الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢٧ من سورة لقمان
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٧ من سورة لقمان من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قول تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وجلاله ، وأسمائه الحسنى وصفاته العلا وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد ، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها ، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل : " لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " ، فقال تعالى : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) [ أي : ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما ، وجعل البحر مدادا ومده سبعة أبحر ] معه ، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام ، ونفد ماء البحر ، ولو جاء أمثالها مددا .
وإنما ذكرت " السبعة " على وجه المبالغة ، ولم يرد الحصر ولا [ أن ] ثم سبعة أبحر موجودة تحيط بالعالم ، كما يقوله من تلقاه من كلام الإسرائيليين التي لا تصدق ولا تكذب ، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) [ الكهف : 109 ] ، فليس المراد بقوله : ( بمثله ) آخر فقط ، بل بمثله ثم بمثله ثم بمثله ، ثم هلم جرا; لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته .
وقال الحسن البصري : لو جعل شجر الأرض أقلاما ، وجعل البحر مدادا ، وقال الله : " إن من أمري كذا ، ومن أمري كذا " لنفد ما في البحور ، وتكسرت الأقلام .
وقال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، فقال الله تعالى : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) أي : لو كان شجر الأرض أقلاما ، ومع البحر سبعة أبحر ، ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه .
وقال الربيع بن أنس : إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها ، وقد أنزل الله ذلك : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) الآية .
يقول : لو كان البحر مدادا لكلمات الله والأشجار كلها أقلاما ، لانكسرت الأقلام ، وفني ماء البحر ، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء ; لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ، ولا يثني عليه كما ينبغي ، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه .
إن ربنا كما يقول ، وفوق ما نقول .
وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود ، قال ابن إسحاق : حدثني ابن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ; أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : يا محمد ، أرأيت قولك : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ؟
[ الإسراء : 85 ] ، إيانا تريد أم قومك ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلا " .
فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها في علم الله قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم " .
وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) الآية .
وهكذا روي عن عكرمة ، وعطاء بن يسار .
وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية ، والمشهور أنها مكية ، والله أعلم .
وقوله : ( إن الله عزيز حكيم ) أي : عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه ، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه ، ( حكيم ) في خلقه وأمره ، وأقواله وأفعاله ، وشرعه وجميع شؤونه .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) يقول تعالى ذكره: ولو أن شجر الأرض كلها بريت أقلاما(والبَحْرُ يَمُدُّهُ) يقول: والبحر له مداد، والهاء في قوله: (يَمُدُّهُ) عائدة على البحر.
وقوله: (منْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مِا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام وبذلك المداد، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفذ ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن عن هذه الآية (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ) قال: لو جعل شجر الأرض أقلاما، وجعل البحور مدادا، وقال الله: إن من أمري كذا، ومن أمري كذا، لنفد ماء البحور، وتكسَّرت الأقلام.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو في قوله: (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ) قال: لو بريت أقلاما والبحر مدادا، فكتب بتلك الأقلام منه (ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) ولو مدّه سبعة أبحر.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) &; 20-152 &; قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، قال: لو كان شجر البرّ أقلاما، ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه.
وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب مجادلة كانت من اليهود له.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثني رجل من أهل مكة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد، أرأيت قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا إيانا تريد أم قومك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كُلا "، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك: أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كلّ شيء؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّها في عِلْمِ اللهِ قَلِيلٌ وَعِنْدَكُمْ مِنْ ذلكَ ما يكْفِيكُمْ"، فأنـزل الله عليه فيما سألوه عنه من ذلك (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنـزل الله وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا قال: فنـزلت (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) قال: ما أوتيتم من علم فنجاكم الله به من النار، وأدخلكم الجنة، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: لما نـزلت بمكة وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا يعني: اليهود، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار يهود، فقالوا: يا محمد، ألم يبلغنا أنك تقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا أفتعنينا أم قومك؟
قال: " كُلا قَدْ عَنَيْتُ"، قالوا: فإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة، وفيها تبيان &; 20-153 &; كلّ شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هِيَ فِي عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ، وقَدْ أتاكُمُ اللهُ ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ"، فأنـزل الله: (وَلَوْ أنَّما فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ منْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ) إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ .
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (والبَحْرُ يَمُدُّهُ مَنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ) فقرأته عامَّة قرّاء المدينة والكوفة: (والبحرُ) رفعا على الابتداء، وقرأته قرّاء البصرة نصبا، عطفا به على " ما " في قوله: (وَلَوْ أنَّمَا فِي الأرْضِ)، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندي.
وقوله: (إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) يقول: إن الله ذو عزّة في انتقامه ممن أشرك به، وادّعى معه إلها غيره، حكيم في تدبيره خلقه.
قوله تعالى : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم .لما احتج على المشركين بما احتج بين أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد ، وأنها لا نهاية لها .
وقال القفال : لما ذكر أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وأنه أسبغ النعم نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما ، والبحار مدادا فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب .
قال القشيري : فرد معنى تلك الكلمات إلى المقدورات ، وحمل الآية على الكلام القديم أولى ; والمخلوق لا بد له من نهاية ، فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي النهاية عما يقدر في المستقبل على إيجاده ، فأما ما حصره الوجود وعده فلا بد من تناهيه ، والقديم لا نهاية له على التحقيق .
وقد مضى الكلام في معنى كلمات الله في آخر ( الكهف ) .وقال أبو علي : المراد بالكلمات والله أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود .
وهذا نحو مما قاله القفال ، وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات الله وهي في نفسها غير متناهية ، وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة ; لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور .
ومعنى نزول الآية يدل على أن المراد بالكلمات الكلام القديم .
قال ابن عباس : إن سبب هذه الآية أن اليهود قالت : يا محمد ، كيف عنينا بهذا القول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه ، وعندك أنها تبيان كل شيء ؟
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " التوراة قليل من كثير " ونزلت هذه الآية ، والآية مدنية .
قال أبو جعفر النحاس : فقد تبين أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء ; لأنه عز وجل علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من كل شيء ، وعلم ما فيه من مثاقيل الذر ، وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة [ ص: 72 ] وعضو ، وما في الشجرة من ورقة ، وما فيها من ضروب الخلق ، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون ; فلو سمى كل دابة وحدها ، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها وما تحولت عليه من الأحوال ، وما زاد فيها في كل زمان ، وبين كل شجرة وحدها وما تفرعت إليه ، وقدر ما ييبس من ذلك في كل زمان ، ثم كتب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها ، ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة أبحر لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر .قلت : هذا معنى قول القفال ، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى .
وقال قوم : إن قريشا قالت : سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر ; فنزلت .
وقال السدي : قالت قريش : ما أكثر كلام محمد !
فنزلت .قوله تعالى : والبحر يمده قراءة الجمهور بالرفع على الابتداء ، وخبره في الجملة التي بعدها ، والجملة في موضع الحال ; كأنه قال : والبحر هذه حاله ; كذا قدرها سيبويه .
وقال بعض النحويين : هو عطف على ( أن ) لأنها في موضع رفع بالابتداء .
وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق : ( والبحر ) بالنصب على العطف على ( ما ) وهي اسم ( أن ) .
وقيل : أي ولو أن البحر يمده أي يزيد فيه .
وقرأ ابن هرمز والحسن : ( يمده ) ; من أمد .
قالت فرقة : هما بمعنى واحد .
وقالت فرقة : مد الشيء بعضه بعضا ; كما تقول : مد النيل الخليج ; أي زاد فيه .
وأمد الشيء ما ليس منه .
وقد مضى هذا في ( البقرة .
وآل عمران ) .
وقرأ جعفر بن محمد : ( والبحر مداده ) .
ما نفدت كلمات الله تقدم .
إن الله عزيز حكيم تقدم أيضا .
وقال أبو عبيدة : البحر هاهنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام ، وأما الماء الملح فلا ينبت الأقلام .
ثم أخبر عن سعة كلامه وعظمة قوله، بشرح يبلغ من القلوب كل مبلغ، وتنبهر له العقول، وتحير فيه الأفئدة، وتسيح في معرفته أولو الألباب والبصائر، فقال: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ } يكتب بها { وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } مدادا يستمد بها، لتكسرت تلك الأقلام ولفني ذلك المداد، و لم تنفد { كَلِمَاتُ اللَّهِ } تعالى، وهذا ليس مبالغة لا حقيقة له، بل لما علم تبارك وتعالى، أن العقول تتقاصر عن الإحاطة ببعض صفاته، وعلم تعالى أن معرفته لعباده، أفضل نعمة، أنعم بها عليهم، وأجل منقبة حصلوها، وهي لا تمكن على وجهها، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فنبههم تعالى تنبيها تستنير به قلوبهم، وتنشرح له صدورهم، ويستدلون بما وصلوا إليه إلى ما لم يصلوا إليه، ويقولون كما قال أفضلهم وأعلمهم بربه: "لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" وإلا، فالأمر أجل من ذلك وأعظم.وهذا التمثيل من باب تقريب المعنى، الذي لا يطاق الوصول إليه إلى الأفهام والأذهان، وإلا فالأشجار، وإن تضاعفت على ما ذكر، أضعافا كثيرة، والبحور لو امتدت بأضعاف مضاعفة، فإنه يتصور نفادها وانقضاؤها، لكونها مخلوقة.وأما كلام اللّه تعالى، فلا يتصور نفاده، بل دلنا الدليل الشرعي والعقلي، على أنه لا نفاد له ولا منتهى، وكل شيء ينتهي إلا الباري وصفاته { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } وإذا تصور العقل حقيقة أوليته تعالى وآخريته، وأنه كل ما فرضه الذهن من الأزمان السابقة، مهما تسلسل الفرض والتقدير، فهو تعالى قبل ذلك إلى غير نهاية، وأنه مهما فرضه الذهن والعقل، من الأزمان المتأخرة، وتسلسل الفرض والتقدير، وساعد على ذلك من ساعد، بقلبه ولسانه، فاللّه تعالى بعد ذلك إلى غير غاية ولا نهاية.واللّه في جميع الأوقات يحكم، ويتكلم، ويقول، ويفعل كيف أراد، وإذا أراد لا مانع له من شيء من أقواله وأفعاله، فإذا تصور العقل ذلك، عرف أن المثل الذي ضربه اللّه لكلامه، ليدرك العباد شيئا منه، وإلا، فالأمر أعظم وأجل.ثم ذكر جلالة عزته وكمال حكمته فقال: { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي: له العزة جميعا، الذي ما في العالم العلوي والسفلي من القوة إلا منه، أعطاها للخلق، فلا حول ولا قوة إلا به، وبعزته قهر الخلق كلهم، وتصرف فيهم، ودبرهم، وبحكمته خلق الخلق، وابتدأه بالحكمة، وجعل غايته والمقصود منه الحكمة، وكذلك الأمر والنهي وجد بالحكمة، وكانت غايته المقصودة الحكمة، فهو الحكيم في خلقه وأمره.
( لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد ) قوله - عز وجل - : ) ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) الآية .
قال المفسرون : نزلت بمكة ، قوله سبحانه وتعالى : " ويسئلونك عن الروح " ، إلى قوله : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " ( الإسراء - 85 ) ، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا : يا محمد ، بلغنا عنك أنك تقول : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " أفعنيتنا أم قومك ؟
فقال عليه الصلاة والسلام : كلا قد عنيت ، قالوا : ألست تتلوا فيما جاءك أنا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء ؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم " ، قالوا : يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول : " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " ( البقرة - 269 ) ، فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير ؟
فأنزل الله هذه الآية .
