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال ، وذلك مسيرة شهر ، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى ، فلما نزل قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها ، ففعل ذلك ، فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا لبلقيس ، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه ، وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير " ، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان : من أين أقبلت وأين تريد ؟
قال : أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود .
فقال : ومن سليمان ؟
قال ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح ، فمن أين أنت ؟
قال : أنا من هذه البلاد ، قال : ومن ملكها ؟
قال : امرأة يقال لها بلقيس ، وإن لصاحبكم ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه ، فإنها ملكة اليمن كلها ، وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد ، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل ، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها ؟
قال : أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء ، قال الهدهد اليماني : إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة ، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها ، وما رجع إلى سليمان إلا في وقت العصر .
قال : فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة وكان نزل على غير ماء ، فسأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا ، فتفقد الطير ، ففقد الهدهد ، فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله عن الهدهد ، فقال : أصلح الله الملك ، ما أدري أين هو ، وما أرسلته مكانا ، فغضب عند ذلك سليمان ، وقال : ) ( لأعذبنه عذابا شديدا ) الآية .
ثم دعا العقاب سيد الطير فقال : علي بالهدهد الساعة ، فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن ، فانقض العقاب نحوه يريده ، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده ، فقال : بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء ، قال : فولى عنه العقاب ، وقال له : ويلك ثكلتك أمك ، إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك ، ثم طارا متوجهين نحو سليمان ، فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير ، فقالوا له : ويلك أين غبت في يومك هذا ؟
ولقد توعدك نبي الله ، وأخبراه بما قال ، فقال الهدهد : أوما استثنى رسول الله ؟
قالوا : بلى ، قال : " أو ليأتيني بسلطان مبين " ، قال : فنجوت إذا ، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه ، فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله ، فلما قرب الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان ، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال : أين كنت ؟
لأعذبنك عذابا شديدا ، فقال الهدهد : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى ، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه ، ثم سأله فقال : ما الذي أبطأ بك عني ؟
قال «لأعذبنه عذاباً» تعذيباً «شديداً» بنتف ريشه وذنبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام «أو لأذبحنه» بقطع حلقومه «أو ليأتيني» بنون مشددة مكسورة أو مفتوحة يليها نون مكسورة «بسلطان مبين» ببرهان بين ظاهر على عذره.
وتفقد سليمان حال الطير المسخرة له وحال ما غاب منها، وكان عنده هدهد متميز معروف فلم يجده، فقال: ما لي لا أرى الهدهد الذي أعهده؟
أسَتَره ساتر عني، أم أنه كان من الغائبين عني، فلم أره لغيبته؟
فلما ظهر أنه غائب قال: لأعذبنَّ هذا الهدهد عذابًا شديدًا لغيابه تأديبًا له، أو لأذبحنَّه عقوبة على ما فعل حيث أخلَّ بما سُخِّر له، أو ليأتينِّي بحجة ظاهرة، فيها عذر لغيبته.
وقوله - تعالى - : ( لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) بيان للحكم الذى أصدره سليمان - عليه السلام - على الهدهد بسبب غيابه بدون إذن .أى : لأعذبن الهدهد عذاباً شديداً يؤلمه ، أو لأذبحنه ، أو ليأتينى بحجة قوية توضح سبب غيابه .
وتقنعنى بالصفح عنه ، وبترك تعذيبه ، أو ذبحه .فأنت ترى أن سليمان - عليه السلام - وهو النبى الملك الحكيم العادل - يقيد تعذيب الهدهد أو ذبحه .
بعدم إتيانه بالعذر بالمقبول عن سبب غيابه ، أما إذا أتى بهذا العذر فإنه سيعفو عنه ، ويترك عقابه .فكأنه - عليه السلام - يقول : هذا الهدهد الغائب إما أن أعذبه عذاباً شديداً وإما أن أذبحهى بعد حضوره ، وإما أن يأتينى بعذر مقبول عن سبب غيابه ، وفى هذه الحالة فأنا سأعفو عنه .
القصة الثانية: قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام: أما قوله تعالى: ﴿ عِلْمًا ﴾ فالمراد طائفة من العلم أو علماً سنياً (عزيزاً)، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك أعطيته فشكر (ومنعته فصبر)؟
جوابه: أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات، ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقاً بهما فلا جرم صار كأنه قال: ولقد آتيناهما علماً، فعملا به قلباً وقالباً، وقالا باللسان الحمد لله الذي فعل كذا وكذا.
وأما قوله تعالى: ﴿ الحمد الله الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ المؤمنين ﴾ ففيها أبحاث: أحدها: أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علماً أو من لم يؤت مثل علمهما، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير.
وثانيها: في الآية دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم.
وثالثها: أنهم لم يفضلوا أنفسهم على الكل وذلك يدل على حسن التواضع.
ورابعها: أن الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سبباً لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير العلم بالله وبصفاته جلياً بحيث يصير المرء مستغرقاً فيه بحيث لا يخطر بباله شيء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه في حين من الأحيان ولا ساعة من الساعات.
أما قوله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سليمان دَاوُودُ ﴾ فقد اختلفوا فيه، فقال الحسن المال لأن النبوة عطية مبتدأة ولا تورث، وقال غيره بل النبوة، وقال آخرون بل الملك والسياسة، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمناً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً، لكن الله تعالى جعل سبب الإرث فيمن يرث الموت على شرائط، وليس كذلك النبوة لأن الموت لا يكون سبباً لنبوة الولد فمن هذا الوجه يفترقان، وذلك لا يمنع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام به عند موته، كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته ومما يبين ما قلناه أنه تعالى لو فصل فقال وورث سليمان داود ماله لم يكن لقوله: ﴿ وَقَالَ يا أَيُّهَا الناس عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير ﴾ معنى، وإذا قلنا وورث مقامه من النبوة والملك حسن ذلك لأن تعليم منطق الطير يكون داخلاً في جملة ما ورثه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيء ﴾ لأن وارث الملك يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه وقوله: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ﴾ لا يليق أيضاً إلا بما ذكرنا دون المال الذي قد يحصل للكامل والناقص، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلا بما ذكرناه، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنه لم يرث إلا المال، فأما إذا قيل ورث المال والملك معاً فهذا لا يبطل بالوجوه التي ذكرناها، بل بظاهر قوله عليه السلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».
فأما قوله: ﴿ ياْ أَيُّهَا الناس ﴾ فالمقصود منه تشهير نعمة الله تعالى والتنويه بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، قال صاحب الكشاف المنطق كل ما يصوّت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وقد ترجم يعقوب كتابه بإصلاح المنطق وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب نطقت الحمامة (وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته) فالذي علم سليمان عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيء ﴾ فالمراد كثرة ما أوتي وذلك لأن الكل والبعض الكثير يشتركان في صفة الكثرة، والمشاركة سبب لجواز الاستعارة فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء ﴾ .
أما قوله: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ﴾ فهو تقرير لقوله: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا ﴾ والمقصود منه الشكر والمحمدة كما قال عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» فإن قيل كيف قال: ﴿ عَلِمْنَا...
وَأُوتِينَا ﴾ وهو من كلام المتكبرين؟
جوابه من وجهين: الأول: أن يريد نفسه وأباه والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجباً.
وأما قوله: ﴿ وَحُشِرَ لسليمان جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير ﴾ فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع.
أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَتَوْا على وَادِى النمل ﴾ فقيل هو واد بالشام كثير النمل، ويقال لم عدى ﴿ أَتَوْا ﴾ بعلى؟
فجوابه من وجهين: الأول: أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا (أنفذه و) بلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي، وقرئ ﴿ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النمل ﴾ بضم الميم وبضم النون والميم وكان الأصل النمل بوزن الرجل والنمل الذي عليه الاستعمال تخفيف عنه (كقولهم السبع في السبع).
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ فالمعنى أنها تكلمت بذلك وهذا غير مستبعد، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق.
وعن قتادة: أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة رحمه الله حاضراً وهو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟
فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه كانت أنثى فقيل له من أين عرفت؟
فقال من كتاب الله تعالى وهو قوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ ولو كان ذكراً لقال (قال نملة)، وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي.
أما قوله تعالى: ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ فاعلم أن النملة لما قاربت حد العقل، لا جرم ذكرت بما يذكر به العقلاء فلذلك قال تعالى: ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ فإن قلت ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ ما هو؟
قلت يحتمل أن يكون جواباً للأمر وأن يكون نهياً بدلاً من الأمر، والمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة: لا أرينك هاهنا.
وفي هذه الآية تنبيه على أمور: أحدها: أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز، وإنما يلزم من في الطريق التحرز.
وثانيها: أن النملة قالت: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ كأنها عرفت أن النبي معصوم فلا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء عليهم السلام.
وثالثها: ما رأيت في بعض الكتب أن تلك النملة إنما أمرت غيرها بالدخول لأنها خافت على قومها أنها إذا رأت سليمان في جلالته، فربما وقعت في كفران نعمة الله تعالى وهذا هو المراد بقوله: ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سليمان ﴾ فأمرتها بالدخول في مساكنها لئلا ترى تلك النعم فلا تقع في كفران نعمة الله تعالى، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.
ورابعها: قرئ (مسكنكم) و(لا يحطمنكم) بتخفيف النون، وقرئ (لا يحطمنكم) بفتح الطاء وكسرها وأصلها يحطمنكم.
أما قوله تعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحكا مّن قَوْلِهَا ﴾ يعني تبسم شارعاً في الضحك (وآخذاً فيه)، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك، وإنما ضحك لأمرين: أحدهما: إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده (وشفقتهم) وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك قولها: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ والثاني: سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحداً من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه.
أما قوله تعالى: ﴿ رَبّ أَوْزِعْنِى ﴾ فقال صاحب الكشاف: حقيقة أوزعني: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني، حتى أكون شاكراً لك أبداً، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث.
وأما قوله تعالى: ﴿ وعلى وَالِدَىَّ ﴾ فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه.
ومعنى قوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ طلب الإعانة في الشكر وفي العمل الصالح، ثم قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين، وقوله: ﴿ بِرَحْمَتِكَ ﴾ يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولاً ثم طلب ثواب الآخرة ثانياً، أما وسيلة الثواب فهي أمران: أحدهما: شكر النعمة السالفة والثاني: الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة، فهي قوله تعالى: ﴿ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ ﴾ ولما كان الإنعام على الآباء إنعاماً على الأبناء لأن انتساب الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله: ﴿ وعلى وَالِدَىَّ ﴾ وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، فقوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ وأما طلب ثواب الآخرة فقوله: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ وقال سليمان: ﴿ أَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ ؟
جوابه: الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ ﴾ هي المنقطعة: نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، فقال: ﴿ مَالِيَ لاَ أَرَى ﴾ على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب؟
كأنه يسأل عن صحة ما لاح له.
ونحوه قولهم: إنها لإبل أم شاء، وذكر من قصة الهدهد أنّ سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج بحشرة، فوافى الحرم وأقام به ما شاء، وكان يقرّب كل يوم طول مقامه بخمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة، ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً يؤم سهيلاً؛ فوافى صنعاء وقت الزوال؛ وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً حسناء أعجبته خضرتها، فنزل ليتغدّى ويصلي فلم يجدوا الماء، وكان الهدهد قناقنه، وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فيجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء، فتفقده لذلك، وحين نزل سليمان حلق الهدهد فرأى هدهداً واقعاً، فانحط إليه فوصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس، وأنّ تحت يدها اثنى عشر ألف قائد تحت كل قائد مائة ألف وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه، ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: عليَّ به، فارتفعت فنظرت، فإذا هو مقبل فقصدته.
فناشدها الله وقال: بحق الذي قوّاك وأقدرك عليَّ إلا رحمتيني، فتركته وقالت: ثكلتك أمك، إنّ نبي الله قد حلف ليعذبنك؛ قال: وما استثنى؟
قالت: بلى قال: أوليأتيني بعذر مبين، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرّها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه، فقال: يا نبي الله؛ اذكر وقوفك بين يدي الله؛ فارتعد سليمان وعفا عنه؛ ثم سأله.
تعذيبه: أن يؤدّب بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه.
وقيل: كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه.
وقيل: أن يطلي بالقطران ويشمس.
وقيل: أن يلقى للنمل تأكله.
وقيل: إيداعه القفص.
وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.
وقيل: لألزمنه صحبة الأضداد.
وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد.
وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.
فإن قلت: من أين حل له تعذيب الهدهد؟
قلت: يجوز أن يبيح له الله ذلك.
لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة؛ كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع؛ وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر له من أجله إلا بالتأديب والسياسة: جاز أن يباح له ما يستصلح به.
وقرئ: ﴿ ليأتينني ﴾ و ﴿ ليأتينن ﴾ والسلطان: الحجة والعذر.
فإن قلت: قد حلف على أحد ثلاثة أشياء: فحلفه على فعليه لا مقال فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد؟
ومن أين درى أنه يأتي بسلطان، حتى يقول والله ليأتيني بسلطان؟
قلت: لما نظم الثلاثة (بأو) في الحكم الذي هو الحلف: آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعني: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما، وليس في هذا ادّعاء دراية، على أنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحيٌّ من الله بأنه سيأتيه بسلطان مبين، فثلث بقوله: ﴿ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بسلطان مُّبِينٍ ﴾ عن دراية وإيقان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ﴾ وتَعْرَّفَ الطَّيْرَ فَلَمْ يَجِدْ فِيها الهُدْهُدَ.
﴿ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ كَأنَّهُ لَمّا لَمْ يَرَهُ ظَنَّ أنَّهُ حاضِرٌ ولا يَراهُ لِساتِرٍ أوْ غَيْرِهِ فَقالَ: ما لِي لا أراهُ، ثُمَّ احْتاطَ فَلاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ أهْوَ غائِبٌ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ.
﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ كَنَتْفِ رِيشِهِ وإلْقائِهِ في الشَّمْسِ، أوْ حَيْثُ النَّمْلُ يَأْكُلُهُ أوْ جَعْلُهُ مَعَ ضِدِّهِ في قَفَصٍ.
﴿ أوْ لأذْبَحَنَّهُ ﴾ لِيَعْتَبِرَ بِهِ أبْناءُ جِنْسِهِ.
﴿ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ بِحُجَّةِ تَبَيُّنِ عُذْرِهِ، والحَلِفُ في الحَقِيقَةِ عَلى أحَدِ الأوَّلَيْنِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الثّالِثِ لَكِنْ لَمّا اقْتَضى ذَلِكَ وُقُوعَ أحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ثَلَّثَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِعَطْفِهِ عَلَيْهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ أوْ «لَيَأْتِيَنَّنِي» بِنُونَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
{لأعذّبنّه عذاباً شديداً} بنتف ريشه وإلقائه في الشمس أو بالتفريق بينه وبين ألغه أو بإلزامه خدمة أقرآنه أو بالحبس مع أضداده وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد أو بإيداعه القفص أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة {أو لأذبحنّه أو ليأتينّي} بالنون الثقيلة ليشاكل قوله لأعذبنه وحذف
النمل (٢٤ - ٢١)
نون العماد للتخفيف ليأتيني بنونين مكي الأولى للتأكيد والثانية للعماد {بسلطانٍ مّبينٍ} بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته والإشكال أنه حلف على أحد ثلاثة أشياء اثنان منها فعله ولا مقال فيه والثالث فعل الهدهد وهو مشكل لأنها من أين درى أنه يأتي بسلطان حتى قال والله ليأتيني بسلطان وجوابه أن معنى كلامه ليكونن أحد الأمور يعني إن كان الإتيان بسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح وإن لم يكن كان أحدهما وليس في هذا ادعاء دراية
ثُمَّ مَضى سُلَيْمانُ حَتّى أتى عَلى وادِي النَّمْلِ، ولا يَظْهَرُ الجَمْعُ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ.
ولَعَلَّ المِقْدارَ الَّذِي يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تَمَّ لَهُ بِناءُ بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَّ وأكْثَرَ مِن تَقْرِيبِ القَرابِينِ، وبَشَّرَ بِالنَّبِيِّ وقَصَدَ اليَمَنَ، وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَلَمْ يَرَ الهُدْهُدَ فَتَوَعَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ قِيلَ: بِنَتْفِ رِيشِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ جَمِيعُ رِيشِهِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: بِنَتْفِ رِيشِ جَناحَيْهِ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ: بِنَتْفِ نِصْفِ رِيشِهِ.
وزادَ بَعْضُهم مَعَ النَّتْفِ إلْقاءَهُ لِلنَّمْلِ، وآخَرُ: تَرْكَهُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: ذَلِكَ بِطَلْيِهِ بِالقَطِرانِ وتَشْمِيسِهِ، وقِيلَ: بِحَبْسِهِ في القَفَصِ، وقِيلَ: بِجَمْعِهِ مَعَ غَيْرِ جِنْسِهِ، وقِيلَ: بِإبْعادِهِ مِن خِدْمَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: بِإلْزامِهِ خِدْمَةَ أقْرانِهِ.
وفِي البَحْرِ: الأجْوَدُ أنْ يُجْعَلَ كُلٌّ مِنَ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وهَذا التَّعْذِيبُ لِلتَّأْدِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يُبِيحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ لِما رَأى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ والمَنفَعَةِ، كَما أباحَ سُبْحانَهُ ذَبْحَ البَهائِمِ والطُّيُورِ لِلْأكْلِ وغَيْرِهِ مِنَ المَنافِعِ، وإذا سُخِّرَ لَهُ الطَّيْرُ ولَمْ يُتِمَّ ما سُخِّرَ مِن أجْلِهِ إلّا بِالتَّأْدِيبِ والسِّياسَةِ جازَ أنْ يُباحَ لَهُ ما يَسْتَصْلِحُ بِهِ.
وفِي الإكْلِيلِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ: قَدْ يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَأْدِيبِ الحَيَواناتِ والبَهائِمِ بِالضَّرْبِ عِنْدَ تَقْصِيرِها في المَشْيِ أوْ إسْراعِها أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وعَلى جَوازِ نَتْفِ رِيشِ الحَيَوانِ لِمَصْلَحَةِ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّعْذِيبِ المَذْكُورِ نَتْفُ رِيشِهِ.
وذُكِرَ فِيهِ أنَّ ابْنَ العَرَبِيِّ اسْتَدَلَّ بِها عَلى أنَّ العَذابَ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ لا عَلى قَدْرِ الجَسَدِ، وعَلى أنَّ الطَّيْرَ كانُوا مُكَلَّفِينَ إذْ لا يُعاقَبُ عَلى تَرْكِ فِعْلٍ إلّا مَن كُلِّفَ بِهِ، اهـ، فَلا تَغْفُلْ.
﴿ أوْ لأذْبَحَنَّهُ ﴾ كالتَّرَقِّي مِنَ الشَّدِيدِ إلى الأشَدِّ؛ فَإنَّ في الذَّبْحِ تَجْرِيعُ كَأْسِ المَنِيَّةِ.
وقَدْ قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ المَنِيَّةِ سَهْلٌ ﴿ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: بِحُجَّةٍ تَبَيِّنُ عُذْرَهُ في غَيْبَتِهِ، وما ألْطَفَ التَّعْبِيرَ بِالسُّلْطانِ دُونَ الحُجَّةِ هُنا؛ لِما أنَّ ما أتى بِهِ مِنَ العُذْرِ انْجَرَّ إلى الإتْيانِ بِبِلْقِيسَ وهي سُلْطانٌ، ثُمَّ إنَّ هَذا الشِّقَّ - وإنْ قُرِنَ بِحَرْفِ القَسَمِ - لَيْسَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما المُقْسَمُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً الأوَّلانِ، وأُدْخِلَ هَذا في سِلْكِهِما لِلتَّقابُلِ.
وهَذا - كَما في الكَشْفِ - نَوْعٌ مِنَ التَّغْلِيبِ لَطِيفُ المَسْلَكِ، ومَآلُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأُمُورِ، عَلى مَعْنى: إنْ كانَ الإتْيانُ بِالسُّلْطانِ لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبٌ ولا ذَبْحٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كانَ أحَدُهُما، فَـ(أوْ) في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّرْدِيدِ، وقِيلَ: هي في الأوَّلِ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ التَّعْذِيبِ والذَّبْحِ، وفي الثّانِي لِلتَّرْدِيدِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الإتْيانِ بِالسُّلْطانِ، وهو كَما تَرى.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها في الأوَّلِ لِلتَّخْيِيرِ وفي الثّانِي بِمَعْنى إلّا، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ لامِ القَسَمِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ مُقْسَمًا عَلَيْها حَقِيقَةً، وصَحَّ قَسَمُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الإتْيانِ المَذْكُورِ لِعِلْمِهِ بِالوَحْيِ أنَّهُ سَيَكُونُ، أوْ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِذَلِكَ لِأمْرٍ قامَ عِنْدَهُ يُفِيدُها، وإلّا فالقَسَمُ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ في المُسْتَقْبَلِ مِن دُونِ عِلْمٍ أوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ بِهِ لا يَكادُ يَسُوغُ في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ يُنافِي حُصُولَ العِلْمِ وما حَكاهُ لَهُ، ودَفْعُ المُنافاةِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ لا يَعْلَمُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا يَظُنُّ صِدْقَها وكَذِبَها غَيْرُ سَدِيدٍ؛ إذْ قَوْلُهُ: (مُبِينٍ) يَأْباهُ، وبِالجُمْلَةِ الوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (لَيَأْتِيَنَّ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ بِغَيْرِ ياءٍ، وكُتِبَ في الإمامِ «لا أذْبَحُهُ» بِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ الذّالِ والألِفِ المُتَّصِلَةِ بِاللّامِ، ولا يُعْلَمُ وجْهُهُ كَأكْثَرِ ما جاءَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ الرَّسْمَ المَعْرُوفَ، وقِيلَ: هو لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الذَّبْحَ لَمْ يَقَعْ.
وقالَ ابْنُ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَةِ تارِيخِهِ: إنَّ الكِتابَةَ العَرَبِيَّةَ كانَتْ في غايَةِ الإتْقانِ والجَوْدَةِ في حِمْيَرَ، ومِنهم تَعَلَّمَها مُضَرُ، إلّا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُجِيدِينَ لِبُعْدِهِمْ عَنِ الحَضارَةِ، وكانَ الخَطُّ العَرَبِيُّ أوَّلَ الإسْلامِ غَيْرَ بالِغٍ إلى الغايَةِ مِنَ الإتْقانِ والجَوْدَةِ وإلى التَّوَسُّطِ لِمَكانِ العَرَبِ مِنَ البَداوَةِ والتَّوَحُّشِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ الصَّنائِعِ، وما وقَعَ في رَسْمِ المُصْحَفِ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِنَ الرُّسُومِ المُخالِفَةِ لِما اقْتَضَتْهُ أقْيِسَةُ رُسُومِ الخَطِّ وصِناعَتُهُ عِنْدَ أهْلِها كَزِيادَةِ الألِفِ في «لا أذْبَحَنَّهُ» مِن قِلَّةِ الإجادَةِ لِصَنْعَةِ الخَطِّ، واقْتِفاءُ السَّلَفِ رَسْمَهم ذَلِكَ مِن بابِ التَّبَرُّكِ.
وتَوْجِيهُ بَعْضِ المُغَفَّلِينَ تِلْكَ المُخالَفَةَ بِما وجَّهَهُ بِها لَيْسَ بِصَحِيحٍ، والدّاعِي لَهُ إلى ذَلِكَ تَنْزِيهُ الصَّحابَةِ عَنِ النَّقْصِ لِما زَعَمَ أنَّ الخَطَّ كَمالٌ، ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِأنَّ الخَطَّ مِن جُمْلَةِ الصَّنائِعِ المَدَنِيَّةِ المَعاشِيَّةِ، وذَلِكَ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ؛ إذِ الكَمالُ في الصَّنائِعِ إضافِيٌّ، ولَيْسَ بِكَمالٍ مُطْلَقٍ؛ إذْ لا يَعُودُ نَقْصُهُ عَلى الذّاتِ في الدِّينِ ونَحْوِهِ، وإنَّما يَعُودُ عَلى أسْبابِ المَعاشِ.
وقَدْ كانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أُمِّيًّا، وكانَ ذَلِكَ كَمالًا في حَقِّهِ وبِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومِثْلُ الأُمِّيَّةِ تَنَزُّهُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الصَّنائِعِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي أسْبابُ المَعاشِ والعُمْرانِ، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ كَمالًا في حَقِّنا؛ إذْ هو مُنْقَطِعٌ إلى رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونَحْنُ مُتَعاوِنُونَ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، ومِن هُنا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمُ»» انْتَهى مُلَخَّصًا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ زِيادَةِ الألِفِ في «لا أذْبَحَنَّهُ» لِقِلَّةِ إجادَتِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - صَنْعَةَ الكِتابَةِ في غايَةِ البُعْدِ، وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الذَّبْحِ كَذَلِكَ، وإلّا لَزادُوها في (لَأُعَذِّبَنَّهُ) لِأنَّ التَّعْذِيبَ لَمْ يَقَعْ أيْضًا.
وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ الإجادَةَ في الخَطِّ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ - إنْ أرادَ بِهِ أنْ تَحْسِينَ الخَطِّ وإخْراجَهُ عَلى صُوَرٍ مُتَناسِبَةٍ يَسْتَحْسِنُها النّاظِرُ، وتَمِيلُ إلَيْها النُّفُوسُ كَسائِرِ النُّقُوشِ المُسْتَحْسَنَةِ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ ولا يَضُرُّ بِشَأْنِهِمْ فَقْدُهُ - فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ هَذا شَيْءٌ وما نَحْنُ فِيهِ شَيْءٌ، وإنْ أرادَ بِهِ أنَّ الإتْيانَ بِالخَطِّ عَلى وجْهِهِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِهِ مِن وصْلِ ما يَصِلُونَهُ، وفَصْلِ ما يَفْصِلُونَهُ، ورَسْمِ ما يَرْسُمُونَهُ، وتَرْكِ ما يَتْرُكُونَهُ لَيْسَ بِكَمالٍ - فَهَذا مَحَلُّ بَحْثٍ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُعْتَرَضُ عَلى العالِمِ بِقُبْحِ الخَطِّ وخُرُوجِهِ عَنِ الصُّوَرِ الحَسَنَةِ والهَيْئاتِ المُسْتَحْسَنَةِ، ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِوَصْلِ ما يُفْصَلُ وفَصْلِ ما يُوصَلُ، ورَسْمِ ما لا يُرْسَمُ وعَدَمِ رَسْمِ ما يُرْسَمُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِنُكْتَةٍ.
والظّاهِرُ أنَّ الصَّحابَةَ الَّذِينَ كَتَبُوا القُرْآنَ كانُوا مُتْقِنِينَ رَسْمَ الخَطِّ، عارِفِينَ ما يَقْتَضِي أنْ يُكْتَبَ وما يَقْتَضِي أنْ لا يُكْتَبَ، وما يَقْتَضِي أنْ يُوصَلَ وما يَقْتَضِي أنْ لا يُوصَلَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ خالَفُوا القَواعِدَ في بَعْضِ المَواضِعِ لِحِكْمَةٍ، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِهِ التَّكْمِلَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أخْبِرُونِي، عَنْ هَذا الكِتابِ العَرَبِيِّ هَلْ كُنْتُمْ تَكْتُبُونَهُ قَبْلَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا تَجْمَعُونَ مِنهُ ما اجْتَمَعَ، وتُفَرِّقُونَ مِنهُ ما افْتَرَقَ، مِثْلَ الألِفِ واللّامِ والنُّونِ؟
قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذْتُمُوهُ؟
قالَ: مِن حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ حَرْبٌ؟
قالَ: مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعانَ؟
قالَ: مِن أهْلِ الأنْبارِ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ أهْلُ الأنْبارِ؟
قالَ: مِن طارٍ طَرَأ عَلَيْهِمْ مِن أهْلِ اليَمَنِ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَ ذَلِكَ الطّارِئُ؟
قالَ: مِنَ الخَلَجانِ بْنِ القَسْمِ كاتِبِ الوَحْيِ لِهُودٍ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو الَّذِي يَقُولُ: فِي كُلِّ عامٍ سُنَّةٌ تُحْدِثُونَها ورَأْيٌ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ يُعْبَرُ ولَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِن حَياةٍ تَسُبُّنا ∗∗∗ بِها جُرْهَمُ فِيمَن يُسَبُّ وحَمِيرُ انْتَهى.
وفِي كِتابِ مُحاصَرَةِ الأوائِلِ ومُسامَرَةِ الأواخِرِ أنَّ أوَّلَ مَنِ اشْتُهِرَ بِالكِتابَةِ في الإسْلامِ مِنَ الصَّحابَةِ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَشْتَهِرُوا في ذَلِكَ إلّا لِإصابَتِهِمْ فِيها.
والقَوْلُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الأجِلَّةَ وسائِرَ الصَّحابَةِ لَمْ يَعْرِفُوا مُخالَفَةَ رَسْمِ الألِفِ هُنا لِما يَقْتَضِيهِ قَوانِينُ أهْلِ الخَطِّ وكَذا سائِرُ ما وقَعَ مِنَ المُخالَفَةِ - مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مِن لَهُ أدْنى أدَبٍ وإنْصافِ.
ومِثْلُ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ مَن عَرَفَ مِنهم إلّا أنَّهُ تَرَكَ تَغْيِيرَهُ إلى المُوافِقِ لِلْقَوانِينِ أوْ وافَقَهُ عَلى الغَلَطِ لِلتَّبَرُّكِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِنَ الرَّسْمِ المُخالِفِ بِسَبَبِ قِلَّةِ مَهارَةِ مَن أخَذُوا عَنْهُ صَنْعَةَ الخَطِّ، فَيَكُونُ هو الَّذِي خالَفَ في مِثْلِ ذَلِكَ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ خالَفَ، فالقُصُورُ - إنْ كانَ - مِمَّنْ أخَذُوا عَنْهُ، وأمّا هم فَلا قُصُورَ فِيهِمْ؛ إذْ لَمْ يُخِلُّوا بِالقَواعِدِ الَّتِي أخَذُوها، وإخْلالُهم بِقَواعِدَ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِمْ ولَمْ يَعْلَمُوا بِها لا يُعَدُّ قُصُورًا، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما فِيهِ مِنَ البَشاعَةِ، ثُمَّ إنَّ الإنْصافَ بَعْدَ كُلِّ كَلامٍ يَقْتَضِي الإقْرارَ بِقُوَّةِ دَعْوى أنَّ المُخالَفَةَ لِضَعْفِ صِناعَةِ الكِتابَةِ؛ إذْ ذاكَ - إنْ صَحَّ أنَّها وقَعَتْ أيْضًا - في غَيْرِ الإمامِ مِنَ المُكاتَباتِ وغَيْرِها، ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ وإلّا لَنُقِلَ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ يعني: طلب الطير، وذلك أنه أراد أن ينزل منزلاً، فطلب الهدهد فَقالَ ما لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ وكان رئيس الهداهد، وكان سليمان قد جعل على كل صنف منهم رئيساً، ثم جعل الكركي رئيساً على جميع الطيور.
قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة مَا لِيَ بسكون الياء.
وقرأ الباقون بنصب الياء، وهما لغتان يجوز كلاهما.
ثم قال: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ يعني: أم كان غائباً لم يحضر بعد.
ويقال: الميم للصلة، ومعناه أكان من الغائبين يعني: أصار من الغائبين.
وذكر أن الهدهد كان مهتديا يعرف المسافة التي بينهم وبين الماء.
ويقال: كان يعرف الماء من تحت الأرض، ويراه كما يرى من القارورة.
وروى عكرمة أنه قال: قلت لابن عباس: كيف يرى الماء من تحت الأرض، وأن صبياننا يأخذونه بالفخ فلا يرى الخيط والشبكة؟
فقال ابن عباس: «ما ألقى هذه الكلمة على لسانك إلا الشيطان، أما علمت أنه إذا نزل القضاء ذهب البصر؟» .
فدعا سليمان أمير الطير، فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو؟
وما أرسلته مكاناً، فغضب سليمان عند ذلك وقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً يعني: لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطيور حولاً، ولأشمسنه في الحر حتى يأكله الذر أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ يعني: لأقتلنه حتى لا يكون له نسل أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: بحجة بينة واضحة أعذره بها، فإن قيل: كيف يجوز أن يعاقب من لا يجري عليه القلم؟
قيل له: تجوز العقوبة على وجه التأديب إذا كان منه ذنب، كما يجوز للأب أن يؤدب ولده الصغير، وأما الذبح فيجوز، وإن لم يكن منه الذنب.
قرأ ابن كثير ليأتينني بنونين.
وقرأ الباقون بنون واحدة.
فمن قرأ بنونين فهو للتأكيد، لأن النون الأولى مشددة، وتسمى تلك نون القسم، وهي في الحقيقة نونين، والنون الثانية للإضافة.
ومن قرأ بنون واحدة، فقد استقل الجمع بين النونات، واقتصر على نونين، فأدغم إحداهما في الأخرى.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَأَلْقِ عَصاكَ ...
الآية، أمره- تعالى- بهذَينِ الأمرين إلقاءِ العصا، وأمرِ اليَدِ تَدريباً له في استعمالِهمَا، والجان: الحياتُ لأنها تَجِنُّ أنفُسُهَا أي:
تَسْتُرُهَا.
وقالت فرقةٌ: الجانُّ: صِغَارُ الحَيَّاتِ.
وقوله تعالى: وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ، أي: ولَّى فَارّاً.
قال مُجاهدٌ: ولم يرجعْ «١» ، وقال قَتَادَةُ: ولم يَلْتَفِتْ «٢» .
قال ع «٣» : وعَقَّبَ الرجلُ إذا ولَّى عَنْ أمر ثم صرف بدَنه أو وَجْهِه إليه- ثم ناداه سُبحانه مؤنسا له: يا مُوسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
وقولُهُ تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ قال الفرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ: الاستثْنَاءُ منقطعٌ، وهو إخبارٌ عن غَيرِ الأنبياء، كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ- قال: لكنْ من ظَلَمَ من النَّاسِ ثُمَّ تَابَ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وهذه الآية تقتضي المغفرة للتّائب، والجيب الفتح في الثوب لرأس الإنسان.
وقوله تعالى: فِي تِسْعِ آياتٍ مُتَّصِلٌ بقوله: أَلْقِ وَأَدْخِلْ يَدَكَ وفيه اقتضَابٌ «٤» وحذفٌ، والمعنى في جُملةِ تسعِ آياتٍ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُها، والضميرُ في جاءَتْهُمْ لفِرْعَوْنَ وقومِه، وظاهِرُ قَولِهِ تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها حُصُولُ الكفْرِ عِنَاداً وهي مَسْأَلَةُ خلافٍ قد تَقَدَّمَ بيانها وظُلْماً معناهُ: على غيرِ استحقَاقٍ للجُحْدِ، والعُلُوُّ في الأرضِ أعظمُ آفةٍ على طَالبهِ، قال الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً [القصص: ٨٣] .
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً ...
الآية، هذا ابتداءُ قصَصٍ فيه غيُوبٌ وعَبَرٌ.
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، أي: ورثَ مُلكَه وَمنزِلَتَهُ من النبوَّة بعدَ موتِ أبيهِ، وقوله:
«علّمناه منطق الطير» إخبار بنعمةِ الله تعالى عندهما في اَّنَّ فَهَّمهُمَا مِنْ أصواتِ الطير المعانيَ التي في نفوسِها، وهذا نحو ما كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْحِجَارَةِ بالسَّلاَمِ عَلَيْهِ وغير ذلك حسب ما هو في الآثار.
قال قَتَادَةُ وغيره: إنَّمَا كان هذا الأمرُ في الطيرِ خاصةً، والنملةُ طائِرٌ إذ قد يوجَدُ لَهَا جَنَاحَان «١» .
وقالت فُرقَةٌ: بل كَانَ ذَلِكَ في جَمِيعِ الحيَوانِ وإنما خَصِ الطيرَ لأْنَّه كان جُنداً من جنودِ سليمان يحتاجُهُ في التَّظلِيلِ من الشَّمس وفي البَعْثِ في الأمور.
والنَّمْلُ حيوانُ فَطِنٌ قويٌّ شَمَّامٌ جِدّاً يدَّخِرُ ويتخذُ القرى وَيَشُقُّ الحَبَّ بقطعتينِ لِئَلاَّ يُنْبِتَ، ويشُقَّ الكزبرةَ بأربعِ قطعٍ لأَنها تُنْبِت إذاً قُسِّمَتْ شقينِ، ويأكلُ في عامِهِ نصفَ مَا جمعَ، ويستبقي سائِرَهُ عُدَّةً.
قال ابن العربي في «أحكامه «٢» » : ولا خلافَ عندَ العُلَمَاءِ في أَنَّ الحيواناتِ كلَّها لَهَا أفهامٌ وعقولٌ، وقد قال الشافعيُّ: الحمَامُ أعقلُ الطَّيرِ، انتهى.
وقوله: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ معناه: يَصْلُحُ لنا ونَتَمَنَّاهُ ولَيستْ على العموم.
ثُمَّ ذَكَرَ شُكْرَ فَضلِ الله تعالى، واخْتُلِفَ في مقدار جُنْدِ سُليمانَ عليه السلام اختلافاً شديداً لا أرَى ذكرَه لعَدَمِ صحةِ التَّحدِيدِ، غيرَ أنَّ الصَّحِيحَ في هذا أنَّ مُلكَه كَانَ عَظيماً مَلأَ الأَرْضَ، وانقادت له المعمُورةُ كُلُّها، وَكَانَ كُرسيُّه يَحملُ أجْنَادَه من الأنسِ والجنِّ، وكانتِ الطيرُ تُظِلُّه منَ الشمس، ويبعثها في الأمور، ويُوزَعُونَ مَعناهُ: يَرُدُّ أولهُم إلى آخرهم، ويكُفُّونَ، قال قَتَادَةُ: فكأنَّ لِكُلِّ صَنْفٍ/ «٣» وَزْعَةً، ومنه قَوْلُ الحسن البصريّ حين ولي ٥١ ب قضَاءَ البَصْرَةِ: لا بدَّ للحَاكِم من وَزْعَةً «٤» ، ومنه قَوْلُ أبي قُحَافَةَ للجاريةِ: ذلك يا بنيّة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عِلْمًا بِالقَضاءِ وبِكَلامِ الطَّيْرِ والدَّوابِّ وتَسْبِيحِ الجِبالِ ﴿ وَقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا ﴾ بِالنُّبُوَّةِ والكِتابِ وإلانَةِ الحَدِيدِ وتَسْخِيرِ الشَّياطِينِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ أشَدَّ تَعَبُّدًا مِن سُلَيْمانَ، وكانَ سُلَيْمانُ أعْظَمَ مُلْكًا مِنهُ وأفْطَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ أيْ: ورِثَ نُبُوَّتَهُ وعِلْمَهُ ومُلْكَهُ، وكانَ لِداوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، فَخَصَّ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ، ولَوْ كانَتْ وِراثَةُ مالٍ لَكانَ جَمِيعُ أوْلادِهِ فِيها سَواءً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي سُلَيْمانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " عَلَّمْنا " بِفَتْحِ العَيْنِ واللّامِ.
قالَ الفَرّاءُ: ﴿ مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴾ : كَلامُ الطَّيْرِ كالمَنطِقِ إذا فُهِمَ، قالَ الشّاعِرُ: عَجِبْتُ لَها أنّى يَكُونُ غِناؤُها فَصِيحًا ولَمْ تَفْغَرْ ( تَفْتَحْ ) بِمَنطِقِها فَما وَمَعْنى الآيَةِ: فَهِمْنا ما تَقُولُ الطَّيْرُ.
قالَ قَتادَةُ: والنَّمْلُ مِنَ الطَّيْرِ.
﴿ وَأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ أنَّ يُؤْتاهُ الأنْبِياءُ والنّاسُ.
وَقالَ مُقاتِلٌ: أعْطَيْنا المُلْكَ والنُّبُوَّةَ والكِتابَ والرِّياحَ ومَنطِقَ الطَّيْرِ، وسُخِّرَتْ لَنا الجِنُّ والشَّياطِينُ.
وَرَوى جَعْفَرُ بْنً مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: أُعْطِيَ سُلَيْمانُ مُلْكَ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، فَمَلَكَ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وسِتَّةَ أشْهُرٍ، ومُلْكَ أهْلِ الدُّنْيا كُلِّهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والشَّياطِينِ والدَّوابِّ والطَّيْرِ والسِّباعِ، وأُعْطِيَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ ومَنطِقَ كُلِّ شَيْءٍ، وفي زَمانِهِ صُنِعَتِ الصَّنائِعُ المُعَجِّبَةُ، فَذَلِكَ قَوْله: ﴿ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: الَّذِي أعْطَيْنا ﴿ لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ ﴾ أيِ: الزِّيادَةُ الظّاهِرَةُ عَلى ما أُعْطِي غَيْرُنا.
﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ كُلُّ صِنْفٍ مِن جُنْدِهِ عَلى حِدَةٍ، وهَذا كانَ في مَسِيرٍ لَهُ، ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آَخِرِهِمْ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الوَزْعِ: الكَفُّ والمَنعُ.
يُقالُ: وزِعْتُ الرَّجُلَ، أيْ: كَفَفْتُهُ، ووازِعُ الجَيْشِ: الَّذِي يَكُفُّهم عَنِ التَّفَرُّقِ، ويَرُدُّ مَن شَذَّ مِنهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا ﴾ أيْ: أشْرَفُوا ﴿ عَلى وادِ النَّمْلِ ﴾ وفي مَوْضِعِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِالطّائِفِ، قالَهُ كَعْبٌ.
والثّانِي: بِالشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: " نَمُلَةٌ " بِضَمِّ المِيمِ؛ أيْ: صاحَتْ بِصَوْتٍ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مَفْهُومًا عَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ؛ ولَمّا نَطَقَ النَّمْلُ كَما يَنْطِقُ بَنُو آَدَمَ، أُجْرِيَ مَجْرى الآدَمِيِّينَ، فَقِيلَ: ﴿ ادْخُلُوا ﴾ ، وألْهَمَ اللَّهُ تِلْكَ النَّمْلَةَ مَعْرِفَةَ سُلَيْمانَ مُعْجِزًا لَهُ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ النَّمْلَ كَثِيرًا مِن مَصالِحِها تَزِيدُ بِهِ عَلى الحَيَواناتِ، فَمِن ذَلِكَ أنَّها تَكْسِرُ كُلَّ حَبَّةٍ تَدَّخِرُها قِطْعَتَيْنِ لِئَلّا تَنْبُتَ، إلّا الكُزْبَرَةَ فَإنَّها تَكْسِرُها أرْبَعَ قِطَعٍ، لِأنَّها تَنْبُتُ إذا كُسِرَتْ قِطْعَتَيْنِ، فَسُبْحانَ مَن ألْهَمَها هَذا!
وَفِي صِفَةِ تِلْكَ النَّمْلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ النَّعْجَةِ، قالَ نُوفُ الشّامِيُّ: كانَ النَّمْلُ في زَمَنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ كَأمْثالِ الذِّئابِ.
والثّانِي: كانَتْ نَمْلَةً صَغِيرَةً.
﴿ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " مَسْكَنَكم " عَلى التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ الحَطْمُ: الكَسْرُ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ: " لَيَحْطِمَنَّكم " بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " لا يَحْطِمْكم " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ وسُكُونِ المِيمِ وحَذْفِ النُّونِ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وأبانُ: " يَحْطمَنكم " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ والنُّونِ ساكِنَةً أيْضًا والطّاءُ خَفِيفَةٌ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو مِجْلَزٍ: " لا يَحِطِّمَنَّكم " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ والنُّونِ جَمِيعًا.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " يُحْطِمَنَّكم " بِرَفْعِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
والحَطْمُ: الكَسْرُ، والحُطامُ: ما تَحَطَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ: سَمِعَ سُلَيْمانُ كَلامَها مِن ثَلاثَةِ أمْيالٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وأصْحابُ سُلَيْمانَ لَمْ يَشْعُرُوا بِكَلامِ النَّمْلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: وأصْحابُ سُلَيْمانَ لا يَشْعُرُونَ بِمَكانِكم، أنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُلْكٌ لا بَغْيَ فِيهِ، وأنَّهم لَوْ عَلِمُوا بِالنَّمْلِ ما تَوَطَّؤُوهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ضاحِكًا ﴾ مَنصُوبٌ، حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِأنَّ " تَبَسَّمَ " بِمَعْنى " ضَحِكَ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِمّا قالَتْ، وقِيلَ: مِن ثَنائِها عَلَيْهِ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن عَجائِبِ القُرْآَنِ، لِأنَّها بِلَفْظَةِ " يا " نادَتْ " أيُّها " نَبَّهَتِ " النَّمْلَ " عَيَّنَتْ " ادْخُلُوا " أمَرَتْ " مَساكِنَكم " نَصَّتْ ﴿ لا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ حَذَّرَتْ ﴿ سُلَيْمانُ ﴾ خَصَّتْ ﴿ وَجُنُودُهُ ﴾ عَمَّتْ ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ عَذَرَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ألْهِمْنِي، أصْلُ الإيزاعِ: الإغْراءُ بالشَّيْءِ، يُقالُ: أوْزَعْتُهُ بِكَذا، أيْ: أغْرَيْتُهُ بِهِ، وهو مُوَزَّعٌ بِكَذا، ومُولَعٌ بِكَذا.
وقالَ الزَّجّاجُ.
تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ: كُفَّنِي عَنِ الأشْياءِ إلّا عَنْ شُكْرِ نِعْمَتِكَ؛ والمَعْنى: كُفَّنِي عَمّا يُباعِدُ مِنكَ، ﴿ وَأنْ أعْمَلَ ﴾ أيْ: وَألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ ﴿ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما شَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ الرِّيحَ أبْلَغَتْ إلَيْهِ صَوْتَها فَفَهِمَ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَمْلِ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصالِحِينَ ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ وجُنُودُهُ كانُوا مُشاةً في الأرْضِ، ولِذَلِكَ يَتَّفِقُ حَطْمُ النَمْلِ [بِنُزُولِهِمْ في وادِي النَمْلِ]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا في الكُرْسِيِّ المَحْمُولِ بِالرِيحِ، وأحَسَّتِ النَمْلُ بِنُزُولِهِمْ في وادِ النَمْلِ [وَوادِي النَمْلِ قِيلَ: بِالشامِ، وقِيلَ بِأقْصى اليَمَنِ، وهو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ مَذْكُورٌ في أشْعارِها].
وأمالَ أبُو عَمْرٍو الواوَ مِن "وادِي"، والجَمِيعُ فَخَّمَ، وبِالإمالَةِ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ.
وقَرَأ المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ: "النَمْلُ" بِضَمِّ المِيمِ كالشَمْسِ، و[قالَتْ نَمْلَةٌ] أيْضًا بِالضَمِّ كَسُمْرَةَ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا ضَمُّ النُونِ والمِيمِ مِنَ "النَمْلِ".
وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: كانَ ذَلِكَ النَمْلُ عَلى قَدْرِ الذُبابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ صِغارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُقالُ في هَذا أنَّ النَمْلَ كانَتْ نِسْبَتُها مِن هَذا الخَلْقِ نِسْبَةَ هَذا النَمْلِ مِنّا، فَيُحْتَمَلُ أنْ كانَ الخَلْقُ كُلُّهُ أكْمَلَ.
وهَذِهِ النَمْلَةُ قالَتْ هَذا المَعْنى -الَّذِي لا يَصْلُحُ لَهُ إلّا هَذِهِ العِبارَةُ- قَوْلًا فَهِمَهُ عنها النَمْلُ، فَسَمِعَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى بُعْدِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّها أمَرَتْهم بِما يُؤْمَرُ بِهِ مَن يَعْقِلُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ فَتَبَسَّمَ مِن قَوْلِها.
والتَبَسُّمُ ضِحْكُ الأنْبِياءِ في غالِبِ أمْرِهِمْ، لا يَلِيقُ بِهِمْ سِواهُ.
وكانَ ضَحِكُهُ سُرُورًا، واخْتَلَفَ بِمَ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في إسْماعِهِ وتَفَهُّمِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنَبَأِ النَمْلَةِ عَلَيْهِ وعَلى جُنُودِهِ في أنْ نَفَتْ عنهم تَعَمُّدَ القَبِيحِ مِنَ الفِعْلِ، فَجَعَلَتِ الحَطْمَ وهم لا يَشْعُرُونَ.
وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "مَسْكَنِكُمْ" بِسُكُونِ السِينِ عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ "مَساكِنُكُنَّ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَحْطِمَنَّكُمْ" بِشَدِّ النُونِ وسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وفي رِوايَةِ عُبَيْدَةَ: "لا يَحْطِمَنكُمْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "لا يُحَطِّمَنَّكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الطاءِ وشَدِّها وشَدِّ النُونِ، وعنهُ أيْضًا "لا يَحِطِّمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "لا يَحْطِمْكُمْ" مُخَفَّفَةً بِغَيْرِ نُونٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "لا يَحْطِمَنَكُمْ" مُخَفَّفَةَ النُونِ الَّتِي قَبِلَ الكافِ.
و"ضاحِكًا" نَصَبَ عَلى الحالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "ضَحِكًا"، وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ [بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ"تَبَسَّمَ"، كَأنَّهُ قالَ: "ضَحِكَ ضَحِكًا"، وهَذا مَذْهَبُ صاحِبِ الكِتابِ، أو يَكُونُ مَنصُوبًا بِنَفْسِ "تَبَسَّمَ" لِأنَّهُ في مَعْنى (ضَحِكَ)].
ثُمَّ دَعا سُلَيْمانُ -عَلَيْهِ السَلامُ- رَبَّهُ في أنْ يُعِينَهُ اللهُ تَعالى ويُفَرِّغَهُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، وهَذا هو مَعْنى إيزاعِ الشُكْرِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
صيغة التفعُّل تدل على التكلف، والتكلف: الطلب.
واشتقاق ﴿ تفقّد ﴾ من الفَقْد يقتضي أن ﴿ تفقّد ﴾ بمعنى طلب الفَقد.
ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد، أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء، فالتفقد: البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيراً من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل، ومنه الهُدهد أيضاً لمعرفة الماء، ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفد الزاد.
وللطير جنود يقومون بشؤونها.
وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها.
والمعنى: تفقَّد الطيرَ في جملة ما تفقده، فقال لمن يلون أمر الطير: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد ﴾ .
ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية، أو بمن يكل إليه ذلك، فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال.
و ﴿ الهُدهد ﴾ : نوع من الطير وهو ما يقرقر، وفي رائحته نتن وفوق رأسه قَزَعة سوداء، وهو أسود البراثن، أصفر الأجفان، يقتات الحبوب والدود، يرى الماء من بُعد ويحس به في باطن الأرض، فإذا رَفرف على موضع عُلم أن به ماء، وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان.
قال الجاحظ: يزعمون أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها.
وقوله: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد ﴾ استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد، ف ﴿ ما ﴾ استفهام.
واللام من قوله: ﴿ لي ﴾ للاختصاص.
والمجرور باللام خبر عن ﴿ ما ﴾ الاستفهامية.
والتقدير: ما الأمر الذي كان لي.
وجملة: ﴿ لا أرى الهدهد ﴾ في موضع الحال من ياء المتكلم المجرورة باللام، فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال، أي عن المانع لرؤية الهدهد.
والكلام موجه إلى خفرائه، يعني: أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة نظري أم من اختفاء الهدهد؟
فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد.
و ﴿ أم ﴾ منقطعة لأنها لم تقع بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها تعيين أحد الشيئين.
و ﴿ أم ﴾ لا يفارقها تقدير معنى الاستفهام بعدها، فأفادت هنا إضراب الانتقال من استفهام إلى استفهام آخر.
والتقدير: بل أكان من الغائبين؟
وليست ﴿ أم ﴾ المنقطعة خاصة بالوقوع بعد الخبر بل كما تقع بعد الخبر تقع بعد الاستفهام.
وصاحب «المفتاح» مثَّل بهذه الآية لاستعمال الاستفهام في التعجب والمثال يكفي فيه الفرض.
ولما كان قول سليمان هذا صادراً بعد تقصّيه أحوال الطير ورجح ذلك عنده أنه غاب فقال: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه ﴾ لأن تغيبه من دون إذن عصيان يقتضي عقابه، وذلك موكول لاجتهاد سليمان في المقدار الذي يراه استصلاحاً له إن كان يرجى صلاحه، أو إعداماً له لئلا يلقِّن بالفساد غيرَه فيدخل الفساد في الجند وليكون عقابه نكالاً لغيره.
فصمم سليمان على أنه يفعل به عقوبة جزاء على عدم حضوره في الجنود.
ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عُيّن له من عمل أو تغيب عنه.
وأما عقوبة الحيوان فإنما تكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله.
قال القرافي في «تنقيح الفصول» في آخر فصوله: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهرّ الموذي هل يجوز؟
فكتب وأنا حاضر: إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل اه.
قال القرافي: فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا تُرك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه، واحترز بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله.
قال القرافي: وقال أبو حنيفة: إذا آذت الهرة وقصد قتلها لا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسى حادة لقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة " اه.
وقال الشيخ ابن أبي زيد في «الرسالة»: ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يُقدَر على تركها.
فقول سليمان ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ شريعة منسوخة.
أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير، وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش.
و ﴿ أو ﴾ تفيد أحَدَ الأشياء فقوله: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ جعله ثالث الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من عذر في التخلف مقبول.
والسلطان: الحجة.
والمبين: المظهر لحق المحتج بها.
وهذه الزيادة من النبي سليمان استقصاء للهدهد في حقه لأن الغائب حجته معه.
وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين ﴿ لأعذبنه لأذبحنه ﴾ باللام الموكدة التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليَعلم الجند ذلك حتى إذا فُقِد الهدهد ولم يرجع يكون ذلك التأكيد زاجراً لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فَعْلته فينالهم العقاب.
وأما تأكيد جملة: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ فلإفادة تحقيق أنه لا منجى له من العقاب إلا أن يأتي بحجة تبرّر تغيبه، لأن سياق تلك الجملة يفيد أن مضمونها عديل العقوبة.
فلما كان العقاب مؤكّدا محققاً فقد اقتضى تأكيد المخرج منه لئلا يبرئه منه إلا تحقق الإتيان بحجة ظاهرة لئلا تتوهم هوادةٌ في الإدلاء بالحجة فكان تأكيد العديل كتأكيد مُعادله.
وبهذا يظهر أن ﴿ أو ﴾ الأولى للتخيير و ﴿ أو ﴾ الثانية للتقسيم.
وقيل جيء بتوكيد جملة: ﴿ ليأتيني ﴾ مشاكلة للجملتين اللتين قبلها وتغليباً.
واختاره بعض المحققين وليس من التحقيق.
وكتب في المصاحف ﴿ لا أذبحنه ﴾ بلاَم ألففٍ بعدها ألفٌ حتى يخال أنه نفي الذبح وليس بنفي، لأن وقوع نون التوكيد بعده يؤذن بأنه إثبات إذ لا يؤكد المنفي بنون التأكيد إلا نادراً في كلامهم، ولأن سياق الكلام والمعنى حارس من تطرق احتمال النفي، ولأن اعتماد المسلمين في ألفاظ القرآن على الحفظ لا على الكتابة، فإن المصاحف ما كتبت حتى قرئ القرآن نَيِّفاً وعشرين سنة.
وقد تقع في رسم المصحف أشياء مخالفة لما اصطلح عليه الراسمون من بعد لأن الرسم لم يكن على تمام الضبط في صدر الإسلام وكان اعتماد العرب على حوافظهم.
وقرأ ابن كثير: ﴿ أو ليأتينَّني ﴾ بنونين، الأولى مشددة وهي نون التوكيد، والثانية نون الوقاية.
وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة بحذف نون الوقاية لتلاقي النونات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ ﴾ قِيلَ إنَّ سُلَيْمانَ كانَ إذا سافَرَ أظَلَّهُ الطَّيْرُ مِنَ الشَّمْسِ، فَأخَلَّ الهُدْهُدُ بِمَكانِهِ، فَبانَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنهُ بُعْدُهُ عَنْهُ، وكانَ دَلِيلُهُ عَلى الماءِ، وقِيلَ: إنَّ الأرْضَ كانَتْ كالزُّجاجِ لِلْهُدْهُدِ، يَرى ما تَحْتَها فَيَدُلُّ عَلى مَواضِعِ الماءِ حَتّى يَحْضُرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانُوا إذا سافَرُوا نَقَرَ لَهُمُ الهُدْهُدُ عَنْ أقْرَبِ الماءِ في الأرْضِ، فَقالَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ: فَكَيْفَ يَعْلَمُ أقْرَبَ الماءِ إلى الأرْضِ ولا يَعْلَمُ بِالفَخِّ حَتّى يَأْخُذَهُ بِعُنُقِهِ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ يا نافِعُ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ إذا جاءَ القَدَرُ ذَهَبَ الحَذَرُ؟
فَقالَ سُلَيْمانُ عَنْ زَوالِ الهُدْهُدِ عَنْ مَكانِهِ ﴿ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ ﴾ أيِ انْتَقَلَ عَنْ مَكانِهِ أمْ غابَ.
﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَتَفَ رِيشَهُ حَتّى لا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنْ يُحَوِّجَهُ إلى جِنْسِهِ.
الثّالِثُ: أنْ يَجْعَلَهُ مَعَ أضْدادِهِ.
﴿ أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
الثّانِي: بِعُذْرٍ ظاهِرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ حتى إذا أتوا على وادِ النمل ﴾ قال: ذكر لنا أنه واد بأرض الشام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت من الطير ذات جناحين، ولولا ذلك لم يعرف سليمان ما تقول.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: النمل من الطير.
وأخرج البخاري في تاريخه، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن نوف قال: كان النمل في زمن سليمان بن داود أمثال الذباب.
وفي لفظ مثل الذباب.
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم قال: كان النمل في زمان سليمان أمثال الذباب.
وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال: أمر الله الريح قال: «لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء في الأرض بينهم إلا حملته فوضعته في أذن سليمان» فبذلك سمع كلام النملة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن التبسم في الصلاة، فقرأ هذه الآية ﴿ فتبسم ضاحكاً من قولها ﴾ وقال: لا أعلم التبسم إلا ضحكاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أوزعني ﴾ قال: ألهمني.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ﴾ قال: مع الأنبياء والمؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ ﴾ قال ابن عباس: فتألى ليعذبنه؛ قال: والله لأعذبنه عذاباً شديدًا، قال: يريد النتف، نتف ريشه، وهو أن ينتفه ثم يلقيه بالأرض، فلا يمتنع من نملة، ولا من شيء من هوام الأرض (١) (٢) وقال مقاتل: يعني: لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطير حولًا (٣) قوله: ﴿ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ أي: بحجة بينة في غيبته (٤) (٥) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ لَيَأْتِيَنِّي ﴾ ليست بموضع قسم؛ لأنه عذر للهدهد في دفع الذبح والعذاب عنه، فلم يكن ليقسم على أن يأتي بعذر، ولكنه لما جاء بها في إثْر (٦) (٧) (٨) ﴿ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ فاللام الأولى دخلت لـ: لو، والثانية على المحاذاة والمعارضة.
(١) "تفسير هود الهواري" 3/ 250، ولم ينسبه.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2862، عن قتادة.
وذكره الثعلبي 8/ 124 ب.
واستظهر هذا القول البغوي 6/ 153.
(٢) "تفسير مجاهد" 2/ 470، عن مجاهد، وعبد الله بن شداد.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 79، عن ابن عباس، وقتادة، وعبد الله بن شداد وأخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد.
وأخرجه ابن جرير 19/ 145، عن ابن عباس، من طرق، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2862، عن ابن عباس، وعبد الله بن شداد وقال به ابن قتيبة في "غريب القرآن" 323.
(٣) "تفسير مقاتل" 58 أ.
قال ابن كثير: اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على كل تقدير.
"البداية والنهاية" 2/ 21.
(٤) "تفسير مقاتل" 58 أ.
و"هود الهواري" 3/ 250، منسوبًا لابن عباس.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 113، ولم ينسبه.
أخرج ابن جرير 19/ 146، وابن أبي حاتم 9/ 2863، عن ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
(٥) "السبعة في القراءات" 479، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 145.
و"المبسوط في القراءات العشر".
و"الحجة" 5/ 380، و"النشر" 2/ 3370 قال الأزهري: من قرأ: بنونين، ثقل النون للتأكيد، وجاء بنون أخرى للإضافة.
"معاني القراءات" 2/ 235.
قال الداني: في مصاحف أهل مكة ﴿ أَوْ لَيَأْتِيَنني ﴾ بنونين، وفي سائر المصاحف بنون واحدة.
"المقنع" 106.
(٦) قال ابن السكيت: خرجت في أَثَره، وإثْره.
وقال ابن الأعرابي: جاء في أَثَره، وإِثْره.
"تهذيب اللغة" 15/ 121 (أثر).
(٧) يعني: أن اللام لما دخلت على: ﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ ﴾ و ﴿ لَأَذْبَحَنَّهُ ﴾ ، لكونها في موضع قسم دخلت على: ﴿ لَيَأْتِيَنِّي ﴾ من باب: المحاذاة والمعارضة.
والله تعالى أعلم.
(٨) في نسخة، (ج): (وزن).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتَفَقَّدَ الطير ﴾ اختلف الناس في معنى تفقده للطير، فقيل: ذلك لعنايته بأمور ملكه، وقيل: لأن الطير كانت تظله فغاب الهدهد فدخلت الشمس عليه من موضعه ﴿ أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين ﴾ أم منقطعة، فإنه نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، ﴿ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد ﴾ أي لا أراه ولعله حاضر وستره ساتر، ثم علم بأنه غائب فأخبر بذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني آنست ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ بشهاب ﴾ منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس.
الباقون بالإضافة ﴿ من في النار ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص".
الوقوف: ﴿ طس ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ هدى ﴾ حال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ أو هو مرفوع بدلاً من ﴿ الآيات ﴾ أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ط تنصيصاً على أن ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ مستأنف ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه ﴿ تصطلون ﴾ ﴿ حولها ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء ﴿ عصاك ﴾ ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ﴿ ولم يعقب ﴾ ط لابتداء النداء ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً.
﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وقومه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ج ه للآية والعطف ﴿ وعلواً ﴾ ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم ﴿ المفسدين ﴾ ه.
التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين.
فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير.
فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر".
ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب.
قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف.
وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط.
ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق.
وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة.
ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم.
ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات.
ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ ملابسة ظاهرة للتزيين.
ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب ﴿ فهم يعمهون ﴾ يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن ﴿ لهم سوء العذاب ﴾ أي القتل والأسر كيوم بدر.
ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم.
و ﴿ إذ قال ﴾ منصوب بـ ﴿ عليم ﴾ أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن.
والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله.
وفي قوله ﴿ سآتيكم ﴾ مع قوله في "طه" و "القصص" ﴿ لعلي آتيكم ﴾ دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره.
قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله ﴿ فلما جاءها ﴾ وقد قال في "طه" و"القصص" ﴿ فلما أتاها ﴾ ﴿ نودي ﴾ لأنه كرر لفظ ﴿ آتيكم ﴾ ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى.
و ﴿ أن ﴾ مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها.
قال جار الله: معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص ﴿ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة ﴾ وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه.
وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله مروي عن ابن عباس.
وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة.
وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة.
وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة.
وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم.
وفي قوله ﴿ وسبحان الله رب العالمين ﴾ تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين.
والهاء في ﴿ إنه ﴾ إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم ﴿ انا ﴾ وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً.
وقوله ﴿ وألق عصاك ﴾ معطوف على ﴿ بورك ﴾ وكلاهما تفسير ﴿ نودي ﴾ والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى ﴿ لم يعقب ﴾ لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.
وإنما اقتصر ههنا على قوله ﴿ لا تخف ﴾ ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم.
ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة".
وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله ﴿ أني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ إلى أن موسى قد جعل رسولاً.
ومنها أنه أشار بقوله ﴿ إلا من ظلم ﴾ إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى ﴿ رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي ﴾ وقرئ "الا" بحرف التنبيه.
ومنها أنه أشار بقوله ﴿ ثم بدل ﴾ معطوفاً على ﴿ ظلم ﴾ إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً.
ومنها أنه أشار بقوله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخر *** وكقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز.
قوله ﴿ وأدخل يدك ﴾ وفي "القصص" ﴿ اسلك يدك ﴾ موافقة لأضمم ولأن المبالغة في ﴿ أدخل ﴾ أكثر منها في ﴿ أسلك ﴾ لأن سلك لازم ومتعد.
وهناك قال ﴿ فذانك برهانان ﴾ وههنا قال ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ.
قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات.
أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون.
وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ دون أن يقول ﴿ وملئه ﴾ كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ إلى قوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح.
ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه.
والواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ للحال وقد مضمرة وفي زيادة ﴿ انفسهم ﴾ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان.
وقوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما.
وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم.
التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره ﴿ وكتاب مبين ﴾ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين ﴿ زيناً لهم أعمالهم ﴾ الدنيوية النفسانية ﴿ فهم يعمهون ﴾ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال "حبك للشيء يعمي ويصم" فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى.
وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي.
وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي بقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لا من عند جبريل بل ﴿ من لدن حكيم ﴾ تجلى لقلبك بحكمة القرآن ﴿ عليم ﴾ يعلم حيث يجعل رسالته.
ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها ﴿ إني آنست ناراً ﴾ بوادي أيمن السر ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ بتلك النار عن جمود الطبيعة ﴿ فلما جاءها ﴾ على قدمي الشوق وصدق الطلب ﴿ نودي ﴾ من الشجرة الروحانية ﴿ أن بورك من في ﴾ نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴿ ومن حولها ﴾ كالفراش يريد أن يقع فيها و ﴿ ألق ﴾ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ﴿ ولى مدبراً ﴾ هارباً إلى الله ﴿ ولم يعقب ﴾ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ ﴿ لا تخف ﴾ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله ﴿ إلاَّ من ظلم ﴾ نفسه بالرجوع إلى الغير ﴿ وأدخل ﴾ يد همتك في جيب قناعتك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية من لوث الدارين ﴿ في تسع آيات ﴾ من أسباب هلاك النفس وصفاتها ﴿ فانظر كيف كان عاقبة ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : فيه وجهان من الاستدلال: أحدهما: في خلق أفعال العباد.
والثاني: في ترك الأصلح.
أمّا الاستدلال على خلق الأفعال: لأنه قال: ﴿ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ﴾ ، وقال على أثره: ﴿ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ ﴾ ، وقال في رسول الله ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ ، وقال: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ ، ونحوه من الآيات فيما أضاف التعليم والفعل إلى نفسه، فلو لم يكن له في ذلك صنع لم يكن لإضافة ذلك إليه معنى؛ فدل أنه خلق أفعالهم منهم.
فإن قيل: إنما أضاف ذلك إلى نفسه بالأسباب التي أعطاهم.
قيل: لا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أعطى رسول الله جميع أسباب الشعر، ولم يكن غيره من الشعراء أحق بأسباب الشعر من رسول الله ثم أخبر أنه لم يعلمه الشعر؛ دل أنه لم يرد به الأسباب، ولكن أراد ما ذكرنا.
وأما في ترك الأصلح: فهو ما ذكر من قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، أنه إنما ذكر هذا على الامتنان والإفضال، فلو كان لا يجوز له ألاَّ يعطيه ذلك، ولا كان له ترك ما فعل بهم من الإفضال - لم يكن لذكر ذلك له على الإفضال والامتنان معنى، ولا كان داود وسليمان يحمدانه على ما أعطاهما، ولا كان هو يستوجب الحمد بذلك؛ إذ فعل ما عليه أن يفعل؛ دل أنه إنما أعطى ذلك لهم وفعل بهم ذلك على جهة الإفضال والامتنان، وكان له ترك ما فعل، وإن كان ذلك ليس أصلح في الدين.
فهذان الوجهان ينقضان على المعتزلة مذهبهم في إنكارهم خلق الأفعال، وجواز ترك الأصلح في الدين.
ثم قوله: ﴿ عِلْماً ﴾ : قال بعضهم: علما بالقضاء والحكم والعلم بكلام الطير والدواب.
وقال بعضهم: فضلا بالنبوة والعلم.
لكن عندنا ذكر أنه آتاهما العلم، ولم يبين ما ذلك العلم أنه علم ماذا؟
مخافة الكذب على الله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ : قال أهل التأويل: ورث النبوة والحكم، والوارث: هو الباقي بعد هلاك الآخر وفنائه، كقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ أي: نبقى بعد هلاك أهلها وفنائهم، وقوله: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ أي: الباقون بعد فنائهم، إلا أنه ورث شيئاً لم يكن له من قبل؛ وكذلك قوله: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 27]، أي: أبقاكم وترككم في أرضهم وديارهم، وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا ﴾ أي: أبقيتم فيها، وأمثال ذلك كله راجع إلى البقاء؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ أي: بقي في ملكه ونبوته؛ وعلى ذلك ما سأل زكريا ربه من الولد حيث قال: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ لا يحتمل أن يسأل ربه ولدا يرث ماله من بعد وفاته، ولكن كأنه سأل ربه الولد؛ ليبقى في نبوته ورسالته بعد وفاته؛ لتبقى النبوة في نسله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : لا يحتمل أن يذكر هذا - صلوات الله عليه - على الافتخار والنباهة، ولكن ذكر فضل الله ونعمه التي أعطاه ومنّ عليه؛ كقوله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ ، ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : لا يحتمل كل شيء؛ لأنهم لم يؤتوا كل شيء حتى لم يبق شيء، إنما أوتوا شيئاً دون شيء، ولكن كأنه قال: وأوتينا من كل شيء سألناه أن يؤتينا.
أو أن يكون ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مما يؤتى الأنبياء والملوك وما يحتاج إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يحبس أولهم على آخرهم؛ كأنه لا يدعهم أن ينتشروا ويتفرقوا، ولكن يسيرهم مجموعين على كل صنف منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم، وذلك من سيرة الملوك وأمراء العساكر أن يسيروا جنودهم مجموعة غير منتشرة ولا متفرقة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يساقون، ويقال: أوزعني، أي: ألهمني، والوزع: من الكف والسوق، تقول: وزع، أي: كف، ووزع، أي: ساق.
وقال مرة: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ : يجتمعون، يقال: وزعت الإبل - أي: جمعتها - أزع وزعاً.
وقال القتبي: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ ، أي: يدفعون، وأصل الوزع: الكف والمنع، يقال: وزعت الرجل إذا كففته، ووازع الجيش: هو الذي يكفهم عن التفرق والانتشار، وهو على ما ذكر.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ﴾ : هذا يدل أن النمل وقتئذ لا تخالط الناس؛ حيث أضاف الوادي إليها بقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ﴾ ، ولو كانت تخالط الناس كهي الآن لقال: حتى إذا أتوا على الوادي الذي فيه النمل؛ دل أنها كانت لا تخالط الناس، وكان لها مكان على حدة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : يخرج قوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ على وجهين: على حقيقة القول من النملة كما يكون من البشر، أطلع الله سليمان على ذلك، وألقاه على مسامعه؛ لطفاً منه وفضلا من بين سائر الخلائق على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...
﴾ الآية [الإسراء: 44].
والثاني: أن يجعل الله في سرية النمل معنى يفهم بعضها من بعض لما يريدون فيما بينهم من أنواع الحوائج على غير حقيقة القول، أطلع الله سليمان على ذلك؛ حتى فهم منها ما كانت تفهم بعضها من بعض لطفاً منه وفضلا؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ ، ليس أحد يقول لآخر إذا تصدق عليه ذلك، لكن الله أخبر عما علم من ضميرهم ومرادهم من التصدق على غير حقيقة القول منهم؛ فعلى ذلك قول النملة، أخبر سليمان عما كان في سريتها فيما بينهم من غير أن كان منها نطق أو كلام يفهم منه الخلق، والله أعلم.
وقالت الباطنية: ليس المراد من ذكر النمل: النملة المعروفة وقولها؛ وكذلك قالوا في الهدهد: إنه لم يرد به: الهدهد المعروف؛ إذ لا يجوز للهدهد من العلم أكثر مما يكون لسليمان ولغيره، ولكن أراد به: الرجل، وهو الإمام الذي يدعو الناس إلى الهدى، ويدلهم على الرشد.
وليس كما قالوا؛ لأنه إنما ذكر هذا على التعجب، ولو كان ذلك إنساناً ممن يكون له قول وكلام، لم يكن لذكر ذلك منه كبير تعجيب ولا فائدة؛ دل أنه ليس كما قالوا.
وقوله: ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يكسرنكم، والحطم: هو الكسر.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ لا يحطمكم ﴾ على طرح النون والتشديد.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : قال بعضهم: هذا من النملة ثناء على سليمان ومدح عليه لعدله في ملكه وسلطانه: أنه لو شعر بكم، لم يحطمكم ولم يهلككم.
وقال بعضهم: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي: لا يشعر جنوده كلام النملة، وهذا يدل أن النملة كانت رئيسة سائر النمل وسيدته؛ حيث قالت ذلك من بين غيرها من النمل، وعلى كل رئيس وسيد للقوم أن يحفظ رعيته وحواشيه عما يحملهم على الفساد.
وقول من قال: إن النمل يومئذ كان كالذباب عظيماً، لا يحتمل؛ لأنها لو كانت كما ذكر لم يكن لقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ معنى؛ لأنها لو كانت كالذباب يشعرون بها، فدل أنها كانت على ما هي اليوم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ﴾ : قال بعضهم: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ﴾ أي: سبح الله لما فهم من قول النمل وحمده عليه، وتبسم الأنبياء: التسبيح.
وجائز أن يكون التبسم: هو السرور؛ إذ التبسم إنما يكون لسرور يدخل في الإنسان، فقوله: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ﴾ أي: سرّ بما أعطاه الله من عظم النعمة له والملك؛ ألا ترى أنه سأل ربه الإلهام؛ ليشكر نعمه التي آتاه الله حيث قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ ، سأل ربه الإلهام واللطف الذي يكون منه؛ ليشكر نعمه، ولو كان الإلهام هو الإعلام على ما قاله بعض الناس، لم يكن سليمان ليسأله ذلك؛ لأنه كان يعلم أن عليه شكر نعمه؛ وكذلك يعلم كل أحد أن عليه شكر منعمه، فدل سؤاله الإلهام على الشكر أنه إنما سأل اللطف الذي عنده به يشكر نعمه إذا أعطاه، وهو التوفيق، لا الإعلام الذي قالوه.
وقوله: ﴿ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ فيه أنه يجب على المرء شكر النعم التي أنعم الله على والديه.
وسأل ربه - أيضاً - أن يوفقه على العمل الذي يرضاه منه، حيث قال: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : جائز أن يكون سؤاله هذا بإدخاله فيما ذكر كسؤال يوسف حيث قال: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، سأل ربه التوفي على الإسلام والإلحاق بالصالحين؛ فعلى ذلك سؤال سليمان يشبه أن يخرج على ذلك.
ثم فيه دلالة أن النجاة ودخول الجنة إنما يكون برحمة الله لا بالعمل حيث قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ ﴾ بعدما سأل ربه العمل الصالح المرضي.
وقوله: ﴿ أَوْزِعْنِيۤ ﴾ أي: ألهمني، والإيزاع: الإلهام، والوزع: الكف والسوق.
وقال القتبي: وأصل الإيزاع: الإغراء بالشيء؛ يقال: أوزعته بكذا، أي: أغريته وهو موزع بكذا ومولع بكذا.
<div class="verse-tafsir"
فقال لما تبين له غيابه: لأعذبنّه عذابًا شديدًا، أو لأذبحنّه عقابًا له على غيابه، أو ليأتيني بحجة واضحة تبين عذره في الغياب.
<div class="verse-tafsir" id="91.vBZWD"