تفسير الآية ٢٠ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٢٠ من سورة سبأ

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٠ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر [ الله ] تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان ، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى ، وخالف الرشاد والهدى ، فقال : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ) .

قال ابن عباس وغيره : هذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم ، ثم قال : ( أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) [ الإسراء : 62 ] ، ثم قال : ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) [ الأعراف : 17 ] والآيات في هذا كثيرة .

وقال الحسن البصري : لما أهبط الله آدم من الجنة ومعه حواء ، هبط إبليس فرحا بما أصاب منهما ، وقال : إذا أصبت من الأبوين ما أصبت ، فالذرية أضعف وأضعف .

وكان ذلك ظنا من إبليس ، فأنزل الله عز وجل : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) فقال عند ذلك إبليس : " لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح ، أعده وأمنيه وأخدعه " .

فقال الله : " وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت ، ولا يدعوني إلا أجبته ، ولا يسألني إلا أعطيته ، ولا يستغفرني إلا غفرت له " .

رواه ابن أبي حاتم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) اختلفت القراء في قراءة قوله ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) فقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين (وَلَقَدْ صَدَّقَ) بتشديد الدال من صدق، بمعنى أنه قال ظنا منه وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ وقال فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ثم صدق ظنه ذلك فيهم فحقق ذلك بهم، وباتباعهم إياه.

وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والشأم والبصرة (وَلَقَدْ صَدَقَ) بتخفيف الدال بمعنى: ولقد صدق عليهم ظنه.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، وذلك أن إبليس قد صدق على كفرة بني آدم في ظنه، وصدق عليهم ظنه الذي ظن حين قال: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ وحين قال وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ...

الآية، قال ذلك عدو الله ظنًا منه أنه يفعل ذلك لا علمًا، فصار ذلك حقًّا باتباعهم إياه.

فبأي القراءتين قرأ القارىء فمصيب.

فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام على قراءة من قرأ بتشديد الدال: ولقد ظن إبليس بهؤلاء الذين بدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط عقوبة منَّا لهم، ظنًّا غير يقين، علم أنهم يتبعونه ويطيعونه في معصية الله فصدق ظنه عليهم بإغوائه إياهم حتى أطاعوه وعصوا ربهم إلا فريقًا من المؤمنين بالله فإنهم ثبتوا على طاعة الله ومعصية إبليس.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم قال: ثنا حجاج عن هارون قالَ: أخبرني عمرو بن مالك عن أَبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قرأ ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) مشددة، وقال: ظن ظنًّا فصدَّق ظنه.

حدثنا ابن بشار قال: ثنا يحيى عن سفيان عن منصور عن مجاهد ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) قال: ظن ظنًّا فاتبعوا ظنه.

قال: ثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) قال الله: ما كان إلا ظنًّا ظنه، والله لا يصدق كاذبًا ولا يكذب صادقًا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) قال: أرأيت هؤلاء الذين كَرَّمتهم عليَّ وفضلتهم وشرفتهم لا تجد أكثرهم شاكرين، وكان ذلك ظنًّا منه بغير علم، فقال الله ( فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين .قوله تعالى : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فيه أربع قراءات : قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويروى عن مجاهد ، ( ولقد صدق عليهم ) بالتخفيف [ ص: 263 ] ( إبليس ) بالرفع ( ظنه ) بالنصب ; أي في ظنه .

قال الزجاج : وهو على المصدر أي ; صدق عليهم ظنا ظنه إذ صدق في ظنه ; فنصب على المصدر أو على الظرف .

وقال أبو علي : ظنه نصب لأنه مفعول به ; أي صدق الظن الذي ظنه إذ قال : لأقعدن لهم صراطك المستقيم وقال : لأغوينهم أجمعين ; ويجوز تعدية الصدق إلى المفعول به ، ويقال : صدق الحديث ، أي في الحديث .

وقرأ ابن عباس ويحيى بن وثاب والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي : صدق بالتشديد ظنه بالنصب بوقوع الفعل عليه .

قال مجاهد : ظن ظنا فكان كما ظن فصدق ظنه .

وقرأ جعفر بن محمد وأبو الهجاج ( صدق عليهم ) بالتخفيف ( إبليس ) بالنصب ( ظنه ) بالرفع .

قال أبو حاتم : لا وجه لهذه القراءة عندي ، والله تعالى أعلم .

وقد أجاز هذه القراءة الفراء وذكرها الزجاج وجعل الظن فاعل ( صدق ) ( إبليس ) مفعول به ; والمعنى : أن إبليس سول له ظنه فيهم شيئا فصدق ظنه ، فكأنه قال : ولقد صدق عليهم ظن إبليس .

و ( على ) متعلقة ب ( صدق ) ، كما تقول : صدقت عليك فيما ظننته بك ، ولا تتعلق بالظن لاستحالة تقدم شيء من الصلة على الموصول .

والقراءة الرابعة : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ) برفع إبليس والظن ، مع التخفيف في ( صدق ) على أن يكون ( ظنه ) بدلا من ( إبليس ) وهو بدل الاشتمال .ثم قيل : هذا في أهل سبأ ، أي كفروا وغيروا وبدلوا بعد أن كانوا مسلمين إلا قوما منهم آمنوا برسلهم .

وقيل : هذا عام ، أي صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله تعالى ; قاله مجاهد .

وقال الحسن : لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة ومعه حواء وهبط إبليس قال إبليس : أما إذ أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف !

فكان ذلك ظنا من إبليس ، فأنزل الله تعالى : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه .

وقال ابن عباس : إن إبليس قال : خلقت من نار وخلق آدم من طين والنار تحرق كل شيء لأحتنكن ذريته إلا قليلا فصدق ظنه عليهم .

وقال زيد بن أسلم : إن إبليس قال يا رب أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم وشرفتهم وفضلتهم علي لا تجد أكثرهم شاكرين ، ظنا منه فصدق عليهم إبليس ظنه .

وقال الكلبي : إنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه وإن أضلهم أطاعوه ، فصدق ظنه .

فاتبعوه قال الحسن : ما ضربهم بسوء ولا بعصا وإنما ظن ظنا فكان كما ظن بوسوسته .

إلا فريقا من المؤمنين نصب على الاستثناء ، وفيه قولان : أحدهما أنه يراد به بعض المؤمنين ؛ لأن كثيرا من المؤمنين من يذنب وينقاد لإبليس في بعض المعاصي ، أي ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق وهو المعني بقوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان .

[ ص: 264 ] فأما ابن عباس فعنه أنه قال : هم المؤمنون كلهم ، ف ( من ) على هذا للتبيين لا للتبعيض ، فإن قيل : كيف علم إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب ؟

قيل له : لما نفذ له في آدم ما نفذ غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ذريته ، وقد وقع له تحقيق ما ظن .

وجواب آخر وهو ما أجيب من قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك فأعطي القوة والاستطاعة ، فظن أنه يملكهم كلهم بذلك ، فلما رأى أنه تاب على آدم وأنه سيكون له نسل .

يتبعونه إلى الجنة وقال : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين علم أن له تبعا ولآدم تبعا ; فظن أن تبعه أكثر من تبع آدم ، لما وضع في يديه من سلطان الشهوات ، ووضعت الشهوات في أجواف الآدميين ، فخرج على ما ظن حيث نفخ فيهم وزين في أعينهم تلك الشهوات ، ومدهم إليها بالأماني والخدائع ، فصدق عليهم الذي ظنه ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

آمنين أي: مطمئنين في السير في تلك الليالي والأيام غير خائفين، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، أن أمنهم من الخوف.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ) قرأ أهل الكوفة : " صدق " بالتشديد أي : ظن فيهم ظنا حيث قال : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " ( ص 82 ) ، " ولا تجد أكثرهم شاكرين " ( الأعراف 17 ) فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، أي : صدق عليهم في ظنه بهم ، أي : على أهل سبأ .

وقال مجاهد : على الناس كلهم إلا من أطاع الله ( فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) قال السدي عن ابن عباس : يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين ، وقد قال الله تعالى : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " ( الحجر - 42 ) ، يعني : المؤمنين .

وقيل : هو خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه .

قال ابن قتيبة : إن إبليس لما سأل النظرة فأنظره الله ، قال لأغوينهم ولأضلنهم ، لم يكن مستيقنا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قاله ظنا ، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم .

قال الحسن : إنه لم يسل عليهم سيفا ولا ضربهم بسوط وإنما وعدهم ومناهم فاغتروا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد صدق» بالتخفيف والتشديد «عليهم» أي الكفار منهم سبأ «إبليس ظنه» أنهم بإغوائه يتبعونه «فاتبعوه» فصدق بالتخفيف في ظنه أو صدق بالشديد ظنه أي وجده صادقا «إلا» بمعنى لكن «فريقا من المؤمنين» لبيان أي هم المؤمنون لم يتبعوه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد ظن إبليس ظنًا غير يقين أنه سيضل بني آدم، وأنهم سيطيعونه في معصية الله، فصدَّق ظنه عليهم، فأطاعوه وعصوا ربهم إلا فريقًا من المؤمنين بالله، فإنهم ثبتوا على طاعة الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - عز وجل - الأسباب التى أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال : ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين ) .ولقظ ( صَدَّقَ ) قرأه بعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة ، وقرأه البعض الآخر بفتح الدال بدون تشديد .

وقوله : ( عَلَيْهِمْ ) متعلق بصدق .وقوله ( ظَنَّهُ ) مفعول به على قراءة التشديد ، ومنصوب بنزع الخافض على القراءة التخفيف ، وضمير الجمع فى ( عَلَيْهِمْ ) وفى ( فاتبعوه ) يعود إلى قوم سبأ .والمعنى على القراءة بالتشديد : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فى قدرته على إغوائهم ، وحقق ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة الله - وشكره ، فاتبعوا خطوات الشيطان ، بسبب انغماسهم فى الفسوق والعصيان ، إلا فريقا من المؤمنين ، لم يستطع إبليس إغواءهم لأنهم أخلصوا عبادتهم لخالقهم - عز وجل - ، واستمسكوا بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها .والمعنى على القراءة بالتخفيف : ولقد صدق إبليس فى ظنها ، ه إذا أغواهم اتبعوه ، لأنه بمجرد أن زين لهم المعاصى أطاعوه ، إلا فريقا من المؤمنين لم يطيعوه .قال القرطبى ما ملخصه : وقوله : ( إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين ) نصب على الاستثناء وفيه قولان : أحدهما : أن يراد به بعض المؤمنين - فتكون من للتبعيض - ، لأنه كثيرا من المؤمنون يذنبون وينقادون لإِبليس فى بعض المعاصى .أى : ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق ، وهو المقصود بقوله - تعالى - : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ .

.

.