قال قتادة : إن المشركين قالوا : إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع ، فنزلت : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) ، أي : بريت أقلاما ( والبحر يمده ) قرأ أبو عمرو ويعقوب : " والبحر " بالنصب عطفا على " ما " ، والباقون بالرفع على الاستئناف ) ( يمده ) أي : يزيده ، وينصب فيه ) ( من بعده ) خلفه ( سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) وفي الآية اختصار تقديره : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله .
( إن الله عزيز حكيم ) وهذه الآية على قول عطاء بن يسار مدنية ، وعلى قول غيره مكية ، وقالوا : إنما أمر اليهود وفد قريش أن يسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقولوا له ذلك وهو بعد بمكة ، والله أعلم .
«ولو أن ما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحر» عطف على اسم أن «يمده من بعده سبعة أبحر» مدادا «ما نفدت كلمات الله» المعبر بها عن معلوماته بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك لأن معلوماته تعالي غير متناهية «إن الله عزيز» لا يعجزه شيء «حكيم» لا يخرج شئ عن علمه وحكمته.
ولو أن أشجار الأرض كلها بُريت أقلامًا والبحر مداد لها، ويُمَد بسبعة أبحر أخرى، وكُتِب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفِد ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله التامة التي لا يحيط بها أحد.
إن الله عزيز في انتقامه ممن أشرك به، حكيم في تدبير خلقه.
وفي الآية إثبات صفة الكلام لله- تعالى- حقيقة كما يليق بجلاله وكماله سبحانه.
ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه ، ونفاذ قدرته ، فقال - سبحانه - ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض .
.
.
.
سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) .قال ابن كثير : قال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، فقال - تعالى - ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ) .وعن ابن عباس " أن أحبار قالوا للبنى صلى الله عليه وسلم أرأيت قولك : ( وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ) ؟
إيانا تريد أم قومك؟
فقال صلى الله عليه وسلم : " كلا عنيت " فقالوا : ألست تتلو فيما جاءم أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شئ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : " إنها فى علم الله قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم " وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ) .و " لو " شرطية ، وجوابها ( مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله ) و " من " فى قوله ( مِن شَجَرَةٍ ) للبيان ، وفى الآية الكريمة كلام محذوف يدل عليه السياق .والمعنى : ولو أن ما فى الأرض من أشجار تحولت بغصونها وفروعها إلى أقلام ، ولو أن البحر - أيضا - تحول إلى مداد لتلك الأقلام ، وأمد هذا البحر بسبعة أبحر أخرى .
وكتبت بتلك الأقلام ، وبذلك المداد كلمات الله التى يحيط بها علمه - تعالى - .لنفدت الأقلام ، ولند ماء البحر ، لتناهى كل ذلك ، وما نفدت كلمات الله - تعالى - ولا معلوماته ، لعد تناهيها .( إِنَّ الله عَزِيزٌ ) لا يعجزه شئ ، ولا يغلبه غالب ( حَكِيمٌ ) فى كل أقواله وأفعاله .فالآية الكريمة المقصود منها بيان أن علم الله - تعالى لا نهاية له ، وأن مشيئته لا يقف أمامها شئ ، وكلماته لا أول لها ولا آخر .وقال - سبحانه - ( مِن شَجَرَةٍ ) بالإِفراد ، لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤه شجرة فشجرة ، حتى لا تبقى واحدة من أنواع الأشجار إلا وتحولت إلى أقلام .وجمع - سبحانه - الأقلام ، للتكثير ، أى : أقلام كثيرة يصعب عدها .والمراد بالبحر : البحر المحيط بالأرض ، لأنه المتبادر من التعريف ، إذ هو الفرد الكامل .وإنما ذكرت السبعة بعد ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر ، وإلا فلو اجتمعت عشرات البحار ما نفدت كلمات الله .قال صاحب الكشاف فإن قلت : مقتضى الكلام أن يقال : ولو أن الشجر أقلام ، والبحر مداد؟
قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله ( يَمُدُّهُ ) لأنه من قولك : مد الدواة وأمدها .
جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة ، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا ، فهى تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع .فإن قلت : الكلمات جمع قلة ، والموضع موضع التكقير لا التقليل ، فهلا قيل : كلم الله؟
.قلت : معناه أن كلماته لا تفى بكتابها البحار فكيف بكلمه .وقال الآلوسى : والمراد بكلماته - تعالى - كلمات علمه - سبحانه - وحكمته .
وقيل : المراد بها : مقدوراته وعجائب خلقه ، والتى إذا أراد - سبحانه - شيئا منها قال له :( كُنْ فَيَكُونُ ).
ذكر بما يلزم منه، وهو أنه يكون له ما فيهما والأمر كذلك عقلاً وشرعاً، أما عقلاً فلأن ما في السموات المخلوقة مخلوق وإضافة خلقه إلى من منه خلق السموات والأرض لازم عقلاً لأنها ممكنة، والممكن لا يقع ولا يوجد إلا بواجب من غير واسطة كما هو مذهب أهل السنة أو بواسطة كما يقوله غيرهم، وكيفما فرض فكله من الله لأن سبب السبب سبب، وأما شرعاً فلأن من يملك أرضاً وحصل منها شيء ما يكون ذلك لمالك الأرض فكذلك كل ما في السموات والأرض حاصل فيهما ومنهما فهو لمالك السموات والأرض وإذا كان الأمر كذلك تحقق أن الحمد كله لله.
ثم قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد ﴾ فيه معان لطيفة أحدها: أن الكل لله وهو غير محتاج إليه غير منتفع به وفيها منافع فهي لكم خلقها فهو غني لعدم حاجته حميد مشكور لدفعه حوائجكم بها.
وثانيها: أن بعد ذكر الدلائل على أن الحمد كله لله ولا تصلح العبادة إلا لله افترق المكلفون فريقين مؤمن وكافر، والكافر لم يحمد الله والمؤمن حمده فقال إنه غني عن حمد الحامدين فلا يلحقه نقص بسبب كفر الكافرين، وحميد في نفسه فيتبين به إصابة المؤمنين وتكمل بحمده الحامدون.
وثالثها: هو أن السموات وما فيها والأرض وما فيها إذا كانت لله ومخلوقة له فالكل محتاجون فلا غني إلا الله فهو الغني المطلق وكل محتاج فهو حامد، لاحتياجه إلى من يدفع حاجته فلا يكون الحميد المطلق إلا الغني المطلق فهو الحميد، وعلى هذا (يكون) الحميد بمعنى المحمود، والله إذا قيل له الحميد لا يكون معناه إلا الواصف، أي وصف نفسه أو عباده بأوصاف حميدة، والعبد إذا قيل له حامد يحتمل ذلك المعنى، ويحتمل كونه عابداً شاكراً له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ إلزام لهم على إقرارهم بأنّ الذي خلق السموات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر.
وأن لا يعبد معه غيره، ثم قال: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنّ ذلك يلزمهم، وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا ﴿ إِنَّ الله هُوَ الغنى ﴾ عن حمد الحامدين المستحق للحمد، وإن لم يحمدوه.
قرئ: ﴿ والبحر ﴾ بالنصب عطفاً على اسم إنّ، وبالرفع عطفاً على محل إن ومعمولها على معنى: ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً، وثبت كون البحر ممدوداً بسبعة أبحر.
أو على الابتداء والواو للحال، على معنى.
ولو أنّ الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدوداً، وفي قراءة ابن مسعود: و ﴿ بحر يمدّه ﴾ على التنكير، ويجب أن يحمل هذا على الوجه الأوّل.
وقرئ: ﴿ تمدّه ﴾ و ﴿ يمدّه ﴾ بالتاء والياء.
فإن قلت: كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أنّ الشجر أقلام، والبحر مداد.
قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله: يمدّه، لأنه من قولك: مدّ الدواة وأمدّها، جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مداداً، فهي تصب فيه مداداً أبداً صباً لا ينقطع.
والمعنى: ولو أنّ أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر.
وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد، كقوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى ﴾ [الكهف: 109] .
فإن قلت: زعمت أنّ قوله: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ ﴾ حال في أحد وجهي الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال.
قلت: هو كقوله: وَقَدِ اغْتَدَى وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا وجئت والجيش مصطف.
وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف.
ويجوز أن يكون المعنى: وبحرها، والضمير للأرض.
فإن قلت: لم قيل: ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر؟
قلت: أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت أقلاماً.
فإن قلت: الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل.
فهلا قيل: كلم الله؟
قلت: معناه أنّ كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف بكلمه؟
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت جواباً لليهود لما قالوا: (قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة) وقيل: إن المشركين قالوا: إنّ هذا- يعنون الوحي- كلام سينفد، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد.
وهذه الآية عند بعضهم مدنية، وأنها نزلت بعد الهجرة، وقيل هي مكية، وإنما أمر اليهود وفد قريش أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تتلو فيما أنزل عليك: أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء ﴿ أَنَّ الله عَزِيزٌ ﴾ لا يعجزه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يخرج من علمه وحكمته شيء، ومثله لا تنفد كلماته وحكمه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ ولَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الأشْجارِ أقْلامًا، وتَوْحِيدُ شَجَرَةٍ لِأنَّ المُرادَ تَفْصِيلُ الآحادِ.
﴿ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ﴾ والبَحْرُ المُحِيطُ بِسِعَتِهِ مِدادًا مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِ المِدادِ يَمُدُّهُ لِأنَّهُ مِن مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها، ورَفَعَهُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ أنَّ ومَعْمُولَيْها و ( يَمُدُّهُ ) حالٌ أوْ لِلِابْتِداءِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ أوِ الواوُ لِلْحالِ، ونَصَبَهُ البَصْرِيّانِ بِالعَطْفِ عَلى اسْمٍ ( أنَّ ) أوْ إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يَمُدُّهُ )، وقُرِئَ «تَمُدُّهُ» «وَيَمُدُّهُ» بِالياءِ والتّاءِ.
﴿ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ﴾ بِكَتْبِها بِتِلْكَ الأقْلامِ بِذَلِكَ المِدادِ وإيثارُ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَفِي بِالقَلِيلِ فَكَيْفَ بِالكَثِيرِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أمْرٌ، والآيَةُ جَوابٌ لِلْيَهُودِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ أوْ أمَرُوا وفْدَ قُرَيْشٍ أنْ يَسْألُوهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ وقَدْ أنْزَلَ التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ.
<div class="verse-tafsir"
قال المشركون إن هذا أي الوحي كلام سينفد فأعلم الله أن كلامه
لقمان (٢٩ - ٢٧)
لا ينفد بقوله {وَلَوْ أَنَّمَا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله} والبحر بالنصب أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم أن وهو ما والرفع على محل أن ومعمولها أي ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر أو على الابتداء والواو للحال على معنى ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدوداً وقرىء يُمِدّهُ وكان مقتضى الكلام أن يقال ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد لكن أعنى عن ذكر المداد قوله يمده لأنه من قولك مد الدواة وأمدها جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الابحر السبعة مملوأة مدادا فهى نصب فيه مدادها أبدا صبالا ينقطع والمعنى ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدودا بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته ونفدت الاقلام والمداد كقوله قل لوكان البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى فان قلت رعمت أن قوله والبحر يمده حال في أحد وجهي الرفع وليس فيه ضمير راجع إلى ذي
الحال قلت هو كقولك جئت والجيش مصطف وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف وإنما ذكر شجرة على التوحيد لأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاماً وأوثر الكلمات وهي جمع قلة على الكلم وهي جمع كثيرة لأن معناه ان كلماته لا تفى بكتبتها البحار فكيف بكلمه {أَنَّ الله عَزِيزٌ} لا يعجزه شيء {حَكِيمٌ} لا يخرج من علمه وحكمته شيء فلا تنفد كلماته وحكمه
﴿ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ أيْ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا - فَإنَّ - وما بَعْدَها فاعِلُ ثَبَتَ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ كَوْنِ ( أنَّ ) دالَّةً عَلى الثُّبُوتِ والتَّحَقُّقِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ مُسْتَغْنٍ عَنِ الخَبَرِ لِذِكْرِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: بَعْدَهُ و( ما في الأرْضِ ) اسْمُ أنَّ ( ومِن شَجَرَةٍ ) بَيانٌ - لِما - أوْ لِلضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْها في الظَّرْفِ، فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، أوْ مِنهُ، أيْ ولَوْ ثَبَتَ أنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأرْضِ كائِنًا مِن شَجَرَةٍ، ( وأقْلامٌ ) خَبَرُ أنَّ، قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ دَلِيلُ دَعْوى الزَّمَخْشَرِيِّ، وبَعْضِ العَجَمِ مِمَّنْ يَنْصُرُ قَوْلَهُ: إنَّ خَبَرَ أنَّ الجائِيَةَ بَعْدَ - لَوْ- لا يَكُونُ اسْمًا جامِدًا، ولا اسْمًا مُشْتَقًّا، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا، وهو باطِلٌ، ولِسانُ العَرَبِ طافِحٌ بِخِلافِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَوْ أنَّها عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتُها مُسَوَّمَةً تَدْعُو عَبِيدًا وأزْنَما وقالَ آخَرُ: ما أطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أنَّ الفَتى حَجَرٌ ∗∗∗ تَنْبُو الحَوادِثُ عَنْهُ وهو مَلْمُومُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِ خَبَرِها فِعْلًا إنَّما هو إذا كانَ مُشْتَقًّا، فَلا يَرُدُّ ﴿ أقْلامٌ ﴾ هُنا، ولا ما ذُكِرَ في البَيْتَيْنِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنَّهم بادُونَ ﴾ ، فَلَوْ فِيهِ لِلتَّمَنِّي، والكَلامُ في خَبَرِ أنَّ الواقِعَةِ بَعْدَ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ.
والمُرادُ بِشَجَرَةٍ كُلُّ شَجَرَةٍ، والنَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ في الإثْباتِ، إذا اقْتَضى المَقامُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لِبَعْضِ أهْلِ الشّامِ، وقَدْ سَألَهُ عَنِ المُحْرِمِ إذا قَتَلَ جَرادَةً أيَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ فِدْيَةً لَها؟
(تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ)، عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ، ولا نُسَلِّمُ المُنافاةَ بَيْنَ هَذا العُمُومِ، وهَذِهِ التّاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ أنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ في الأرْضِ أقْلامٌ إلَخْ، وكَوْنُ كُلِّ شَجَرَةٍ أقْلامًا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ، أوِ الأغْصانِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى لَوْ أنَّ أجْزاءَ أوْ أغْصانَ كُلِّ شَجَرَةٍ في الأرْضِ أقْلامًا إلَخْ، ويُحَسِّنُ إرادَةُ العُمُومِ في نَحْوِ ما نَحْنُ فِيهِ كَوْنُ الكَلامِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ النَّكِرَةُ شَرْطًا بِلَوْ، ولِلشَّرْطِ مُطْلَقًا قُرْبُ ما مِنَ النَّفْيِ، فَما ظَنُّكَ بِهِ، إذا كانَ شَرْطًا بِها، وإنْ كانَتْ هُنا لَيْسَتْ بِمَعْناها المَشْهُورِ مِنَ انْتِفاءِ الجَوابِ لِانْتِفاءِ الشَّرْطِ، أوِ العَكْسِ، بَلْ هي دالَّةٌ عَلى ثُبُوتِ الجَوابِ، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ في المُسْتَقْبَلِ عَلى ما فُصِّلَ في المُغْنِي، واخْتِيارُ ( شَجَرَةٍ ) عَلى أشْجارٍ، أوْ شَجَرٍ، لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أبْعَدُ عَنِ اعْتِبارِ التَّوْزِيعِ، بِأنْ تَكُونَ كُلُّ شَجَرَةٍ مِنَ الأشْجارِ، أوِ الشَّجَرِ قَلَمًا، المُخِلُّ بِمُقْتَضى المَقامِ مِنَ المُبالَغَةِ بِكَثْرَةِ كَلِماتِهِ تَعالى شَأْنُهُ.
وفي البَحْرِ: أنَّ هَذا مِمّا وقَعَ فِيهِ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةُ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ ، ﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ ﴾ ، ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ ﴾ ، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا أوَّلُ فارِسٍ، وهَذا أفْضَلُ عالِمٍ، يُرادُ مِنَ الآياتِ، ومِنَ الرَّحَماتِ، ومِنَ الدَّوابِّ، وأوَّلُ الفُرْسانِ وأفْضَلُ العُلَماءِ، ذُكِرَ المُفْرَدُ النَّكِرَةُ وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، وهو مَهْيَعٌ في كَلامِ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، وكَذَلِكَ يُقَدَّرُ هُنا مِنَ الشَّجَراتِ، أوْ مِنَ الأشْجارِ اهـ فَلا تَغْفُلْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ ( شَجَرَةٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ دُونَ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي هو شَجَرٌ، لِأنَّهُ أُرِيدَ تَفْصِيلُ الشَّجَرِ شَجَرَةً شَجَرَةً، حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ ولا واحِدَةٌ، إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ إفادَةَ المُفْرَدِ التَّفْصِيلَ بِدُونِ تَكْرارٍ غَيْرُ مَعْهُودٍ، والمَعْهُودُ إفادَتُهُ ذَلِكَ بِالتَّكْرِيرِ نَحْوَ: جاؤُونِي رَجُلًا رَجُلًا، فَتَأمَّلْ، واخْتِيارُ جَمْعِ القِلَّةِ في ( أقْلامٌ ) مَعَ أنَّ الأنْسَبَ لِلْمَقامِ جَمْعُ الكَثْرَةِ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ لِلْقَلَمِ جَمْعٌ سِواهُ، وقِلامٌ غَيْرُ مُتَداوَلٍ فَلا يَحْسُنُ اسْتِعْمالُهُ، ﴿ والبَحْرُ ﴾ أيِ المُحِيطُ فَألْ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهُ المُتَبادِرُ، ولِأنَّهُ الفَرْدُ لِلْكامِلِ، إذْ قَدْ يُطْلَقُ عَلى شُعَبِهِ وعَلى الأنْهارِ العِظامِ كَدِجْلَةَ، والفُراتِ، وجُوِّزَ إرادَةُ الجِنْسِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أبْلَغُ ﴿ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نَفادِهِ، وقِيلَ مِن ورائِهِ ﴿ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ﴾ مَفْرُوضَةٌ، كُلٌّ مِنها مِثْلُهُ في السَّعَةِ والإحاطَةِ، وكَثْرَةِ الماءِ، والمُرادُ بِالسَّبْعَةِ الكَثْرَةُ بِحَيْثُ تَشْمَلُ المِائَةَ والألْفَ مَثَلًا لا خُصُوصَ العَدَدِ المَعْرُوفِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ، والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ»» واخْتِيرَتْ لَها لِأنَّها عَدَدٌ تامٌّ كَما عَرَفْتَ عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ وكَثِيرٌ مِنَ المَعْدُوداتِ الَّتِي لَها شَأْنٌ كالسَّماواتِ والكَواكِبِ السَّيّارَةِ، والأقالِيمِ الحَقِيقِيَّةِ، وأيّامِ الأُسْبُوعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مُنْحَصِرٌ في سَبْعٍ، فَلَعَلَّ في ذِكْرِها هُنا دُونَ سَبْعِينَ المُتَجَوَّزِ بِهِ عَنِ الكَثْرَةِ أيْضًا رَمْزًا إلى شَأْنِ كَوْنِ تِلْكَ الأبْحُرِ عَظِيمَةً ذاتَ شَأْنٍ، ولَمّا لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً في الأصْلِ لِذَلِكَ بَلْ لِلْعَدَدِ المَعْرُوفِ القَلِيلِ جاءَ تَمْيِيزُها (أبْحُرٍ) بِلَفْظِ القِلَّةِ دُونَ بُحُورٍ، وإنْ كانَ لا يُرادُ بِهِ إلّا الكَثْرَةُ لِيُناسِبَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَكَما تَجُوزُ في السَّبْعَةِ واسْتُعْمِلَتْ لِلتَّكْثِيرِ تَجُوزُ في أبْحُرٍ، واسْتُعْمِلَ فِيهِ أيْضًا، وكانَ الظّاهِرُ بَعْدَ جَعْلِ ما في الأرْضِ مِن شَجَرٍ أقْلامًا أنْ يُقالَ: والبَحْرُ مِدادٌ، لَكِنْ جِيءَ بِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، لِأنَّ يَمُدُّهُ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المِدادِ، لِأنَّهُ مِن قَوْلِكَ: مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها أيْ جَعَلَها ذاتَ مِدادٍ، وزادَ في مِدادِها، فَفِيهِ دِلالَةٌ عَلى المِدادِ مَعَ ما يَزِيدُ في المُبالَغَةِ، وهو تَصْوِيرُ الإمْدادِ المُسْتَمِرِّ حالًا بَعْدَ حالٍ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ صِيغَةُ المُضارِعِ، فَأفادَ النَّظْمُ الجَلِيلُ جَعْلَ البَحْرِ المُحِيطِ بِمَنزِلَةِ الدَّواةِ، وجَعْلَ أبْحُرٍ سَبْعَةً مِثْلَهُ مَمْلُوءَةً مِدادًا، فَهي تَصُبُّ فِيهِ مِدادَها أبَدًا صَبًّا، لا يَنْقَطِعُ، ورَفْعُ ( البَحْرُ ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ فِيهِ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (يَمُدُّهُ) خَبَرُهُ، والواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ الضَّمِيرِ الَّذِي في صِلَتِهِ، أيْ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا في حالِ كَوْنِ البَحْرِ مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، ولا يَضُرُّ خُلُوُّ الجُمْلَةِ عَنْ ضَمِيرِ ذِي الحالِ، فَإنَّ الواوَ يَحْصُلُ بِها مِنَ الرَّبْطِ ما لا يَتَقاعَدُ عَنِ الضَّمِيرِ لِدِلالَتِها عَلى المُقارَنَةِ، وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ وما أشْبَهَها كَقَوْلِهِ: وقَدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ في وكَناتِها ∗∗∗ بِمُنْجَرِدِ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ وجِئْتُ والجَيْشُ مُصْطَفٌّ، مِنَ الأحْوالِ الَّتِي حُكْمُها حُكْمُ الظُّرُوفِ، لِأنَّها في مَعْناها، إذْ مَعْنى: جِئْتُ والجَيْشُ مُصْطَفٌّ مَثَلًا، ومَعْنى: جِئْتُ وقْتَ اصْطِفافِ الجَيْشِ، واحِدٌ، وحَيْثُ إنَّ الظَّرْفَ يَرْبِطُهُ بِما قَبْلَهُ تَعَلُّقُهُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَمِيرٌ، وهو إذا وقَعَ حالًا اسْتَقَرَّ فِيهِ الضَّمِيرُ فَما يُشْبِهُهُ، كَأنَّهُ فِيهِ ضَمِيرٌ مُسْتَقِرٌّ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ اعْتِراضُ أبِي حَيّانَ بِأنَّ الظَّرْفَ إذا وقَعَ حالًا فَفي العامِلِ فِيهِ الضَّمِيرُ يَنْتَقِلُ إلى الظَّرْفِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا كانَتْ حالًا بِالواوِ فَلَيْسَ فِيها ضَمِيرٌ مُنْتَقِلٌ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّها في حُكْمِ الظَّرْفِ.
نَعَمِ الحَقُّ أنَّ الرَّبْطَ بِالواوِ كافٍ عَنِ الضَّمِيرِ، ولا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَكَلُّفِ هَذِهِ المَئُونَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الأرْضِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، والرّابِطُ ما سَمِعْتَ، أوْ ألِ الَّتِي في ( البَحْرُ ) بِناءً عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ كَوْنِ ألْ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ أيْ ولَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا حالَ كَوْنِ بَحْرِها مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ قالَ في الكَشْفِ: ولا بُدَّ أنْ يُجْعَلَ ( مِن شَجَرَةٍ ) بَيانًا لِلضَّمِيرِ العائِدِ إلى ما لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ بِالأجْنَبِيِّ.
( والبَحْرُ ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ (ألْ) فِيهِ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ العائِدِ إلى الأرْضِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَعْهُودُ، وأنْ يُرادَ بِهِ غَيْرُهُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ البَحْرَ عَلى ذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الأبْحُرِ لِقَرِينَةِ الإضافَةِ، ويُفِيدُ أنَّ السَّبْعَةَ خارِجَةٌ عَنْ بَحْرِ الأرْضِ، وعَلى ما سِواهُ يَحْتَمِلُ الحِصَّةَ المَعْهُودَةَ المَعْلُومَةَ عِنْدَ المُخاطَبِ.
ورُدَّ بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما بَلْ كَوْنُ بَحْرِها لِلْعَهْدِ أظْهَرُ، لِأنَّ العَهْدَ أصْلُ الإضافَةِ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ الأرْضِ شامِلَةً لِجَمِيعِ الأقْطارِ، لِأنَّ المَعْهُودَ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو مُحِيطٌ بِها كُلِّها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ رَفْعِهِ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ أنْ ومَعْمُولِها، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) حالٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا، وثَبَتَ البَحْرُ مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الدّالَّ عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ هو أنْ وخَبَرُهُ عَلى ما قُرِّرَ في بابِهِ، فَإذَنْ لا يُمْكِنُ إفْضاءٌ إلى المَعْطُوفِ دُونَ مُلاحَظَةِ دالٍّ، وفي هَذا العَطْفِ إخْراجٌ عَنِ المُلاحَظَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ في التّابِعِ ما لا يُحْتَمَلُ في المَتْبُوعِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ العَطْفَ عَلى هَذا مِن عَطْفِ المُفْرَدِ لا المُفْرَدِ عَلى الجُمْلَةِ كَما قِيلَ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ إنَّما هو المَصْدَرُ الواقِعُ فاعِلًا لِثَبَتَ، وهو مُفْرَدٌ لا جُمْلَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يَجْعَلُهُ مُبْتَدَأً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَلِيَ لَوِ الِاسْمُ الصَّرِيحُ الواقِعُ مُبْتَدَأً إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولَوِ البَحْرُ، عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقَ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، كَما في نَحْوِ: رُبَّ رَجُلٍ وأخِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَلْزَمُ عَلى العَطْفِ السّابِقِ أنْ يَلِيَ لَوِ الِاسْمُ الصَّرِيحُ، وهو أيْضًا مَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ، وأجابَ بِما أُجِيبَ وفِيهِ عِنْدِي تَأمُّلٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) خَبَرُ المُبْتَدَإ، والواوُ واوُ المَعِيَّةِ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَإ وخَبَرُهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مَعَهُ، بِناءً عَلى أنَّهُ يَكُونُ جُمْلَةً كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ عَلى ذَلِكَ لِلِاسْتِئْنافِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما المِدادُ حِينَئِذٍ؟
فَقِيلَ: والبَحْرُ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ اقْتِرانَ الجَوابِ بِالواوِ، وإنْ كانَتِ اسْتِئْنافِيَّةً غَيْرُ مَعْهُودٍ، وما قِيلَ: إنَّهُ يَقْتَرِنُ بِها إذا كانَ جَوابًا لِلسُّؤالِ عَلى وجْهِ المُناقَشَةِ لا لِلِاسْتِعْلامِ مِمّا لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، ومِن هُنا قِيلَ: الظّاهِرُ عَلى إرادَةِ الِاسْتِئْنافِ أنْ يَكُونَ نَحْوِيًّا، وجُوِّزَ في هَذا التَّرْكِيبِ غَيْرُ ما ذُكِرَ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ أيْضًا.
وقَرَأ البَصْرِيّانِ «والبَحْرَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ أنَّ، ( ويَمُدُّهُ ) خَبَرٌ لَهُ، أيْ: ولَوْ أنَّ البَحْرَ مَمْدُودٌ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ.
قالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَمُدُّهُ ﴾ حالًا لِأنَّهُ يُؤَدِّي أيْضًا إلى تَقْيِيدِ المُبْتَدَإ الجامِدِ بِالحالِ، ولا يَجُوزُ لِأنَّها لِبَيانِ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ، والمُبْتَدَأُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُؤَدِّي إلى كَوْنِ المُبْتَدَإ لا خَبَرَ لَهُ، ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ﴿ أقْلامٌ ﴾ خَبَرًا لَهُ، لِأنَّهُ خَبَرُ الأوَّلِ اهـ، ولَمْ يُذْكَرِ احْتِمالُ تَقْدِيرِ الخَبَرِ لِظُهُورِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ عَطْفًا عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ أعْنِي: ثَبَتَ، ودُخُولُ لَوْ عَلى المُضارِعِ جائِزَةٌ، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) إلَخْ، حِينَئِذٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «وبَحْرٌ» بِالتَّنْكِيرِ، والرَّفْعِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّي عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ هُناكَ بَحْرٌ يَمُدُّهُ إلَخْ، والواوُ واوُ الحالِ لا مَحالَةَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ( أقْلامٌ )، لِأنَّ البَحْرَ وما فِيهِ لَيْسَ مِن حَدِيثِ الشَّجَرِ والأقْلامِ، وإنَّما هو مِن حَدِيثِ المِدادِ.
وفي البَحْرِ: إنَّ الواوَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ، أوْ لِلْعَطْفِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وإذا كانَتْ لِلْحالِ كانَ ( البَحْرُ ) مُبْتَدَأً، وسَوَّغَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً تَقَدُّمُ تِلْكَ الواوِ فَقَدْ عُدَّ مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، كَما في قَوْلِهِ: سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا ∗∗∗ مُحَيّاكَ أخْفى ضَوْءَهُ كُلُّ شارِقِ اهـ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى فاعِلٍ ثَبَتَ، فَجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، لا حالٌ مِنهُ، وجَوَّزَ ذَلِكَ مَن جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً جَعْلُ الجُمْلَةِ خَبَرَهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ خَبَرِهِ مَحْذُوفًا كَما فَعَلَ ابْنُ جِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ «تَمُدُّهُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ مِن مَدَّ، كالَّذِي في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، والحَسَنُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ هُرْمُزَ «يَمُدُّهُ» بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ مِنَ الإمْدادِ، وقالَ ابْنُ الشَّيْخِ: يَمُدُّ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ، ويُمِدُّ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لُغَتانِ بِمَعْنًى، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «والبَحْرُ مِدادُهُ» أيْ ما يُكْتَبُ بِهِ مِنَ الحِبْرِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مَصْدَرٌ، ﴿ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ﴾ جَوابُ ( لَوْ )، وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ يُسَمّى حَذْفَ إيجازٍ، ويَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ السِّياقُ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ مَمْدُودٌ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، وكُتِبَتْ بِتِلْكَ الأقْلامِ، وبِذَلِكَ المِدادِ كَلِماتُ اللَّهِ تَعالى ما نَفِدَتْ لِعَدَمِ تَناهِيها، ونَفِدَ تِلْكَ الأقْلامُ والمِدادُ لِتَناهِيها، ونَظِيرُ ذَلِكَ في الِاشْتِمالِ عَلى إيجازِ الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾ ، أيْ فَحَلَقَ رَأْسَهُ لِدَفْعِ ما بِهِ مِنَ الأذى فَفِدْيَةٌ، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى كَلِماتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «سَألَ أهْلُ الكِتابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الرُّوحِ، فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِن العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ، فَقالُوا: تَزْعُمُ أنّا لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وهي الحِكْمَةُ، ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَنَزَلَتْ: ( ولَوْ أنَ ) إلَخْ».
وظاهِرُ هَذا أنَّ اليَهُودَ قالُوا ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُشافَهَةً، وهو ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّهم أمَرُوا وفْدَ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، وهَذا القائِلُ يَقُولُ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، وحاصِلُ الجَوابِ: إنَّهُ وإنْ كانَ ما أُوتِيتُمُوهُ خَيْرًا كَثِيرًا لِكَوْنِهِ حِكْمَةً إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وفِي رِوايَةٍ «أنَّهُ أُنْزِلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى ( ويَسْألُونَكَ ) إلَخْ، فَلَمّا هاجَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتاهُ أحْبارُ اليَهُودِ فَقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَقُولُ: ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ أفَعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ؟
فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كَلّا عَنَيْتُ» فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ: (إنّا أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ)، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّحِيَّةُ: «وهِيَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلٌ، وقَدْ أتاكم ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ نَجَوْتُمْ»، «قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ تَزْعُمُ هَذا وأنْتَ تَقُولُ: ﴿ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ؟
فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هَذا عِلْمٌ قَلِيلٌ وخَيْرٌ كَثِيرٌ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».
وهَذا نَصٌّ في أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِها مَقْدُوراتُهُ جَلَّ وعَلا وعَجائِبُهُ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي إذا أرادَ سُبْحانَهُ شَيْئًا مِنها قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ( كُنْ فَيَكُونُ ) [البَقَرَةُ: 117 وغَيْرُها]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في عِيسى: ﴿ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ ، وإطْلاقُ الكَلِماتِ عَلى ما ذُكِرَ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، وعَلى هَذا وجْهُ رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أظْهَرُ عَلى ما قِيلَ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ( لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ) وكانَ مُوهِمًا لِتَناهِي مُلْكِهِ جَلَّ جَلالُهُ أرْدَفَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِما هو ظاهِرٌ بِعَدَمِ التَّناهِي، وهَذا ما اخْتارَهُ الإمامُ في المُرادِ بِكَلِماتِهِ تَعالى إلّا أنَّ في انْطِباقِهِ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ خَفاءٌ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ: المُرادُ بِها ما وعَدَ سُبْحانَهُ بِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنَ الثَّوابِ، وما أوْعَدَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ مِنَ العِقابِ، وكَأنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ بَيانٌ لِأكْثَرِيَّةِ ما لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ مِن مُلْكِهِ تَعالى بَعْدَ بَيانِ كَثْرَةِ ما ظَهَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما هو المُتَبادِرُ مِنها بِناءً عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما هَذا كَلامٌ يُوشِكُ أنْ يَنْفَدَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ الآيَةَ، وفي وجْهِ رَبْطِ الآيَةِ عَلَيْهِ بِما قَبْلَها، وكَذا بِما بَعْدَها خَفاءٌ جِدًّا إلّا أنَّهُ لا يَقْتَضِي كَوْنَها مَدَنِيَّةً، وإيثارُ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ بِناءً عَلى أنَّهُ كَجَمْعِ المُذَكَّرِ جَمْعُ قِلَّةٍ لِإشْعارِهِ وإنِ اقْتَرَنَ بِما قَدْ يُفِيدُ مَعَهُ الِاسْتِغْراقَ والعُمُومَ مِن ألْ، أوِ الإضافَةِ نَظَرًا لِأصْلِ وضْعِهِ، وهو القِلَّةُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَفِي بِالقَلِيلِ، فَكَيْفَ بِالكَثِيرِ.
وقَرَأ الحَسَنُ «ما نَفِدَ» بِغَيْرِ تاءٍ، «كَلامُ اللَّهِ» بَدَلَ كَلِماتِ اللَّهِ، ﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يُعْجِزُهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَيْءٌ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ نَفادِ كَلِماتِهِ تَبارَكَ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ يعني: لكفار مكة اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على نبيه من القرآن، فآمنوا به، وأحلّوا حلاله، وحرموا حرامه قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يقول الله عز وجل أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يعني: أو ليس الشيطان يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ يعني: يدعوهم إلى تقليد آبائهم بغير حجة، فيصيروا إلى عذاب السعير.
قوله عز وجل: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي: يخلص دينه.
ويقال: يخلص عمله لله وَهُوَ مُحْسِنٌ يعني: موحد.
ويقال: ذكر الوجه، وأراد به هو.
يعني: ومن أخلص نفسه لله عز وجل بالتوحيد، وبأعمال نفسه، وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله.
قرأ عبد الرحمن السّلمي: وَمَنْ يُسْلِمْ بنصب السين، وتشديد اللام من سلم يسلم.
وقراءة العامة وَمَنْ يُسْلِمْ بجزم السين وتخفيف اللام من سلم يسلم فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى يعني: قد أخذ بالثقة وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ يعني: إليه مرجع وعواقب الأمور.
ويقال: العباد إليه فيجازيهم بأعمالهم.
قوله عز وجل: وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ وذلك أنهم لما كذبوا بالقرآن وقالوا: إنه يقول من تلقاء نفسه، شقّ ذلك على رسول الله .
فنزل وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ بالقرآن إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يعني: إلينا مصيرهم فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يعني: يجازيهم بجحودهم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بما في قلبك من الحزن مما قالوا وقال الكلبي: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ من خير أو شر.
ثم قال عز وجل: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا يعني: يسيراً في الدنيا، فكل ما هو فانٍ فهو قليل ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ يعني: نلجئهم إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ يعني: شديد لا يفتر عنهم.
قوله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني: الكفار مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على إقراركم بَلْ أَكْثَرُهُمْ يعني: الكفار لا يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون.
<div class="verse-tafsir"
إلى عذاب السعير، فكأنّ القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير، فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف كما كان اتّساقُ الكلام فيه فتأملْه.
وقوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ معناه يُخْلِصُ ويُوَجِّهْ ويستسلمْ به، والوجْه هنا: الجارحة، اسْتُعِيْرَ للمقصِد لأَنَّ القاصدَ إلى شيء فهو مستقبله بوجهه، فاستعيرَ ذلك للمعاني، والمحسنُ: الذي جَمَعَ القولَ والعمل، وهو الذي شَرَحه صلى الله عليه وسلّم حين سأله جبريل- عليه السلام- عن الإحسان.
والمتاعُ القليلُ هنا هو العمر في الدنيا.
-
وقوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجة.
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ...
الآية.
روي عن ابن عباس: أن سببَ نزولها أن اليهودَ قالت: يا محمد كيف عنيتنا بهذا القول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] ونحن قد أُوتينا التوراةَ تِبْيَاناً لكل شيء؟
فنزلت الآية «١» ، وقيل غير هذا.
قال ع «٢» : وهذه الآية بَحْرُ نظرٍ وفكرةٍ، نَوَّرَ الله قلوبنا بهداه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: " ومَن يُسَلِّمْ " بِفَتْحِ السِّينِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ تَسْلِيَةٌ عَنِ الحُزْنِ، وذَلِكَ لا يُنافِي الأمْرَ بِالقِتالِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ألْفاظِهِ في مَواضِعَ [هُودٍ: ٤٨، العَنْكَبُوتِ:٦١، البَقَرَةِ:٢٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ : أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ، إيّانا يُرِيدُ، أمْ قَوْمَكَ؟
فَقالَ: " كَلّا " فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ؟
فَقالَ: " إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا في القُرْآنِ: إنَّما هو كَلامٌ [يُوشِكُ أنْ] يَنْفَدَ ويَنْقَطِعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ كانَتْ شَجَرُ الأرْضِ أقْلامًا، وكانَ البَحْرُ ومَعَهُ سَبْعَةُ أبْحُرٍ مِدادًا- وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَكُتِبَ بِهَذِهِ الأقْلامِ وهَذِهِ البُحُورِ كَلِماتُ اللَّهِ- لَتَكَسَّرَتِ الأقْلامُ ونَفَذَتِ البُحُورُ، ولَمْ تَنْفُذْ كَلِماتُ اللَّهِ، أيْ: لَمْ تَنْقَطِعْ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ والبَحْرُ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ، ونَصَبَهُ أبُو عَمْرٍو.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ، فَهو عَطْفٌ عَلى " ما "؛ المَعْنى: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ، ولَوْ أنَّ البَحْرَ؛ والرَّفْعُ حَسَنٌ عَلى مَعْنى: والبَحْرُ هَذِهِ حالُهُ.
قالَ اليَزِيدِيُّ: ومَعْنى ﴿ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ : يَزِيدُ فِيهِ؛ يُقالُ: مُدَّ قِدْرَكَ، أيْ: زِدْ في مائِها، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يَمُدُّهُ " مِنَ المِدادِ، لا مِنَ الإمْدادِ، يُقالُ: مَدَدْتُ دَواتِي بِالمِدادِ، وأمْدَدْتُهُ بِالمالِ والرِّجالِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ إنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ الكَفَرَةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَبَيَّنَ الفَرْقُ وتَتَحَرَّكُ النُفُوسُ إلى طَلَبِ الأفْضَلِ.
وقَرَأتْ عامَّةُ القُرّاءِ: ﴿ "يُسْلِمْ" ﴾ بِسُكُونِ السِينِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُسَلِّمُ" بِفَتْحِ السِينِ وشَدِّ اللامِ، ومَعْناهُ يَخْلُصُ ويُوَجِّهُ ويَسْتَسْلِمُ بِهِ، و"الوَجْهُ" هُنا الجارِحَةُ، اسْتُعِيرَ لِلْقَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ لِلشَّيْءِ فَهو مُسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ، فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلْمَعانِي، و"المُحْسِنُ" الَّذِي جَمَعَ القَوْلَ والعَمَلَ، وهو الَّذِي شَرَحَ رَسُولُ اللهِ حِينَ سَألَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.
و"العُرْوَةُ الوُثْقى" هي اسْتِعارَةٌ لِلْأمْرِ المُنَجِّي الَّذِي لا يُخافُ عَلَيْهِ اسْتِحالَةٌ ولا إخْلالٌ، والعُرى مَوْضِعُ التَعْلِيقِ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ مُتَعَلِّقٌ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعُرْوَةِ، و"الأُمُورُ" جَمْعُ أمْرٍ ولَيْسَ بِالمُضادِّ لِلنَّهْيِ.
ثُمَّ سَلّى عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن مَوْجِدَتِهِ لِكُفْرِ قَوْمِهِ وإعْراضِهِمْ، فَأمَرَهُ أنْ لا يَحْزَنَ لِذَلِكَ، بَلْ يَعْمَدُ لِما كَلَّفَهُ مِنَ التَبْلِيغِ ويَرْجِعُ الكُلُّ إلى اللهِ تَعالى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُحْزِنْكَ" مِنَ الرُباعِيِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْزُنْكَ" مِنَ الثُلاثِيِّ، و"ذاتُ الصُدُورِ" ما فِيها، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ: إلى المُعْتَقَداتِ والآراءِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذُو بَطْنِ بِنْتُ خارِجَةٍ ".
و"المَتاعُ القَلِيلُ" هو العُمْرُ في الدُنْيا، و"العَذابُ الغَلِيظُ" مَعْناهُ: المُغْلِظُ المُؤْلِمُ.
ثُمَّ أقامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ في أمْرِ الأصْنامِ بِأنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خالِقُ المَخْلُوقاتِ، ويَدْعُونَ مَعَ ذَلِكَ إلَهًا غَيْرَهُ، والمَعْنى: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ظُهُورِ الحُجَّةِ عَلَيْكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ إضْرابٌ عن مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ لَيْسَ دَعْواهم بِحَقِّ، ونَحْوَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ "أكْثَرُهُمْ" ﴾ عَلى أصْلِهِ؛ لِأنَّ مِنهم مَن شَذَّ فِعْلُهم كَزَيْدِ بْنِ عَمْرُو بْنِ نُفَيْلِ ووَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ أيْضًا إلى مَن هو مُعَدٌّ أنْ يُسَلِّمَ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الحُكْمِ وفَصْلِ القَضِيَّةِ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما، أيْ: وأقْوالُ هَؤُلاءِ لا مَعْنى لَها ولا حَقِيقَةَ، والمَعْنى: الَّذِي لا حاجَةَ بِهِ في وُجُودِهِ وكَمالِهِ إلى شَيْءٍ، ولا نَقْصَ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، و"الحَمِيدُ" المَحْمُودُ، أيْ: كَذَلِكَ هو بِذاتِهِ وصِفاتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
تكرر فيما سبق من هذه السورة وصف الله تعالى بإحاطة العلم بجميع الأشياء ظاهرةً وخفيةً فقال فيما حكى من وصية لقمان: ﴿ إنها إن تكُ مثقالُ حبة من خردل ﴾ إلى قوله ﴿ لطيف خبير ﴾ [لقمان: 16]، وقال بعد ذلك ﴿ فنُنبئُهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور ﴾ [لقمان: 23] فعقب ذلك بإثبات أن لعلم الله تعالى مظاهرَ يبلّغ بعضها إلى من اصطفاه من رسله بالوحي مِما تقتضي الحكمة إبلاغه، وأنه يستأثر بعلم ما اقتضت حكمته عدم إبلاغه، وأنه لو شاء أن يبلغ ما في علمه لما وفّت به مخلوقاته الصالحة لتسجيل كلامه بالكتابة فضلاً على الوفاء بإبلاغ ذلك بواسطة القول.
وقد سُلك في هذا مسلك التقريب بضرب هذا المثل؛ وقد كان ما قُصَّ من أخبار الماضين موطئاً لهذا فقد جرت قصة لقمان في هذه السورة كما جرت قصة أهل الكهف وذي القرنين في سورة الكهف (109) فعقبتا بقوله في آخر السورة: ﴿ قل لو كان البحر مِدَاداً لكلمات ربي لَنَفِد البحر قبل أن تَنْفَد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مَدَداً ﴾ وهي مشابهة للآية التي في سورة لقمان.
فهذا وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من الآيات المتفرقة.
ولما في اتصال الآية بما قبلها من الخفاء أخذ أصحاب التأويل من السلف من أصحاب ابن عباس في بيان إيقاع هذه الآية في هذا الموْقع.
فقيل: سبب نزولها ما ذكره الطبري وابن عطية والواحدي عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء بن يسار بروايات متقاربة: أن اليهود سألوا رسول الله أو أغَروا قريشاً بسؤاله لمَّا سمعوا قول الله تعالى في شأنهم: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ [الإسراء: 85] فقالوا: كيف وأنت تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سألوه: هي في علم الله قليل، ثم أنزل الله ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ الآيتين أو الآيات الثلاثَ.
وعن السدّي قالت قريش: ما أكثر كلامَ محمدٍ فنزلت: ﴿ ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ .
وعن قتادة قالت قريش: سيتِمّ هذا الكلام لمحمد وينحسِر أي محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقول بعده كلاماً.
وفي رواية: سينفَدُ هذا الكلام.
وهذه يرجع بعضها إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة فيلزم أن يكون وضعها في هذا الموضع من السورة بتوقيف نبوي للمناسبة التي ذكرناها آنفاً، وبعضها يرجع إلى أنها مكية فيقتضي أن تكون نزلت في أثناء نزول سورة لقمان على أن توضع عقب الآيات التي نزلت قبلها.
و ﴿ كلمات ﴾ جمع كلمة بمعنى الكلام كما في قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إنها كلمةٌ هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100] أي: الكلام المنبئ عن مراد الله من بعض مخلوقاته مما يخاطب به ملائكته وغيرَهم من المخلوقات والعناصر المعدودة للتكون التي يقال لها: كن فتكون، ومن ذلك ما أنزله من الوحي إلى رسله وأنبيائه من أول أزمنة الأنبياء وما سينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم أي لو فُرض إرادة الله أن يكتب كلامَه كله صُحفاً ففُرضت الأشجار كلها مقسمة أقلاماً، وفرض أن يكون البحر مداداً فكُتب بتلك الأقلام وذلك المدادِ لنفِد البحر ونفِدت الأقلام وما نفدت كلمات الله في نفس الأمر.
وأما قوله تعالى: ﴿ وتَمَّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً ﴾ [الأنعام: 115] فالتمام هنالك بمعنى التحقق والنفوذ، وتقدم قوله تعالى: ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ في سورة الأنفال (7).
وقد نُظمت هذه الآية بإيجاز بديع إذ ابتُدئت بحرف ﴿ لو ﴾ فعلم أن مضمونها أمر مفروض، وأن ل ﴿ لو ﴾ استعمالات كما حققه في «مغنى اللبيب» عن عبارة سيبويه.
وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ ولو أسمعهم لتولَّوا وهم معرضون ﴾ في سورة الأنفال (23).
﴿ ومن شجرة ﴾ بيان ل ﴿ ما ﴾ الموصولة وهو في معنى التمييز فحقه الإفراد، ولذلك لم يقل: من أشجار.
والأقلام: جمع قلَم وهو العود المشقوق ليرفع به المداد ويكتب به، أي: لو تصير كل شجرة أقلاماً بمقدار ما فيها من أغصان صالحة لذلك.
والأقلام هو الجمع الشائع لقلَم فيرَد للكثرة والقلة.
و ﴿ يَمّده ﴾ بفتح الياء التحتية وضم الميم، أي: يزيده مِداداً.
والمداد بكسر الميم الحِبر الذي يُكتب به.
يقال: مَد الدَّوَاةَ يمدُها.
فكان قوله ﴿ يمده ﴾ متضمناً فرض أن يكون البحر مداداً ثم يُزاد فيه إذا نشف مدادُه سبعةُ أبحر، ولو قيل: يُمده، بضم الميم من أمد لفات هذا الإيجاز.
والسبعة: تستعمل في الكناية عن الكثرة كثيراً كقول النبي صلى الله عليه وسلم " والكافر يأكل في سبعة أمعاء " فليس لهذا العدد مفهوم، أي والبحر يمده أبحر كثيرة.
ومعنى ﴿ ما نفدت كلمات الله ﴾ ما انتهت، أي: فكيف تحسب اليهود ما في التوراة هو منتهى كلمات الله، أو كيف يحسب المشركون أن ما نزل من القرآن أوشك أن يكون انتهاء القرآن، فيكون المَثل على هذا الوجه الآخر وارداً مورد المبالغة في كثرة ما سينزل من القرآن إغاظة للمشركين، فتكون ﴿ كلمات الله ﴾ هي القرآن، لأن المشركين لا يعرفون كلمات الله التي لا يحاط بها.
وجملة ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ تذييل، فهو لعزته لا يَغلبه الذين يزعمون عدم الحاجة إلى القرآن ينتظرون انفحام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لحكمته لا تنحصر كلماته لأن الحكمة الحق لا نهاية لها.
وقرأ الجمهور برفع ﴿ والبحرُ ﴾ على أن الجملة الاسمية في موضع الحال والواو واو الحال وهي حال مِن ﴿ ما في الأرض من شجرة، ﴾ أي: تلك الأشجار كائنة في حال كون البحر مداداً لها، والواو يحصل بها من الربط والاكتفاء عن الضمير لدلالتها على المقارنة.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿ والبحرَ ﴾ بالنصب عطفاً على اسم (إنّ).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يُخْلِصُ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: يَقْصِدُ بِوَجْهِهِ طاعَةَ اللَّهِ.
الثّالِثُ: يُسَلِّمُ نَفْسَهُ مُسْتَسْلِمًا إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ يَعْنِي في عَمَلِهِ.
﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
الثّالِثُ: الإسْلامُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ، قالَهُ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدِ اسْتَوْثَقَ لِنَفْسِهِ فِيما تَمَسَّكَ بِهِ كَما يَسْتَوْثِقُ مِنَ الشَّيْءِ بِإمْساكِ عُرْوَتِهِ.
الثّانِي: تَشْبِيهًا بِالبِناءِ الوَثِيقِ لِأنَّهُ لا يَنْحَلُّ.
﴿ وَإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: وعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ ما صَنَعُوا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ايانا تريد أم قومك؟
فقال: كلا...
فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟
فقال: إنها في علم الله قليل.
فأنزل الله في ذلك ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام...
﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اجتمعت اليهود في بيت فارسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن ائتنا.
فجاء فدخل عليهم فسألوه عن الرجم فقال: أخبروني بأعلمكم.
فأشاروا إلى ابن صوريا الأعور قال: أنت أعلمهم قال: إنهم يزعمون ذاك قال: فنشدتك بالمواثيق التي أخذت عليكم، وبالتوراة التي أنزلت على موسى.
ما تجدون في التوراة؟
قال: لولا أنك نشدتني بما نشدتني به ما أخبرتك، أجد فيها الرجم قال: فقضى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صدقت يا محمد عندنا التوراة فيها حكم الله، فكانوا قبل ذلك لا يظفرون من النبي صلى الله عليه وسلم بشيء قال: فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ [ الإسراء: 85] .
فاجتمعوا في ذلك البيت فقال رئيسهم: يا معشر اليهود لقد ظفرتم بمحمد فأرسلوا إليه.
فجاء فدخل عليهم فقالوا: يا محمد ألست أنت أخبرتنا أنه أنزل عليك ﴿ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ﴾ ثم تخبرنا أنه أنزل عليك ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فهذا مختلف.
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم قليلاً ولا كثيراً قال: ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ وجميع خلق الله كتاب، وهذا البحر يمد فيه سبعة أبحر مثله، فمات هؤلاء الكتاب كلهم، وكسرت هذه الأقلام كلها، ويبست هذه البحور الثمانية، وكلام الله كما هو لا ينقص، ولكنكم أوتيتم التوراة فيها شيء من حكم الله، وذلك في حكم الله قليل.
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فقرأ عليهم هذه الآية قال: فرجعوا مخصومين بشر» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول.
فقال رجل: يا محمد تزعم أنك أوتيت الحكمة، وأوتيت القرآن، وأوتينا التوراة، فأنزل الله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ﴾ وفيه يقول: علم الله أكثر من ذلك ﴿ وما أوتيتم من العلم ﴾ فهو كثير لكم لقولكم قليل عندي» .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح.
فأنزل الله: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً، وقد أوتينا التوراة: وهي الحكمة ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ فنزلت ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو نصر السجزي في الابانة عن قتادة رضي الله عنه قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد فنزلت ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ يقول: لو كان شجر الأرض أقلاماً، ومع البحر سبعة أبحر مداد لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحور، قبل أن تنفد عجائب ربي، وحكمته وعلمه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: قال حيي بن أخطب: يا محمد تزعم أنك أوتيت الحكمة ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ وتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً، فكيف يجتمع هاتان؟
فنزلت هذه الآية ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ ونزلت التي في الكهف ﴿ قل لو كان البحر مداداًَ لكلمات ربي...
﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ يقول: لو كان كل شجرة في الأرض أقلاماً، والبحار مداداً، لنفد الماء، وتكسرت الأقلام، قبل أن تنفد كلمات ربي.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ﴿ والبحر يمده ﴾ رفع.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ ﴾ قرئ رفعًا ونصبًا، فمن نصبه عطفه على ما، ومن رفع استأنف كأنه قال: والبحر هذه حاله (١) ﴿ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ أي: ينصب فيه ويزيده سبعة أبحر.
﴿ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾ ولا نفد علمه.
قال السدي: لو كان ما في الأرض من شجر فبريت أقلامًا، وكان البحر مدادًّا ومعه سبعة أبحر مدادًا مثله، فكتب بتلك الأقلام، نفد ذلك المداد قبل أن ينفد علم الله (٢) وقال الحسن: لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، لأملى الله من كلامه حتى ينفد المجر وتتكسر الأقلام (٣) (٤) فالمفسرون قالوا في كلمات الله: إنها علم الله، والمعنى: الكلمات التي هي عبارات عن معلوم الله، ولما كان معلومه لا يتناهى له، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عن معلومه لا تتناهى (٥) قال أبو علي: والمراد بذلك -والله أعلم- ما في المقدور دون بما خرج منه إلى الوجود (٦) قال قتادة: إن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع، فنزلت هذه الآية.
يقول: لو كان شجر الأرض أقلامًا، ومع البحر سبعة أبحر، إذا لانكسرت الأقلام ونفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه وخلقه وعلمه (٧) قال أبو عبيدة: هذا مختصر، تقديره: فكتب هذه الأقلام والبحور ما نفد كلام الله (٨) والمعنى (٩) ﴿ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ﴾ ، ثم قالت: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ﴾ ، والمعنى: فذهب، فألقى الكتاب، فقرأته، وقالت: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ ﴾ .
ونظير هذه الآية قوله: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ \[الكهف 109\] الآية.
(١) انظر: "الحجة" 5/ 457 - 459، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 527.
(٢) لم أقف عليه منسوبًا للسدي، وقد ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 504، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 326، غير منسوب لأحد، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 528 وعزاه لعبد الرزاق وأبي نصر السجزي في "الإبانة" عن أبي الجوزاء.
(٣) انظر: "الحجة" 5/ 458.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 83 أ.
(٥) هذا تفسير الأشاعرة، وفيه خلط بين صفتي العلم والكلام، وأهل السنة والجماعة يقررون صفة العلم ويثبتونها، وكذلك صفة الكلام، حيث أن علم الله متعلق بالأشياء قبل كونها، وأنه غير متجدد.
أما الكلام فصفة غير صفة العلم، فالله جل وعلا متكلم بمشيئته وقدرته كيف شاء متى شاء بما شاء، وهي صفة قديمة النوع حادثة الآحاد.
انظر: "رد الإمام الدارمي على بشر المريسي" ص 106، ورده على الجهمية ص 68، "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 175.
(٦) انظر: "الحجة" 5/ 458.
(٧) انظر: عبد الرزاق 2/ 106، "تفسير الطبري" 21/ 81، "تفسير الماوردي" 4/ 344.
وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 528،.
عزاه لعبد الرزاق وابن جرير == وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" وأبي نصر السجزي في "الإنابة" عن قتادة.
(٨) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 128، وعبارة أبي عبيدة جاءت هكذا: ومجازه مجاز المختصر الذي فيه ضمير، سبيله: فكتب كتاب الله بهذه الأقلام وبهذه البحور، ما نفد كتاب الله.
(٩) في (ب): زيادة (ما نفد)، وهو خطأ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ الآية إخبار بكثرة كلمات الله، والمراد اتساع علمه ومعنى الآية: أن شجر الأرض لو كانت أقلاماً، والبحر لو كان مداداً يصب فيه سبعة أبحر صَبّاً دائماً وكتبت بذلك كلمات الله لنفدت الأشجار والبحار ولم تنفد كلمات الله، لأن الأشجار والبحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية، فإن قيل: لم لم يقل والبحر مداداً كما قال في الكهف قل لو كان البحر مدداً؟
فالجواب: أنه أغنى من ذلك قوله: ﴿ يَمُدُّهُ ﴾ لأنه من قولك مدّ الدواة وأمدّها، فإن قيل لم قال: ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ ولم يقل من شجر باسم الجنس الذي يقتضي العموم؟
فالجواب أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة شجرة حتى لا يبقى منها واحدة، فإن قيل: لم قال ﴿ كَلِمَاتُ الله ﴾ ولم يقل كلم الله بجمع الكثرة؟
فالجواب أن هذا أبلغ لأنه إذا لم تنفد الكلمات مع أنه جمع قلة، فكيف ينفد الجميع الكثير.
وروي أن سبب الآية أن اليهود قالوا: قد أوتينا التورات وفيها العلم كله فنزلت الآية؛ لتدل أن ما عندهم قليل من كثير، والآية على هذا مدنية، وقيل: أن سببها إن قريشاً قالوا إن القرآن سينفد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع.
حمزة وأبو عون عن قنبل ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و ﴿ يتخذها ﴾ بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ يا بني لا تشرك ﴾ بسكون الياء: البزي والقواس.
وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله ﴿ يا بني أقم ﴾ الباقون: بكسر الياء.
﴿ مثقال ﴾ بالرفع: ابو جعفر ونافع ﴿ نصاعر ﴾ بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون.
بالتشديد.
الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه وقف لمن قرأ ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع على تقدير هو هدى.
ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ فلا وقف ﴿ للمحسنين ﴾ ه لا ﴿ يوقنون ﴾ ه ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط قد يوقف لمن قرأ ﴿ ويتخذها ﴾ بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفاً على ﴿ ليضل ﴾ فهو معطوف على ﴿ يشتري ﴾ ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ وقرأ ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم ﴿ فيها ﴾ ط لأن التقدير وعد الله وعداً ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ه للعدول ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط وقد يوقف على ﴿ لا تشرك ﴾ على جعل الباء للقسم وهو تكلف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بوالديه ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق ﴿ أن اشكر ﴾ بـ ﴿ وصينا ﴾ ﴿ ولوالديك ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ معروفا ﴾ ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين ﴿ إلي ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أصابك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين ﴿ مرحاً ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ج لما ذكر ﴿ من صوتك ﴾ ه ط ﴿ الحمير ﴾ ه.
التفسير: لما قال في آخر السورة المتقدمة ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ وكان في إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة.
وتفسيره إلى ﴿ المفلحون ﴾ كما في أول البقرة.
إلا قوله ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ فإنه مذكور في أول "يونس".
وحيث زاد ههنا ﴿ ورحمة ﴾ قال ﴿ للمحسنين ﴾ فإن الإحسان مرتبة فوق التقوى لقوله "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" ولقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا ﴿ يؤمنون بالغيب ﴾ لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد عليه في باب العقائد.
ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ الإضافة بمعنى "من" أي الحديث الذي هو لهو ومنكر.
وجوز في الكشاف أن تكون "من" للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا "خاتم فضة" وليس بمشهور.
قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً.
وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.
فعلى هذا معنى ﴿ ليضل ﴾ بضم الياء ظاهر، ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال.
وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متعلق بـ ﴿ يشتري ﴾ كقوله ﴿ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ﴾ أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره.
ولا يبعد عندي تعلقه بقوله ﴿ ليضل ﴾ كما قال ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ قال المحققون: ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهواً لا فائدة فيه كان أقبح.
وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا.
وروي عن النبي "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على الاشتغال بجانب الحق كقوله "يا بلال روّحنا" ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في القبح ولا سيما إذا كان معه اشتغاله بلهو الحديث مستكبراً عن آيات الله التي هي محض الحكمة كما قال ﴿ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً ﴾ ومحل ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير ﴿ مستكبراً ﴾ والثانية من ﴿ لم يسمعها ﴾ قلت: هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما و ﴿ مستكبراً ﴾ حالاً من فاعل ﴿ ولى ﴾ أي مستكبراً مشابهاً لمن لم يسمعها مشابهاً لمن في أذنيه وقر.
وجوز أي يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في النضر إلا أنه بالغ هنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ اي صمماً لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة.
وترك الجملة الثانية في "الجاثية" لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله ﴿ وإذا علم من آياتنا شيئاً ﴾ والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره.
وحين بين وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.
وقد مر مثله مراراً وفي قوله ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه لا غالب ولا مناوئ، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله.
ثم بين عزته وحكمته بقوله ﴿ خلق السموات بغير عمد ﴾ وقد مر في أول "الرعد".
وقوله ﴿ وألقى في الأرض ﴾ مذكور في أول "النحل" و ﴿ من كل زوج كريم ﴾ ذكر في أول الشعراء.
هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ومركباتها ﴿ خلق الله ﴾ أي مخلوقه ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ وهم الآلهة بزعمهم.
وهذا أمرتعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين.
ثم بين فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف ايضاً لعقيدة الحكماء الذين يعولون على المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟
فقال: الا أكتفي إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً.
عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله "ووصيته" وحكاها في القرآن.
وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة.
وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.
روي أنه دخل على داود وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.
فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله.
فقال له داود : بحق ما سميت حكيماً.
روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم امره بمثل ذلك بعد ايام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.
ثم فسر الحكمة بقوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول.
قال العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكراً فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد.
وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك لأبنه المسمى أنعم أو أشكم.
قيل: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظمهما حتى أسلما.
ووجه كون الشرك ظلماً عظيماً أنه وضع في أخس الأشياء - وهو الفقير المطلق- موضع اشرف الاشياء - وهو الغني المطلق- ثم وصى الله الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله.
وهذه جملة معترضة نيط باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمراً فظيعاً منكراً حتى إنه يلزم فيه مخالفة من يجب طاعته.
وقوله ﴿ حملته أمه وهناً ﴾ أي حال كونها تهن وهناً ﴿ على وهن ﴾ أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلاً وضعفاً، اعتراض في اعتراض تحريضاً على رعاية حق الوالدة خصوصاً.
" روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال:قلت: يا رسول الله من أبر؟
قال: أمك ثم أمك ثم أباك" .
وقوله ﴿ وفصاله في عامين ﴾ توقيت للفطام كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ وفيه تنبيه آخر على ما كابدته الأم من المشاق.
ومعنى ﴿ معروفاً ﴾ صحاباً أو مصاحباً معروفاً على ما يقتضيه العرف والشرع.
وفي قوله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ إشارة أخرى إلى أنهما لو لم يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا وفي باب حسن العشرة والصحبة.
واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها التي في "العنكبوت" وفي "الأحقاف" نزلت في سعد بن ابي وقاص وفي أمه حمنة بنت ابي سفيان، وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفر بمحمد - وكان أحب ولدها إليها "فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله أن يتراضاها بالإحسان وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله ﴿ حسناً ﴾ لأن قوله ﴿ أن اشكر ﴾ قام مقامه، وإنما قال ههنا ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك ﴾ لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، وقال في العنكبوت ﴿ لتشرك ﴾ موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه مع أن مبني الكلام هناك الاختصار.
وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية بقوله ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهوة قوله ﴿ يا بني إنها ﴾ أي القصة ﴿ إن تك ﴾ أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل.
ومن قرأ ﴿ مثقال ﴾ بالرفع تعين أن يكون الضمير في ﴿ إنها ﴾ للقصة وتأنيث ﴿ تك ﴾ لإِضافة المثقال إلى الحبة.
وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر اي في مغاصة يعلمها الله؟
إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.
سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟
الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء.
وقال أهل الأدب: فيه إضمار والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، أراد فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت العالم العلوي أو السفلي، وقال أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجاجه، وإما لكونه بعيداً، وإما لكونه في ظلمة.
فأشار إلى الأول بقوله ﴿ مثقال من خردل ﴾ وإلى الثاني بقوله ﴿ فتكن في صخرة ﴾ وإلى الثالث بقوله ﴿ أو في السموات ﴾ وإلى الرابع بقوله ﴿ أو في الأرض ﴾ وقوله ﴿ يأت بها الله ﴾ أبلغ من قول القائل "يعلمه الله" ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به ﴿ إن الله لطيف ﴾ نافذ القدرة ﴿ خبير ﴾ ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله.
وقوله ﴿ واصبر على ما اصابك ﴾ من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما يصيبه من المصائب والمكاره ﴿ إن ذلك ﴾ المذكور ﴿ من عزم الأمور ﴾ أي من معزوماتها من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر "آل عمران".
وحين أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه قال ﴿ ولا تصعِّر خدك للناس ﴾ يقال: أصعر خدَّه وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب البعير يلوي منه عنقه.
والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعاً لا بشق الوجه كعادة المتكبرين.
ومعنى ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ مذكور في سورة "سبحان الذي" والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء.
فالمختال هو الماشي لأجل الفرح والنشاك لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما.
ثم امره عند الاحتياج إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم.
قال أهل البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جداً، واشتقاق أنكر من النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، وإن أنكر أصوات هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس.
قال بعض العقلاء: من نكر صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن فوائد عطف الأمر بغض الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله ﴿ إنها إن تك مثقال حبة ﴾ أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، واشار إلى التوسط في أفعال الجوارح بقوله ﴿ واقصد في مشيك ﴾ وإلى التوسط في الأقوال بقوله ﴿ اغضض من صوتك ﴾ أو نقول: اشار بقوله ﴿ أقم الصلاة ﴾ إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في الإنسان، وبقوله ﴿ وأمر ﴾ إلى قوله ﴿ مرحاً ﴾ إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله ﴿ واقصد ﴾ ﴿ واغضض ﴾ إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله أعلم.
التأويل: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل المقصود ﴿ لهو الحديث ﴾ قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم.
﴿ وإذ قال لقمان ﴾ القلب ﴿ لابنه ﴾ السر المتولد من ازدواج الروح والقلب ﴿ وهو يعظه ﴾ أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا ﴿ في عامين ﴾ يريد فطامه عن مألوفات الدارين ﴿ وإن جاهداك ﴾ فيه أن السر لا ينبغي له أن يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن الروح قد يميل غلى مجانسة من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، وأخرة إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد.
﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ وهو الخفي.
﴿ إنها إن تك ﴾ يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها ﴿ لصوت الحمير ﴾ قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ ﴾ : قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر: أن قد رأوا وعلموا أنه سخر لهم ما ذكر.
والثاني: على الأمر، أي: انظروا وروا: أنه سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض؛ لينتفعوا بجميع ما يحتاجون إليه، ويصلوا إلى مرادهم وحاجتهم وإلى قضاء وطرهم كيف شاءوا بما شاءوا.
أو أن يذكر قدرته وسلطانه: أن من ملك تسخير ما ذكر لنا ومكنا وأقدرنا على تدبير استعمال ما سخر لنا والانتفاع به - لقادر على البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.
أو أن يذكر حكمته وعلمه: أن مثل هذا التسخير لا يكون إلا بحكمته، ولو لم يكن هنالك بعث وعاقبة، لكان خلق الخلق وتسخير ما ذكر لعبا باطلا، وعلى ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله: ﴿ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ : المسخر ما في السماوات يحتمل: المطر والسحاب والشمس والقمر، ونحوه مما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع الأرض إلا بمنافع السماء.
أو الملائكة؛ لأنهم قد امتحنوا ببعض ما يقع بمنافع البشر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ .
ذكر عن ابن عباس أنه قال: "سألت رسول الله فقلت: يا رسول الله، ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟
قال: أما ما ظهر - يا بن عباس - فالإسلام، وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليكم من الرزق، وأما ما بطن: ستر مساوي عملك فلم يفضحك بها" ، فإن ثبت الخبر فلا تقع الحاجة إلى غيره؛ فهو تأويل الآية، وإلى هذا ذهب عامة أهل التأويل.
وجائز أن يكون النعمة الظاهرة هو ما ظهر من الحسن والطهارة.
وأما النعمة الباطنة: ما ستر من الأنجاس والعيوب والأقذار ما لو ظهر ذلك لم يدن منه أحد، لخبثه ونجاسته.
وبعضهم يقولون: الظاهرة باللسان، والباطنة بالقلب.
وقال مجاهد: الظاهرة: الإسلام والرزق، والباطنة: ما ستر من الذنوب والعيوب، وهو قريب مما ذكر في الخبر المرفوع والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
المجادلة في الله: يحتمل في توحيد الله، أو في الرسالة أنه أرسل أو لم يرسل؟
أو في البعث: أيبعث أو لا يبعث؟
ونحوه، أو يجادل في كتابه.
وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴾ .
أسباب العلم ثلاثة: العقل، والسنة، والكتاب.
يتفكر وينظر بالعقل؛ فيعرف، وبيان السنة والكتاب يبين؛ فلم يكن مع الذين يجادلون رسول الله في الشيء من ذلك وخاصة أهل مكة: كانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب؛ فكأنه يقول: ومن الناس من يجادل في الله وهم يعلمون أنه ليس معه معقول ولا بيان من السنة والكتاب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ؛ كأنه يقول لرسول الله: أن قل لهم: تتبعون آباءكم وتقلدونهم، وإن ظهر لكم وتبين أن الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وأنهم من أصحاب السعير، وتتبعون آثارهم مقتدين بهم وإن ظهر لكم وتبين أن الذي أدعوكم أنا إليه وجئتكم أهدى مما عليه آباؤكم؛ إذ تتبعون آباءكم وإن ظهر وتبين أن آباءكم كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟!
حتى إن قالوا: نعم، نتبعهم وإن كانوا كما ذكرت - فإنه يظهر ويبين عنادهم ومكابرتهم عند اتباعهم؛ حيث ظهر الحق لهم فلم يتبعوا، بل اتبعوا أهواءهم ويظهر كذبهم في قولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ، أو في قولهم: إن آباءهم على ما هم عليه؛ بل في آبائهم من هو على خلاف ما هم عليه ونحوه.
وإن قالوا: لا نتبعهم إذا كانوا على ما ذكرت؛ فعند ذلك يقترن ويثبت عندهم بالحجج والبرهان.
وفيه دلالة: أن أهل الفترة يعذبون ويؤاخذون بتركهم الدين والشرائع؛ لأن هؤلاء الذين أخبر أنهم من أصحاب السعير هم أهل الفترة ما بين عيسى وبين محمد.
وأهل التأويل يقولون: أو[لو] كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير.
ومحمد بن إسحاق يقول: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: لا تعرض بوجهك عن فقراء الناس، أي: إذا كلموك و ﴿ مَرَحاً ﴾ ، أي: فخرا بالخيلاء والعظمة، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ ، أي: بطر ومرح، فخور في نعم الله لا يأخذ بالشكر، ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ : رويدا، لا تختل في مشيك ولا تنظر حيث لا يحل، ﴿ وَٱغْضُضْ ﴾ ، أي: اخفض ﴿ مِن صَوْتِكَ ﴾ ، أي: من كلامك، يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق، ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا فقال: ﴿ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴾ لشدة صوتهم.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ : يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، ﴿ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: الجبال والأنهار والبحار فيها السفن والأشجار والنبت عاما بعام ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً ﴾ : تسوية الخلق والرزق والإسلام، ﴿ وَبَاطِنَةً ﴾ ، أي: ما ستر من الذنوب من ابن آدم فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها، فهذا كله من النعم؛ فالحمد لله على ذلك حمداً كثيراً كما أصله.
وقال في قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ : في زعمه أن لله البنات، أي: الملائكة، ﴿ وَلاَ هُدًى ﴾ ، أي: لا بيان معه من الله بما يقول، ﴿ وَلاَ كِتَابٍ ﴾ : له فيه حجة.
وأصله ما ذكرنا: ﴿ يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ ﴾ من الوجوه التي ذكرنا: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ من جهة العقل، ﴿ وَلاَ هُدًى ﴾ أي: ولا بيان من جهة السنة، ﴿ وَلاَ كِتَابٍ ﴾ من الله فيه حجة له، وأسباب العلم هذه، فلم يكن له شيء مما ذكر، وبالله العصمة.
قال أبو عوسجة: المرح: النشاط، وهذا لا يكون إلا من الكبر؛ لأنه يتبختر، ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ ، أي: امش مشياً رفيقاً، ﴿ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ أي: ارفق لا تصوت صوتاً شديداً، وهذا - أيضاً - من التبختر، ﴿ وَأَسْبَغَ ﴾ ، أي: أوسع، والسابغ: الواسع التام الطويل العريض.
وقال القتبي: الأصعر: مُعْرِض الوجه، [و]أنكر الأصوات: أقبحها، عرفه قبح رفع الصوت في المخاطبة.
وقوله: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَجْهَهُ ﴾ ، أي: نفسه؛ كأنه قال: ومن يسلم نفسه لله، وجعلها سالمة له لم يجعل لأحد فيها شركا.
﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ .
في عمله إلى نفسه، أي: لا يستعملها إلا في طاعة الله، وفيما أمر به، فإذا فعل ذلك، ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ ، أي: فقد استمسك بأوثق العرا وأثبتها؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا ﴾ ، أي: فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع ولا زوال؛ لأنها ثبتت بالحجج والبراهين، لا بالهوى؛ فكل شيء ثبت بالحجة والبرهان - فهو ثابت - أبدا لا زوال له ولا انقطاع، وكل شيء ثبت بالهوى؛ فهو يزول وينقطع عن قريب؛ لزوال الهوى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يسلم وجه أمره لله؛ فالوجه عبارة وكناية عن أمره، أي: يسلم أمره إلى الله ويفوضه إليه.
أو يكون كناية عن نفسه؛ فتأويله ما ذكر بدءاً.
وأهل التأويل يقولون: ﴿ يُسْلِمْ وَجْهَهُ ﴾ ، أي: دينه لله، أي: يخلص دينه لله، كقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ أي: لكل أهل دين ومذهب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكرنا: وهو محسن إلى نفسه في عمله: لا يستعملها إلا فيما أمر بالاستعمال فيه، وهو طاعة الله لا يوقعها في المهالك.
أو هو محسن إلى الناس بالمعروف والبر.
أو محسن، أي: عالم؛ كما يقال: أحسن، أي: علم.
وبعض أهل التأويل يقول: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخلص عمله لله، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ ، أي: مؤمن؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ، وهو قول: ابن عباس ومقاتل، يقول: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يخلص دينه لله، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : في عمله، ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ : هو ما ذكرنا: أنه استمسك بأوثق العرا وأثبتها؛ لأنه إنما ثبت بالحجة والبرهان لا بالهوى والتمني، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ ﴾ .
هذا يخرج على وجوه: أحدها: وإلى الله تدبير عاقبة الأمور وتقديرها، لا إلى الخلق.
والثاني: إلى من له التدبير والتقدير يرجع عاقبة الأمور.
أو أن يخص رجوع عاقبة الأمور والمصير والرجوع إليه والبروز له والخروج، وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا - أن المقصود من خلق هذا العالم - العالم الثاني، والمقصود من خلق الدنيا: الآخرة؛ إذ به يصير حكمة وحقا؛ فخص ذلك له وأضافه إليه كذلك.
أو يذكر ذلك؛ لما لا ينازع في ذلك اليوم وقد نوزع في هذه؛ ولذلك قال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ .
حزنا تتلف وتهلك فيه، كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ؛ فيخرج قوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ على التخفيف عليه والتسلي، ليس على النهي، وكذلك قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ على التخفيف عليه والتيسير، ليس على ترك الإشفاق والحزن عليهم؛ لأن رسول الله كادت نفسه تهلك؛ إشفاقاً عليهم وحزناً على كفرهم؛ فيخرج ذلك على التخفيف عليه والتسلي.
والثاني: قوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ : لا يحزنك تكذيبه إياك؛ فذكر كفره؛ لأنه بتكذيبه ما يصير كافرا وهو سبب كفره؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...
﴾ الآية [آل عمران: 176]: كان رسول الله يحزن ويهتم بتكذيبهم إياه فيما يقول ويخبر عن الله، فيقول: لا يحزنك تكذيبهم إياك؛ فإنهم إلينا يرجعون فنجزيهم ونكافئهم جزاء التكذيب.
والثالث: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ ، أي: فإن ضرر ذلك الكفر عليهم لا عليك؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...
﴾ الآية [الأنعام: 52]، ونحوه من الآيات، يخبر رسوله ألا يحزن على كفر من كفر؛ فإن ضرر ذلك يلحقه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ ﴾ .
هذا وعيد، أي: إلينا مرجعهم فننبئهم عما غفلوا عنه واختاروه في الدنيا، فيحفظونه ويتذكرون ما عملوا.
أو أن يكون قوله: ﴿ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ ﴾ ، أي: نجزيهم ونكافئهم جزاء أعمالهم ومكافأتهم.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .
أي: عالم بما كان منهم وما جزاؤهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ﴾ .
أي: في الدنيا؛ لأن متاع الدنيا قليل، على ما وصفه: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ ، أي: يتمتعون [و]يعمرون بذلك القليل.
﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ .
يذكر هذا مقابل ما ذكر لأهل الجنة؛ حيث قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ ، فيخبر أن أهل النار يضطرون ويدفعون إلى النار، لا أنهم يدخلونها اختيارا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ .
وقوله: ﴿ غَلِيظٍ ﴾ جائز أن يكون كناية عن امتداده وطوله.
وجائز أن يكون كناية عن شدته وألمه أو جراحته؛ كقوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ...
﴾ الآية [المؤمنون: 104].
وقيل: يغلط عليهم العذاب لوناً بعد لون، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولو أن ما في الأرض من شجر قُطِع وبُرِي أقلامًا، وجُعِل البحر حبرًا لها ولو مده سبعة أبحر، ما فنيت كلمات الله لعدم تناهيها، إن الله عزيز لا يغالبه أحد، حكيم في خلقه وتدبيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.oYWn4"