تفسير الآية ٣٣ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٣٣ من سورة القصص

قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًۭا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ٣٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٣ من سورة القصص من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون ، الذي إنما خرج من ديار مصر فرارا منه وخوفا من سطوته ، ( قال رب إني قتلت منهم نفسا ) يعني : ذلك القبطي ، ( فأخاف أن يقتلون ) أي : إذا رأوني .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) يقول تعالى ذكره: ( قال ) موسى: ( رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ ) مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ( نَفْسًا فَأَخَافُ ) إن أتيتهم فلم أُبن عن نفسي بحجة ( أَنْ يَقْتُلُونِ ), لأن في لساني عقدة, ولا أبين معها ما أريد من الكلام.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قال ابن عباس : قتل قبطيا كافرا .قال كعب : وكان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة .في صحيح مسلم : وكان قتله خطأ ; على ما يأتي

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { قَالَ } موسى عليه السلام.معتذرا من ربه، وسائلا له المعونة على ما حمله، وذاكرا له الموانع التي فيه، ليزيل ربه ما يحذره منها.

{ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا } أي: { فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ{

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال رب إني قتلت منهم نفساً» هو القبطي السابق «فأخاف أن يقتلون» به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال موسى: ربِّ إني قتلت من قوم فرعون نفسًا فأخاف أن يقتلوني، وأخي هارون هو أفصح مني نطقًا، فأرسله معي عونًا يصدقني، ويبين لهم عني ما أخاطبهم به، إني أخاف أن يكذبوني في قولي لهم: إني أُرسلت إليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا تذكر موسى ما كان بينه وبين فرعون وقومه من عداوة ، فقال : ( رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ) إذا ذهبت إليهم بهذه الآيات .

وهو عليه السلام - لا يقول ذلك ، هروبا من تبليغ رسالة الله - تعالى - وإنما ليستعين برعايته - عز وجل - وبحفظه .

عندما يذهب إلى هؤلاء الأقوام الفاسقين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» أي قضى أوفى الأجلين، وقال مجاهد قضى الأجل عشر سنين ومكث بعد ذلك عنده عشر سنين وقوله: ﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءانَسَ ﴾ يدل على أن ذلك الإيناس حصل عقيب مجموع الأمرين ولا يدل على أنه حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل، فبطل ما قاله القاضي من أن ذلك يدل على أنه لم يزد عليه وقوله: ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ﴾ ليس فيه دلالة على أنه خرج منفرداً معها وقوله: ﴿ امكثوا ﴾ فيه دلالة على الجمع.

أما قوله: ﴿ إِنّى آنَسْتُ نَاراً ﴾ فقد مر تفسيره في سورة طه والنمل.

أما قوله: ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ﴾ ففيه أبحاث: الأول: قال صاحب الكشاف الجذوة باللغات الثلاث وقد قرئ بهن جميعاً وهو العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال الزجاج الجذوة القطعة الغليظة من الحطب.

الثاني: قد حكينا في سورة طه أنه أظلم عليه الليل في الصحراء وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته وضل وأصابهم مطر فوجدوا برداً شديداً فعنده أبصر ناراً بعيدة فسار إليها يطلب من يدله على الطريق وهو قوله: ﴿ آتيكم منها بخبر ﴾ أو آتيكم من هذه النار بجذوة من الحطب لعلكم تصطلون وفي قوله: ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر ﴾ دلالة على إنه ضل وفي قوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ دلالة على البرد.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا أتاها نُودِىَ مِن شَاطِئ الوادى الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة أَن ياموسى إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ فاعلم أن شاطئ الوادي جانبه وجاء النداء عن يمين موسى من شاطئ الوادي من قبل الشجرة وقوله: ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ بدل من قوله: ﴿ مِن شَاطِئ الوادى ﴾ بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ كقوله: ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ  ﴾ وإنما وصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة وتكليم الله تعالى إياه وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتجت المعتزلة على قولهم إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله: ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ فإن هذا صريح في أن موسى عليه السلام سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وهو تعالى منزه أن يكون في جسم فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا لنا مذهبان الأول: قول أبي منصور الماتريدي وأئمة ما وراء النهر وهو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع إنما المسموع هو الصوت والحرف وذلك كان مخلوقاً في الشجرة ومسموعاً منها، وعلى هذا التقدير زال السؤال الثاني: قول أبي الحسن الأشعري وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين، واحتج أهل السنة بأن محل قوله: ﴿ إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله، والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله وهذا هو أصل المسألة، أجاب أهل السنة بأن الذراع المسموم قال لا تأكل مني فإني مسموم ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال لا تأكل مني فإني مسموم، وهذا باطل وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت إني أنا الله وكل ذلك باطل.

المسألة الثانية: يحتمل أن يقال إنه تعالى خلق فيه علماً ضرورياً بأن ذلك الكلام كلام الله، والمعتزلة لا يرضون بذلك قالوا لأنه لو علم بالضرورة أن ذلك الكلام كلام الله لوجب أن يعلم بالضرورة وجود الله تعالى لأنه يستحيل أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلومة بالنظر ولو علم موسى أنه الله تعالى بالضرورة لزال التكليف ويحتمل أن يقال إنه تعالى لما أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت عرف أن مثل ذلك الكلام لا يمكن أن يكون كلام الخلق ويحتمل أن يقال إن ظهور الكلام من الشجرة كظهور التسبيح من الحصى في أنه يعلم أن مثل ذلك لا يكون إلا من الله تعالى، ويحتمل أن يكون المعجز هو أنه رأى النار في الشجرة الرطبة فعلم أنه لا يقدر على الجمع بين النار وبين خضرة الشجرة إلا الله تعالى، ويحتمل أن يصح ما يروى أن إبليس لما قال له كيف عرفت أنه نداء الله تعالى؟

قال لأني سمعته بجميع أجزائي، فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم أن ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى، وهذا إنما يصح على مذهبنا حيث قلنا البنية ليست شرطاً.

المسألة الثالثة: قال في سورة النمل (8): ﴿ نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ وقال هاهنا ﴿ نودي...

إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ وقال في طه (11، 12): ﴿ نُودِىَ...

إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء.

المسألة الرابعة: قال الحسن إن موسى عليه السلام نودي نداء الوحي لا نداء الكلام والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ قال الجمهور إن الله تعالى كلمه من غير واسطة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً  ﴾ وسائر الآيات، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف لأن قوله: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ لم يكن بالوحي لأنه لو كان ذلك أيضاً بالوحي لانتهى آخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي وإلا لزم التسلسل بل المراد من قوله: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي.

أما قوله: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأمنين ﴾ فقد تقدم تفسير كل ذلك، وقوله: ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ صريح في أنه تعالى شبهها بالجان ولم يقل إنه في نفسه جان، فلا يكون هذا مناقضاً لكونه ثعباناً بل شبهها بالجان من حيث الاهتزاز والحركة لا من حيث المقدار، وقد تقدم الكلام في خوفه، ومعنى ﴿ وَلَمْ يُعَقّبْ ﴾ لم يرجع، يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفر، وقال وهب إنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى سمع موسى عليه السلام صرير أسنانها وسمع قعقعة الصخر في جوفها فحينئذ ولى، واختلفوا في العصا على وجوه: أحدها: قالوا إن شعيباً كانت عنده عصي الأنبياء عليهم السلام، فقال لموسى بالليل إذا دخلت ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم عليه السلام من الجنة ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فقال أرني العصا فلمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له معها شأناً.

وروي أيضاً أن شعيباً عليه السلام أمر ابنته أن تأتي بعصا لأجل موسى عليه السلام فدخلت البيت وأخذت العصا وأتته بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلم يقع في يدها غيرها، فلما رأى الشيخ ذلك رضي به ثم ندم بعد ذلك وخرج يطلب موسى عليه السلام فلما لقيه قال أعطني العصا، قال موسى هي عصاي فأبى أن يعطيه إياها فاختصما، ثم توافقا على أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال ضعوها على الأرض فمن حملها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطق وأخذها موسى عليه السلام بسهولة، فتركها الشيخ له ورعى له عشر سنين.

وثانيها: روى ابن صالح عن ابن عباس قال كان في دار بيرون ابن أخي شعيب بيت لا يدخله إلا بيرون وابنته التي زوجها من موسى عليه السلام، وأنها كانت تكنسه وتنطفه، وكان في ذلك البيت ثلاث عشرة عصا، وكان لبيرون أحد عشر ولداً من الذكور فكلما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصي فرجع موسى ذات يوم إلى منزله، فلم يجد أهله واحتج إلى عصا لرعيه فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها فلما علمت المرأة ذلك انطلقت إلى أبيها وأخبرته بذلك فسر بذلك بيرون وقال لها إن زوجك هذا لنبي، وإن له مع هذه العصا لشأناً.

وثالثها: في بعض الأخبار أن موسى عليه السلام لما عقد العقد مع شعيب وأصبح من الغد وأراد الرعي قال له شعيب عليه السلام اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر فإن بها تنيناً عظيماً فأخشى عليك وعلى الأغنام منه، فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يردها فلم يقدر فسار على أثرها فرأى عشباً كثيراً، ثم إن موسى عليه السلام نام والأغنام ترعى وإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى عليه السلام فقاتلته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية فلما استيقظ موسى عليه السلام رأى العصا دامية والتنين مقتولاً فارتاح لذلك وعلم أن لله تعالى في تلك العصا قدرة وآية، وعاد إلى شعيب عليه السلام وكان ضريراً فمس الأغنام فإذا هي أحسن حالاً مما كانت فسأله عن ذلك فأخبره موسى عليه السلام بالقصة ففرح بذلك وعلم أن لموسى عليه السلام وعصاه شأناً، فأراد أن يجازي موسى عليه السلام على حسن رعيه إكراماً وصلة لابنته فقال إني وهبت لك من السخال التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك الماء الذي تسقي الغنم منه ففعل ثم سقى الأغنام منه فما أخطت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إلى موسى عليه السلام وامرأته فوفى له شرطه.

ورابعها: قال بعضهم تلك العصا هي عصا آدم عليه السلام وإن جبريل عليه السلام أخذ تلك العصا بعد موت آدم عليه السلام فكانت معه حتى لقي بها موسى عليه السلام ربه ليلاً.

وخامسها: قال الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً أي أخذها من عرض الشجر يقال اعترض إذا لم يتخير، وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الوجوه على بعض لأنه ليس في القرآن ما يدل عليها والأخبار متعارضة، والله أعلم بها.

أما قوله تعالى: ﴿ أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء ﴾ فاعلم أن الله تعالى قد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات أحدها: هذه.

وثانيها: قوله في طه (22): ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء ﴾ .

وثالثها: قوله في النمل (12): ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ قال العزيزي في غريب القرآن: ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أدخلها فيه.

أما قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب ﴾ فأحسن الناس كلاماً فيه، قال صاحب الكشاف: فيه معنيان أحدهما: أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه الثاني: أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران، ومعنى قوله: ﴿ مِنَ الرهب ﴾ من أجل الرهب، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك وقوله: ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب، فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ وقوله: ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ  ﴾ فما التوفيق بينهما؟

قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح، هذا كله كلام صاحب الكشاف وهو في نهاية الحسن.

أما قوله تعالى: ﴿ فَذَانِكَ ﴾ قرئ مخففاً ومشدداً، فالمخفف مثنى (ذا)، والمشدد مثنى (ذان)، قوله: ﴿ برهانان مِن رَّبّكَ ﴾ حجتان نيرتان على صدقه في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات، لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال: ﴿ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ قال القاضي: وإذا كان كذلك فيجب أن يكون في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم، إذ المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله، وإنما تظهر لكي يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف، لأنه ثبت أنه لابد في إظهار المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي، وأما كونه لا حكمة هاهنا فلا نسلم، فلعل هناك أنواعاً من الحكم والمقاصد سوى ذلك، لا سيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه السلام أحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأجلَينِ قضَى موسَى؟

فقال: «أبعدهما وأبطأهما» وروي أنه قال: «قَضى أوفَاهُما، وتزوّج صغرَاهُما» وهذا خلاف الرواية التي سبقت.

الجذوة باللغات الثلاث.

وقرئ بهنّ جميعاً: العود الغليظ، كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال كُثَيِّرُ: بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَهَا ** جَزْلَ الْجُذَى غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ وقال: وَأَلْقَى عَلَى قَبْشٍ مِنَ النَّارِ جَذْوَةً ** شَدِيداً عَلَيْهِ حَرُّهَا وَالْتِهَابُهَا ﴿ مِن ﴾ الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي: أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة.

و ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ بدل من قوله: من شاطئ الوادي، بدل الاشتمال؛ لأنّ الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، كقوله تعالى: ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ ﴾ [الزخرف: 33] وقرئ: ﴿ البقعة ﴾ بالضم والفتح.

و ﴿ الرهب ﴾ بفتحتين، وضمتين، وفتح وسكون، وضم وسكون: وهو الخوف.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب ﴾ ؟

قلت: فيه معنيان، أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لما قلب الله العصا حية: فزع واضطرب، فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إنّ إتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء.

فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى.

والمراد بالجناح: اليد؛ لأنّ يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر.

وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضمّ جناحه إليه.

والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه: تجلده وضبطه نفسه.

وتشدّده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر؛ لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما.

وإلا فجناحاه مضمومتان إليه مشمران.

ومنه ما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أنّ كاتباً له كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه فلتة ريح، فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر: خذ قلمك، واضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك، فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي.

ومعنى قوله: (من الرهب) من أجل الرهب، أي: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك: جعل الرهب الذي كان يصيبه سبباً وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه.

ومعنى: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ على أحد التفسيرين: واحد.

ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرّر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني: إخفاء الرهب.

فإن قلت قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ وقوله: ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ ﴾ [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟

قلت: المراد بالجناح المضموم.

هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه: اليد اليسرى وكلّ واحدة من يمنى اليدين ويسراهما: جناح.

ومن بدع التفاسير: أنّ الرهب: الكم، بلغة حمير وأنهم يقولون: أعطني مما في رهبك، وليت شعري كيف صحته في اللغة؟

وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترتضي عربيتهم؟

ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية؟

وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل؟

على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمي لها ﴿ فَذَانِكَ ﴾ قرئ مخففاً ومشدّداً، فالمخفف مثنى ذاك.

والمشدّد مثنى ذلك، ﴿ برهانان ﴾ حجتان بينتان نيرتان.

فإن قلت: لم سميت الحجة برهانا؟

قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء.

برهرهة، بتكرير العين واللام معا.

والدليل على زيادة النون قولهم: أبره الرجل، إذا جاء بالبرهان.

ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السليط وهو الزيت، لإنارتها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ ﴾ أدْخِلْها.

﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ عَيْبٍ.

﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ تَتَّقِي بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ بِإدْخالِ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِ اليُسْرى وبِالعَكْسِ، أوْ بِإدْخالِهِما في الجَيْبِ فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِغَرَضٍ آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في وجْهِ العَدُوِّ إظْهارَ جَراءَةٍ ومَبْدَأً لِظُهُورِ مُعْجِزَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً اسْتِعارَةً مِن حالِ الطّائِرِ فَإنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وإذا أمِنَ واطْمَأنَّ ضَمَّهُما إلَيْهِ.

﴿ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ أيْ إذا عَراكَ الخَوْفُ فافْعَلْ ذَلِكَ تَجَلُّدًا وضَبْطًا لِنَفْسِكَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّهِما، وقَرَأ حَفْصٌ بِالفَتْحِ والسُّكُونِ والكُلُّ لُغاتٌ.

﴿ فَذانِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ، وشَدَّدَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ.

﴿ بُرْهانانِ ﴾ حُجَّتانِ وبُرْهانٌ فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ أبَرَّهُ الرَّجُلُ إذا جاءَ بِالبُرْهانِ مِن قَوْلِهِمْ بَرَّهُ الرَّجُلُ إذا ابْيَضَّ، ويُقالُ بَرْهاءُ وبَرَهْرَهَةُ لِلْمَرْأةِ البَيْضاءِ وقِيلَ فَعْلالٌ لِقَوْلِهِمْ بَرْهَنَ.

﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ مُرْسَلًا بِهِما.

﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ ﴾ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ فَكانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُرْسَلَ إلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أن يقتلون} به بغير ياه والياء يعقوب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اسْلُكْ يَدَكَ ﴾ أيْ أدْخِلْها ﴿ فِي جَيْبِكَ ﴾ هو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ يَخْرُجُ الرَّأْسُ ﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ عَيْبٍ ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ أيْ مِن أجْلِ المَخافَةِ، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وذِراعِهِ وهو الجَناحُ إلى جَنْبِهِ لِيَخِفَّ بِذَلِكَ فَزَعُهُ ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في وقْتِ فَزَعِهِ أنْ يَقْوى قَلْبُهُ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: خافَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونَ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعِيدَ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ لِتَعُودَ إلى حالَتِها الأُولى فَيَعْلَمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُوءًا بَلْ آيَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: المَعْنى إذا هالَكَ أمْرٌ لِما يَغْلِبُ مِن شُعاعِها فاضْمُمْها إلَيْكَ يَسْكُنْ خَوْفُكَ.

وفي الكَشّافِ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَلَبَ اللَّهُ تَعالى العَصا حَيَّةً فَزِعَ واضْطَرَبَ فاتَّقاها بِيَدِهِ كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَّيْءِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ اتِّقاءَكَ بِيَدِكَ فِيهِ غَضاضَةٌ عِنْدَ الأعْداءِ فَإذا ألْقَيْتَها فَكَما تَنْقَلِبُ حَيَّةً فَأدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها ثُمَّ أخْرِجْها بَيْضاءَ لِيَحْصُلَ الأمْرانِ: اجْتِنابُ ما هو غَضاضَةٌ عَلَيْكَ، وإظْهارُ مُعْجِزَةٍ أُخْرى، والمُرادُ بِالجَناحِ اليَدُ لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ، والثّانِي أنْ يُرادَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ وتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ الطّائِرِ لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمَّرانِ.

ومَعْنى مِنَ الرَّهْبِ مِن أجْلِ الرَّهْبِ أيْ إذا أصابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، جَعَلَ الرَّهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا وعِلَّةً فِيما أمَرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ، ومَعْنى ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ واحِدٌ ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وإنَّما كَرَّرَ المَعْنى الواحِدَ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ وفي الثّانِي إخْفاءُ الرُّعْبِ اهـ، وضَمُّ الجَناحِ عَلى الثّانِي كِنايَةٌ عَنِ التَّجَلُّدِ والضَّبْطِ نَحْوَ قَوْلِهِ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوْتِ فَإنَّ المَوْتَ لاقِيكَ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ الطّائِرِ عِنْدَ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، وهو في الأصْلِ مُسْتَعارٌ مِن فِعْلِ الطّائِرِ عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في التَّجَلُّدِ وضَبْطِ النَّفْسِ حَتّى صارَ مَثَلًا فِيهِ وكِنايَةً عَنْهُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَتْمِيمًا لِمَعْنى ﴿ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ فَإنَّهُ قالَ: هَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أرادَهُ مِنهُ وحَضٌّ عَلى الجِدِّ فِيهِ لِئَلّا يَمْنَعَهُ الجِدُّ الَّذِي يَغْشاهُ في بَعْضِ الأحْوالِ عَمّا أُمِرَ بِالمُضِيِّ فِيهِ.

ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّمِّ الضَّمَّ المُزِيلَ لِلْفُرْجَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وهو أبْعَدُ عَنِ المُناقَشَةِ مِمّا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

ومِثْلُهُ في البُعْدِ عَنِ المُناقَشَةِ ما قالَهُ البِقاعِيُّ: مِن أنَّهُ أُرِيدَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ عِنْدَ خُرُوجِ يَدِهِ بَيْضاءَ حَتّى لا يَحْذَرَ ولا يَضْطَرِبَ مِنَ الخَوْفِ.

وأرادَ بِأحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ الوَجْهَ الأوَّلَ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أدْخِلْ يَدَكَ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِكَ اليُسْرى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَعْنى اضْمُمْ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ بِإدْخالِ اليُمْنى تَحْتَ العَضُدِ الأيْسَرِ واليُسْرى تَحْتَ الأيْمَنِ أوْ بِإدْخالِهِما في الجَيْبِ.

وظاهِرُهُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالجَناحِ الجَناحانِ، وقَدْ صَرَّحَ الطَّبَرْسِيُّ بِذَلِكَ في نَحْوِ ما ذَكَرَ وقالَ: إنَّهُ قَدْ جاءَ المُفْرَدُ مُرادًا بِهِ التَّثْنِيَةُ كَما في قَوْلِهِ: يَداكَ يَدٌ إحْداهُما الجُودُ كُلُّهُ ∗∗∗ وراحَتُكَ اليُسْرى طِعانٌ تُغامِرُهُ فَإنَّ المَعْنى يَداكَ يَدانِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ إحْداهُما.

وفي الكَشّافِ أيْضًا مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الرَّهْبَ الكُمُّ بِلُغَةِ حَمِيرٍ وأنَّهم يَقُولُونَ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ صِحَّتُهُ في اللُّغَةِ وهَلْ سُمِعَ مِنَ الأثْباتِ الثِّقاتِ الَّتِي تُرْضى عَرَبِيَّتُهُمْ؟

ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ مَوْقِعُهُ في الآيَةِ وكَيْفَ تَطْبِيقُهُ المُفَصَّلُ كَسائِرِ كَلِماتِ التَّنْزِيلِ؟

عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ المُناجاةِ إلّا زُرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ لا كُمَّيْنِ لَها اهـ.

وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ ذاكَ لا يُطابِقُ بَلاغَةَ التَّنْزِيلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ فَإنَّ الذّاهِبِينَ إلَيْهِ قالُوا: المَعْنى عَلَيْهِ واضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ مُخْرَجَةً مِنَ الكُمِّ لِأنَّ يَدَهُ كانَتْ في الكُمِّ وهو مَعْنًى كَما تَرى ولَفْظُهُ أقْصَرُ مِنهُ في الإفادَةِ.

وأمّا أمْرُ سَماعِهِ عَنِ الأثْباتِ فَقَدْ تَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ الأصْمَعِيِّ وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ.

وقالَ الطَّيِّبِيُّ: قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأعْرابِ يَقُولُ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ أيْ ما في كُمِّكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اسْتِعْمالَ الرَّهَبِ في الكُمِّ لُغَةُ بَنِي حَنِيفَةَ أيْضًا وهو عِنْدَهم وكَذا عِنْدَ حِمْيَرَ بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ والحُزَمِ عِنْدِي عَدَمُ الجَزْمِ بِثُبُوتِ هَذِهِ اللُّغَةِ.

وعَلى تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ لا يَنْبَغِي حَمْلُ ما في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ عَلَيْها.

والظّاهِرُ أنَّ مِنَ الرَّهْبِ مُتَعَلِّقٌ بِاضْمُمْ وقالَ أبُو البَقاءِ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ولّى، وقِيلَ بِـ مُدْبِرًا، وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ: أيْ تَسْكُنُ مِنَ الرَّهْبِ، وقِيلَ بِـ اضْمُمْ، ولا يَخْفى ما في تَعَلُّقِهِ بِـ سِوى اضْمُمْ وإنْ أشارَ إلى تَعَلُّقِهِ بِـ ولّى أوْ مُدْبِرًا كَلامُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ حَيْثُ جَعَلَ الآيَةَ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.

والمُرادُ ولّى مُدْبِرًا مِنَ الرَّهْبِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: «مِنَ (الرَّهَبِ)» بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، وأكْثَرُ السَّبْعَةِ بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّهِما والكُلُّ لُغاتٌ ﴿ فَذانِكَ ﴾ أيِ العَصا واليَدُ والتَّذْكِيرُ لِمُراعاةِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بُرْهانانِ ﴾ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى انْقِلابِ العَصا حَيَّةً بَعْدَ إلْقائِها وخُرُوجِ اليَدِ بَيْضاءَ بَعْدَ إدْخالِها في الجَيْبِ فَأمْرُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ، والبُرْهانُ الحُجَّةُ النَّيِّرَةُ وهو فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ: أبَرَّهُ الرَّجُلُ إذا جاءَ بِالبُرْهانِ مِن بَرَّهُ الرَّجُلُ إذا ابْيَضَّ ويُقالُ لِلْمَرْأةِ البَيْضاءِ: بُرْهاءُ وبُرْهَرَهَةٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هو فُعْلانٌ مِنَ البَرْهِ بِمَعْنى القَطْعِ فَيُفَسَّرُ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وقِيلَ: هو فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ بَرْهَنَ ونُقِلَ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ بَرْهَنَ مُوَلَّدٌ بَنَوْهُ مِن لَفْظِ البُرْهانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «(فَذانِّكَ)» بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّهُ عِوَضٌ مِنَ الألِفِ المَحْذُوفَةِ مِن ذا حالَ التَّثْنِيَةِ لِألِفِها نُونٌ وأُدْغِمَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن لامِ ذَلِكَ كَأنَّهم أدْخَلُوها بَعْدَ نُونِ التَّثْنِيَةِ، ثُمَّ قُلِبَتِ اللّامُ نُونًا لِقُرْبِ المَخْرَجِ وأُدْغِمَتْ وكانَ القِياسُ قَلْبَ الأُولى لَكِنَّهُ حُوفِظَ عَلى عَلامَةِ التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِيسى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ هُرْمُزَ وشِبْلٌ.

«فَذانِيكَ» بِياءٍ بَعْدَ النُّونِ المَكْسُورَةِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: بَلْ لُغَةُ تَمِيمٍ، ورَواها شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْهُ أيْضًا «فَذانَيْكَ» بِفَتْحِ النُّونِ قَبْلَ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن فَتَحَ نُونَ التَّثْنِيَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ: عَلى أحْوَذِيَّيْنِ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ∗∗∗ فَما هي إلّا لَمْحَةٌ وتَغِيبُ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً بَعْدَها ياءٌ، قِيلَ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَلْ لُغَتُهم تَخْفِيفُها (ومِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ بُرْهانانِ أيْ كائِنانِ مِن رَبِّكَ (وإلى) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْضًا هو عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لَهُ أيْ واصِلانِ إلَيْهِمْ، وعَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ آخَرِينَ حالٌ مِنهُ أيْ مُرْسَلًا أنْتَ بِهِما إلَيْهِمْ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ ﴿ إنَّهُمْ ﴾ أيْ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ ﴿ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ أيْ خارِجِينَ عَنْ حُدُودِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ فَكانُوا أحِقّاءَ بِأنْ نُرْسِلَكَ بِهاتَيْنِ المُعْجِزَتَيْنِ الباهِرَتَيْنِ إلَيْهِمْ، والكَلامُ في كانُوا يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَلَمَّا أَتاها يعني: النار نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ يعني: من جانب الوادي الأيمن عن يمين موسى  فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ يعني: من الموضع المبارك الذي كلم الله تعالى فيه موسى  مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ يعني: الذي يناديك رب العالمين.

قوله عز وجل: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ يعني: ونودي بأن ألق عصاك فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ وقد ذكرناه.

قال الله عزّ وجلّ: يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ يعني: من الحية يعني: قد آمنت أن ينالك منها مكروه اسْلُكْ يَدَكَ أي: أدخل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ يعني: يدك.

قال بعضهم: هذا ينصرف إلى قوله: وَلَمْ يُعَقِّبْ من الرهب، يعني: لم يلتفت من الخوف.

ويقال: كان خائفاً، فأمره بأن يضم يده إلى صدره، ففعل حتى سكن عن قلبه الرعب.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو مِنَ الرَّهْبِ بنصب الراء والهاء، وقرأ عاصم في رواية حفص بنصب الراء، وجزم الهاء، والباقون بضم الراء، وجزم الهاء، ومعنى ذلك كله واحد، وهو الخوف.

وقال بعضهم: هو الكدر.

ثم قال: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ يعني: اليد والعصا آيتان وعلامتان من ربك، وحجتان لنبوتك.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو.

فَذانِكَ بتشديد النون.

وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان، وهو الإشارة إلى شيئين.

يقال للواحد: ذلك وذاك، وللإثنين ذانك وذايك.

إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ومعناه: أرسلناك إلى فرعون بهاتين الآيتين إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: عاصين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ- غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ لَبِسَ ثَوْباً، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» «١» رواه أبو داود واللفظُ له، والترمذيُّ وابن ماجه والحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح على شرط البخاريِّ، وقالَ الترمذيُّ:

حسنٌ غريب، انتهى من «السلاح» .

فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)

وقوله تعالى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ ...

الآية: في هذا الموضِع اختصارٌ يدلُّ عليه الظاهرُ، قدَّرَهُ ابنُ إسحاقٍ: فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من الرجل، فأمر إحدى ابنَتَيْه أنْ تدعوَه له، فجاءته، على ما في الآية/.

وقوله: عَلَى ٥٧ أاسْتِحْياءٍ أي: خَفِرَةٍ، قد سَتَرَتْ وَجْهَهَا بِكُمِّ دِرْعِها قاله عمر بن الخطاب «٢» - رضي الله عنه-.

وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «الحياء من الإيمان والإيمان فِي الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ والجَفَاءُ فِي النّار» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث

حسن صحيح انتهى.

والجمهورُ أن الداعِيَ لموسَى- عليه السلامُ- هو شُعَيْبُ عليه السلام وأن المرأتينْ ابنتَاه، ف قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ...

الآية، فَقَام يَتْبعُهَا فَهَبَّتْ رِيحٌ ضَمَّتْ قَمِيصَها إلى بَدَنِهَا فَتَحَرَّجَ مُوسَى عليه السلام من النظر إليها فقال لها: امشي خلفي وأرشديني إلى الطريق، فَفَهِمَتْ عَنْهُ فذلك سَبَبُ وَصْفِهَا له بِالأَمَانَةِ قاله ابن عباس «١» .

فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ فآنسَه بقَولهِ: لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فلما فَرَغ كلامُهُمَا قالت إحدى الابنتين يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فقال لها أبوها: ومن أين عَرَفْتِ هذا منه؟

قالت: أَمّا قوتُه فَفِي رفعِ الصَّخْرَةِ، وأمّا أمَانَتُهُ فَفِي تَحَرُّجِه عَنِ النَّظَرِ إلَيَّ قاله ابن عباس «٢» وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له الأَبُ عند ذلك: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ...

الآية، قال ابن العربي: فِي «أحْكَامِهِ» «٣» قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ يدلُّ على أنه عَرْضٌ لاَ عَقْدٌ لأنه لو كان عَقْداً، لعَيَّن المعقودَ عَلَيْهَا لأن العلماءَ وإنْ اختلفوا في جواز البيع، إذا قَال له: بعتُكَ أَحَدَ عَبْدَيَّ هذينِ بثَمَنِ كذا، فإنهم اتَّفَقُوا على أن ذلكَ لاَ يجُوزُ في النكاحَ لأنه خيارٌ وشَيْءٌ مِن الخيارِ لاَ يُلْحَقَ بالنِّكَاحِ «٤» .

ورُوِي أنه قال شعيبٌ: أَيَّتُهما تُرِيد؟

قال:

الصغرى، انتهى.

«وتَأجَر» معناه: تُثِيبُ وجَعَلَ شعيبُ الثمانيةَ الأعوامَ شَرْطاً وَوَكَلَ العَامَيْنِ إلى المُرُوءَةِ، ولما فَرَغَ كلامُ شُعَيْبٍ قَرَّره موسَى وكَرَّرَ معناه على جهة التوثقِ في أن الشَّرط إنما وقع في ثمان حجج، وأَيَّمَا استفهامٌ نُصِبَ ب قَضَيْتُ و «ما» صلةٌ للتّأكيد و «لا عدوان» لا تباعة عليّ، و «الوكيل» : الشاهد القائم بالأمر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ مِنها ﴾ أيْ: مِن مِصْرَ ﴿ خائِفًا ﴾ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ [القَصَصِ: ١٨ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ أهْلَ مِصْرَ.

﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تُجاهُ مَدْيَنَ ونَحْوُها، وأصْلُهُ: اللِّقاءُ، وزِيدَتْ فِيهِ التّاءُ، قالَ الشّاعِرُ: [ أمَّلْتُ خَيْرَكَ هَلْ تَأْتِي مَواعِدُهُ] فاليَوْمَ قَصَّرَ عَنْ تِلْقائِكَ الأمَلُ أيْ: عَنْ لِقائِكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَ خائِفًا بِغَيْرِ زادٍ ولا ظَهْرٍ، وكانَ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ مَسِيرَةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ، فِ ﴿ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ: قَصَدَهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلِكًا فَدَلَّهُ، قالُوا: ولَمْ يَكُنْ لَهُ في طَرِيقِهِ طَعامٌ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، فَوَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وخُضْرَةَ البَقْلِ تَتَراءى في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ؛ والأُمَّةُ: الجَماعَةُ، وهُمُ الرُّعاةُ، ﴿ يَسْقُونَ ﴾ مَواشِيَهم ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ﴾ أيْ: مِن سِوى الأُمَّةِ ﴿ امْرَأتَيْنِ ﴾ وهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ؛ قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ الكُبْرى: صَبُورًا والصُّغْرى: عِبْرا ﴿ تَذُودانِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَكُفّانِ غَنَمَهُما، فَحَذَفَ الغَنَمَ اخْتِصارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما فَعَلَتا ذَلِكَ لِيَفْرَغَ النّاسُ وتَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ، قالَ مُوسى: ﴿ ما خَطْبُكُما ﴾ أيْ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ؟!

﴿ قالَتا لا نَسْقِي ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " نُسْقِي " بِرَفْعِ النُّونِ ﴿ حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: " يَصْدُرُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ: حَتّى يَرْجِعَ الرُّعاءُ.

وقَرَأ الباقُونَ: " يَصْدُرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أرادُوا: حَتّى يَرِدَ الرِّعاءُ غَنَمَهم عَنِ الماءِ.

والرِّعاءُ: جَمْعُ راعٍ، كَما يُقالُ: صاحِبٌ وصِحابٌ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " الرِّعاءُ " بِضَمِّ الرّاءِ، والمَعْنى: نَحْنُ امْرَأتانِ لا نَسْتَطِيعُ أنْ نُزاحِمَ الرِّجالَ ﴿ وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ؛ فَلِذَلِكَ احْتَجْنا نَحْنُ إلى أنْ نَسْقِيَ، وكانَ عَلى تِلْكَ البِئْرِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإذا فَرَغَ الرِّعاءُ مِن سَقْيِهِمْ أعادُوا الصَّخْرَةَ، فَتَأْتِي المَرْأتانِ إلى فُضُولِ حِياضِ الرِّعاءِ فَتَسْقِيانِ غَنَمَهُما.