) والثانى : أن المراد بهم جميع المؤمنين ، فعن ابن عباس أنه قال : هم المؤمنون كلهم .وعلى هذا تكون ( مِّنَ ) للبيان لا للتبعيض .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي ظنه أنه يغويهم كما قال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ بيان لذلك أي أغواهم، فاتبعوه ﴿ إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين ﴾ قال تعالى في حقهم: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان  ﴾ ويمكن أن يقال: صدق عليهم ظنه في أنه خير منه كما قال تعالى عنه: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ  ﴾ ويتحقق ذلك في قوله فاتبعوه، لأن المتبوع خير من التابع وإلا لا يتبعه العاقل والذي يدل على أن إبليس خير من الكافر، هو إن إبليس امتنع من عبادة غير الله لكن لما كان في امتناعه ترك عبادة الله عناداً كفر، والمشرك يعبد غير الله فهو كفر بأمر أقرب إلى التوحيد، وهم كفروا بأمر هو الإشراك، ويؤيد هذا الذي اخترناه الاستثناء، وبيانه هو أنه وإن لم يظن أنه يغوي الكل، بدليل أنه تعالى قال عنه: ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين  ﴾ فما ظن أنه يغوي المؤمنين فما ظنه صدقه ولا حاجة إلى الاستثناء، وأما في قوله: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ ﴾ اعتقد الخيرية بالنسبة إلى جميع الناس بدليل تعليله بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ وقد كذب في ظنه في حق المؤمنين، ويمكن الجواب عن هذا في الوجه الأول، وهو أنه وإن لم يظن إغواء الكل وعلم أن البعض ناج، لكن ظن في كل واحد أنه ليس هو ذلك الناجي، إلى أن تبين له فظن أنه يغويه فكذب في ظنه في حق البعض وصدق في البعض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قُرًى ظاهرة ﴾ متواصلة؛ يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين.

أو راكبة متن الطريق: ظاهرة للسابلة؛ لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير ﴾ قيل: كان الغادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام لا يخاف جوعاً ولا عطشاً ولا عدواً، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء ﴿ سِيرُواْ فِيهَا ﴾ وقلنا لهم: سيروا؛ ولا قول ثم، ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه؛ كأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه.

فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ لَيَالِىَ وَأَيَّاماً ﴾ قلت: معناه سيروا فيها، إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات.

أو سيروا فيها آمنين لا تخافون.

وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياماً وليالي.

أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم مدة أعماركم، فإنكم في كل حين وزمان، لا تلقون فيها إلا الأمن.

وقرئ: ﴿ ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ وبعد.

ويا ربنا، على الدعاء، بطروا النعمة، وبشموا من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا الكد والتعب كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المنّ والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناننا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشأم مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة.

وقرئ: ﴿ ربنا بعِّد بين أسفارنا ﴾ وبعد بين أسفارنا على النداء، وإسناد الفعل إلى بين ورفعه به، كما تقول: سير فرسخان، وبوعد بين أسفارنا.

وقرئ: ﴿ ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ و ﴿ بين سفرنا ﴾ وبعد، برفع ربنا على الابتداء، والمعنى خلاف الأوّل، وهو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم، كأنهم كانوا يتشاجون على ربهم ويتحازنون عليه ﴿ أَحَادِيثَ ﴾ يتحدّث الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقاً اتخذه الناس مثلاً مضروباً، يقولون: ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ.

قال كثير: أَيَادِي سَبَا يَا عَزَّ مَا كُنْتُ بَعْدَكُمْ ** فَلَمْ يَحْلُ بَالْعَيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنْظَرُ لحق غسان بالشأم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان، ﴿ صَبَّارٍ ﴾ عن المعاصي ﴿ شَكُورٍ ﴾ للنعم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ بِالتَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِها وهي قُرى الشَّأْمِ.

﴿ قُرًى ظاهِرَةً ﴾ مُتَواصِلَةً يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، أوْ راكِبَةً مَتْنَ الطَّرِيقِ ظاهِرَةً لِأبْناءِ السَّبِيلِ.

﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ بِحَيْثُ يُقِيلُ الغادِي في قَرْيَةٍ ويَبِيتُ الرّائِحُ في قَرْيَةٍ إلى أنْ يَبْلُغَ الشّامَ.

﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.

﴿ لَيالِيَ وأيّامًا ﴾ مَتّى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ.

﴿ آمِنِينَ ﴾ لا يَخْتَلِفُ الأمْنُ فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، أوْ سِيرُوا آمِنِينَ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم فِيها، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ أعْمارِكم وأيّامَها لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ.

﴿ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا ﴾ أشِرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوا العافِيَةَ كَبَنِي إسْرائِيلَ فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَفاوِزَ لِيَتَطاوَلُوا فِيها عَلى الفُقَراءِ بِرُكُوبِ الرَّواحِلِ وتَزَوُّدِ الأزْوادِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ بِتَخْرِيبِ القُرى المُتَوَسِّطَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ «بَعِّدْ»، ويَعْقُوبُ ﴿ رَبَّنا باعِدْ ﴾ بِلَفْظِ الخَبَرِ عَلى أنَّهُ شَكْوى مِنهم لِبُعْدِ سَفَرِهِمْ إفْراطًا في التَّرَفُّهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ومِثْلُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ «رَبَّنا بَعِّدْ» أوْ «بَعُدَ» عَلى النِّداءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى بَيْنَ.

﴿ وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ حَيْثُ بَطَرُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها.

﴿ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِهِمْ تَعَجُبًّا وضُرِبَ مَثَلٌ فَيَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ.

﴿ وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ فَفَرَّقْناهم غايَةَ التَّفْرِيقِ حَتّى لَحِقَ غَسّانُ مِنهم بِالشَّأْمِ، وأنْمارٌ بِيَثْرِبَ، وجُذامُ بِتِهامَةَ، والأزْدُ بِعُمانَ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ فِيما ذُكِرَ.

﴿ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ عَنِ المَعاصِي.

﴿ شَكُورٍ ﴾ عَلى النِّعَمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} بالتشديد كوفي أي حقق عليهم ظنه أو وجده صادقاً وبالتخفيف غيرهم أي صدق في ظنه {فاتبعوه}

الضمير فى عليهم واتبعوه لأهل سبإ أو لبني آدم وقلل المؤمنين بقوله {إلا فريقا من المؤمنين} لفلتهم بالاضافة إلى الكفار ولا نجد أكثرهم شاكرين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ أيْ حَقَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ أوْ وجَدَ ظَنَّهُ صادِقًا، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ ( عَلَيْهِمْ ) عائِدٌ عَلى سَبَأٍ، ومَنشَأُ ظَنِّهِ رُؤْيَةُ اِنْهِماكِهِمْ في الشَّهَواتِ، وقِيلَ: هو لِبَنِي آدَمَ ومَنشَأُ ظَنِّهِ أنَّهُ شاهَدَ أباهم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو هو قَدْ أصْغى إلى وسْوَسَتِهِ فَقاسَ الفَرْعَ عَلى الأصْلِ والوَلَدَ عَلى الوالِدِ، وقِيلَ: إنَّهُ أدْرَكَ ما رَكِبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ وهُما مَنشَآنِ لِلشُّرُورِ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ كانَ ناشِئًا مِن سَماعِ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ  ﴾ يَوْمَ قالَ سُبْحانَهُ لَهُمْ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَنشَأُ ذَلِكَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ السُّوءِ كَما قِيلَ: إذا ساءَ فِعْلُ المَرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ وصَدَقَ ما يَعْتادُهُ مِن تَوَهُّمِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما ذَكَرَ مَنشَأً لِظَنِّهِ في سَبَأٍ، والكَلامُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الضَّمِيرِ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ تَتِمَّةٌ لِسابِقِهِ إمّا حَلالًا أوْ عَطْفًا، وعَلى الثّانِي هو كالتَّذْيِيلِ تَأْكِيدًا لَهُ.

وقَرَأ البَصْرِيُّونَ «صَدَقَ» بِالتَّخْفِيفِ فَنَصَبَ «ظَنَّهُ» عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، والأصْلُ صَدَقَ في ظَنِّهِ أيْ وجَدَ ظَنَّهُ مُصِيبًا في الواقِعِ فَصَدَقَ حِينَئِذٍ بِمَعْنى أصابَ مَجازًا، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يَظُنُّ ظَنَّهُ كَفَعَلْتَهُ جُهْدَكَ أيْ تَجْهَدَ جُهْدَكَ، والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ و«صَدَقَ» مُفَسَّرٌ بِما مَرَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ والفِعْلُ مُتَعَدٍّ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ لِأنَّ الصِّدْقَ أصْلُهُ في الأقْوالِ، والقَوْلُ مِمّا يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِهِ بِنَفْسِهِ، والمَعْنى حَقَّقَ ظَنَّهُ كَما في الحَدِيثِ: ««صَدَقَ وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ»» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ  ﴾ .

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والزُّهْرِيُّ وأبُو الجَهْجاهِ الأعْرابِيُّ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ وبِلالُ بْنُ أبِي بَرْزَةَ بِنَصْبِ «إبْلِيسَ» ورَفْعِ «ظَنُّهُ» كَذا في البَحْرِ والظّانُّ ذَلِكَ مَعَ قِراءَةِ «صَدَّقَ» بِالتَّشْدِيدِ أيْ وجَدَهُ ظَنَّهُ صادِقًا لَكِنْ ذَكَرَ اِبْنُ جِنِّيٍّ أنَّ الزُّهْرِيَّ كانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ مَعَ تَخْفِيفِ «صَدَقَ» أيْ قالَ لَهُ الصِّدْقَ حِينَ خُيِّلَ لَهُ إغْواؤُهم.

وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «إبْلِيسُ»، «ظَنُّهُ» بِرَفْعِهِما بِجَعْلِ الثّانِي بَدَلَ اِشْتِمالٍ، وأبْهَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ القارِئَ بِذَلِكَ فَقالَ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِهِما عَلى مَعْنى صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّ إبْلِيسَ ولَوْ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مَعَ رَفْعِهِما لَكانَ عَلى المُبالَغَةِ في «صَدَّقَ» كَقَوْلِهِ: فَدَتْ نَفْسِي وما مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ فَوارِسَ صَدَقَتْ فِيهِمْ ظُنُونِي وهُوَ ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وعَلى جَمِيعِ القِراءاتِ ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ السّابِقِ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالظَّنِّ عَلى شَيْءٍ مِنها.

﴿ فاتَّبَعُوهُ ﴾ أيْ سَبَأٌ وقِيلَ بَنُو آدَمَ ﴿ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ إلّا فَرِيقًا هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ عَلى أنَّ مِن بَيانِيَّةٌ، وتَقْلِيلُهم إمّا لِقِلَّتِهِمْ في حَدِّ ذاتِهِمْ أوْ لِقِلَّتِهِمْ بِالإضافَةِ إلى الكُفّارِ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ عَلى القَوْلِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى بَنِي آدَمَ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ كَوْنَ القِلَّةِ في حَدِّ ذاتِهِمْ عَلى القَوْلِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى سَبَأٍ لِعَدَمِ شُيُوعِ كَثْرَةِ المُؤْمِنِينَ في حَدِّ ذاتِهِمْ مِنهم أوْ إلّا فَرِيقًا مِن فِرَقِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ وهُمُ المُخْلِصُونَ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ مُطْلَقُ الِاتِّباعِ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ قرئ بالنصب والكسر.

وقد ذكرناه من قبل.

فمن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم أب القبيلة ومن قرأ بالنصب جعله أرضاً والأول أشبه.

لأنه روي عن النبيّ  أنه سئل عن سبأ.

فقال: «هُوَ اسمُ رَجُلٍ» .

ويقال: هو سبأ بن يشخب بن يغرب بن قحطان.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هي من قرى اليمن بعث عز وجل ثلاثة عشر نبياً- عليهم السلام- إلى ثلاث عشر قرية باليمن اتبع بعضهم بعضاً، حتى اجتمعت الرسل في آل سبأ.

وقرية أخرى، فأتوهم فذكروهم نعم الله عز وجل وخوفوهم عقابه.

وروى أسباط عن السدي قال: كانت أرضهم أرضاً خصيبة، وكانت المرأة تخرج على رأسها مكتلاً فلا ترجع حتى تملأ مكتلها من أنواع الفاكهة من غير أن تمد يدها، وكان الماء يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يحبس بين جبلين، وكانوا قد ردموا ردماً بين جبلين فحبسوا الماء، وكان يأتيهم من السيول فيسقون بساتينهم وأشجارهم.

ويقال: كان لهم وادي.

وكان للوادي ثلاث درفات.

فإذا كثر الماء فتحوا الدرفة العليا، وإذا انتقص فتحوا الدرفة الوسطى، وإذا قلّ الماء فتحوا الدرفة السفلى.

فأخصبوا، وكثرت أموالهم، واتخذوا من الجنان ما شاؤوا.

فلما أحبوا ذلك وكذبوا رسلهم، بعث الله عز وجل عليهم جرذاً، فنقب ذلك الردم بجنب بستان رجل منهم يقال له عمران بن عامر وهو أب الأنصار والأزد وغسان وخزاعة ويسمون المنسأة العرم، فدخل البستان فإذا هو ينقب العرم وقد سال فأمر به فسد ثم نظر إلى الجرزة تنقل أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه.

وكان كاهناً فقال: ما تنقل هذه الجرزة أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه إلا وقد حضر هلاك هذه البلدة.

فدعى ابن أخ له فقال: إذا رأيتني جلست في جماعة قومي فائتني.

فقل: أي عم أعطني ميراثي من أبي.

فإني سأقول: وهل ترك أبوك شيئاً؟

فأردد علي وكذبني.

فإذا كذبتني فإني سألطمك فالطمني.

فقال: أي عم ما كنت لأفعل هذا بك؟

قال: بلى.

فلما رأى لعمه في ذلك هوًى.

قال: أفعل ما تأمرني، ففعل.

فقال عمران بن عامر: لله علي كذا وكذا أن أسكن هذه البلاد من يشتري ما لي.

فلما عرفوا منه الجد قال هذا: أعطيك كذا.

فنظر إلى أجودهم صفقة.

فقال: عجل إليَّ مالي فقد حلفت أن لا أبيت بها، فعجل إليه ماله، وارتحل من يومه حتى شخص عنهم، فاتسع ذلك الخرق حتى انهدم وغرق بلادهم، وتفرقوا في البلدان.

فذلك قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ قرأ الكسائي: فِي مَسْكَنِهِمْ بكسر الكاف والنون.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: مَسْكَنِهِمْ بنصب الكاف وكسر النون.

وقرأ الباقون: مساكنهم بالألف.

والمسكن بنصب الكاف وكسره واحد وهما لغتان مثل مطلع ومطلع.

والمساكين جمع مسكين.

وقد قيل: المسكن جمع المساكين لقد كان في منازلهم وقرياتهم آيَةٌ أي: علامة ظاهرة لوحدانيتي جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ يعني: بستانان عن يمين الوادي، وعن شماله.

وإنما أراد بالبستان البساتين.

ويقال: بساتين عن يمين الطريق، وبساتين عن شماله.

فأرسل الله تعالى إليهم الرسل فذكروهم النعم فقيل لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ يعني: من فضل ربكم وَاشْكُرُوا لَهُ فيما رزقكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ يعني: هذه بلدة طيبة لينة بلا سبخة وَرَبٌّ غَفُورٌ لمن تاب من الشرك فَأَعْرَضُوا عن الإيمان.

وقالوا: من ذا الذي يأخذ منا النعم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ والعرم هو اسم لذلك الوادي.

ويقال: اسم للمنشأة.

ويقال: هو اسم للفأرة التي قرضت النهر حتى سال عليهم الماء.

وجرى في بساتينهم وفي بيوتهم فخربها، وندت أنعامهم، وأخذ كل واحد منهم بيد ولده وامرأته، فصعدوا بهم الجبل فذلك قوله تعالى وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ يعني: أبدلهم الله تعالى مكان الفاكهة ذواتي أكل خمط أي الأراك وَأَثْلٍ يعني: الطرفاء وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ والسدر كانوا يستظلون في ظله، ويأكلون من ثمره.

وقرأ أبو عمرو: أُكُلٍ بكسر اللام بغير تنوين.

وقرأ الباقون: بالتنوين فمن قرأ بالتنوين أراد ذَواتَيْ ثمر يؤكل ثم قال: خَمْطٍ بدلاً من أكل.

والمعنى: ذواتي خمط وأكله ثمرة.

ومن قرأ: بغير تنوين أضاف الأكل إلى الخمط.

والخمط هو الأراك في اللغة المعروفة.

وقال بعضهم: كل نبت أخذ طعماً من مرارة، حتى لا يمكن أكله فهو خمط.

ثم قال: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ يعني: ذلك الذي أصابهم عقوبة لهم عاقبناهم بِما كَفَرُوا أي: بكفرهم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ يعني: وهل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى.

ويقال: الْكَفُورَ الكافر.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: وَهَلْ نُجازِي بالنون وكسر الزاي إِلَّا الْكَفُورَ بالنصب.

وقرأ الباقون يجازي بالياء وفتح الزاي إِلَّا الْكَفُورَ بالضم.

فمن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.

والكفور ينصب لوقوع الفعل عليه.

ومن قرأ يجازى بالياء فهو على فعل ما لم يسم فاعله.

يعني: هل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى.

ويقال: هل يجازي الله.

ومعنى الآية: أن المؤمن من يكفر عنه السيئات بالحسنات، وأما الكافر فإنه يحبط عمله كله، فيجازى بكل سوء يعمله كما قال تعالى: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [محمد: 1] أي: أبطل أعمالهم وأحبطها، فلم ينفعهم منها شيء وهذا معنى قوله: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: تَغْدُو مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ، وتَرُوحُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى آخِرِ النَّهارِ، فَهي تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.

قالَ الحَسَنُ: لَمّا شَغَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمانَ الخَيْلُ عَنِ الصَّلاةِ فَعَقَرَها، أبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها وأسْرَعَ وهي الرِّيحُ، فَكانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيَقِيلُ بِإصْطَخْرَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصَطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: القِطْرُ: النُّحاسُ، وهو الصُّفْرُ، أُذِيبَ مُذْ ذاكَ وكانَ قَبْلَ سُلَيْمانَ لا يَذُوبُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أجْرى اللَّهُ لِسُلَيْمانَ عَيْنَ الصُّفْرِ حَتّى صَنَعَ مِنها ما أرادَ مِن غَيْرِ نارٍ، كَما أُلِينَ لِداوُدَ الحَدِيدُ بِغَيْرِ نارٍ، فَبَقِيَتْ تَجْرِي ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ كَجَرْيِ الماءِ؛ وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ مِمّا أُعْطِي سُلَيْمانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الجِنِّ ﴾ المَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ مِنَ الجِنِّ ﴿ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ؛ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لَهُ، وأمَرَهم بِطاعَتِهِ؛ والكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهم مَن لَمْ يُسَخَّرْ لَهُ ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: يَعْدِلْ ﴿ عَنْ أمْرِنا ﴾ لَهُ بِطاعَةِ سُلَيْمانَ ﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ ؛ وهَلْ هَذا في الدُّنْيا، أمْ في الآخِرَةِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الآخِرَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مَعَ سُلَيْمانَ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ، فَمَن زاغَ مِنَ الجِنِّ ضَرَبَهُ المَلَكُ بِذَلِكَ السَّوْطِ.

﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: القُصُورُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والثّالِثُ: المَساجِدُ والقُصُورُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وأمّا التَّماثِيلُ، فَهي الصُّوَرُ؛ قالَ الحَسَنُ: ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحَرَّمَةً؛ ثُمَّ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ كالطَّواوِيسِ والعُقْبانِ والنُّسُورِ عَلى كُرْسِيِّهِ ودَرَجاتِ سَرِيرِهِ لِكَيْ يَهابَها مَن أرادَ الدُّنُوَّ مِنهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ صُوَرُ النَّبِيِّينَ والمَلائِكَةِ لِكَيْ يَراهُمُ النّاسُ مُصَوَّرِينَ، فَيَعْبُدُوا مِثْلَ عِبادَتِهِمْ ويَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي ما كانُوا يَعْمَلُونَها مِنهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِنَ النُّحاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِنَ الرُّخامِ والشَّبَهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِفانٍ كالجَوابِ ﴾ الجِفانُ: جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ؛ والجَوابِي؛ جَمْعُ جابِيَةٍ، وهي الحَوْضُ الكَبِيرُ يُجْبى فِيهِ الماءُ، أيْ: يُجْمَعُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " كالجَوابِي " بِياءٍ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُثْبِتُ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وأبُو عَمْرٍو يُثْبِتُها في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ بِغَيْرِ ياءٍ، وكانَ الأصْلُ الوَقْفَ بِالياءِ، إلّا أنَّ الكَسْرَةَ تَنُوبُ عَنْها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا يَصْنَعُونَ [لَهُ] القِصاعَ كَحِياضِ الإبِلِ، يَجْتَمِعُ عَلى القَصْعَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُدُورٍ راسِياتٍ ﴾ أيْ: ثَوابِتُ؛ يُقالُ: رَسا يَرْسُو: إذا ثَبَتَ.

وَفِي عِلَّةِ ثُبُوتِها في مَكانِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ أثافِيَّها مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها لا تُنْزَلُ لِعِظَمِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتِ القُدُورُ كالجِبالِ لا تُحَرَّكُ مِن أماكِنِها، يَأْكُلُ مِنَ القِدْرِ ألْفُ رَجُلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ المَعْنى: وقُلْنا: اعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما آتاكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ﴾ يَعْنِي عَلى سُلَيْمانَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الإنْسُ تَقُولُ: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ الَّذِي يَكُونُ في غَدٍ، فَوَقَفَ سُلَيْمانُ في مِحْرابِهِ يُصَلِّي مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ، فَماتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَوْلًا والجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ ولا تَعْلَمُ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضُ عَصا سُلَيْمانَ، فَخَرَّ فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ، وعَلِمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ.

وَقِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُعَمِّيَ عَلى الجِنِّ مَوْتَهُ، فَأخْفاهُ اللَّهُ عَنْهم حَوْلًا.

وَفِي سَبَبِ سُؤالِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِأنَّ الجِنَّ كانُوا يَقُولُونَ لِلْإنْسِ: إنَّنا نَعْلَمُ الغَيْبَ، فَأرادَ تَكْذِيبَهم.

والثّانِي: لِأنَّهُ كانَ قَدْ بَقِيَ مِن عِمارَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَقِيَّةٌ.

فَأمّا ﴿ دابَّةُ الأرْضِ ﴾ فَهِيَ: الأرَضَةُ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " دابَّةُ الأرَضِ " بِفَتْحِ الرّاءِ.

والمِنسَأةُ: العَصا.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سُمِّيَتْ مِنسَأةً، لِأنَّهُ يُنْسَأُ بِها، أيْ: يُطْرَدُ ويُزْجَرُ.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ لا يَهْمِزُونَ المِنسَأةَ، وتَمِيمٌ وفُصَحاءُ قَيْسٍ يَهْمِزُونَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا خَرَّ ﴾ أيْ: سَقَطَ ﴿ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ ﴾ أيْ: ظَهَرَتْ، وانْكَشَفَ لِلنّاسِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، ولَوْ عَلِمُوا ﴿ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ ﴾ أيْ: ما عَمِلُوا مُسَخَّرِينَ وهو مَيِّتٌ وهم يَظُنُّونَهُ حَيًّا.

وقِيلَ: تَبَيَّنَتِ الجِنُّ، أيْ: عَلِمَتْ، لِأنَّها كانَتْ تَتَوَهَّمُ بِاسْتِراقِها السَّمْعَ أنَّها تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَعَلِمَتْ حِينَئِذٍ خَطَأها في ظَنِّها.

ورَوى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " تُبُيِّنَتْ " بِرَفْعِ التّاءِ والباءِ وكَسْرِ الياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ ﴾ ﴿ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وصْفٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ السَيْلِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى - مَعَ ما كانَ مِنهم - مَنَحَهم مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِعْمَةِ الخاصَّةِ بِهِمْ، كانَ قَدْ أصْلَحَ لَهُمُ البِلادَ المُتَّصِلَةَ بِهِمْ وعَمَّرَها، وجَعَلَهم أرْبابَها، وقَدَّرَ فِيها السَيْرَ بِأنْ قَرَّبَ القُرى بَعْضَها مِن بَعْضٍ، حَتّى كانَ المُسافِرُ مِن مَأْرَبَ إلى الشامِ لَيَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في قَرْيَةٍ، أُخْرى، فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلِ زادٍ، و"القُرى": المُدُنُ، ويُقالُ لِلْجَمْعِ الصَغِيرِ قَرْيَةٌ أيْضًا، وكُلُّها مِن: قَرَيْتُ، أيْ جَمَعْتُ، والقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها هي قُرى الشامِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والقُرى الظاهِرَةُ هي الَّتِي بَيْنَ الشامِ ومَأْرَبَ، وهي الصِغارُ الَّتِي هي البَوادِي.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي قُرًى عَرَبِيَّةٌ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وقالَهُ الضَحّاكُ، واخْتُلِفَ في مَعْنى "ظاهِرَةً"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَعْلِيَةً مُرْتَفِعَةً في الإكامِ والظِرابِ، وهي أشْرَفُ القُرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَظْهَرُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَهي أبَدًا في قَبْضَةِ عَيْنِ المُسافِرِ، لا يَخْلُو مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنها بِهَذا الوَجْهِ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى "ظاهِرَةً": خارِجَةً عَنِ المُدُنِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِغارِ الَّتِي هي في ظَواهِرِ المُدُنِ، فَإنَّما فَصَلَ بِهَذِهِ الصِفَةِ بَيْنَ القُرى الصِغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ؛ لِأنَّ ظَواهِرَ المُدُنِ ما خَرَجَ عنها في الفَيافِي والفُحُوصِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: نَزَلْنا بِظاهِرِ فُلانَةٍ، أيْ: خارِجًا عنها.

وقَوْلُهُ: "ظاهِرَةً" نَظِيرُ تَسْمِيَةِ الناسِ إيّاها البادِيَةَ والضاحِيَةَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةٌ ∗∗∗ قُرَيْشُ البِطاحِ لا قُرَيْشُ الظَواهِرِ يَعْنِي الخارِجِينَ عن بَطْحاءِ مَكَّةَ، وفي حَدِيثِ الِاسْتِسْقاءِ: « "وَجاءَ أهْلُ الضَواحِي يَشْتَكُونَ: الغَرَقُ الغَرَقُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ ﴾ ، هو ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُسافِرَ فِيها كانَ يَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في أُخْرى عَلى أيِّ طَرِيقٍ سَلَكَ، لا يُعْوِزُهُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ مَعْناهُ: قُلْنا لَهم.

و[آمِنِينَ] مَعْناهُ: مِنَ الخَوْفِ مِنَ الناسِ المُفْسِدِينَ، وآمِنِينَ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ المُسافِرِ.

ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَةً قالُوها عَلى جِهَةِ البَطَرِ والأشَرِ، وهي طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأسْفارِ، والإخْبارُ بِأنَّها بَعِيدَةٌ عَلى القِراءاتِ الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ نافِعًا، وعاصِمًا، وحَمْزَةَ، والكِسائِيَّ قَرَؤُوا: "باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى مَعْنى الطَلَبِ أيْضًا، فَهاتانِ مَعْناهُما الأشَرُ بِأنَّهم مَلُّوا النِعْمَةَ بِالقُرْبِ، وطَلَبُوا اسْتِبْدالَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ.

وفي كِتابِ الرُمّانِيِّ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ جَنْيُ ثِمارِنا أبْعَدَ لَكانَ أشْهَرَ وأكْثَرَ قِيمَةً، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - أخُو الحَسَنِ - وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: "رَبَّنا" بِالنَصْبِ "بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا" بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ العَيْنِ، ونَصْبِ "بَيْنَ" أيْضًا.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ -: "بَيْنُ" بِالرَفْعِ وإضافَتِهِ إلى الأسْفارِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أيْضًا "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "باعَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "بَعَّدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّها وفَتْحِ الدالِ.

فَهَذِهِ القِراءَةُ مَعْناها الإخْبارُ بِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا القَرِيبَ، ورَأوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْنِعٍ لَهُمْ، حَتّى كَأنَّهم أرادُوها مُتَّصِلَةً بِالدُورِ، وفي هَذا تَعَسُّفٌ وتَسَخُّطٌ عَلى أقْدارِ اللهِ تَعالى وإرادَتِهِ، وقِلَّةُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَتِهِ، بَلْ هي مُقابَلَةُ النِعْمَةِ بِالتَشَكِّي.

وفي هَذا المَعْنى ونَحْوِهِ مِمّا اقْتَرَنَ بِكُفْرِهِمْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَفَرَّقَهُمُ اللهُ تَعالى، وخَرَّبَ بِلادَهُمْ، وجَعَلَهم أحادِيثَ، ومِنهُ المَثَلُ السائِرُ: "تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَأٍ"، و"أيْدِي سَبَأٍ" ويُقالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ، وهَذا هو تَمَزُّقُهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "إنَّ سَبَأً أبُو عَشْرِ قَبائِلَ"،» فَلَمّا جاءَ السَيْلُ عَلى مَأْرَبَ وهو اسْمُ بَلَدِهِمْ تَيامَنَ مِنهم سِتَّةُ قَبائِلَ، أيْ: إذْ تَبَدَّدَتْ في بِلادِ اليَمَنِ، وتَشاءَمَتْ مِنها أرْبَعَةٌ، فالمُتَيامِنَةُ كِنْدَةُ والأزْدُ وأشْعَرُ ومَذْحِجٌ وأنْمارٌ الَّتِي مِنها بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ، وطائِفَةٌ قِيلَ لَها: حِمْيَرٌ، بَقِيَ عَلَيْها اسْمُ الأبِ الأوَّلِ، والَّتِي تَشاءَمَتْ لَخْمٌ وجُذامٌ وغَسّانُ وخُزاعَةُ، نَزَلَتْ تِهامَةَ، ومِن هَذِهِ المُتَشائِمَةِ أولادُ قَيْلَةَ، وهُمُ الأوسُ والخَزْرَجُ، ومِنها عامِلَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتَهُ - عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ - أنَّ هَذِهِ القَصَصَ فِيها آياتٌ وعِبَرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلى الكَمالِ، ومَنِ اتَّصَفَ بِالصَبْرِ والشُكْرِ فَهو المُؤْمِنُ الَّذِي لا تَنْقُصُهُ خَلَّةٌ جَمِيلَةٌ بِوَجْهٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء من قوله: ﴿ فقالوا ربنا ﴾ لتعقيب قولهم هذا إثر إتمام النعمة عليهم باقتراب المدن وتيسير الأسفار، والتعقيبُ في كل شيء بحسبه، فلما تمت النعمة بَطروها فحَلت بهم أسباب سلبها عنهم.

ومن أكبر أسباب زوال النعمة كفرانها.

قال الشيخ ابن عطاء الله الإِسكندري «من لم يشكر النَعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالِها».

والأظهر عندي أن يكون هذا القول قالوه جواباً عن مواعظ أنبيائهم والصالحين منهم حين ينهونهم عن الشرك فهم يعظونهم بأن الله أنعم عليهم بتلك الرفاهية وهم يجيبون بهذا القول إفحاماً لدعاة الخير منهم على نحو قول كفار قريش: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32]، قبل هذا «فأعرضوا فإن الإِعراض يقتضي دعوة لشيء» ويفيدُ هذا المعنى قوة ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ عقب حكاية قولهم، فإنه إما معطوف على جملة ﴿ فقالوا ﴾ ، أي فأعقبوا ذلك بكفران النعمة وبالإشراك، فإن ظلم النفس أطلق كثيراً على الإشراك في القرآن وما الإشراك إلا أعظم كفران نعمة الخالق.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ في موضع الحال، والواو واو الحال، أي قالوا ذلك وقد ظلموا أنفسهم بالشرك فكان قولهم مقارناً للإِشراك.

وعلى الاعتبارين فإن العقاب إنما كان مسبباً بسببين كما هو صريح قوله: ﴿ فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا الكفور ﴾ [سبأ: 16، 17].

فالمُسَبَّب على الكفر هو استئصالهم وهو مدلول قوله: ﴿ فجعلناهم أحاديث ﴾ كما ستعرفه، والمسبب على كفران نعمةِ تقارب البلاد هو تمزيقهم كل ممزق، أي تفريقهم، فنظم الكلام جاء على طريقة اللف والنشر المشوَّش.

ودرج المفسرون على أنهم دَعوا الله بذلك، ويعكر عليه أنهم لم يكونوا مقرِّين بالله فيما يظهر فإن درجنا على أنهم عرفوا الله ودعوه بهذا الدعاء لأنهم لم يقدُروا نعمته العظيمة قَدرها فسألوا الله أن تزول تلك القرى العامرة ليسيروا في الفيافي ويحملوا الأزواد من الميرة والشراب.

ثم يحتمل أن يكون أصحاب هذه المقالة ممن كانوا أدركوا حالة تباعد الأسفار في بلادهم قبل أن تؤول إلى تلك الحضارة، أو ممن كانوا يسمعون أحوال الأسفار الماضية في بلادهم أو أسفار الأمم البادية فتروق لهم تلك الأحوال، وهذا من كفر النعمة الناشئ عن فساد الذوق في إدراك المنافع وأضدادها.

والمباعدة بصيغة المفاعلة القائمة مقام همزة التعدية والتضعيف.

فالمعنى: ربنا أبعد بين أسفارنا.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب ".

وقرأه الجمهور ﴿ باعِد ﴾ .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ بَعِّد ﴾ بفتح الباء وتشديد العين.

وقرأه يعقوب وحده ﴿ ربُّنا ﴾ بالرفع و ﴿ باعَدَ ﴾ بفتح العين وفتح الدال بصيغة الماضي على أن الجملة خبر المبتدأ.

والمعنى: أنهم تذمروا من ذلك العمران واستقلّوه وطلبوا أن تزداد البلاد قرباً وذلك من بطر النعمة وطلب ما يتعذر حينئذٍ.

والتركيب يعطي معنى «اجعل البعد بين أسفارنا».

ولما كانت ﴿ بين ﴾ تقتضي أشياء تعين أن المعنى: باعد بين السفَر والسفر من أسفارنا.

ومعنى ذلك إبعاد المراحل لأن كل مرحلة تعتبر سفراً، أي باعد بين مراحل أسفارنا.

ومعنى ﴿ فجعلناهم أحاديث ﴾ جعلنا أولئك الذين كانوا في الجنات وفي بحبوحة العيش أحاديث، أي لم يبق منهم أحد فصار وجودهم في الأخبار والقصص وأبادهم الله حين تفرقوا بعد سيل العرم فكان ذلك مسرعاً فيهم بالفناء بالتغرب في الأرض والفاقة وتسلط العوادي عليهم في الطرقات كما ستعلمه.

وفعل الجعل يقتضي تغييراً ولما علق بذواتهم انقلبت من ذوات مشاهدة إلى كونها أخباراً مسموعة.

والمعنى: أنهم هلكوا وتحدث الناس بهم.

وهذا نظير قولهم: دخلوا في خبر كان، وإلاّ فإن الأحاديث لا يخلو منها أحد ولا جماعة.

وقد يكون في المدح كقوله: هاذي قبورهُم وتلكَ قصورهم *** وحديثُهم مستودَع الأوْراق أو أريد: فجعلناهم أحاديث اعتبار وموعظة، أي فأصبناهم بأمر غريب من شأنه أن يتحدث به الناس فيكون ﴿ أحاديث ﴾ موصوفاً بصفة مقدرة دل عليها السياق مثل قوله تعالى: ﴿ يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ [الكهف: 79]، أي كل سفينة صالحة بقرينة قوله: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ [الكهف: 79].

والتمزيق: تقطيع الثوب قِطَعاً، استعير هنا للتفريق تشبيهاً لتفريق جامعة القوم شذر مذر بتمزيق الثوب قطعاً.

و ﴿ كل ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة لأنه بمعنى الممزق كله، فاكتسب معنى المفعولية المطلقة من إضافته إلى المصدر.

ومعنى ﴿ كل ﴾ كثيرة التمزيق لأن (كلاً) ترد كثيراً بمعنى الكثير لا بمعنى الجميع، قال تعالى: ﴿ ولو جاءتهم كل آية ﴾ [يونس: 97] وقال النابغة: بها كل ذيال *** وأشارت الآية إلى التفرق الشهير الذي أُصيبت به قبيلة سبأ إذ حملهم خراب السد وقحولة الأرض إلى مفارقة تلك الأوطان مفارقة وتفريقاً ضربَت به العرب المثل في قولهم: ذهبوا، أو تفرقوا أيدي سبا، أو أياديَ سبا، بتخفيف همزة سبا لتخفيف المَثل.

وفي «لسان العرب» في مادة (يدي) قال المعري: لم يهمزوا سبا لأنهم جعلوه مع ما قبله بمنزلة الشيء الواحد.

هكذا ولعله التباس أو تحريف، وإنما ذكر المعري عدم إظهار الفتحة على ياء «أيادي» أو «أيدي» كما هو مقتضى التعليل لأن التعليل يقتضي التزام فتح همزة سبا كشأن المركب المزجي.

قال في «لسان العرب»: وبعضهم ينوِّنه إذا خففه، قال ذو الرمة: فيا لك من دار تفرق أهلها *** أيادي سباً عنها وطال انتقالها والأكثر عدم تنوينه قال كثير: أيادي سَبا يا عز ما كنتُ بعدكم *** فلم يحلُ بالعينين بعدككِ منظر والأيادي والأيدي فيه جمع يد.

واليد بمعنى الطريق.

والمعنى: أنهم ذهبوا في مذاهب شتّى يسلكون منها إلى أقطار عدة كقوله تعالى: ﴿ كنا طرائق قِدداً ﴾ [الجن: 11].

وقيل: الأيادي جمع يد بمعنى النعمة لأن سبا تلِفت أموالهم.

وكانت سبأ قبيلة عظيمة تنقسم إلى عشر أفخاذ وهم: الأزد، وكندة، ومَذحج، والأشعريون، وأنمار، وبَجيلة، وعاملة، وهم خُزاعة، وغسان، ولخم، وجُذام.

فلما فارقوا مواطنهم فالستة الأولون تفرقوا في اليمن والأربعة الأخيرون خرجوا إلى جهات قاصية فلحقت الأزد بعمان، ولحقت خزاعة بتهامة في مكة، ولحقت الأوس والخزرج بيثرب، ولعلهم معدودون في لخم، ولحقت غسان ببُصرَى والغُوير من بلاد الشام، ولحقت لخم بالعراق.

وقد ذكر أهل القصص لهذا التفرق سبباً هو أشبه بالخرافات فأعرضتُ عن ذكره، وهو موجود في كتب السير والتواريخ.

وعندي أن ذلك لا يخلو من خذلان من الله تعالى سلبهم التفكر في العواقب فاستخفّ الشيطان أحلامهم فجزعوا من انقلاب حالهم ولم يتدرّعوا بالصبر حين سلبت عنهم النعمة ولم يجأروا إلى الله بالتوبة فبعثهم الجزع والطغيان والعناد وسوء التدبير من رؤسائهم على أن فارقوا أوطانهم عوضاً من أن يلموا شعثهم ويرقعوا خرقهم فتشتتوا في الأرض، ولا يخفى ما يلاقون في ذلك من نصب وجوع ونقص من الأنفس والحمولة والأزواد والحلول في ديار أقوام لا يرْثُون لحالهم ولا يسمحون لهم بمقاسمة أموالهم فيكونون بينهم عافين.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ تذييل فلذلك قطعت، وافتتاحها بأداة التوكيد للاهتمام بالخبر.

والمشار إليه بذلك هو ما تقدم من قوله: ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم آية ﴾ [سبأ: 15].

ويظهر أن هذا التذييل تنهية للقصة وأن ما بعد هذه الجملة متعلق بالغرض الأول المتعلق بأقوال المشركين والمنتقل منه إلى العبرة بداود وسليمان والممثَّل لحال المشركين فيه بحال أهل سبا.

وجُمع «الآيات» لأن في تلك القصة عدة آيات وعِبَر فحالةُ مساكنهم آية على قدرة الله ورحمته وإنعامه، وفيه آية على أنه الواحد بالتصرف، وفي إرسال سير العرم عَليهم آية على انفراده تعالى بالتصرف، وعلى أنه المنتقم وعلى أنه واحد، فلذلك عاقبهم على الشرك، وفي انعكاس حالهم من الرفاهة إلى الشظف آية على تقلب الأحوال وتغير العالم وآية على صفات الأفعال لله تعالى من خَلْق ورَزق وإحياء وإماتة، وفي ذلك آية مِن عدم الاطمئنان لدوام حال في الخير والشر.

وفيما كان من عمران إقليمهم واتساع قراهم إلى بلاد الشام آية على مبلغ العمران وعظم السلطان من آيات التصرفات، وآية على أن الأمن أساس العمران.

وفي تمنيهم زوال ذلك آية على ما قد تبلغه العقول من الانحطاط المفضي إلى اختلال أمور الأمة وذهاب عظمتها، وفيما صاروا إليه من النزوححِ عن الأوطان والتشتت في الأرض آية على ما يُلجئ الاضطرارُ إليه الناس من ارتكاب الأخطار والمكاره كما يقول المثل: الحُمى أضرعتني إليك.

والجمع بين ﴿ صبار ﴾ و ﴿ شكور ﴾ في الوصف لإِفادة أن واجب المؤمن التخلق بالخُلقين وهما: الصبر على المكاره، والشكر على النعم، وهؤلاء المتحدث عنهم لم يشكروا النعمة فيطروها، ولم يصبروا على ما أصابهم من زوالها فاضطربت نفوسهم وعمَّهم الجزع فخرجوا من ديارهم وتفرقوا في الأرض، ولا تسأل عما لاقوه في ذلك من المتالف والمذلات.

فالصبّار يَعْتَبر من تلك الأحوال فيعلم أن الصبر على المكاره خير من الجزع ويرتكب أخف الضرين، ولا يستخفه الجزع فيلقي بنفسه إلى الأخطار ولا ينظر في العواقب.

والشكور يعتبر بما أعطي من النعم فيَزداد شكراً لله تعالى ولا يبطر النعمة ولا يطغى فيُعاقبَ بسلبها كما سلبت عنهم، ومن وراء ذلك أن يَحرمهم الله التوفيق.

وأن يقذف بهم الخذلانُ في بنيات الطريق.

وفي الآية دلالة واضحة على أن تأمين الطريق وتيسير المواصلات وتقريب البلدان لتيسير تبادل المنافع واجتلاب الأرزاق من هنا ومن هناك نعمة إلهية ومقصد شرعي يحبه الله لمن يحب أن يرحمه من عباده كما قال تعالى: ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً ﴾ [البقرة: 125] وقال: ﴿ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمنا وارزق أهله من الثمرات ﴾ [البقرة: 126] وقال: ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ [قريش: 4]، فلذلك قال هنا: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين ﴾ [سبأ: 18].

وعلى أن الإِجحاف في إيفاء النعمة حقها من الشكر يعرّض بها للزوال وانقلاب الأحوال قال تعالى: ﴿ ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم اللَّه فأذاقها اللَّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ﴾ [النحل: 112].

من أجل ذلك كله كان حقاً على ولاة أمور الأمة أن يسعَوا جهدهم في تأمين البلاد وحراسة السبل وتيسير الأسفار وتقرير الأمن في سائر نواحي البلاد جليلها وصغيرها بمختلف الوسائل، وكان ذلك من أهم ما تنفق فيه أموال المسلمين وما يبذل فيه أهل الخير من الموسرين أموالهم عوناً على ذلك، وذلك من رحمة أهل الأرض المشمولة لقول النبي صلى الله عليه وسلم «ارحموا من في الأرض يرحَمْكم من في السماء».

وكان حقاً على أهل العلم والدين أن يرشدوا الأيمة والأمة إلى طريق الخير وأن ينبهوا على معالم ذلك الطريق ومسالكه بالتفصيل دون الإِجمال، فقد افتقرت الأمة إلى العمل وسئمت الأقوال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها الشّامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ يَعْنِي بِالشَّجَرِ والثَّمَرِ والماءِ.

وَقِيلَ إنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّتِي بارَكْنا فِيها بِكَثْرَةِ العَدَدِ.

﴿ قُرًى ظاهِرَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَّصِلَةً يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو مالِكٍ.

الثّانِي: أنَّها العامِرَةُ.

الثّالِثُ: الكَثِيرَةُ الماءِ.

الرّابِعُ: أنَّ القُرى الظّاهِرَةَ هي القُرى القَرِيبَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

وَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها السَّرَواتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها قُرى لِصَنْعاءَ، قالَهُ ابْنُ مُنَبِّهٍ.

الثّالِثُ: أنَّها قُرى ما بَيْنَ مَأْرِبَ والشّامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَدَّرْنا فِيها المَقِيلَ والمَبِيتَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُصْبِحُونَ في قَرْيَةٍ ويُمْسُونَ في أُخْرى، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَدَّرَ فِيها السَّيْرَ بِأنْ جَعَلَ ما بَيْنَ القَرْيَةِ والقَرْيَةِ مِقْدارًا واحِدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ الجُوعِ والظَّمَأِ، قالَهُ قَتادَةُ.

حَتّى أنَّ المَرْأةَ تَمْشِي وعَلى رَأْسِها مِكْتَلٌ فَيَمْتَلِئُ مِنَ الثَّمَرِ.

الثّانِي: آمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ لا يُحَرِّكُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يُحَرِّكْهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ ( بَعِّدْ ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿ باعِدْ ﴾ بِألِفٍ وبِتَخْفِيفِ العَيْنِ وفِيهِما ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم مَلُّوا النِّعَمَ كَما مَلَّ بَنُو إسْرائِيلَ المَنَّ والسَّلْوى، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهم قالُوا لَوْ كانَتْ ثِمارُنا أبْعَدَ مِمّا هي كانَتْ أشْهى في النُّفُوسِ وأحْلى، قالَهُ ابْنُ عِيسى، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ بَطِرَ.

فَصارَ نَوْعًا مِنَ المَلَلِ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ زِدْ في عِمارَتِنا حَتّى تَبْعُدَ فِيهِ أسْفارُنا، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَهَذا القَوْلُ مِنهم طَلَبًا لِلزِّيادَةِ والكَثْرَةِ.

وَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بَعُدَ بِضَمِّ العَيْنِ وتَخْفِيفِها، وهَذا القَوْلُ مِنهم شَكْوى لِبُعْدِ سَفَرِهِمْ وتَمَنِّي قِصَرِهِ.

﴿ وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ظَلَمُوها بِقَوْلِهِمْ باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا.

قالَ الكَلْبِيُّ: أنَّهم قالُوا لِرُسُلِهِمْ حِينَ ابْتُلُوا وهم مُكَذِّبُونَ: وقَدْ كُنّا نَأْبى عَلَيْكم وأرْضُنا عامِرَةٌ خَيْرُ أرْضٍ فَكَيْفَ اليَوْمَ وأرْضُنا خَرابٌ شَرُّ أرْضٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُسْلِمِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ أيْ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِما كانُوا فِيهِ مِن نَعِيمٍ وما صارُوا إلَيْهِ مِن هَلاكٍ، حَتّى ضُرِبَ المَثَلُ فَقِيلَ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: بادَ قَوْمٌ عَصَفَ الدَّهْرُ بِهِمْ فُرِّقُوا عَنْ صَرْفِهِ أيْدِي سَبَأْ ﴿ وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فُرِّقُوا بِالهَلاكِ حَتّى صارُوا تُرابًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهم مُزِّقُوا بِالتَّفْرِيقِ والتَّباعُدِ، قالَهُ قَتادَةُ.

حَكى الشَّعْبِيُّ قالَ: أمّا غَسّانُ فَلَحِقُوا بِالشّامِ، وأمّا خُزاعَةُ فَلَحِقُوا بِمَكَّةَ، وأمّا الأوْسُ والخَزْرَجُ فَلَحِقُوا بِيَثْرِبَ يَعْنِي المَدِينَةَ، وأمّا الأزْدُ فَلَحِقُوا بِعَمّانَ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: صَبّارٌ عَلى البَلْوى شَكُورٌ عَلى النَّعْماءِ.

الثّانِي: صَبُورٌ عَلى أمْرِ اللَّهِ شَكُورٌ في طاعَةِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن فروة بن مسيك المرادي رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟

فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده، أرسل في أثري، فردني فقالادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ، أرض أم امرأة؟

قال: ليس بأرض، ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فَتَيَامَنَ منهم ستة، وتشاءَمَ منهم أربعة، فاما الذين تشاءموا فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة.

وأما الذين تيامنوا فالازد، والاشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار.

فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟

قال: الذين منهم خثعم، وبجيلة» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني وابن أبي حاتم وابن عدي والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ أرجل هو، أو امرأة، أم أرض؟

فقال: بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحِمْيَر.

وأما الشاميون فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان» .

وأخرج الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ لقد كان لسبإ ﴾ بالخفض منوّنة مهموزة ﴿ في مساكنهم ﴾ على الجماع بالألف.

وأخرج الفريابي عن يحيى بن وثاب أنه يقرأها ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كان لسبأ جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تمر ومكتلها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فتمتلئ فاكهة وما مسته بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة يقال لها: الجرذ، فنقب عليهم، فغرقهم، فما بقي منهم الا أثل، وشيء من سدر قليل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لسبإٍ في مساكنهم...

﴾ .

قال لم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، وإن ركب ليأتون في ثيابهم القمل والدواب، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها، فتموت تلك الدواب، وإن كان الإِنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القفة على رأسة، ويخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة، ولم يتناول منها شيئاً بيده.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بلدة طيبة ورب غفور ﴾ قال: هذه البلد طيبة، وربكم غفور لذنوبكم.

وفي قوله: ﴿ فاعرضوا ﴾ قال: بطر القوم أمر الله، وكفروا نعمته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان أهل سبأ أعطوا ما لم يعطه أحد من أهل زمانهم، فكانت المرأة تخرج على رأسها المكتل فتريد حاجتها، فلا تبلغ مكانها الذي تريد حتى يمتلئ مِكْتَلُهَا من أنواع الفاكهة، فأجمعوا ذلك فكذبوا رسلهم، وقد كان السيل يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يستقر في واديهم، فيجمع الماء من تلك السيول والجبال في ذلك الوادي، وكانوا قد حفروه بمسناة- وهم يسمون المسناة العرم- وكانوا يفتحون إذا شاءوا من ذلك الماء، فيسقون جنانهم إذا شاءوا، فلما غضب الله عليهم، وأذن في هلاكهم، دخل رجل إلى جنته- وهو عمرو بن عامر فيما بلغنا، وكان كاهناً- فنظر إلى جرذة تنقل أولادها من بطن الوادي إلى أعلى الجبل فقال: ما نقلت هذه أولادها من هاهنا إلا وقد حضر أهل هذه البلاد عذاب، ويقدر أنها خرقت ذلك العرم، فنقبت نقباً، فسال ذلك النقب ماء إلى جنته، فأمر عمرو بن عامر بذلك النقب فسد، فأصبح وقد انفجر بأعظم ما كان، فأمر به أيضاً فسد، ثم انفجر بأعظم ما كان، فلما رأى ذلك دعا ابن أخيه فقال: إذا أنا جلست العشية في نادي قومي فائتني فقل: علام تحبس علي مالي؟

فإني سأقول ليس لك عندي مال، ولا ترك أبوك شيئاً، وإنك لكاذب.

فإذا أنا كذبتك فكذبني وأردد عليّ مثل ما قلت لك، فإذا فعلت ذلك فإني سأشتمك، فاشتمني.

فإذا أنت شتمتني لطمتك، فإذا أنا لطمتك فقم فالطمني.

قال: ما كنت لاستقبلك بذلك يا عم!

قال: بلى.

فافعل فإني أريد بها صلاحك، وصلاح أهل بيتك فقال الفتى: نعم.

حيث عرف هوىعمه فجاء فقال ما أمر به حتى لطمه فتناوله الفتى فلطمه فقال الشيخ: يا معشر بني فلان الطم فيكم؟

لا سكنت في بلد لطمني فيه فلان أبداً، من يبتاع مني.

فلما عرف القوم منه الجد أعطوه، فنظر إلى أفضلهم عطية، فأوجب له البيع، فدعا بالمال، فنقده وتحمل هو وبنوه من ليلته، فتفرقوا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان في سبأ كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، وكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، أنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقر، فقال لرجل من بنيه وهو أعزهم أخوالاً: إذا كان غداً وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا نهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني، قال: يا أبت لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد قال: يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل حتى هيأه على ذلك، فلما أصبحوا، واجتمع الناس قال: يا بني افعل كذا وكذا.

..

فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني عليَّ بالشفرة قالوا: وما تصنع بالشفرة؟

قال: اذبحه قالوا: تذبح ابنك الطمه واصنع ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه، فأرسلوا إلى أخواله فاعلموهم بذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه قالوا: فلتموتن قبل أن تدعوه قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أريد أن أقيم ببلد يحال بيني وبين إبني فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره، وأرضه، وعقاره.

فلما صار الثمن في يده وأحرزه قال: أي قوم أن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم داراً جديداً، وجملاً شديداً، وسفراً فليلحق بعمان ومن أراد منكم الخمر، والخمير، والعصير، فليلحق ببصرى.

ومن أراد منكم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قوم، فخرج أهل عمان إلى عمان، وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس، والخزرج، وبنو كعب بن عمرو، إلى يثرب، فلما كانوا ببطن نخل قال بنو كعب: هذا مكان صالح لا نبتغي به بدلاً فأقاموا، فذلك سموا خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، وأقبلت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لسبإ...

﴾ .

قال: كان لهم مجلس مشيد بالمرمر، فأتاهم ناس من النصارى فقالوا: أشكروا الله الذي أعطاكم هذا قالوا: ومن أعطاناه؟

إنما كان لآبائنا فورثناه، فسمع ذلك ذو يزن فعرف أنه سيكون لكلمتهم تلك خبر فقال لابنه: كلامك علي حرام إن لم تأت غداً وأنا في مجلس قومي فتصك وجهي، ففعل ذلك فقال: لا أقيم بأرض فعل هذا ابني بي فيها، إلا من يبتاع مني مالي، فابتدره الناس، فابتاعوه فبعث الله جرذاً أعمى يقال له الخلد من جرذان عمى، فلم يزل يحفر السد حتى خرقه فانهدم وذهب الماء بالجنتين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لقد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم، وكان لهم سد كانوا قد بنوه بنياناً أبداً وهو الذي كان يرد عنهم السيل إذا جاء أن يغشى أموالهم، وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم أنه إنما يخرب سدهم ذلك فارة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمانه وما أراد الله بهم من التفريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر، فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فتغلغلت بالسد، فحفرت فيه حتى رققته للسيل وهم لا يدرون، فلما أن جاء السيل وجد عللاً، فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على الأموال فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر عن الله تبارك وتعالى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: كانت أودية اليمن تسيل إلى وادي سبأ، وهو واد بين جبلين، فعمد أهل سبأ فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وتركوا ما شاءوا لجناتهم، فعاشوا بذلك زماناً من الدهر، ثم إنهم عتوا وعملوا بالمعاصي، فبعث الله على ذلك السد جرذاً فنقبه عليهم، فعرض الله مساكنهم وجناتهم، وبدلهم بمكان جنتيهم جنتين خمط والخمط الأراك ﴿ وأثل ﴾ الاثل القصير من الشجر الذي يصنعون منه الأقداح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ قال: الشديد.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه ﴿ سيل العرم ﴾ قال: المنساة بلحن اليمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ قال: ﴿ العرم ﴾ بالحبشة وهي المنساة التي يجتمع فيها الماء ثم ينشف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ العرم ﴾ اسم الوادي.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ سيل العرم ﴾ قال: وادٍ كان باليمن كان يسيل إلى مكة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: وادي سبأ يدعى ﴿ العرم ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ السد ماء أحمر أرسله الله في السد، فشقه وهدمه، وحفر الوادي عن الجنتين، فارتفعا وغار عنهما الماء، فيبستا ولم يكن الماء الأحمر من السد، كان شيئاً أرسله الله عليهم.

وفي قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الخمط الأراك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أرسله الله عليهم.

وفي قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: (الخمط) الأراك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الأراك ﴿ وأثل ﴾ قال: الطرفاء.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الأراك قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر يقول: ما معول فود تراعى بعينها ** أغن غضيض الطرف من خلل الخمط وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأثل ﴾ قال (الاثل) شجر لا يأكلها شيء وإنما هي حطب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ﴿ الخمط ﴾ الاراك و(الاثل) النضار و ﴿ السدر ﴾ النبق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم...

﴾ .

قال: قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، قال الله: ﴿ فأعرضوا ﴾ قال: ترك القوم أمر الله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ ذكر لنا ﴿ العرم ﴾ وادي سبأ كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وجعلوا عليه أبواباً وكانوا يأخذون من مائة ما احتاجوا إليه، ويسدون عنهم ما لم يعبأوا به من مائه، فلما تركوا أمر الله بعث الله عليهم جرذاً، فنقبه من أسفله، فاتسع حتى غَرَّقَ الله به حروثَهم، وخَرَّبَ به أراضيهم عقوبة بأعمالهم قال الله: ﴿ فبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ﴾ والخمط الأراك و ﴿ أكل ﴾ بربرة و ﴿ أثل وشيء من سدر قليل ﴾ بينما شجر القوم من خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر عقوبة بأعمالهم قال الله: ﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ﴾ إن الله إذا أراد بعبد كرامة أو خيراً تقبل حسناته، وإذا أراد بعبد هواناً أمسك عليه بذنبه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الخمط هو الأراك.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي مالك، مثله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ قال: تلك المناقشة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ قال: هو المناقشة في الحساب، ومن نوقش الحساب عذب، وهو الكافر لا يغفر له.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حيوة وكان من أصحاب علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والمنغص في اللذة قيل: وما المنغص؟

قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ القرى التي باركنا فيها ﴾ قال: الشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ قال: هي قرى الشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ قال: كان فيما بين اليمن إلى الشام قرى متواصلة و ﴿ القرى التي باركنا فيها ﴾ الشام.

كان الرجل يغدو فيقبل في القرية، ثم يروح فيبيت في القرية الأخرى، وكانت المرأة تخرج وزنبيلها على رأسها، فما تبلغ حتى يمتلئ من كل الثمار.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي ملكية في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ قال: كانت قراهم متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وثمرهم متدل فبطروا.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ قال: دانينا فيها السير.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم ﴾ يعني بين مساكنهم ﴿ وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ يعني الأرض المقدسة (قرى) فيما بين منازلهم والأرض المقدسة ﴿ ظاهرة ﴾ يعني عامرة مخصبة ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ يعني فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام ﴿ سيروا فيها ﴾ يعني إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من الأرض المقدسة.

وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ ظاهرة ﴾ قال: قرى بالشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين ﴾ قال: لا يخافون جوعاً ولا ظمأ، إنما يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، أهل جنة ونهر حتى ذكر لنا: أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها، فيمتلئ قبل أن ترجع إلى أهلها، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً، فبطروا النعمة ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ فمزقوا ﴿ كل ممزق ﴾ وجعلوا أحاديث.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ قال: قالوا يا ليت هذه القرى يبعد بعضها عن بعض، فنسير على نجائبنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قالوا ربنا بعِّد بين أسفارنا ﴾ مثقلة قال: لم يدعوا على أنفسهم، ولكن شكوا ما أصابهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قالوا ربنا بَعِّدْ بين أسفارنا ﴾ مثقلة على معنى فعِّل.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ بنصب الباء، ورفع العين.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ربنا ﴾ بالنصب ﴿ باعد ﴾ بنصب الباء وكسر العين على الدعاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومزقناهم كل ممزق ﴾ قال: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان.

فمزقهم الله كل ممزق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبارٍ شكور...

﴾ قال: مطرف في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

وأخرج عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكل صبار شكور ﴾ قال: ﴿ صبار ﴾ في الكريهة ﴿ شكور ﴾ عند الحسنة.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن عامر رضي الله عنه قال: الشكر نصف الإِيمان، والصبر نصف الايمان، واليقين الايمان كله.

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قال: يا عيسى ابن مريم إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم.

قال: يا رب كيف يكون هذا لهم، ولا حلم ولا علم؟

قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» .

وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في شعب الإِيمان والدارمي وابن حبان عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر كان خيراً، وإن أصابته ضراء صبر كان خيراً» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبت للمؤمن أن أعطي قال الحمد لله فشكر، وإن ابتلي قال الحمد لله فصبر، فالمؤمن يؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه» .

وأخرج البيهقي في الشعب وأبو نعيم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نظر في الدين إلى من هو فوقه، وفي الدنيا إلى من هو تحته، كتبه الله صابراً وشاكراً، ومن نظر في الدين إلى من هو تحته، ونظر في الدنيا إلى من هو فوقه، لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً» والله سبحانه وتعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ وقرئ: صَدَقً، بالتشديد والتخفيف.

قال أبو إسحاق: صدقه في ظنه أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك، فمن شدد نصب الظن؛ لأنه مفعول به، ومن خفف نصب الظن، على معنى صدق ظنا ظنه، وصدق في ظنه (١) ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ و ﴿ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ وهذا ظنه؛ ذلك عن يقين؛ لأنه لم يقل بظنه (٢) فإن تك ظني صادقي فهو صادقي (٣) ويجوز أن ينتصب انتصاب الظرف، على تقدير: صدق عليهم الظن، على أنه مفعول به وعدي صدق إليه كما قال: فإنْ لم أصدَّق ظنكَ بتيقنٍ ...

فلا سقتِ الأوصالَ منِّي الرواعدُ (٤) واختلف المفسرون في هذه الآية؛ فمذهب ابن عباس في رواية عطاء أزال كناية في قوله: ﴿ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ ﴾ عن أهل سبأ (٥) ﴿ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ : يريد قليلاً من الذين صدقوا الأنبياء وآمنوا بالله.

وعلى هذا الاستثناء من سبأ، وهم من آمن منهم.

ومذهب مجاهد (٦) (٧) ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ  ﴾ (١) انظر: "معاني القرآن وإعربه" 4/ 251.

(٢) هكذا في النسخ!

ولعل الصواب: فظنه، كما في "الحجة" 6/ 21.

(٣) شطر بيت من الطويل، لم أقف على قائله، وقد ورد في "إملاء ما من به الرحمن" 2/ 197، وكذا في "الدر المصون" 5/ 442.

وجاء البيت بتمامه في "مجمع البيان" 8/ 607 برواية: إن يك ظني صادقًا وهو صادقي ...

بشملة يحبسهم بها محبسا وعرا ونسبه محققه إلى مكبرة بنت بردام شملة، تقول: إن يك ظني بشملة صادقًا يحبسهم، أقي القوم الذين قتلوا أباه بتلك المعركة محبسا صعبا يدركه فيه ثأر أبيه (٤) بيت من الطويل ولم أقف على قائله.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 87، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 430.

(٦) انظر: "مجمع البيان" 8/ 608، "تفسير القرطبي" 14/ 292.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ أي وجد ظنه فيهم صادقاً يعني قوله: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ [ص: 82]، وقوله: ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 17].

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ .

أي: علما، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ فَضْلاً ﴾ ، أي: نبوة.

وقال بعضهم: الفضل: هو الملك الذي آتاه الله.

وجائز أن يكون ما ذكر من الفضل أنه آتاه - هو ما ذكر على أثره من تسخير الجبال والطير والتسبيح معه، وإلانة الحديد له بلا نار ولا شيء؛ حتى اتخذ منه ما شاء أن يتخذ من الدروع وآلات الحروب، وقد أتى الله داود من الفضل ما لو تكلفنا عدّه وإحصاءه ما قدرنا عليه.

وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ .

قيل: سبحي معه.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرَ ﴾ .

من نصب الطير جعلها مسخرة له؛ كأنه قال: سخرنا له الطير.

ومن رفعها جعله على النداء: يا طير أوبي معه، أي: سبحي معه.

ثم اختلف في تسبيج الجبال والطير.

قال بعضهم: تسبيح خلقة لا تسبيح قول ونطق؛ لما جعل في خلقة كل شيء الشهادة له بالوحدانية والألوهية، لكن ذكر هاهنا: أن سبحى معه، ولو كان تسبيح خلقة لم يكن لذكر التسبيح مع داود فائدة؛ لأن تسبيح الخلقة يكون كان معه داود أو لم يكن؛ ولكن جائز أن يجعل الله -  - في سرّية الجبال من التسبيح ما يفهم منها داود، ولم يفهم غيره؛ على ما ذكرنا في قول النملة لسائر النمل؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]: جعل الله -  - في سرية النمل معنى ألقى ذلك في مسامع سليمان؛ ففهم منها ذلك، ولم يلق ذلك في مسامع غيره من الجنود؛ فعلى ذلك تسبيح الجبال والطير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ .

جعل له آية لنبوته؛ لما ألان له الحديد بلا نار ولا سبب يلينه؛ حتى كان يعمل منه ما شاء، ولم يجعل في وسع أحد من الخلائق سواه استعمال الحديد إلا بالنار وأسباب أخر؛ ليكون له في ذلك آية.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

كأنه قال: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ ، وقلنا له: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

قال بعضهم: السابغات: هي الدروع.

وقال بعضهم: هي الواسعات.

وقيل: هي الطوال.

فكأنه أمر أن يتخذ من الدروع ما يأخذ من الرأس إلى القدم ما يصلح لحرب العدوّ.

وقوله: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ .

قال بعضهم: كانت الدروع قبل ذلك صفائح مضروبة، فسرد نبي الله حلقها بعضها في بعض، والسرد: المسامير والحلق، يقول: قدر المسامير في الحلق: لا بدق المسامير وتوسع الحلق؛ فتسلسل، ولا تضيق الحلق وتعظم المسامير فتقصم وتكسر؛ ولكن مستوياً لتكون أحكم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ ، أي: في النسج، أي: لا تجعل المسامير دقاقاً؛ فتقلق، ولا غلاظاً؛ فتكسر الحلق؛ ومنه قيل لصانع الدروع: سرّاد، وزرّاد؛ كما يقال: صراط وسراط وزراط.

والسرد: الحرز أيضاً، وقال غيره: السرد: الخروق في طبق الحلق، وإدخال الحلق بعضها في بعض.

وقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، فيما ذكر من عمل الدروع، ويحتمل في غيره من الأعمال، ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، هو على الوعيد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ كأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح؛ كما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ ، أي: تجري به الريح في غدوها مسيرة شهر، وفي رواحها مسيرة شهر، وذلك آية له، فمثلها من الآية كان لرسول الله، حيث أسري في ليلة واحدة مسيرة شهرين من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

وما كان لسليمان من الملك بالأعوان من الجن والإنس كان لرسول الله  بنفسه؛ حيث قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، [فإن لم يكن] أعظم مما كان لسليمان فلا يكون دونه.

وما كان لأبيه داود من إلانة الحديد له بلا سبب وما ذكر - كان لمحمد انشقاق القمر له، وذلك أعظم في الآية مما ذكر.

وما كان لموسى من انفجار العيون من الحجر، كان لمحمد من أصابعه، حتى ذكر أنهم كانوا ألفا وأربعمائة نفر شربوا جميعاً منه ورووا؛ فذلك وإن لم يكن أعظم في الآية لا يكون دونه.

وما كان لعيسى من إحياء الله الموتى وإجرائه على يديه، كان لمحمد مقابل ذلك كلام الشاة المصلية المسمومة التي أخبرته: إني مسمومة؛ فلا تتناول مني؛ لما أراد التناول منها، فآياته كثيرة حتى لم تذكر لأحد من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - آية إلا ويمكن أن يذكر لمحمد جميعاً مقابل ذلك مثلها أو أعظم منها.

ثم يحتمل ذكر ملك سليمان وأبيه؛ لئلا يحسدوا محمداً - صلوات الله عليه - على ما أعطاه الله له من الملك والشرف؛ ليعرفوا أنه ليس هو المخصوص بالملك والشرف، ولكن له في ذلك شركاء وإخوان أعطاهم الله مثل ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ .

قيل: النحاس، وقيل: الصفر، قيل: أسيل له يعمل به ما أحبّ، كما ألين لأبيه الحديد؛ فيعمل به ما أحبّ من الدروع وغيرها بلا سبب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ .

قيل: بأمر ربه، أي: سخر الله الجن له، وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم فيما أحبّ، شاءوا أو كرهوا، يخرج قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ على وجهين: أحدهما: على التسخير له؛ فيكون الإذن كناية عن التسخير.

والثاني: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ ، أي: بأمر ربه، أي: أمرهم ربهم أن يطيعوه في جميع ما يأمر وينهى.

وقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ ، أي: عصاه فيما أمره ربه، ﴿ نُذِقْهُ ﴾ ، ما ذكر.

يحتمل إضافة أمره إلى نفسه؛ لما بأمره ما يستعملهم فيما يستعملهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ ﴾ .

قال بعضهم: المحاريب هي المساجد.

وقال بعضهم: هي القصور.

والمحاريب هي أشرف المواضع، ذكرت كناية عن غيرها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَمَاثِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: هي التماثيل كهيئة تماثيل الرجال، يصوّرون في المساجد تماثيل الرجال العبّاد الزهاد، والملائكة، والنبيين، والرجال المتواضعين؛ لكي إذا رآهم الناس مصوراً عبدوا عبادتهم، وتشبهوا بهم.

أو أن تكون تماثيل لا رأس لها، نحو: الأواني والكيزان ونحوها.

أو أن يكون التماثيل يومئذ غير منهي العمل بها، فأما اليوم فقد نهوا عن العمل بها؛ مخافة أن يدعو ذلك إلى عبادة غير الله؛ وكذلك غرّ إبليس قوماً حتى عبدوا الأصنام؛ وإلا ليس من الأصنام ولا فيها ما يغتر به المرء على عبادته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: قصاع كالجواب، كهيئة حياض الإبل؛ حتى يجلس على القصعة الواحدة ألف وزيادة يأكلون منها.

وقال بعضهم: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ ، أي: كالجوبة من الأرض التي تحفر للماء؛ يصف عظم ذلك؛ ففيه أنهم كانوا يجتمعون في الأكل لا ينفردون به.

وقوله: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ .

أي: كانوا يتخذون له قدوراً عظاماً في الجبال التي لا تحرك من مكان، ﴿ رَّاسِيَاتٍ ﴾ ، أي: ثابتات كما ذكر، والجبال الرواسي، أي: الثوابت.

وقال بعضهم: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ : هي القدور العظام التي أفرغت إفراغاً وأكفيت - لعظمها - إكفاء، وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ .

قال بعضهم: أي: اعملوا لآل داود شكراً؛ لأنه ذكر أنه ليس من زمان في ليل ونهار إلا ويكون من آل داود صائم بالنهار ومصلٍّ بالليل، أو كلام نحوه؛ فأمروا بالشكر لهم.

وقال بعضهم: كأنه قال: اعملوا يا آل داود شكراً، لما أعطيتكم من الملك والفضل.

﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ﴾ .

أي: قليل من عبادي المؤمنين، والشكور كناية عن المؤمن؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ ، أي: لكل مؤمن، والله أعلم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ ، أي: أذبنا له عين النحاس، والشكور هو الفعول، والفعول والفعال هما اللذان يكثران الفعل؛ فكأن الشكور هو الذي يعتقد الشكر لربه، ويشكر مع الاعتقاد؛ فيكون منه الاعتقاد والمعاملة جميعاً.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ .

دل هذا على أن موته كان بحضرة أهله وبمشهد منهم؛ حيث ذكر، ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ثم يذكر بعض أهل التأويل أنه سأل ربّه أن يعمّى على الجن موته؛ حتى يعلم الإنس ﴿ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ ﴾ - أعني: الجن - ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

وبعضهم يقول: سأل ربه أن يعمي على الجن موته؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس، فدأبوا حولا يعملون، فلما فرغوا من بنائه خر سليمان ميتا من عصاه، وكان متكئاً عليها.

وبعضهم يقول: لما حضره الموت - وكان على فراشه في البيت - لم يكن على عصاه؛ فقال: لا تخبروا الجن بموتي؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس - وكان بقي عمل سنة - ففعلوا، فلما فرغوا من بنائه - خرّ؛ فعند ذلك علمت الجن بموته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

في حرف ابن مسعود: ﴿ فلما قضينا عليه الموت، وهم يدأبون له حولا ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الإنس على أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ﴾ ؛ لأنهم كانوا يدّعون علم الغيب فابتلوا بذلك.

ودل قوله: ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ على أنهم كانوا لا يدنون منه لأحد وجهين: إما لهيبته وسلطانه على الناس؛ فإن كان ذلك أطاع له كل شيء وخضعوا له: من الجن والطير والوحش وغير ذلك.

أو لما كان يكثر العبادة لله والخضوع له يتوحد ويتفرد بنفسه، لم يجترئوا أن يدنوا منه؛ وإلا لو دنوا منه لرأوا فيه آثار الموتى، اللهم إلا أن يكون ما ذكر بعضهم أنه قال لأهله: لا تخبروا أحداً بموتي، وأمرهم أن يكتموا موته.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ، قيل: المنسأة: العصا، سمي: منسأة من المنسأ؛ لأنه كان بها يؤخر ما أراد تأخيره، وبها يدفع ما أراد دفعه.

ثم في إمساكه العصا أحد وجهين: لما لضعفة في نفسه؛ كان يتقوى بها في أمور ربه، أو يمسكها؛ لخضوعه لربه وطاعته له.

وفيه دلالة: أن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يشغلهم الملك وفضل الدنيا، ولا الحاجة ولا الفقر عن القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة إلى الناس، وهما شاغلان لغيرهم، وهم كانوا فريقين: [فريق] قد وسع عليهم الدنيا نحو سليمان وإبراهيم وغيرهما، وفريق قد اشتدت بهم الحاجة والفقر، وكلاهما مانعان شاغلان عن القيام بأمور الله وتبليغ الرسالة؛ ليعلم أنهم لم يأخذوا من الدنيا ما أخذوا - للدنيا،.

ولكن أخذوا للخلق، ولله قاموا فيما قاموا لذلك، لم يشغلهم ذلك عن القيام بما ذكرنا، والله أعلم.

ودل قوله: ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ أنه كان يأمرهم ويستعملهم في أمور شاقة وأعمال صعبة؛ حيث ذكر لبثهم في ذلك لبثا في العذاب المهين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد حَقَّقَ عليهم إبليس ما ظنه من أنه يستطيع إغواءهم وإضلالهم عن الحق، فاتبعوه في الكفر والضلال إلا طائفة من المؤمنين فإنهم خيبوا رجاءه بعدم اتباعهم له.

<div class="verse-tafsir" id="91.a03gZ"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل