تفسير الآية ٥ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٥ من سورة القصص

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةًۭ وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ ٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 36 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥ من سورة القصص من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين .

ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) .

وقد فعل تعالى ذلك بهم ، كما قال : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ) [ الأعراف : 137 ] وقال : ( كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) [ الشعراء : 59 ] ، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى ، فما نفعه ذلك مع قدر الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري ، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القدم بأن يكون إهلاك فرعون على يديه ، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده ، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان إنما منشؤه ومرباه على فراشك ، وفي دارك ، وغذاؤه من طعامك ، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه ، وحتفك ، وهلاكك وهلاك جنودك على يديه ، لتعلم أن رب السموات العلا هو القادر الغالب العظيم ، العزيز القوي الشديد المحال ، الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) ومعنى الكلام: أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها، من بني إسرائيل، فِرَقًا يستضعِف طائفة منهم (وَ) نَحْنُ( نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ ) استضعفهم فرعون من بني إسرائيل ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ ) قال: بنو إسرائيل.

قوله: ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) أي: ولاة وملوكا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) أي: ولاة الأمر.

وقوله: ( وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) يقول: ونجعلهم ورَّاث آل فرعون يرثون الأرض من بعد مهلكهم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة (وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ): أي يرثون الأرض بعد فرعون وقومه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض أي نتفضل عليهم وننعم .

وهذه حكاية مضت ونجعلهم أئمة قال ابن عباس : قادة في الخير مجاهد : دعاة إلى الخير .

قتادة : ولاة وملوكا ; دليله قوله تعالى : وجعلكم ملوكا .قلت : وهذا أعم فإن الملك إمام يؤتم به ومقتدى به .

ونجعلهم الوارثين لملك [ ص: 231 ] فرعون ; يرثون ملكه ، ويسكنون مساكن القبط وهذا معنى قوله تعالى : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ } بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف، ونهلك من قاومهم، ونخذل من ناوأهم.

{ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } في الدين، وذلك لا يحصل مع استضعاف، بل لا بد من تمكين في الأرض، وقدرة تامة، { وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } للأرض، الذين لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) يعني : بني إسرائيل ، ( ونجعلهم أئمة ) قادة في الخير يقتدى بهم .

وقال قتادة : ولاة وملوكا ، دليله : قوله - عز وجل - : " وجعلكم ملوكا " ( المائدة - 20 ) .

وقال مجاهد : دعاة إلى الخير .

( ونجعلهم الوارثين ) يعني : أملاك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء يقتدى بهم في الخير «ونجعلهم الوارثين» ملك فرعون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ونريد أن نتفضل على الذين استضعفهم فرعون في الأرض، ونجعلهم قادةً في الخير ودعاةً إليه، ونجعلهم يرثون الأرض بعد هلاك فرعون وقومه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما اقتضته إرادته وحكمته ، من تنفيذ وعيده فى القوم الظالمين ، مهما احتاطوا وحذروا ، ومن إنقاذه للمظلومين بعد أن أصابهم من الظلم ما أصابهم فقال : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ) .وقوله ( نَّمُنَّ ) من المن بمعنى التفضل ، ومنه قوله - تعالى - : ( لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين .

.

.

) أى : لقد تفضل عليهم ، وأحسن إليهم .وقوله : ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض ) من التمكين ، وأصله : أن نجعل للشىء مكانا يستقر فيه ، ويحل به .ثم استعير للتسليط وللحصول على القوة بعد الضعف ، وللعز بعد الذل .وقوله : ( يَحْذَرُونَ ) من الحذر ، بمعنى الاحتراس والاحتراز من الوقوع فى الأمر المخيف .

يقال : حذر فلان فلانا ، إذا خافه واحترس منه .قال الشوكانى : والواو ، فى قوله ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ ) للعطف على جملة ، ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ) لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما ، للتفسير والبيان للنبأ .

ويجوز أن تكون حالا من فاعل ( يَسْتَضْعِفُ ) بتقدير مبتدأ .

أى : ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض .

.

والأول أولى .والمعنى : لقد طغا فرعون وبغى ، ونحن بإرادتنا وقدرتنا ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ ) ونتفضل على بنى إسرائيل ، الذين استضعفوا فى الأرض ، بأن ننجيهم من ظلمه ، وننقذهم من قهره وبغيه .( وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين ) للأرض المباركة ، التى نعطيهم إياها متى آمنوا وأصلحوا ، كما قال - تعالى - : ( وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ).

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ ﴾ جملة مستأنفة كالتفسير للمجمل، كأن قائلاً قال: وكيف كان نبؤهما فقال: إن فرعون ﴿ عَلاَ فِي الارض ﴾ يعني أرض مملكته قد طغى فيها وجاوز الحدّ في الظلم والعسف ﴿ شِيَعاً ﴾ فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه، لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه.

قال الأعشى: وَبَلْدَةٍ يَرْهَبُ الْجَوَّابُ دُلْجَتَهَا ** حَتَّى تَرَاهُ عَلَيْهَا يَبْتَغِي الشِّيَعَا أو يشيع بعضهم بعضاً في طاعته.

أو أصنافاً في استخدامه يتسخر صنفاً في بناء وصنفاً في حرث وصنفاً في حفر، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة، وهم بنو إسرائيل والقبط.

والطائفة المستضعفة: بنو إسرائيل: وسبب ذبح الأبناء: أنّ كاهناً قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده.

وفيه دليل بيّن على ثخانة حمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن، وإن كذب فما وجه القتل؟

و ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ حال من الضمير في ﴿ وَجَعَلَ ﴾ أو صفة لشيعا.

أو كلام مستأنف.

و ﴿ يُذَبِّحُ ﴾ بدل من يستضعف.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين ﴾ بيان أنّ القتل ما كان إلا فعل المفسدين فحسب، لأنه فعل لا طائل تحته، صدق الكاهن أو كذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( 28 سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ ) إلى قَوْلِهِ ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ طسم ﴾ .

﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ .

﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ ﴾ نَقْرَؤُهُ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى نُنَزِّلُهُ مَجازًا.

﴿ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ ﴾ بَعْضِ نَبَئِهِما مَفْعُولُ ﴿ نَتْلُو ﴾ .

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُحِقِّينَ.

﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ «مُبَيِّنٌ» لِذَلِكَ البَعْضِ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ.

﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ فِرَقًا يُشَيِّعُونَهُ فِيما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ أوْ أصْنافًا في اسْتِخْدامِهِ اسْتَعْمَلَ كُلَّ صِنْفٍ في عَمَلٍ، أوْ أحْزابًا بِأنْ أغْرى بَيْنَهُمُ العَداوَةَ كَيْ لا يَتَّفِقُوا عَلَيْهِ.

﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ( جَعَلَ ) أوْ صِفَةٌ لِـ ﴿ شِيَعًا ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنها، كانَ ذَلِكَ لِأنَّ كاهِنًا قالَ لَهُ يُولَدُ مَوْلُودٌ في بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلى يَدِهِ، وذَلِكَ كانَ مِن غايَةِ حُمْقِهِ فَإنَّهُ لَوْ صَدَقَ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالقَتْلِ وإنْ كَذَبَ فَما وجْهُهُ.

﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ فَلِذَلِكَ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ لِتَخَيُّلٍ فاسِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ} نتفضل وهو دليل لنا في مسألة الأصلح وهذه الجملة معطوفة على إن فرعون علا في الأرض لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسير لنبأ موسى وفرعون واقتصاصاً له أو حال من يستضعف أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم وإرادة اله تعالى كائنة فجعلت كالمقارنة لاستضعافهم {عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} قادة يقتدى بهم في الخير

القصص (٨ - ٥)

أو قادة إلى الخير أو ولاة وملوكاً {وَنَجْعَلَهُمْ الوارثين} أي يرثون فرعون وقومه ملكهم وكل ما كان لهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ ﴾ أيْ نَتَفَضَّلُ ﴿ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ﴾ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ بِإنْجائِهِمْ مِن بَأْسِهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في نُرِيدُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ وأمّا نَمُنُّ فَمُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْإرادَةِ فَلا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا ﴾ إلَخْ لِتَناسُبِهِما في الوُقُوعِ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لِلنَّبَإ وهَذا هو الظّاهِرُ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن مَفْعُولِ يَسْتَضْعِفُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ يَسْتَضْعِفُهم فِرْعَوْنُ ونَحْنُ نُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَيْهِمْ وقُدِّرَ المُبْتَدَأُ لِيَجُوزَ التَّصْدِيرُ بِالواوِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ أيْضًا، وخُلُوُّها عَنِ العائِدِ عَلَيْهِ وما يَقُومُ مَقامَهُ لا يَضُرُّ لِأنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً يَكْفِي في رَبْطِها الواوُ وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في اسْتِهْجانِ ذَلِكَ مَعَ حَذْفِ المُبْتَدَأِ، وتُعُقِّبَ القَوْلُ بِصِحَّةِ الحالِيَّةِ مُطْلَقًا بِأنَّ الأصْلَ في الحالِ المُقارَنَةُ والمَنُّ بَعْدَ الِاسْتِضْعافِ بِكَثِيرٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ الحالَ لَيْسَ المَنُّ بَلْ إرادَتُهُ وهو مُقارَنَةٌ وتَعَلُّقُها إنَّما هو بِوُقُوعِ المَنِّ في الِاسْتِقْبالِ فَلا يَلْزَمُ مِن مُقارَنَتِها مُقارَنَتُهُ عَلى أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالخَلاصِ لِما كانَ في شَرَفِ الوُقُوعِ جازَ إجْراؤُهُ مَجْرى الواقِعِ المُقارَنِ لِلِاسْتِضْعافِ وإذا جُعِلَتِ الحالُ مَقَدَّرَةً يَرْتَفِعُ القِيلُ والقالُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم عَطْفَ ذَلِكَ عَلى نَتْلُو ونَسْتَضْعِفُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو غَيْرُ سَدِيدٍ، ووَجْهُ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ أمّا الأوَّلُ فَلِما يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنِ المُنَبَّأِ بِهِ وهو أعْظَمُهُ وأهَمُّهُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ إمّا حالٌ عَنْ ضَمِيرِ جَعَلَ أوْ عَنْ مَفْعُولِهِ أوْ صِفَةٌ لِشِيَعًا أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ وعَلى الأوَّلَيْنِ ظاهِرُ الِامْتِناعِ وعَلى الثّالِثِ أظْهَرُ إذْ لا مَدْخَلَ لِذَلِكَ في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ الَّذِي يُعْطِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: (جَعَلَ أهْلَها شِيَعًا) والعَطْفُ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ لَكِنْ لِلْعَطْفِ عَلى يَسْتَضْعِفُ مُساغٌ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِ والمَعْنى جَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَيْهِمْ مِنهم أيْ عَلى الطّائِفَةِ مِنَ الشِّيَعِ فَأُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى الطّائِفَةِ وحُذِفَ الرّاجِعُ إلى الشِّيَعِ لِلْعِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَضْعِفُهم ونُرِيدُ أنْ نُقَوِّيَهم كَما زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الوَجْهِ الَّذِي جَعَلَهُ حالًا عَنْ مَفْعُولٍ يَسْتَضْعِفُ والحاصِلُ شِيَعًا مَوْصُوفِينَ بِاسْتِضْعافِ طائِفَةٍ وإرادَةُ المَنِّ عَلى تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنهم بِدَفْعِ الضَّعْفِ.

”فَإنْ قُلْتَ“ يَدْفَعُهُ أنَّ العِلْمَ بِالصِّفَةِ الثّانِيَةِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا بِخِلافِ الأُولى قُلْنا: كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا بِاسْتِضْعافِ مُقَيَّدٍ بِحالِ الإرادَةِ والحَقُّ أنَّ الوَجْهَيْنِ يَضْعُفانِ لِذَلِكَ وإنَّما أوْرَدْناهُ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ لِتَجْوِيزِهِ الحالَ انْتَهى.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حالًا مُساغًا أيْضًا بِعَيْنِ ما ذَكَرَهُ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِالوَصْفِيَّةِ وأنَّ عَدَمَ حُصُولِ العِلْمِ بِالصِّفَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِ اشْتِراطِ العِلْمِ بِالصِّفَةِ مُطْلَقًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإنَّ سَبَبَ العِلْمِ بِالأُولى وهو الوَحْيُ أوْ خَبَرُ أهْلِ الكِتابِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِالثّانِيَةِ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يُخَصَّصَ جَوازُ حالِيَّةٍ ونُرِيدُ إلَخْ بِاحْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ والحالِيَّةُ في يَسْتَضْعِفُ دُونَ الوَصْفِ فَلا يَكُونُ مُشْتَرَكَ الإلْزامِ، وفِيهِ أنَّ احْتِمالَ الحالِيَّةِ مِنَ المَفْعُولِ لَمْ يَذْكُرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَلِذا لَمْ يَلْتَفِتْ صاحِبُ الكَشْفِ إلى أنَّ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ مُساغًا وأنَّ اشْتِراطَ العِلْمِ بِالصِّفَةِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ مِنَ الكَشّافِ والكَلامُ مَعَهُ وأنَّ العِلْمَ بِصِفَةِ الِاسْتِضْعافِ لِكَوْنِهِ مُفَسَّرًا بِالذَّبْحِ والِاسْتِحْياءِ وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ ولَيْسَ سَبَبُ العِلْمِ ما ذَكَرَ مِنَ الوَحْيِ أوْ خَبَرِ أهْلِ الكِتابِ وفي هَذا نَظَرٌ، والإنْصافُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ ﴾ إلَخْ لا يَظْهَرُ كَوْنُهُ بَيانًا لِنَبَأِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ مَعًا عَلى شَيْءٍ مِنَ الِاحْتِمالاتِ ظُهُورُهُ عَلى احْتِمالِ العَطْفِ عَلى إنَّ فِرْعَوْنَ وإدْخالُهُ في حَيِّزِ البَيانِ وإلّا فالظّاهِرُ مِن إنَّ فِرْعَوْنَ إلَخْ بِدُونِ هَذا المَعْطُوفِ أنَّهُ بَيانٌ لِنَبَإ فِرْعَوْنَ فَقَطْ فَتَأمَّلْ ﴿ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ﴾ مُقْتَدًى بِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا عَلى ما في البَحْرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: دُعاةً إلى الخَيْرِ.

وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ وقالَ الضَّحّاكُ: أنْبِياءَ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ نِسْبَةٌ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ ﴿ ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ لِجَمِيعِ ما كانَ مُنْتَظِمًا في سِلْكِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ كَما يُومِئُ إلَيْهِ التَّعْرِيفُ وذَلِكَ بِأنْ لا يُنازِعَهم أحَدٌ فِيهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كلها مكية إلا قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ نزلت بين مكة والمدينة.

وهي ثمانون وثمان آيات قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي: القرآن وهو مبين للأحكام، وقد ذكرناه.

- قال أبو سعيد الفاريابي في قوله تعالى: طا قال: هو طاهر كمّا يحلوه، والسين: سامع لما وصفوه والميم: ماجد حين سألوه وألما: جدّ كثير العطاء.

يقال: أمجدني فلان، إذا كثر إعطاؤه.

ويقال: طا أقسم الله بطالوت، وسين أقسم الله بسليمان وميم أقسم الله بمحمد  (١)  ، يقرأ عليك مِنْ نَبَإِ مُوسى يعني: من خبر موسى  وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ يعني: بالصدق لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون محمدا  بهذه الآية، وإنما أنزل القرآن لجميع الناس، ولكن المؤمنين به يصدقون، فكأنه لهم- وذلك أن أصحاب رسول الله  كان المشركون يؤذونهم، فيشكون إلى رسول الله  ، فنزلت هذه السورة في شأنهم لكي يعرفوا ما نزل في بني إسرائيل من فرعون وقومه، ليصبروا كصبرهم وينجيهم، ربهم كما أنجى بني إسرائيل من فرعون وقومه.

وهذا كقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ (٢) ثم أخبر عن فرعون فقال: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ يعني: اسْتَكْبَرَ وتعظم عن الإيمان، وخالف أمر موسى في أرض مصر وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يعني: أهل مصر فرقاً يَسْتَضْعِفُ يعني: يستقهر طائِفَةً مِنْهُمْ يعني: من أهل مصر، وهم بنو إسرائيل، فجعل بعضهم ينقل الحجارة من الجبل، وبعضهم يعملون له عمل النجارة، وبعضهم أعمال الطين، ومن كان لا يصلح لشيء من أعماله يأخذ منه كل يوم ضريبة درهما، فإذا غربت الشمس، ولم يأت بالضريبة غلّت عليه يده اليمنى إلى عنقه، ويأمره بأن يعمل بشماله هكذا شهراً.

ثم قال: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ أي يعني: أبناء بني إسرائيل صغاراً.

وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يعني: يستخدم نساءهم، وأصله من الاستحياء.

يعني: يتركهن أحياء.

وروى أسباط عن السدي قال: بلغنا أن فرعون رأى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّ ناراً أقبلت من أرض الشام، فاشتملت على بيوت مصر، وكانت الشام أرض بني إسرائيل أول ما كانوا، فأحرقتها كلها إلا بيوت بني إسرائيل، فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: يولد في بني إسرائيل مولود، يكون على يديه هلاك أهل مصر، فأمر فرعون بأن لا يولد في بني إسرائيل ذكر إلا ذبح، وعمد إلى ما كان من بني إسرائيل خارج المصر فأدخله المدينة، واستعبدهم، ورفع العمل عن رقاب أهل مصر، ووضعه على بني إسرائيل ثم قال: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ يعني: فرعون كان يعمل بالمعاصي.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَصَصِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ  ﴾ ، نَزَلَتْ هَذِهِ بِالجَحْفَةِ في وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ  إلى المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ  ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ  ﴾ .

قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُورِ بِما أغْنى عَنِ الإعادَةِ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: إنَّ الطاءَ مِنَ الطُولِ الَّذِي لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والسِينُ مِنَ السَلامِ، والمِيمِ مِنَ المُنْعِمْ، أو مِنَ الرَحِيمِ، ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ: ﴿ تِلْكَ ﴾ يَتَقَدَّرُ مَوْضِعُها بِحَسَبَ كُلِّ قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ في الحُرُوفِ، فَمِن جَعَلَ "طَسَمَ" مِثالًا لِحُرُوفِ المُعْجَمِ جاءَتِ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ومِن قَطَعَها قالَ: "تِلْكَ" في مَواضِعَ هَذِهِ، وساغَ هَذا مِن حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً عَتِيدَةً، بَلْ هي أقْوالٌ تَقْتَضِي بَعْضُها شَيْئًا فَشَيْئًا، فَسائِغٌ أنْ يُقالَ في الإشارَةِ إلَيْها: "تِلْكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْلُ أنَّ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى ما غابَ، و"هَذِهِ" إشارَةٌ إلى ما حَضَرَ، وقَدْ تَتَداخَلَ مَتى كانَ في الغَيْبَةِ حُصُولٌ وثِقَةٌ بِهِ تَقُومُ مَقامَ الحُضُورِ، ومَتى كانَ في الحُضُورِ بُعْدٌ ما يَقُومُ مَقامَ الغَيْبَةِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى  ﴾ لَمّا كانَ مُوسى لا يَرى رَبَّهُ تَعالى، فَهو وعَصاهُ في مَنزِلِ غَيْبٍ، فَساغَ ذَلِكَ.

ومِنَ النَقِيضِ قَوْلُ المُؤَلِّفِ لِكِتابٍ: هَذا كِتابٌ، وما جَرى هَذا المَجْرى فَتُتْبِعُهُ، ويُشْبِهُ في آياتِنا هَذِهِ أنْ تَكُونَ "تِلْكَ" بِمَنزِلَةِ: هَذِهِ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ مُتَمَكِّنَةً مِن حَيْثُ الآياتُ كُلُّها وقْتَ هَذِهِ المُخاطَبَةِ لَمْ تَكُنْ عَتِيدَةً.

و"نَتْلُوا" مَعْناهُ: نَقُصُّ ونُتابِعُ القِصَصَ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ مِن حَيْثُ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.

و ﴿ عَلا في الأرْضِ ﴾ مِن عُلُوِّ الطُغْيانِ والتَغَلُّبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ ومَوْضِعَ مُلْكِهِ، ومَتى جاءَتِ الأرْضُ هَكَذا عامَّةً فَإنَّما يُرادُ بِها الأرْضُ الَّتِي تُشْبِهُ قِصَّةَ القَوْلِ المَسُوقِ؛ لِأنَّ الأنْباءَ الَّتِي تَعُمُ الأرْضَ كُلَّها قَلِيلَةٌ، والأكْثَرُ ما ذَكَرْناهُ، و"الشِيَعُ": الفِرَقُ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِن فِرْعَوْنَ بِأنْ جَعَلَ القِبْطَ مُلُوكًا، وبُنِيَ إسْرائِيلَ مُسْتَخْدِمِينَ، وهم كانُوا الطائِفَةَ المُسْتَضْعَفَةَ، و"يُذَبِّحُ" مُضْعِفٌ لِلْمُبالَغَةِ والعِبارَةِ عن تَكْرارِ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الفِعْلُ مِن فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ قالَ لَهُ كَهَنَتُهُ وعُلَماؤُهُ: إنَّ غُلامًا لِبَنِي إسْرائِيلَ يُفْسِدُ مُلْكَكَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَأى في ذَلِكَ رُؤْيا فَأخَذَ بَنِي إسْرائِيلَ بِذْبَحِ الأطْفالِ سِنِينَ، فَرَأى أنَّهُ يَقْطَعُ نَسْلَهُمْ، فَعادَ يَذْبَحُ عامًا ويَسْتَحْيِي عامًا، فَوُلِدَ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الِاسْتِحْياءِ، ووُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الذَبْحِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُذْبِحُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والباءِ وسُكُونِ الذالِ.

قالَ وهَبَ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ ذَبَحَ في هَذِهِ المُحاوَلَةِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ الأطْفالِ، وقالَ النَقاشُ: جَمِيعُ ما قَتَلَ سِتَّةَ عَشَرَ طِفْلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: طَمَعَ بِجَهْلِهِ أنْ يَرُدَّ القَدَرَ، وأيْنَ هَذا المَنزَعُ مِن «قَوْلِ النَبِيِّ  لِعُمَرَ: إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ» يَعْنِي ابْنَ صَيّادٍ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

وهذه الجملة وما عطف عليها بيان لجملة ﴿ نتلو ﴾ [القصص: 3] أو بيان ل ﴿ نبأ موسى وفرعون ﴾ [القصص: 3] فقدم له الإجمال للدلالة على أنه نبأ له شأن عظيم وخطر بما فيه من شتى العبر.

وافتتاحها بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر.

وابتدئت القصة بذكر أسبابها لتكون عبرة للمؤمنين يتخذون منها سنناً يعلمون بها علل الأشياء ومعلولاتها، ويسيرون في شؤونهم على طرائقها، فلولا تجبر فرعون وهو من قبيح الخلال من حلّ به وبقومه الاستئصال، ولما خرج بنو إسرائيل من ذل العبودية.

وهذا مصداق المثل: مصائب قوم عند قوم فوائد، وقوله تعالى ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ [البقرة: 216].

وصورت عظمة فرعون في الدنيا بقوله ﴿ علا في الأرض ﴾ لتكون العبرة بهلاكه بعد ذلك العلو أكبر العبر.

ومعنى العلوّ هنا الكِبْر، وهو المذموم من العلو المعنوي كالذي في قوله تعالى ﴿ نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ﴾ [القصص: 83].

ومعناه: أن يستشعر نفسه عالياً على موضع غيره ليس يساويه أحد، فالعلو مستعار لمعنى التفوّق على غيره، غير محقوق لحق من دين أو شريعة أو رعي حقوق المخلوقات معه فإذا استشعر ذلك لم يعبأ في تصرفاته برعي صلاح وتجنب فساد وضر وإنما يتبع ما تحدوه إليه شهوته وإرضاء هواه، وحسبك أن فرعون كان يجعل نفسه إلهاً وأنه ابن الشمس.

فليس من العلو المذموم رجحان أحد في أمر من الأمور لأنه جدير بالرجحان فيه جرياً على سبب رجحان عقلي كرجحان العالم على الجاهل والصالح على الطالح والذكي على الغبي، أو سبب رجحان عادي ويشمل القانوني وهو كل رجحان لا يستقيم نظام الجماعات إلا بمراعاته كرجحان أمير الجيش على جنوده ورجحان القاضي على المتخاصمين.

وأعدل الرجحان ما كان من قبل الدين والشريعة كرجحان المؤمن على الكافر، والتقي على الفاسق، قال تعالى ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ [الحديد: 10] ويترجح في كل عمل أهل الخبرة به والإجادة فيه وفيما وراء ذلك فالأصل المساواة.

وفرعون هذا هو (رعمسيس) الثاني وهو الملك الثالث من ملوك العائلة التاسعة عشرة في اصطلاح المؤرخين للفراعنة، وكان فاتحاً كبيراً شديد السطوة وهو الذي ولد موسى عليه السلام في زمانه على التحقيق.

و ﴿ الأرض ﴾ : هي أرض مصر، فالتعريف فيها للعهد لأن ذكر فرعون يجعلها معهودة عند السامع لأن فرعون اسم ملك مصر.

ويجوز أن تجعل المراد بالأرض جميع الأرض يعني المشهور المعروف منها، فإطلاق الأرض كإطلاق الاستغراق العرفي فقد كان ملك فرعون (رعمسيس) الثاني ممتداً من بلاد الهند من حدود نهر (الكنك) في الهند إلى نهر (الطونة) في أوروبا، فالمعنى أرض مملكته، وكان علوه أقوى من علو ملوك الأرض وسادة الأقوام.

والشيع: جمع شيعة.

والشيعة: الجماعة التي تشايع غيرها على ما يريد، أي تتابعه وتطيعه وتنصره كما قال تعالى ﴿ هذا من شيعته وهذا من عدوه ﴾ [القصص: 15]، وأطلق على الفرقة من الناس على سبيل التوسع بعلاقة الإطلاق عن التقييد قال تعالى ﴿ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ [الروم: 32].

ومن البلاغة اختياره هنا ليدل على أنه جعل أهل بلاد القبط فرقاً ذات نزعات تتشيع كل فرقة إليه وتعادي الفرقة الأخرى ليتم لهم ضرب بعضهم ببعض، وقد أغرى بينهم العداوة ليأمن تألبهم عليه كما يقال «فرّق تحكم» وهي سياسة لا تليق إلا بالمكر بالضد والعدو ولا تليق بسياسة ولي أمر الأمة الواحدة.

وكان (رعمسيس) الثاني قسم بلاد مصر إلى ست وثلاثين إيالة وأقام على كل إيالة أمراء نواباً عنه ليتسنى له ما حكي عنه في هذه الآية بقوله تعالى ﴿ يستضعف طائفة منهم ﴾ الواقع موقع الحال من ضمير ﴿ جعل ﴾ وأبدلت منها بدل اشتمال جملة ﴿ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴾ لأنه ما فعل ذلك بهم إلا لأنه عدّهم ضعفاء، أي أذلة فكان يسومهم العذاب ويسخّرهم لضرب اللبن وللأعمال الشاقة.

والطائفة المستضعفة هي طائفة بني إسرائيل، وضمير ﴿ منهم ﴾ عائد إلى ﴿ أهلها ﴾ لا إلى ﴿ شيعاً ﴾ .

وتقدم الكلام على ذبح أبناء بني إسرائيل في سورة البقرة.

وجملة ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ تعليل لجملة ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ .

وقد علمت مما مضى عند قوله ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة [البقرة: 67] أن الخبر بتلك الصيغة أدل على تمكن الوصف مما لو قيل: أن أكون جاهلاً، فكذلك قوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ دال على شدة تمكن الإفساد من خلقه ولفعل الكون إفادة تمكن خبر الفعل من اسمه.

فحصل تأكيد لمعنى تمكن الإفساد من فرعون، ذلك أن فعله هذا اشتمل على مفاسد عظيمة.

المفسدة الأولى: التكبر والتجبر فإنه مفسدة نفسية عظيمة تتولد منها مفاسد جمة من احتقار الناس والاستخفاف بحقوقهم وسوء معاشرتهم وبث عداوته فيهم، وسوء ظنه بهم وأن لا يرقب فيهم موجبات فضل سوى ما يرضي شهوته وغضبه، فإذا انضم إلى ذلك أنه ولي أمرهم وراعيهم كانت صفة الكبر مقتضية سوء رعايته لهم والاجتراء على دحض حقوقهم، وأن يرمقهم بعين الاحتقار فلا يعبأ بجلب الصالح لهم ودفع الضر عنهم، وأن يبتز منافعهم لنفسه ويسخر من استطاع منهم لخدمة أغراضه وأن لا يلين لهم في سياسة فيعاملهم بالغلظة وفي ذلك بث الرعب في نفوسهم من بطشه وجبروته، فهذه الصفة هي أمّ المفاسد وجماعها ولذلك قدمت على ما يذكر بعدها ثم أعقبت بأنه ﴿ كان من المفسدين ﴾ .

المفسدة الثانية: أنه جعل أهل المملكة شيعاً وفرّقهم أقساماً وجعل منهم شيعاً مقربين منه ويفهم منه أنه جعل بعضهم بضد ذلك وذلك فساد في الأمة لأنه يثير بينها التحاسد والتباغض، ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض، فتكون الفرق المحظوظة عنده متطاولة على الفرق الأخرى، وتكدح الفرق الأخرى لتزحزح المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل الآخرين.

وهكذا يذهب الزمان في مكائد بعضهم لبعض فيكون بعضهم لبعض فتنة، وشأن الملك الصالح أن يجعل الرعية منه كلها بمنزلة واحدة بمنزلة الأبناء من الأب يحب لهم الخير ويقومهم بالعدل واللين، لا ميزة لفرقة على فرقة، ويكون اقتراب أفراد الأمة منه بمقدار المزايا النفسية والعقلية.

المفسدة الثالثة: أنه يستضعف طائفة من أهل مملكته فيجعلها محقرة مهضومة الجانب لا مساواة بينها وبين فرق أخرى ولا عدل في معاملتها بما يعامل به الفرق الأخرى، في حين أن لها من الحق في الأرض ما لغيرها لأن الأرض لأهلها وسكانها الذين استوطنوها ونشأوا فيها.

والمراد بالطائفة: بنو إسرائيل وقد كانوا قطنوا في أرض مصر برضى ملكها في زمن يوسف وأعطوا أرض (جاسان) وعمروها وتكاثروا فيها ومضى عليهم فيها أربعمائة سنة، فكان لهم من الحق في أرض المملكة ما لسائر سكانها فلم يكن من العدل جعلهم بمنزلة دون منازل غيرهم، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى ﴿ طائفة منهم ﴾ إذ جعلها من أهل الأرض الذين جعلهم فرعون شيعاً.

وأشار بقوله ﴿ طائفة ﴾ إلى أنه استضعف فريقاً كاملاً، فأفاد ذلك أن الاستضعاف ليس جارياً على أشخاص معيّنين لأسباب تقتضي استضعافهم ككونهم ساعين بالفساد أو ليسوا أهلاً للاعتداد بهم لانحطاط في أخلاقهم وأعمالهم بل جرى استضعافه على اعتبار العنصرية والقبلية وذلك فساد لأنه يقرن الفاضل بالمفضول.

من أجل ذلك الاستضعاف المنوط بالعنصرية أجرى شدته على أفراد تلك الطائفة دون تمييز بين مستحق وغيره ولم يراع غير النوعية من ذكورة وأنوثة وهي: المفسدة الرابعة: أنه ﴿ يذبح أبناءهم ﴾ أي يأمر بذبحهم، فإسناد الذبح إليه مجاز عقلي.

والمراد بالأبناء: الذكور من الأطفال.

وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة.

وقصده من ذلك أن لا تكون لبني إسرائيل قوة من رجال قبيلتهم حتى يكون النفوذ في الأرض لقومه خاصة.

المفسدة الخامسة: أنه يستحيي النساء، أي يستبقي حياة الإناث من الأطفال، فأطلق عليهم اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه يستحييهن ليصرن نساء فتصلحن لما تصلح له النساء وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج.

وإذ كان احتقارهن بصد قومه عن التزوج بهن فلم يبق لهن حظ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء إذ كل ذلك اعتداء على الحق.

وقد تقدم آنفاً موقع جملة ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه: أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى إذا اشتملت على بيوت مصر أحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فدعا السحرة، والكهنة، والعافة، والزجرة.

وهم العافة الذين يزجرون الطير فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه- يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاك مصر.

فأمر بني إسرائيل أن لا يولد لهم ولد إلا ذبحوه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت، وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجاً فادخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، فجعلوا بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وادخلوا غلمانهم.

فذلك حين يقول ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ يقول: تجبر في الأرض ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿ يستضعف طائفة منهم ﴾ حين جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر صغير.

وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم.

فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه فقالوا: إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا تذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار فيعينون الكبار، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم.

فأمر أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هرون عليه السلام.

فترك، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى عليه الصلاة والسلام، فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه، فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجاراً وجعلت له تابوتاً، وجعلت مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه، وألقته في اليم بين أحجار عند بيت فرعون، فخرجن جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فادخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالاً، فلما تحرك الغلام رأته آسية صبياً، فلما نظرته آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته.

فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا.

فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت: خذه ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ [ القصص: 9] قال فرعون: هو قرة عين لك- قال عبد الله بن عباس: ولو قال هو قرة عين لي إذاً لآمن به، ولكنه أبى- فلما أخذه إليه أخذ موسى عليه السلام بلحيته فنتفها فقال فرعون: عليَّ بالذباحين هو ذا.

قالت آسية: لا تقتله ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ [ القصص: 9] إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه، أنا أضع له حلياً من الياقوت، وأضع له جمراً فإن أخذ الياقوت فهو يعقل اذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي، فاخرجت له ياقوتاً، ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى عليه السلام في فيه فاحرقت لسانه، فارادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعلن النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ.

فجاءت أخته فقالت: ﴿ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ﴾ فأخذوها فقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت: ما أعرفه ولكن إنما هم للملك ناصحون.

فلما جاءته أمه أخذ منها.

وكادت تقول: هو ابني.

فعصمها الله فذلك قوله: ﴿ إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ﴾ قال: قد كانت من المؤمنين ولكن بقول: ﴿ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ قال السدي: وإنما سمي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالنبطية مو الشجر سى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون ﴾ يقول: في هذا القرآن نبؤهم ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي بغى في الأرض ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ أي فرقاً.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ قال: فرق بينهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ قال: يتعبد طائفة، ويقتل طائفة، ويستحيي طائفة.

أما قوله تعالى: ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: لقد ذكر لنا أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصف بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بحبالى من بني إسرائيل فيوقفن عليه، فيجز أقدامهن حتى أن المرأة منهم لتضع بولدها، فيقع بين رجليها، فتظل تطؤه وتتقي به حد القصب عن رجليها لما بلغ من جهدها.

حتى أسرف في ذلك وكان يفنيهم قيل له: أفنيت الناس، وقطعت النسل، وإنما هم خولك وعمالك، فتأمر أن يقتلوا الغلمان عاماً، ويستحيوا عاماً، فولد هرون عليه السلام في السنة التي يستحيي فيها الغلمان، وولد موسى عليه السلام في السنة التي فيها يقتلون، وكان هرون عليه السلام أكبر منه بسنة، فلما أراد الله بموسى عليه السلام ما أراد واستنقاذ بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء، أوحى الله إلى أم موسى حين تقارب ولادها ﴿ أن أرضعيه ﴾ [ القصص: 7] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ ﴾ لفظ استقبال أريد به حكاية حال قد مضت.

وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿ فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ﴾ (١) قوله: ﴿ أَنْ نَمُنَّ ﴾ قال مقاتل: نُنعم ﴿ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ مصر، وهم بنو إسرائيل (٢) ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ قال ابن عباس: يريد في الهدى، ونحوه (٣) قال مقاتل: يُقتدَى بِهم في الخير (٤) وقال قتادة: ولاة ملوكًا (٥) (٦) وقال مجاهد: دعاة إلى الخير (٧) ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ لملك فرعون، يرثون ملكه، ويسكنون مساكنهم، ويرثون ما يترك فرعون ويخلف بعده (٨) (١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو علي: هو حكاية حال ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال على ما كانت كما أن قوله: ﴿ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ  ﴾ أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.

(٢) "تفسير مقاتل" 63 أ.

وأخرجه ابن جرير 20/ 28، عن قتادة.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب.

(٣) ذكره الثعلبي 8/ 139 ب، عن ابن عباس، بلفظ: قادة في الخير يقتدى بهم.

(٤) "تفسير مقاتل" 63 أ.

(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 28، وابن أبي حاتم 9/ 2941.

وذكره الثعلبي 8/ 139 ب.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 132.

(٧) ذكره الثعلبي 8/ 139 ب، عن مجاهد.

(٨) "تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب، بنحوه.

وأخرج ابن جرير 20/ 28، عن قتادة: يرثون الأرض بعد فرعون وقومه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَلاَ فِي الأرض ﴾ أي تكبر وطغا ﴿ شِيَعاً ﴾ أي فرقاً مختلفين، فجعل فرعون القبطَ ملوكاً وبني إسرائيل خُداماً علهم، وهم الطائفة الذين استضعفهم، وأراد الله أن يمنّ عليهم ويجعلهم أئمة: أي ولاة في الأرض أرض فرعون وقومه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ونريد أن نتفضل على بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون في أرض مصر؛ بإهلاك عدوهم، وإزالة الاستضعاف عنهم، وجعلهم أئمة يقتدى بهم في الحق، ونجعلهم يرثون أرض الشام المباركة بعد هلاك فرعون، كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ .

من فوائد الآيات الإيمان والعمل الصالح سببا النجاة من الفزع يوم القيامة.

الكفر والعصيان سبب في دخول النار.

تحريم القتل والظلم والصيد في الحرم.

النصر والتمكين عاقبة المؤمنين.

<div class="verse-tafsir" id="91.82o4m"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر