تفسير الآية ٣٩ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٣٩ من سورة الروم

وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًۭا لِّيَرْبُوَا۟ فِىٓ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرْبُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوٰةٍۢ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٩ من سورة الروم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ) أي : من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم ، فهذا لا ثواب له عند الله - بهذا فسره ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب ، والشعبي - وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، قاله الضحاك ، واستدل بقوله : ( ولا تمنن تستكثر ) [ المدثر : 6 ] أي : لا تعط العطاء تريد أكثر منه .

وقال ابن عباس : الربا رباءان ، فربا لا يصح يعني : ربا البيع ؟

وربا لا بأس به ، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها .

ثم تلا هذه الآية : ( وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ) .

وإنما الثواب عند الله في الزكاة ; ولهذا قال : ( وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ) أي : الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء ، كما [ جاء ] في الصحيح : " وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه ، فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ، حتى تصير التمرة أعظم من أحد " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) يقول تعالى ذكره: وما أعطيتم أيها الناس، بعضكم بعضا من عطية؛ لتزداد في أموال الناس برجوع ثوابها إليه، ممن أعطاه ذلك، (فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ)، يقول: فلا يزداد ذلك عند الله، لأن صاحبه لم يعطه من أعطاه مبتغيا به وجهه (وَما آتَيْتمْ مِنْ زَكاةٍ) يقول: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها وجه الله، (فَأُوْلَئِكَ) يعني الذين يتصدّقون بأموالهم، ملتمسين بذلك وجه الله (هُمُ المُضْعِفُونَ) يقول: هم الذين لهم الضعف من الأجر والثواب.

من قول العرب: أصبح القوم مسمِنين معطِشين، إذا سمنت إبلهم وعطشت.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ) قال: هو ما يعطي الناس بينهم بعضهم بعضا، يعطي الرجل الرجل العطية، يريد أن يعطى أكثر منها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن سعيد بن جُبَير (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوالِ النَّاسِ) قال: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليثيبه.

قال: ثنا يحيى، قال ثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن سعيد بن جُبَير، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن منصور بن صفية، عن سعيد بن جُبَير (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أموَال النَّاس فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ) قال: الرجل يعطي ليثاب عليه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُو فِي أمْوَال النَّاسِ) قال: الهدايا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هي الهدايا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُو فِي أمْوَالِ النَّاسِ) قال: يعطي ماله يبتغي أفضل منه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: هو الرجل يهدي إلى الرجل الهدية؛ ليثيبه أفضل منها.

قال: ثنا محمد بن حميد المعمري، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: هو الرجل يعطي العطية، ويهدي الهدية، ليثاب أفضل من ذلك، ليس فيه أجر ولا وزر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيرْبُوَ فِي أمْوَالِ النَّاس فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ) قال: ما أعطيت من شيء تريد مثابة الدنيا، ومجازاة الناس ذاك الربا الذي لا يقبله الله، ولا يجزي به.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَالِ النَّاسِ) فهو ما يتعاطى الناس بينهم ويتهادون، يعطي الرجل العطية؛ ليصيب منه أفضل منها، وهذا للناس عامة.

وأما قوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ فَهذَا للنبيّ خاصة، لم يكن له أن يعطي إلا لله، ولم يكن يعطي ليعطى أكثر منه.

وقال آخرون: إنما عنى بهذا الرجل: يعطي ماله الرجل ليعينه بنفسه، ويخدمه، ويعود عليه نفعه، لا لطلب أجر من الله.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ومحمد بن فضيل، عن زكريا، عن عامر (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَال النَّاسِ) قال: هو الرجل يلزق بالرجل، فيخفّ له ويخدمه، ويسافر معه، فيجعل له ربح بعض ماله ليجزيه، وإنما أعطاه التماس عونه، ولم يرد وجه الله.

وقال آخرون: هو إعطاء الرجل ماله ليكثر به مال من أعطاه ذلك، لا طلب ثواب الله.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي حصين، عن ابن عباس (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَال النَّاسِ) قال: ألم تر إلى الرجل يقول للرجل: لأموّلنك، فيعطيه، فهذا لا يربو عند الله؛ لأنه يعطيه لغير الله ليثري ماله.

قال ثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت إبراهيم النخعي يقول في قوله: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَال النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللهِ) قال: كان هذا في الجاهلية، يعطي أحدهم ذا القرابة المال يكثر به ماله.

وقال آخرون: ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وأما لغيره فحلال.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي روّاد، عن الضحاك (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَال النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ) هذا للنبيّ صلى الله عليه وسلم، هذا الربا الحلال.

وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك؛ لأنه أظهر معانيه.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض أهل مكة، (لِيَرْبُو) بفتح الياء من يربو، بمعنى: وما آتيتم من ربا ليربو ذلك الربا في أموال الناس، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة: (لِتَرْبُوا) بالتاء من تربوا وضمها، بمعنى: وما آتيتم من ربا لتربوا أنتم في أموال الناس.

والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار مع تقارب معنييهما؛ لأن أرباب المال إذا أربوا ربا المال، وإذا ربا المال فبإرباء أربابه إياه ربا، فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب.

وأما قوله: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضعِفُونَ) فإن أهل التأويل قالوا في تأويله نحو الذي قلنا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدون وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ) قال: هذا الذي يقبله الله ويضعفه لهم عشر أمثالها، وأكثر من ذلك.

حدثنا عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قال: قال ابن عباس قوله: (وَما آتيتُمْ مِنْ رِبا ليَرْبُوَ فِي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ) قال: هي الهبة، يهب الشيء يريد أن يُثاب عليه أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله، لا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ) قال: هي الصدقة تريدون وجه الله (فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفونَ) قال معمر: قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون .قوله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله فيه أربع مسائل :الأولى : لما ذكر ما يراد به وجهه ويثيب عليه ذكر غير ذلك من الصفة وما يراد به أيضا وجهه .

وقرأ الجمهور : آتيتم بالمد بمعنى أعطيتم .

وقرأ ابن كثير ومجاهد وحميد بغير مد ; بمعنى ما فعلتم من ربا ليربو ; كما تقول : أتيت صوابا وأتيت خطأ .

وأجمعوا على المد في قوله : وما آتيتم من زكاة .

والربا الزيادة ، وقد مضى في ( البقرة ) معناه ، وهو هناك محرم وهاهنا حلال .

وثبت بهذا أنه قسمان : منه حلال ومنه حرام .

قال عكرمة في قوله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس قال : الربا ربوان ، ربا حلال وربا حرام ; فأما الربا الحلال فهو الذي يهدى ، يلتمس ما هو أفضل منه .

وعن الضحاك في هذه الآية : هو الربا الحلال الذي يهدى ليثاب ما هو أفضل منه ، لا له ولا عليه ، ليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم .

وكذلك قال ابن عباس : وما آتيتم من ربا يريد هدية الرجل الشيء يرجو أن يثاب أفضل منه ; فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه ، وفي هذا المعنى نزلت الآية .

قال ابن عباس وابن جبير وطاوس ومجاهد : هذه آية نزلت في هبة الثواب .

قال ابن عطية : وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه ؛ كالسلام وغيره ; فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى .

وقاله القاضي أبو بكر ابن العربي .

وفي كتاب النسائي عن عبد الرحمن بن علقمة قال : قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هدية فقال : أهدية أم صدقة .

فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الحاجة ، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله عز وجل قالوا : لا بل هدية ; فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم [ ص: 35 ] ويسألونه .

وقال ابن عباس أيضا وإبراهيم النخعي : نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم ، وليزيدوا في أموالهم على وجه النفع لهم .

وقال الشعبي : معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحدا وخف له لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزي به الخدمة لا يربو عند الله .

وقيل : كان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص ; قال الله تعالى : ولا تمنن تستكثر فنهى أن يعطي شيئا فيأخذ أكثر منه عوضا .

وقيل : إنه الربا المحرم ; فمعنى : فلا يربو عند الله على هذا القول لا يحكم به لآخذه ، بل هو للمأخوذ منه .

قال السدي : نزلت هذه الآية في ربا ثقيف ; لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش .الثانية : قال القاضي أبو بكر ابن العربي : صريح الآية فيمن يهب يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة .

قال المهلب : اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب ثوابها ، وقال : إنما أردت الثواب ; فقال مالك : ينظر فيه ; فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك ; مثل هبة الفقير للغني ، وهبة الخادم لصاحبه ، وهبة الرجل لأميره ومن فوقه ; وهو أحد قولي الشافعي .

وقال أبو حنيفة : لا يكون له ثواب إذا لم يشترط ; وهو قول الشافعي الآخر .

قال : والهبة للثواب باطلة لا تنفعه ; لأنها بيع بثمن مجهول .

واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع ، فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع وصارت في معنى المعاوضات ، والعرب قد فرقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة ، فجعلت لفظ البيع على ما يستحق فيه العوض ، والهبة بخلاف ذلك .

ودليلنا ما رواه مالك في موطئه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : أيما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى منها .

ونحوه عن علي رضي الله عنه قال : المواهب ثلاثة : موهبة يراد بها وجه الله ، وموهبة يراد بها وجوه الناس ، وموهبة يراد بها الثواب ; فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يثب منها .

وترجم البخاري رحمه الله ( باب المكافأة في الهبة ) وساق حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب [ ص: 36 ] عليها .

وأثاب على لقحة ولم ينكر على صاحبها حين طلب الثواب ؛ وإنما أنكر سخطه للثواب وكان زائدا على القيمة .

خرجه الترمذي .الثالثة : ما ذكره علي رضي الله عنه وفصله من الهبة صحيح ; وذلك أن الواهب لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال : أحدها : أن يريد بها وجه الله تعالى ويبتغي عليها الثواب منه .

والثاني : أن يريد بها وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها .

والثالث : أن يريد بها الثواب من الموهوب له ; وقد مضى الكلام فيه .

وقال صلى الله عليه وسلم : الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .

فأما إذا أراد بهبته وجه الله تعالى وابتغى عليه الثواب من عنده فله ذلك عند الله بفضله ورحمته ; قال الله عز وجل : وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون .وكذلك من يصل قرابته ليكون غنيا حتى لا يكون كلا ، فالنية في ذلك متبوعة ; فإن كان ليتظاهر بذلك دنيا فليس لوجه الله ، وإن كان لما له عليه من حق القرابة وبينهما من وشيجة الرحم فإنه لوجه الله .وأما من أراد بهبته وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها فلا منفعة له في هبته ; لا ثواب في الدنيا ولا أجر في الآخرة ; قال الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس الآية .وأما من أراد بهبته الثواب من الموهوب له فله ما أراد بهبته ، وله أن يرجع فيها ما لم يثب بقيمتها ، على مذهب ابن القاسم ، أو ما لم يرض منها بأزيد من قيمتها ، على ظاهر قول عمر وعلي ، وهو قول مطرف في الواضحة : أن الهبة ما كانت قائمة العين ، وإن زادت أو نقصت فللواهب الرجوع فيها وإن أثابه الموهوب فيها أكثر منها .

وقد قيل : إنها إذا كانت قائمة العين لم تتغير فإنه يأخذ ما شاء .

وقيل : تلزمه القيمة كنكاح التفويض ، وأما إذا كان بعد فوت الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقا ; قاله ابن العربي .[ ص: 37 ] الرابعة : قوله تعالى : ( ليربو ) ، قرأ جمهور القراء السبعة : ليربو بالياء وإسناد الفعل إلى الربا .

وقرأنافع وحده : بضم التاء والواو ساكنة على المخاطبة ; بمعنى تكونوا ذوي زيادات ، وهذه قراءة ابن عباس والحسن وقتادة والشعبي .

قال أبو حاتم : هي قراءتنا .

وقرأ أبو مالك : ( لتربوها ) بضمير مؤنث .

فلا يربو عند الله أي لا يزكو ولا يثيب عليه ; لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه وكان خالصا له ; وقد تقدم في ( النساء ) .

وما آتيتم من زكاة قال ابن عباس : أي من صدقة .

و تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون أي ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرة أضعافه أو أكثر ; كما قال : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة .

وقال : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة .

وقال : فأولئك هم المضعفون ولم يقل فأنتم المضعفون ؛ لأنه رجع من المخاطبة إلى الغيبة ; مثل قوله : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم .

وفي معنى المضعفين قولان : أحدهما : أنه تضاعف لهم الحسنات كما ذكرنا .

والآخر : أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم ; أي هم أصحاب أضعاف ، كما يقال : فلان مقو إذا كانت إبله قوية ، أو له أصحاب أقوياء .

ومسمن إذا كانت إبله سمانا .

ومعطش إذا كانت إبله عطاشا .

ومضعف إذا كان إبله ضعيفة ; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الشيطان الرجيم .

فالمخبث : الذي أصابه خبث ، يقال : فلان رديء أي هو رديء في نفسه .

ومردئ : أصحابه أردئاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكر العمل الذي يقصد به وجهه من النفقات ذكر العمل الذي يقصد به مقصد دنيوي فقال: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُو فِي أَمْوَالِ النَّاسِ } أي: ما أعطيتم من أموالكم الزائدة عن حوائجكم وقصدكم بذلك أن يربو أي: يزيد في أموالكم بأن تعطوها لمن تطمعون أن يعاوضكم عنها بأكثر منها، فهذا العمل لا يربو أجره عند اللّه لكونه معدوم الشرط الذي هو الإخلاص.

ومثل ذلك العمل الذي يراد به الزيادة في الجاه والرياء عند الناس فهذا كله لا يربو عند اللّه.{ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ } أي: مال يطهركم من الأخلاق الرذيلة ويطهر أموالكم من البخل بها ويزيد في دفع حاجة الْمُعْطَى.

{ تُرِيدُونَ } بذلك { وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } أي: المضاعف لهم الأجر الذين تربو نفقاتهم عند اللّه ويربيها اللّه لهم حتى تكون شيئا كثيرا.ودل قوله: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ } أن الصدقة مع اضطرار من يتعلق بالمنفق أو مع دَيْنٍ عليه لم يقضه ويقدم عليه الصدقة أن ذلك ليس بزكاة يؤجر عليه العبد ويرد تصرفه شرعا كما قال تعالى في الذي يمدح: { الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى } فليس مجرد إيتاء المال خيرا حتى يكون بهذه الصفة وهو: أن يكون على وجه يتزكى به المؤتي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ) ( وما آتيتم من ربا ) قرأ ابن كثير : " أتيتم " مقصورا ، وقرأ الآخرون بالمد ، أي : أعطيتم ، ومن قصر فمعناه : ما جئتم من ربا ، ومجيئوهم ذلك على وجه الإعطاء كما تقول : أتيت خطئا ، وأتيت صوابا ، فهو يؤول في المعنى إلى قول من مد .

( ليربوا في أموال الناس ) قرأ أهل المدينة ، ويعقوب : " لتربوا " بالتاء وضمها وسكون الواو على الخطاب ، أي : لتربوا أنتم وتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس ، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها ، ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا لقوله : ( فلا يربو عند الله ) في أموال الناس ، أي : في اختطاف أموال الناس واجتذابها .

واختلفوا في معنى الآية ، فقال سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وطاوس ، وقتادة ، والضحاك ، وأكثر المفسرين : هو الرجل يعطي غيره العطية ليثب أكثر منها فهذا جائز حلال ، ولكن لا يثاب عليه في القيامة ، وهو معنى قوله - عز وجل - : " فلا يربوا عند الله " ، وكان هذا حراما على النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة لقوله تعالى : " ولا تمنن تستكثر " ( المدثر - 6 ) ، أي : لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت .

وقال النخعي : هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله ولا يريد به وجه الله .

وقال الشعبي : هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ماله التماس عونه ، لا لوجه الله ، فلا يربوا عند الله لأنه لم يرد به وجه الله تعالى .

( وما آتيتم من زكاة ) أعطيتم من صدقة ( تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ) يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات ، تقول العرب : القوم مهزولون ومسمونون : إذا هزلت أو سمنت إبلهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما آتيتم من رِبا» بأن يعطي شيء هبة أو هدية ليطلب أكثر منه، فسمي باسم المطلوب من الزيادة في المعاملة «ليربوَ في أموال الناس» المعطين، أي يزيد «فلا يربو» يزكو «عند الله» لا ثواب فيه للمعطين «وما آتيتم من زكاة» صدقة «تريدون» بها «وجه الله فأولئك هم المضعفون» ثوابهم بما أرادوه، فيه التفات عن الخطاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما أعطيتم قرضًا من المال بقصد الربا، وطلب زيادة ذلك القرض؛ ليزيد وينمو في أموال الناس، فلا يزيد عند الله، بل يمحقه ويبطله.

وما أعطيتم من زكاة وصدقة للمستحقين ابتغاء مرضاة الله وطلبًا لثوابه، فهذا هو الذي يقبله الله ويضاعفه لكم أضعافًا كثيرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن حضهم على صلة الأقارب والمساكين وابن السبيل ، نفرهم من تعاطى الربا فقال : ( وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله ) .والربا : الزايدة مطلقا .

يقال : ربا الشئ يربو إذا زاد ونما ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ ) أى : زادت .قال الآلوسى ما ملخصه : والظاهر أن المراد بالبر هنا ، الزيادة المعروفة فى المعاملة التى حرمها الشارع .

ويشهد لذلك ما روى عن السدى ، من أن الآية نزلت فى ربا ثقيف ، كانوا يرابون ، وكذلك كانت قريش تتعاطى الربا .وعن ابن عباس وغيره : أن المراد به هنا العطية التى يتوقع بها مزيد مكافأة ، وعليه فتسميتها ربا مجاز ، لأنها سبب للزيادة .ويبدو لنا أن المراد هنا ، الربا الذى حرمه الله - تعالى - بعد ذلك تحريما قاطعا ، وأن المقصود من الآية التنفير منه على سبيل التدرج ، حتى إذا جاء التحريم النهائى له ، تقبلته نفوس الناس بدون مفاجأة لهذا التحريم .قال صاحب الكشاف : هذه الآية فى معنى قوله - تعالى - ( يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات ) سواء بسواء .

يريد : وما أعطيتم أكلة الربا ( مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي ) أموالهم ، أى : ليزيد ويزكو فى أموالهم ، فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه .ثم حض - سبحانه - على التصدق فى سبيله فقال : ( وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ ) أى من صدقة تتقربون بها إلى الله ، و ( تُرِيدُونَ ) بأدائها ( وَجْهَ الله ) أى : رضاه وثوابه .

( فأولئك ) الذين يفعلون ذلك ( هُمُ المضعفون ) أى : ذوو الأضعاف المضاعفة من الثواب والعطا الكريم ، فالمضعفون جمع مضعف - بكسر العين - على أنه اسم فاعل من أضعف ، إذا صار ضِعْف - بكسر فسكون - كأقوى وأيسر ، إذا صار ذا قوة ويسار .وقال - سبحانه - : ( فأولئك هُمُ المضعفون ) ولم يقل : فأنتم المضعفون ، لأنه رجع من المخاطبة إلى الغيبة ، كانه قال لملائكته : فاولئك الذين يريدون وجهى بصدقاتهم ، هم المضعفون ، فهو أمدح لهم من أن يقول : فأنتم المضعفون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ذكر هذا تحريضاً يعني أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين ترغبون فيه وتؤتونه وذلك لا يربوا عند الله والزكاة تنمو عند الله كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الصدقة تقع في يد الرحمن فتربوا حتى تصير مثل الجبل» فينبغي أن يكون إقدامكم على الزكاة أكثر.

وقوله تعالى: ﴿ وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ﴾ أي أولئك ذوو الأضعاف كالموسر لذي اليسار وأقل ذلك عشرة أضعاف كل مثل لما آتى في كونه حسنة لا في المقدار فلا يفهم أن من أعطى رغيفاً يعطيه الله عشرة أرغفة بل معناه أن ما يقتضيه فعله من الثواب على وجه الرحمة يضاعفه الله عشرة مرات على وجه التفضل، فبالرغيف الواحد يكون له قصر في الجنة فيه من كل شيء ثواباً نظراً إلى الرحمة، وعشر قصور مثله نظراً إلى الفضل.

مثاله في الشاهد، ملك عظيم قبل من عبده هدية قيمتها درهم لو عوضه بعشرة دراهم لا يكون كرماً، بل إذا جرت عادته بأنه يعطي على مثل ذلك ألفاً، فإذا أعطى له عشرة آلاف فقد ضاعف له الثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذه الآية في معنى قوله تعالى: ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ [البقرة: 278] سواء بسواء، يريد: وما أعطيتم أكلة الربا ﴿ مِّن رِباً لِّيَرْبُوَاْ فى ﴾ أموالهم: ليزيد ويزكو في أموالهم، فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه ﴿ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زكاوة ﴾ أي صدقة تبتغون به وجهه خالصاً، لا تطلبون به مكافأة ولا رياء وسمعة ﴿ فأولائك هُمُ المضعفون ﴾ ذوو الإضعاف من الحسنات.

ونظير المضعف: المقوى والموسر، لذي القوّة واليسار: وقرئ بفتح العين.

وقيل نزلت في ثقيف، وكانوا يربون.

وقيل: المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدي له، ليعوّضه أكثر مما وهب أو أهدى، فليست تلك الزيادة بحرام، ولكن المعوّض لا يثاب على تلك الزيادة.

وقالوا: الربا ربوان: فالحرام: كل قرض يؤخذ فيه أكثر منه: أو يجرّ منفعة.

والذي ليس بحرام: أن يستدعى بهبته أو بهديته أكثر منها.

وفي الحديث: المستغزر يثاب من هبته وقرئ: ﴿ وما أتيتم من ربا ﴾ بمعنى: وما غشيتموه أو رهقتموه من إعطاء ربا.

وقرئ: ﴿ لتربوا ﴾ ، أي: لتزيدوا في أموالهم، كقوله تعالى: ﴿ وَيُرْبِى الصدقات ﴾ أي يزيدها.

وقوله تعالى: ﴿ فأولائك هُمُ المضعفون ﴾ التفات حسن، كأنه قال لملائكته وخواص خلقه: فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم: هم المضعفون.

فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون.

والمعنى: المضعفون به، لأنه لابد من ضمير يرجع إلى ما، ووجه آخر: وهو أن يكون تقديره: فمؤتوه أولئك هم المضعفون.

والحذف لما في الكلام من الدليل عليه، وهذا أسهل مأخذاً، والأوّل أملأ بالفائدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا ﴾ زِيادَةٍ مُحَرَّمَةٍ في المُعامَلَةِ أوْ عَطِيَّةٍ يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ بِمَعْنى ما جِئْتُمْ بِهِ مِن إعْطاءِ رِبًا.

﴿ لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ ﴾ لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في أمْوالِهِمْ.

﴿ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ فَلا يَزْكُو عِنْدَهُ ولا يُبارِكُ فِيهِ، وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( لِتَرْبُوا ) أيْ لِتَزِيدُوا أوْ لِتَصِيرُوا ذَوِي رِبًا.

﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ خالِصًا ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ ذَوُو الأضْعافِ مِنَ الثَّوابِ ونَظِيرُ المُضْعِفِ المُقَوِّي والمُوسِرُ لِذِي القُوَّةِ واليَسارِ، أوِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِبَرَكَةِ الزَّكاةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَغْيِيرُهُ عَنْ سُنَنِ المُقابَلَةِ عِبارَةً ونَظْمًا لِلْمُبالَغَةِ، والِالتِفاتُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ كَأنَّهُ خاطَبَ بِهِ المَلائِكَةَ وخَواصَّ الخَلْقِ تَعْرِيفًا لِحالِهِمْ، أوْ لِلتَّعْمِيمِ كَأنَّهُ قالَ: فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والرّاجِعُ مِنهُ مَحْذُوفٌ إنْ جُعِلَتْ ما مَوْصُولَةً تَقْدِيرُهُ المُضْعِفُونَ بِهِ، أوْ فَمُؤْتُوهُ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)

{وما آتيتم من ربا ليربو فِى أَمْوَالِ الناس} يريد وما أعطيتم أكلة الربا من رباً ليربوا في أموالهم {فَلاَ يربو عِندَ الله} فلا يزكوا عند الله ولا يبارك فيه وقيل هو من الربا الحلال أي وما تعطونه من الهدية لتأخذوا أكثر منها فلا يربوا عند الله لأنكم لم تريدوا بذلك وجه الله {وما آتيتم من زكاة} صدقة {تُرِيدُونَ وَجْهَ الله} تبتغون به وجهه خالصاً لا تطلبون به مكافأة ولا رياء ولاسمعة {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المضعفون} ذوو الإضعاف من الحسنات ونظير المضعف المقوى والموسر الذى القوه واليسار أتيتم من ربا بلا مد مكي أي وما غشيتموه من إعطاء ربا لتربوا مدني أي لتزيدوا في أموالهم وقوله فأولئك هم المضعفون التفات حسن لأنه يفيد التعميم كأنه قيل من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين والمعنى المضعفون به لأنه لا بدله من ضمير يرجع إلى ما الموصولة وقال الزجاج في قوله فأولئك هم المضعفون أي فأهلها هم المضعفون أى هم الذين يضاعف لهم الثواب يعطون بالحسنة عشر أمثالها ثم أشار إلى عجز آلهتهم فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الزِّيادَةُ المَعْرُوفَةُ في المُعامَلَةِ الَّتِي حَرَّمَها الشّارِعُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ويَشْهَدُ لَهُ ما رُوِيَ عَنُ السُّدِّيِّ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يُرْبُونَ، وكَذا كانَتْ قُرَيْشٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وطاوُسٍ، وغَيْرِهِمْ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ العَطِيَّةُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ، وعَلَيْهِ فَتَسْمِيَتُها رِبًا مَجازٌ، لِأنَّها سَبَبٌ لِلزِّيادَةِ، وقِيلَ: لِأنَّها فَضْلٌ لا يَجِبُ عَلى المُعْطِي.

وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ، والتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ لَهُمْ، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالمُرادُ بِالرِّبا العَطِيَّةُ الَّتِي تُعْطى لِلْأقارِبِ لِلزِّيادَةِ في أمْوالِهِمْ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِما ذُكِرَ مَعْلُومٌ مِمّا ذَكَرْنا، وأيًّا ما كانَ (فَمِن) بَيانٌ لِما، لا لِلتَّعْلِيلِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «أتَيْتُمْ» بِالقَصْرِ، ومَعْناهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أعْطَيْتُمْ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ جِئْتُمْ، أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عَطاءٍ رَبًا، ﴿ لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ ﴾ أيْ لِيَزِيدَ ذَلِكَ الرِّبا ويَزْكُوَ في أمْوالِ النّاسِ الَّذِينَ آتَيْتُمُوهم إيّاهُ، وقالَ ابْنُ الشَّيْخِ: المَعْنى عَلى تَفْسِيرِ الرِّبا بِالعَطِيَّةِ لِيَزِيدَ ذَلِكَ الرِّبا في جَذْبِ أمْوالِ النّاسِ وجَلْبِها، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: لِيَزِيدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أمْوالِ النّاسِ، وحُصُولِ شَيْءٍ مِنها لَكم بِواسِطَةِ العَطِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وأبِي رَجاءٍ، والشَّعْبِيِّ، ونافِعٍ، ويَعْقُوبَ، وأبِي حَيْوَةَ «لِتَرْبُوا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، وهو بابُ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ لِتُرْبُوهُ وتَزِيدُوهُ في أمْوالِ النّاسِ، أوْ هو مِن قَبِيلِ: يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي، أيْ لِتُرْبُوا وتَزِيدُوا أمْوالَ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ لِتَصِيرُوا ذَوِي رِبًا في أمْوالِ النّاسِ.

وقَرَأ أبُو مالِكٍ «لِتُرْبُوها» بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ، وكانَ الضَّمِيرُ لِلرِّبا عَلى تَأْوِيلِهِ بِالعَطِيَّةِ، أوْ نَحْوِها، ﴿ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ فَلا يُبارِكُ فِيهِ في تَقْدِيرِهِ تَعالى وحُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ ﴾ أيْ مِن صَدَقَةٍ، ﴿ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ تَعالى خالِصًا، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ أيْ ذَوُو الأضْعافِ عَلى أنَّ مُضْعِفًا اسْمُ فاعِلٍ مِن أضْعَفَ، أيْ صارَ ذا ضِعْفٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، بِأنْ يُضاعَفَ لَهُ ثَوابُ ما أعْطاهُ، كَأقْوى وأيْسَرَ إذا صارَ ذا قُوَّةٍ ويَسارٍ، فَهو لِصَيْرُورَةِ الفاعِلِ، ذا أصْلُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أضْعَفَ والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِبَرَكَةِ الزَّكاةِ.

ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ أُبَيٍّ «المُضْعَفُونَ» اسْمُ مَفْعُولٍ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: فَهو يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ في العِبارَةِ إذْ أثْبَتَ غَيْرَ ما قَبْلَهُ، وفي النَّظْمِ، إذا أتى فِيما قَبْلُ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وهُنا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ مُصَدَّرَةٍ بِاسْمِ الإشارَةِ مَعَ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، فَأثْبَتَ لَهُمُ المُضاعَفَةَ الَّتِي هي أبْلَغُ مِن مُطْلَقِ الزِّيادَةِ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ بِالِاسْمِيَّةِ والضَّمِيرِ، وحَصَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ بِالِاسْتِحْقاقِ مَعَ ما في الإشارَةِ مِنَ التَّعْظِيمِ لِدِلالَتِهِ عَلى عُلُوِّ المَرْتَبَةِ، وتَرَكَ ما أتَوْا، وذَكَرَ المُؤْتى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والِالتِفاتُ عَنِ الخِطابِ حَيْثُ قِيلَ: فَأُولَئِكَ دُونَ فَأنْتُمْ لِلتَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ خاطَبَ بِذَلِكَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وخَواصَّ الخَلْقِ تَعْرِيفًا لِحالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِما ذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ بِأنْ يَقْصِدَ بِأُولَئِكَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهُمْ، والرّاجِعُ في الكَلامِ إلى (ما) مَحْذُوفٌ، إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً عَلى الأصَحِّ، لِأنَّهُ خَبَرٌ عَلى كُلِّ حالٍ، أيْ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ بِهِ، أوْ فَمُؤْتُو عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أُولَئِكَ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وعَلى تَقْدِيرِ مُؤْتُوهُ العامِّ لا يَكُونُ هُناكَ التِفاتٌ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ، واعْتِبارُ الِالتِفاتِ أوْلى، وفي الكَشّافِ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِمَدْحِ المُؤْتِينَ حَثًّا في الفِعْلِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ الِالتِفاتِ مِن وُجُوهٍ.

أحَدُها الإشارَةُ بِأُولَئِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ، والثّانِي تَقْرِيعُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِمَدْحِهِمْ.

والثّالِثُ ما في نَفْسِ الِالتِفاتِ مِنَ الحُسْنِ.

والرّابِعُ ما في أُولَئِكَ عَلى هَذا مِنَ الفائِدَةِ المُقَرَّرَةِ في نَحْوِ: فَذَلِكَ أنْ يَهْلِكَ فَحَسْبِي ثَناؤُهُ بِخِلافِهِ إذا جُعِلَ وصْفًا لِلْمُؤْتِينَ، وعَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الفِعْلِ لا الفاعِلِ، وإنْ لَزِمَ بِالعَرْضِ فَلا يُعارِضُ ما يُفِيدُهُ بِالأصالَةِ، فَتَأمَّلْ، والآيَةُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِلرِّبا في مَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ  ﴾ ، سَواءٌ بِسَواءٍ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ أنَّها تُشْعِرُ بِالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا بِذَلِكَ المَعْنى، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّها لَوْ أشْعَرَتْ بِذَلِكَ لَأشْعَرَتْ بِحُرْمَةِ الرِّبا، بِمَعْنى العَطِيَّةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الرِّبا بِها، مَعَ أنَّهم صَرَّحُوا بِعَدَمِ حُرْمَةِ ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحُرْمَتِها عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ  ﴾ ، وكَذا صَرَّحُوا بِأنَّ ما يَأْخُذُهُ المُعْطِي لِتِلْكَ العَطِيَّةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما أعْطاهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، ودافِعُهُ لَيْسَ بِآثِمٍ، لَكِنَّهُ لا يُثابُ عَلى دَفْعِ الزِّيادَةِ، لِأنَّها لَيْسَتْ صِلَةً مُبْتَدَأةً، بَلْ بِمُقابَلَةِ ما أُعْطِي أوَّلًا، ولا ثَوابَ فِيما يُدْفَعُ عِوَضًا، وكَذا لا ثَوابَ في إعْطاءِ تِلْكَ العَطِيَّةِ أوَّلًا، لِأنَّها شَبَكَةُ صَيْدٍ، ومَعْنى قَوْلِ بَعْضِ التّابِعِينَ: الجانِبُ المُسْتَغْزِرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ، أنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ إذا أهْدى إلَيْكَ شَيْئًا لِتُكافِئَهُ وتَزِيدَهُ شَيْئًا فَأثِبْهُ مِن هَدِيَّتِهِ وزِدْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً أي: أخلص دينك الإسلام للدين حنيفاً.

يعني: للتوحيد مخلصاً.

ويقال: يذكر الوجه ويراد به هو، فكأنه يقول: فأقم الدين مخلصاً.

ويقال: معناه فأقبل بوجهك إلى الدين، وأقم عليه حنيفاً، أي: مخلصاً، مائلاً إليه.

ويقال: أخلص دينك وعملك لله تعالى، وكن مخلصا.

ثم قال: فِطْرَتَ اللَّهِ يعني: اتبع دين الله.

ويقال: اتبع ملة الله.

ويقال: الفطرة الخلقة يعني: خلقة الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي: خلق البشر عليها كما قال النبيّ  : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» .

وروي عن أبي هريرة أنه قال: اقرءوا إن شئتم فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها يعني: خلق الناس عليها.

وفي الخبر أنه قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» لأنه شهد يوم الميثاق.

ثم قال: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يعني: لا تغيير لدين الله.

ويقال: لا تبديل لخلق الله عند ما خلق الله الخلق، لم يكن لأحد أن يغير خلقته.

ثم قال: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني: التوحيد هو الدين المستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار مكة لاَ يعلمون بتوحيد الله.

قوله عز وجل: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ انصرف إلى قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ يعني: فأقبل بوجهك منيباً إليه.

ويجوز أن يخاطب الرئيس بلفظ الجماعة، لأن له أتباعاً.

وإنما يراد به هو وأتباعه كما قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: 10] مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يعني: راجعين إليه من الكفر إلى التوحيد.

وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: وأتموا الصلوات الخمس وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينهم مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ يعني: تركوا دين الإسلام الذي أمروا به.

وَكانُوا شِيَعاً فجعلوه أدياناً يعني: تركوا دينهم وصاروا فرقاً اليهود والنصارى والمجوس، قرأ حمزة والكسائي: فارقوا بالألف.

وقرأ الباقون فَرَّقُوا بغير ألف.

فمن قرأ: فارقوا يعني: تركوا دينهم.

ومن قرأ فَرَّقُوا دينهم يعني: افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة، والمسلمون ثلاثة وسبعين فرقة كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يعني: كل أهل دين بما عندهم من الدين راضون.

قوله عز وجل: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ يعني: إذا أصاب الكفار شدة دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يعني: منقلبين إليه بالدعاء عند الشدة والقحط ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً يعني: إذا أصابهم من الله نعمة، وهي السعة في الرزق والخصب إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ يعني: تركوا توحيد ربهم في الرخاء، وقد وحّدوه في الضراء.

قوله عز وجل: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ قال مقاتل: تقول أذاقهم رحمة لئلا يكفروا بالذي أعطاهم من الخير.

ويقال: كانت النعمة سبيلاً للكفر فكأنه أعطاهم لذلك، كما قال فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] وقرئ في الشاذ يشركون ليكفروا، بجزم اللام فيكون أمراً على وجه الوعيد والتهديد.

ثم قال: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: فتمتعوا قليلاً إلى آجالكم فسوف تعلمون ما يفعل بكم يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً يعني: كتاباً من السماء فَهُوَ يَتَكَلَّمُ يعني: ينطق بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ يعني: بما كانوا يقولون من الشرك.

اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به النفي يعني: لم ينزل عليهم حجة بذلك.

وقال القتبي: فهو يتكلم فهو من المجاز ومعناه: أنزلنا عليهم برهاناً يستدلون به، فهو يدلهم على الشرك.

ويقال: أم أنزلنا عليهم عذراً بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بمعنى الخضوعِ، والانقيادِ في طاعتهِ سبحانه.

وإعادة الخلق: هو بعثُهم من القبور.

وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال ابن عباس وغيره: المعنى: وهو هين «١» عليه، وفي مصحف ابن مسعود «٢» «وهو هين عليه» ، وفي بعض المصاحف «وكل هين عليه» .

وقال ابن عباس أيضاً وغيره: المعنى: وهو أيسر «٣» عليه، قال: ولكن هذا التفضيل إنَّما هو بحسْب معتقدِ البَشَرِ وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعَادَةِ في كثير من الأشياء أهون علينا من البدأة.

ولما جاء بلفظٍ فيه استعارة، وتشبيه «٤» بما يعهده الناس من أنفسهم خَلُصَ جانبُ العظمة بأن جعل له المثلَ الأعْلَى الذي لا يلحقه تكييف ولا تماثل مع شيء.

ثم بين تعالى أمر الأصنام وفسادَ معتقدِ مَن يُشْرِكُها بالله- بضربه هذا المثلَ- وهو قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...

الآية، ومعناه:

أَنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيدٌ تَمْلِكُونَهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومُهِمِّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواءَ المنزلة.

وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسموكم إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: أن من عبيده وملكه شركاءُ في سلطانِه وألوهيته هذا تفسير ابن عباس «٥» والجماعة.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)

وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً....

الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين.

وخص الوجه لأنه جامع حواس الإنسان ولشرفه.

وفِطْرَتَ اللَّهِ نَصْبٌ على المصدر.

وقيل: بفعل مضمر تقديره: اتبع أو التزم فطرة الله، واختُلِفَ في الفطرة هاهنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات الله، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشرِ لكن تعرضهم العوارض ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ...

» الحديث «١» -، ثم يقول

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أخْلِصْ دِينَكَ الإسْلامَ ﴿ لِلدِّينِ ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: اسْتَقِمْ بِدِينِكَ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها.

وقالَ غَيْرُهُ: سَدِّدَ عَمَلَكَ.

والوَجْهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ، وعَمَلُ الإنْسانِ ودِينُهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِتَسْدِيدِهِ وإقامَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَنِيفًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَنِيفُ: الَّذِي يَمِيلُ إلى الشَّيْءِ ولا يَرْجِعُ عَنْهُ، كالحَنَفِ في الرِّجْلِ، وهو مَيْلُها إلى خارِجِها خِلْقَةً، لا يَقْدِرُ الأحْنَفُ أنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ، بِمَعْنى: اتَّبِعَ فِطْرَةَ اللَّهِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ : اتَّبِعِ الدِّينَ القَيِّمَ، واتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، أيْ: دِينَ اللَّهِ.

والفِطْرَةُ: الخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْها البَشَرَ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» "، أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴾ قالَ: الإسْلامُ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.

والَّذِي أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أصَحُّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: فَرْقُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ القَدَرِ في هَذا الحَدِيثِ، أنَّ الفِطْرَةَ عِنْدَهُمُ: الإسْلامُ، والفِطْرَةَ عِنْدَنا: الإقْرارُ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةُ بِهِ، لا الإسْلامُ، ومَعْنى الفِطْرَةِ: ابْتِداءُ الخِلْقَةِ، والكُلُّ أقَرُّوا حِينَ قَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

قالُوا بَلى  ﴾ ولَسْتَ واجِدًا أحَدًا إلّا وهو مُقِرٌّ بِأنَّ لَهُ صانِعًا ومُدَبِّرًا وإنْ عَبَدَ شَيْئًا دُونَهُ وسَمّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ؛ فَمَعْنى الحَدِيثِ: إنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ في العالَمِ عَلى ذَلِكَ العَهْدِ وذَلِكَ الإقْرارِ الأوَّلِ، وهو لِلْفِطْرَةِ، ثُمَّ يُهَوِّدُ اليَهُودُ أبْناءَهُمْ، أيْ: يُعَلِّمُونَهم ذَلِكَ، ولَيْسَ الإقْرارُ الأوَّلُ مِمّا يَقَعُ بِهِ حُكْمٌ ولا ثَوابٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا أبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّاسَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُسْلِمَ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ إذا ماتَ لَهُ ولَدٌ صَغِيرٌ وِرَثَهُ، وكَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ والمَجُوسِيُّ، ولَوْ كانَ مَعْنى الفِطْرَةِ الإسْلامُ، ما ورِثَهُ إلّا المُسْلِمُونَ، ولا دُفِنَ إلّا مَعَهُمْ؛ وإنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " أيْ: عَلى تِلْكَ البِدايَةِ الَّتِي أقَرُّوا لَهُ فِيها بِالوَحْدانِيَّةِ حِينَ أخَذَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، فَمِنهم مَن جَحَدَ ذَلِكَ بَعْدَ إقْرارِهِ.

ومِثْلُ هَذا الحَدِيثِ حَدِيثُ عِياضِ بْنِ حِمارٍ «عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: " قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ "»، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم يَوْمَ المِيثاقِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ، فَأجابُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ النَّفْيِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ؛ والتَّقْدِيرُ: لا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِصاءُ البَهائِمِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ في آخَرِينَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ المُسْتَقِيمَ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مَعْنى هَذا: فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ  تَدْخُلُ مَعَهُ فِيها الأُمَّةُ ومَعْنى " مُنِيبِينَ ": راجِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ ما أمَرَ، فَلا يَخْرُجُونَ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [البَقَرَةِ: ٣، الأنْعامِ: ١٥٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القَحْطُ، والرَّحْمَةُ: المَطَرُ.

والثّانِي: أنَّهُ البَلاءُ، والرَّحْمَةُ: العافِيَةُ، ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ.

والمَعْنى: أنَّ الكُلَّ يَلْتَجِؤُونَ إلَيْهِ في شَدائِدِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ إلى أوْثانِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (العَنْكَبُوتِ: ٦٧)، وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ خِطابٌ لَهم بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةً وكِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ: يَأْمُرُهم بِالشِّرْكِ؟!

وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، مَعْناهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ رَحْمَةً ﴾ وهي المَطَرُ.

والسَّيِّئَةُ: الجُوعُ والقَحْطُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّحْمَةُ: النِّعْمَةُ، والسَّيِّئَةُ: المُصِيبَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الفَرَحُ المَذْكُورُ هاهُنا، هو فَرَحُ البَطَرِ الَّذِي لا شُكْرَ فِيهِ، والقُنُوطُ: اليَأْسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وهو خِلافُ وصْفِ المُؤْمِنُ، فَإنَّهُ يَشْكُرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، ويَرْجُو عِنْدَ الشِّدَّةِ؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٦) إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي إعْطاءَ الحَقِّ ﴿ خَيْرٌ ﴾ أيْ: أفْضُلُ مِنَ الإمْساكِ ﴿ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ بِأعْمالِهِمْ ثَوابَ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الناسِ مَتى تَأْتِيهِمْ شِدَّةٌ وضُرٌّ ونَجَوا مِنهُ إلى سِعَةٍ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرَ أيْضًا مِنَ الطَرَفِ الآخَرِ بِأنْ ذَكَرَ الرَحْمَةَ ثُمَّ تُعَقِّبُ الشِدَّةُ، فَلَهم في الرُتْبَةِ الأُولى تَضَرُّعٌ ثُمَّ إشْراكٌ، ولَهم في الثانِيَةِ فَرَحٌ وبَطَرٌ ثُمَّ قُنُوطٌ ويَأْسٌ، وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن هَذِهِ الخُلُقَ بِقِسْطٍ، فَمِنهُمُ المُقِلُّ والمُكْثِرُ، إلّا مَن رَبَطَتِ الشَرِيعَةُ عَلى قَلْبِهِ، وتَأدَّبَ بِأدَبِ اللهِ تَعالى، فَصَبَرَ عِنْدَ الضَرّاءِ، وشَكَرَ عِنْدَ السَرّاءِ، ولَمْ يَبْطَرْ عِنْدَ النِعْمَةِ، ولَمْ يَقْنُطْ عِنْدَ الِابْتِلاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ، أيْ إنَّ اللهَ يَمْتَحِنُ الأُمَمَ، ويُصِيبُ مِنهم عِنْدَ فُشُوِّ المَعاصِي وظُهُورِ المَناكِرِ، وكَذَلِكَ قَدْ يُصابُ شَخْصٌ بِسُوءِ أعْمالِهِ بِشَيْءٍ وحْدَهُ، ويَعْفُو اللهُ عن كَثِيرٍ.

والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ.

"يَقْنِطُونَ" بِكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ، والحُسْنُ، وجَماعَةٌ بِفَتْحِها.

وجَوابُ الشَرْطِ في قَوْلِهِ: ( إنْ تُصِبْهم ) قَوْلُهُ؛ ﴿ "إذا هُمْ"، ﴾ وذَلِكَ أنَّها لِلْمُفاجَأةِ لا يُبْتَدَأُ بِها؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الفاءِ، ويُجابُ بِها الشَرْطُ، وأمّا الَّتِي لِلشَّرْطِ أوِ الَّتِي فِيها مَعْنى الشَرْطِ فَيُبْتَدَأُ بِهِما.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْأسْ مِن رُوحِ اللهِ تَعالى عَلى حالٍ، وهو أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِبَسْطِ الرِزْقِ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ عَبْدٍ أنْ يَكُونَ راجِيًا ما عِنْدَ رَبِّهِ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أمَّرا تَدْخُلُ الأُمَّةُ فِيهِ، وهَذا عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى إيتاءِ ذِي القُرْبى حَقَّهُ مِن صِلَةِ المالِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ ولِينِ القَوْلِ.

قالَ الحَسَنُ: حَقُّهُ المُواساةُ في اليُسْرِ، قالَ: ومُعْظَمُ ما قَصَدَ أمْرُ المَعُونَةِ بِالمالِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَكاةِ"،» وذَلِكَ لِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَبِيلِ حَقٌّ، وبَيَّنَ أنَّ حَقُّ هَذَيْنِ إنَّما هو في المالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَلْزَمُ القَرِيبُ المُعْدَمُ الَّذِي يَقْضِي حَقَّهُ أنْ يَقْضِيَ أيْضًا حَقَّ قَرِيبِهِ في جَوْدَةِ العِشْرَةِ، و"وَجْهُ اللهِ" هُنا جِهَةُ عِبادَتِهِ ورِضاهُ، و"المُفْلِحُونَ": الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمُ، البالِغُونَ لِآمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جرى الترغيب والأمر ببذل المال لِذَوي الحاجة وصلة الرحم وما في ذلك من الفلاح أعقب بالتزهيد في ضرب آخر من إعطاء المال لا يرضَى الله تعالى به وكان الربا فاشياً في زمن الجاهلية وصدر الإسلام وخاصة في ثقيف وقريش.

فلما أرشد الله المسلمين إلى مواساة أغنيائهم فقراءَهم أتبع ذلك بتهيئة نفوسهم للكف عن المعاملة بالربا للمقترضين منهم، فإن المعاملة بالربا تنافي المواساة لأن شأن المقترض أنه ذو خَلّة، وشأن المُقرِض أنه ذو جِدَة فمعاملته المقترِض منه بالربا افتراضٌ لحاجته واستغلال لاضطراره، وذلك لا يليق بالمؤمنين.

و ﴿ ما ﴾ شرطية تفيد العموم، فالجملة معترضة بعد جملة ﴿ فئاتتِ ذا القربى حقه ﴾ [الروم: 38] الخ.

والواو اعتراضية.

ومضمون هذه الجملة بمنزلة الاستدراك للتنبيه على إيتاء مال هو ذميم.

وجيء بالجملة شرطية لأنها أنسب بمعنى الاستدراك على الكلام السابق.

فالخطاب للمسلمين الذين يريدون وجهَ الله الذين كانوا يُقرضون بالربا قبل تحريمه.

ومعنى ﴿ ءاتيتم: ﴾ آتى بعضكم بعضاً لأن الإيتاء يقتضي مُعطياً وآخذاً.

وقوله ﴿ لتربوا في أموال الناس ﴾ خطاب للفريق الآخِذِ.

و ﴿ لتربوا ﴾ لتزيدوا، أي لأنفسكم أموالاً على أموالكم.

وقوله: ﴿ في أموال الناس في ﴾ للظرفية المجازية بمعنى (من) الابتدائية، أي لتنالوا زيادة وأرباحاً تحصل لكم من أموال الناس، فحرف ﴿ في ﴾ هنا كالذي في قول سَبْرةَ الفقعسي: ونَشْرَبُ فِي أثمانها ونُقامر *** أي نشرب ونقامر من أثمان إبلنا.

وتقدم بيانه عند قوله تعالى ﴿ وارْزُقُوهُمْ فيها واكْسُوهم ﴾ في سورة النساء (5).

ومِن } في قوله ﴿ من رباً ﴾ وقوله ﴿ من زكاة ﴾ بيانية مبينة لإبهام ﴿ مَا ﴾ الشرطية في الموضعين.

وتقدم الربا في سورة البقرة.

وقوله ﴿ فلا يربو عند الله ﴾ جواب الشرط.

ومعنى ﴿ فلا يربو عند الله ﴾ أنه عمل ناقص عند الله غير زاككٍ عنده، والنقص يكنى به عن المذمة والتحقير.

وهذا التفسير هو المناسب لمحمل لفظ الربا على حقيقته المشهورة، ولموافقة معنى قوله تعالى: ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ [البقرة: 276]، ولمناسبة ذكر الإضعاف في قوله هنا ﴿ فأولئك هم المضعفون ﴾ وقوله ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ﴾ في سورة آل عمران (130).

وهذا المعنى مروي عن السدّي والحسن.

وقد استقام بتوجيهه المعنى من جهة العربية في معنى في } من قوله ويجوز أن يكون لفظ ربا } في الآية أطلق على الزيادة في مال لغيره، أي إعطاء المال لذوي الأموال قصدَ الزيادة في أموالهم تقرباً إليهم، فيشمل هبة الثواب والهبة للزلفى والمَلَق.

ويكون الغرض من الآية التنبيه على أن ما كانوا يفعلونه من ذلك لا يغني عنهم من موافقة مرضاة الله تعالى شيئاً وإنما نفعه لأنفسهم.

ودرج على هذا المعنى جم غفير من المفسرين فيصير المعنى: وما أعطيتم من زيادة لتزيدوا في أموال الناس، وتصير كلمة ﴿ لتربوا ﴾ توكيداً لفظيّاً ليعلق به قوله ﴿ في أموال الناس ﴾ .

وقوله ﴿ وما ءاتيتم من زكاة ﴾ الخ رجوع إلى قوله ﴿ فئاتتِ ذا القربى حقه ﴾ [الروم: 38] الآية لأن ذلك الحق هو المسمى بالزكاة.

وجملة ﴿ فأولئك هم المضعفون ﴾ جواب ﴿ وما ءاتيتم من زكاة، ﴾ أي فمؤتوه المضعفون، أي أولئك الذين حصل لهم الإضعاف وهو إضعاف الثواب.

وضمير الفصل لقصر جنس المضعفين على هؤلاء، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بإضعاف من عداهم لأن إضعاف من عداهم إضعاف دُنيوي زائل.

واسم الإشارة في قوله ﴿ فأولئك هم المضعفون ﴾ للتنويه بهؤلاء والدلالة على أنهم أحرياء بالفلاح.

واسم الإشارة إظهار في مقام الإضمار اقتضاه مقام اجتلاب اسم الإشارة.

وقرأ الجمهور ﴿ ءاتيتم ﴾ بهمزتين، أي أعطيتم.

وقرأه ابن كثير ﴿ أتيتم ﴾ بهمزة واحدة، أي قصدتم، أي فعلتم.

وقرأ الجمهور ﴿ ليَربوَ ﴾ بتحتية مفتوحة وفتحة إعراب على واو ﴿ ليربوَ.

﴾ وكتب في المصاحف بألف بعد الواو وليس واو جماعة بالاتفاق، ورسم المصحف سنة.

وقرأ نافع ﴿ لتُربوا ﴾ بتاء الخطاب مضمومة وواو ساكنة هي واو الجماعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كِتابًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: عُذْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: بُرْهانًا، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ وعَطاءٍ.

الرّابِعُ: رَسُولًا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى مُحْتَمَلًا.

﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يُخْبِرُ بِهِ.

الثّانِي: يَحْتَجُّ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها العافِيَةُ والسَّعَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: النِّعْمَةُ والمَطَرُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَيُحْتَمَلُ أنَّها الأمْنُ والدَّعَةُ.

﴿ فَرِحُوا بِها ﴾ أيْ بِالرَّحْمَةِ.

﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: قَحْطُ المَطَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها الخَوْفُ والحَذَرُ.

﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ بِذُنُوبِهِمْ.

﴿ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُنُوطَ اليَأْسُ مِنَ الرَّحْمَةِ والفَرَجِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: أنَّ القُنُوطَ تَرْكُ فَرائِضِ اللَّهِ في اليُسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ قال: الدين الإِسلام ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ قال: لدين الله.

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ قال: الإِسلام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ قال: دين الله الذي فطر خلقه عليه.

وأخرج الحكيم في نوادر الأصول عن مكحول رضي الله عنه.

أن الفطرة معرفة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ قال: دين الله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ قال: القضاء القيم.

وأخرج ابن مردويه عن حماد بن عمر الصفار قال: سألت قتادة رضي الله عنه عن قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ فقال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ قال: دين الله» .

وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ إن عمر رضي الله عنه قال له: ما قوام هذه الأمة؟

قال: ثلاث وهي المنجيات.

الاخلاص: وهي الفطرة التي فطر الناس عليها.

والصلاة: وهي الملة.

والطاعة: وهي العصمة.

فقال عمر رضي الله عنه: صدقت.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ قال: لدين الله.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة وقتادة والضحاك وإبراهيم وابن زيد، مثله.

وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «اقرأوا ان شئتم ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ﴾ » .

وأخرج مالك وأبو داود وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، كما تنتج الابل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟

قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟

قال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن الأسود بن سريع رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على قتل الذرية؟

قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين!

قال: وهل خياركم إلا أولاد المشركين؟

والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ﴾ الآية، روى قتادة عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي هدية الرجل يهدي الشيء يريد أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله، لا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه فيه (١) (٢) وروى ابن أبي روَّاد عنه قال: هو الربا الحلال؛ يهدي الرجل الشيء ليُهدَى له أفضل منه، فهو حلال ليس فيه إثم ولا أجر (٣)  - خاصة، نُهي أن يُهدِي هدية فيُهدَى له أفضل منها، وحَرُم ذلك عليه خاصة (٤) وقال السدي: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه، طلبَ المكافأة، فإن ذلك لا يربو عند الله، ولا يؤجر عليه صاحبه.

وقال سعيد بن جبير: هذا في الرجل يُعطِي ليثابَ عليه (٥) وشرحها أهل المعاني؛ فقال أبو إسحاق: يعني به: دفعُ الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، فذلك ليس بحرام، ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه (٦) وقال أبو علي الفارسي: ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ ﴾ يحتمل تقديرين؛ يجوز أن تكون للجزاء (٧) ﴿ آتَيْتُمْ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ في موضع جزم بأنه جواب للجزاء، ويقوي هذا الوجه: قوله: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ﴾ ألا ترى أنه لو كان مبتدأً لعاد عليه ذكرٌ، وإن جعلتها موصولة كان موضع ﴿ مَا ﴾ رفعًا بالابتداء، و ﴿ آتَيْتُمْ ﴾ صلة، والعائد إلى الموصول: الذكر المحذوف من ﴿ آتَيْتُمْ ﴾ (٨) ﴿ فَلَا يَرْبُو ﴾ في موضع رفع بأنه خبر الابتداء، والفاء دخلت في الخبر على حد بما دخلت في قوله: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ آتَيْتُمْ ﴾ أكثر القراء قرأ: ﴿ آتَيْتُمْ ﴾ بالمد (٩) (١٠) (١١) أتيتُ الذي يأتي السفيه لِغرتي ...

إلى أن علا وَخْطٌ من الشيبِ مَفْرِقي فإتيانه الذي يأتي السفيه إنما هو فعل منه له (١٢) وقوله: ﴿ مِنْ رِبًا ﴾ على ضربين؛ أحدهما: متوعد عليه محرم بقوله: ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا  ﴾ والآخرُ غير محرم: وهو أن يُهدِي شيئًا، أو يهبه فيستثيب أكثر منه.

وسمي بهذا المدفوع على وجه اجتلاب الزيادة: ربًا، لَمَّا كان الغرض فيه الاستزادة على ما أَعطى، فسمي باسم الزيادة، لمكان الزيادة المقصودة في المكافأة، والربا هو: الزيادة، فبذلك سُمِّي المحرم ربًا، لزيادة ما يأخذ على ما دَفع (١٣) وقوله: ﴿ لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ﴾ فاعل (يَرْبُوَا) الربا المذكور في قوله: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا ﴾ وقُدِّر المضاف فحذفه، كأنه: في اجتلاب أموال الناس، أو اجتذابه، ونحو ذلك (١٤) وقرأ نافع: (لِتُربوا) بالتاء وضمها (١٥) (١٦) وقوله: ﴿ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي: لأنكم إنما قصدتم إلى زيادة العِوض، ولم تقصدوا وجه البر والقربة، ولو قصدتم به وجه الله لكان كقوله: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ﴾ وفي (مَا) هذه الوجهان ذكرناهما في (مَا) في أول الآية؛ فإن جعلتها: الموصولة فهي في موضع رفع، و (ءَاتَيْتُم) صلة، والراجع إلى الموصول محذوف، على تقدير: آتيتموه.

قال: (وَمَاءَاتَيْتُم) ثم قال: (فَأُولَئِكَ) فانتقل من الخطاب إلى الغيبة (١٧) ﴿ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ  ﴾ (١٨) ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ ﴾ ويقدر راجعًا محذوفًا، التقدير: فأنتم المضعفون به.

أي: ذوو الضعف بما آتيتم من زكاة، فحذفت العائد على حد ما حذفته من قولك: السمن منوان بدرهم (١٩) هذا كله كلام أبي علي ذكره في مواضع متفرقة، فرددت كلًا إلى موضعه.

قال أبو إسحاق: وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة وإنما تقصدون بها ما عند الله ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ أي: فأهلها يضاعف لهم الثواب؛ يُعطون بالحسنة عشر أمثالها.

وقيل ﴿ الْمُضْعِفُونَ ﴾ كما يقال رجل مقوٍ؛ أي: صاحب قوة، وموسر، أي: صاحب يسار، وكذلك: مُضعف، ذو أضعاف من الحسنات (٢٠) قال مقاتل: ثم ذكر ما أصاب الناس من ترك التوحيد في قوله تعالى: (١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، وأخرجه ابن جرير 21/ 84، عن ابن عباس من طريق قتادة.

وأخرجه ابن جرير 21/ 46، من طريق محمد بن سعد بإسناده عن ابن عباس.

وهو قول مقاتل 79 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 21/ 46.

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 104، عن الضحاك بن مزاحم، من طريق عبد العزيز بن أبي رواد.

- عبد العزيز بن أبي رواد، شيخ الحرم، واسم أبيه: ميمون، حدث عن سالم بن عبد الله، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة، ونافع، وغيرهم، وحدث عنه: يحيى القطان، وعبد الرزاق، وابن المبارك، وغيرهم، صدوق عابد، وربما وهم، ورمي بالإرجاء، ت: 159 هـ.

"سير أعلام النبلاء" 7/ 184، و"تقريب التهذيب" ص 612.

(٤) تفسير ابن جرير 21/ 46، ولم ينسبه.

وقد كُتب في "تفسير ابن جرير" بعد قول الضحاك مفصولًا عنه، فلعله من قول الضحاك، وفصْله عنه خطأٌ، وقد أورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 495، من كلام الضحاك، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

وذكره عن الضحاك الثعلبي 8/ 169 أ.

ذكر ابن كثير 8/ 264، في آية المدثر أربعة أقوال، استظهر منها القول الذي اقتصر عليه الواحدي.

(٥) أخرجه ابن جرير 21/ 46.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 187، بمعناه.

(٧) أي: اسم شرط جازم.

(٨) يعني بالذكر المحذوف هنا: الضمير الواقع مفعولًا في قوله تعالى: ﴿ آتَيْتُمْ ﴾ والتقدير: الذي آتيتموه، وسر تسميته بالذكر المحذوف -فيما يظهر- أن المقدر هنا كالمذكور سواء بسواء.

(٩) قرأ ابن كثير: ﴿ أَتَيْتُمْ ﴾ مقصورة، والباقون: ﴿ آتَيْتُمْ ﴾ بالمد، في قوله تعالي: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا ﴾ وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ ﴾ فلم يختلفوا في مدها.

"السبعة في القراءات" ص 507، "والحجة للقراء السبعة" 5/ 446، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 196، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.

(١٠) يوجد هنا سقط في النسختين؛ ولا يتم المعنى بدونه، وتمام الكلام كما هو عند أبي علي في "الحجة" 5/ 446: "وأما قصر ابن كثير فإنه يؤول في المعنى إلى قول من مد ..

".

(١١) في "الحجة" 5/ 446: كما تقول.

(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 446، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه.

الغِزُّ: الصغير الذي لم يجرب الأمور، يقال: كان ذلك في غرارتي وحداثتي.

"تهذيب اللغة" 16/ 71 (غرر).

والمفرق: وسط الرأس.

"لسان العرب" 10/ 301 (فرق).

(١٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 447، بتصرف.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 187، بمعناه، وهذا من الاستطراد لبيان معنى الآية، لأن الربا المحرم لا يدخل في هذه الآية، وليس هو المراد منها، بدليل ما نقله الواحدي عن السلف في ذلك، فلم يُنقل عنهم -والله أعلم- أن الربا المحرم معني بهذه الآية، إذ لو أريد ذلك لكان في القطع بتحريمه من خلال هذه الآية نظرة فالآية ليس فيها تحريمٌ، بل فيها إخبار عن فقد الأجر والثواب لمن فعل هذا الفعل، وهذا كما سبق في قول ابن عباس: ليس فيه أجر ولا وزر.

والله أعلم.

(١٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 447، ولفظه: "وقدر المضاف وحذف كأنه: اجتلاب أموال الناس، واجتذابها، ونحو ذلك".

(١٥) قرأ نافع: ﴿ لِتُربوْا ﴾ بضم التاء، ساكنة الواو، وقرأ الباقون: ﴿ لِيَربوَا ﴾ بالياء، مفتوحة الواو.

"السبعة في القراءات" ص 507، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 447.

و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 196، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.

وقد ضبط محقق كتاب "الحجة" قراءة نافع هكذا.

﴿ لِترْبُوَ ﴾ وقال بعدها: بالتاء ساكنة الواو.

وهذا خطأ من وجهين؛ الأول: قراءة نافع بالتاء مضمومة، وليست مفتوحة كما ضبطها المحقق في ص 448، الثاني: الواو في قراءة نافع: ساكنة، وليست مفتوحة، مع أن المحقق قد أحال في الحاشية على كتاب "السبعة".

(١٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 448، وفيه: أقطف وأجرب، بدل: أجدب.

وكلاهما صحيح؛ يعني: صار ذا جدب، أو صار ذا جرب.

في "تهذيب اللغة" 16/ 282 (قطف): أقطف الرجل؛ إذا كانت دابته قَطُوفًا، والقِطاف مصدر القَطوف من الدواب؛ وهو المقارب الخَطو، البطيء.

(١٧) "المسائل الحلبيات" ص 85.

(١٨) ذكر هذا ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 289.

(١٩) ساق هذا المثال للتدليل على حذف العائد المجرور، وتقديره: السمن منوان منه بدرهم، فحذف منه لدلالة السياق عيه، كما قدر في الآية: فأنتم المضعفون به.

والله أعلم.

والمَنَّ: معيار قديم يكال به أو يوزن.

"لسان العرب" 13/ 418 (منن)، و"المعجم الوسيط" 2/ 888.

(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 188.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس ﴾ الآية: معناها كقوله: ﴿ يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات ﴾ [البقرة: 276] أي ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله، وما آتيتم من الصدقات: هو الذي يزكو عند الله وينفعكم به، وقيل: المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدي له ليعوض له أكثر من ذلك، فهذا وإن كان جائزاً فإنه لا ثواب فيه.

وقرئ ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ ﴾ بالمد بمعنى أعطيتم وبالقصر يعني: جئتم أي فعلتموه، ﴿ لِّيَرْبُوَاْ ﴾ بالتاء المضمومة ﴿ لِّيَرْبُوَاْ ﴾ بالياء مفتوحة ونصب الواو ﴿ فأولئك هُمُ المضعفون ﴾ المضعف ذو الإضعاف من الحسنات، وفي هذه الجملة التفات لخروجه من الغيبة إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: وما آتيتم من زكاة فأنتم المضعفون، وفيه أيضاً حذف، لأنه لابد من ضمير يرجع إلى ما، وتدقيره المضعفون به أو فمؤتوه هم المضعفون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالرفع.

﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.

الآخرون: بالنون.

الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.

والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.

التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه  كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون  ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد  ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.

فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.

وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.

وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.

وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.

عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.

ففرح المشركون بذلك فأنزل الله  هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.

وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.

ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.

فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.

فأخبر أبو بكر رسول الله  فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.

فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله  فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.

وذلك عند رأس سبع سنين.

فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله  فأمره أن يتصدق به.

قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.

وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.

وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.

ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.

أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.

﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.

وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.

هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.

وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.

وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله  فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه  ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.

وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.

ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.

قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله  ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض  ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.

وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.

وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.

وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.

وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.

ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.

وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً  ﴾ وما بعده ﴿ وما كان  ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم  ﴾ وكلاهما بالفاء.

قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.

وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.

وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه  ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.

﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.

قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.

و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.

والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.

و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.

ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.

قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.

وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.

ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.

ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم  ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.

ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.

وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.

حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.

وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.

عن النبي  "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟

قال: بالتسبيح.

وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.

وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين  ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله  ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن  ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.

والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.

وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله  "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل  ﴾ كما يجيء.

روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.

وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.

قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.

قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.

وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.

عن رسول الله  "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً  ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.

قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله  يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.

وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.

وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.

والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء  ﴾ .

وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.

و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.

وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.

قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله  .

ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.

وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.

ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً  ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.

وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.

وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.

ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.

وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك  ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده  ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.

ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.

قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.

أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.

نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.

ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.

واعلم أنه  ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.

ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.

والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.

وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.

وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.

ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.

وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.

وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.

وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين  ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.

وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.

ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.

كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.

وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.

وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.

ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.

والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.

والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟

وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.

وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.

ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.

ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.

قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.

وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.

وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.

وقيل: هو تسلية للنبي  حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.

وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.

وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.

ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.

ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.

التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً  ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.

ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.

﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.

والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.

والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.

ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و  في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.

يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.

فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.

منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.

فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.

أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.

ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.

﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.

فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ .

قال قائلون: منيبين: مخلصين؛ كقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ .

وقال قائلون: مطيعين.

وقال قائلون: موحدين.

وأصل الإنابة: الرجوع، أي: راجعين إليه عما كانوا فيه من الشرك؛ فالإنابة هي التوحيد، وإن كان الإنابة الإخلاص، فهو رجوع عن الإشراك في العبادة، وإن كان عن العصيان فهو الطاعة، وأصله: الرجوع عما كانوا فيه؛ ففيه وجوه من الاحتجاج على أولئك، وتنبيه وعظة للمؤمنين.

أما الاحتجاج عليهم: فإنه معلوم؛ لأنهم كانوا لا يركبون السفن والبحار مع المؤمنين، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم، ثم أخبر عما أخلصوا له والدعاء له والتضرع، دل أنه بالله عرف ذلك؛ فذلك يدل على رسالته.

والثاني: فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية الله وألوهيته؛ حيث فزعوا عند الشدائد والبلايا إلى الله، وأخلصوا له الدين، ثبت أنهم قد عرفوا سفه أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله،  .

والثالث: تصديقاً لقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ ؛ لأنهم كانوا يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به؛ كقولهم: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا  ﴾ ، فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا؛ كما عادوا إذا كشف عنهم الضر.

وأما العظة والتنبيه للمؤمنين: فهو أن يكونوا في الأحوال كلها على حال واحد في حال الرخاء والشدة، ذاكرين له شاكرين؛ لأنهم في حال الشدة والبلايا أكثر ذكراً له وإنابة من حال السعة والرخاء، فينبههم ليكونوا في كل حال ذاكرين له منيبين إليه راجعين.

وفيه دلالة: شدة سفه أولئك الكفرة؛ حيث أنابوا إليه وأخلصوا له الدين عندما يصيبهم الشدة والبلاء، ويعرضون عنه ويشركون في ألوهيته عند السعة.

وفي طباع الخلق في الشاهد خلاف ذلك: أن من ضيق على آخر أمره وشدده فهو يعرض عنه ويبغضه، ومن أنعم عليه من ملوك الأرض وأحسن - أطاعه وأحبه؛ فهم لشدة سفههم عكس طباعهم، وخالفوا طباع الناس جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً ﴾ .

أي: السعة والرخاء.

﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ .

فإن قيل: ما فائدة ذكر هذه الآيات وأمثالها، وهم كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينظرون فيها.

قيل: قد يحتج عليهم بما لا يقرون ولا ينظرون فيه.

أو أن ينظر في ذلك فريق منهم ويعرفونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ يقول: إذا أذاقهم منه رحمة؛ لئلا يكفروا، وإنما أذاقهم رحمة لئلا يكفروا، لكنهم كفروا، إلى هذا ذهب مقاتل.

وعندنا ما ذكرنا: هو أذاقهم منه رحمة؛ ليكون منهم ما قد علم أنهم يختارون، ويكون منهم، وهو الكفر، ولا جائز أن يذيقهم الرحمة؛ لئلا يكفروا، ويعلم منهم أنهم يختارون الكفر ويكون منهم ذلك؛ فدل أنه ما ذكرنا.

ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: إن على الله الأصلح للعباد لهم في الدين، وقولهم: إذا علم من أحد منهم الإيمان في وقت من الأوقات ليس له أن يخترمه؛ ولكن عليه أن يبقيه إلى ذلك الوقت؛ لأنه لو اخترمه قبل ذلك الوقت لكان هو المانع إيمانه.

فيقال: إن أولئك الكفرة لما أخلصوا دينهم لله في حال الشدة وخوف الهلاك لم يبقهم الله على ذلك الإخلاص والحال التي كانوا يخلصون الأمر له والدين، بل وسع عليهم، وحولهم من تلك الحال، حتى عادوا إلى ما كانوا؛ دل أن ليس على الله حفظ الأصلح للخلق في الدين.

وقد أمر نبيه بمقاتلة الكفرة مطلقاً، ولعلهم يسلمون في وقت لو تركوا أو بعض منهم؛ دل أن ليس ذلك عليه.

وقوله: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ ﴾ هو في الظاهر أمر، ولكنه يخرج على الوعيد؛ كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ  ﴾ ، وقد ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُواْ  ﴾ ؛ فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا ﴾ : بل أنزلنا عليهم سلطاناً وحججاً، فهو يتكلم بما كانوا به يشركون، أي: يبين، ويعلمهم أن الذي هم عليه شرك ليس بتوحيد؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا على التوحيد، وإنما نعبد هذه الأصنام ﴿ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه؛ فيقول: بل أنزلنا عليهم ما يبين ويعلم أن ذلك شرك وليس بتوحيد.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ ، أي: ما أنزلنا عليهم سلطاناً فيأمرهم بما كانوا به يشركون أو يأذن لهم بذلك؛ كقوله: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ أي: لم ننزل عليهم سلطاناً يأمرهم بما كانوا به يشركون، أو كانوا يدعون بذلك أمر الله؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ، ففيه وجهان على أولئك الكفرة.

أحدهما: ما ذكرنا أنهم كانوا يدعون بذلك الأمر من الله، فيخبر أنهم كذبة في قولهم بأن الله أمرهم بذلك؛ بل لم يأمرهم بذلك، ولا أنزل عليهم الكتاب أو السلطان في إباحة ذلك.

والثاني: يذكر سفههم في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويسمونها: آلهة، بلا سلطان ولا حجة كانوا يطلبون على ذلك، ثم كانوا يطلبون من الرسول آيات تقهرهم وتضطرهم على رسالته وما يوعدهم، بعدما آتاهم من الآية ما أعلمهم وأنبأهم أنه رسول؛ فالعبادة أعظم وأكبر للمعبود من الرسالة؛ فإذا لم تطلبوا لأنفسكم الحجة والآية القاهرة في إباحة ما تعبدون من دون الله فكيف تطلبون من الرسول الآية القاهرة في إثبات الرسالة؟!

وقال بعضهم: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ : كتاباً فيه عذر لهم، فهو يشهد بما كانوا به يشركون.

وقوله: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ .

إذا أريد أن يسوي بين هذه الآية والآية التي قبلها، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ...

﴾ إلى آخره، ويجمع بينهما يكون قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ : من الأصنام التي يعبدونها؛ لأنه يقول في هذه الآية: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ ، وفي الأولى يقول: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ؛ فوجه الجمع بينهما ما ذكرنا: أن يكون القنوط من الأصنام، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ : عندما امتد بهم الضرّ والشدة؛ حينئذ ييئسون من رحمة الله، والأول في ابتداء ما أصابهم من الضر فزعوا إليه وأنابوا له.

أو أن يكون إحدى الآيتين في قوم، والأخرى في قوم آخرين؛ لأنهم كانوا فرقاً وأحزاباً في الكفر والشرك: منهم من كان يشرك في الأحوال كلها: في حال الضيق والسعة، ومنهم من كان يشرك في حال الضيق، ويؤمن في حال السعة، كقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ  وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ .

ومنهم من كان يخلص الدين حال الضر والشدة، ويعاند ويتمرد في حال السعة والرخاء؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ ونحوه؛ فكانوا فرقا وأحزابا على ما ذكرنا؛ فجائز أن يكون إحدى الآيتين في فريق وقوم، والآية الأخرى في قوم آخرين.

أو ما ذكرنا من اختلاف الأحوال: يقنطون عندما امتد بهم الضر والشدة، وينيبون إليه عندما لم يمتد بهم ذلك ولم يتطاول.

أو ما ذكرنا من القنوط من الأصنام والإنابة إلى الله؛ كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ .

وإلا الآيتان في الظاهر متناقضتان، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ على الكافرين؛ كقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم وجه الآيات لهم على كفار مكة من وجوه في إثبات الرسالة، وفي البعث، [و] في إظهار سفههم في عبادة الأصنام وإشراكهم إياها في عبادة الله؛ لأن أهل مكة كانوا ينكرون الرسالة والبعث، ويرون عبادة غير الله؛ فالاحتجاج عليهم بهذه الآية على الوجوه التي ذكرنا.

فأما الاحتجاج في إثبات الرسالة فهو من وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا ينكرون الرسالة؛ لأنه بشر، ولا يرون للبشر بعضهم على بعض فضلا؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 33\]؛ فيريهم الفضل لبعضهم على بعض في الرزق: موسعا على بعض مضيقا مقترا على بعض؛ فإن ثبت عندهم، وظهر الفضل لبعض على بعض فيما ذكرنا يجوز الفضل على بعض في الرسالة.

والثاني: ذكر مقابلا لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ؛ يخبر أن الأمر ليس إليهم؛ إنما ذلك إلى الله  ، يختار من يشاء لما يشاء من الرسالة والنبوة وغيرهما، كما يختار التوسيع على من يشاء والتضييق والتقتير على من يشاء، وإن كانوا جميعاً يتمنون السعة ويحبونها، ويهربون من الضيق والتقتير، ولكن الأمر في ذلك إلى الله  كله.

والثالث: وسع على بعض وضيق على بعض؛ فالجهة التي وسع على بعض غير الجهة التي ضيق على بعض؛ فلا بد من رسول يخبر عن ذلك، ويعلم ما على هذا وما على هذا، وما جهة التفريق بينهم والتفضيل في الرزق، والله أعلم.

وأما الاحتجاج عليهم في البعث بها فمن وجوه أيضاً: أحدها: أنه جمع في هذه الدنيا بين العدو والولي، وسوى بينهما في التوسيع والتضييق؛ إذ وسع على العدو والولي جميعاً، وضيق على الولي ووسع على العدو، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما لا الجمع والتسوية، وقد سوى بينهما في هذه الدنيا وجمع؛ فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما؛ فيلزمهم البعث، والله الموفق.

والثاني: أنه وسع الرزق على من هو في تقديرهم وعقولهم لا يوجب التوسيع عليه، وهو السفيه الجاهل الذي في تقدير كل ذي عقل ولب أن يكون محروما مضيقا، وضيق على من هو في تقدير كل أحد وعقله أن يكون موسعا عليه مرزوقا، وهو العاقل العارف بجميع أسباب السعة والغناء، وفي التقدير على خلاف هذا؛ فلا بد من مكان فيه يظهر التفضيل للعقول والمعارف، والرغبة فيها، والرغبة عن أضدادها، ومن هو أهل التوسيع ومن هو أهل الحرمان؛ إذ قد اشتركوا في هذه.

والثالث: أن يعتبروا وينظروا بأن من قدر على توسيع الرزق وبسطه وتضييق الرزق وحرمانه، بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدبيرهم وبغير أسباب لقادر على إحياء الأشياء الخارجة عن تقدير قدرتهم وتدبيرهم، والله أعلم.

وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير الله، فهو أن في ذلك تناقض، وذلك أنهم قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكانت لا تشفع لهم في الدنيا، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع والبسط ودفع الضيق، وفي الآخرة لا يحتمل؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون، فهو متناقض وسفه وسرف في القول.

وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يجعلون لله في مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون ويتعيشون صنعا، وإنما يجعلون ذلك في الخارج من الأرض وغيرها، فالناس في ذلك، وتضيق إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع؛ فدل أن له في ذلك صنعاً حتى يقع منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار.

والثاني: لقوم ينتفعون بإيمانهم، والمؤمنون هم المنتفعون بها، فأما من كفر بها فلا ينتفع.

وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر لقوم يؤمنون، وهو ألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها ولكن يرون الرزق من الله أنه يرزق بأسباب وبغير أسباب.

أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر، فلم يقضها: أن يرى حرمانها من الله، لا من ذلك الرجل.

وقوله: ﴿ فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَقَّهُ ﴾ أي: حاجته، لا على حق كان له، كقوله: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ  ﴾ ، أي: من حاجة؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق، ولكن أرادوا بالحق الحاجة، فعلى ذلك الأول، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: سد المسكين حاجته ومسكنته، وكذلك ابن السبيل.

ويحتمل قوله: ﴿ فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ﴾ : الحق الذي كان لهم، لكن لم يبين ذلك الحق في هذه الآية، وبين في آية أخرى؛ كقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، وما ذكر من المواريث قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ...

﴾ الآية [النساء: 11]، ونحو ذلك من الحقوق.

وحق المسكين وابن السبيل: ما ذكر من الصدقات والزكاة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ ، أي: الإيتاء للأقربين والمساكين والفقراء خير من الأبعدين والأغنياء وغيرهم.

أو أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ ، أي: ذلك الإيتاء إذا أريد به وجه الله - خير مما لا يراد به.

وقوله: ﴿ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو المنقطع عن ماله يعان حتى يصل إلى ماله.

وقيل: الضيف ينزل فيحسن إليه إلى أن يرجع ويرتحل.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: آت من ليست له عندك نعمة؛ فيكون ذلك ليس مكافاة لتلك النعمة، ولكن على إرادة وجه الله، والله أعلم.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

قد ذكرنا أن الفلاح هو البقاء، وقيل: النجاة.

قال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقِيِّمِ ﴾ المستقيم، ﴿ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: تائبين، ﴿ يَقْنَطُونَ ﴾ : ييئسون.

وقوله: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: هذا في العطايا التي يعطي بعضهم بعضا ويهدون؛ ليصيبوا أكثر مما أعطوا وأهدوا مجازاة ومكافأة لذلك؛ كأنه يقول: وما آتيتم من عطية وهدية؛ ليربو في أموال الناس لتزدادوا من أموال الناس، ولتلتمسوا الفضل من أموالهم، يقولون: هذا ربا حلال لا وزر فيه ولا أجر؛ فهو مباح للناس عامة لا بأس به.

وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ  ﴾ فهو للنبي خاصة، يقول: لا تعطه لتعطى أكثر منه؛ ابتغاء الثواب في الدنيا، ولكن أعط ابتغاء ثواب الآخرة.

ويستدلون بإباحة ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، يقول: لا يزداد ولا يتضاعف ذلك عند الله، ولم يقل ما قال في الربا المحرم المحظور؛ حيث قال: ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ  ﴾ : ذكر المحق وهاهنا ذكر: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا يزداد ولا يتضاعف.

لكن لو قيل: إنها في الربا المحظور كان جائزا محتملا، ويكون قوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ كقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ : إنها إذا لم تربح خسرت؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ  ﴾ ؛ دل أنها إذا لم تربح خسرت؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : إذا لم يرب عنده محقه وخسروا، فهو - والله أعلم - لولا صرف أهل التأويل التأويل إلى الهدايا والعطايا التي يبتغى بها الثواب في الدنيا والمكافأة فيها أكثر مما أعطوا؛ وإلا جاز صرفه إلى الربا المعروف بين الناس في العقود وكذلك روي في الخبر عن رسول الله  أنه قال: "الهدية يبتغى بها وجه الرسول، وقضاء الحاجة والصدقة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة" ثم بين ما الذي يربو عند الله، وهو ما قال: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ .

ثم اختلف فيه: منهم من قال: هو ما يزكون من زكاة المال؛ يريدون به وجه الله؛ فهو الذي يقبله الله ويضاعف عليه.

ومنهم من قال: كل صدقة أعطاها؛ أراد وجه الله، لم يرد بها الثواب في الدنيا - فهي التي تتضاعف وتزداد عند الله.

﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ﴾ .

وكان يجيء أن يقال: فأولئك هم المضعفون بنصب العين؛ لأنه هو يضاعف لهم، لكن الزجاج يقول: هو كما يقال: الموسر - هو الذي له يسار، والمقوي - هو الذي له القوة ونحوه؛ فعلى ذلك: المضعف هو الذي له الضعف.

وعندنا: هم المضعفون؛ لأنهم هم الذين جعلوا الآحاد عشرات والأضعاف المضاعفة، بتصديقهم ابتغاء وجه الله؛ فهم المضعفون لأنفسهم ذلك.

ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية على إباحة هذه المعاملات التي تجري فيما بين الناس؛ لأنه أجاز الهدية والعطية على قصد الفضل والزيادة.

وإن كان على شرط الزيادة لا يجوز؛ فعلى ذلك المعاملة تجوز على قصد الزيادة، والفضل، وإن كان على قصد أولئك طلب الفضل لا محالة، بل يكافئون مرة الأكثر، ولا يكافئون بعضاً ويحرمون بعضاً؛ فلا يكره، وأما المعاملة فلا تكون إلا على قصد ذلك الفضل؛ فلا يرضون منهم إلا حفظ المقصود فيها، وأهل العطايا والهدايا قد يرضون بالثناء الحسن والشكر لهم، وأهل المعاملة لا، روي في بعض الأخبار عن رسول الله  : "من أسدي إليه؛ فليجازه وإلا فليشكره وليثن عليه" ، أو كلام نحو هذا.

والثاني: أن أهل المعاملة يشترطون قبل المعاملة الزيادة، وإن كانوا يشترطون في عقد المعاملة، ولا كذلك أهل العطايا والهدايا؛ بل يتعرضون تعريضاً؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما دفعتم من أموال إلى أحد من الناس بغية أن يردّها إليكم بزيادة فلا ينمو أجره عند الله، وما أعطيتم من أموالكم إلى من يدفع بها حاجة تريدون بذلك وجه الله، لا تريدون منزلة ولا مثوبة من الناس، فأولئك هم الذين يُضَاعَف لهم الأجر عند الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.7O6Lg"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده