الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٢١ من سورة سبأ
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( وما كان له عليهم من سلطان ) قال ابن عباس : أي من حجة .
وقال الحسن البصري : والله ما ضربهم بعصا ، ولا أكرههم على شيء ، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه .
وقوله : ( إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ) أي : إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء ، فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ، ممن هو منها في شك .
وقوله : ( وربك على كل شيء حفيظ ) أي : ومع حفظه ضل من ضل من اتباع إبليس ، وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) يقول تعالى ذكره: وما كان لإبليس على هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم من حجة يضلهم بها إلا بتسليطناه عليهم؛ ليُعلم حزبُنا وأولياؤنا(مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ) يقول: من يصدق بالبعث والثواب والعقاب (مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) فلا يوقن بالمعاد، ولا يصدق بثواب ولا عقاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ ) قال: قال الحسن: والله ما ضربهم بعصا ولا سيف ولا سوط، إلا أمانيَّ وغرورًا دعاهم إليها.
قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله ( إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ) قال: وإنما كان بلاءً ليعلم الله المؤمن من الكافر.
وقيل: عُني بقوله ( إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ ) إلا لنعلم ذلك موجودًا ظاهرًا ليستحق به الثواب أو العقاب.
وقوله ( وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة به، وغير ذلك من الأشياء كلها(حَفِيظٌ) لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مجازٍ جميعهم يوم القيامة بما كسبوا في الدنيا من خير وشر.
قوله تعالى : وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ .قوله تعالى : وما كان له عليهم من سلطان أي لم يقهرهم إبليس على الكفر ، وإنما كان منه الدعاء والتزيين .
والسلطان : القوة .
وقيل الحجة ، أي لم تكن له حجة يستتبعهم بها ، وإنما اتبعوه بشهوة وتقليد وهوى نفس ; لا عن حجة ودليل .
إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة يريد علم الشهادة الذي يقع به الثواب والعقاب ، فأما الغيب فقد علمه تبارك وتعالى .
ومذهب الفراء أن يكون المعنى : إلا لنعلم ذلك عندكم ; كما قال : ( أين شركائي ) ، على قولكم وعندكم ، وليس قوله : ( إلا لنعلم ) جواب وما كان له عليهم من سلطان في ظاهره إنما هو محمول على المعنى ; أي وما جعلنا له سلطانا إلا لنعلم ، فالاستثناء منقطع ، أي لا سلطان له عليهم ولكنا ابتليناهم بوسوسته لنعلم ، ف ( إلا ) بمعنى لكن .
وقيل هو متصل ، أي ما كان له عليهم من سلطان ، غير أنا سلطناه عليهم ليتم الابتلاء .
وقيل : كان زائدة ; أي وما له عليهم من سلطان ، كقوله : كنتم خير أمة أي أنتم خير أمة .
وقيل : لما اتصل طرف منه بقصة سبأ قال : وما كان لإبليس على أولئك الكفار من سلطان .
وقيل : وما كان له في قضائنا السابق سلطان عليهم .
وقيل : ( إلا لنعلم ) إلا لنظهر ، وهو كما تقول : النار تحرق الحطب ، فيقول [ ص: 265 ] آخر : لا بل الحطب يحرق النار ; فيقول الأول : تعال حتى نجرب النار والحطب لنعلم أيهما يحرق صاحبه ، أي لنظهر ذلك وإن كان معلوما لهم ذلك .
وقيل : إلا لتعلموا أنتم .
وقيل : أي ليعلم أولياؤنا والملائكة ; كقوله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله أي يحاربون أولياء الله ورسوله .
وقيل : أي ليميز ; كقوله : ليميز الله الخبيث من الطيب وقد مضى هذا المعنى في ( البقرة ) وغيرها .
وقرأ الزهري ( إلا ليعلم ) على ما لم يسم فاعله وربك على كل شيء حفيظ أي أنه عالم بكل شيء .
وقيل : يحفظ كل شيء على العبد حتى يجازيه عليه .
ثم قال تعالى: { وَمَا كَانَ لَهُ } أي: لإبليس { عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ } أي: تسلط وقهر, وقسر على ما يريده منهم, ولكن حكمة اللّه تعالى اقتضت تسليطه وتسويله لبني آدم.{ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ } أي: ليقوم سوق الامتحان, ويعلم به الصادق من الكاذب, ويعرف من كان إيمانه صحيحا, يثبت عند الامتحان والاختبار, وإلقاء الشبه الشيطانية, ممن إيمانه غير ثابت, يتزلزل بأدنى شبهة, ويزول بأقل داع يدعوه إلى ضده، فاللّه تعالى جعله امتحانا, يمتحن به عباده, ويظهر الخبيث من الطيب.{ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } يحفظ العباد, ويحفظ عليهم أعمالهم, ويحفظ تعالى جزاءها, فيوفيهم إياها, كاملة موفرة.
قال الله تعالى : ( وما كان له عليهم من سلطان ) أي : ما كان تسليطنا إياه عليهم ( إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ) أي : إلا لنعلم ، لنرى ونميز المؤمن من الكافر ، وأراد علم الوقوع والظهور ، وقد كان معلوما عنده بالغيب ( وربك على كل شيء حفيظ ) رقيب .
)
«وما كان له عليهم من سلطان» تسليط «إلا لنعلم» علم ظهور «من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك» فنجازي كلا منهما «وربك على شيء حفيظ» رقيب.
وما كان لإبليس على هؤلاء الكفار مِن قهر على الكفر، ولكن حكمة الله اقتضت تسويله لبني آدم؛ ليظهر ما علمه سبحانه في الأزل؛ لنميز مَن يصدِّق بالبعث والثواب والعقاب ممن هو في شك من ذلك.
وربك على كل شيء حفيظ، يحفظه ويجازي عليه.
ثم بين - سبحانه - إن إغواء الشيطان لأهل سبأ ولأشباههم من بنى آدم ، لم يكن عن قسر وإكراه ، وإنما كان عن اختيار منهم ليتميز الخبيث من الطيب فقال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ) .والمراد بالسلطان هنا : التسلط بالقهر والغلبة والإِكراه .
والمراد بالعلم فى قوله - تعالى - ( إِلاَّ لِنَعْلَمَ ) إظهار هذا العلم للناس ليتميز قوى الإِيمان من غيره .أى : وما كان لإِبليس عليهم سلطان قاهر يجعلهم لا يملكون دفعه ، وإنما كان له عليهم الوسوسة التى يملكون صرفها ودعفها متى حسنت صلتهم بنا ، ونحن ما أبحنا لإِبليس الوسوسة لبنى آدم ، إلا لنظهر فى عالما لواقع حال من يؤمن بالآخرة وما فهيا من ثواب وعقاب ومحسبا ، ولنميزه عمن هو منها فى شك وريب وإنكار .
.قال الشوكانى - رحمه الله - : والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ) منقطع أى : لا سلطان له عليهم ، ولكن ابتليناهم بوسوسته لنعلم .وقيل : هو متصل مفرغ من أعم العلل .
أى : ما كان له عليهم من تسلط بحال من الأحوال ، ولا لعلة من العلل ، إلا ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن ، لأنه - سبحانه - قد علم ذلك علما أزليا .
وقال الفراء : إلا لنعلم ذلك عندكم .
والأولى حمل العلم هنا على التمييز والإِظهار .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ) أى : وربك - أيها الرسول الكريم - على كل شئ رقيب وحفيظ ، بحيث لا يخرج شئ عن حفظه وهيمنته وعلمه وقدرته .وهكذا نجد القرآن قد ساق لنا قصتين متعاقبتين ، إحداهما تدل على أن طاعة الله - تعالى وشكره ، وإخلاص العبادة له ، ومحسن الصلة به - سبحانه - ، كل ذلك يؤدى إلى المزيد من نعمه - تعالى - ، كما محدث لداود وسليمان - عليهما السلام - .وأما الثانية فتدل على ان الجحود والبطر والانغماس فى المعاصى والشهوات .
كل ذلك يؤدى إلى زوال النعم ، كا حدث لقبيلة سبأ .وصدق الله إذ يقول : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ).
قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين ﴾ أن علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالماً لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه، فإن العلم صفة كاشفة يظهر بها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن العالم سيوجد، فإذا وجد علمه موجوداً بذلك العلم، وإذا عدم يعلمه معدوماً بذلك، مثاله: أن المرآة المصقولة فيها الصفاء فيظهر فيها صورة زيد إن قابلها، ثم إذا قابلها عمرو يظهر فيها صورته، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها، إنما التغير في الخارجات فكذلك هاهنا قوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ ﴾ أي ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر والإيمان من المؤمن وكان قبله فيه أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سلطان ﴾ إشارة إلى أنه ليس بملجئ وإنما هو آية، وعلامة خلقها الله لتبيين ما هو في علمه السابق، وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ﴾ يحقق ذلك أي الله تعالى قادر على منع إبليس عنهم عالم بما سيقع، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة، إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد والتخفيف، ورفع إبليس ونصب الظن، فمن شدّد فعلى: حقق عليهم ظنه، أو وجده صادقاً؛ ومن خفف فعلى: صدّق في ظنه أو صدّق يظن ظناً، نحو فعلته جهدك، وبنصب إبليس ورفع الظنّ؛ فمن شدّد فعلى: وجد ظنه صادقاً؛ ومن حفف فعلى: قال له ظنه الصدق حين خيله إغواءهم، يقولون: صدقك ظنك، وبالتخفيف ورفعهما على: صدق عليهم ظن إبليس؛ ولو قرئ بالتشديد مع رفعهما لكان على المبالغة في صدق، كقوله: صدقت فيهم ظنوني، ومعناه: أنه حين وجد آدم ضعيف العزم قد أصغى إلى وسوسته قال: إنّ ذرّيته أضعف عزماً منه، فظنّ بهم اتباعه وقال: لأضلنهم لأغوينهم.
وقيل: ظنّ ذلك عند إخبار الله تعالى الملائكة أنه يجعل فيها من يفسد فيها، والضمير في ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ و ﴿ اتبعوه ﴾ إماّ لأهل سبأ، أو لبني آدم.
وقلل المؤمنين بقوله: ﴿ إِلاَّ فَرِيقاً ﴾ لأنهم قليل بالإضافة إلى الكفار، كما قال: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: 62] ، ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين ﴾ [الأعراف: 17] .
﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ ﴾ من تسليط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء إلاّ لغرض صحيح وحكمة بينة، وذلك أن يتميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها.
وعلل التسليط بالعلم والمراد ما تعلق به العلم.
وقرئ: ﴿ ليعلم ﴾ على البناء للمفعول ﴿ حَفِيظٌ ﴾ محافظ عليه، وفعيل ومفاعل: متآخيان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ أيْ صَدَقَ في ظَنِّهِ أوْ صَدَقَ بِظَنِّ ظَنِّهِ مِثْلَ فَعَلْتَهُ جُهْدَكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في: ( صَدَقَ وعْدَهُ ) .
لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، وشَدَّدَهُ الكُوفِيُّونَ بِمَعْنى حَقَّقَ ظَنَّهُ أوْ وجَدَهُ صادِقًا.
وقُرِئَ بِنَصْبِ إبْلِيسَ ورُفِعَ الظَّنُّ مَعَ التَّشْدِيدِ بِمَعْنى وجَدَهُ ظَنَّهُ صادِقًا، والتَّخْفِيفُ بِمَعْنى قالَ لَهُ ظَنُّهُ الصِّدْقُ حِينَ خَيَّلَهُ إغْواءَهم، وبِرَفْعِهِما والتَّخْفِيفِ عَلى الأبْدانِ وذَلِكَ إمّا ظَنُّهُ بِسَبَأٍ حِينَ رَأى انْهِماكَهم في الشَّهَواتِ أوْ بِبَنِي آدَمَ حِينَ رَأى أباهُمُ النَّبِيَّ ضَعِيفَ العَزْمِ، أوْ ما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، أوْ سَمِعَ مِنَ المَلائِكَةِ قَوْلَهم ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ فَقالَ: ( لَأُضِلَّنَّهم ) و ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ .
﴿ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ إلّا فَرِيقًا هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَبِّعُوهُ، وتَقْلِيلُهم بِالإضافَةِ إلى الكُفّارِ، أوْ إلّا فَرِيقًا مِن فِرَقِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ في العِصْيانِ وهُمُ المُخْلَصُونَ.
﴿ وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ ﴾ تَسَلُّطٍ واسْتِيلاءٍ بِالوَسْوَسَةِ والِاسْتِغْواءِ.
﴿ إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ﴾ إلّا لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِذَلِكَ تَعَلُّقًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، أوْ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ مِنَ الشّاكِّ، أوْ لِيُؤْمِنَ مَن قُدِّرَ إيمانُهُ ويَشُكَّ مَن قُدِّرَ ضَلالُهُ، والمُرادُ مِن حُصُولِ العِلْمِ حُصُولُ مُتَعَلِّقِهِ مُبالَغَةً، وفي نَظْمِ الصِّلَتَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى.
﴿ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ مُحافِظٌ والزِّنَتانِ مُتَآخِيَتانِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ} لإبليس على الذين صار ظنه فيهم صدقاً {مِنْ سلطان} من تسليط واستيلاء بالوسوسة {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} موجوداً ما علمناه معدوماً والتغير على المعلوم لا على العلم {مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْء حَفُيظٌ} محافظ عليه وفعيل ومفاعل متآخيان
﴿ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ تَسَلُّطٍ واسْتِيلاءٍ بِالوَسْوَسَةِ والِاسْتِغْواءِ.
﴿ إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ﴾ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، و( مَن ) مَوْصُولَةٌ وجَعْلُها اِسْتِفْهامِيَّةً بِعِيدٌ، والعِلْمُ المُسْتَقْبَلُ المُعَلَّلُ لَيْسَ هو العِلْمَ الأزَلِيَّ القائِمَ بِالذّاتِ المُقَدَّسِ بَلْ تَعَلُّقُهُ بِالمَعْلُومِ في عالَمِ الشَّهادَةِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وهو مُضَمَّنٌ مَعْنى التَّمَيُّزِ لِمَكانِ مِن، أيْ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ تَسَلُّطٌ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِتَعَلُّقِ عِلْمِنا بِمَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مُتَمَيِّزًا مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ تَعَلُّقًا حالِيًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ كَثِيرٍ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ.
وقِيلَ: المَعْنى لِنَجْعَلَ المُؤْمِنَ مُتَمَيِّزًا مِن غَيْرِهِ في الخارِجِ فَيَتَمَيَّزُ عِنْدَ النّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن وُقُوعِ العِلْمِ في المُسْتَقْبَلِ وُقُوعُ المَعْلُومِ لِأنَّهُ لازَمَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ ما كانَ ذَلِكَ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِيُؤْمِنَ مَن قَدَّرَ إيمانَهُ ويَضِلُّ مَن قَدَّرَ ضَلالَهُ، وعُدِلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ لِما فِيهِ مِن جَعْلِ المَعْلُومِ عَيْنَ العِلْمِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعِلْمِ الجَزاءُ فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى الإيمانِ وضِدِّهِ، وقِيلَ: العِلْمُ عَلى ظاهِرِهِ إلّا أنَّ المُسْتَقْبَلَ بِمَعْنى الماضِي وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيُّ بِأهْلِ الشَّكِّ يَسْتَدْعِي تَسَلُّطَ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ لِنُعامِلَ مُعامَلَةَ مَن كَأنَّهُ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ وإنَّما يَعْمَلُ لِيَعْلَمَ، وقِيلَ: المُرادُ لِيَعْلَمَ أوْلِياؤُنا وحِزْبُنا ذَلِكَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ، وكانَ الظّاهِرُ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِها، وعُدِلَ عَنْهُ إلى ما فِيهِ النَّظْمِ الجَلِيلِ لِنُكْتَةٍ، وهي أنَّهُ قُوبِلَ الإيمانُ بِالشَّكِّ لِيُؤْذَنَ بِأنَّ أدْنى مَراتِبِ الكُفْرِ مُهْلِكَةٌ، وأُورِدَ المُضارِعُ في الجُمْلَةِ الأُولى إشارَةً إلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الإيمانِ الخاتِمَةُ، ولِأنَّهُ يَحْصُلُ بِنَظَرٍ تَدْرِيجِيٍّ مُتَجَدِّدٍ، وأتى بِالثّانِيَةِ اِسْمِيَّةً إشارَةً إلى أنَّ المُعْتَبَرَ الدَّوامُ والثَّباتُ عَلى الشَّكِّ إلى المَوْتِ، ونَوَّنَ (شَكٍّ) لِلتَّقْلِيلِ، وأتى بِفي إشارَةً إلى أنَّ قَلِيلَهُ كَأنَّهُ مُحِيطٌ بِصاحِبِهِ، وعَدّاهُ بِمِن دُونَ في وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ إنَّما يَضُرُّ الشَّكُّ النّاشِئُ مِنها، وأنَّهُ يَكْفِي شَكُّ ما فِيما يَتَعَلَّقُ بِها.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «لِيُعْلَمَ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ أيْ وكِيلٌ قائِمٌ عَلى أحْوالِهِ وشُؤُونِهِ، وهو إمّا مُبالَغَةٌ في حافِظٍ وإمّا بِمَعْنى مُحافِظٍ كَجَلِيسٍ ومُجالِسٍ وخَلِيطٍ ومُخالِطٍ ورَضِيعٍ ومُراضِعٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قال في رواية الكلبي: إنهم قالوا للرسل: إنا قد عرفنا نعمة الله علينا، فو الله لئن يرد الله فيئتنا وجماعتنا، والذي كنا عليه، لنعبدنه عبادة لم يعبدها إياه، قوم قط.
فدعت لهم الرسل ربهم فرد الله لهم ما كانوا عليه.
وأتاهم نعمة وجعل لهم من أرضهم إلى أرض الشام قرى متصلة بعضها إلى بعض، فذلك قوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً ثم عادوا إلى الكفر فأتاهم الرسل فذكروهم نعمة الله فكذبوهم فمزقهم الله كل ممزق.
وقال غيره: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها هذا حكاية عما كانوا فيه من قبل أن يرسل عليهم سيل العرم قرى ظاهرة يعني: متصلة على الطريق من حيث يرى بعضها من بعض وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ للمبيت والمعيل من قرية إلى قرية سِيرُوا فِيها يعني: ليسيروا فيها.
اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الشرط والجزاء.
فلم يشكروا ربهم، فسألوا ربهم أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض.
لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وقد كانوا في قراهم آمنين منعّمين فذلك قوله: لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ يعني: أنهم كانوا يسيرون من قرية إلى قرية بالليل والنهار، آمنين من الجوع، والعطش، واللصوص، والسباع.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بَعْدَ بغير ألف وتشديد العين.
وقرأ الباقون باعِدْ بالألف وهما لغتان بَعّدَ باعد.
وقرأ يعقوب الخضرمي وكان من أهل البصرة رَبَّنا بضم الباء باعِدْ بنصب العين وهو على معنى الخبر.
وروى الكلبي عن أبي صالح أنه قرأ هكذا معناه رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فلذلك لا ينصب.
ثم قال: وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالشرك وتكذيب الأنبياء فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يعني: أهلكهم الله تعالى فصاروا أحاديث للناس يتحدثون في أمرهم وشأنهم لم يبق أحد منهم في تلك القرى وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي: فرقناهم في كل وجه، فألقى الله الأزد بعمان، والأوس والخزرج بالمدينة، وهما أخوان وأهل المدينة كانوا من أولادهما إحدى القبيلتين الخزرج والأخرى الأوس، فسموا باسم أبيهم.
وخزاعة بمكة كانوا بنو خزاعة، منهم لخم وجذام بالشام.
ويقال كلب وغسان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: في هلاكهم وتفريقهم لعبرات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني: للمؤمنين الذين صبروا على طاعة الله تعالى، وشكروا نعمته.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ يعني: على أهل سبأ.
ويقال: هذا ابتداء.
يعني: جميع الكفار وذلك أن إبليس قد قال: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) [ص: 82- 83] فكان ذلك ظناً منه فصدق ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً يعني: طائفة مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وهم الذين قال الله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] وقال سعيد بن جبير: كان ظنه أنه قال: أنا ناري وآدم طيني والنار تأكل الطين.
وكذا روي عن ابن عباس- - قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: وَلَقَدْ صَدَّقَ بالتخفيف يعني: صدق في ظنه.
وقرأ الباقون: صَدَّقَ بالتشديد.
يعني: صار ظنه صدقاً.
قوله عز وجل: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ يعني: لم يكن له عليهم ملك فيقهرهم.
ويقال: يعني ما سلطناه عليهم إلا لنختبرهم من الذي يطيعنا.
وقال الحسن البصري- رحمة الله-: والله ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها فأجابوه.
وقال قتادة: والله ما كان ظنه إلا ظناً، فنزل الناس عند ظنه.
وقال معمر: قال لي مقاتل: إن إبليس لما أنزل آدم- - ظن أن في ذريته من سيكون أضعف منه.
فصدق عليهم ظنه.
فإن قيل في آية أخرى: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل: 100] وهاهنا يقول: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ قيل له: أراد بالسلطان هناك الحجة يعني: إنما حجته على الذين يتولونه.
وهاهنا أراد به الملك والقهر يعني: لم يكن له عليهم ملك يقهرهم به.
ويقال: معنى الآيتين واحد.
لأن هناك قال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سلطان على الذين آمنوا.
وهاهنا قال: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان يعني: حجة على فريق من المؤمنين إلا بالتزيين والوسوسة منه.
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ يعني: نميز من يصدق بالبعث ممن هو في شك.
يعني: من قيام الساعة.
وقال القتبي: علم الله نوعان: أحدهما علم ما يكون من إيمان المؤمنين.
وكفر الكافرين من قبل أن يكون.
وهذا علم لا يجب به حجة، ولا عقوبة، والآخر علم الأمور الظاهرة.
فيحق به القول، ويقع بوقوعها الجزاء.
يعني: ما سلطانه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهراً موجوداً، وكفر الكافرين ظاهراً موجوداً.
وكذلك قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [آل عمران: 142] الآية.
ثم قال عز وجل: وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ يعني: عالماً بالشك واليقين.
ويقال: عالم بقولهم.
ويقال: عالم بما يكون منهم قبل كونه.
ويقال: حفيظ يحفظ أعمالهم ليجازيهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ( لِقَدٍّ كانَ لِسَبَإ في مَساكِنِهِمْ آيَة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " في مَساكِنِهِمْ " .
وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَسْكَنِهِمْ " بِفَتْحِ الكافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " مَسْكِنِهِمْ " بِكَسْرِ الكافِ، وهي لُغَةٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِسَبَإٍ هاهُنا: القَبِيلَةُ الَّتِي هم مِن أوْلادِ سَبَإ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (النَّمْلِ: ٢٢) الخِلافَ في هَذا، وأنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: هو اسْمُ بَلَدٍ، ولَيْسَ بِاسْمِ رَجُلٍ.
وذَكَرَ الزَّجّاجُ في هَذا المَكانِ أنَّ مَن قَرَأ: " لِسَبَأ " بِالفَتْحِ وتَرْكِ الصَّرْفِ، جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، ومَن صَرَفَ وكَسَرَ ونَوَّنَ، جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ واسْمًا لِرَجُلٍ؛ وكُلٌّ جائِزٌ حَسَنٌ.
و ﴿ آيَةٌ ﴾ رَفْعٌ، اسْمُ " كانَ "، و ﴿ جَنَّتانِ ﴾ رَفْعٌ عَلى نَوْعَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن " آيَةٌ "، والثّانِي: عَلى إضْمارٍ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: " آيَةٌ "، قِيلَ: الآيَةُ جَنَّتانِ.
الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ العُلَماءُ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا مَلَكَتْ [قَوْمَها] جَعَلَ قَوْمُها يَقْتَتِلُونَ عَلى ماءِ وادِيهِمْ، فَجَعَلَتْ تَنْهاهم فَلا يُطِيعُونَها، فَتَرَكَتْ مُلْكَها وانْطَلَقَتْ إلى قَصْرِها فَنَزَلْتُهُ، فَلَمّا كَثُرَ الشَّرُّ بَيْنَهم ونَدِمُوا، أتَوْها فَأرادُوها عَلى أنْ تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فَأبَتْ، فَقالُوا: لِتَرْجِعِنَّ أوْ لَنَقْتُلَنَّكِ، فَقالَتْ: إنَّكم لا تُطِيعُونَنِي ولَيْسَتْ لَكم عُقُولٌ، فَقالُوا: فَإنّا نُطِيعُكِ، فَجاءَتْ إلى وادِيهِمْ- وكانُوا إذا مُطِرُوا أتاهُ السَّيْلُ مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ- فَأمَرَتْ بِهِ، فَسُدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِمُسَنّاةٍ، وحَبَسَتِ الماءَ مِن وراءِ السَّدِّ، وجَعَلَتْ لَهُ أبْوابًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وبَنَتْ مِن دُونِهِ بِرْكَةً وجَعَلَتْ فِيها اثْنَيْ عَشَرَ مَخْرَجًا عَلى عِدَّةِ أنْهارِهِمْ، فَكانَ الماءُ يَخْرُجُ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ، إلى أنْ كانَ مِن شَأْنِها مَعَ سُلَيْمانَ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ [النَّمْلِ: ٢٩- ٤٤]، وبَقُوا بَعْدَها عَلى حالِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّما بَنَوْا ذَلِكَ البُنْيانَ لِئَلّا يَغْشى السَّيْلُ أمْوالَهم فَيُهْلِكَها، فَكانُوا يَفْتَحُونَ مِن أبْوابِ السَّدِّ ما يُرِيدُونَ، فَيَأْخُذُونَ مِنَ الماءِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وكانَتْ لَهم جَنَّتانِ عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وعَنْ شِمالِهِ، فَأخْصَبَتْ أرْضُهُمْ، وكَثُرَتْ فَواكِهُهُمْ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَمُرُّ بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ والمِكْتَلُ عَلى رَأْسِها، فَتَرْجِعُ وقَدِ امْتَلَأ مِنَ الثَّمَرِ ولا تَمَسُّ بِيَدِها شَيْئًا مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ [يُرى] في بَلَدِهِمْ حَيَّةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغُوثٌ، ويَمُرُّ الغَرِيبُ بِبَلْدَتِهِمْ وفي ثِيابِهِ القَمْلُ، فَيَمُوتُ القَمْلُ لِطِيبِ هَوائِها.
وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ أيْ: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، أوْ بَلْدَتُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، ولَمْ تَكُنْ سَبِخَةً ولا فِيها ما يُؤْذِي ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ أيْ: واللَّهُ رَبٌّ غَفُورٌ، وكانَتْ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَرْيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، ولَمْ يُقِرُّوا بِنِعَمِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأعْرَضُوا ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ العَرِمَ: الشَّدِيدُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ: السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.
والثّانِي: [أنَّهُ] اسْمُ الوادِي، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُسَنّاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مَيْسَرَةَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرِمُ: جَمْعُ عِرَمَةٍ، وهِيَ: السِّكْرُ والمُسَنّاةُ.
والرّابِعُ: أنَّ العَرِمَ: الجُرَذُ الَّذِي نَقَبَ عَلَيْهِمُ السِّكْرَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي صِفَةِ إرْسالِ هَذا السَّيْلِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلى سِكْرِهِمْ دابَّةً مِنَ الأرْضِ فَنَقَبَتْ فِيهِ نَقْبًا، فَسالَ ذَلِكَ الماءُ إلى مَوْضِعٍ غَيْرِ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُرَذًا يُسَمّى الخُلْدَ- والخُلْدُ: الفَأْرُ الأعْمى- فَنَقَبَهُ مِن أسْفَلِهِ، فَأغْرَقَ اللَّهُ [بِهِ] جَنّاتِهِمْ، وخَرَّبَ بِهِ أرْضَهم.
والثّانِي: أنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ ماءً أحْمَرَ، أرْسَلَهُ في السَّدِّ فَنَسَفَهُ وهَدَمَهُ وحَفَرَ الوادِيَ، ولَمْ يَكُنِ الماءُ أحْمَرَ مِنَ السَّدِّ، وإنَّما كانَ سَيْلًا أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي اللَّتَيْنِ تُطْعِمانِ الفَواكِهَ ﴿ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أُكُلٍ " بِالتَّنْوِينِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: " أُكُلِ " بِالإضافَةِ.
وخَفَّفَ الكافَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وثَقَّلَها الباقُونَ.
أمّا الأُكُلُ، فَهو الثَّمَرُ.
وَفِي المُرادِ بِـ الخَمْطِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأراكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ؛ فَعَلى هَذا، أُكُلُهُ: ثَمَرُهُ؛ ويُسَمّى ثَمَرُ الأراكِ: البَرِيرَ.
والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَجَرَةٍ ذاتِ شَوْكٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ قَدْ أخَذَ طَعْمًا مِنَ المَرارَةِ حَتّى لا يُمْكِنَ أكْلُهُ، قالَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ، الخَمْطُ: اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ، فَيَحْسُنُ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن نَوَّنَ الأُكُلَ؛ وعَلى ما قَبْلَهُ، هو اسْمُ شَجَرَةٍ، والأُكُلُ ثَمَرُها، فَيَحْسُنُ قِراءَةُ مَن أضافَ.
فَأمّا الأثْلُ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الطَّرْفاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّمُرَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ شَجَرٌ يُشْبِهُ الطُّرَفاءَ إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ، وتَقْدِيرُهُ: وشَيْءٌ قَلِيلٌ مِن سِدْرٍ، وهو شَجَرُ النَّبْقِ.
والمَعْنى أنَّهُ كانَ الخَمْطُ والأثْلُ في جَنَّتَيْهِمْ أكْثَرَ مِنَ السِّدْرِ.
قالَ قَتادَةُ: بَيْنا شَجَرُهم مِن خَيْرِ الشَّجَرِ، إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلَ جَزَيْناهم ﴿ بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: قَدْ يُجازى المُؤْمِنُ والكافِرُ، فَما مَعْنى هَذا التَّخْصِيصِ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُؤْمِنَ يُجْزى ولا يُجازى، فَيُقالُ في أفْصَحِ اللُّغَةِ: جَزى اللَّهُ المُؤْمِنَ، ولا يُقالُ: جازاهُ، لِأنَّ " جازاهُ " بِمَعْنى كافَأهُ، فالكافِرُ يُجازى بِسَيِّئَتِهِ مِثْلَها، مُكافَأةً لَهُ، والمُؤْمِنُ يُزادُ في الثَّوابِ ويُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّ الكافِرَ لَيْسَتْ لَهُ حَسَنَةٌ تُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ، فَهو يُجازى بِجَمِيعِ الذُّنُوبِ، والمُؤْمِنُ قَدْ أحْبَطَتْ حَسَناتُهُ سَيِّئاتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وقالَ طاوُوسٌ: الكافِرُ يُجازى ولا يُغْفَرُ لَهُ، والمُؤْمِنُ لا يُناقَشُ الحِسابَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ﴾ ؛ والمَعْنى: كانَ مِن قِصَصِهِمْ أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم ﴿ وَبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ وهِيَ: قُرى الشّامِ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ فِيها [الأنْبِياءِ: ٧١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وحَكى ابْنُ السّائِبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْلَكَ جَنَّتَيْهِمْ قالُوا لِلرُّسُلِ: قَدْ عَرَفْنا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْنا، فَلَئِنْ رَدَّ إلَيْنا ما كُنّا عَلَيْهِ لَنَعْبُدَنَّهُ عِبادَةً شَدِيدَةً، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ، وجَعَلَ لَهم قُرًى ظاهِرَةً فَعادُوا إلى الفَسادِ وقالُوا: باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا، فَمُزِّقُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُرًى ظاهِرَةً ﴾ أيْ: مُتَواصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ ﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَغْدُونَ فَيَقِيلُونَ في قَرْيَةٍ، ويَرُوحُونَ فَيَبِيتُونَ في قَرْيَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ ما بَيْنَ القَرْيَةِ والقَرْيَةِ مِقْدارًا واحِدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ والمَعْنى: وقُلْنا لَهُمْ: سِيرُوا فِيها ﴿ لَيالِيَ وأيّامًا ﴾ أيْ: لَيْلًا ونَهارًا ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِن مَخاوِفِ السَّفَرِ مِن جُوعٍ أوْ عَطَشٍ أوْ سَبُعٍ أوْ تَعَبٍ.
وكانُوا يَسِيرُونَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ في أمانٍ، فَبَطَرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوها كَما مَلَّ بَنُو إسْرائِيلَ المَنَّ والسَّلْوى فَقالُوا رَبَّنا بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " باعِدْ " بِألِفٍ وكَسْرِ العَيْنِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقِراءَتَيْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهم قالُوا: لَوْ كانَتْ جَنّاتُنا أبْعَدَ مِمّا هِيَ، كانَ أجْدَرَ أنْ يُشْتَهى جَناها.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا ذَكَّرَتْهُمُ الرُّسُلُ نِعَمَ اللَّهِ، أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ ما هم فِيهِ نِعْمَةً، وَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُباعِدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: [ " رَبُّنا " بِرَفْعِ الباءِ] " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ لِلنّاسِ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ [السُّلَمِيُّ]، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بَعُدَ " بِرَفْعِ العَيْنِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ الدّالِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، عَلى طَرِيقِ الشِّكايَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " بُوعِدَ " بِرَفْعِ الباءِ وبِواوٍ ساكِنَةٍ مَعَ كَسْرِ العَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بِالكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ.
والثّانِي: بِقَوْلِهِمْ " بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا " .
﴿ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ لِمَن بَعْدَهم يَتَحَدَّثُونَ بِما فُعِلَ بِهِمْ ﴿ وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا غَرَّقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَيْهِمْ تَبَدَّدُوا في البِلادِ، فَصارَتِ العَرَبُ تَتَمَثَّلُ في الفِرْقَةِ بِسَبَأٍ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: فِيما فُعِلَ بِهِمْ ﴿ لآياتٍ ﴾ أيْ: لَعِبَرًا ﴿ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ﴿ شَكُورٍ ﴾ لِنِعَمِهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ " عَلَيْهِمْ " بِمَعْنى " فِيهِمْ "، وَصِدْقُهُ في ظَنِّهِ أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهم يَتَّبِعُونَهُ إذْ أغْواهُمْ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ.
وإنَّما قالَ: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ بِالظَّنِّ، لا بِالعِلْمِ، فَمَن قَرَأ: " صَدَّقَ " بِتَشْدِيدِ الدّالِ، فالمَعْنى: حَقَّقَ ما ظَنَّهُ فِيهِمْ بِما فُعِلَ بِهِمْ؛ ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فالمَعْنى: صَدَقَ عَلَيْهِمْ في ظَنِّهِ بِهِمْ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ سَبَإٍ.
والثّانِي: سائِرُ المُطِيعِينَ لِإبْلِيسَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢ قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما ضَرَبَهم بِعَصًا ولا قَهْرَهم عَلى شَيْءٍ إلّا أنَّهُ دَعاهم إلى الأمانِيِّ والغُرُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ أيْ: ما كانَ تَسْلِيطُنا إيّاهُ إلّا لِنَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشّاكِّينَ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: " إلّا لِيُعْلَمَ " بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ: " لِيَعْلَمَ " بِفَتْحِ الياءِ.
وَفِي المُرادِ بِعِلْمِهِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ ٍ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ (العَنْكَبُوتِ: ٣) .
﴿ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الشَّكِّ والإيمانِ ﴿ حَفِيظٌ ﴾ ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والحَفِيظُ بِمَعْنى الحافِظِ.
قالَ الخَطّابِيُّ: وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كالقَدِيرِ، والعَلِيمِ، فَهو يَحْفَظُ السَّماواتِ والأرْضَ بِما فِيها لِتَبْقى مُدَّةَ بَقائِها، ويَحْفَظَ عِبادَهُ مِنَ المَهالِكِ، ويَحْفَظَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، ويَعْلَمَ نِيّاتِهِمْ، ويَحْفَظَ أوْلِياءَهُ عَنْ مُواقَعَةِ الذُّنُوبِ، ويَحْرُسُهم مِن مَكايِدِ الشَّيْطانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ ﴾ ﴿ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وصْفٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ السَيْلِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى - مَعَ ما كانَ مِنهم - مَنَحَهم مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِعْمَةِ الخاصَّةِ بِهِمْ، كانَ قَدْ أصْلَحَ لَهُمُ البِلادَ المُتَّصِلَةَ بِهِمْ وعَمَّرَها، وجَعَلَهم أرْبابَها، وقَدَّرَ فِيها السَيْرَ بِأنْ قَرَّبَ القُرى بَعْضَها مِن بَعْضٍ، حَتّى كانَ المُسافِرُ مِن مَأْرَبَ إلى الشامِ لَيَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في قَرْيَةٍ، أُخْرى، فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلِ زادٍ، و"القُرى": المُدُنُ، ويُقالُ لِلْجَمْعِ الصَغِيرِ قَرْيَةٌ أيْضًا، وكُلُّها مِن: قَرَيْتُ، أيْ جَمَعْتُ، والقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها هي قُرى الشامِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والقُرى الظاهِرَةُ هي الَّتِي بَيْنَ الشامِ ومَأْرَبَ، وهي الصِغارُ الَّتِي هي البَوادِي.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي قُرًى عَرَبِيَّةٌ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وقالَهُ الضَحّاكُ، واخْتُلِفَ في مَعْنى "ظاهِرَةً"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَعْلِيَةً مُرْتَفِعَةً في الإكامِ والظِرابِ، وهي أشْرَفُ القُرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَظْهَرُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَهي أبَدًا في قَبْضَةِ عَيْنِ المُسافِرِ، لا يَخْلُو مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنها بِهَذا الوَجْهِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى "ظاهِرَةً": خارِجَةً عَنِ المُدُنِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِغارِ الَّتِي هي في ظَواهِرِ المُدُنِ، فَإنَّما فَصَلَ بِهَذِهِ الصِفَةِ بَيْنَ القُرى الصِغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ؛ لِأنَّ ظَواهِرَ المُدُنِ ما خَرَجَ عنها في الفَيافِي والفُحُوصِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: نَزَلْنا بِظاهِرِ فُلانَةٍ، أيْ: خارِجًا عنها.
وقَوْلُهُ: "ظاهِرَةً" نَظِيرُ تَسْمِيَةِ الناسِ إيّاها البادِيَةَ والضاحِيَةَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةٌ ∗∗∗ قُرَيْشُ البِطاحِ لا قُرَيْشُ الظَواهِرِ يَعْنِي الخارِجِينَ عن بَطْحاءِ مَكَّةَ، وفي حَدِيثِ الِاسْتِسْقاءِ: « "وَجاءَ أهْلُ الضَواحِي يَشْتَكُونَ: الغَرَقُ الغَرَقُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ ﴾ ، هو ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُسافِرَ فِيها كانَ يَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في أُخْرى عَلى أيِّ طَرِيقٍ سَلَكَ، لا يُعْوِزُهُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ مَعْناهُ: قُلْنا لَهم.
و[آمِنِينَ] مَعْناهُ: مِنَ الخَوْفِ مِنَ الناسِ المُفْسِدِينَ، وآمِنِينَ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ المُسافِرِ.
ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَةً قالُوها عَلى جِهَةِ البَطَرِ والأشَرِ، وهي طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأسْفارِ، والإخْبارُ بِأنَّها بَعِيدَةٌ عَلى القِراءاتِ الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ نافِعًا، وعاصِمًا، وحَمْزَةَ، والكِسائِيَّ قَرَؤُوا: "باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى مَعْنى الطَلَبِ أيْضًا، فَهاتانِ مَعْناهُما الأشَرُ بِأنَّهم مَلُّوا النِعْمَةَ بِالقُرْبِ، وطَلَبُوا اسْتِبْدالَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ.
وفي كِتابِ الرُمّانِيِّ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ جَنْيُ ثِمارِنا أبْعَدَ لَكانَ أشْهَرَ وأكْثَرَ قِيمَةً، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - أخُو الحَسَنِ - وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: "رَبَّنا" بِالنَصْبِ "بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا" بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ العَيْنِ، ونَصْبِ "بَيْنَ" أيْضًا.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ -: "بَيْنُ" بِالرَفْعِ وإضافَتِهِ إلى الأسْفارِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أيْضًا "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "باعَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "بَعَّدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّها وفَتْحِ الدالِ.
فَهَذِهِ القِراءَةُ مَعْناها الإخْبارُ بِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا القَرِيبَ، ورَأوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْنِعٍ لَهُمْ، حَتّى كَأنَّهم أرادُوها مُتَّصِلَةً بِالدُورِ، وفي هَذا تَعَسُّفٌ وتَسَخُّطٌ عَلى أقْدارِ اللهِ تَعالى وإرادَتِهِ، وقِلَّةُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَتِهِ، بَلْ هي مُقابَلَةُ النِعْمَةِ بِالتَشَكِّي.
وفي هَذا المَعْنى ونَحْوِهِ مِمّا اقْتَرَنَ بِكُفْرِهِمْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَفَرَّقَهُمُ اللهُ تَعالى، وخَرَّبَ بِلادَهُمْ، وجَعَلَهم أحادِيثَ، ومِنهُ المَثَلُ السائِرُ: "تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَأٍ"، و"أيْدِي سَبَأٍ" ويُقالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ، وهَذا هو تَمَزُّقُهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "إنَّ سَبَأً أبُو عَشْرِ قَبائِلَ"،» فَلَمّا جاءَ السَيْلُ عَلى مَأْرَبَ وهو اسْمُ بَلَدِهِمْ تَيامَنَ مِنهم سِتَّةُ قَبائِلَ، أيْ: إذْ تَبَدَّدَتْ في بِلادِ اليَمَنِ، وتَشاءَمَتْ مِنها أرْبَعَةٌ، فالمُتَيامِنَةُ كِنْدَةُ والأزْدُ وأشْعَرُ ومَذْحِجٌ وأنْمارٌ الَّتِي مِنها بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ، وطائِفَةٌ قِيلَ لَها: حِمْيَرٌ، بَقِيَ عَلَيْها اسْمُ الأبِ الأوَّلِ، والَّتِي تَشاءَمَتْ لَخْمٌ وجُذامٌ وغَسّانُ وخُزاعَةُ، نَزَلَتْ تِهامَةَ، ومِن هَذِهِ المُتَشائِمَةِ أولادُ قَيْلَةَ، وهُمُ الأوسُ والخَزْرَجُ، ومِنها عامِلَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتَهُ - عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ - أنَّ هَذِهِ القَصَصَ فِيها آياتٌ وعِبَرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلى الكَمالِ، ومَنِ اتَّصَفَ بِالصَبْرِ والشُكْرِ فَهو المُؤْمِنُ الَّذِي لا تَنْقُصُهُ خَلَّةٌ جَمِيلَةٌ بِوَجْهٍ.
<div class="verse-tafsir"
الأظهر أن هذا عطف على قوله: ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلُّكم على رجل ﴾ [سبأ: 7] الآية وأن ما بينهما من الأخبار المسوقة للاعتبار كما تقدم واقع موقع الاستطراد والاعتراض فيكون ضمير ﴿ عليهم ﴾ عائداً إلى ﴿ الذين كفروا ﴾ من قوله: ﴿ وقال الذين كفروا هل نُدلكم ﴾ الخ.
والذي درج عليه المفسرون أن ضمير ﴿ عليهم ﴾ عائد إلى سبأ المتحدث عنهم.
ولكن لا مفرّ من أن قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون اللَّه ﴾ [سبأ: 22] الآيات هو عَوْد إلى محاجة المشركين المنتقل منها بذكر قصة داود وسليمان وأهل سبا.
وصلوحية الآية للمحملين ناشئة من موقعها، وهذا من بلاغة القرآن المستفادة من ترتيب مواقع الآية.
فالمقصود تنبيه المؤمنين إلى مكائد الشيطان وسوء عاقبة أتباعه ليحذروه ويستيقظوا لكيده فلا يقعوا في شَرَك وسوسته.
فالمعنى: أن الشيطان سوّل للمشركين أو سوّل للمُمثَّل بهم حالُ المشركين الإِشراك بالمنعم وحسَّن لهم ضد النعمة حتى تمنّوه وتوسم فيهم الانخداع له فألقى إليهم وسوسته وكرّه إليهم نصائح الصالحين منهم فَصَدق توسُّمُه فيهم أنهم يأخذون بدعوته فقبلوها وأعرضوا عن خلافها فاتبعوه.
ففي قوله: ﴿ صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ إيجاز حذف لأن صِدق الظن المفرع عنه اتَّباعهم يقتضي أنه دعاهم إلى شيء ظانّاً استجابة دعوته إياهم.
وقرأ الجمهور ﴿ صدق ﴾ بتخفيف الدال ف ﴿ إبليس ﴾ فاعل و ﴿ ظنه ﴾ منصوب على نزع الخافض، أي في ظنه.
و ﴿ عليهم ﴾ متعلق ب ﴿ صدق ﴾ لتضمينه معنى أوقع أو ألقى، أي أوقع عليهم ظنه فصدق فيه.
والصِدق بمعنى الإِصابة في الظن لأن الإِصابة مطابقة للواقع فهي من قبيل الصدق.
قال أبو الغول الطُهَوي من شعراء الحماسة: فدتْ نفسي وما ملكتْ يميني *** فوارسَ صُدِّقَتْ فيهم ظنوني وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف ﴿ صدَّق ﴾ بتشديد الدال بمعنى حقّق ظنه عليهم حين انخدعوا لوسوسته فهو لمّا وسوس لهم ظن أنهم يطيعونه فجدّ في الوسوسة حتى استهواهم فحقق ظنه عليهم.
وفي (على) إيماء إلى أن عمل إبليس كان من جنس التغلب والاستعلاء عليهم.
وقوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ تفريع وتعقيب على فعل ﴿ صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ أي تحقق ظنه حين انفعلوا لفعل وسوسته فبادروا إلى العمل بما دعاهم إليه من الإِشراك والكفران.
و ﴿ إلا فريقاً ﴾ استثناء من ضمير الرفع في ﴿ فاتبعوه ﴾ وهو استثناء متصل إن كان ضمير «اتبعوه» عائداً على المشركين وأما إن كان عائداً على أهل سبا فيحتمل الاتصال إن كان فيهم مؤمنين وإلا فهو استثناء منقطع، أي لم يعصه في ذلك إلا فريق من المؤمنين وهم الذين آمنوا من أهل مكة، أو الذين آمنوا من أهل سبا.
فلعل فيهم طائفة مؤمنين ممن نجوا قبل إرسال سيل العرم.
والفريق: الطائفة مطلقاً، واستثناؤها من ضمير الجماعة يؤذن بأنهم قليل بالنسبة للبقية، وإلا فإن الفريق يصدق بالجماعة الكثيرة كما في قوله تعالى: ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ [الأعراف: 30].
والتعريف في ﴿ المؤمنين ﴾ للاستغراق و ﴿ مِن ﴾ تبعيضية، أي إلا فريقاً هم بعض جماعات المؤمنين في الأزمان والبلدان.
وقوله: ﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ أي ما كان للشيطان من سلطان على الذين اتبعوه.
وفعل ﴿ كان ﴾ في النفي مع ﴿ مِن ﴾ التي تفيد الاستغراق في النفي يفيد انتفاء السلطان، أي المِلك والتصريف للشيطان، أي ليست له قدرة ذاتية هو مستقل بها يتصرف بها في العالم كيف يشاء لأن تلك القدرة خاصة بالله تعالى.
والاستثناء في قوله: ﴿ إلا لنعلم ﴾ استثناء من علل.
فيفيد أن تأثير وسوسته فيهم كان بتمكين من الله، أي لكن جعلنا الشيطان سبباً يتوجه إلى عقولهم وإرادتهم فتخامرها وسوستُه فيتأثر منها فريق وينجو منها فريق بما أودع الله في هؤلاء وهؤلاء من قوة الانفعال أو الممانعة على حسب السنن التي أودعها الله في المخلوقات.
ويجوز أن يكون الاستثناء من عموم سلطان، وحذف المستثنى ودلّ عليه علته والتقدير: إلا سلطاناً لنعلم من يؤمن بالآخرة.
فيدل على أنه سلطان مجعول له بجعل الله بقرينة أن تعليله مسند إلى ضمير الجلالة.
وانظر ما قلناه عند قوله تعالى: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ في سورة الحجر (42) وضُمَّه إلى ما قلناه هنا.
واقتُصر من علل تمكين الشيطان من السلطان على تمييز مَن يؤمن بالآخرة ومَن لا يؤمن بها لمراعاة أحوال الذين سبقت إليهم الموعظة بأهل سَبا وهم كفار قريش لأن جحودهم الآخرة قرين للشرك ومساو له فإنهم لو آمنوا بالآخرة لآمنوا بربها وهو الرب الواحد الذي لا شريك له، وإلا فإن علل جعل الشيطان للوسوسة كثيرة مرجعها إلى تمييز الكفار من المؤمنين، والمتقين من المعرضين.
وكني ب نعلم عن إظهار التمييز بين الحالين لأن الظهور يلازم العلم في العرف.
قال قبيصة الطائي من رجال حرب ذي قار: وأقبلت والخطيُّ يَخطِر بيننا *** لأعَلَم مَن جبانها من شجاعها أراد ليتميز الجبان من الشجاع فيعلمه الناس، فإن غرضه الأهم إظهار شجاعة نفسه لثقته بها لا اختبار شجاعة أقرانه وإلا لكان متردداً في إقدامه.
فالمعنى: ليظهر من يؤمن بالآخرة ويتميز عمّن هو منها في شك فيعلمه من يعلمه ويتعلق علمنا به تعلقاً جُزئياً عند حصوله يترتب عليه الجزاء فقد ذكرنا فيما تقدم أن لا محيص من اعتبار تعلق تنجيزيّ لعلم الله.
ورأيت في الرسالة الخاقانية } لعبد الحكيم السلكوتي أن بعض العلماء أثبت ذلك التعلق ولم يعين قائله.
وخولف في النظم بين الصلتين فجاءت جملة ﴿ من يؤمن بالآخرة ﴾ فعلية، وجاءت جملة ﴿ هو منها في شك ﴾ اسمية لأن الإِيمان بالآخرة طارئ على كفرهم السابق ومتجدد ومتزايد آنا فآنا.
فكان مقتضى الحال إيراد الفعل في صلة أصحابه.
وأما شكهم في الآخرة فبخلاف ذلك هو أمر متأصل فيهم فاجتلبت لأصحابه الجملة الإسمية.
وجيء بحرف الظرفية للدلالة على إحاطة الشك بنفوسهم ويتعلق قوله: ﴿ منها ﴾ بقوله: «بشك».
وجملة ﴿ وربك على كل شيء حفيظ ﴾ تذييل.
والحفيظ: الذي لا يخرج عن مقدرته ما هو في حفظه، وهو يقتضي العلم والقدرة إذ بمجموعهما تتقوم ماهية الحفظ ولذلك يُتبع الحفظ بالعلم كثيراً كقوله تعالى: ﴿ إني حفيظ عليم ﴾ [يوسف: 55].
وصيغة فعيل تدل على قوة الفعل وأفاد عموم ﴿ كل شيء ﴾ أنه لا يخرج عن علمه شيء من الكائنات فتنزل هذا التذييل منزلة الاحتراس عن غير المعنى الكنائي من قوله: ﴿ لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ﴾ ، أي ليظهر ذلك لكل أحد فتقوم الحجة لهم وعليهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ حَوّاءُ، وهَبَطَ إبْلِيسُ، قالَ إبْلِيسُ أما إذْ أُصِيبَ مِنَ الأبَوَيْنِ ما أصَبْتُ فالذَّرِّيَّةُ أضْعَفُ وأضْعَفُ وكانَ ظَنًّا مِن إبْلِيسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ إبْلِيسَ إذْ قالَ: خُلِقْتُ مِن نارٍ وخُلِقَ آدَمُ مِن طِينٍ والنّارُ تَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ، لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا، فَصَدَقَ ظَنُّهُ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ أرَأيْتُ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ كَرَّمْتَهم وشَرَّفْتَهم وفَضَّلْتَهم عَلَيَّ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ، ظَنٌّ مِنهُ فَصَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّهُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ إنْ أغْواهم أجابُوهُ وإنْ أضَلَّهم أطاعُوهُ فَصَدَقَ ظَنُّهُ فاتَّبَعُوهُ قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاتَّبَعُوا إبْلِيسَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: فاتَّبَعُوا ظَنَّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ قال إبليس: إن آدم خلق من تراب، ومن طين، ومن حمإ مسنون خلقاً ضعيفاً، وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء ﴿ لأحتنكن ذريته إلا قليلاً ﴾ [ الإسراء: 62] قال: فصدق ظنه عليهم فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين قال: هم المؤمنون كلهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأها ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ مشددة قال: ظن بهم ظناً فصدقه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ قال: على الناس إلا من أطاع ربه.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ ظن بهم فوافق ظنه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة ومعه حوّاء عليها السلام هبط إبليس فرحاً بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف، وكان ذلك ظناً من إبليس عند ذلك فقال: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أغره، وأمنيه، وأخدعه، فقال الله تعالى: «وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كان عليهم من سلطان ﴾ قال: والله ما ضربهم بعصا، ولا سيف، ولا سوط، وما أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني، دعاهم إليها فاجابوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا لنعلم...
﴾ قال: إنما كان بلاء ليعلم الله الكافر من المؤمن.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى ما امتحنا بإبليس إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة إلا لنعلم ذلك علم وقوعه منهم، وهو الذي يجازون عليه (١) ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ ﴾ الآية.
وقال: ﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ (٢) (٣) ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾ (٤) (٥) (٦) ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ قال مقاتل: كل شيء من الإيمان والشك رقيب (٧) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 252.
(٢) قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
وقال في سورة الحجر: ﴿ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ الآية: 39.
(٣) في (ب): (إلا إياه) وهو خطأ.
(٤) "تأويل مشكل القرآن": ص 311 - 312.
(٥) عند تفسير الآية 142 من آل عمران.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 87، "تفسير الماوردي" 4/ 447، "مجمع البيان" 8/ 608، "زاد المسير" 6/ 449، "تفسير مقاتل" 99 أ.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ أي وجد ظنه فيهم صادقاً يعني قوله: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ [ص: 82]، وقوله: ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 17].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.
﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.
الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.
﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.
الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.
الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.
وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.
الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.
الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.
الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.
الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".
الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.
التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ وقال في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.
واعلم أنه وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.
ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.
ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.
وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.
ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.
وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.
وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".
وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.
ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.
وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.
وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.
وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.
ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.
وأولو العلم هم أصحاب الرسول والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.
ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.
وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.
والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.
ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.
ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.
والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.
وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.
وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.
وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.
وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.
وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.
﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.
ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.
ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.
قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.
والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.
وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.
وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.
و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.
﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.
والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.
يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟
فيثنون عليه فقيض الله ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.
فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.
وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.
وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.
ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.
ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.
يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.
ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.
روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.
زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو يففقه تسبيحهم فيسبح.
والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.
وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.
والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.
والمراد بالشياطين ناس أقوياء.
ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.
وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.
أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.
وههنا نكتة وهي أن الله ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.
لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.
وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.
وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.
وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.
وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.
قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.
وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.
ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".
والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.
عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.
ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.
وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.
والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.
وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.
ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.
ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.
وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.
وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.
قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.
يروى أن داود جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.
والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.
وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.
وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.
يروى أن داود أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.
فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟
فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟
فقالت: لخراب هذا المسجد.
فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.
فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.
وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.
فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.
فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟
فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.
والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.
والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.
وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.
وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.
أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.
وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.
وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.
ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.
وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.
ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.
عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.
قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴾ .
وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.
وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.
وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.
وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.
وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.
وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.
ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.
يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.
وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.
وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.
والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.
ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.
والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.
والخمط شجر الأراك.
أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.
الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.
والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.
عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.
من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.
وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.
قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.
وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.
وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.
﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.
ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.
قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.
والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.
ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.
ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.
ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.
ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.
واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.
وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.
والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.
ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.
وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.
ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.
ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.
والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.
التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.
﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.
يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.
كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.
قال جبرائيل : لو دنوت أنملة لاحترقت.
﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.
فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.
فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.
﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.
وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.
﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ﴾ .
يحتمل الآية التي ذكر لهم في مساكنهم: الجنتين اللتين ذكرهما: إحداهما عن اليمين، والأخرى عن الشمال، ويكون لهم فيها عبرة، فتحملهم على الشكر لربهم عليهما؛ والحمد له، والثناء عليه في تلك النعم.
أو يذكرهم قدرة خالقهم وسلطانه وهيبته؛ فيحملهم ذلك على الخوف في العواقب، والعقاب على خلافه، ورجاء الثواب على طاعته، فلم يتذكروا.
أو أن يكون الآية التي ذكر لهم في تبديل الجنتين اللتين كان لهم فيهما كل سعة وخصب، وكل ألوان الفواكه والجواهر، على غير مؤنة تلحقهم؛ لأنه قال في غير آي من القرآن: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فأخبر هاهنا لهم أن لهم في تبديل جنتيهم جنتين آية لو اعتبروا واتعظوا؛ فلا يقع لهم الحاجة إلى النظر في آثار من تقدم منهم، بل العبرة في ذلك لهم أكثر؛ لأنهم عاينوا هذا على ما عاينوا من أنواع النعم، ثم غير ذلك وبدّل عليهم، وما تقدم منهم إنما يعرفون ذلك عن خبر يبلغهم؛ لأن أصلهم قد هلكوا، وهذا على المشاهدة والمعاينة.
وقوله: ﴿ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ .
قيل: عن يمين الوادي وشماله، ويحتمل: عن يمين الطريق وشماله؛ فتكون عن يمينهم وشمالهم.
وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ .
كأنه قالت لهم الرسل: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ ؛ إذ ذكر أنه بعث فيهم كذا كذا رسولا.
ثم وصف بلدة سبأ أنها طيبة؛ حيث قال: ﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ : يحتمل ما ذكر من طيبها: هو سعتها وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها وفواكهها.
وقوله: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: إن ربكم إن شكرتم فيما رزقكم وأنعم عليكم رب غفور لذنوبكم.
أو يقال: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: ستور، يستر عليكم ذنوبكم، ولا يفضحكم إذا صدقتموه، وأطعتموه، وشكرتم نعمه.
ذكر أن المرأة منهم كانت تحمل المكتل على رأسها، والمغزل بيدها، فتدخل البستان؛ فتمتلئ مكتلها من ألوان الفواكه والثمار من غير أن تمس شيئاً بيدها؛ لكثرة ريعها ونزلها، والله أعلم.
ثم ذكر سبب تبديل الجنتين اللتين كانت لهم، وبم كان التبديل؟
وهو ما قال: ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ ﴾ .
قال بعضهم: كان أهل سبأ إذا مطروا يأتيهم السيل من مسيرة شهر أياماً كثيرة، فعمدوا فسدّوا العرم، وهو الوادي ما بين الجنتين، بالصخرة والقبو، وجعلوا عليه الأبواب، فلما عصوا ربهم، فأعرضوا عنه، وكفروا نعمه؛ فسلط الله عليهم - على ذلك السدّ الذي بنوا الفأرة؛ فنقبت الردم، فغشي الماء أرضهم؛ فعقر أشجارهم، وأباد أنعامهم، ودفن محاريثهم، وذهب بجناتهم.
ومنهم من يقول: ﴿ ٱلْعَرِمِ ﴾ : وهو المسنَّاة، واحدها: عرمة، فذهب السيل الذي أرسل عليهم بالمسناة؛ فيبست جناتهم، وأبدل لهم مكان الثمار والأعناب ما ذكر من الخمط والأثل والسدر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ .
الأكل القليل هو الثمر، والخمط: الأراك.
وقال بعضهم: شجر العضاة، وهي شجر ذات شوك، والأثل، قيل: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر هو معروف عندهم.
وقال أبو عوسجة قريباً من ذلك، قال: الأكل: الحمل، والخمط عندي: السدر وحمله، [و] قال: الخمط: الريح الطيبة، وتقول: هذا شجر له خمطة، أي: ريح طيبة، والخمط: أن تأخذ شيئاً من هنا وثمة، وتخلطه، والأثل: شجر أيضاً لا حمل فيه.
والزجاج يقول: الأثل هو الثمرة التي فيها المرارة تذهب تلك المرارة بطعمها، أو كلام نحوه.
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ ﴾ .
أخبر أنه جزاهم بما كفروا نعمه، ولم يشكروا ربهم عليها.
وقوله: ﴿ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ ﴾ ، لله في نعمه.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ .
قيل: متواصلة بعضها ببعض من أرضهم إلى الشام، على كل ميل قرية وسوق وكل شيء فيها.
﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ من الجوع والعطش والسباع وكل ما يخاف منه.
ثم جائز أن يكون ما ذكر من القرى الظاهرة كان لهم مع الجنان التي ذكرنا بدءاً؛ فيكون هذا موصولا بالأول؛ فلما لم يشكروا ربهم في ذلك كله - أبدل لهم الكل بما ذكر.
وجائز أن يكون لا على الصلة بالأول؛ ولكن على ما ذكر بعض أهل التأويل: أنه لما غيّر عليهم ذلك وأبدل - ضاق بهم الأمر؛ فمشوا إلى رسلهم، فقالوا: ادعوا ربكم فليردّ علينا ما ذهب عنا، ونعطيكم ميثاقا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، فدعوه، فردّ الله عليهم، وجعل لهم ما ذكر من قرى ظاهرة؛ فذكّرهم الرسل [ما] وعدوا ربهم؛ فأبوا؛ فغيّر ذلك.
وسبأ: "ذكر أن رجلا سأل رسول الله فقال: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ أجبل هو أم أرض؟
قال: فقال: له: لم يكن جبلا ولا أرضاً، ولكن كان رجلا من العرب ولد عشر قبائل: فأمّا ست فتيامنوا وأما أربع فتشاءموا" وقال بعضهم: كان سبأ رجلا اسمه: سبأ، وسبأ هم الذين ذكرهم الله في سورة النمل.
وقال بعضهم: هو اسم قرية.
وفي قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ - دلالة خلق الأفعال؛ لأنه أخبر أنه جعل بينهم وبين القرى المباركة قرى ظاهرة، والقرى: ما اتخذها أهلها، ثم أخبر أنه جعل ذلك، والجعل منه خلق؛ دل أنه خلق أفعال العباد، وأخبر - أيضاً - أنه قدر السير فيها، والسير هو فعل العباد، والتقدير هو الخلق أيضاً؛ دل أنه خلق سيرهم، وخلق اتخاذهم القرى، وذلك على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد.
وقوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: قرى متواصلة بعضها ببعض، يسيرون من قرية إلى قرية، وينزلون فيها من غير أن تقع لهم الحاجة أو يلحقهم مؤنة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ نعمها بينة.
وقوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، أي: قدرنا فيها السير؛ لتسيروا فيها.
أو على الأمر، أي: قدرنا فيها السير، وقلنا لهم: سيروا فيما أنعم الله عليكم، وتقلبوا فيها ليالي وأياماً آمنين من الجوع والعدو وكل آفة.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ أي: جعلنا ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً.
وقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ .
فيه لغات من خمسة أوجه: أحدها: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ ﴾ .
و[الثاني]: ﴿ بَعِّدْ ﴾ ، كلاهما على الدعاء والسؤال.
والثالث و[الرابع]: ﴿ بَعُدَ ﴾ و ﴿ بَعَّدَ ﴾ .
قال أبو معاذ: ولولا تغيير الكتابة لكان يجوز "بُوعِدَ".
ومن قرأه ﴿ ربنا بَاعَدَ ﴾ على الخبر، وكذلك ﴿ بَعَّدَ ﴾ ، ومن قرأه ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ يخرج على الشكاية عما بعد من أسفارهم.
فأمّا على السؤال والدعاء فهو - والله أعلم - لأنهم سئموا وملوا؛ لكثرة ما أنعم الله عليهم؛ ورفع عنهم المؤن، وطال مقامهم فيها، سألوا ربهم أن يحول ذلك عنهم؛ سفها منهم وجهلا، وكان كقوم موسى: حين أنزل عليهم المن والسلوى، ورفع عنهم المؤنة سئموا وملوا في ذلك، وقالوا ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا ﴾ ، وما ذكروا، فعلى ذلك هؤلاء.
ومن قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ ؛ على الشكاية - شكا إلى ربّه لما ذهب عنهم السعة والخصب، وأصابهم الجهد والمؤنة.
وأمّا قوله: ﴿ بَاعَد ﴾ على الخبر؛ فكأنه كانت فيهم، وذلك كله منهم: [فيهم] من سأل تحويله، وفيهم من شكا إذا زال ذلك وتحول، وفيهم من أخبر بزواله.
وعلى ذلك يخرج قول موسى لفرعون، حيث قال: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ ﴾ لا أنه كان أحدهما؛ فعلى ذلك الأول وما يشبه ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ .
أي: أهلكناهم كل إهلاك؛ حتى صاروا عظة وعبرة لمن بعدهم.
وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ للناس؛ على حقيقة الحديث، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.
﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ .
أي: فرقناهم كل تفريق، أي: في كل وجه التفريق؛ حتى وقع بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وبعضهم بالشام، وبعضهم بالبحرين وعمان، ونحوه والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ .
يحتمل أن يكون الصبار والشكور هو المؤمن؛ كأنه قال: إن في ذلك لعبراً وعظات لكل مؤمن.
أو آيات لكل صبار على طاعة الله وأمره، شكور لنعمه.
أو آيات لكل صبار على البلايا والمحارم، شكور لنعم الله.
ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في الاعتقاد له.
والثاني: في المعاملة.
يعتقد الصبر لربه على جميع أوامره ونواهيه، والشكر له على جميع نعمائه، والمعاملة: أن يصبر على ذلك، ويشكر له في نعمه.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ .
اختلف في ظنه: قال بعضهم: ظن بهم ظنا، فوافق ظنه فيهم حين قال: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ من عصمت مني، وما قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، فقد صدق ما ظن فيهم.
وقال بعضهم: ﴿ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ ، وذلك أن إبليس خلق من نار السموم، وخلق آدم من طين، ثم قال إبليس: إن النار ستغلب الطين؛ فمن ثمة صدق ظنه؛ فقال: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ .
يقول الله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ .
ثم استثنى عباده المخلصين فقال: ﴿ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يعني: عباده المخلصين؛ فإنهم لم يتبعوه، الذين قال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ .
وقال قائلون: ﴿ مِّنَ ﴾ هاهنا صلة؛ كأنه قال: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، الذين هم [مؤمنون] في الحقيقة، فأمّا من كان عندكم من المؤمنين في الظاهر فقد اتبعوه؛ لأنه لا كل مؤمن عندنا هو في الحقيقة مؤمن.
أو أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ فيما دعاهم إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ .
قال الحسن: والله ما ضربهم بالسيف، ولا طعنهم بالرمح، ولا أكرههم، على شيء، وما كان منه إلا غرور أو أمانيُّ ووسوسة دعاهم إليها، فأجابوه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ ، أي: حجة، ليس له حجة عليهم، أي: لم يمكن من الحجة؛ ولكن إنما مكن لهم الوساوس والتمويهات، ثم جعل الله للمؤمنين مقابل ذلك حججا يدفعون بها شبهه وتمويهاته.
وقوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ﴾ .
هذا يخرج على وجوه: أحدها: ليعلم كائنا ما قد علمه غائبا عنهم.
والثالث: يكني بالعلم [عن] معلومه، أي: ليكون المعلوم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ أي: الموقن به، وذلك كثير في القرآن.
وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ﴾ .
من الإيمان والشرك وغيره من الأعمال، حفيظ عالم به.
<div class="verse-tafsir"
وما كان لإبليس عليهم من سلطان يقهرهم به على أن يضلوا، وإنما كان يزين لهم ويغويهم، إلا أنا أذِنّا له في إغوائهم لنعلم من يؤمن بالآخرة وما فيها من جزاء، ممن هو من الآخرة في شك، وربك -أيها الرسول- على كل شيء حفيظ، يحفظ أعمال عباده، ويجازيهم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.pRr36"