﴿ فَسَقى لَهُما ﴾ مُوسى.

وَفِي صِفَةِ ما صَنَعَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذَهَبَ إلى بِئْرٍ أُخْرى عَلَيْها صَخْرَةٌ لا يَقْتَلِعُها إلّا جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ، فاقْتَلَعَها وسَقى لَهُما، قالَهُعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: أنَّهُ زاحَمَ القَوْمَ عَلى الماءِ، وسَقى لَهُما، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والمَعْنى: سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما.

﴿ ثُمَّ تَوَلّى ﴾ أيْ: انْصَرَفَ ﴿ إلى الظِّلِّ ﴾ وهو ظِلُّ شَجَرَةٍ ﴿ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما ﴾ اللّامُ بِمَعْنى إلى، فَتَقْدِيرُهُ: إنِّي إلى ما ﴿ أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ وأرادَ بِالخَيْرِ: الطَّعامُ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ أسْمَعَ المَرْأتَيْنِ هَذا الكَلامُ تَعْرِيضًا أنْ تُطْعِماهُ.

﴿ فَجاءَتْهُ إحْداهُما ﴾ المَعْنى: فَلَمّا شَرِبَتْ غَنَمُهُما رَجَعَتا إلى أبِيهِما فَأخْبَرَتاهُ خَبَرَ مُوسى، فَبَعَثَ إحْداهُما تَدْعُو مُوسى.

وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الصُّغْرى.

والثّانِي: الكُبْرى.

فَجاءَتْهُ ﴿ تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ ﴾ قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها.

وَفِي سَبَبِ اسْتِحْيائِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِن صِفَتِها الحَياءُ، فَهي تَمْشِي مَشْيَ مَن لَمْ يَعْتَدِ الخُرُوجَ والدُّخُولَ.

والثّانِي: لِأنَّها دَعَتْهُ لِتُكافِئُهُ، وكانَ الأجْمَلُ عِنْدَها أنْ تَدْعُوَهُ مِن غَيْرِ مُكافَأةٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّها رَسُولُ أبِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا سَمِعَ مُوسى هَذا القَوْلَ كَرَّهَهُ وأرادَ أنْ لا يَتْبَعَها، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا لِلْجُهْدِ الَّذِي بِهِ مِنِ اتِّباعِها، فَتَبِعَها، فَكانَتْ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَها فَيَصِفُّ بَعْضَ جَسَدِها، فَناداها: يا أمَةَ اللَّهِ، كُونِي خَلْفِي ودُلِّينِي الطَّرِيقَ ﴿ فَلَمّا جاءَهُ ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى شُعَيْبًا ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ ﴾ أيْ: أخْبَرَهُ بِأمْرِهِ مِن حِينِ وُلِدَ والسَّبَبُ الَّذِي أخْرَجَهُ مِن أرْضِهِ ﴿ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ: لا سُلْطانَ لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِنا ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ.

﴿ قالَتْ إحْداهُما ﴾ وهي الكُبْرى: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ أيْ: اتَّخَذَهُ أجِيرًا ﴿ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ ﴾ أيْ: خَيْرُ مَن اسْتَعْمَلْتَ عَلى عَمَلِكَ مَن قَوِيَ عَلى عَمَلِكَ وأدّى الأمانَةَ؛ وإنَّما سَمَّتْهُ قَوِيًّا، لِرَفْعِهِ الحَجَرَ عَنْ رَأْسِ البِئْرِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتَقى بِدَلْوٍ لا يُقِلُّها إلّا العَدَدُ الكَثِيرُ مِنَ الرِّجالِ، وسَمَّتْهُ أمِينًا، لِأنَّهُ أمَرَها أنْ تَمْشِيَ خَلْفَهُ.

وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَها شُعَيْبُ: قَدْ رَأيْتُ قُوَّتَهُ، فَما يُدْرِيكَ بِأمانَتِهِ؟

فَحَدَّثَتْهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَرَغِبَ فِيهِ شُعَيْبٌ، فَقالَ لَهُ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ ﴾ أيْ: أزْواجُكَ ﴿ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَأْجُرُنِي وتَأْجِرُنِي، بِضَمِّ الجِيمِ وكَسْرِها، لُغَتانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: تَكُونُ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ ﴿ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ: فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: في العَشْرِ ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتَ.

﴿ قالَ ﴾ لَهُ مُوسى ﴿ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي وصَفْتَ وشَرَطْتَ عَلَيَّ فَلَكَ، وما شَرَطْتَ لِي مِن تَزْوِيجِ إحْداهُما فَلِيَ، فالأمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَنا وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ أيَّما الأجَلَيْنِ ﴾ يَعْنِي: الثَّمانِيَ والعَشَرَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما " زائِدَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَضَيْتُ ﴾ أيْ: أتْمَمْتُ ﴿ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ﴾ أيْ: لا سَبِيلَ عَلَيَّ؛ والمَعْنى: لا تَعْتَدِ عَلَيَّ بِأنْ تُلْزِمَنِي أكْثَرَ مِنهُ ﴿ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: واللَّهُ شاهِدُنا عَلى ما عَقَدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذا الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شُعَيْبٌ نَبِيُّ اللَّهِ  ، وعَلى هَذا أكْثَرُ [أهْلِ] التَّفْسِير، وفِيهِ أثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ  يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ وهْبٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ صاحِبُ مَدْيَنَ، واسْمُهُ يَثْرى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: رَجُلٌ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ: قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يَثْرُونُ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَرَّةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.

واخْتَلَفُوا في الَّتِي تَزَوَّجَها مُوسى مِنَ الإبْنَتَيْنِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: الصُّغْرى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الكُبْرى، قالَهُ مُقاتِل.

وَفِي اسْمِ الَّتِي تَزَوَّجَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَفُورِيا، حَكاهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

والثّانِي: صَفُورَةُ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.

والثّالِثُ: صَبُورًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أو جَذْوَةٍ مِن النارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِن الشَجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرَهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ .

لَمّا فَرَغَ كَلامُ شُعَيْبٍ كَرَّرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَرَّرَهُ مَعْناهُ عَلى جِهَةِ التَوَثُّقِ في أنَّ الشَرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِ حِجَجٍ.

و"أيَّما" اسْتِفْهامٌ نُصِبَ بِـ "قَضَيْتُ"، و"ما" صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا عُدْوانَ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَلا عِدْوانَ" بِكَسْرِ العَيْنِ، والمَعْنى: لا تَبِعَةَ عَلَيَّ مِن قَوْلٍ ولا فِعْلٍ.

و"الوَكِيلُ": الشاهِدُ القائِمْ بِالأمْرِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ولَمّا كَمُلَ هَذا النِكاحُ بَيْنَهُما أمَرَ شُعَيْبٌ مُوسى عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسِيرَ إلى بَيْتٍ لَهُ فِيهِ عِصِيٌّ، وفِيهِ هَذِهِ العَصا، فَرُوِيَ أنَّ العَصا وثَبَتْ إلى مُوسى فَأخَذَها، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ مِن غَيْرِ ورَقَةِ الرَيْحانِ، فَرُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا أمَرَهُ بِرَدِّها فَفَعَلَ وذَهَبَ يَأْخُذُ غَيْرَها فَوَثَبَتْ إلَيْهِ، وفَعَلَ ذَلِكَ ثالِثَةً، فَلَمّا رَأى شُعَيْبٌ ذَلِكَ عَلِمْ أنَّهُ مُرَشَّحٌ لِلنُّبُوَّةِ فَتَرَكَها لَهُ، وقِيلَ: إنَّما تَرَكَها لَهُ لِأنَّهُ أمَرَ مُوسى بِتَرْكِها فَأبى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: نَمُدُّ إلَيْها جَمِيعًا فَمَن طاوَعَتْ فَهي لَهُ، فَمَدَّ إلَيْها شُعَيْبٌ فَثَقُلَتْ، ومَدَّ مُوسى فَخَفَّتْ ووَثَبَتْ إلَيْهِ، فَعَلِما أنَّ هَذا مِنَ التَرْشِيحِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ عَصا مُوسى إنَّما رَفَعَها إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ لَيْلًا عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى مَدْيَنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ ﴾ ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَألَنِي رَجُلٌ مِنَ النَصارى: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟

فَقُلْتُ: لا أدْرِي حَتّى أقْدَمَ عَلى خَيْرِ العَرَبِ، أعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: قَضى أكْمَلَهُما وأوفاهُما، إنَّ رَسُولَ اللهِ  إذا قالَ وفّى، فَعُدْتُ فَأعْلَمْتُ النَصْرانِيَّ، فَقالَ: صَدَقَ واللهِ هَذا العالِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَبِيَّ  سَألَ في ذَلِكَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَضى عَشْرَ سِنِينَ»، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَضى عَشْرًا وعَشْرًا بَعْدَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِما قَضى الأجَلَ أرادَ أنْ يَسِيرَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ وقَوْمِهِ، وقَدْ كانَ لا مَحالَةَ أحَسَّ بِالتَرْشِيحِ لِلنُّبُوَّةِ، وكانَ رَجُلًا غَيُورًا لا يَصْحَبُ الرِفاقَ، فَكانَ في بَعْضِ طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، قالَ النَقّاشُ: كانَتْ لَيْلَةَ جُمْعَةٍ، فَفَقَدُوا النارَ، وأصْلَدَ الزِنادُ، وضَلُّوا الطَرِيقَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الخَصَرُ، فَبَيْنا هو كَذَلِكَ إذْ رَأى نارًا، وكانَ ذَلِكَ نُورًا مِن نُورِ اللهِ تَعالى قَدِ التَبَسَ بِشَجَرَةٍ، قالَ وهْبٌ: كانَتْ عُلِّيقًا، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ عَوْسَجًا، وقِيلَ: زُعْرُورًا، وقِيلَ: سَمُرَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

و"آنَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ، والإحْساسُ ها هُنا بِالبَصَرِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا  ﴾ ، ومِنها قَوْلُ حَسّانَ: انْظُرْ خَلِيلِي بِبابِ جِلَّقَ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مَن أحَدِ وكانَ هَذا الأمْرُ كُلُّهُ في جانِبِ الطُورِ، وهو جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالشامِ، والطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ، وخَصَّصَهُ قَوْمٌ بِأنَّهُ الَّذِي لا يُنْبِتُ، فَلَمّا رَأى مُوسى النارَ سُرَّ، فَقالَ لِأهْلِهِ: أقِيمُوا فَقَدْ رَأيْتُ نارًا ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ عَنِ الطَرِيقِ، أيْنَ هُوَ؟

﴿ أو جَذْوَةٍ ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ النارِ في قِطْعَةِ عُودٍ كَبِيرَةٍ لا لَهَبَ لَها، إنَّما هي جَمْرَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها ∗∗∗ جَزْلَ الجِذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا دَعِرٍ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأحْسَبُ أنَّ أصْلَ الجَذْوَةَ أُصُولُ الشَجَرِ، وأهْلُ البَوادِي يُوقِدُونَها أبَدًا، فَهي الجَذْوَةُ في الحَقِيقَةِ، ومِنهُ قَوْلُ السُلَمِيِّ يَصِفُ الصَلى: حَمّا حُبُّ هَذا النارِ حُبَّ خَلِيلِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهي دُونَ الحَبائِبُ وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجِذا في رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "جِذْوَةٍ" بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: "جُذْوَةٍ" بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمْ: "جَذْوَةٍ" بِفَتْحِها، وهي لُغاتٌ، والصَلى: حَرُّ النارِ، و"تَصْطَلُونَ" تَفْتَعِلُونَ، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً.

فَلَمّا أتى مُوسى ذَلِكَ الضَوْءَ الَّذِي رَآهُ وهو في تِلْكَ اللَيْلَةِ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، نُبِّئَ  ، فَرُوِيَ «أنَّهُ كانَ يَمْشِي إلى ذَلِكَ النُورِ فَكانَ يَبْعُدُ مِنهُ، تَمْشِي بِهِ الشَجَرَةُ وهي غُضَّةٌ خَضْراءُ حَتّى نُودِيَ».

والشاطِئُ والشَطُّ: ضَفَّةُ الوادِي، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ اليُمْنِ صِفَةً لِلْوادِي أو لِلشّاطِئِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادِلًا لِلْيَسارِ، فَذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ الشاطِئُ إلّا بِالإضافَةِ إلى مُوسى في اسْتِقْبالِهِ مَهْبِطَ الوادِي، أو بِعَكْسِ ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قِيلَ.

وبَرَكَةُ البُقْعَةْ هي ما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللهِ تَعالى وأنْوارِهِ وتَكْلِيمِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والناسُ عَلى ضَمِّ الباءِ مِن "بُقْعَةٍ"، وقَرَأ بِفَتْحِها الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ: "هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ" بِفَتْحِ الباءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الشَجَرَةِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ سَمِعَ ما سَمِعَ مِن جِهَةِ الشَجَرَةِ، وسَمِعَ وأدْرَكَ غَيْرَ مُكَيَّفٍ ولا مُحَدَّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يا مُوسى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنِّي أنا اللهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "إنِّي".

ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِإلْقاءِ العَصا فَألْقاها فانْقَلَبَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً، ولَها اضْطِرابُ الجانِّ، وهو صَغِيرُ الحَيّاتِ، فَجَمَعَتْ هَوْلَ الثُعْبانِ ونَشاطَ الجانِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ الجانُّ يَعُمُ الصَغِيرَ والكَبِيرَ، وإنَّما شَبَّهَ بِالجانِّ جُمْلَةَ العَصا لِاضْطِرابِها فَقَطْ، ووَلّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مُدْبِرًا فَزِعًا مِنها.

﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ مَعْناهُ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن تَوَلِّيهِ، فَقالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ: ﴿ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ ، وهَذا مِن تَأْمِينِ اللهِ تَعالى إيّاهُ، ثُمْ أمَرَهُ بِأنْ يُدْخِلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ، وهو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ يَخْرُجُ رَأْسُ الإنْسانِ، ورُوِيَ أنَّ كُمُ الجُبَّةِ كانَ في غايَةِ الضِيقِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَيْبٌ تُدْخِلُ يَدَهُ إلّا في جَيْبِهِ.

و"اسْلُكْ" مَعْناهُ: أدْخِلْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ مَرَضٍ ولا مِثْلِهِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ كانَتْ تُضِيءُ كَأنَّها قِطْعَةُ شَمْسٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَهْبِ ﴾ ، ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ والِاسْتِعارَةِ، وأنَّهُ أمَرَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ وأنَّهُ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "اشْدُدْ حَيازِيمَكَ، وارْبُطْ جَأْشَكَ"، أيْ: شَمِّرْ في أمْرِكَ، ودَعِ الرَهْبَ، وذَلِكَ لَمّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وفَزَعُهُ في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ بُرْهانانِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هي إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "الرَهَبِ" بِفَتْحِ الراءِ والهاءِ، وقَرَأ عاصِمْ، وقَتادَةُ: "الرَهْبِ" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ أيْضًا: "الرُهُبِ" بِضَمِّ الراءِ والهاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "فَذانِّكَ" بِشَدِّ النُونِ، وَقَرَأ الباقُونَ: "فَذانِكَ" بِالتَخْفِيفِ بِالنُونِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "فَذانِيكَ" بِياءٍ بَعْدَ النُونِ المُخَفَّفَةِ، أبْدَلَ إحْدى النُونَيْنِ ياءً كَراهَةَ التَضْعِيفِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَذانِّيكَ" بِالياءِ أيْضًا مَعَ شَدِّ النُونِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ لُغَتَهم تُخْفِي النُونَ، و"بُرْهانانِ": حُجَّتانِ ومُعْجِزَتانِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جرى التأكيد على الغالب في استعمال أمثاله من الأخبار الغريبة ليتحقق السامع وقوعها وإلا فإن الله قد علم ذلك لما قال له ﴿ اضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ [القصص: 32].

والمعنى: فأخاف أن يذكروا قتلي القبطي فيقتلوني.

فهذا كالاعتذار وهو يعلم أن رسالة الله لا يتخلص منها بعذر، ولكنه أراد أن يكون في أمن إلهي من أعدائه.

فهذا تعريض بالدعاء، ومقدمة لطلب تأييده بهارون أخيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ يَعْنِي العَمَلَ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِ.

﴿ وَسارَ بِأهْلِهِ ﴾ أيْ بِزَوْجَتِهِ.

﴿ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا ﴾ أيْ رَأى، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالعِلْمِ.

﴿ قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ الَّذِي أرادَ قَصْدَهُ هَلْ هو عَلى صَوْبِهِ أوْ مُنْحَرِفٌ عَنْهُ.

الثّانِي: بِخَبَرِ النّارِ الَّتِي رَآها هَلْ هي لِخَيْرٍ يَأْنَسُ بِهِ أوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُهُ.

﴿ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الجَذْوَةُ أصْلُ الشَّجَرَةِ فِيها نارٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها عُودٌ في بَعْضِهِ نارٌ ولَيْسَ في بَعْضِهِ نارٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها عُودٌ فِيهِ نارٌ لَيْسَ لَهُ لَهَبٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: أنَّها شِهابٌ مِن نارِ ذِي لَهَبٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الشّاعِرُ وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ جُذْوَةً شَدِيدٌ عَلَيْها حَمْيُها والتِهابُها.

﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ تَسْتَدْفِئُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ يَعْنِي النّارَ أيْ قَرُبَ مِنها.

﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ ﴾ وهي البُقْعَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ فِيها لِمُوسى: " اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى " واحْتَمَلَ وصْفُها بِالبَرَكَةِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَ فِيها مُوسى وخَصَّهُ فِيها بِالرِّسالَةِ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن بِقاعِ الخِصْبِ وبِلادِ الرِّيفِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فَأحَلَّ اللَّهُ كَلامَهُ في الشَّجَرَةِ حَتّى سَمِعَهُ مُوسى مِنها، لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَهُ مِنَ اللَّهِ وهَذِهِ أعْلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ أنْ يَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ رَسُولٍ مُبَلِّغٍ وكانَ الكَلامُ مَقْصُورًا عَلى تَعْرِيفِهِ بِأنَّهُ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ إثْباتًا لِوَحْدانِيَّتِهِ ونَفْيًا لِرُبُوبِيَّةِ غَيْرِهِ، وصارَ بِهَذا الكَلامِ مِن أصْفِياءِ اللَّهِ مِن رُسُلِهِ لِأنَّهُ لا يَصِيرُ رَسُولًا إلّا بَعْدَ أمْرِهِ بِالرِّسالَةِ، والأمْرُ بِها إنَّما كانَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أضافَ البَرَكَةَ إلى البُقْعَةِ دُونَ الشَّجَرَةِ والشَّجَرَةُ بِالبَرَكَةِ أخَصُّ لِأنَّ الكَلامَ عَنْها صَدَرَ ومِنها سُمِعَ؟

قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّجَرَةَ لَمّا كانَتْ في البُقْعَةِ أضافَ البَرَكَةَ إلى البُقْعَةِ لِدُخُولِ الشَّجَرَةِ فِيها ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الشَّجَرَةَ فَتَخْرُجُ البُقْعَةُ وصارَ إضافَتُها إلى البُقْعَةِ أعَمَّ.

الثّانِي: أنَّ البَرَكَةَ نَفَذَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى البُقْعَةِ فَصارَتِ البُقْعَةُ بِها مُبارَكَةً فَلِذَلِكَ خَصَّها اللَّهُ بِذِكْرِ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّجَرَةُ هي العَلِيقُ وهي العَوْسَجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ ألْقِ عَصاكَ ﴾ الآيَةَ وإنَّما أمَرَهُ بِإلْقاءِ عَصاهُ في هَذا الحالِ لِيَكُونَ بُرْهانًا عِنْدَهُ بِأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامُ اللَّهِ ثُمَّ لِيَكُونَ بُرْهانًا لَهُ إلى مَن يُرْسَلُ إلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتْ بُرْهانًا إلَيْهِ وبُرْهانًا لَهُ فَلِمَ ولّى مِنها هارِبًا؟

قِيلَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: رَأى ما خالَفَ العادَةَ فَخافَ.

الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ الأمْرَ بِإلْقائِها لِأجْلِ أذاها فَوَلّى هارِبًا حَتّى نُودِيَ فَعَلِمَ.

﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَمْ يَثْبُتْ، اشْتِقاقًا مِنَ العَقِبِ الَّذِي يُثَبِّتُ القَدَمَ.

الثّانِي: ولَمْ يَتَأخَّرْ لِسُرْعَةِ مُبادَرَتِهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أيْ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى عَقِبِهِ لِشِدَّةِ خَوْفِهِ وسُرْعَةِ هَرَبِهِ.

﴿ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الآمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ.

الثّانِي: مِنَ المُرْسَلِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ بَحْرٍ: فَصارَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ رَسُولًا بِهَذا القَوْلِ.

وَعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ يَصِيرُ رَسُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ ﴾ والبُرْهانانِ اليَدُ والعَصا.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَناحَ الجَيْبُ جَيْبُ القَمِيصِ وكانَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ.

الثّانِي: أنَّ الجَيْبَ جَنْبُ البَدَنِ.

﴿ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّهْبَ الكُمُّ، قالَهُ مُوَرِّقٌ.

الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخَوْفِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ نودي من شاطئ الواد الأيمن ﴾ قال: كان النداء من السماء الدنيا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ قال: الأيمن عن يمين موسى عليه السلام عند الطور.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في الآية قال: كان النداء من أيمن الشجرة.

والنداء من السماء.

وذلك في التقديم والتأخير.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: نودي عن يمين الشجرة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ من الشجرة ﴾ قال: أخبرت أنها عوسجة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الكلبي ﴿ من الشجرة ﴾ قال: شجرة العوسج.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها موسى عليه السلام، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها، فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت على النبي صلى الله عليه وسلم فاهوى إليها بعيري وهو جائع، فأخذ منها ملء فيه فلاكه فلم يستطع أن يسيغه فلفظه، فصليت على النبي وسلمت، ثم انصرفت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن نوف البكالي: أن موسى عليه السلام لما نودي من شاطئ الوادي الأيمن قال: ومن أنت الذي تنادي؟

قال: أنا ربك الأعلى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الثقفي قال: أتى موسى عليه السلام الشجرة ليلاً وهي خضراء والنار تتردد فيها، فذهب يتناول النار فمالت عنه، فذعر وفزع، فنودي من شاطئ الوادي الأيمن قال: عن يمين الشجرة فاستأنس بالصوت، فقال: أين أنت.

أين أنت؟

قيل: الصوت..

أنا فوقك قال: ربي؟!

قال: نعم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ شَاطِىءِ الوادي ﴾ جانبه والأيمن صفة للشاطئ اليمين، ويحتمل أن يكون من اليمن فيكون صفة للوادي ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ روي: أنها كانت عوسجة ﴿ جَآنٌّ ﴾ ذكر من النمل ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أي أدخلها فيه، والجيب هو فتح الجبة من يحث يخرج الإنسان رأسه ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ الجناح اليد أو الإبط أو العضد، أمره الله لما خاف من الحية أن يضمه إلى جنبه ليخفَّ بذلك خوفه، فإن من شاء الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يخف خوفه، وقيل: ذلك على وجه المجاز، والمعنى أنه أمر بالعزم على ما أمر به: كقوله اشدد حيازيمك واربط جأشك.

﴿ مِنَ الرهب ﴾ أي من أجل الرَّهْب، وهو الخوف، وفيه ثلاثة لغات: فتح الراء والهاء، وفتح الراء وإسكان الهاء، وضم الراء وإسكان الهاء ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ ﴾ أي حجتان والإشارة إلى العصا واليد ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ يتعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.

﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.

﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.

﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.

التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.

﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.

ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟

فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.

وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.

و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.

وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.

وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.

﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.

وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.

وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.

ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.

يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.

قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.

فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.

فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟

قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.

فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟

فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.

فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله  أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.

فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.

وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.

وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.

فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.

فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.

قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.

ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.

قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.

روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.

ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.

قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.

وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.

جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.

وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.

قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.

وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.

قوله  ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.

وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء  ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.

وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.

ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.

وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله  يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟

أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.

وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.

وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.

ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .

وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.

والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.

والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.

وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه  منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.

وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.

و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.

روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.

والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.

والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.

فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.

فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟

قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.

قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.

قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله  سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال  ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.

قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون  ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.

وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.

وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.

ثم بين  كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.

والأصح أنهما متغايران.

والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.

وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.

وهو عند الأطباء سن الوقوف.

فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.

والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.

قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره  في هذه السورة.

وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.

أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.

وقال الضحاك: هي عين شمس.

وقيل: هي مصر.

وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.

وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.

قاله السدي.

وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.

قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.

عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.

واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.

وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.

يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.

وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.

الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟

وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.

وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.

فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.

إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.

ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.

قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.

وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.

وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.

وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.

وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.

عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.

فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.

وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.

فغويّ بمعنى غاوٍ.

وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.

قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.

وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.

قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.

وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.

وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.

وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.

قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.

والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.

وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين  ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.

﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.

التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.

﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.

﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.

﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.

﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.

﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.

قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.

﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.

﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.

ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.

إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.

وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.

﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ﴾ : قال بعضهم: أخذ طريقاً إذا سلك ذلك الطريق وأخذ فيه خرج تلقاء مدين، أو وقع تلقاء المكان المقصود إليه.

وقوله: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ أي: الطريق الذي كان يقصده ويطلبه وهو طريق مدين، وذكر أنه كان ضل الطريق.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ أي: ورد البئر التي كان ماء مدين من تلك البئر.

﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ ﴾ أمة أي: جماعة.

وقيل: أناس من الناس يسقون أغنامهم ومواشيهم.

﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ﴾ : قال: بعضهم: ﴿ تَذُودَانِ ﴾ : تحبسان حتى يفرغ الناس ويصدرون ويخلو لهما البئر.

وقال بعضهم: ﴿ تَذُودَانِ ﴾ أي: تطردان أغنامهما لتسقياها.

ثم قوله: ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تذودان غنمهما ولا تسقيانها حتى يصدر الرعاء؛ لما لا تتركان تسقيان غنمهما مع غنم أولئك الرعاء حتى يصدروا هم.

والثاني: لا تمنعان ذلك، ولكنهما تستحيان أن تزاحما الرجال وتختلطا بهم، فتنتظران فراغهم صدور الرعاء عنها.

فإن قيل: فما بالهما لا تتخلفان وقت اجتماع القوم، وتشهدان في ذلك الوقت، ولا تنتظران خلاء البئر عنهم؟!

قيل: لما ذكر أن على رأس البئر حجرا يلقى عليه لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا؛ وكذلك الدلو التي يستقى منها لا يطيقها إلا كذا كذا من عشرة إلى أربعين على ما ذكر، فهما تشهدان ذلك البئر وقت شهود القوم وحضورهم؛ ليتولوا هم نزح الدلو واستقاءها، ولو تخلفتا وانتظرتا خلاء البئر عنهم ثم تأتيان، لم تقدرا على نزح الماء والدلو، ورفع الحجر الذي ذكر أنه كان على رأس البئر، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ أي: ما شأنكما وما أمركما؟

﴿ قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ﴾ ؛ لما ذكرنا.

وقرئ: ﴿ يُصْدِرَ ﴾ بنصب الياء وبالرفع جميعاً.

فمن قرأه بالنصب فإنه يقول: حتى يصدر الرعاء بأنفسهم أي: يرجع.

ومن قرأه بالرفع، أي: حتى يصرفوا ويرجعوا أغنامهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ : تذكران - والله أعلم - عذر أبيهما في التخلف عن سقي الغنم، وإرساله إياهما في ذلك دون تولي ذلك بنفسه، وقالا: ذلك لكبره وضعفه ما يتخلف عن ذلك ويرسلهما، وإلا لا معنى لذكر كبر أبيهما بلا سبب يحملهما على ذلك سوى ما ذكرنا.

وجائز أن يكون لمعنى آخر لا نعلمه.

وقوله: ﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ ﴾ : دل أن البئر التي كانت تسقى الماشية منها كانت في الشمس؛ حيث أخبر أنه أسقى لهما ثم تولى إلى الظل.

وفيه أن لا بأس بأن يجلس في الظل.

وقوله: ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ قيل: إن هذا منه شكاية عما أصابه من الجوع؛ لأنه ذكر أنه خرج من المصر إلى مدين هارباً من فرعون وقومه، غير متزود، وهو مسيرة ثماني ليال.

وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يخبر ويذكر عما هو فيه من الشدة والبلاء، حيث ذكر موسى حاله التي هو فيها من الجوع الذي أصابه؛ وكذلك ما قال في آية أخرى: ﴿ لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً  ﴾ ، وذلك يرد قول من يقول: إن مثل هذا يخرج مخرج الشكاية عن الله، ولو كانت شكاية لكان موسى لا يقول ذلك ولا يذكره.

وقوله: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ .

قوله: ﴿ تَمْشِي ﴾ : مشي من لم يعتد الخروج.

أو ﴿ تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ ، أي: تمشي مشي من لم يخالط الناس على التستر والتغطية.

﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ : هذا يدل على أن لا بأس أن يؤخذ على المعروف الذي صنع إلى آخر أجر، والأفضل على من صنع إليه المعروف والتبرع أن يعطي لمعروفه وتبرعه بدلا وأجرا، والأفضل على المتبرع وعلى صانع المعروف ألاَّ يأخذ على ذلك بدلا، إلا أن موسى كان قد اشتدت به الحاجة؛ لذلك كان ما ذكر وأخذ لمعروفه ما ذكر بدلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ ﴾ أي: لما جاء موسى أبا المرأتين وقص عليه قصته قال له: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

دل قوله هذا لموسى: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : أنه لم يكن لفرعون على ذلك المكان سلطان ولا يد؛ إذ لو كان له سلطان لكان له فيه الخوف الذي كان من قبل، ولم يكن نجا موسى منه، دل أنه لم يكن له عليهم سلطان.

وقوله: ﴿ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل: المشركين؛ إذ كل مشرك ظالم.

ويحتمل ﴿ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : الذين يقتلون بغير حق حيث قال: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ : قال أهل التأويل: قال أبوهما لما قالت له استأجره فإنه قوي أمين: ما قوته وأمانته؟

فقالت: أما قوته: فإنه رفع الحجر من رأس البئر وحده، وكان لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا، ونزح الدلو من البئر وحده، وكان لا يطيق نزحه إلا كذا كذا؛ فذلك قوته.

وأمّا أمانته: فإنه قال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق؛ فذلك أمانته.

ولكن قد كانت تعرف أمانته قبل ذلك لما جرى بينه وبينهما من المعاملة حين قال لهما: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ ، وحين سقى لهما في مثل هذا تعرف أمانته في ترك النظر إليهما، وترك الاعتراض لما يوجب التهمة، والله أعلم.

وقولها: ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ ﴾ كأن أباها كان في طلب أجير قوي أمين، لكنه لا يجد ولا يظفر به؛ لذلك قالت له: ﴿ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ إذ لا يحتمل أن يكون له ماشية وله غناء وبه حاجة إلى رعي ذلك وسقيه، وقد بلغ في نفسه من الكبر والضعف ما ذكر، يرسل ابنتيه في الرعي والسقي، ولا يستأجر الأجير ليتولى ذلك دون بناته، هذا لا يحتمل ذلك، وخاصة مع ما وصف ابنته من الحياء حيث قال: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ دل ذلك أنه كان في طلب الأجير، وإنما أرسل ابنتيه في سقي الغنم وهو مضطر إلى ذلك محتاج إليه؛ لذلك قالت له: ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ .

ثم قال: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ : طلبت هي الاستئجار، وهو عرض عليه النكاح لما لم ترغب هي في النكاح، أو طلبت الاستئجار ولم تُرِ من نفسها الرغبة في النكاح، وإن كانت لها الرغبة حياء، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أنه جعل عمله ثماني حجج بدلا للنكاح ومهرا لبضعها.

ثم تحديده ثماني حجج لما رأى عمل ثماني سنين مهر مثلها.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ أي: فإن أتممت عشراً وزدت على مهر المثل فمن عندك، أي: لك ذلك فضل منك وإحسان.

والثاني: قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ ليس على جعله بدلا للنكاح، ولكن على الإجارة المعروفة على أجر معلوم على حدة، من غير أن كان ذلك مهرا لها.

ثم التحديد بثماني سنين على هذا الوجه يخرج على إحدى خلتين: إحداهما: أنه لما قص عليه قصته علم أنه لا يقدر على العود إلى المصر، ورأى أنه لا يأمن تلك الناحية بدون ما ذكر من المدة.

أو لما رأى أن نفسه تنزع وتشوق بالعود في ذلك الوقت فشرط ذلك عليه لئلا يحدث نفسه بالرجوع إليه إلى ذلك الوقت.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ أي: فإن زدت سنتين على ذلك فمن فضلك وإحسانك ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ في الزيادة على ذلك كله، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ في جميع ما يجري بينك وبيني من المعاملة والصحبة.

وفيه أن الثنيا فيما يعدون كان ظاهراً في الأمم السالفة.

ثم اختلف في أبي المرأتين: قال بعضهم: كان شعيباً.

وقال بعضهم: ابن أخي شعيب.

وقال الحسن: لم يكن شعيباً، ولكن كان سيّد الماء يومئذ.

وليس لنا إلى معرفة من كان حاجة، أمّا شعيب فإنه لم يكن في زمن موسى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ذَلِكَ ﴾ يعني: الشرط - والله أعلم - ﴿ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ﴾ أي: أوفيت وعملت، إمّا الثماني وإما العشر ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ يقول: لا سبيل لك عليَّ بعد ذلك ولا تبعة، والعدوان: هو الظلم والمجاوزة عن الحدّ الذي حد له يقول: لا ظلم عليّ ولا مجاوزة علي أي الاختيارين قضيت، أيّ الأجلين اخترت وشئت لنا.

ثم قال: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ قال بعضهم: والله كفيل على مقالتي ومقالتك، والوكيل: هو الشهيد أو الحافظ، كأنه يقول: والله على ما نقول شهيد.

"ذكر أن جبريل جاء رسول الله  فقال: إن سُئلت: أي الأجلين قضى موسى؟

فقل: أبرّهما وأوفاهما، وإن سُئلت: أي المرأتين تزوج؟

فقل: أصغرهما" فإن ثبت هذا، ففيه أنه قضى الأجلين جميعاً: الثماني والعشر، وليس في الآية إلا قضاء الأجل حيث قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ﴾ أي: تجازيني من التزويج والأجر من الله إنما على الجزاء على العمل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى متوسلًا إلى ربه: إني قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلوني به إن جئتهم لأبلغهم ما أرسلت به.

<div class="verse-tafsir" id="91.n6bpM"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد