تفسير الآية ٣٨ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٣٨ من سورة النمل

قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ٣٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٨ من سورة النمل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان قال : فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت : قد - والله - عرفت ، ما هذا بملك ، وما لنا به من طاقة ، وما نصنع بمكاثرته شيئا ، وبعثت إليه : إني قادمة عليك بملوك قومي ، لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك .

ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه - وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ - فجعل في سبعة أبيات ، بعضها في بعض ، ثم أقفلت عليه الأبواب ، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها : احتفظ بما قبلك ، وسرير ملكي ، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله ، ولا يرينه أحد حتى آتيك .

ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن ، تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة .

فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة ، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ، ممن تحت يديه ، فقال : ( يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) .

وقال قتادة : لما بلغ سليمان أنها جائية ، وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه ، وكان من ذهب ، وقوائمه لؤلؤ وجوهر ، وكان مسترا بالديباج والحرير ، وكانت عليه تسعة مغاليق ، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم .

وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم فقال : ( يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) .

وهكذا قال عطاء الخراساني ، والسدي ، وزهير بن محمد : ( قبل أن يأتوني مسلمين ) فتحرم علي أموالهم بإسلامهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل العلم في الحين الذي قال فيه سليمان (يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) فقال بعضهم: قال ذلك حين أتاه الهدهد بنبأ صاحبة سبأ, وقال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ وأخبره أن لها عرشا عظيما, فقال له سليمان صلى الله عليه وسلم: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فكان اختباره صدقه من كذبه بأن قال لهؤلاء: أيكم يأتيني بعرش هذه المرأة قبل أن يأتوني مسلمين.

وقالوا إنما كتب سليمان الكتاب مع الهدهد إلى المرأة بعد ما صحّ عنده صدق الهدهد بمجيء العالم بعرشها إليه على ما وصفه به الهدهد, قالوا: ولولا ذلك كان محالا أن يكتب معه كتابا إلى من لا يدري, هل هو في الدنيا أم لا؟

قالوا: وأخرى أنه لو كان كتب مع الهدهد كتابا إلى المرأة قبل مجيء عرشها إليه, وقبل علمه صدق الهدهد بذلك, لم يكن لقوله له سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ معنى؛ لأنه لا يُلِم بخبره الثاني من إبلاغه إياها الكتاب, أو ترك إبلاغه إياها ذلك, إلا نحو الذي علم بخبره الأوّل حين قال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ قالوا: وإن لم يكن في الكتاب معهم امتحان صدقه من كذبه, وكان محالا أن يقول نبي الله قولا لا معنى له وقد قال: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ علم أن الذي امتحن به صدق الهدهد من كذبه هو مصير عرش المرأة إليه, على ما أخبره به الهدهد الشاهد على صدقه, ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إليها.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: إن سليمان أوتي ملكا, وكان لا يعلم أن أحدا أوتي ملكا غيره; فلما فقد الهدهد سأله: من أين جئت؟

ووعده وعيدا شديدا بالقتل والعذاب, قال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ قال له سليمان: ما هذا النبأ؟

قال الهدهد: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً بسبأ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ فلما أخبر الهدهد سليمان أنه وجد سلطانا, أنكر أن يكون لأحد في الأرض سلطان غيره, فقال لمن عنده من الجنّ والإنس: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) قال سليمان: أريد أعجل من ذلك (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) وهو رجل من الإنس عنده علم من الكتاب فيه اسم الله الأكبر, الذي إذا دعي به أجاب: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) فدعا بالاسم وهو عنده قائم, فاحتمل العرش احتمالا حتى وُضع بين يدي سليمان, والله صنع ذلك; فلما أتى سليمان بالعرش وهم مشركون, يسجدون للشمس والقمر, أخبره الهدهد بذلك, فكتب معه كتابًا ثم بعثه إليهم, حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتاب قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ...

إلى وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ فقالت لقومها ما قالت وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ قال: وبعثت إليه بوصائف ووصفاء, وألبستهم لباسا واحدا, حتى لا يعرف ذكر من أنثى, فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى, ثم رد الهدية, فإنه نبي, وينبغي لنا أن نترك ملكنا ونتبع دينه ونلحق به, فردّ سليمان الهدية وزيل بينهم, فقال: هؤلاء غلمان وهؤلاء جوار وقال: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ...

إلى آخر الآية.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ...

الآية; قال: وأنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره, قال لمن حوله من الجنّ والإنس: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا )...

الآية.

وقال آخرون: بل إنما اختبر صدق الهدهد سليمان بالكتاب, وإنما سأل من عنده إحضاره عرش المرأة بعد ما خرجت رسلها من عنده, وبعد أن أقبلت المرأة إليه.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال: لما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان: قالت: والله عرفت ما هذا بملك, وما لنا به طاقة, وما نصنع بمكاثرته شيئا, وبعثت: إني قادمة عليك بملوك قومي, حتى أنظر ما أمرك, وما تدعو إليه من دينك؟

ثم أمرت بسرير ملكها, الذي كانت تجلس عليه, وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ, فجعل في سبعة أبيات بعضها &; 19-462 &; في بعض, ثم أقفلت عليه الأبواب.

وكانت إنما يخدمها النساء, معها ستّمائة امرأة يخدمنها; ثم قالت لمن خلفت على سلطانها, احتفظ بما قِبَلك, وبسرير ملكي, فلا يخلص إليه أحد من عباد الله, ولا يرينه أحد حتى آتيك; ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْلِ معها من ملوك اليمن, تحت يد كلّ قَيْلِ منهم ألوف كثيرة, فجعل سليمان يبعث الجنّ, فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كلّ يوم وليلة, حتى إذا دنت جمع من عنده من الجنّ والإنس ممن تحت يده, فقال: (يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ).

وتأويل الكلام: قال سليمان لأشراف من حضره من جنده من الجن والإنس: (يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) يعني سريرها.

كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) قال: سرير في أريكة.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: عرشها سرير في أريكة.

قال ابن جُرَيج: سرير من ذهب, قوائمه من جوهر ولؤلؤ.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) بسريرها.

وقال ابن زيد في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) قال: مجلسها.

واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله خصّ سليمان مسألة الملأ من جنده إحضار عرش هذه المرأة من بين أملاكها قبل إسلامها, فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لأنه أعجبه حين وصف له الهدهد صفته, وخشي أن تسلم فيحرُم عليه مالها, فأراد أن يأخذ سريرها ذلك قبل أن يحرُم عليه أخذه بإسلامها.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: أخبر سليمانَ الهدهدُ أنها قد خرجت لتأتيه, وأخبر بعرشها فأعجبه.

كان من ذهب وقوائمه من جوهر مكلَّل باللؤلؤ, فعرف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تحلّ لهم أموالهم, فقال للجنّ: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ).

وقال آخرون: بل فعل ذلك سليمان ليعاتبها به, ويختبر به عقلها, هل تثبته إذا رأته, أم تنكره؟

*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: أعلم الله سليمان أنها ستأتيه, فقال: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) حتى يعاتبها, وكانت الملوك يتعاتبون بالعلم.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ )فقال بعضهم: معناه: قبل أن يأتوني مستسلمين طوعا.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) يقول: طائعين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتوني مسلمين الإسلام الذي هو دين الله.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) بحرمة الإسلام فيمنعهم وأموالهم, يعني الإسلام يمنعهم.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في السبب الذي من أجله خصّ سليمان بسؤاله الملأ من جنده بإحضاره عرش هذه المرأة دون سائر ملكها عندنا, ليجعل ذلك حجة عليها في نبوته, ويعرفها بذلك قدرة الله وعظيم شأنه, أنها خلَّفته في بيت في جوف أبيات, بعضها في جوف بعض, مغلق مقفل عليها, فأخرجه الله من ذلك كله, بغير فتح أغلاق وأقفال, حتى أوصله إلى ولية من خلقه, وسلمه إليه, فكان لها في ذلك أعظم حجة, على حقيقة ما دعاها إليه سليمان, وعلى صدق سليمان فيما أعلمها من نبوّته.

فأما الذي هو أولى التأويلين في قوله (قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) بتأويله, فقول ابن عباس الذي ذكرناه قبل, من أن معناه طائعين, لأن المرأة لم تأت سليمان إذ أتته مسلمة, وإنما أسلمت بعد مقدمها عليه وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة.

وقوله: (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ ) يقول تعالى ذكره: قال رئيس من الجنّ مارد قويّ.

وللعرب فيه لغتان: عفريت, وعفرية; فمن قال: عفرية, جمعه: عفاري; ومن قال: عفريت, جمعه: عفاريت.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قال ابن عباس : وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه ; فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه ، فقال : ما هذا ؟

فقالوا : بلقيس يا نبي الله .

فقال سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره : للجن - أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين وقال عبد الله بن شداد : كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال : أيكم يأتيني بعرشها وكانت خلفت عرشها بسبأ ، ووكلت به حفظة .

وقيل : إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك ، فلما علم ذلك قال : أيكم يأتيني بعرشها .

قال ابن عباس : كان أمره بالإتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها ، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش .

وقال ابن عطية : وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها ، وبعثه الهدهد بالكتاب ; وعلى هذا جمهور المتأولين .

واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها ; فقال قتادة : ذكر له بعظم وجودة ; فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم ; والإسلام على هذا الدين ; وهو قول ابن جريج .

وقال ابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي [ ص: 189 ] هي من عند الله ، ويجعله دليلا على نبوته ; لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب ; و ( مسلمين ) على هذا التأويل بمعنى مستسلمين ; وهو قول ابن عباس .

وقال ابن زيد أيضا : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال : نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي .

وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد ، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في عقلها خلل ; فأراد أن يمتحنها بعرشها .

وقيل : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله : ولها عرش عظيم .

قاله الطبري .

وعن قتادة : أحب أن يراه لما وصفه الهدهد .

والقول الأول عليه أكثر العلماء ; لقوله تعالى : قبل أن يأتوني مسلمين .

ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتى به إلا بإذنها .

روي أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر ، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال لمن حضره من الجن والإنس: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي: لأجل أن نتصرف فيه قبل أن يسلموا فتكون أموالهم محترمة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) أي : مؤمنين ، وقال ابن عباس : طائعين .

واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها ، فقال أكثرهم : لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها ، فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها .

وقيل : ليريها قدرة الله - عز وجل - وعظم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها .

وقال قتادة : لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد ، فأحب أن يراه .

قال ابن زيد : أراد أن يأمر بتنكيره وتغييره ليختبر بذلك عقلها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال يا أيها الملأ أيكم» في الهمزتين ما تقدم «يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين» منقادين طائعين فلي أخذه قبل ذلك لا بعده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال سليمان مخاطبًا من سَخَّرهم الله له من الجن والإنس: أيُّكم يأتيني بسرير ملكها العظيم قبل أن يأتوني منقادين طائعين؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما طلبه سليمان - عليه السلام - من جنوده فيقول : ( قَالَ ياأيها الملأ .

.

.

) .قال ابن كثير ما ملخصه : فلما رجعت الرسل إلى ملكة سبأ بما قاله سليمان ، قالت : قد - والله - عرفت ما هذا بملك ، وما لنا به من طاقة .

.

.

وبعثت إليه : إنى قادمة إليك بملوك قومى ، لأنظر فى أمرك وما تدعونا إليه من دينك .

.

.

ثم شخصت إليه فى اثنى عشر ألف رجل من أشراف قومها - بعد أن أقفلت الأبواب على عرشها - فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة ، حتى إذا دنت جمع من عنده من الإنس والجن ممن تحت يده فقال : ( قَالَ ياأيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) .أى : قال سليمان لجنوده : أى واحد منكم يستطيع أن يحضر لى عرش هذه الملكة قبل أن تحضر إلى هى وقومها مسلمين ، أى : منقادين طائعين مستسلمين لما أمرتهم به .ولعل سليمان - عليه السلام - قد طلب إحضار عرشها - من بلاد اليمن إلى بيت المقدس حيث مقر مملكته ، ليطلعها على عظيم قدرة الله - تعالى - ، وعلى ما أعطاه - سبحانه - له من ملك عريض ، ومن نعم جليلة ، ومن قوة خارقة ، حيث سخر له من يحضر له عرشها من مكان بعيد فى زمن يسير .ولعل كل ذلك يقودها هى وقومها إلى الإيمان بالله رب العالمين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها وقالوا ما تقدم أظهرت رأيها، وهو أن الملوك إذا دخلوا قرية بالقهر أفسدوها، أي خربوها وأذلوا أعزتها، فذكرت لهم عاقبة الحرب.

وأما قوله: ﴿ وكذلك يَفْعَلُونَ ﴾ فقد اختلفوا أهو من كلامها أو من كلام الله تعالى كالتصويب لها والأقرب أنه من كلامها، وأنها ذكرته تأكيداً لما وصفته من حال الملوك.

فأما الكلام في صفة الهدية فالناس أكثروا فيها لكن لا ذكر لها في الكتاب وقولها: ﴿ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون ﴾ فيه دلالة على أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان، ولما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام ذكر أمرين: الأول: قوله: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ فأظهر بهذا الكلام قلة الاكتراث بذلك المال.

أما قوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الهدية اسم للمهدي، كما أن العطية اسم للمعطي، فتضاف إلى المهدي وإلى المهدى إليه، والمضاف إليه هاهنا هو المهدى إليه، والمعنى أن الله تعالى آتاني الدين الذي هو السعادة القصوى، وآتاني من الدنيا ما لا مزيد عليه، فكيف يستمال مثلي بمثل هذه الهدية، بل أنتم تفرحون بما يهدى إليكم، لكن حالي خلاف حالكم.

وثانيها: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون من حيث إنكم قدرتم على إهداء مثلها.

وثالثها: كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها الثاني: قوله: ﴿ ارجع إِلَيْهِمْ ﴾ فقيل ارجع خطاب للرسول، وقيل للهدهد محملاً كتاباً آخر.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ قِبَلَ ﴾ أي لا طاقة، وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم.

وقرأ ابن مسعود: (لا قبل لهم بهم)، والضمير في (منها) لسبأ، والذل أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز والملك، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يروي: أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان عليه السلام، فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من قصور سبعة لها.

وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً يحفظونه، ولعله أوحى إلى سليمان عليه السلام باستيثاقها من عرشها، فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه الله به من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله وعلى ما يشهد لنبوّة سليمان عليه السلام ويصدقها.

وعن قتادة: أراد أن يأخذه قبل أن تسلم، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحلّ له أخذ مالها.

وقيل: أراد أن يؤتى به فينكر ويغير، ثم ينظر أتثبته أم تنكره؟

اختباراً لعقلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ ﴾ أيِ الرَّسُولُ أوْ ما أهْدَتْ إلَيْهِ وقُرِئَ «فَلَمّا جاءُوا» .

﴿ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ، أوْ لِلرَّسُولِ والمُرْسَلِ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالإدْغامِ وقُرِئَ بِنُونٍ واحِدَةٍ وبِنُونَيْنِ وحَذْفِ الياءِ.

﴿ فَما آتانِيَ اللَّهُ ﴾ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ الَّذِي لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ بِفَتْحِ الياءِ والباقُونَ بِإسْكانِها وبِإمالَتِها الكِسائِيُّ وحْدَهُ.

﴿ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ ﴾ فَلا حاجَةَ لِي إلى هَدِيَّتِكم ولا وقْعَ لَها عِنْدِي.

﴿ بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ ﴾ لِأنَّكم لا تَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا فَتَفْرَحُونَ بِما يُهْدى إلَيْكم حُبًّا لِزِيادَةِ أمْوالِكم، أوْ بِما تُهْدُونَهُ افْتِخارًا عَلى أمْثالِكم، والإضْرابُ عَنْ إنْكارِ الإمْدادِ بِالمالِ عَلَيْهِ وتَقْلِيلِهِ إلى بَيانِ السَّبَبِ الَّذِي حَمَلَهم عَلَيْهِ، وهو قِياسُ حالِهِ عَلى حالِهِمْ في قُصُورِ الهِمَّةِ بِالدُّنْيا والزِّيادَةِ فِيها.

﴿ ارْجِعْ ﴾ أيُّها الرَّسُولُ.

﴿ إلَيْهِمْ ﴾ إلى بَلْقِيسَ وقَوْمِها.

﴿ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ﴾ لا طاقَةَ لَهم بِمُقاوَمَتِها ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى مُقابَلَتِها وقُرِئَ «بِهِمْ» .

﴿ وَلَنُخْرِجَنَّهم مِنها ﴾ مِن سَبَأٍ.

﴿ أذِلَّةً ﴾ بِذَهابِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ العِزِّ.

﴿ وَهم صاغِرُونَ ﴾ أُسَراءُ مُهانُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ يَا أَيُّهَا الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ} أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده مع إطلاعها على عظم قدرة الله تعالى وعلى ما يشهد لنبوة سليمان أو أراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أن أخذ ما لها وهذا بعيد عند أهل التحقيق أو أراد أن يؤتى به فينكر ويغير ثم ينظر أتثبته أم تنكره اختباراً لعقلها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلَيْها وأخْبَرَها بِما أقْسَمَ عَلَيْهِ سُلَيْمانُ، فَتَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلَيْهِ؛ إذْ عَلِمَتْ أنَّهُ نَبِيٌّ ولا طاقَةَ لَها بِقِتالِهِ، فَرُوِيَ أنَّها أمَرَتْ عِنْدَ خُرُوجِها فَجُعِلَ عَرْشُها في آخِرِ سَبْعَةِ أبْياتٍ بَعْضِها في جَوْفِ بَعْضٍ في آخِرِ قَصْرٍ مِن قُصُورِها، وغَلَّقَتِ الأبْوابَ، ووَكَّلَتْ بِهِ حُرّاسًا يَحْفَظُونَهُ، وتَوَجَّهَتْ إلى سُلَيْمانَ في أقْيالِها وأتْباعِهِمْ، وأرْسَلَتْ إلى سُلَيْمانَ: إنِّي قادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي؛ حَتّى أنْظُرَ ما أمْرُكَ، وما تَدْعُو إلَيْهِ مِن دِينِكَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: فَلَمّا كانَتْ عَلى فَرْسَخٍ مِن سُلَيْمانَ قالَ: (أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها).

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ سُلَيْمانُ مَهِيبًا لا يُبْتَدَأُ بِشَيْءٍ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَسْألُ عَنْهُ، فَنَظَرَ ذاتَ يَوْمٍ رَهْجًا قَرِيبًا مِنهُ، فَقالَ: ما هَذا؟

فَقالُوا: بِلْقِيسُ فَقالَ: (أيُّكم ...) إلَخْ، ومَعْنى مُسْلِمِينَ - عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ - طائِعِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو بِمَعْنى مُؤْمِنِينَ.

واخْتَلَفُوا في مَقْصُودِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ اسْتِدْعائِهِ عَرْشَها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدْعى ذَلِكَ؛ لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ولِيُغْرِبَ عَلَيْها، ومِن هُنا قالَ في الكَشّافِ: لَعَلَّهُ أُوِحِي إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْتِيثاقِها مِن عَرْشِها، فَأرادَ أنْ يُغْرِبَ عَلَيْها ويُرِيَها بِذَلِكَ بَعْضَ ما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن إجْراءِ العَجائِبِ عَلى يَدِهِ، مَعَ اطِّلاعِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى ما يَشْهَدُ لِنُبُوَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُصَدِّقُها، انْتَهى.

وتَقْيِيدُ الإتْيانِ بِقَوْلِهِ: (قَبْلَ) إلَخْ؛ لِما أنَّ ذَلِكَ أبْدَعُ وأغْرَبُ وأبْعَدُ مِنَ الوُقُوعِ عادَةً، وأدَلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِيَكُونَ اطِّلاعُها عَلى بَدائِعِ المُعْجِزاتِ في أوَّلِ مَجِيئِها.

وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في قَوْلِهِ: ﴿ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الِاخْتِبارِ؛ فَإنَّ أمارَةَ الصِّدْقِ في ذَلِكَ في غايَةِ الوُضُوحِ لَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا سِيَّما إذا صَحَّ ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ وغَيْرِهِ.

وقِيلَ: أرادَ أنْ يُؤْتى بِهِ فَيُنَكَّرَ ويُغَيَّرَ ثُمَّ يَنْظُرَ أتُثْبِتُهُ أمْ تُنْكِرُهُ؛ اخْتِبارًا لِعَقْلِها.

وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ أخْذَهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِمَها وقَوْمَها الإيمانُ ويَمْنَعَ أخْذَ أمْوالِهِمْ، قالَ في الكَشْفِ: فِيهِ أنَّ حَلَّ الغَنائِمِ مِمّا اخْتُصَّ بِهِ نَبِيُّنا  وقالَ في التَّحْقِيقِ: لا يُناسِبُ رَدَّ الهَدِيَّةِ وتَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ ﴾ .

وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ أخْذِ الغَنائِمِ، وإنَّما هو مِن بابِ أخْذِ مالِ الحَرْبِيِّ، والتَّصَرُّفِ بِغَيْرِ رِضاهُ، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ بِوَحْيٍ، فَيَجُوزُ أنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ لِحِكْمَةٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هَدِيَّةً لَها حَتّى لا يُناسِبَ الرَّدَّ السّابِقَ وفِيهِ بَحْثٌ، ولَعَلَّ الألْصَقَ بِالقَلْبِ أنَّ ذاكَ لِيُنَكِّرَهُ فَيَمْتَحِنَها؛ اخْتِبارًا لِعَقْلِها، مَعَ إراءَتِها بَعْضَ خَوارِقِهِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ رَدِّ الهَدِيَّةِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ذَلِكَ حِينَ ابْتَدَأ النَّظَرَ في صِدْقِ الهُدْهُدِ مِن كَذِبِهِ لَمّا قالَ: ﴿ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ فَفي تَرْتِيبِ القَصَصِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وأظُنُّ أنَّهُ لا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قالَتْ يعني: المرأة إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً على وجه العنوة والغلبة أَفْسَدُوها يعني: أهلكوها وخربوها وقتلوا أهلها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً يعني: أهانوا أشرافها وكبراءها ليستقيم لهم الأَمر وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ قال ابن عباس: هذا قول الله تعالى للنبي  قال: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ تصديقاً لقول المرأة.

وقال الحسن: هذا قول بلقيس: إن سليمان وجنوده كذلك يفعلون، وأكثر المفسرين على خلاف ذلك.

ثم قالت المرأة: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ يعني: أصانعهم بالمال، فإن كان من أهل الدنيا فإنه يقبل ويرضى بذلك، ويقال: أختبره أملك هو أم نبي؟

فإن كان ملكاً قبلها، وإن كان نبياً لم يقبلها فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ يعني: أنظر بماذا يرجع المرسلون من الجواب من عنده؟

وذكر في الخبر: أنها بعثت إليه لبنتين من ذهب والمسك والعنبر، وبعثت بعشرة غلمان، وعشرة جواري.

وكان في الغلمان بعض اللين، وكان في الجواري بعض الغلظة، وأمرت بأن تخضب أيديهم جميعاً، وجعلتهم على هيئة الجواري، وبعثت إليه جوهرة في ثقبها اعوجاج، وطلبت أن يدخل الخيط فيها، فأمر سليمان الشياطين بأن يلقوا في طريق الرسل لبنا كثيرا من ذهب، فلما جاءت رسل بلقيس استحضروا هديتهم، فلما قدموا على سليمان أمر بماء فوضع، وأمر الغلمان والجواري بأن يتوضئوا منه، فجعل الغلام يحدر الماء على يده حدراً، وأما الجواري، فكن يصببن صباً.

وفي رواية أُخرى: كانت الجارية تأخذ الماء بكفها وتدلك ذراعيها.

وأما الجوهرة، فأخذ دودة حمراء عقد فيها خيطاً، ثم أدخلها في الحجر حتى خرجت من الجانب الآخر، فرد الهدية.

وقال للوفد: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ يعني: أتغرونني بالمال؟

قوله عز وجل: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قال بعضهم: يعني، جاء الرسول.

وقال بعضهم: يعني، جاء بريدها والأول أشبه، لأنه خاطب الرسول.

قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ قرأ حمزة أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ بنون واحدة والتشديد، وقرأ الباقون بنونين وأصله نونان، إلا أن حمزة أدغم إحداهما في الأخرى، وشددها.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أتمدونني بالياء في الوصل، لأنه في الأصل الياء، وهو ياء الإضافة.

وقرأ الباقون بغير ياء، لأن الكسر يدل عليه.

ثم قال: فَما آتانِيَ اللَّهُ يعني: ما أعطاني الله عز وجل من النبوة والحكمة والدين والإسلام والملك خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ يعني: خير مما أعطاكم من الدنيا والمال بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ يعني: إذا أهدى بعضكم إلى بعض، ويقال: معناه بل أنتم تفرحون بهديتكم إذا ردت إليكم، لأنكم قليلو المال.

ويقال: لأنكم مكاثرة بالدنيا.

قوله عز وجل: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ يعني: قال سليمان لأمير الوفد: ارجع إليهم بالهدية، فإن لم يحضروني فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِها يعني: لا طاقة لهم بها.

قال بعض المتقدمين: ومتى يكون لهم طاقة بجنود سليمان، وكان جنود سليمان من الجن والإنس والشياطين؟

وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها يعني: من أرض سبأٍ أَذِلَّةً يعني: مغلولة أيديهم إلى أعناقهم وَهُمْ صاغِرُونَ أي ذليلون.

فلما بلغ الخبر إلى المرأة ورسالة سليمان، لم تجد بداً من الخروج إليه، فخرجت نحوه، فلما علم سليمان بمسيرها إليه قالَ لجلسائه يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها يعني: بسرير بلقيس قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي: موحدين، لأنه قد كان أوحي إلى سليمان بأنها تسلم.

وقال بعضهم: إنما أراد سليمان بإحضار سريرها قبل أن تسلم ليكون السرير له، لأنها لو أسلمت حرم عليه مالها وكان سريرها من ذهب، وقوائمه من اللؤلؤ والجواهر، مستور بالحرير والديباج وعليه الحجلة وقال بعضهم: إنما أراد أن يبين دلالة نبوته عندها، فتعلم المرأة أنه نبي فتسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مُسَيْك.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «١» «سَبَأَ» - بفتح الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَّرْف- على أنه اسمُ بَلْدَةِ وقاله الحسن وقتادة.

وقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: مما تحتاجُه المملكةُ، قال الحسن: من كل أمر الدنيا «٢» ، وهذه المرأةُ هي «بلقيس» ، وَوَصَفَ عرشَها بالعِظَم في الهيئةِ ورتبة الملك، ٥٢ أوأكثر بَعضِ النَّاسِ/ في قصَصها بما رأيتُ اختصارَه لعدَمِ صحَّتِه، وإنما اللازم من الآية:

أنها امرأةٌ مَلِكَةٌ عَلى مدائنَ اليمن، ذاتُ مُلْكٍ عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار.

وقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ إلى قوله الْعَظِيمِ، ظاهره: أنه من قوله الهدهد وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى اعتراضاً بيْنَ الكَلاَمَيْن، وقراءةُ التشديدِ في أَلَّا تعطى: أن الكلامَ للهدهدِ وهي قراءةُ الجمهورِ «٣» ، وقراءة التخفيفِ وهي للكسائي تَمْنَعَهُ «٤» وتقوِّي الآخرَ فتأملْه، وقرأ الأعمشُ «٥» هَلاَّ يَسْجُدُونَ وفي حرف عبد الله «ألا هل تسجدون» بالتّاء، والْخَبْءَ: الخفيّ من

الأمور وهو من: خَبَأْتُ الشيءَ، واللفظةُ تَعُمّ كل ما خَفِي من الأمور وبه فسر ابن عباس «١» .

وقرأ الجمهورُ: «يُخْفُونَ وَيُعْلِنون» بياء الغائب وهذه القراءة تُعْطى أنَّ الآيةَ من كلامِ الهدهد.

وقرأ الكسائيُّ وحفصٌ عن «٢» عاصم «تُخْفُونَ وَتُعْلِنُونَ» بتاء الخطاب وهذه القراءة تعطى أنَّ الآية من خطاب الله تعالى لأمة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم.

قوله: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، قال وهب بن مُنَبِّه: أمره بالتولِّي حُسنُ أدب ليَتَنَحَّى حَسْبَ ما يُتأَدَّبُ به مع الملوك، بمعنى: وكن قريبا حتى ترى مراجعاتهم، وليكل الأمر، إلى حُكْمِ ما في الكتابِ دونَ أن تكونَ للرسولِ ملازمةٌ ولا إلحاحٌ «٣» .

ورَوَى وهب بن منبِّه في قصص هذه الآية: أن الهدهدَ وصل فَوَجَدَ دون هذه المَلِكَةِ حُجُبَ جدراتٍ، فَعَمَدَ إلَى كُوَّةٍ كانتْ بلقيسُ صَنَعَتْهَا، لتَدْخُلَ منها الشمسُ عند طلوعها لمعنى عبادَتِهَا إيَّاهَا فدخل منها ورمى بالكتابِ إليها «٤» فقرأتْه وجَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها فخاطبتهم بما يأتي بعد.

قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ تعني: الأشراف: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ وصَفَتِ الكتابَ بالكريمِ إما لأنه من عند عظيمٍ، أو لأنه بُدِىء باسمٍ كريمٍ.

ثم أخذتْ تصف لهم ما في الكتابِ، ثم أخذتْ في حسْنِ الأدَبِ مَعَ رجَالِها ومشاورتهم في أمرها فراجعها قومُها بما يُقِرُّ عَيْنَها مِنْ إعلامِهم إيَّاها بالقوة، والبأس.

ثم سلَّمُوا الأمر إلى نَظَرِها وهذه محاورةٌ حسنة من الجميع.

وفي قراءة «٥» عبد الله: «ما كُنْتُ قَاضِيَةً أَمْراً» بالضاد من القضاء، ثم أخبرتْ بلقيسُ بفِعلِ الملوكِ بالقُرَى التي يَتَغَلَّبُونَ عليها، وفي كلامها خوفٌ على قومِها وحَيْطَة لهم، قال الدَّاوُودِيُّ: وعن ابن عباس: رضي الله عنه إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها قال: إذا أخذوهَا عَنْوَةً، أخربوها «٦» ، انتهى.

وقوله: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ قالت فرقة: هو من قول بلقيس، وقال ابن عباس: هو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفْتُونِي في أمْرِي ﴾ أيْ: بَيِّنُوا لِي ما أفْعَلُ، وأشِيرُوا عَلَيَّ.

قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَتِ المَشُورَةَ فُتْيا، وذَلِكَ جائِزٌ لِسِعَةِ اللُّغَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا ﴾ أيْ: فاعِلَتُهُ ﴿ حَتّى تَشْهَدُونِ ﴾ أيْ.

تَحْضُرُونَ؛ والمَعْنى: إلّا بِحُضُورِكم ومَشُورَتِكم.

﴿ قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا القُوَّةَ في الأبْدانِ.

والثّانِي: كَثْرَةُ العَدَدِ والبَأْسِ والشَّجاعَةِ في الحَرْبِ.

وَفِيما أرادُوا بِذَلِكَ القَوْلِ قَوْلانِ أحَدُهُما: تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى رَأْيِها.

والثّانِي: تَعْرِيضٌ مِنهم بِالقِتالِ إنْ أمَرَتْهم.

ثُمَّ قالُوا: ﴿ والأمْرُ إلَيْكِ ﴾ أيْ: في القِتالِ وتَرْكِهِ.

﴿ قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفْسَدُوها ﴾ أيْ: خَرَّبُوها ﴿ وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً ﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها لِيَسْتَقِيمَ لَهُمُ الأمْرُ.

ومَعْنى الكَلامِ: أنَّها حَذَّرَتْهم مَسِيرَ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولَهُ بِلادَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِن تَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: مِن تَمامِ كَلامِها؛ والمَعْنى: وكَذَلِكَ يَفْعَلُ سُلَيْمانُ وأصْحابُهُ إذا دَخَلُوا بِلادَنا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أُرْسِلَتِ الهَدِيَّةُ لِتَعْلَمَ أنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرِدِ الدُّنْيا، وإنْ كانَ مَلِكًا فَسَيَرْضى بِالحَمْلِ، وأنَّها بَعَثَتْ ثَلاثَ لَبِناتٍ مِن ذَهَبٍ في كُلِّ لَبِنَةٍ مِائَةُ رِطْلٍ؛ وياقُوتَةٍ حَمْراءَ طُولُها شِبْرٌ مَثْقُوبَةٌ، وثَلاثِينَ وصَيْفًا وثَلاثِينَ وصِيفَةً، وألْبَسَتْهم لِباسًا واحِدًا حَتّى لا يُعْرَفَ الذَّكَرُ مِنَ الأُنْثى، ثُمَّ كَتَبَتْ إلَيْهِ: إنِّي قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكَ بِهَدِيَّةٍ فاقْبَلْها، وبَعَثْتُ إلَيْكَ بِياقُوتَةٍ طُولُها شِبْرٌ، فَأدْخِلْ فِيها خَيْطًا واخْتِمْ عَلى طَرَفَيِ الخَيْطِ بِخاتَمِكَ، وقَدْ بَعَثْتُ إلَيْكَ ثَلاثِينَ وصَيْفًا وثَلاثِينَ وصِيفَةً: فَمَيِّزْ بَيْنَ الجَوارِي والغِلْمانِ؛ فَجاءَ أمِيرُ الشَّياطِينِ فَأخْبَرَهُ بِما بَعَثَتْ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ: انْطَلِقْ فافْرِشْ عَلى طَرِيقِ القَوْمِ مِن بابِ مَجْلِسِي ثَمانِيَةَ أمْيالٍ في ثَمانِيَةِ أمْيالٍ [لَبَنًا] مِنَ الذَّهَبِ؛ فانْطَلَقَ، فَبَعَثَ الشَّياطِينَ، فَقَطَعُوا اللَّبَنَ مِنَ الجِبالِ وطَلَوْهُ بِالذَّهَبِ وفَرَشُوهُ، ونَصَبُوا في الطَّرِيقِ أساطِينَ الياقُوتِ الأحْمَرِ، فَلَمّا جاءَ الرُّسُلُ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: كَيْفَ تَدْخُلُونَ عَلى هَذا الرَّجُلِ بِثَلاثِ لَبِناتٍ، وعِنْدَهُ ما رَأيْتُمْ؟!

فَقالَ رَئِيسُهم: إنَّما نَحْنُ رُسُلٌ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَوَضَعُوا اللَّبَنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ؟

ثُمَّ دَعا ذَرَّةً فَرَبَطَ فِيها خَيْطًا وأدْخَلَها في ثُقْبِ الياقُوتَةِ حَتّى خَرَجَتْ مِن طَرَفِها الآخَرِ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ طَرَفَيْ الخَيْطِ فَخَتَمَ عَلَيْهِ ودَفَعَها إلَيْهِمْ، ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، هَذا كُلُّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: جَعَلَتْ لِباسَ الغِلْمانِ لِلْجَوارِي ولِباسَ الجَوارِي لِلْغِلْمانِ، فَمَيَّزَهم ولَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّتَها.

وَفِي عَدَدِ الوَصائِفِ والوُصَفاءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ثَلاثُونَ وصَيْفًا وثَلاثُونَ وصِيفَةً، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: خَمْسَمِائَةِ غُلامٍ وخَمْسَمِائَةِ جارِيَةٍ، قالَهُ وهْبٌ.

والثّالِثُ: مِائَتا غُلامٍ ومِائَتا جارِيَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: عَشْرَةُ غِلْمانٍ وعَشْرُ جَوارٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: مِائَةُ وصَيْفٍ ومِائَةُ وصِيفَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي ما مَيَّزَهم بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أمَرَهم بِالوُضُوءِ، فَبَدَأ الغُلامُ مِن مِرْفَقِهِ إلى كَفِّهِ، وبَدَأتِ الجارِيَةُ مِن كَفِّها إلى مِرْفَقِها، فَمَيَّزَهم بِذَلِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّ الغِلْمانَ بَدَؤُوا بِغَسْلِ ظُهُورِ السَّواعِدِ قَبْلَ بُطُونِها، والجَوارِي عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الغُلامَ اغْتَرَفَ بِيَدِهِ، والجارِيَةَ أفْرَغَتْ عَلى يَدِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها أمَرَتِ الجَوارِي ان يُكَلِّمْنَ سُلَيْمانَ بِكَلامِ الرِّجالِ، وأمَرَتِ الرِّجالَ أنْ يُكَلِّمُوهُ كَلامَ النِّساءِ، وأرْسَلَتْ قَدَحًا تَسْألُهُ أنْ يَمْلَأها ماءً لَيْسَ مِن [ماءٍ] لِسَماءٍ ولا مِن ماءِ الأرْضِ، فَأجْرى الخَيْلَ ومَلَأهُ مِن عَرَقِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ ﴾ أيْ: بِقَبُولٍ أمْ بِرَدٍّ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ " بِمَ ":بِما، وإنَّما أُسْقِطَتِ الألِفَ لِأنَّ العَرَبَ إذا كانَتْ " ما " بِمَعْنى " أي " ثُمَّ وصَلُوها بِحَرْفٍ خافِضٍ، أسْقَطُوا ألِفَها، تَفْرِيقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ  ﴾ و ﴿ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ ؟

[النِّساءِ: ٩٧]، ورُبَّما أثْبَتُوا فِيها الألِفَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ عَلى ما قامَ يَشْتُمُنا لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ ﴾ ﴿ ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ ﴾ رُوِيَ أنَّ بِلْقِيسَ قالَتْ لِقَوْمِها: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَجُلَ بِهَدِيَّةٍ أُعْطِيهِ فِيها نَفائِسَ الأمْوالِ، وأُغَرِّبُ عَلَيْهِ بِأُمُورِ المَمْلَكَةِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا دُنْياوِيّا أرْضاهُ المالُ فَعَمِلْنا مَعَهُ بِحَسَبَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ المالُ، ولازَمَنا في أمْرِ الدِينِ، فَيَنْبَغِي أنْ نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ عَلى دِينِهِ، فَبَعَثَتْ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ أكْثَرَ بَعْضُ الناسِ في تَفْصِيلِها، فَرَأيْتُ اخْتِصارَ ذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.

واخْتَبَرَتْ عِلْمَهُ -فِيما رُوِيَ- بِأنْ بَعَثَتْ إلَيْهِ قَدَحًا فَقالَتْ لَهُ: امْلَأْهُ لِي مِمّا لَيْسَ مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَماءِ، وبَعَثَتْ إلَيْهِ دُرَّةً فِيها ثُقْبُ مَخْلُوقٍ وقالَتْ: تَدْخُلُ سِلْكَها دُونَ أنْ يَقْرَبَها إنْسٌ ولا جانٌّ، وبَعَثَتْ أُخْرى غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ وقالَتْ: يَثْقُبُ هَذِهِ غَيْرَ الإنْسِ والجِنِّ، فَمَلَأ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ القَدَحَ مَن عَرَقِ الجَبَلِ، وأدْخَلَتِ السِلْكَ دُودَةً وثَقَبَتِ الدُرَّةَ أرَضَةٌ، وراجِعَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ في رَدِّ الهَدِيَّةِ بِما في الآيَةِ، وعَبَّرَ عَنِ "المُرْسَلِينَ" بِـ (جاءَ) وبِقَوْلِهِ: (ارْجِعْ) لَمّا أرادَ بِهِ "الرَسُولَ" الَّذِي يَقَعُ عَلى الجَمْعِ والإفْرادِ والتَأْنِيثِ والتَذْكِيرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَمّا جاؤُوا سُلَيْمانَ"، وقَرَأ "ارْجِعُوا"، ووَعِيدُ سُلَيْمانَ لَهم مُقْتَرِنٌ بِدَوُامِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ أيْضًا أنَّها بَعَثَتْ في هَدِيَّتِها بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ العَبِيدِ بَيْنَ غِلْمانٍ وجَوارِي، وجَعَلَتْ زِيَّهم واحِدًا، وجَرَّبَتْهُ في التَفْرِيقِ بَيْنَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ بِتَجْرِبَةٍ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الخَطِرِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أتُمِدُّونَنِي" بِنُونَيْنِ وياءٍ في الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، والكِسائِيُّ: "أتُمِدُّونَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ في وقْفٍ ووَصْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "أتُمِدُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمْ: "فَما آتانِ اللهُ" بِكَسْرِ النُونِ دُونَ ياءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آتانِيِ" بِياءٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، ونافِعٌ: "آتانِيَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

ثُمْ تَوَعَّدَهم بِالجُنُودِ والغَلَبَةِ والإخْراجِ، والمَعْنى: إذا لَمْ يُسَلِّمُوا، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: [لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ] عَلى جَمْعِ ضَمِيرِ الجُنُودِ، و"لا قِبَلَ" مَعْناهُ: لا طاقَةَ ولا مُقاوَمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أي فلما جاء الرسول الذي دل عليه قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ [النمل: 35]، فالإرسال يقتضي رسولاً، والرسول لفظه مفرد ويصدق بالواحد والجماعة، كما تقدم في قصة موسى في سورة الشعراء.

وأيضاً فإن هدايا الملوك يحملها رَكب، فيجوز أن يكون فاعل ﴿ جاء ﴾ الركبُ المعهود في إرسال هدايا أمثال الملوك.

وقد أبى سليمان قبول الهدية لأن الملكة أرسلتها بعد بلوغ كتابه ولعلها سكتت عن الجواب عما تضمنه كتابه من قوله: ﴿ وأتوني مسلمين ﴾ [النمل: 31] فتبيّن له قصدُها من الهدية أن تصرفه عن محاولة ما تضمنه الكتاب، فكانت الهدية رشوة لتصرفه عن بثّ سلطانه على مملكة سبأ.

والخطاب في ﴿ أتمدونن ﴾ لوفد الهدية لقصد تبليغه إلى الملكة لأن خطاب الرسل إنما يقصد به من أرسلهم فيما يرجع إلى الغرض المرسل فيه.

والاستفهام إنكاري لأن حال إرسال الهدية والسكوت عن الجواب يقتضي محاولة صرف سليمان عن طلب ما طلبه بما بذل له من المال، فيقتضي أنهم يحسبونه محتاجاً إلى مثل ذلك المال فيقتنع بما وجّه إليه.

ويظهر أن الهدية كانت ذهباً ومالاً.

وقرأ الجمهور: ﴿ أتمدونني ﴾ بنونين.

وقرأه حمزة وخلف بنون واحدة مشدّدة بالإدغام.

والفاء لتفريع الكلام الذي بعدها على الإنكار السابق، أي أنكرت عليكم ظنكم فرحي بما وجهتم إليّ لأنّ ما أعطاني الله خير مما أعطاكم، أي هو أفضل منه في صفات الأموال من نفاسة ووفرة.

وسَوق التعليل يشعر بأنه علم أن الملكة لا تعلم أن لدى سليمان من الأموال ما هو خير مما لديها، لأنه لو كان يظن أنها تعلم ذلك لما احتاج إلى التفريع.

وهذا من أسرار الفرق في الكلام البليغ بين الواو والفاء في هذه الجملة فلو قال: وما آتاني الله خير مما آتاكم، لكان مُشعراً بأنها تعلم ذلك لأن الواو تكون واو الحال.

و ﴿ بل ﴾ للإضراب الانتقالي وهو انتقال من إنكاره عليهم إمداده بمال إلى رد ذلك المال وإرجاعه إليهم.

وإضافة ﴿ هديتكم ﴾ تشبيه؛ تحتمل أن تكون من إضافة الشيء إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما تهدونه.

ويجوز أن يكون شبيهة بالإضافة إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما يُهدى إليكم.

والخبر استعمل كناية عن رد الهدية للمهدي.

ومعنى: ﴿ تفرحون ﴾ يجوز أن يكون تُسرُّون، ويجوز أن يكون تفتخرون، أي أنتم تعظم عندكم تلك الهدية لا أنا، لأن الله أعطاني خيراً منها.

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في «أنتم تَفرحون» لإفادة القصر، أي أنتم.

وهو الكناية عن رد الهدية.

وتوعدهم وهددهم بأنه مرسل إليهم جيشاً لا قِبَل لهم بحربه.

وضمائر جمع الذكور الغائب في قوله: ﴿ فلنأتينهم ﴾ و ﴿ لنخرجنهم ﴾ عائدة إلى القوم، أي لنخرجن من نخرج من الأسرى.

وقوله: ﴿ فلنأتينهم بجنود ﴾ يحتمل أنه أراد غزو بلدها بنفسه، فتكون الباء للمصاحبة.

ويحتمل أنه أراد إرسال جنود لغزوها فتكون الباء للتعدية كالتي في قوله تعالى: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ [البقرة: 17] أي أذهبه؛ فيكون المعنى: فلنؤتينهم جنوداً، أي نجعلها آتية إياهم.

والقِبَل: الطاقة.

وأصله المقابلة فأطلق على الطاقة لأن الذي يُطيق شيئاً يثبت للقائه ويقابله.

فإذا لم يُطقه تقهقر عن لقائه.

ولعل أصل هذا الاستعمال ناظر إلى المقابلة في القتال.

والباء في ﴿ بها ﴾ للسببية، أي انتفى قِبلهم بسببها، أو تكون الباء للمصاحبة، أي انتفى قِبلهم المصاحب لها، أي للقدرة على لقائها.

وضمير ﴿ بها ﴾ للجنود وضمير ﴿ منها ﴾ للمدينة، وهي مأرب، أي يخرجهم أسرى ويأتي بهم إلى مدينته.

والصاغر: الذليل، اسم فاعل من صغر بضم الغين المستعمل بمعنى ذل ومصدره الصغار.

والمراد: ذل الهزيمة والأسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلَمّا جاءَتْ هَداياها سُلَيْمانَ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ.

الثّانِي: فَلَمّا جاءَتْ رُسُلُها سُلَيْمانَ لِأنَّ الهُدْهُدَ قَدْ كانَ سَبَقَ إلى سُلَيْمانَ فَأخْبَرَهُ بِالهَدِيَّةِ والرُّسُلِ فَتَأهَّبَ سُلَيْمانُ لَهم.

قالَ السُّدِّيُّ: فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا لَبِنَ المَدِينَةِ وحِيطانَها ذَهَبًا وفِضَّةً، وقِيلَ إنَّها بَعَثَتْ مَعَ رُسُلِها بِعَصًا كانَ يَتَوارَثُها مُلُوكُ حِمْيَرَ، وقالَتْ: أُرِيدُ أنْ يَعْرِفَنِي رَأْسُ هَذِهِ مِن أسْفَلِها، وبِقَدَحٍ وقالَتْ: يَمْلَؤُهُ ماءً لَيْسَ مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَّماءِ، وبِخَرَزَتَيْنِ إحْداهُما ثُقْبُها مُعْوَجٌّ وقالَتْ يُدْخِلُ فِيها خَيْطًا والأُخْرى غَيْرُ مَثْقُوبَةٍ وقالَتْ يَثْقُبُ هَذِهِ.

﴿ قالَ ﴾ سُلَيْمانُ لِلرُّسُلِ حِينَ وصَلُوا إلَيْهِ ﴿ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ ﴾ مَعْناهُ أتَزِيدُونَنِي مالًا إلى ما تُشاهِدُونَهُ مِن أمْوالِي.

﴿ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ ﴾ أيْ فَما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ المالَ ومَيَّزَ الغِلْمانَ مِنَ الجَوارِي، وأرْسَلَ العَصا إلى الأرْضِ فَقالَ: أيُّ الرَّأْسَيْنِ سَبَقَ لِلْأرْضِ فَهو أصْلُها، وأمَرَ بِالخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ حَتّى عَرِقَتْ ومَلَأ القَدَحَ مِن عَرَقِها وقالَ: لَيْسَ هَذا مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَّماءِ، وثَقَبَ إحْدى الخَرَزَتَيْنِ وأدْخَلَ الخَيْطَ في الأُخْرى، فَقالَ الرُّسُلُ ما شاهَدُوا.

واخْتُلِفَ في الرُّسُلِ هَلْ كانُوا رِجالًا أوْ نِساءً عَلى قَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ ﴿ ارْجِعْ إلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلَيْهِمْ بِما جِئْتَ مِنَ الهَدايا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلْهُدْهُدِ [ارْجِعْ إلَيْهِ]، قائِلًا لَهم: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ﴾ أيْ لا طاقَةَ لَهم بِها لِيَكُونَ الهُدْهُدُ نَذِيرًا لَهم، قالَهُ زُهَيْرٌ.

وَصَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمانُ  لِأنَّ مِن جُنُودِهِ الإنْسَ والجِنَّ والطَّيْرَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ بِها طاقَةٌ.

﴿ وَلَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً ﴾ الآيَةَ.

إخْبارًا لَهم عَمّا يَصْنَعُهُ بِهِمْ لِيَسْعَدَ مِنهم بِالإيمانِ مِن هُدِيَ وهَذِهِ سُنَّةُ كُلِّ نَبِيٍّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟

قال: إن سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه ففقده.

وقيل كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقي عليه التراب، ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيده؟

فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك أنه حدث: أن نافع بن الأزرق صاحب الازارقة كان يأتي عبد الله بن عباس؛ فإذا أفتى ابن عباس؛ يرى هو أنه ليس بمستقيم فيقول: قف من أين افتيت بكذا وكذا، ومن أين كان؟

فيقول ابن عباس رضي الله عنهما: أو مات من كذا وكذا.

حتى ذكر يوماً الهدهد فقال: يعرف بعد مسافة الماء في الأرض فقال له ابن الأزرق: قف قف..

يا ابن العباس.

كيف تزعم أن الهدهد يرى مسافة الماء من تحت الأرض، وهو ينصب له الفخ فيذر عليه التراب فيصطاد؟

فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: كذا وكذا لم أقل له شيئاً.

إن البصر ينفع ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر حال دون البصر.

فقال ابن الأزرق: لا أجادلك بعدها في شيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان سليمان إذا أراد أن ينزل منزلاً دعا الهدهد ليخبره عن الماء.

فكان إذا قال: هاهنا شققت الشياطين الصخور فجرت العيون من قبل أن يضربوا أبنيتهم، فأراد أن ينزل منزلاً فتفقد الطير فلم يره، فقال: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا بالهدهد وكان سيد الهداهد ليعلم مسافة الماء.

وكان قد اعطي من البصر بذلك شيئاً لم يعطه شيء من الطير.

لقد ذكر لنا: أنه كان يبصر الماء في الأرض كما يبصر أحدكم الخيال من وراء الزجاجة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: اسم هدهد سليمان: عنبر.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ قال: نتف ريشه.

وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ قال: نُتِفَ ريشه كله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: نتف ريشة وإلقاؤه للنمل في الشمس.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن رومان قال: إن عذابه الذي كان يعذب به الطير: نتف ريش جناحه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ قال: خبر الحق الصدق البين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ قال: بعذر بين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن حجة، ونزع الآية التي في سورة سليمان ﴿ أو ليأتيني بسلطان ﴾ قال: وأي سلطان كان للهدهد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إنما دفع الله عن الهدهد ببره والدته.

وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة قال: إنما صرف الله عذاب سليمان عن الهدهد لأنه كان باراً بوالديه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قال: اطلعت على ما لم تطلع عليه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجئتك من سبإ بنبإ يقين ﴾ قال: خبر حق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وجئتك من سبإ ﴾ قال: سبأ بأرض اليمن يقال لها: مأرب.

بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال ﴿ بنبإ يقين ﴾ قال: بخبر حق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: يقولون إن مأرب مدينة بلقيس.

لم يكن بينها وبين بيت المقدس الا ميل، فلما غضب الله عليها بعدها، وهي اليوم باليمن، وهي التي ذكر الله القرآن ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ [ سبأ: 15] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: بعث إلى سبأ اثنا عشر نبياً منهم: تبع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ ﴿ من سبإ بنبإ يقين ﴾ قال: بجعله أرضاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه قرأ ﴿ من سبإ بنبإ ﴾ قال: يجعله رجلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ قال: كان اسمها بلقيس بنت أبي شبرة، وكانت هلباء شعراء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ قال: هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال: بلغني إنها امرأة تسمى بلقيس بنت شراحيل، أحد أبويها من الجن.

مؤخر إحدى قدميها مثل حافر الدابة.

وكانت في بيت مملكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان، وأمها فارعة الجنية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: بلقيس بنت أبي شرح، وأمها بلقته.

وأخرج ابن مردويه عن سفيان الثوري، مثله.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: كانت ملكة سبأ اسمها ليلى، وسبأ مدينة باليمن، وبلقيس حميرية.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إحدى أبوي بلقيس كان جنياً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن ملك سبأ كانت امرأة باليمن.

كانت في بيت مملكة يقال لها بلقيس بنت شراحيل.

هلك أهل بيتها فملكها قومها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: صاحبة سبأ كانت أمها جنية.

وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس امرأة من الجن يقال لها: بلقمة بنت شيصان.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه سئل عن ملكة سبأ فقال: إن أحد أبويها جني.

فقال: الجن لا يتوالدون!

أي أن المرأة من الإِنس لا تلد من الجن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان لصاحبة سليمان اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما قال: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ أنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ قال: من كل شيء في أرضها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ قال: من أنواع الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ قال: سرير كريم من ذهب، وقوائمه من جوهر ولؤلؤ، حسن الصنعة، غالي الثمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ قال: سرير من ذهب، وصفحتاه مرمول بالياقوت والزبرجد، طوله ثمانون ذراعاً في عرض أربعين ذراعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان في قوله: ﴿ وجدتها وقومها يسجدون للشمس ﴾ قال: كانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: يعلم كل خفية في السماء والأرض.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: الغيب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: السر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: الماء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن حكيم بن جابر في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: المطر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: خبء السموات والأرض؛ ما جعل من الأرزاق، والقطر من السماء، والنبات من الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ قال: لم يصدقه ولم يكذبه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ اذهب بكتابي هذا ﴾ قال: كتب معه بكتاب فقال: ﴿ اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم ﴾ يقول: كن قريباً منهم ﴿ فانظر ماذا يرجعون ﴾ فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها، فقرأه عليها فإذا فيه ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت صاحبة سبأ إذا رقدت غلقت الأبواب، وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها.

فلما غلقت الأبواب وآوت إلى فراشها، جاءها الهدهد حتى دخل من كوّة بيتها، فقذف الصحيفة على بطنها بين فخذيها، فأخذت الصحيفة فقرأتها فقالت ﴿ يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ تقول: حسن ما فيه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ قال: مختوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ كتاب كريم ﴾ قال: تريد مختوم.

وكذلك الملوك تختم كتبها.

لا تجيز بينها كتاباً إلا بخاتم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قال: لم يزد زعموا على هذا الكتاب على ما قص الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: كتب بسم الله الرحمن الرحيم.

من سليمان بن داود إلى بلقيس بنت ذي شرح وقومها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد: أن سليمان بن داود كتب إلى ملكة سبأ.

بسم الله الرحمن الرحيم.

من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى.

أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لم يكن في كتاب سليمان إلى صاحبة سبأ إلا ما تقرأون في القرآن ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألاَّ تعلوا علي ﴾ يقول: لا تخالفوا علي ﴿ وأتوني مسلمين ﴾ قال: وكذلك كانت الأنبياء تكتب جميلا.

يطلبون ولا يكثرون.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن منصور قال: كان يقال كان سليمان بن داود أبلغ الناس في كتاب وأقله كلاماً.

ثم قرأ ﴿ إنه من سليمان ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم.

فكتب النبي صلى الله عليه وسلم أول ما كتب: باسمك اللهم.

حتى نزلت ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ فكتب ﴿ بسم الله ﴾ ثم نزلت ﴿ ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ [ الرحمن: 110] فكتب ﴿ بسم الله الرحمن ﴾ ثم أنزلت الآية التي في ﴿ طس...

إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فكتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحرث العكلي قال: قال لي الشعبي: كيف كان كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليكم؟

قلت: باسمك اللهم فقال: ذاك الكتاب الأول كتب النبي صلى الله عليه وسلم «باسمك اللهم» فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ فكتب ﴿ بسم الله ﴾ فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ فكتب ﴿ بسم الله الرحمن ﴾ فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فكتب بذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب «باسمك اللهم» حتى نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: لم يكن الناس يكتبون إلا «باسمك اللهم» حتى نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب «باسمك اللهم» فلما نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ كتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي «أما بعد: فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» فلما أتى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر فقرأه قال: إن هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود «بسم الله الرحمن الرحيم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال ابن عباس: وأخبره جبريل أنها خرجت من اليمن مقبلة إليه (١) ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ﴾ قال عبد الله بن شداد: كانت بلقيس على رأس فرسخ (٢) ﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ﴾ وكان ما بينه وبينها كما بين الكوفة والحيرة (٣) (٤) ﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ﴾ هذا قول وهب بن منبه، وجميع المفسرين (٥) واختلفوا في السبب الذي خص سليمان -  - العرش بالطلب؛ وقال قتادة: لأنه قد وُصِف له عرشها بالعِظَم فأعجبه ذلك وأحب أن يراه (٦) وقال مقاتل وأكثر المفسرين: أحب سليمان أن يأخذ عرشها قبل أن تُسلِم فلا يحل أخذ مالها (٧) ﴿ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ أي: مخلصين بالتوحيد.

قاله مقاتل (٨) وقال ابن جريج: ﴿ مُسْلِمِينَ ﴾ بحرمة الإسلام فيمنعنا الإسلام أموالهم (٩) وقال ابن عباس: ﴿ مُسْلِمِينَ ﴾ : طائعين منقادين (١٠) وعلى هذا يحل له أخذ مالها بعد إتيانها.

قال مقاتل: وكان قد أوحي إلى سليمان أنها تأتي مسلمة، فلذلك قال: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ (١١) وقال ابن زيد: أراد سليمان أن يعاتبها بالعرش ويختبر عقلها (١٢) ﴿ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ﴾ ألَّا يتبين.

وقال آخرون: أراد سليمان أن يريها آية معجزة في عرشها ليجعل ذلك حجة عليها، فقال: ﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ أي: طائعين منقادين (١٣) (١) ذكره في "الوسيط" 3/ 377، ولم ينسبه.

(٢) الفرسخ: ثلاثة أميال أو ستة؛ سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن، والفرسخ: السكون.

"لسان العرب" 3/ 44 (فرسخ)، والميل مقياس للطول قُدِّر قديمًا بأربعة آلاف ذراع، وهو الميل الهاشمي، وهو بري وبحري؛ فالبري يقدر الآن بما يساوي: 1609 من الأمتار، والبحري بما يساوي: 1852 من الأمتار.

"المعجم الوسيط" 2/ 894.

(٣) الكُوفة بالضم: العصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، وسميت بذلك: لاستدارتها، وقيل: لاجتماع الناس بها.

"معجم البلدان" 4/ 557.

وهي جنوب بغداد بحوالي 150 كم.

والحيرة: مدينة على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له: النجف.

"معجم البلدان" 2/ 376.

وهي جنوب الكوفة بحوالي 75 كم.

(٤) الرَّهَج: الغبار.

"تهذيب اللغة" 6/ 52 (رهج).

(٥) أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2882، 2897، عن ابن عباس.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 129 أ.

وأخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد، المصنف 6/ 336.

وهذا يخالف ما ذكره الواحدي قبل ذلك، واقتصر عليه في تفسيره الوسيط 3/ 377، من أن نبي الله سليمان -  - قد أعلمه جبريل بذلك.

والله أعلم.

(٦) ذكره الثعلبي 8/ 129 ب، عن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2883، عنه، وليس فيه دلالة على ما ذُكر، بل هو موافق للقول الذي ذكره الواحدي عن مقاتل، وأكثر المفسرين.

(٧) "تفسير مقاتل" 59 ب.

و"تفسير هود الهواري" 3/ 254، ولم ينسبه.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2884، عن زهير بن محمد، وعطاء والسدي.

وذكره الثعلبي 8/ 129 ب، عن أكثر المفسرين، ولم يسمهم.

واقتصر عليه الواحدي، في "الوسيط" 3/ 378، و"الوجيز" 2/ 804.

ولا يخفى ما في هذا القول من البعد؛ لأن نبي الله سليمان  لم يكن بحاجة لذلك، وكيف يظن به وهو نبي، وقد أعطاه الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وأقرب ما يكون أن نبي الله سليمان  أراد أن يُظهر لها عظم ملكه، وأنه من الله.

والله أعلم.

وقد ذكر هذا الوجه الثعلبي 8/ 129 ب، فقال: وقيل: ليريها قدرة الله تعالى وعظيم سلطانه.

وذكره الواحدى بعد ذلك بمعناه، لكنه لم ينتقد القول السابق.

(٨) "تفسير مقاتل" 159.

(٩) أخرجه ابن جرير 19/ 161.

(١٠) ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم، بلفظ: طائعين.

كتاب التفسير، "الفتح" 8/ 504.

وذكره الثعلبي 8/ 129 ب، كذلك.

ونسبه الهواري 3/ 254، للكلبي.

(١١) "تفسير مقاتل" 59 ب.

(١٢) أخرجه ابن جرير 19/ 160، وفيه: وكانت الملوك يتعاتبون بالعلم.

وذكره الثعلبي 8/ 129ب، عنه بلفظ: أراد أن يختبر عقلها.

(١٣) ذكره الثعلبي 8/ 129 ب، ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ ياأيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ القائل: سليمان، والملأ جماعة من الجن والإنس، وطلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين، لأنه وصف له بعظمة، فأراد أن يأخذه قبل أن يسلموا فيمنع إسلامهم من أخذ أموالهم، فمسلمين على هذا من الدخول في دين الإسلام، وقيل: إنما طلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين ليظهر لهم قوّته، فمسلمين على هذا بمعنى منقادين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني آنست ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ بشهاب ﴾ منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس.

الباقون بالإضافة ﴿ من في النار ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص".

الوقوف: ﴿ طس ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ هدى ﴾ حال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ أو هو مرفوع بدلاً من ﴿ الآيات ﴾ أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ط تنصيصاً على أن ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ مستأنف ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه ﴿ تصطلون ﴾ ﴿ حولها ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء ﴿ عصاك ﴾ ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ﴿ ولم يعقب ﴾ ط لابتداء النداء ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وقومه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ج ه للآية والعطف ﴿ وعلواً ﴾ ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم ﴿ المفسدين ﴾ ه.

التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين.

فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير.

فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر".

ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب.

قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف.

وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط.

ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق.

وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة.

ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم.

ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات.

ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ ملابسة ظاهرة للتزيين.

ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب ﴿ فهم يعمهون ﴾ يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن ﴿ لهم سوء العذاب ﴾ أي القتل والأسر كيوم بدر.

ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم.

و ﴿ إذ قال ﴾ منصوب بـ ﴿ عليم ﴾ أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن.

والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله.

وفي قوله ﴿ سآتيكم ﴾ مع قوله في "طه" و "القصص" ﴿ لعلي آتيكم  ﴾ دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره.

قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله  أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله ﴿ فلما جاءها ﴾ وقد قال في "طه" و"القصص" ﴿ فلما أتاها  ﴾ ﴿ نودي ﴾ لأنه كرر لفظ ﴿ آتيكم ﴾ ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى.

و ﴿ أن ﴾ مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها.

قال جار الله: معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص ﴿ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة  ﴾ وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه.

وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله  مروي عن ابن عباس.

وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة.

وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة.

وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة.

وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم.

وفي قوله ﴿ وسبحان الله رب العالمين ﴾ تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين.

والهاء في ﴿ إنه ﴾ إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم ﴿ انا ﴾ وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً.

وقوله ﴿ وألق عصاك ﴾ معطوف على ﴿ بورك ﴾ وكلاهما تفسير ﴿ نودي ﴾ والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى ﴿ لم يعقب ﴾ لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.

وإنما اقتصر ههنا على قوله ﴿ لا تخف ﴾ ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم.

ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة".

وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله ﴿ أني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ إلى أن موسى قد جعل رسولاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ إلا من ظلم ﴾ إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى ﴿ رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي  ﴾ وقرئ "الا" بحرف التنبيه.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ ثم بدل ﴾ معطوفاً على ﴿ ظلم ﴾ إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخر *** وكقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز.

قوله ﴿ وأدخل يدك ﴾ وفي "القصص" ﴿ اسلك يدك  ﴾ موافقة لأضمم ولأن المبالغة في ﴿ أدخل ﴾ أكثر منها في ﴿ أسلك ﴾ لأن سلك لازم ومتعد.

وهناك قال ﴿ فذانك برهانان  ﴾ وههنا قال ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ.

قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات.

أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون.

وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ دون أن يقول ﴿ وملئه  ﴾ كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ إلى قوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح.

ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه.

والواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ للحال وقد مضمرة وفي زيادة ﴿ انفسهم ﴾ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان.

وقوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما.

وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم.

التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره ﴿ وكتاب مبين ﴾ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين ﴿ زيناً لهم أعمالهم ﴾ الدنيوية النفسانية ﴿ فهم يعمهون ﴾ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال  "حبك للشيء يعمي ويصم" فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى.

وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي.

وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي  بقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لا من عند جبريل بل ﴿ من لدن حكيم ﴾ تجلى لقلبك بحكمة القرآن ﴿ عليم ﴾ يعلم حيث يجعل رسالته.

ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها ﴿ إني آنست ناراً ﴾ بوادي أيمن السر ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ بتلك النار عن جمود الطبيعة ﴿ فلما جاءها ﴾ على قدمي الشوق وصدق الطلب ﴿ نودي ﴾ من الشجرة الروحانية ﴿ أن بورك من في ﴾ نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴿ ومن حولها ﴾ كالفراش يريد أن يقع فيها و ﴿ ألق ﴾ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ﴿ ولى مدبراً ﴾ هارباً إلى الله ﴿ ولم يعقب ﴾ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ ﴿ لا تخف ﴾ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله ﴿ إلاَّ من ظلم ﴾ نفسه بالرجوع إلى الغير ﴿ وأدخل ﴾ يد همتك في جيب قناعتك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية من لوث الدارين ﴿ في تسع آيات ﴾ من أسباب هلاك النفس وصفاتها ﴿ فانظر كيف كان عاقبة ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

حيث قالت: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ فكأنهم قالوا: ممن ذلك الكتاب؟

فقالت عند ذلك ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ ﴾ .

وقوله: ﴿ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ : قال بعضهم: أي: حسن؛ لما رأت فيه من الكلام الحسن والقول اللطيف.

وقال بعضهم: ﴿ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: مختوم، وقد ذكر في الخبر عن رسول الله  قال: "من كرم الكتاب ختمه" أو كلام نحو هذا أو شبهه.

وجائز أن يكون فيه إضمار، أي: إني ألقي إليَّ كتاب من إنسان كريم، وسليمان كان معروفاً بالكرم، يشبه أن يكون قد أتاها خبر كرمه.

و ﴿ ٱلْمَلأُ ﴾ قالوا: هم الأشراف وأهل السؤدد.

وقال الزجاج: سموا لما اجتمع عندهم من حاجات الناس، وحسن الرأي والتدبير في كل شيء من الأمور، أو كلام نحو هذا.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ : هو ما ذكرنا كأنهم سألوها ممن ذلك الكتاب؟

فقالت: ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ ﴾ ، وسألوها - أيضاً -: ما في ذلك الكتاب؟

فقالت: ﴿ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ ﴾ أي: لا تتكبروا ولا تتعظموا عليّ.

﴿ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ : مخلصين لله بالتوحيد، أي: اجعلوا أنفسكم سالمة لله خالصة له، لا تجعلوا لأحد سواه فيها شركا ولا حقّاً؛ لأنه أخبر أنهم كانوا يسجدون للشمس من دون الله فيخبر في الكتاب، حيث افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم: أن الذي يستحق السجود والعبادة هو الله الرحمن الرحيم لا ما تعبدون أنتم.

ثم إن من عادة الأنبياء والرسل الإيجاز في الكلام والرسائل، لا يشتغلون بفضول الكلام وتطويله، على ما ذكر من كتاب سليمان إلى بلقيس: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ ذكر هذا القدر كان الكتاب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ﴾ : استشارت أشراف قومها وطلبت منهم الرأي في ذلك، وهكذا عمل الملوك وعادتهم أنهم إذا أرادوا أمرا أو استقبلهم أمر يستشيرون أولي الرأي من قومهم وأهل الحجى والتدبير منهم، ثم يعملون بتدبير يكون لهم وما يرون ذلك صواباً؛ وعلى ذلك أمر الله رسوله أن يشاور أصحابه بقوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ  ﴾ ، ثم أمره إذا عزم على الأمر أن يتوكل على الله في ذلك، وأن يكل أمره إليه.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ﴾ : يحتمل وجهين: ما كنت قاطعة أمرا حتى تحضروا.

أو ما كانت قاطعة أمرا حتى تشهدوا أنه صواب حق.

فأجابوها فيما طلبت منهم الرأي والتدبير في ذلك، فقالوا: ﴿ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ، أي: نحن أولو قوة في أنفسنا وأولو بأس شديد، أي: حرب وقتال شديد، أي: لنا معرفة في ذلك، ومع ما قالوا وكلوا الأمر إليها حيث قالوا: ﴿ وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ ، وهكذا الواجب على وزراء الملوك والرعية أنهم إذا استشاروهم في أمر أن يدلوهم على الأصوب والحسن لهم، ثم يكلوا الأمر إليهم.

وقصة سليمان صلوات الله عليه مع ما فيها من العجائب والآداب، ففيها معرفة سياسة الملوك وتعلم آدابهم؛ من ذلك: ما قال سليمان: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ ، ومن ذلك قوله: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ...

﴾ الآية، وقوله: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ، أو من ذلك استشارة بلقيس أشراف قومها في ذلك وجوابات قومها لها، وإخبارها إياهم من طبع الملوك وعاداتهم من الإفساد والقتل والإذلال؛ حيث قالت: ﴿ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: هذه شهادة من الله لها بما قالت والتصديق لها فيما أخبرت أنهم كذلك يفعلون بكبرائهم.

ثم قال: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ : ذكر أنها قالت: إن لي في هذا رأيا، فإن يك صاحب دنيا فعسى أن نرضيه بالمال فيسكت عنا ويكف شره، وإن يكن نبيّاً فلا يقبل ذلك منا وسنعرف، فعملت ذلك وأرسلت إليه بهدايا، فلم يقبلها سليمان فعرفت أنه نبي، وهذا كان منها تدبيراً أو حسن الرأي في الأمر واحتيالا وفقت في ذلك، لم تشتغل بالحرب والقتال على ما أشار لها قومها.

وقال ابن عباس: "قالت بلقيس لما أتاها كتاب سليمان، واستشارت قومها في ذلك وطلبت فتياهم، فأفتوا لها بما أفتوا - قالت: أبعث إليه بهدية، فإن قبلها فهو ملك فأحاربه، وإن لم يقبلها فهو نبي أتابعه".

قال أبو عوسجة: ﴿ فَنَاظِرَةٌ ﴾ يقال: أنظرته نظرة، أي: أمهلته، والنظرة في الدين خاصة وهو الإنظار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال سليمان  مخاطبًا أعيان أهل ملكه: يا أيها الملأ، أيكم يأتيني بسرير ملكها قبل أن يأتوني منقادين؟

<div class="verse-tafsir" id="91.z5va1"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله