تفسير الآية ٥٥ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٥٥ من سورة القصص

وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ ٥٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٥ من سورة القصص من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) أي : لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم ، بل كما قال تعالى : ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) [ الفرقان : 72 ] .

( وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) أي : إذا سفه عليهم سفيه ، وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه ، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح ، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب .

ولهذا قال عنهم : إنهم قالوا : ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) أي : لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها .

قال محمد بن إسحاق في السيرة : ثم قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك ، من النصارى ، حين بلغهم خبره من الحبشة .

فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه - ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة - فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عما أرادوا ، دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن ، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره .

فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش ، فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب .

بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال ; ما نعلم ركبا أحمق منكم .

أو كما قالوا لهم .

فقالوا [ لهم ] سلام عليكم ، لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه ، لم نأل أنفسنا خيرا .

قال : ويقال : إن النفر النصارى من أهل نجران ، فالله أعلم أي ذلك كان .

قال : ويقال - والله أعلم - إن فيهم نزلت هذه الآيات : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) إلى قوله : ( لا نبتغي الجاهلين ) .

قال : وقد سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن أنزلن ، قال : ما زلت أسمع من علمائنا أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه ، رضي الله عنهم ، والآيات التي في سورة المائدة : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) إلى قوله : ( فاكتبنا مع الشاهدين ) [ المائدة : 82 ، 83 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) يقول تعالى ذكره: وإذا سمع هؤلاء القوم الذين آتيناهم الكتاب اللغو, وهو الباطل من القول.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) لا يجارون أهل الجهل والباطل في باطلهم, أتاهم من أمر الله ما وقذهم عن ذلك.

وقال آخرون: عُنِي باللغو في هذا الموضع: ما كان أهل الكتاب ألحقوه في كتاب الله مما ليس هو منه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا ) ...

إلى آخر الآية, قال: هذه لأهل الكتاب, إذا سمعوا اللغو الذي كتب القوم بأيديهم مع كتاب الله, وقالوا: هو من عند الله, إذا سمعه الذين أسلموا, ومرّوا به يتلونه, أعرضوا عنه, وكأنهم لم يسمعوا ذلك قبل أن يؤمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم , لأنهم كانوا مسلمين على دين عيسى, ألا ترى أنهم يقولون: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ .

وقال آخرون في ذلك بما حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا ابن عيينة, عن منصور, عن مجاهد ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) قال: نـزلت في قوم كانوا مشركين فأسلموا, فكان قومهم يؤذونهم.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جويرية, عن منصور, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) قال: كان ناس من أهل الكتاب أسلموا, فكان المشركون يؤذونهم, فكانوا يصفحون عنهم, يقولون: ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ).

وقوله: ( أَعْرَضُوا عَنْهُ ) يقول: لم يصغوا إليه ولم يستمعوه ( وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) وهذا يدل على أن اللغو الذي ذكره الله في هذا الموضع, إنما هو ما قاله مجاهد, من أنه سماع القوم ممن يؤذيهم بالقول ما يكرهون منه في أنفسهم, وأهم أجابوهم بالجميل من القول ( لَنَا أَعْمَالُنَا ) قد رضينا بها لأنفسنا,( وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) قد رضيتم بها لأنفسكم.

وقوله: ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) يقول: أمنة لكم منا أن نُسَابَّكم, أو تسمعوا منا ما لا تحبون ( لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) يقول: لا نريد محاورة أهل الجهل ومسابَّتهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم مدحهم أيضا على إعراضهم عن اللغو ; كما قال تعالى : وإذا مروا باللغو مروا كراما أي إذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم أعرضوا عنه ; أي لم يشتغلوا به وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم أي متاركة ; مثل قوله : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما أي لنا ديننا ولكم دينكم ( سلام عليكم ) أي أمنا لكم منا فإنا لا نحاربكم ، ولا نسابكم ، وليس من التحية في شيء .

قال الزجاج : وهذا قبل الأمر بالقتال .

لا نبتغي الجاهلين أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ } من جاهل خاطبهم به، { قَالُوا } مقالة عباد الرحمن أولي الألباب: { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } أي: كُلٌّ سَيُجازَى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء.

ولزم من ذلك، أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون، من اللغو والباطل، والكلام الذي لا فائدة فيه.{ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } أي لا تسمعون منا إلا الخير، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم، فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه، { لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } من كل وجه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا سمعوا اللغو ) القبيح من القول ، ( أعرضوا عنه ) وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون : تبا لكم تركتم دينكم ، فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم ، ( وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) لنا ديننا ولكم دينكم ، ( سلام عليكم ) ليس المراد منه سلام التحية ، ولكنه سلام المتاركة ، معناه : سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم والقبيح من القول ، ( لا نبتغي الجاهلين ) أي : دين الجاهلين ، يعني : لا نحب دينكم الذي أنتم عليه .

وقيل : لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه ، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا سمعوا اللغو» الشتم والأذى من الكفار «أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم» سلام متاركة أي سلمتم منا من الشتم وغيره «لا نبتغي الجاهلين» لا نصحبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء الذين تقدَّمَتْ صفتُهم يُؤتَوْن ثواب عملهم مرتين: على الإيمان بكتابهم، وعلى إيمانهم بالقرآن بما صبروا، ومن أوصافهم أنهم يدفعون السيئة بالحسنة، ومما رزقناهم ينفقون في سبيل الخير والبر.

وإذا سمع هؤلاء القوم الباطل من القول لم يُصْغوا إليه، وقالوا: لنا أعمالنا لا نحيد عنها، ولكم أعمالكم ووزرها عليكم، فنحن لا نشغل أنفسنا بالرد عليكم، ولا تسمعون منَّا إلا الخير، ولا نخاطبهم بمقتضى جهلكم؛ لأننا لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها.

وهذا من خير ما يقوله الدعاة إلى الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ ) أى : وإذا سمعوا الكلام الساقط الذى لا خير فيه .

انصرفوا عنه تكرما وتنزها .( وَقَالُواْ ) لمن تطاول عليهم وآذاهم ، لنا أعمالنا ، التى سيحاسبنا الله - تعالى - عليها ( وَلَكُمْ ) - أيضا - أعمالكم ، التى سيحاسبكم الله - تعالى - عليها .( سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ) أى : سلام متاركة منا عليكم ، وإعراض عن سفاهتكم ، فليس المراد بالسلام هنا : سلام التحية ، وإنما المقصود به سلام المتاركة والإعراض .( لاَ نَبْتَغِي الجاهلين ) أى : إن ديننا ينهانا عن طلب صحبة الجاهلين ، وعن المجادلة معهم .قال ابن كثير ما ملخصه : لما انتهى وفد أهل الكتاب من لقائه مع النبى صلى الله عليه وسلم ، وآمنوا به ، وقاموا عنه ، اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش ، فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب ، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تكد تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم ، وصدقتموه فيما قاله ، ما نعلم وفدا أحمق منكم .

.

.

فقالوا لهم : سلام عليكم ، لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، بين أيضاً أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا: ﴿ لَوْلا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ موسى ﴾ فهؤلاء قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى، فظهر أنه لا مقصود لهم سوى الزيغ والعناد.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا ﴾ أي جاءهم الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر وتظليل الغمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى ومن أن الله كلمه وكتب له في الألواح وغيرها من الآيات فجاؤا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ  ﴾ وما أشبه ذلك.

واعلم أن الذي اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب في معجزات الأنبياء عليهم السلام أن تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد إذ الصلاح قد يكون في إنزاله مجموعاً كالتوراة ومفرقاً كالقرآن، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ ﴾ إلى من يعود، وذكروا وجوهاً: أحدها: أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أوتي موسى عليه السلام فقال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى ﴾ يعني أو لم تكفروا يا هؤلاء اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال بموسى عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة.

وثانيها: أن الذين أوردوا هذا الاقتراح كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد.

وثالثها: قال الكلبي إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة ليسألهم عن محمد وشأنه فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم وأخبروهم بقول اليهود قالوا إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى ﴾ .

ورابعها: قال الحسن قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهرون ساحران.

وخامسها: قال قتادة أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليهما السلام فقالوا ساحران.

وسادسها: وهو الأظهر عندي أن كفار قريش ومكة كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم معجزات موسى عليه السلام قال الله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، فعلمنا أنه لا غرض لكم في هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم إنه تعالى حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى من وجهين: الأول: قولهم: ﴿ ساحران تَظَاهَرَا ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة (ساحران) بالألف وقرأ أهل الكوفة بغير ألف وذكروا في تفسير الساحرين وجوهاً: أحدها: المراد هرون وموسى عليهما السلام تظاهرا أي تعاونا وقرئ (اظاهرا) على الإدغام وسحران بمعنى ذوي سحر وجعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر وكثير من المفسرين فسروا قوله: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ بأن المراد هو القرآن والتوراة واختار أبو عبيدة القراءة بالألف لأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها بالكتب وجوابه: إنا بينا أن قوله: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ يمكن حمله على الرجلين وبتقدير أن يكون المراد الكتابين لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما تقول تظاهرت الأخبار وهذه التأويلات إنما تصح إذا حملنا قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى ﴾ إما على كفار مكة أو على الكفار الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ولا شك أن ذلك أليق بمساق الآية الثاني: قولهم: ﴿ إِنَّا بِكُلّ كافرون ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين لا باليهود وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى عليه السلام كذبوه فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وسلم وإن ظهرت حجته، ولما أجاب الله تعالى عن شبههم ذكر الحجة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ ﴾ وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله، قال الزجاج (أتبعه) بالجزم على الشرط ومن قرأ (أتبعه) بالرفع فالتقدير أنا أتبعه، ثم قال: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ ﴾ قال ابن عباس يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما وهذا أشبه بالآية فإن قيل الاستجابة تقتضي دعاء فأين الدعاء ههنا؟

قلنا قوله: ﴿ فَأْتُواْ بكتاب ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل ثم قال: ﴿ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ ﴾ يعني قد صاروا ملزمين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى ثم زيف طريقتهم بقوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله ﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لابد من الحجة والاستدلال ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ وهو عام يتناول الكافر لقوله: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ واحتج الأصحاب به في أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين.

وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها ما لا يحسن إلا بعد الإيمان والدليل عليه قوله: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى  ﴾ فقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ محمول على القسم الثاني ولا يجوز حمله على القسم الأول، لأنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن عدم بعثة الرسول جار مجرى العذر لهم، فبأن يكون عدم الهداية عذراً لهم أولى، ولما بين تعالى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الدلالة قال: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول ﴾ وتوصيل القول هو إتيان بيان بعد بيان، وهو من وصل البعض بالبعض، وهذا القول الموصل يحتمل أن يكون المراد منه إنا أنزلنا القرآن منجماً مفرقاً يتصل بعضه ببعض ليكون ذلك أقرب إلى التذكير والتنبيه، فإنهم كل يوم يطلعون على حكمة أخرى وفائدة زائدة فيكونون عند ذلك أقرب إلى التذكر، وعلى هذا التقدير يكون هذا جواباً عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة كما أوتي موسى كتابه كذلك، ويحتمل أن يكون المراد وصلنا أخبار الأنبياء بعضها ببعض وأخبار الكفار في كيفية هلاكهم تكثيراً لمواضع الاتعاظ والانزجار ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى لعلهم يتذكرون.

ثم إنه تعالى لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بأن قال: ﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ ﴾ أي من قبل القرآن أسلموا بمحمد فمن لا يعرف الكتب أولى بذلك، واختلفوا في المراد بقوله: ﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قال قتادة إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها فلما بعث الله تعالى محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبدالله بن سلام.

وثانيها: قال مقاتل نزلت في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وهم أصحاب السفينة جاؤا من الحبشة مع جعفر.

وثالثها: قال رفاعة بن قرظة نزلت في عشرة أنا أحدهم، وقد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من حصل في حقه تلك الصفة كان داخلاً في الآية ثم حكى عنهم ما يدل على تأكيد إيمانهم وهو قولهم: ﴿ آمنا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ فقوله: ﴿ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا ﴾ يدل على التعليل يعني أن كونه حقاً من عند الله يوجب الإيمان به وقوله: ﴿ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ بيان لقوله: ﴿ آمنا به ﴾ لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة بمقدمه، ثم إنه تعالى لما مدحهم بهذا المدح العظيم قال: ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنهم يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وبعد بعثته وهذا هو الأقرب لأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا به بعد البعثة وبين أيضاً أنهم كانوا به قبل مؤمنين البعثة ثم أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.

وثانيها: يؤتون الأجر مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذي كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم ومرة أخرى بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وثالثها: قال مقاتل هؤلاء لما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران أجر على الصف وأجر على الإيمان، يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه، قال السدي اليهود عابوا عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول سلام عليكم ثم قال: ﴿ وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة ﴾ والمعنى (يدفعون) بالطاعة المعصية المتقدمة، ويحتمل أن يكون المراد دفعوا بالعفو والصفح الأذى، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي لأن نفس الامتناع حسنة ويدفع به ما لولاه لكان سيئة، ويحتمل التوبة والإنابة والاستقرار عليها، ثم قال: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ .

واعلم أنه تعالى مدحهم أولاً بالإيمان ثم بالطاعات البدنية في قوله: ﴿ وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة ﴾ ثم بالطاعات المالية في قوله: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ قال القاضي دل هذا المدح على أن الحرام لا يكون رزقاً جوابه: أن كلمة من للتبعيض فدل على أنهم استحقوا المدح بإنفاق بعض ما كان رزقاً، وعلى هذا التقدير يسقط استدلاله، ثم لما بين كيفية اشتغالهم بالطاعات والأفعال الحسنة بين كيفية إعراضهم عن الجهال فقال: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ واللغو ما حقه أن يلغى ويترك من العبث وغيره وكانوا يسمعون ذلك فلا يخوضون فيه بل يعرضون عنه إعراضاً جميلاً فلذلك قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ ﴾ وما أحسن ما قال الحسن رحمه الله في أن هذه الكلمة تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ ثم أكد تعالى ذلك بقوله حاكياً عنهم ﴿ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين ﴾ والمراد لا نجازيهم بالباطل على باطلهم، قال قوم نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال واجباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ توديع ومتاركة.

وعن الحسن رضي الله عنه: كلمة حلم من المؤمنين ﴿ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين ﴾ لا نريد مخالطتهم وصحبتهم فإن قلت: من خاطبوا بقولهم ﴿ وَلَكُمْ أعمالكم ﴾ ؟

قلت: اللاغين الذين دل عليهم قوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ ﴾ مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ.

﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ، أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ، أوْ عَلى أذى المُشْرِكِينَ ومَن هاجَرَهم مِن أهْلِ دِينِهِمْ.

﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ ويَدْفَعُونَ بِالطّاعَةِ المَعْصِيَةَ لِقَوْلِهِ  «أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها» .

﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ في سَبِيلِ الخَيْرِ.

﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ ﴾ تَكَرُّمًا.

﴿ وَقالُوا ﴾ لِلّاغِينَ.

﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتارَكَةً لَهم وتَوْدِيعًا، أوْ دُعاءً لَهم بِالسَّلامَةِ عَمّا هم فِيهِ.

﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ لا نَطْلُبُ صُحْبَتَهم ولا نُرِيدُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو} الباطل أو الشتم من المشركين {أعرضوا عنه وقالوا} للاعنين {لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ} أمان منا لكم بأن نقابل لغوكم بمثله {لاَ نَبْتَغِى الجاهلين} لا نريد مخالطتهم وصحبتهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ ﴾ سَقَطَ القَوْلِ وقالَ مُجاهِدٌ: الأذى والسَّبُّ وقالَ الضَّحّاكُ: الشِّرْكُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما غَيَّرَتْهُ اليَهُودُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ  ﴿ أعْرَضُوا عَنْهُ ﴾ أيْ عَنِ اللَّغْوِ تَكَرُّمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا  ﴾ ﴿ وقالُوا ﴾ لَهم أيْ لِلّاغِينَ المَفْهُومَ مِن ذِكْرِ اللَّغْوِ ﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ مُتارَكَةً لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ  ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قالُوهُ تَوْدِيعًا لَهم لا تَحِيَّةً أوْ هو لِلْمُتارَكَةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا  ﴾ وأيًّا ما كانَ فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ ابْتِداءِ الكافِرِ بِالسَّلامِ كَما زَعَمَ الجَصّاصُ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ إلّا المُتارَكَةَ أوِ التَّوْدِيعَ.

ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الكُفّارِ: ««لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ وإذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكُمْ»».

نَعَمْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ ابْتِداءُ السَّلامِ عَلَيْكَ عَلى مَعْنى اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ فَيَكُونُ دُعاءً عَلَيْهِ وهو ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ بَيانٌ لِلدّاعِي لِلْمُتارَكَةِ والتَّوْدِيعِ أيْ لا نَطْلُبُ صُحْبَةَ الجاهِلِينَ ولا نُرِيدُ مُخالَطَتَهُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ يعني: بيّنّا لكفار مكة لهم في القرآن من خبر الأمم الماضية كيف عذبوا لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لكي يخافوا فيؤمنوا بما في القرآن ويقال: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ يعني: أرسلنا لهم الكتب بعضها ببعض، يعني بعثنا بعضها على إثر بعض.

ويقال: وَلَقَدْ وَصَّلْنا أي: أوصلنا لهم القول.

يعني: أنزلنا لهم القرآن آية بعد آية هداية، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا.

ثم وصف مؤمني أهل الكتاب فقال: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ يعني: من قبل القرآن هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ يعني: مؤمني أهل الكتاب، وهم أربعون رجلاً من أهل الإنجيل كانوا مسلمين قبل أن يبعث محمد  : اثنان وثلاثون من أهل أرض الحبشة قدموا مع جعفر الطيار، وثمانية من أهل الشام.

ويقال: إنهم ثمانية عشر رجلاً وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ أي صدقنا إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا يعني: القرآن، وذلك أنهم عرفوا بما ذكر في كتبهم من نعت النبيّ  وصفته وكتابه فقالوا: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ يعني: مِن قَبْلِ هذا القرآن، ومن قبل محمد  كنا مخلصين.

قوله عز وجل: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ يعني: يعطون ثوابهم ضعفين: مرة إيمانهم بكتابهم، ومرة بإيمانهم بالقرآن وبمحمد  بِما صَبَرُوا يعني: بصبرهم على ما أوذوا، ويقال: بصبرهم على دينهم الأول، وبصبرهم على أذى المشركين، فصدقوا وثبتوا على إيمانهم.

حيث قال لهم أبو جهل وأصحابه: ما رأينا أحداً أجهل منكم، تركتم دينكم، وأخذتم دينه.

فقالوا: ما لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله، فذلك قوله عز وجل: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يعني: يدفعون قول المشركين بالمعروف.

ويقال: يدفعون الشرك بالإيمان.

ويقال: يدفعون بالكلام الحسن الكلام القبيح.

ويقال: يدفعون ما تقدم لهم من السيئات بما يعملون من الحسنات وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون.

قوله عز وجل: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ يعني: إذا سمعوا الشتم والأذى والقبيح لم يردوا عليهم، ولم يكافئوهم به ولم يلتفتوا إليه، يعني: إذا شتمهم الكفار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشتم وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا يعني: ديننا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعني: دينكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: ردّوا معروفاً عليهم ليس هذا تسليم التحية، وإنما هو تسليم المتاركة والمسالمة، أي: بيننا وبينكم المتاركة والمسالمة، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال.

ويقال: السلام عليكم يعني: أكرمكم الله تعالى بالإسلام لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي: لا نطلب دين الخاسرين، ولا نصحبهم.

ويقال: هذه الآية مدنية نزلت في شأن عبد الله بن سلام.

وروى أسباط عن السدي قال: لما أسلم عبد الله بن سلام  فقال: يا رسول الله، ابعث إلى قومي فاسألهم عني.

فبعث إليهم رسول الله  ، وقد ستر بينهم وبينه ستراً.

وقال: «أَخْبِرُونِي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلامِ كَيْفَ هُوَ فِيكُمْ؟» قالوا: ذاك سيدنا وأعلمنا.

قال: «أَرَأَيْتُمْ إنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي أَتُؤْمِنُونَ بِي وَتُصَدِّقُونِي؟» قالوا: هو أفقه من أن يدع دينه ويتبعك.

قال: «أَرَأَيْتُمْ إنْ فَعَلَ؟» قالوا: لا يفعل.

قال: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ فَعَلَ؟» قالوا: إنه لا يفعل، ولو فعل إذاً نفعل.

فقال  : «أخْرُجْ يا عَبْدَ الله» .

فخرج.

فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فوقعوا فيه وشتموه وقالوا: ما فينا أحد أقل علماً ولا أجهل منك.

قال: «أَلَمْ تُثْنُوا عَلَيْهِ آنِفاً؟» قالوا: إنا استحينا أن نقول اغتبتم صاحبكم، فجعلوا يشتمونه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ فقال: ابن يامين وكان من رؤساء بني إسرائيل: أشهد أن عبد الله بن سلام صادق، فابسط يدك يا محمد، فبسط يده، فبايع ابن يامين مع رسول الله  فنزل: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ إلى قوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وإلى قوله: لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (١) (١) عزاه السيوطي: 6/ 426 إلى ابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أعلمناه، وهو أحدُ ما يَرِد تَحْتَ لفظِ القَضَاءِ مراداً، انتهى من كتاب «تفسير الأفعالَ الواقعة في القرآن» .

و «الثاوي» : المقيم.

وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)

٥٨ أوقوله تعالى: وَما كُنْتَ/ بِجانِبِ الطُّورِ يريدُ وقتَ إنزالِ التوراةِ إلى مُوسَى- عليه السلام- وقوله: إِذْ نادَيْنا رُوِيَ عَنْ أَبِي هريرةَ: أنّه نُودِيَ يَومَئِذٍ مِنَ السَّمَاءِ: «يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، استجبتُ لَكُمْ قَبْلَ أَن تَدْعُونِي، وغفرتُ لكم قبل أن تسألوني» ، فحينئذٍ قال موسى عليه السلام: اللهمَّ اجْعَلْنِي من أمَّةِ محمدٍ، فالمعنى: إذ نادينا بأمرك وأخبرنا بنُبوَّتِك.

وقال الطبريُّ «١» : معنى قوله: إِذْ نادَيْنا: بأن فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ...

الآية [الأعراف: ١٥٦] .

وقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ...

الآية، المصيبةُ: عذابٌ في الدُّنْيا على كفرهِم، وجوابُ لَوْلا محذوفٌ يقْتَضِيهِ الكلامُ تَقْدِيرُهُ: لعَاجَلْنَاهُمْ بما يَسْتَحِقُّونَه.

وقال الزجاجُ «٢» : تقديره: لَمَا أرسلنا الرسل.

فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يريد القرآن ومحمداً عليه السلام، والمقالةُ التي قَالَتْها قريشٌ: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى كانَتْ من تعليمِ اليهود لهم قالوا لهم: لِمَ لا يأتي بآية باهرةٍ كالعصَا واليدِ، وغير ذلك، فعكسَ الله عليهم قَوْلَهُم، وَوَقَفَهُمْ على أَنهم قد وقَع منهم في تلك الآيات مَا وَقَع من هؤلاء في هذه، فالضميرُ في قوله يَكْفُرُوا لليهود، وقرأ الجمهور: «ساحران» والمراد: موسى وهارون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ الحَقُّ مِن عِنْدِنا ﴾ وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ والقُرْآنُ ﴿ قالُوا لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ أُوتِيَ ﴾ مُحَمَّدٌ مِنَ الآياتِ ﴿ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ﴾ كالعَصا واليَدِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أمَرَتِ اليَهُودُ قُرَيْشًا أنْ تَسْألَ مُحَمَّدًا مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى ﴾ أيْ: فَقَدْ كَفَرُوا بِآياتِ مُوسى، و ﴿ قالُوا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اليَهُودُ.

والثّانِي: قُرَيْشٌ.

﴿ سِحْرانِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " ساحِرانِ " .

﴿ تَظاهَرا ﴾ أيْ: تَعاوَنا.

ورَوى العَبّاسُ الأنْصارِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " تَظّاهَرا " بِتَشْدِيدِ الظّاءِ.

وَفِيمَن عَنَوْا ثَلاثَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُوسى ومُحَمَّدٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ فَعَلى هَذا هو مِن قَوْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ.

والثّانِي: مُوسى وهارُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا هو مِن قَوْلِ اليَهُودِ لَهُما في ابْتِداءِ الرِّسالَةِ.

والثّالِثُ: مُحَمَّدٌ وعِيسى، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَعَلى هَذا هو مِن قَوْلِ اليَهُودِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيِّنا.

وَقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " سِحْرانِ " وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: التَّوْراةُ والفُرْقانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: الإنْجِيلُ والقُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ.

ومَعْنى الكَلامِ: كُلُّ سِحْرٍ مِنهُما يُقَوِّي الآَخَرَ، فَنُسِبَ التَّظاهُرُ إلى السِّحْرَيْنِ تَوَسُّعًا في الكَلامِ، ﴿ وَقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ﴾ يَعْنُونَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﴿ قُلْ ﴾ لِكُفّارِ مَكَّةَ ﴿ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما ﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّهُما ساحِرانِ.

﴿ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِ التَّوْراةِ والقُرْآنِ، ﴿ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ ﴾ أيْ: أنَّ ما رَكِبُوهُ مِنَ الكُفْرِ لَمْ يَحْمِلْهم عَلَيْهِ حُجَّةٌ، وإنَّما آَثَرُوا فِيهِ الهَوى ﴿ وَمَن أضَلُّ ﴾ أيْ: ولا أحَدَ أضَلُّ ﴿ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى ﴾ أيْ: بِغَيْرِ رَشادٍ ولا بَيانٍ جاءَ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

﴿ وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ: " وصَلْنا " بِتَخْفِيفِ الصّادِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما أنَّهم قُرَيْشٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ.

والثّانِي: اليَهُودُ، قالَهُ رِفاعَةُ القُرَظِيُّ.

والمَعْنى: أنْزَلْنا القُرْآَنَ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُخْبِرُ عَنِ الأُمَمِ الخالِيَةِ كَيْفَ عُذِّبُوا لَعَلَّهم يَتَّعِظُونَ.

﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مُسْلِمُو أهْلِ الإنْجِيلِ، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أرْبَعِينَ مِن أصْحابِ النَّجاشِيِّ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَشَهِدُوا مَعَهُ أُحُدًا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّالِثُ: مُسْلِمُو اليَهُودِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْن سَلامٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآَنِ ﴿ هم بِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُحَمَّدٍ  ، لِأنَّ ذِكْرَهُ كانَ مَكْتُوبًا [عِنْدَهُمْ] في كُتُبِهِمْ، فَآمَنُوا بِهِ.

والثّانِي: إلى القُرْآَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ قالُوا آمَنّا بِهِ ﴾ ، ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآَنِ ﴿ مُسْلِمِينَ ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ لِلَّهِ مُصَدِّقِينَ بِمُحَمَّدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَهُ كانَ في كُتُبِهِمْ فَآَمَنُوا بِهِ ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الظّاهِرُ وَفِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم صَبَرُوا عَلى الكِتابِ الأوَّلِ، وصَبَرُوا عَلى اتِّباعِهِمْ مُحَمَّدًا، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهم صَبَرُوا عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، ثُمَّ عَلى اتِّباعِهِ حِينَ بُعِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ أسْلَمُوا، فَكانَ قَوْمُهم يُؤْذُونَهم، فَصَبَرُوا عَلى الأذى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في (الرَّعْدِ: ٢٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الأذى والسَّبُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا، فَكانُوا يَسْمَعُونَ ما غَيَّرَ اليَهُودُ مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ  فَيَكْرَهُونَ ذَلِكَ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وهَلْ هَذا مَنسُوخٌ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَنا دِينُنا ولَكم دِينُكم.

والثّانِي: لَنا حِلْمُنا ولَكم سَفَهُكم.

﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يُرِيدُوا التَّحِيَّةَ، وإنَّما أرادُوا: بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ المُتارَكَةُ، وهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ المُسْلِمُونَ بِالقِتالِ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا نَبْتَغِي دِينَ الجاهِلِينَ.

والثّانِي: لا نَطْلُبُ مُجاوَرَتَهم.

والثّالِثُ: لا نُرِيدُ أنْ نَكُونَ جُهّالًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَغْوَ أعْرَضُوا عنهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ الَّذِينَ وصَلَ إلَيْهِمُ القَوْلَ قُرَيْشٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو رَفاعَةَ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ في عَشَرَةٍ أنا أحَدُهُمْ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

وقالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ واصَلْنا لَهم في القُرْآنِ وتابَعْناهُ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ في المَواعِظِ والزَجْرِ والدُعاءِ إلى الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: وفي ذِكْرِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، وُصِلَتْ لَهم قِصَّةٌ بِقِصَّةٍ، حَسَبَ مُرُورَ الأيّامِ.

وذَهَبَ مُجاهِدٌ أنَّ مَعْنى "وَصَّلْنا": فَصَّلْنا، أيْ: جَعَلْناهُ أوصالًا مِن حَيْثُ كانَ أنْواعًا مِنَ القَوْلِ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى اتِّصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ حاصِلٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، لَكِنْ إنَّما عَدَّدَ عَلَيْهِمْ ها هُنا تَقْسِيمَهُ في أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَوَصُّلَ الَّذِي وصَّلَ لَهُمُ القَوْلَ مَعْناهُ: وصَّلَ المَعانِي مِنَ الوَعْظِ والزَجْرِ، والأجْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الإشارَةَ بِتَوْصِيلِ القَوْلِ إنَّما هي إلى الألْفاظِ، أيِ الإعْجازِ، فالمَعْنى: ولَقَدْ وصَّلْنا لَهم قَوْلًا مُعْجِزًا عَلى نُبُوَّتِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الأوَّلُ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ وصَّلْنا لَهم قَوْلًا تَضَمَّنَ مَعانِيَ مَنِ اهْتَدى.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلَقَدْ وصَلْنا" بِتَخْفِيفِ الصادِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُونَ بِالقُرْآنِ عن عِبادَةِ الأصْنامِ، أو يَتَذَكَّرُونَ مُحَمَّدًا فَيُؤْمِنُوا بِهِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى القَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مُباهِيًا بِهِمْ قُرَيْشًا، واخْتُلِفَ، إلى مَنِ الإشارَةُ؟

فَقِيلَ: إلى جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمَتْ وكانَتْ تَلْقى مِنَ الكُفّارِ أذًى، وقِيلَ: إلى بَحِيرى الراهِبِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: إلى النَجاشِيِّ، وقِيلَ: إلى سَلْمانَ، وابْنِ سَلامٍ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي رَفاعَةَ قالَ: خَرَجَ عَشَرَةُ رَهْطٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، فِيهِمْ أبُو رَفاعَةَ -يَعْنِي أباهُ- فَأسْلَمُوا، فَأُوذُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.

والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيِّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، وما بَعْدُ يُؤَيِّدُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ يُرِيدُونَ الإسْلامَ المُتَحَصِّلَ لَهم مِن شَرِيعَةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَلامُ.

وإيتاءُ أجْرِهِمْ مَرَّتَيْنِ مَعْناهُ: عَلى مِلَّتَيْنِ، ولِإيمانِهِمْ بِشَرِيعَتَيْنِ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولَ اللهِ  : «ثَلاثَةٌ يُؤْتِيهِمُ اللهُ أجَرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي، والعَبْدُ الناصِحُ في عِبادَةِ رَبِّهِ وخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ أمَةٌ فَأدَّبَها وعَلَّمَها ثُمْ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ عامٌّ في صَبْرِهِمْ عَلى مِلَّتِهِمْ ثُمْ عَلى هَذِهِ وعَلى الأذى الَّذِي يَلْقَوْنَهُ مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْرَءُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، وهَذا وصْفٌ لِمَكارِمُ الأخْلاقِ، أيْ: يَتَعاوَنُونَ، ومَن قالَ لَهم سُوءًا لايَنُوهُ وقابَلُوهُ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ بِما يَدْفَعُهُ، وهَذِهِ آيَةُ مُهادَنَةٍ، وهي في صَدْرِ الإسْلامِ، وهي مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، وبَقِيَ حُكْمُها فِيما دُونَ الكُفْرِ تَتَعاطاهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ مَدْحٌ لَهم بِالنَفَقَةِ في الطاعاتِ، وعَلى رَسْمِ الشَرْعِ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى الصَدَقاتِ ونَحْوِها.

و"اللَغْوُ" لَغْوُ القَوْلِ، واليَمِينُ لَغْوٌ، حَسَبَ الخِلافِ فِيهِما، وكَلامُ مُسْتَمِعِ الخُطْبَةِ لَغْوٌ، والمُرادُ مِن هَذا -فِي هَذِهِ الآيَةِ- ما كانَ سَبًّا وأذًى ونَحْوَهُ، فَأدَبُ أهْلِ الإسْلامِ الإعْراضُ عنهُ، والقَوْلُ -عَلى جِهَةِ التَبَرِّي- ﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ .

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اللَغْوُ ها هُنا ما كانَ بَنُو إسْرائِيلَ كَتَبُوهُ في التَوْراةِ مِمّا لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المُهادَنَةُ هي لِبَنِي إسْرائِيلَ، الكُفّارِ مِنهُمْ، و ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَ المَقْصُودُ بِها التَحِيَّةُ، لَكِنَّهُ لَفْظُ التَحِيَّةِ قُصِدَ بِهِ المُتارَكَةُ، وهو لَفْظٌ مُؤْنِسٌ مُسْتَنْزِلٌ لِسامِعِهِ؛ إذْ هو في عُرْفِ اسْتِعْمالِهِ تَحِيَّةً، قالَ الزَجّاجُ: وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، و ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ مَعْناهُ: لا نَطْلُبُهم لِلْجِدالِ والمُراجَعَةِ والمُسابَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

التعبير عنهم باسم الإشارة هنا للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي ذكرت قبل اسم الإشارة مثل ما تقدم في قوله ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة [البقرة: 5].

عَدَّ الله لهم سبع خصال من خصال أهل الكمال: إحداها: أخروية، وهي ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي أنهم يؤتون أجرين على إيمانهم، أي يضاعف لهم الثواب لأجل أنهم آمنوا بكتابهم من قبل ثم آمنوا بالقرآن، فعبر عن مضاعفة الأجر ضعفين بالمرتين تشبيهاً للمضاعفة بتكرير الإيتاء وإنما هو إيتاء واحد.

وفائدة هذا المجاز إظهار العناية حتى كأن المثيب يعطي ثم يكرر عطاءه ففي ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ تمثيلة.

وفي الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيئه وأدركني فآمن بي واتبعني وصدقني فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» رواه الشعبي وقال لعطاء الخراساني: خذه بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة.

والثانية: الصبر، والصبر من أعظم خصال البر وأجمعها للمبرات، وأعونها على الزيادة والمراد بالصبر صبرهم على أذى أهل ملتهم أو صبرهم على أذى قريش، وهذا يتحقق في مثل الوفد الحبشي.

ولعلهم المراد من هذه الآية ولذلك أتبع بقوله ﴿ ويدرؤون بالحسنة السيئة ﴾ وقوله ﴿ وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ .

والخصلة الثالثة: درؤهم السيئة بالحسنة وهي من أعظم خصال الخير وأدعاها إلى حسن المعاشرة قال تعالى ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾ [فصلت: 34]، فيحصل بذلك فائدة دفع مضرة المسيء عن النفس، وإسداء الخير إلى نفس أخرى، فهم لم يردوا جلافة أبي جهل بمثلها ولكن بالإعراض مع كلمة حسنة وهي ﴿ سلام عليكم ﴾ .

وأما الإنفاق فلعلهم كانوا ينفقون على فقراء المسلمين بمكة، وهو الخصلة الرابعة ولا يخفى مكانها من البر.

والخصلة الخامسة: الإعراض عن اللغو، وهو الكلام العبث الذي لا فائدة فيه، وهذا الخلق من مظاهر الحكمة، إذ لا ينبغي للعاقل أن يشغل سمعه ولُبّه بما لا جدوى له وبالأولى يتنزه عن أن يصدر منه ذلك.

والخصلة السادسة: الكلام الفصل وهو قولهم ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ وهذا من أحسن ما يجاب به السفهاء وهو أقرب لإصلاحهم وأسلم من تزايد سفههم.

ولقد أنطقهم الله بحكمة جعلها مستأهلة لأن تُنظم في سلك الإعجاز فألهمهم تلك الكلمات ثم شرّفها بأن حيكت في نسج القرآن، كما ألهم عمر قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكن ﴾ [التحريم: 5] الآية.

ومعنى ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ أن أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها وأما قولهم ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ فهو تتميم على حد ﴿ لكم دينكم ولي دين ﴾ [الكافرون: 6].

والمقصود من السلام أنه سلام المتاركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم قال الحسن: كلمة: السلام عليكم، تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين.

ولعل القرآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز لأن تأخير الكلام الذي فيه المتاركة إلى آخر الخطاب أولى ليكون فيه براعة المقطع.

وحذف القرآن قولهم: لم نأل أنفسنا رشداً، للاستغناء عنه بقولهم ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ .

السابعة: ما أفصح عنه قولهم ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ من أن ذلك خلقهم أنهم يتطلبون العلم ومكارم الأخلاق.

والجملة تعليل للمتاركة، أي لأنا لا نحب مخالطة أهل الجهالة بالله وبدين الحق وأهل خُلق الجهل الذي هو ضد الحلم، فاستعمل الجهل في معنييه المشترك فيها ولعله تعريض بكنية أبي جهل الذي بذا عليهم بلسانه.

والظاهر أن هذه الكلمة يقولونها بين أنفسهم ولم يجهروا بها لأبي جهل وأصحابه بقرينة قوله ﴿ ويدرأون بالحسنة السيئة ﴾ وقوله ﴿ سلام عليكم ﴾ وبذلك يكون القول المحكي قولين: قول وجهوه لأبي جهل وصحبه، وقول دار بين أهل الوفد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الَّذِينَ آتَيْناهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ هم بِالقُرْآنِ يُؤْمِنُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: الَّذِي آتَيْناهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ هم بِمُحَمَّدٍ يُؤْمِنُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفِيمَن نَزَلَتْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وتَمِيمٍ الدّارِيِّ والجارُودِ العَبْدِيِّ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ أسْلَمُوا فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ الإنْجِيلِ كانُوا مُسْلِمِينَ بِالنَّبِيِّ  قَبْلَ مَبْعَثِهِ، اثْنانِ وثَلاثُونَ رَجُلًا مِنَ الحَبَشَةِ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وقْتَ قُدُومِهِ وثَمانِيَةٌ قَدِمُوا مِنَ الشّامِ.

مِنهم بَحِيرا وأبْرَهَةُ والأشْرافُ وعامِرٌ وأيْمَنُ وإدْرِيسُ ونافِعٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، والَّتِي بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ﴾ قالَ قَتادَةُ: [بِإيمانِهِمْ] بِالكِتابِ الأوَّلِ وإيمانِهِمْ بِالكِتابِ الآخِرِ.

وَفِي قَوْلِهِ بِما صَبَرُوا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِما صَبَرُوا عَلى الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: عَلى الأذى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: يَدْفَعُونَ بِالحِلْمِ جَهْلَ الجاهِلِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: يَدْفَعُونَ بِالسَّلامِ قُبْحَ اللِّقاءِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ النَّقّاشِ.

الرّابِعُ: يَدْفَعُونَ بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الخامِسُ: يَدْفَعُونَ بِالخَيْرِ الشَّرَّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَدْفَعُونَ بِالتَّوْبَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ.

﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُؤْتُونَ الزَّكاةَ احْتِسابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلى أهْلِهِ وهَذا قَبْلَ نُزُولِ الزَّكاةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: يَتَصَدَّقُونَ مِن أكْسابِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا فَكانَ اليَهُودُ يَتَلَقَّوْنَهم بِالشَّتْمِ والسَّبِّ فَيُعْرِضُونَ عَنْهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا فَكانُوا إذا سَمِعُوا ما غَيَّرَهُ اليَهُودُ مِنَ التَّوْراةِ وبَدَّلُوهُ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ  وصِفَتِهِ أعْرَضُوا عَنْهُ وكَرِهُوا تَبْدِيلَهُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ إذا سَمِعُوا الشِّرْكَ أعْرَضُوا عَنْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومَكْحُولٌ.

الرّابِعُ: أنَّهم أُناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا يَهُودًا ولا نَصارى وكانُوا عَلى دِينِ أنْبِياءِ اللَّهِ وكانُوا يَنْتَظِرُونَ بِعْثَةَ رَسُولِ اللَّهِ  فَلَمّا سَمِعُوا بِظُهُورِهِ بِمَكَّةَ قَصَدُوهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وأسْلَمُوا.

وَكانَ أبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ يَلْقَوْنَهم فَيَقُولُونَ لَهم: أُفٍّ لَكم مِن قَوْمٍ مَنظُورٍ إلَيْكم تَبِعْتُمْ غُلامًا قَدْ كَرِهَهُ قَوْمُهُ وهم أعْلَمُ بِهِ مِنكُمْ، فَإذا قالُوا ذَلِكَ لَهم أعْرَضُوا عَنْهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ قالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنا دِينُنا ولَكم دِينُكم، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: لَنا حِلْمُنا ولَكم سَفَهُكم.

﴿ سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ رَدُّوا خَيْرًا واسْتَكْفَوْا شَرًّا، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا نُجازِي الجاهِلِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لا نَتَّبِعُ الجاهِلِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو القاسم البغوي في معجمه والباوردي وابن قانع الثلاثة في معاجم الصحابة والطبراني وابن مردويه بسند جيد عن رفاعة القرظي رضي الله عنه قال: نزلت ﴿ ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ في عشرة رهط: انا أحدهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولقد وصلنا لهم ﴾ قال: لقريش ﴿ القول ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ ولقد وصلنا لهم القول ﴾ قال: بَيَّنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولقد وصلنا لهم القول ﴾ قال: وصل الله لهم القول في هذا القرآن يخبرهم كيف يصنع بمن مضى، وكيف صنعوا، وكيف هو صانع.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي رفاعة رضي الله عنه قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب- منهم أبو رفاعة- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا، فأوذوا، فنزلت ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن علي بن رفاعة رضي الله عنه قال: كان أبي من الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، وكانوا عشرة، فلما جاؤوا جعل الناس يستهزئون بهم، ويضحكون منهم، فأنزل الله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ قال: في مسلمة أهل الكتاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ قال: كنا نحدث أنها أنزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق يأخذون بها، وينتهون إليها، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وصبرهم على ذلك قال: وذكر لنا أن منهم سلمان، وعبد الله بن سلام.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ قال: يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.

وأخرج ابن مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: تداولتني الموالي حتى وقعت بيثرب، فلما يكن في الأرض قوم أحب إلي من النصارى، ولا دين أحب إلي من النصرانية، لما رأيت من اجتهادهم، فبينا أنا كذلك إذ قالوا: قد بعث في العرب نبي، ثم قالوا: قدم المدينة فاتيته فجعلت أسأله عن النصارى قال: لا خير في النصارى، ولا أحب النصارى قال: فاخبرته أن صاحبي قال: لو أدركته فأمرني أن أقع النار لوقعتها قال: وكنت قد استهترت بحب النصارى، فحدثت نفسي بالهرب، وقد جرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف، فأتاني آتٍ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فقلت: اذهب حتى أجيء وأنا أحدث نفسي بالهرب قال لي: لن افارقك حتى أذهب بك إليه، فانطلقت به فلما رآني قال: يا سلمان قد أنزل الله عذرك ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ .

وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: أنا رجل من أهل رام هرمز، كنا قوماً مجوساً، فأتانا رجل نصراني من أهل الجزيرة، فنزل فينا واتخذ فينا ديراً، وكنت في كتاب في الفارسية، وكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروباً يبكي قد ضربه أبواه.

فقلت له يوماً: ما يبكيك؟

قال: يضربني أبواي قلت: ولم يضربانك؟

قال: آتي صاحب هذا الدير، فإذا علما ذلك ضرباني، وأنت لو أتيته سمعت منه حديثاً عجيباً قلت: فاذهب بي معك، فاتيناه فحدثنا عن بدء الخلق، وعن بدء مغلق السموات والأرض، وعن الجنة والنار.

فحدثنا باحاديث عجب، وكنت أختلف إليه معه، ففطن لنا غلمان من الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا.

فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه فقالوا: يا هذا إنك قد جاورتنا فلم نر من جوارك إلا الحسن، وإننا لنا غلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تفسدهم علينا، أخرج عنا قال: نعم.

فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه: اخرج معي.

قال: لا أستطيع ذلك قد علمت شدة أبوي علي قلت: لكنني أخرج معك، وكنت يتيماً لا أب لي، فخرجت معه فأخذنا جبل رام هرمز، فجعلنا نمشي ونتوكل ونأكل من ثمر الشجر حتى قدمنا الجزيرة، فقدمنا نصيبين فقال لي صاحبي: يا سلمان ان هاهنا قوماً عباد الأرض، وأنا أحب أن ألقاهم.

فجئنا إليهم يوم الأحد وقد اجتمعوا، فسلم عليهم صاحبي فحيوه وبشوا به وقالوا: أين كان غيبتك؟

قال: كنت في اخوان لي من قبل فارس، فتحدثنا ما تحدثنا ثم قال لي صاحبي: قم يا سلمان انطلق قلت: لا، دعني مع هؤلاء قال: إنك لا تطيق ما يطيق هؤلاء، يصومون الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل، فإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الْمُلْكَ ودخل في العبادة، فكنت فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحداً واحداً إلى غاره الذي يكون فيه، فلما أمسينا قال: ذاك الذي من أبناء الملوك هذا الغلام ما تصنعونه؟

ليأخذه رجل منكم فقالوا: خذه أنت.

فقال لي: قم يا سلمان فذهب بي حتى أتى غاره الذي يكون فيه فقال لي: يا سلمان هذا خبز، وهذا أدم، فكل إذ غرثت، وصم إذا نشطت، وصَلِ ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم قام في صلاته فلم يكلمني ولم ينظر الي، فأخذني الغم تلك السبعة الأيام لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد فانصرف إلي، فذهبت إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون، وهم يجتمعون كل أحد يفطرون فيه، فيلقى بعضهم بعضاً، فيسلم بعضهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله.

فرجعت إلى منزلنا فقال لي: مثل ما قال لي أول مرة: هذا خبز وهذا أدم فكل منه إذا غرثت، وصم إذا نشطت، وصلِّ ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم دخل في صلاته فلم يلتفت إلي ولم يكلمني إلى الأحد الآخر، فاخذني غم، وحدثت نفسي بالفرار، فقلت: اصبر أحدين أو ثلاثة، فلما كان الأحد رجعنا إليهم، فافطروا واجتمعوا فقال لهم: إني أريد بيت المقدس.

فقالوا له: وما تريد إلى ذاك؟

قال: لا عهد به قالوا: إنا نخاف أن يحدث بك حدث فيليك غيرنا، وكنا نحب أن نليك قال: لا عهد به.

فلما سمعته يذكر ذاك فرحت قلت: نسافر ونلقى الناس فيذهب عني الغم الذي كنت أجد، فخرجت أنا وهو وكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي.

فلم يزل ذاك دأبه حتى نزلنا بيت المقدس، وعلى الباب رجل مقعد يسأل الناس فقال: اعطني.

فقال: ما معي شيء، فدخلنا بيت المقدس، فلما رآه أهل بيت المقدس بشوا به واستبشروا به فقال لهم: غلامي هذا فاستوصوا به، فانطلقوا بي فاطعموني خبزاً ولحماً، ودخل في الصلاة فلم ينصرف إلي حتى كان يوم الأحد الآخر، ثم انصرف فقال لي: يا سلمان إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فايقظني.

فبلغ الظل الذي قال فلم أوقظه رحمة له مما رأيت من اجتهاده ونصبه، فاستيقظ مذعوراً فقال: يا سلمان ألم أكن قلت لك إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني؟

قلت: بلى.

ولكن إنما منعني رحمة لك لما رأيت من دأبك قال: ويحك يا سلمان..

!

إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل فيه لله خيراً.

ثم قال لي: يا سلمان اعلم أن أفضل ديننا اليوم النصرانية.

قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية؟

كلمة ألقيت على لساني.

قال: نعم.

يوشك أن يبعث نبي يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته فاتبعه وصدقه قلت: وإن أمرني أن أدع النصرانية؟

قال: نعم.

فإنه نبي الله لا يأمر إلا بالحق، ولا يقول إلا حقاً، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها.

ثم خرجنا من بيت المقدس، فمررنا على ذلك المقعد فقال له: دخلت فلم تعطني وهذا تخرج فاعطني.

فالتفت فلم ير حوله أحداً قال: فاعطني يدك، فأخذ بيده فقال: قم باذن الله.

فقام صحيحاً سوياً، فتوجه نحو أهله، فاتبعته بصري تعجباً مما رأيت، وخرج صاحبي فأسرع المشي، وتبعته فتلقاني رفقة من كلب اعراب، فسبوني فحملوني على بعير، وشدوني وثاقاً فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة، فاشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له من نخل، فكنت فيه ومن ثم تعلمت الخوص، أشتري خوصاً بدرهم فاعلمه فابيعه بدرهمين، فأرد درهماً إلى الخوص واستنفق درهماً أحب أن آكل من عمل يدي، فبلغنا ونحن بالمدينة أن رجلاً خرج بمكة يزعم أن الله أرسله، فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا وقدم علينا فقلت: والله لأجربنه فذهبت إلى السوق، فاشتريت لحم جزور ثم طحنته، فجعلت قصعة من ثريد، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه فقال: ما هذه..

أصدقة أم هدية؟قلت: بل صدقة فقال لأصحابه: كلوا بسم الله.

وأمسك ولم يأكل، فمكثت أيام، ثم اشتريت لحماً أيضاً بدرهم، فاصنع مثلها فاحتملتها حتى أتيته بها، فوضعتها بين يديه فقال: ما هذه...

صدقة أم هدية؟

فقلت: بل هدية.

فقال لأصحابه: كلوا بسم الله وأكل معهم.

قلت: هذا- والله- يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فرأيت بين كتفيه خاتم النبوّة مثل بيضة الحمامة، فاسلمت.

فقلت له ذات يوم: يا رسول الله أي قوم النصارى؟

قال: لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم قلت في نفسي: أنا- والله- أحبهم.

قال: وذاك حين بعث السرايا وجرد السيف.

فسرية تخرج وسرية تدخل والسيف يقطر قلت: يحدث بي الآن أني أحبهم، فيبعث إلي فيضرب عنقي، فقعدت في البيت فجاءني الرسول ذات يوم فقال: يا سلمان أجب رسول الله قلت: هذا- والله- الذي كنت أحذر قلت: نعم.

اذهب حتى ألحقك قال: لا والله حتى تجيء، وأنا أحدث نفسي أن لو ذهب فأفر.

فانطلق بي حتى انتهيت إليه، فلما رآني تبسم وقال لي: يا سلمان ابشر فقد فرج الله عنك، ثم تلا على هؤلاء الآيات ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ قلت: يا رسول الله- والذي بعثك بالحق- سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها، إنه نبي لا يقول إلا حقاً، ولا يأمر إلا بالحق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ قال: «نزلت في عبد الله بن سلام لما أسلم أحب أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعظمته في اليهود، ومنزلته فيهم، وقد ستر بينه وبينهم ستراً فكلمهم ودعاهم فأبوا فقال: أخبروني عن عبد الله بن سلام كيف هو فيكم؟

قالوا: ذاك سيدنا وأعلمنا قال: أرأيتم إن آمن بي وصدقني أتؤمنون بي وتصدقوني؟

قالوا: لا يفعل ذاك.

هو أفقه فينا من أن يدع دينه ويتبعك، قال أرأيتم إن فعل؟

قالوا: لا يفعل قال: أرأيتم إن فعل؟

قالوا إذاً نفعل..

قال: أخرج يا عبد الله بن سلام فخرج فقال: أبسط يدك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فبايعه، فوقعوا به وشتموه وقالوا: والله ما فينا أحد أقل علماً منه، ولا أجهل بكتاب الله منه قال: ألم تثنوا عليه آنفاً؟

قالوا: انا استحينا أن تقول اغتبتم صاحبكم من خلفه.

فجعلوه يشتمونه فقام إليه أمين بن يامين فقال: أشهد أن عبد الله بن سلام صادق، فابسط يدك فبايعه، فأنزل الله فيهم ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ يعني إبراهيم واسمعيل وموسى وعيسى وتلك الأمم وكانوا على دين محمد صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنيس رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ قال: هؤلاء قوم كانوا في زمان الفترة متمسكين بالإِسلام، مقيمين عليه، صابرين على ما أوذوا، حتى أدرك رجال منهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما أتى جعفر وأصحابه النجاشي أنزلهم، واحسن إليهم، فلما أرادوا أن يرجعوا قال من آمن من أهل مملكته: ائذن لنا فلنصحب هؤلاء في البحر، ونأتي هذا النبي فنحدث به عهداً، فانطلقوا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهدوا معه أحداً وخيبر ولم يصب أحد منهم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائذن لنا فلنأت أرضنا فإن لنا أموالاً فنجيء بها فننفقها على المهاجرين، فانا نرى بهم جهداً، فأذن لهم فانطلقوا، فجاؤوا بأموالهم فانفقوها على المهاجرين، فأنزلت فيهم الآية ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ﴾ .

وأخرج ابن ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: إن قوماً من المشركين أسلموا فكانوا يؤذونهم، فنزلت هذه الآية فيهم ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه...

﴾ قال: أناس من أهل الكتاب أسلموا فكان أناس من اليهود إذا مروا عليهم سبوهم، فأنزل الله هذه الآية فيهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ﴾ قال: لا يجاورون أهل الجهل والباطل في باطلهم، أتاهم من الله ما وقذهم عن ذلك.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر.

ورجل كانت له أمة فأدبها وأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها.

وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده» .

وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ ﴾ قال الكلبي: يعني الباطل (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ أَعْرَضُوا عَنْهُ ﴾ أي: عن اللغو، فلم يردوا عليهم مثل ما قيل لهم (٣) وقال أبو إسحاق: إذا سمعوا ما لا يجوز، وينبغي أن يُلغى لم يلتفتوا إليه (٤) ﴿ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ قال مقاتل: لنا ديننا ولكم دينكم، وذلك حين عيروهم بترك دينهم (٥) (٦) (٧) ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قال السدي: لما أسلم عبد الله بن سلام، جعل اليهود يشتمونه، وهو يقول: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ (٨) قال أبو إسحاق: ولم يريدوا بقولهم: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ التحية؛ والمعنى: أنهم قالوا: بيننا وبينكم المتاركة والتسليم.

وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال (٩) وقوله تعالى: ﴿ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ قال مقاتل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه (١٠) (١١) (١٢) وقيل: لا نبتغي محاورة الجاهلين (١٣) وقال أبو علي: لا نبتغي مجاراتهم ولا الخوض معهم فيما يخوضون فيه؛ فالمضاف محذوف.

(١) "تنوير المقباس" 328، وأخرجه ابن جرير 20/ 90، عن قتادة (٢) "تفسيره" 67 أ.

وأخرجه الطبري 20/ 91، وابن أبي حاتم 9/ 2992، عن مجاهد.

(٣) "تفسير مقاتل" 67 أ.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 149.

(٥) "تفسير مقاتل" 67 أ.

(٦) في نسخة: (أ)، (ب): وقالوا.

(٧) "تفسير ابن جرير" 20/ 91، بنصه.

(٨) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2993.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 149، يعني أن هذه الآية منسوخة بآية الجهاد والقتال، وقد سبق الحديث عن نسخ هذه الآية وما شابهها في سورة الفرقان، عند قوله تعالى ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ قال مكي بن أبي طالب: والذي عليه أهل النظر -وهو الصواب- أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن معنى السلام فيها: == المتاركة والمداراة من الكفار، وليس من السلام الذي هو التحية؛ لأن السلام عليهم محظور بقوله تعالى: ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى  ﴾ .

"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" 375.

(١٠) "تفسير مقاتل" 67 أ.

(١١) "تنوير المقباس" 328.

بلفظ: لا نطلب دين المشركين بالله.

(١٢) هذا بنصه كلام الكلبي؛ لا نبتغي دين الجاهلين.

"تفسير الثعلبي" 8/ 149 أ.

(١٣) "تفسير ابن جرير" 20/ 91.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 149 أ.

ولم ينسباه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو ﴾ يعني ساقط الكلام ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ هذا على وجه التبري والبعد من القائلين للغو ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ معناه هنا، المتاركة والمباعدة لا التحية، أو كأنه سلام الانصراف والبعد ﴿ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين ﴾ أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة في الكلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ يصدر ﴾ بفتح الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب.

الآخرون بضم الياء وكسر الدال ﴿ إني أريد ﴾ ﴿ سَتَجِدُنِي إِن ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ و ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح ياء المتكلم في الكل: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو و ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح الياء: هم وابن عامر ﴿ جذوة ﴾ بفتح الجيم: عاصم وبضمها حمزة وخلف.

الباقون بكسرها.

﴿ من الرهب ﴾ بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وابو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بضم الراء وسكون الهاء ﴿ فذاناك ﴾ بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ معي ﴾ بالفتح: حفص ﴿ ردا ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بضم الراء وهمزة في الوقف ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع: حمزة وعاصم ﴿ يكذبون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو: ابن كثير ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ من يكون ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ لا يرجعون ﴾ بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ يسقون ﴾ ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين ﴿ تذودان ﴾ ج لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل ﴿ خطبكما ﴾ ط ﴿ الرعاء ﴾ ز لأن ما بعده منقطع لفظاً ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضاً بالاستقامة وأبونا شيخ ﴿ كبير ﴾ ط ﴿ فقير ﴾ ه ﴿ على استحياء ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على ﴿ تمشي ﴾ ويجعل على استحياء حالاً مقدماً اي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف ﴿ لنا ﴾ ط لأن جواب "لما" منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء لاستئناف القصص لأن قال جواب "لما".

﴿ لا تخف ﴾ ز لأن قوله ﴿ نجوت ﴾ غير متصل به نظماً وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيماً وقد نجوت من ظلم فرعون ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ استأجره ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ الأمين ﴾ 5 ﴿ حجج ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ عندك ﴾ ج لابتداء النفي مع الواو ﴿ عليك ﴾ ج ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ عليّ ﴾ ط ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد القائل ﴿ تصطلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا ﴿ عصاك ﴾ ط لحق الحذف أي فألقاها فحييت فلما رآها ﴿ ولم يعقب ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ج لمثل ما مر أي لا تخف باس العصا إنك أمنت بها بأس فرعون ﴿ الآمنين ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ه ﴿ وملئه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ يصدقني ﴾ ز للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى ﴿ إليكما ﴾ أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ 5 ﴿ غيري ﴾ ج لتنويع الكلام ﴿ إلى إله موسى ﴾ لا لأن ما بعده مقوله ايضاً ﴿ الكاذبين ﴾ ه لا ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في اليم ﴾ ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين مع فاء التعقيب ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلى النار ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ لعنة ﴾ ط لمثل ذلك ﴿ المقبوحين ﴾ ه.

التفسير: ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله  وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين.

وقد يؤيد هذا التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله  .

أما أنه قصد مدين فلقوله  ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ اي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان.

وأما أنه اعتمد على فضل الله فلقوله.

﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ أي وسطه وجادّته نظيره قول جده إبراهيم  ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ وكذا الخلف الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي.

قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين.

عن ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.

﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكان بئراً فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضدّ الصدور.

﴿ وجد عليه ﴾ اي على شفيره ومستقاه ﴿ أمة من الناس ﴾ جماعة كثيرة العدد أصنافاً ﴿ يسقون ﴾ مواشيهم ﴿ ووجد من دونهم ﴾ اي في مكان اسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تذودان ﴾ أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال.

وقيل: تذودان الناس عن غنمهما.

وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر.

وبالجملة حذف مفعول ﴿ تذودان ﴾ لأن الغرض تقرير الذود لا المذود.

وكذا في ﴿ يسقون ﴾ و ﴿ لا نسقي ﴾ المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، وكذا في قراءة من قرأ ﴿ حتى يصدر ﴾ من لاإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار.

﴿ قال ما خطبكما ﴾ هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد ﴿ قالتا لا نسقي ﴾ الآية.

سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل يقوم بذلك.

﴿ وابونا شيخ ﴾ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصاً أهل البدو منهم لا يعدّونه قادحاً للمروءة.

وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس.

وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين من شعيب.

أما قوله ﴿ فسقى لهما ﴾ فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو يجتمع عليها أربعون رجلاً فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.

والثاني أنه عمد إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة -أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر.

﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ ظل شجرة ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاماً يأكله.

وعدي ﴿ فقير ﴾ باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.

وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وقيه دليل على أنه نزع الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية.

وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكراً لله.

يروى أنهما لما رجعتا إلى ابيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟

قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا.

فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي وذلك قوله  ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ قيل: من جملة حيائها أنها قد استترت بكم درعها ثم ﴿ قالت إن أبي يدعوك ﴾ عن عطاء بن السائب أنه حين قال ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ﴿ ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف اليقين بالله فلا يليق بالنبي.

وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك.

ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً حتى قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.

سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟

الجواب: العمل بقول الواحد حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى سائغ في الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ويؤيده ما روي أن موسى تبعها فأزلقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لهاك امشي خلفي وانعتي لي الطريق.

قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟

قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب.

﴿ وقص عليه القصص ﴾ أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطيّ وفراره خوفاً من فرعون وملئه فـ ﴿ ـقال ﴾ له شعيب ﴿ لا تخف ﴾ من فرعون أو ضيماً ﴿ نجوت من القوم الظالمين ﴾ فلا سلطان لفرعون بأرضنا ﴿ قالت إحداهما ﴾ وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت الصغرى صفيراء ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين ﴾ قال النحويون: جعل القوي الأمين اسماً لكونه معرفة صريحة أولى من جعل "أفعل" التفضيل المضاف اسماً لكونه قريباً من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سبباً للتقديم.

وورود الفعل وهو ﴿ استأجرت ﴾ بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.

وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة والديانة في الذين يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك.

عن ابن عباس أن شعيباً أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟

فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوّب راسه اي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه فلذلك قال ﴿ أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ﴾ وليس هذا عقداً حتى تلزم الجهالة في المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقداً لقال أنكحتك ابنتي فلانة.

وفي قوله ﴿ هاتين ﴾ دليل على أنه كانت له غيرهما.

قال أهل اللغة: ﴿ تأجرني ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً فيكون ﴿ ثماني ﴾ حجج ظرفه أو من اجرته كذا إذا أثبته إياه فيكون الثماني مفعولاً به ثانياً ومعناه رعية ثماني حجج ﴿ فإن أتممت عشراً ﴾ اي عمل عشر حجج ﴿ فمن عندك ﴾ أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك وتبرع ﴿ وما أريد أن أشق عليك ﴾ الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح -بالحاء لا بالجيم- قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقة وتارة لا أطيقه.

ثم أكد وعد المسامحة بقوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ عموماً أو في باب حسن المعاملة.

وقوله ﴿ إن شاء الله ﴾ أدب جميل كقول إسماعيل ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين  ﴾ أي على الذبح.

وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته.

استدل الفقهاء بالآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده الشروط التي لا يوجبها العقد.

ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا.

وجوّز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ثم أنكحه ابنته.

وجعل قوله ﴿ على أن تأجرني ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ الذي شارطتني عليه قائم ﴿ بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ﴾ و"ما" مؤكدة لإبهام أيّ زائدة في شيوعها ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ اي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب بالزيادة أيضاً.

وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعدياً.

روي عن النبي  أنه تزوّج كبراهما وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين.

قال القاضي في قوله ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ﴾ دليل على أنه لم يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر.

قال أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في راسه نار أو لم تكن، وشاطئ الوادي جانبه، و"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى وبدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن فيها ابتداء الرسالة والتكلم.

احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله  يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله ﴿ من الشجرة ﴾ وقال أهل السنة: مما وراء النهران الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت والحرف دال على كلام الله.

وذهب الأشعري إالى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية.

روي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فشعر بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً.

وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ هناك أكثر لأن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم.

فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على منعها فمشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح لذلك.

وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً.

قيل: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في النمل تفسير قوله ﴿ فلما رآها تهتز  ﴾ إلى قوله ﴿ من غير سوء  ﴾ أما قوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه لما قلب الله العصا حية فزع واضطراب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى.

وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما.

ومعنى ﴿ من الرهب ﴾ من أجل الخوف.

والفرق بين هذه العبارة وبين قوله ﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ أن الغرض هناك خروج اليد بيضاء وههنا الغرض إخفاء الخوف أو اراد بالجناح المضموم ههنا اليد اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ اليد اليسرى، وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد.

من قرأ ﴿ فذانك ﴾ بالتخفيف فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نوناً وأدغمت.

وسميت الحجة برهاناً لبياضها وإنارتها من قولهم "امرأة برهرهة" أي بيضاء، والعين واللام مكررتان.

والدليل على زيادة النون قولهم "أبره الرجل" إذا جاء بالبرهان ونظيره "السلطان" من السليط الزيت، لإنارتها.

وظاهر الكلام يقتضي أنه  أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج، وزعم القاضي أنه في حال أداء الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك أنواعاً أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحداً منها.

ومما يؤكد أن هذا الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذراً ﴿ رب إني قتلت منهم نفساً ﴾ الآية.

والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به و ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله ﴿ ولياً يرثني  ﴾ والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلاً يستويان فيه.

ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ يصدقني ﴾ لفرعون.

وجوّز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ قال الجبائي: إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله  ولم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أولا يكون حكمة.

ولقائل أن يقول: لعله ساله مشروطاً على معنى إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقول الداعي في دعائه.

وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال واحدة.

هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة مالا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة.

قال جار الله معنى ﴿ سنشد عضدك ﴾ سنقوّيك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد.

والسلطان التسلط والغلبة والحجة الواضحة.

وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق بظاهر وهو ﴿ نجعل ﴾ أو ﴿ لا يصلون ﴾ .

ويجوز أن يكون بياناً لـ ﴿ لغالبون ﴾ كأنه قيل: بماذا نغلب؟

فقيل: بآياتنا.

وامتنع أن تكون صلة لـ ﴿ لغالبون ﴾ لتقدمه، ويجوز أن تكون قسماً جوابه ﴿ لا يصلون ﴾ مقدماً عليه مثله.

ويجوز أن يكون من لغو القسم الذي لا جواب له كقولك "زيد وأبيك منطلق"والمراد الغلبة بالحجة والبرهان في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا يقدح في قوله ﴿ ومن اتبعكما الغالبون ﴾ لأن الدولة الباقية أعلى شأنا و ﴿ سحر مفترى ﴾ أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى.

ومعنى ﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ﴾ قد مر في سورة المؤمنين.

قال جار الله ﴿ في آبائنا ﴾ حال عن ﴿ هذا ﴾ اي كائناً في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغواً ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى.

وكل هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل التقليد.

من قرأ ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب.

ووجه قراءة الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين فيتبين له الغث من السمين.

وقوله ﴿ ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ﴾ إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون.

وقوله ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتدّ بها ضم طريقة الوعيد إلى الإفحام المذكور.

وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ وقال جار الله: ﴿ ربي أعلم ﴾ بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبياً ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذباً كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر ههنا أمرين: الأوّل قوله ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول.

وأما قوله ﴿ غيري ﴾ فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره.

الثاني قوله ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ وقد تكلفوا له ههنا أيضاً فقيل: إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكماً.

فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله ﴿ وإني لأظنه من الكاذبين ﴾ يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين.

والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلاً منه أو تلبيساً على ملئة حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن.

يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغاً لا يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعت ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل.

ووقعت قطعة في البحر،و قطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك.

وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث الله جبرائيل لهدمه.

قال أهل البيان: إن صح الحديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع.

وإنما قال ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجر.

ولأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون.

عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحداً بنى الآجر غير فرعون.

والطلوع والأطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع.

وفي قوله  ﴿ واستكبر هو وجنوده في الأرض ﴾ يعني أرض مصر ﴿ بغير الحق ﴾ إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو لله  كما جاء في الحديث القدسي "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فهو كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين.

وفي قوله ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ دلالة على علو شأنه  وعظمة سلطانه وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله  .

وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله بخيلاً وفاسقاً إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي.

وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار.

وقال بعضهم: أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى أستحقوا أن يقتدى بهم.

ثم بين بقوله ﴿ ويوم القيامة لا ينصرون ﴾ أن عقاب الآخرة سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه.

وقال في الكشاف: اراد وخذلناهم في الدنيا ويوم القيامة هم مخذولون كما قال ﴿ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ﴾ اي طرداً وإبعاداً عن الرحمة ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ أي من المطرودين المبعدين: وقالت الليث: قبحه الله قبحاً بالفتح وقبحاً بالضم أي نحّاه عن كل خير.

وقال ابن عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين.

وعن بعضهم أنه  يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين.

التأويل: وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية ﴿ وجد عليه أمة ﴾ من أوصاف الروح ﴿ يسقون ﴾ مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي.

﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ السر والخفي ابنتا شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي.

قال الشيخ الإمام الرباني نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في البداية بالتدريج فينشا منه الخفي، وهو لطيفه ربانية مودعة في الروح بالقوة فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستقاء.

وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح، مؤدية غلى القلب وهو أيضاً بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ وهم صفات الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإِلهي، فإذا صدروا استقينا مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضله مواشيهم في حوض القوى ﴿ وأبونا ﴾ وهو شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوّة استفادها من الجسد وقوّة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبداً.

﴿ فجاءته إحداهما ﴾ فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن يستمد من الخفي أو السر.

﴿ لا تخف نجوت ﴾ فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح نجا من ظلمات النفس وصفاتها ﴿ إن خير من استأجرت ﴾ من النفس والجسد ﴿ القوي الأمين ﴾ لأن القلب استفاد القوّة من الجسد والأمانة من الروح ﴿ ثماني حجج ﴾ فيه أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء.

وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته وهما المحبة والأنس مع الله ﴿ أيما الأجلين قضيت ﴾ في التخلق بأخلاقك اليمانية وفي المحبة والأنس مع الله ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ أي ليس لك أن تمنعني العبور عن المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية.

وأما المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة.

﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من زمرة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ إلا مؤمن موحد.

فلما اتصف موسى القلب بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته متوجهاً إلى حضرة القدس ﴿ آنس ﴾ من طور الحضرة نار نور الإلوهية.

وفي قوله ﴿ لأهله امكثوا ﴾ إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين.

نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن رآها آمن.

وفي قوله ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان ﴿ من الرهب ﴾ أي رهبة من فوات وصال الحضرة ﴿ وأخي هرون ﴾ هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق بالحق ﴿ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ﴾ لأن النفس خلقت من اسفل عالم الملكوت ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجهاً إلى الحضرة فلهذا ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ وما صدقت النفس ما رأت ﴿ في آبائنا الأولين ﴾ اي في طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلىعالم السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد.

﴿ فأوقد لي يا هامان ﴾ الشيطان ﴿ على الطين ﴾ البشرية بنفخ الوساوس والغرور ﴿ فاجعل لي صرحاً ﴾ من المقدمات الخيالية والوهمية ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار الحسرة والندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ لا ينتظم الجواب، وليس ما ذكر على إثره جواباً له، إلا أن يقال: إن قوله: ﴿ وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ أي: لم تصبهم مصيبة، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا  ﴾ أي: لم تقولوا: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ  ﴾ أي: لم يمسّهم، وجميع ما ذكر في هذه السورة من ﴿ وَلَوْلاۤ ﴾ كله أنه لم يكن؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ أي: لم تصبهم مصيبة، ولو أصابتهم مصيبة، وهو العذاب ﴿ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً  ﴾ على هذا يخرج تأويل هذا.

ثم في هذه الآية في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ وجهان: أحدهما: على من يقول بأن ليس لله أن يعذبهم بما كان منهم قبل بعث الرسل إليهم لقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ ، وفي الآية بيان أن له أن يعذبهم وإن لم يبعث الرسل؛ لأنه أوعدهم الهلاك، فلو لم يكن له التعذيب والإهلاك لم يكن للإيعاد فائدة؛ فدل أن له الإهلاك في الدنيا والاستئصال، لكنه أخره عنهم؛ فضلا منه ورحمة.

والثاني: على المعتزلة في قولهم الأصلح؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما أوعدهم أصلح لهم من الترك أو الترك لهم أصلح: فإن كان ما أوعد لهم أصلح فقد تركهم؛ فيكون في تركهم إياهم جائراً على قولهم؛ لأنه لم يفعل ما هو أصلح لهم في الدين.

أو أن يكون الترك لهم أصلح؛ فيكون بما أوعدهم جائرا؛ إذ أوعد بما كان غيره أصلح لهم مما أوعد؛ فدل ما ذكرنا على أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم في الدين.

ثم قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ ليس الكفر نفسه، ولكن العناد والمكابرة مع الكفر؛ لأن عذاب الكفر في الآخرة ليس في الدنيا؛ لأن الله  قد أبقى كثيراً من الكفرة لم يهلكهم ولم يعذبهم في الدنيا، ولكن إنما أهلك واستأصل في الدنيا من عاند وكابر الرسل في الآيات والحجج التي أتوهم بها وأقاموها عليهم على أثر سؤال كان منهم، فعند ذلك أهلكهم واستأصلهم لا بنفس الكفر، ثم مع ما كان له التعذيب قبل بعث الرسل لم يعذبهم، ولكن أخر عنهم إلى أن يبعث الرسل إليهم بالآيات والحجج؛ ليقطع به لجاجهم ومنازعتهم فضلا منه، وإن لم يكن لهم الاحتجاج عليه بقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ الآيات التي تبعث مع الرسل لا يبعث الرسل بالآيات.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ يعنون بالآيات: الرسل أنفسهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ : جائز أن يكون الحق الذي ذكر الرسول نفسه، ويحتمل الحق الكتاب الذي أنزل عليه وآيات.

وقوله: ﴿ قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ ﴾ : هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: قالوا: هلا أوتي محمد من أنواع النعم من المن والسلوى وغيره من غير تكلف ولا تعب؛ مثل ما أوتي موسى لو كان رسولا على ما يقول.

أو أن يقولوا: لولا أوتي من الآيات الحسيات الظاهرات من نحو اليد والعصا والحجر الذي كان ينفجر منه والغمام، وما ذكر من الضفادع والقمل والدم والطوفان وغير ذلك مثل ما أوتي موسى.

أو أن يقولوا: لولا أوتي محمد القرآن جملة عياناً جهاراً؛ كما أوتي موسى التوراة جملة عياناً جهاراً، والله أعلم بذلك ما عنوا به.

ثم بين الله  وأخبر أنهم إنما يسألون ما سألوه سؤال عناد ومكابرة لا سؤال استرشاد وطلب الحق حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ أي: لم يكفر هؤلاء الذين سألوك الآيات بما أوتي موسى - يعني: أهل مكة - لأنهم كانوا مشركين لم يؤمنوا برسول قط من قبل.

ويحتمل قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ ﴾ أي: أولم يكفر قوم موسى بعد سؤالهم الآيات إذ أتاهم بها؛ فعلى ذلك هؤلاء يكفرون بما أوتيت.

والأول أشبه.

ثم قالوا: ﴿ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ ، وقد قرئ: ﴿ ساحران ﴾ بالألف.

وقال بعضهم ساحران: موسى وهارون.

وقال بعضهم: موسى ومحمد.

وقال بعضهم: عيسى ومحمد.

وقوله: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ بغير ألف: كتابان، لكنهم اختلفوا: قال بعضهم: التوراة والإنجيل.

وقال بعضهم: الفرقان والتوراة ونحوه.

وقال بعض أهل الأدب: ساحران: أولى وأقرب؛ لأن ذكر التظاهر إنما يكون بين الأنفس لا يكون بين الكتب.

﴿ تَظَاهَرَا ﴾ أي: تعاونا.

وقال بعضهم من أهل الأدب - أيضاً - ﴿ سِحْرَانِ ﴾ بغير ألف أولى؛ لأنه أراد به الكتابين.

ألا ترى أنه طلب منهم بما قالوا إتيان الكتاب حيث قالوا: ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ ﴾ ردّاً على ما قالوا وطلبوا منه.

لكن نقول نحن: لا نحب أن نختار إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأنه إنما هو خبر أخبر عنهم أنهم قالوا ذلك: فمرة قالوا: ﴿ ساحران ﴾ ، ومرة قالوا: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ ، فأخبر على ما قالوا؛ وكذلك قوله: ﴿ سيقولون الله ﴾ بالألف وبغير الألف، لا يختار أحدهما على الآخر؛ لأنه خبر أخبر عنهم على ما كان منهم فهو على ما أخبر، والله أعلم.

وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ ﴾ : قالت اليهود: نأمر قريشاً أن تسأل أن يؤتى محمد مثل ما أوتي موسى يقول الله لرسوله: قل لقريش يقولوا لهم: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ ﴾ يعني: اليهود، وقالوا: ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ قال قول اليهود لموسى وهارون وهو مما ذكرنا قريب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ﴾ ما أوتي موسى على اختلاف ما ذكرنا.

ثم قال: قل يا محمد لقريش أهل مكة: ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ ﴾ من التوراة والفرقان أو التوراة والإنجيل على اختلاف ما قالوا، ﴿ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في زعمكم أنهما سحران تظاهرا، وأنه مفترى، ائتوا أنتم من عند الله بكتاب أتبعه؛ إلى هذا ذهب أهل التأويل.

ووجه آخر يشبه أن يكون أقرب منه: وهو أن قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ ﴾ ، أي: ائتوا بكتاب من عند الله أنه أمركم بعبادة الأصنام والأوثان؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام دون الله، ويقولون: الله أمرهم بذلك، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وإن عبادتهم إياها تقربهم إلى الله زلفى ونحوه من الكلام، فيقول - والله أعلم -: ائتوا بكتاب من عند الله: أنه أمركم بذلك هو أهدى منهما، أي: أبين منهما وأوضح من هذين؛ لأن هذين إنما جاءا بنهي عبادة غير الله ومنعها دونه، يقول: ائتوا بكتاب هو أهدى وأبين عما جاء منه من هذين، إن كنتم صادقين أن الله أمركم بذلك، ويكون عبادتكم إياها على ما تزعمون، هذا جائز أن يكون أقرب من الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ ﴾ : في إتيان ما تطلب منهم وتسأل من الكتاب، ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ بغير علم، وهم كانوا يعلمون: أنهم إنما يتبعون في عبادة الأصنام وتحريم الحلال وتحليل الحرام - أهواءهم، ويجعلون هواهم هو الإمام؛ إذ لا يؤمنون برسول حتى يكون لهم كتاب.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾ ، أي: لا أحد أضل ﴿ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: من غير بيان من الله - ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، أي: والله أعلم -: إن الله لا يهدي قوماً يتبعون أهواءهم، لا يتبعون الحجج والبراهين لا يهديهم ما داموا في اتباع هواهم.

أو لا يهدي القوم الذين ظلموا الحجج والبراهين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا سمع هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب الباطل من القول أعرضوا عنه غير ملتفتين إليه، وقالوا مخاطبين أصحابه: لنا جزاء أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم، سلمتم منا من الشتم والأذى، لا نبتغي مصاحبة أصحاب الجهل لما فيها من الضرر والأذى على الدين والدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.kW6qz"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله