الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٢٨ من سورة سبأ
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٨ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى لعبده ورسوله محمد ، صلوات الله وسلامه عليه : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) : أي : إلا إلى جميع الخلق من المكلفين ، كقوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] ، ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) [ الفرقان : 1 ] .
( بشيرا ونذيرا ) أي تبشر من أطاعك بالجنة ، وتنذر من عصاك بالنار .
( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ، كقوله تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] ، ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) [ الأنعام : 116 ] .
قال محمد بن كعب في قوله : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) يعني : إلى الناس عامة .
وقال قتادة في هذه الآية : أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم ، فأكرمهم على الله أطوعهم لله عز وجل .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، حدثنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم - يعني : ابن أبان - عن عكرمة قال : سمعت ابن عباس يقول : إن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء .
قالوا : يا ابن عباس ، فيم فضله الله على الأنبياء ؟
قال : إن الله قال : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) ، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) ، فأرسله الله إلى الجن والإنس .
وهذا الذي قاله ابن عباس قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر .
وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل .
وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لأحد قبلي .
وأعطيت الشفاعة .
وكان النبي يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس عامة " .
وفي الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بعثت إلى الأسود والأحمر " : قال مجاهد .
يعني : الجن والإنس .
وقال غيره : يعني : العرب والعجم .
والكل صحيح .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28) يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين؛ العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا من أطاعك، ونذيرًا من كذبك ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ ) قال: أرسل الله محمدًا إلى العرب والعجم، فأكرمُهُم على الله أطوعهم له.
ذكر لنا نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " أنَا سابِقُ العربِ وصُهيبُ سابِقُ الرُّومِ وبِلالُ سابقُ الحبشةِ وسلْمَانُ سابقُ فارِسَ".
قوله تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمونقوله تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا أي وما أرسلناك إلا للناس كافة أي عامة ; في الكلام تقديم وتأخير .
وقال الزجاج : أي وما أرسلناك إلا جامعا للناس بالإنذار والإبلاغ .
والكافة بمعنى الجامع .
وقيل : معناه كافا للناس ، تكفهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام .
والهاء للمبالغة .
وقيل : أي إلا ذا كافة ، فحذف المضاف ، أي ذا منع للناس من أن يشذوا عن تبليغك ، أو ذا منع لهم من الكفر ، ومنه : كف الثوب ; لأنه ضم طرفيه .
( بشيرا ) أي بالجنة لمن أطاع .
( ونذيرا ) من النار لمن كفر .
( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ما عند الله وهم المشركون ; وكانوا في ذلك الوقت أكثر من المؤمنين عددا .
يخبر تعالى أنه ما أرسل رسوله صلى اللّه عليه وسلم, إلا ليبشر جميع الناس بثواب اللّه, ويخبرهم بالأعمال الموجبة لذلك، وينذرهم عقاب اللّه, ويخبرهم بالأعمال الموجبة له, فليس لك من الأمر شيء، وكل ما اقترح عليك أهل التكذيب والعناد, فليس من وظيفتك, إنما ذلك بيد اللّه تعالى، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } أي: ليس لهم علم صحيح, بل إما جهال, أو معاندون لم يعملوا بعلمهم, فكأنهم لا علم لهم.
ومن عدم علمهم, جعلهم عدم الإجابة لما اقترحوه على الرسول, مجبا لرد دعوته.
قوله - عز وجل - : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) يعني : للناس عامة لأحمرهم وأسودهم ) ( بشيرا ونذيرا ) أي : مبشرا ومنذرا ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وروينا عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " .
وقيل : كافة أي : كافا يكفهم عما هم عليه من الكفر ، والهاء للمبالغة .
«وما أرسلناك إلا كافة» حال من الناس قدم للاهتمام «للناس بشيرا» مبشرا للمؤمنين بالجنة «ونذيرا» منذرا للكافرين بالعذاب «ولكن أكثر الناس» أي كفار مكة «لا يعلمون» ذلك.
وما أرسلناك -أيها الرسول- إلا للناس أجمعين مبشرًا بثواب الله، ومنذرًا عقابه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون الحق، فهم معرضون عنه.
وهكذا نجد الآيات الكريمة قد لقنت النبى صلى الله عليه وسلم الحجج التى يرد بها على المشركين ، والتى من شأنها أن تحملهم على اعتناق الحق ، واجتناب الباطل ، لو كانوا يعقلون ، ثم بين - سبحانه - وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ورد على شبهات المشركين فقال : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً .
.
.
وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ) .قال الآلوسى : المتبادر أن ( كَآفَّةً ) حال من الناس ، قدم " إلا " عليه للاهتمام؛ وأصله من الكف بمعنى المنع ، وأريد به العموم لما فيه من المنع من الخروج ، واشتهر فى ذلك حتى قطع فيه النظر عن معنى المنع بالكلية .
فمعنى جاء الناس كافة : جاءوا جميعا :قال ابن عباس : أرسل الله - تعالى - محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم ، فأكرمهم على الله - تعالى - أطوعهم له .
.أى : وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلا إلى الناس جميعا ، لتبشر المؤمن منهم بحسن الثواب ، وتنذر من أعرض عن الحق الذى جئت به بسوء العقاب .
( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) هذه الحقيقة ، وهى عموم رسالتك وكونك بشيرا ونذيرا .
لما بين مسألة التوحيد شرع في الرسالة فقال تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً ﴾ وفيه وجهان أحدها: كافة أي إرسالة كافة أي عامة لجميع الناس تمنعهم من الخروج عن الانقياد لها والثاني: كافة أي أرسلناك كافة تكف الناس أنت من الكفر والهاء للمبالغة على هذا الوجه ﴿ بَشِيراً ﴾ أي تحثهم بالوعد ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ تزجرهم بالوعيد ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ ﴾ إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم.
وقال الزجاج المعنى أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالاً من الكاف وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلامة، ومن جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ؛ لأنّ تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار، وكم ترى ممن يرتكب هذا بالخطأ ثم لا يقنع به حتى يضمّ إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأوّل إلا الخطأ الثاني، فلا بدّ له من ارتكاب الخطأين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ ﴾ لِأرى بِأيِّ صِفَةٍ ألْحَقْتُمُوهم بِاللَّهِ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وهو اسْتِفْسارٌ عَنْ شُبْهَتِهِمْ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ.
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ المُشارَكَةِ بَعْدَ إبْطالِ المُقايَسَةِ.
﴿ بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ المَوْصُوفُ بِالغَلَبَةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وهَؤُلاءِ المُلْحَقُونَ بِهِ مُتَّسِمُونَ بِالذِّلَّةِ مُتَأبِّيَةٌ عَنْ قَبُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ رَأْسًا، والضَّمِيرُ لِلَّهِ أوْ لِلشَّأْنِ.
﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ ﴾ إلّا إرْسالَةً عامَّةً لَهم مِنَ الكَفِّ فَإنَّها إذا عَمَّتْهم فَقَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهم، أوْ إلّا جامِعًا لَهم في الإبْلاغِ فَهي حالٌ مِنَ الكافِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُها حالًا مِنَ النّاسِ عَلى المُخْتارِ.
﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى مُخالَفَتِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ} إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتّهم أن يخرج منها أحد منهم وقال الزجاج معنى الكافة في اللغة الإحاطة والمعنى أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ فجعله حالاً من الكاف والتاء على هذا للمبالغة كتاء الراوية والعلاّمة {بَشِيراً} بالفضل لمن أقر {وَنَذِيرًا} بالعدل لمن أصر {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} فيحملهم جهلهم على مخالفتك
﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ ﴾ المُتَبادَرُ أنَّ ﴿ كافَّةً ﴾ حالٌ مِنَ النّاسِ قُدِّمَ مَعَ إلّا عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ كَما قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ، وأصْلُهُ مِنَ الكَفِّ بِمَعْنى المَنعِ وأُرِيدَ بِهِ العُمُومُ لِما فِيهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الخُرُوجِ واشْتُهِرَ في ذَلِكَ حَتّى قَطَعَ النَّظَرِ فِيهِ عَنْ مَعْنى المَنعِ بِالكُلِّيَّةِ فَمَعْنى جاءَ النّاسُ كافَّةً جاؤُوا جَمِيعًا، ويُشِيرُ إلى هَذا الإعْرابَ ما أخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيْ إلى النّاسِ جَمِيعًا، وما أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: أيْ لِلنّاسِ كافَّةً، وكَذا ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا إلى العَرَبِ والعَجَمِ فَأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ تَعالى أطْوَعُهم لَهُ، وما نُقِلَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أيْ إلى العَرَبِ والعَجَمِ وسائِرِ الأُمَمِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ خِلافًا لِكَثِيرٍ مِنَ النُّحاةِ أبُو عَلِيٍّ وابْنُ كَيْسانَ وابْنُ بُرْهانَ والرَّضِيُّ وابْنُ مالِكٍ حَيْثُ قالَ: وسَبْقَ حالٍ ما بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ أبَوْا ولا أمْنَعُهُ فَقَدْ ورَدْ وأبُو حَيّانَ حَيْثُ قالَ بَعْدَ أنْ نَقَلَ الجَوازَ عَمَّنْ عَدا الرَّضِيِّ مِنَ المَذْكُورِينَ وهو الصَّحِيحُ: ومِن أمْثِلَةِ أبِي عَلِيٍّ زَيْدٍ خَيْرُ ما يَكُونُ خَيْرٌ مِنكَ، وقالَ الشّاعِرُ: إذا المَرْءُ أعْيَتْهُ المُرُوءَةُ ناشِئًا ∗∗∗ فَمَطْلَبُها كَهْلًا عَلَيْهِ شَدِيدُ وقالَ آخَرُ: تَسَلَّيْتُ طُرًّا عَنْكم بَعْدَ بَيْنِكُمُ ∗∗∗ بِذِكْراكم حَتّى كَأنَّكم عِنْدِي وقَدْ جاءَ تَقْدِيمُ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ وعَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: مَشْغُوفَةً بِكَ قَدْ شُغِفْتُ وإنَّما ∗∗∗ حَتْمُ الفِراقِ فَما إلَيْكَ سَبِيلُ وقَوْلُ آخَرَ: غافِلًا تَعْرِضُ المَنِيَّةُ لِلْمَرْءِ ∗∗∗ فَيُدْعى ولاتَ حِينَ إباءِ وإذا جازَ تَقْدِيمُها عَلى المَجْرُورِ والعامِلِ فَتَقْدِيمُها عَلَيْهِ دُونَ العامِلِ أجْوَزُ اِنْتَهى، وجَعَلُوا هَذا الوَجْهَ أحْسَنَ الأوْجُهِ في الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ ما عَداهُ تَكَلُّفٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَمَلُ ما قَبْلَ إلّا، وهو (أرْسَلَ) فِيما بَعْدَها، وهو ( لِلنّاسِ ) ولَيْسَ بِمُسْتَثْنًى ولا مُسْتَثْنًى مِنهُ ولا تابِعًا لَهُ وقَدْ مَنَعُوهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ وما أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ إلّا كافَّةً فَهو مُقَدَّمٌ رُتْبَةً، ومِثْلُهُ كافٌّ في صِحَّةِ العَمَلِ مَعَ أنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في الظَّرْفِ ما لا يَتَوَسَّعُونَ في غَيْرِهِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: الأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ ( لِلنّاسِ ) مُسْتَثْنًى عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيهِ مُفَرَّغٌ، وأصْلُهُ ما أرْسَلْناكَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِتَبْلِيغِ النّاسِ كافَّةً، وأمّا تَقْدِيرُهُ بِما أرْسَلْناكَ لِلْخَلْقِ مُطْلَقًا إلّا لِلنّاسِ كافَّةً عَلى أنَّهُ مُسْتَثْنًى فَرَكِيكٌ جِدًّا اه، ولا يَخْفى أنَّ في الآيَةِ عَلى ما اِسْتَحْسَنَهُ حَذْفَ المُضافِ والفَصْلَ بَيْنَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى وتَقْدِيمَ الحالِ عَلى صاحِبِها، والكُلُّ خِلافُ الأصْلِ، وقَلَّما يَجْتَمِعُ مِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ الفَصِيحِ.
واعْتُرِضَ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ جَعْلُ اللّامِ في ﴿ لِلنّاسِ ﴾ بِمَعْنى إلى، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ أرْسَلَ يَتَعَدّى بِاللّامِ وإلى، كَما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ، فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى إلى، عَلى أنَّهُ لَوْ جُعِلَتْ بِمَعْناها لا يَلْزَمُ خَطَأٌ أصْلًا لِمَجِيءِ كُلٍّ مِنَ اللّامِ وإلى بِمَعْنى الآخَرِ، وكَذا لا حاجَةَ إلى جَعْلِها تَعْلِيلِيَّةً إلّا عَلى ما اِسْتَحْسَنَهُ الخَفاجِيُّ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ ( كافَّةً ) اِسْمُ فاعِلٍ مِن كَفَّ، والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ راوِيَةٍ ونَحْوِهِ، وهو حالٌ مِن مَفْعُولِ ( أرْسَلْناكَ ) و( لِلنّاسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ أيْ ما أرْسَلْناكَ إلّا كافًّا ومانِعًا لِلنّاسِ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي.
وإلى الحالِيَّةِ مِنَ الكافِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: المَعْنى إلّا جامِعًا لِلنّاسِ في الإبْلاغِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ اللُّغَةَ لا تُساعِدُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ كَفَّ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ أنَّ مَعْناهُ جَمَعَ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ لِأنَّهُ يُقالُ: كَفَّ القَمِيصَ إذا جَمَعَ حاشِيَتَهُ وكَفَّ الجُرْحَ إذا رَبَطَهُ بِخِرْقَةٍ تُحِيطُ بِهِ، وقَدْ قالَ اِبْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ جَمَعْتَهُ فَقَدْ كَفَفْتَهُ، مَعَ أنَّهُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا مِنَ المَنعِ لِأنَّ ما يُجْمَعُ يَمْتَنِعُ تَفَرُّقُهُ وانْتِشارُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ كالكاذِبَةِ والعاقِبَةِ والعافِيَةِ، وهو أيْضًا حالٌ مِنَ الكافِ إمّا باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ بِلا تَقْدِيرِ شَيْءٍ مُبالِغَةً وإمّا بِتَأْوِيلِ اِسْمِ الفاعِلِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ إلّا ذا كافَّةٍ أيْ ذا كَفٍّ أيْ مَنعٍ لِلنّاسِ مِنَ الكُفْرِ، وقِيلَ ذا مَنعٍ مِن أنْ يَشِذُّوا عَنْ تَبْلِيغِكَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وقَعَ مَفْعُولًا لَهُ، ولَمْ يُشْتَرَطْ في نَصْبِهِ اِتِّحادُ الفاعِلِ كَما اِرْتَضاهُ الرَّضِيُّ، وذَهَبَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّهُ اِسْمُ فاعِلٍ مِنَ الكَفِّ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وِتاؤُهُ لِلتَّأْنِيثِ، أيْ ما أرْسَلْناكَ إلّا إرْسالَةً كافَّةً أيْ عامَّةً لَهم مُحِيطَةً بِهِمْ لِأنَّها إذا شَمَلَتْهم فَقَدْ كَفَّتْهم عَنْ أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهُمْ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ كافَّةً لَمْ تَرِدْ عَنِ العَرَبِ إلّا مَنصُوبَةً عَلى الحالِ مُخْتَصَّةً بِالمُتَعَدِّدِ مِنَ العُقَلاءِ وأنَّ حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ إنَّما يَكُونُ لِما عُهِدَ وصْفُهُ بِها بِحَيْثُ لا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ كافَّةً هاهُنا غَيْرُ ما اُلْتُزِمَ فِيهِ الحالِيَّةُ وإنْ رَجَعا إلى مَعْنًى واحِدٍ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ العَرَبُ إلّا كَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإقامَةُ الصِّفَةِ مَقامَ مَوْصُوفِها مُنْقاسٌ مُطَّرِدٌ بِدُونِ شَرْطٍ إذا قامَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ، وذِكْرُ الفِعْلِ قَبْلَهُ دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرِهِ كَما في قُمْتُ طَوِيلًا وحَسَنًا أيْ قِيامًا طَوِيلًا وحَسَنًا.
وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ قَدْ صَحَّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ في كِتابِهِ لِآلِ بَنِي كاكِلَةَ: قَدْ جَعَلْتُ لِآلِ بَنِي كاكِلَةَ عَلى كافَّةِ بَيْتِ المُسْلِمِينَ لِكُلِّ عامٍّ مِائَتَيْ مِثْقالٍ ذَهَبًا إبْرِيزًا وقالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ أمْضاهُ فَقَدِ اِسْتَعْمَلَ هَذانِ الإمامانِ كافَّةً في غَيْرِ العُقَلاءِ وغَيْرَ مَنصُوبٍ عَلى الحالِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ بَعْضَ ما اُعْتُرِضَ بِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ يُعْتَرَضُ بِهِ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ أيْضًا، والجَوابُ هو الجَوابُ.
واَلَّذِي أخْتارُهُ في الآيَةِ ما هو المُتَبادَرُ ولا بَأْسَ بِالتَّقَدُّمِ، والِاسْتِعْمالُ وارِدٌ عَلَيْهِ ولا قِياسَ يَمْنَعُهُ، وأمْرُ تَخَطِّي العامِلِ إلّا إلى ما لَيْسَ مُسْتَثْنًى ولا مُسْتَثْنًى مِنهُ سَهْلٌ لِحَدِيثِ التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ، والآيَةُ عَلَيْهِ أظْهَرُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ وهي في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا ﴾ ولَوِ اِسْتَدَلَّ بِها القاضِي أبُو سَعِيدٍ لَبُهِتَ اليَهُودِيُّ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِما لا يَكادُ يُنْكِرُهُ مِن فِعْلِهِ مَعَ اليَهُودِ في عَصْرِهِ.
ودَعْوَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم إلى الإسْلامِ ﴿ بَشِيرًا ﴾ لِمَن أسْلَمَ بِالثَّوابِ ﴿ ونَذِيرًا ﴾ لِمَن لَمْ يُسْلِمْ بِالعِقابِ، والوَصْفانِ حالانِ مِن مَفْعُولِ ﴿ أرْسَلْناكَ ﴾ وقَدْ يُجْعَلانِ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ بَدَلًا مِن ﴿ كافَّةً ﴾ نَحْوَ بَدَلِ المُفَصَّلِ مِنَ المُجْمَلِ، فَتَأمَّلْ.
﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى الإصْرارِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ يعني: قل لكفار مكة ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنهم آلهة فيكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع.
يعني: الأصنام.
ويقال: الملائكة- عليهم السلام-.
لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني: نملة صغيرة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ يعني: إذا كان حالهم هذا، فمن أين جعلوا لهم الشركة في العبادة.
ثم قال: وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ يعني: في خلق السموات والأرض من عون.
ويقال: ما لهم فيها من نصيب وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ يعني: معين من الملائكة الذين يعبدونهم.
ثم ذكر أن الملائكة لا يملكون شيئاً من الشفاعة فقال عز وجل: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ يعني: لا تنفع لأحد لا نبياً ولا ملكاً إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أن يشفع لأحد من أهل التوحيد.
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين، إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ بالنصب.
يعني: حتى يأذن الله عز وجل له.
قرأ الباقون.
بالضم على فعل ما لم يسم فاعله.
ومعناه: مثل الأول.
ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خرّوا سجداً من مخافة الله عز وجل، وكيف يعبدون من هذه حاله وكذلك قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وذلك أن أهل السموات لم يكونوا سمعوا صوت الوحي بين عيسى ومحمد- عليهما السلام-، فسمعوا صوتاً كوقع الحديد على الصفا فخروا سجداً مخافة القيامة وذلك صوت الوحي.
ويقال: صوت نزول جبريل- - فخروا سجداً مخافة القيامة فهبط جبريل- - على أهل كل سماء فذلك قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وذكر عن بعض أهل اللغة أنه قال: إذا كانت حتى موصولة بإذا تكون بمعنى لما، تقع موقع الابتداء كقوله عز وجل: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) [الحجر: 14] كقوله: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [الأنبياء: 96] حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: 23] يعني: لما فزع عن قلوبهم.
ومعناه: انجلاء الفزع عن قلوبهم، فقاموا عن السجود، وسأل بعضهم بعضاً قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ يعني: ماذا قال جبريل- - عن ربكم قالُوا الْحَقَّ يعني: الوحي.
قال: حدّثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله.
قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدّثنا الدبيلي.
قال: حدّثنا أبو عبد الله.
قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبيّ أنه قال: «إذَا قَضَى الله فِي السَّمَاءِ أمْراً ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَاناً لِقَوْلِهِ، وَسُمِعَ لذلك صَوْتٌ كَأنَّهَا سلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ الَّذِي قَالَ: فَسِيحي الشَّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ.
فَإِذَا سَمِعَ الأَعْلَى مِنْهُمُ الْكَلِمَةَ، رَمَى بِهَا إلَى الذي تَحْتَهُ وَرُبَّما أدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَهَا وَرُبَّمَا نَبَذَهَا قَبْلَ أنْ تُدْرِكَهُ، فَيَنْبِذَهَا، بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الأرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَيُصَدِّقُ فَيَقُولُ، ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا، وَكَانَ حَقّاً وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ» .
قرأ ابن عامر حَتَّى إِذا فُزِّعَ بنصب الفاء والزاي يعني: كشف الله الفزع.
وقرأ الباقون: بضم الفاء على معنى ما لم يسم فاعله.
وقرأ الحسن حَتَّى إِذا فُزِّعَ بالواو والغين يعني: فرغ الفزع عن قلوبهم.
وقراءة العامة بالزاي أي خفف عنها الفزع.
وقال مجاهد: معناه حتى إذا كشف عنها الغطاء يوم القيامة ثم قال: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني: هو أعلى وأعظم وأجلّ من أن يوصف له شريك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماواتِ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ ﴿ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي النَّباتَ والثَّمَرَ.
وإنَّما أُمِرَ أنْ يَسْألَ الكَفّارَ عَنْ هَذا، احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ الَّذِي يَرْزُقُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، وهم لا يُثْبِتُونَ رازِقًا سِواهُ، ولِهَذا قِيلَ لَهُ: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ لِأنَّهم لا يُجِيبُونَ بِغَيْرِ هَذا؛ وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ مَذْهَبُ المُفَسِّرِينَ أنَّ " أوْ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى الكَلامِ: وإنّا لَعَلى هَدًى، وإنَّكم لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى " أوْ " عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَعْنى الواوِ، وكَذَلِكَ هو في المَعْنى، غَيْرَ أنَّ العَرَبِيَّةَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، لا تَكُونُ " أوْ " بِمَنزِلَةِ الواوِ، ولَكِنَّها تَكُونُ في الأمْرِ المُفَوَّضِ، كَما تَقُولُ: إنْ شِئْتَ فَخُذْ دِرْهَمًا أوِ اثْنَيْنِ، فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ واحِدًا أوِ اثْنَيْنِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَأْخُذَ ثَلاثَةً، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: وإنّا لَضالُّونَ أوْ مُهْتَدُونَ، وإنَّكم أيْضًا لَضالُّونَ أوْ مُهْتَدُونَ، وهو يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَهُ المُهْتَدِي، وأنَّ غَيْرَهُ الضّالُّ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تُكَذِّبُهُ: واللَّهِ إنَّ أحَدَنا لِكاذِبٌ- وأنْتَ تَعْنِيهِ- فَكَذَّبْتَهُ تَكْذِيبًا غَيْرَ مَكْشُوفٍ؛ ويَقُولُ الرَّجُلُ: واللَّهِ لَقَدْ قَدِمَ فُلانٌ، فَيَقُولُ لَهُ مَن يَعْلَمُ كَذِبَهُ: قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيُكَذِّبُهُ بِأحْسَنَ مِن تَصْرِيحِ التَّكْذِيبِ؛ ومِن كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولُوا: قاتَلَهُ اللَّهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِحُونَها، فَيَقُولُ: قاتَعَهُ اللَّهُ، ويَقُولُ بَعْضُهم:كاتَعَهُ اللَّهُ؛ ويَقُولُونَ: جُوعًا، دُعاءً عَلى الرَّجُلِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِحُونَها فَيَقُولُونَ: جُودًا، وبَعْضُهم يَقُولُ: جُوسًا؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ويْحَكَ ووَيْسَكَ، وإنَّما هي في مَعْنى " ويْلَكَ " إلّا أنَّها دُونَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ﴾ أيْ: لا تُؤاخَذُونَ بِهِ ﴿ وَلا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ؛ والمَعْنى إظْهارُ التَّبَرِّي مِنهم.
وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ﴾ يَعْنِي عِنْدَ البَعْثِ في الآخِرَةِ ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا ﴾ أيْ يَقْضِي ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿ وَهُوَ الفَتّاحُ ﴾ القاضِي ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما يَقْضِي ﴿ قُلْ ﴾ لِلْكُفّارِ ﴿ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ ﴾ أيْ: أعْلَمُونِي مِن أيِّ وجْهٍ ألْحَقْتُمُوهم وهم لا يَخْلُقُونَ ولا يَرْزُقُونَ ﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ؛ والمَعْنى: ارْتَدِعُوا عَنْ هَذا القَوْلِ، وتَنَبَّهُوا عَنْ ضَلالَتِكُمْ، فَلَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماواتِ والأرْضِ قُلْ اللهُ وإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلا بَلْ هو اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ - عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ، وإقامَةِ الدَلِيلِ عَلى الرازِقِ لَهم مِنَ السَماواتِ والأرْضِ [أنْ يَسْألَهُمْ]: مَن هو.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقْتَضِبَ الِاحْتِجاجَ بِأنْ يَأْتِيَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ إذْ هم في بَهْتَةٍ ووَجَمَةٍ مِنَ السُؤالِ، وإذْ لا جَوابَ لَهم ولا لِمَفْطُورٍ إلّا بِأنْ يَقُولَ: هو اللهُ.
وهَذِهِ السَبِيلُ في كُلِّ سُؤالٍ جَوابُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ؛ لِأنَّ المُحْتَجَّ يُرِيدُ أنْ يَقْتَضِبَ ويَتَجاوَزَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى يُورِدُها.
ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا أو إيّاكُمْ ﴾ تَلَطُّفٌ في الدَعْوَةِ والمُحاوَرَةِ والمَعْنى، كَما تَقُولُ لِمَن خالَفَكَ في مَسْألَةٍ: أحَدُنا مُخْطِئٌ، أيْ: تَثَبَّتْ وتَنَبَّهْ، والمَفْهُومُ مِن كَلامِكَ أنَّ مُخالِفَكَ هو المُخْطِئُ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: وإنّا لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وإنَّكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَلْنَتَبَيَّنْهُ، والمَقْصِدُ أنَّ الضَلالَ في حَيِّزِ المُخاطَبِينَ، وحَذَفَ أحَدَ الخَبَرَيْنِ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: "أو" في الآيَةِ بِمَعْنى واوِ النَسَقِ، والتَقْدِيرُ: وإنّا وإيّاكم لَعَلى هَدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وهُما خَبَرانِ غَيْرُ مُبْتَدَأيْنِ، وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُتَّجِهٍ واللَفْظُ لا يُساعِدُهُ، وإنْ كانَ المَعْنى - عَلى كُلِّ قَوْلٍ - يَقْتَضِي أنَّ الهُدى في حَيِّزِ المُؤْمِنِينَ والضَلالَ في حَيِّزِ الكَفَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ﴾ الآيَةَ، مُهادَنَةٌ ومُتارَكَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا ﴾ الآيَةَ...
إخْبارٌ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقَوْلُهُ: "يَفْتَحُ" مَعْناهُ يَحْكُمُ، والفَتّاحُ: القاضِي، وهي مَشْهُورَةٌ في لُغَةِ اليَمَنِ، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِالسَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرُونِيَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةَ قَلْبٍ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: "شُرَكاءَ" مَفْعُولًا ثالِثًا، وهَذا هو الصَحِيحُ، أيْ: أرَوْنِي بِالحُجَّةِ والدَلِيلِ كَيْفَ وجْهُ الشَرِكَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"شُرَكاءَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَفْعُولِ بِـ"ألْحَقْتُمُ" العائِدِ عَلى "الَّذِينَ"، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ اسْتِدْعاءَ رُؤْيَةِ العَيْنِ في هَذا لا غَناءَ لَهُ.
وقَوْلُهُ: "كَلّا" رَدٌّ لِما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِهِمْ في الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ووَصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ بِاللائِقِ بِهِ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من إبطال ضلال المشركين في أمر الربوبية إلى إبطال ضلالهم في شأن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وغيّر أسلوب الكلام من الأمر بمحاجة المشركين إلى الإِخبار برسالة النبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً له بتوجيه هذا الإِخبار بالنعمة العظيمة إليه، ويحصل إبطال مزاعم المشركين بطريق التعريض.
وفي هذه الآية إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم على منكريها من العرب وإثبات عمومها على منكريها من اليهود.
فإن ﴿ كافَّة ﴾ من ألفاظ العموم ووقعت هنا حالاً من «الناس» مستثنى من عموم الأحوال وهي حال مقدمة على صاحبها المجرور بالحرف، وقد مضى الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ في سورة البقرة (208)، وعند قوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ في سورة براءة (36).
وذكرنا أن التحقيق: أن كافة } يوصف به العاقلُ وغيرُه وأنه تعتوره وجوهُ الإِعراب كما هو مختار الزمخشري وشهد له القرآن والاستعمال خلافاً لابن هشام في «مغني اللبيب»، وأن ما شدد به التّنكير على الزمخشري تهويل وتضييق في الجواز.
والتقدير في هذه الآية: وما أرسلناك للناس إلاّ كافّة.
وقدّم الحال على صاحبه للاهتمام بها لأنها تجمع الذين كفروا برسالته كلهم.
وتقديم الحال على المجرور جائز على رأي المحققين من أهل العربية وإن أباه الزمخشري هنا وجعله بمنزلة تقديم المجرور على حرف الجر فجعل ﴿ كافة ﴾ نعتاً لمحذوف، أي إرساله كافة، أي عامة.
وقد ردّ عليه ابن مالك في «التسهيل» وقال: قد جوزه في هذه الآية أبو علي الفارسي وابن كَيسان.
وقلت: وجوّزه ابن عطية والرضيّ.
وجعل الزجاج ﴿ كافة ﴾ هنا حالاً من الكاف في ﴿ أرسلناك ﴾ وفسره بمعنى جامع للناس في الإِنذار والإِبلاغ، وتبعه أبو البقاء.
قال الزمخشري: وحق التاء على هذا التفسير أن تكون للمبالغة كتاء العلاّمة والراوية وكذلك تقديم المستثنى للغرض أيضاً.
وقد اشترك الزجاج والزمخشري هنا في إخراج ﴿ كافة ﴾ عن معنى الوصف بإفادة الشمول الذي هو شمول جزئي في غرض معيّن إلى معنى الجمع الكلّي المستفاد من وراء ذلك.
وهذا كمن يعمد إلى (كل) فيقول: إنك كلٌ للناس، أي جامع للناس؛ أو يعمد إلى (على) الدالة على الاستعلاء الجزئي فيستعملها بمعنى الاستعلاء الكلي فيقول: إياك وعلى، يريد إياك والاستعلاءَ.
والبشير النذير تقدم في قوله تعالى: ﴿ إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ﴾ في سورة البقرة (119).
وأفاد تركيب وما أرسلناك إلا كافة للناس } قصر حالة عموم الرسالة على كاف الخطاب في قوله: ﴿ أرسلناك ﴾ وهو قصر إضافي، أي دون تخصيص إرسالك بأهل مكة أو بالعرب أو بمن يجيئك يطلب الإِيمان والإِرشاد كما قال عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول للنبيء صلى الله عليه وسلم حين جاء مجلساً هو فيه وقرأ عليهم القرآن فقال ابن أُبي: «لا أحسنَ مما تقول أيها المرء ولكن اقعُد في رحلك فمن جاء فاقرأ عليه» ويقتضي ذلك إثبات رسالته بدلالة الاقتضاء إذ لا يصدق ذلك القصر إلا إذا ثبت أصل رسالته فاقتضى ذلك الردَّ على المنكرين كلهم سواء من أنكر رسالته من أصلها ومن أنكر عمومها وزعم تخصيصها.
وموقع الاستدراك بقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ رفع ما يتوهم من اغترار المغترين بكثرة عدد المنكرين رسالته بأن كثرتهم تغرّ المتأمل لأنهم لا يعلمون.
ومفعول ﴿ يعلمون ﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي لا يعلمون ما بشرتَ به المؤمنين وما أنذرتَ به الكافرين، أي يحسبون البشارة والنذارة غير صادقتين.
ويجوز أن يكون فعل ﴿ يعلمون ﴾ منزَّل منزلة اللام مقصوداً منه نفي صفة العلم عنهم على حدّ قوله تعالى: ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ [الزمر: 9] أي ولكن أكثر الناس جاهلون قدر البشارة والنذارة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ رِزْقَ السَّماواتِ المَطَرُ ورِزْقَ الأرْضِ النَّباتُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّ رِزْقَ السَّماواتِ ما قَضاهُ مِن أرْزاقِ عِبادِهِ، ورَزَقَ الأرْضِ ما مَكَّنَهم فِيهِ مِن مُباحٍ.
﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ وهَذا جَوابُ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ حِينَ سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهم لا يَجْحَدُونَ أنَّ اللَّهَ رازِقُهم.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ أمْرًا في أمْرِ اللَّهِ أنْ يُجابُوا بِهِ لِأنَّهم لا يَجْحَدُونَهُ لِتَقُومَ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: إنَّنا نَحْنُ لَعَلى هُدًى وإنَّكم أنْتُمْ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وأبُو عُبَيْدَةَ وزِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ.
قالَ الفَرّاءُ: أوْ بِمَعْنى الواوِ.
الثّانِي: أنَّ أحَدَنا لَعَلى هُدًى والآخَرَ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ، دَفْعًا لِأنْقَصِهِما، ومَنعًا مِن أرْذَلِهِما كَقَوْلِ القائِلِ: إنَّ أحَدَنا لَكاذِبٌ، دَفْعًا لِلْكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ وإضافَتَهُ إلى صاحِبِهِ وإنَّ أحَدَنا لَصادِقٌ، إضافَةً لِلصِّدْقِ إلى نَفْسِهِ ودَفْعًا عَنْ صاحِبِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ: اللَّهُ رَزَقَنا وإيّاكم لَعَلى هُدًى كُنّا أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ حَكاهُ النَّقّاشُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ ﴾ أيْ يَقْضِي بَيْنَنا لِأنَّهُ بِالقَضاءِ يُفْتَحُ وجْهُ الحُكْمِ، وقالَ السُّدِّيُّ هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَدْلِ.
﴿ وَهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ ﴾ أيِ القاضِي العَلِيمُ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: العَلِيمُ بِما يُخْفُونَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: العَلِيمُ بِالحُكْمِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: العَلِيمُ بِخَلْقِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ قال: خلى.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أوحى الجبار إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة عليهم السلام صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم سئلوا عما قال الله فقالوا: الحق.
وعلموا أن الله تعالى لا يقول إلا حقاً قال ابن عباس رضي الله عنهما: وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوا خروا سجداً، فلما رفعوا رؤوسهم ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إذا نزل الوحي كان صوته كوقع الحديد على الصفوان، فيصعق أهل السماء ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ﴾ قالت الرسل عليهم السلام ﴿ الحق وهو العلي الكبير ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينزل الأمر إلى السماء الدنيا، له وقع كوقعة السلسلة على الصخرة، فيفزع له جميع أهل السموات، فيقولون ﴿ ماذا قال ربكم ﴾ ثم يرجعون إلى أنفسهم فيقولون ﴿ الحق وهو العلي الكبير ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طريق معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه، فرمى بنجم، فاستنار قال: «ما كنتم تقولون إذا كان هذا في الجاهلية؟
قالوا: كنا نقول يولد عظيم، أو يموت عظيم، قال: فإنها لا ترمى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش ﴿ ماذا قال ربكم ﴾ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيرمون فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يحرفونه ويزيدون فيه» قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمي بها في الجاهلية؟
قال: نعم.
قال أرأيت ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً ﴾ [ الجن: 9] قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان يفزعهم ذلك ﴿ فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ﴾ قالوا الذي قال: ﴿ الحق وهو العلي الكبير ﴾ فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر.
وصف سفيان بيده وفرج بين أصابعه نصبها بعضها فوق بعض.
فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا.
وكذا.
كذا.
وكذا؟
فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» .
وأخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النوّاس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يوحي بأمر تكلم بالوحي، فإذا تكلم بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل عليه السلام على الملائكة عليهم السلام، كلما مر بسماء سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟
فيقول ﴿ قال الحق وهو العلي الكبير ﴾ فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل عليه السلام، فينتهي جبريل عليه السلام بالوحي حيث أمره الله من السماء والأرض» .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فرغ عن قلوبهم ﴾ يعني بالراء والغين المعجمة.
وأخرج البيهقي وابن أبي شيبة وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله عز وجل ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد في السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كامرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب، أو موت، أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا: يكون كذا.
وكذا.
فسمعته الشياطين، فنزلوا به على أوليائهم يقولون: يكون العام كذا، ويكون كذا، فيسمعه الجن، فيخبرون الكهنة به، والكهنة تخبر به الناس يقولون: يكون كذا وكذا..
فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم دحروا بالنجوم فقالت العرب حين لم يخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإِبل ينحر كل يوم بعيراً، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثقيف: وكانت أعقل العرب: أيها الناس أمسكوا عليكم أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وان هذا ليس بانتشار ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار قال: فقال إبليس لقد حدث اليوم في الأرض حدث، فائتوني من تربة كل أرض، فأتوه بها، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا جاء الحديث منتشراً، فنقبوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث.
وأخرج أبو داود والبيهقي في الأسماء والصفات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا جاءهم جبريل عليه السلام ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ فيقولون يا جبريل: ماذا قال ربنا؟
فيقول ﴿ الحق ﴾ فيقولون: الحق.
الحق» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا أتاهم جبريل عليه السلام ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ قالوا يا جبريل: ماذا قال ربنا؟
فيقول ﴿ الحق ﴾ فينادون الحق الحق.
وأخرج ابن مردويه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما نزل جبريل بالوحي على رسول الله، فزع أهل السموات لا نحطاطه، وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون من صوت الحديد على الصفا، فكلما مر بأهل سماء ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ فيقولون: يا جبريل بماذا أمرت؟
فيقول: نور العزة العظيم كلام الله بلسان عربي» .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: يوحي الله إلى جبريل عليه السلام، فتفزع الملائكة عليهم السلام من مخافة أن يكون شيء من أمر الساعة، فإذا خلى عن قلوبهم وعلموا أن ذلك ليس من أمر الساعة ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ﴾ .
وأخرج أبو نصر السجزي في الابانة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت جبريل عليه السلام وزعم أن إسرافيل عليه السلام يحمل العرش، وأن قدمه في الأرض السابعة والألواح بين عينيه، فإذا أراد ذو العرش أمراً سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفا فيغشى عليهم، فإذا قاموا ﴿ قالوا ماذا قال ربكم ﴾ قال من شاء الله ﴿ الحق وهو العلي الكبير ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة والكلبي رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قالا: لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي مثل صوت الحديد، فافزع الملائكة عليهم السلام ذلك ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قالوا: إذا جلى عن قلوبهم ﴿ ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في الآية قال: زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم إذا أرسلهم الرب تبارك وتعالى، فانحدروا سمع لهم صوت شديد، فيحسب الذي أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجداً وهكذا كلما مروا عليهم، فيفعلون ذلك من خوف ربهم تبارك وتعالى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إذا قضى الله تبارك وتعالى أمراً رجفت السموات والأرض والجبال، وخرت الملائكة كلهم سجداً حسبت الجن أن أمراً يقضى فاسترقت، فلما قضي الأمر، رفعت الملائكة رؤوسهم.
وهي هذه الآية ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا- جميعاً- الحق وهو العلي الكبير ﴾ .
وأخرج ابن الأنباري عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ ثم يفسره حتى إذا انجلى عن قلوبهم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق آخر عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ قال: ما فيها من الشك والتكذيب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قال: فزع الشيطان عن قلوبهم، ففارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ قال: وهذا في بني آدم عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الاقرار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قال: كشف الغطاء عنها يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم والضحاك أنهما كانا يقرآن ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ يقولان: جلى عن قلوبهم.
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه سأل كيف تقرأ هذه الآية ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ أو ﴿ فرغ عن قلوبهم ﴾ ؟
قال: ﴿ إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قال: فإن الحسن يقول برأيه أشياء أهاب أن أقولها.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ حتى ﴿ إذا فزع عن قلوبهم ﴾ بالعين مثقلة الزاي.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثم أمره الله أن يسأل الناس فقال: ﴿ قل من يرزقكم من السماوات والأرض ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ قال: ﴿ إنا ﴾ نحن لعلى هدى وانكم في ضلال مبين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنا أو إياكم...
﴾ قال: قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين، والله ما نحن وأنتم على أمر واحد ان أحد الفريقين مهتد.
وفي قوله: ﴿ قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا ﴾ أي يقضي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الفتاح ﴾ قال: القاضي.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ قال ابن عباس: يريد لجميع الخلق (١) (٢) (٣) ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ﴾ ، فيكون المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كلها عامة أحمرهم وأسودهم (٤) (٥) وقال أبو إسحاق: (المعنى: أرسلناك جامعًا للناس بالإنذار والإبلاغ) (٦) والكافة على هذا معناه: الجامع الذي يمنع أن يشذوا (٧) - جامع للناس كلهم في الإنذار والتبشير [جامع] (٨) والهاء في الكافة تكون للمبالغة، ويجوز أن يكون الكافة مصدرًا على فاعلة، كالخاينة والكاذبة واللاعنة، ويكون (٩) ﴿ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة (١٠) (١) انظر: "الماوردي" 4/ 450، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 495.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.
(٣) "مجاز القرآن" 2/ 149، "تفسير غريب القرآن" ص 357.
(٤) ويزيد هذا القول ويدل عليه الحديث الذي يرويه جابر بن عبد الله، أخرج مسلم في "صحيحه" 1/ 370 كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم الحديث (521)، قال جابر - -: قال رسول الله - -:" أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود" الحديث.
(٥) لعله عند قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ قال: وقوله (كافة) يجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعًا، ويجوز أن يكون معناه: في السلم كافة، أي في جميع شرائعه.
(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 254.
(٧) هكذا جاءت العبارة، ولعل المراد يمنع الناس أن يشذوا، كما تفسره العبارة التالية.
(٨) هذه الكلمة زيادة من (ب)، وليست مثبتة في (أ).
(٩) (يكون) ساقطة من (ب).
(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب <div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ﴾ المعنى أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، وهذه إحدى الخصال التي أعطاه الله دون سائر الأنبياء، وإعراب ﴿ كَآفَّةً ﴾ حال من الناس قدمت للاهتمام، هكذا قال ابن عطية، وقال الزمخشري: ذلك خطأ لأن تقدم حال المجرور عليه لا يجوز، وتقديره عنده: وما أرسلناك إلا رسالة عامة للناس، فكافة صفة للمصدر المحذوف، وقال الزجَّاج: المعنى أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار، والتبشير، فجعله حالاً من الكاف، والتاء على هذا للمبالغة كالتاء في راوية وعلاّمة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.
﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.
الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.
﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.
الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.
الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.
وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.
الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.
الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.
الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.
الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".
الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.
التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ وقال في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.
واعلم أنه وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.
ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.
ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.
وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.
ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.
وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.
وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".
وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.
ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.
وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.
وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.
وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.
ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.
وأولو العلم هم أصحاب الرسول والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.
ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.
وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.
والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.
ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.
ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.
والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.
وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.
وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.
وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.
وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.
وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.
﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.
ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.
ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.
قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.
والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.
وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.
وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.
و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.
﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.
والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.
يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟
فيثنون عليه فقيض الله ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.
فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.
وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.
وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.
ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.
ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.
يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.
ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.
روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.
زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو يففقه تسبيحهم فيسبح.
والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.
وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.
والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.
والمراد بالشياطين ناس أقوياء.
ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.
وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.
أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.
وههنا نكتة وهي أن الله ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.
لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.
وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.
وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.
وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.
وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.
قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.
وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.
ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".
والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.
عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.
ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.
وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.
والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.
وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.
ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.
ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.
وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.
وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.
قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.
يروى أن داود جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.
والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.
وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.
وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.
يروى أن داود أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.
فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟
فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟
فقالت: لخراب هذا المسجد.
فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.
فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.
وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.
فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.
فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟
فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.
والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.
والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.
وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.
وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.
أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.
وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.
وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.
ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.
وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.
ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.
عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.
قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴾ .
وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.
وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.
وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.
وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.
وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.
وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.
ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.
يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.
وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.
وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.
والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.
ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.
والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.
والخمط شجر الأراك.
أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.
الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.
والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.
عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.
من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.
وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.
قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.
وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.
وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.
﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.
ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.
قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.
والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.
ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.
ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.
ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.
ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.
واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.
وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.
والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.
ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.
وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.
ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.
ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.
والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.
التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.
﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.
يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.
كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.
قال جبرائيل : لو دنوت أنملة لاحترقت.
﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.
فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.
فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.
﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.
وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.
﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .
أنهم آلهة: الملائكة والأصنام ومن عبدوهم من دونه: هل يملكون لكم شيئاً من دفع ضر أو جرّ نفع؟!
فيقول: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر؛ فكيف تسمونها: آلهة.
أو أن يقول: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أنها آلهة؛ فليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع وغيره؛ كقوله: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ ؛ فالجواب لذلك أن يقولوا: لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر؛ فكيف يذكرون ما ذكر؟!
يذكر - والله أعلم - سفههم وفرطهم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع، وتسميتهم إياها آلهة.
﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا ﴾ .
يعني: في خلق السماوات والأرض، وحفظهما، من تعبدون من دونه.
﴿ مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ ﴾ .
أي: من عون في ذلك؛ فكيف سميتموها: آلهة وشركاء في العبادة.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: لا يملك أحد الشفاعة إلا لمن أذن الله بالشفاعة له، فهو لم يأذن بالشفاعة لأحد من الكفرة؛ فذكر هذا - والله أعلم -: لقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، ولقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .
أو يذكر أن من ترجون منهم الشفاعة بالمحل الذي ذكرهم من الخوف والفزع؛ فكيف ترجون شفاعتهم؟!
كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ .
أو لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر منه ولا أكبر؛ فكيف يملكون الشفاعة لكم؟!
أو نحوه من الكلام، والله أعلم.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ .
ليس لهذا الحرف في ذا الموضع صلة يوصل بها، ولا تقدم بعطف عليه، وعلى الابتداء: لا يستقيم؛ فبعض أهل التأويل يقول: كان بين عيسى ومحمد فترة زمان طويل لا يجري فيها الرسل، فلما بعث الله محمدا، وكلم جبريل بالرسالة إلى محمد، سمع الملائكة ذلك؛ فظنوا أنها الساعة قامت؛ فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل جعل كلما يمرّ بهم جلّى عنهم وكشف؛ فقال بعضهم لبعض: ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ ، أي: الوحي.
وقال بعضهم: كان الوحي إذا نزل من السماء نزل كأنه سلسلة على صخرة، قال: فيفزع الملائكة بذلك؛ فيخرون سجداً، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قال: إذا انجلى عن قلوبهم ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قيل: جلّى وكشف الغطاء.
قال الكسائي: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ ﴾ مشتقة من الفزع؛ كما تقول: هيبه عن قلبه وفرقه وفزع كله واحد.
ومن قرأ: ﴿ فُرِّغَ ﴾ ، بالراء: أخرج وترك فارغا من الخوف والشغل، وهي قراءة ابن مسعود.
قال بعضهم - في قوله: ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ يقول: يخبرون بالأمر الذي جاءوا به، ولا يقولون إلا الحق، لا يزيدون ولا ينقصون.
وقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: لا يملكون إنشاء ذرة في السماوات والأرض، ﴿ وَمَا لَهُمْ ﴾ في إنشائها ﴿ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ ﴾ في إنشاء ذلك من عون؛ فكيف تعبدونهم وتسمونهم آلهة؟!.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ .
ذلك الفزع منهم وذلك القول منهم في القيامة؛ فزعوا لقيامها، وقد قرئ ﴿ حتى إذا فَزَّعَ ﴾ ، بنصب الفاء، أي: حتى إذا فزع الله، أي: كشف الله عن قلوبهم الفزع، وجلا ذلك عنهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
هذا في الظاهر وإن كان استفهاماً فهو على التقرير والإيجاب؛ لأنا قد ذكرنا: أن كل استفهام كان من الله، فهو على التقرير والإيجاب.
ثم لو كان ذلك ممن يكون منه الاستفهام، لكان جواب قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقولون: الله يرزقنا؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ ، ثم قال في آخره: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ﴾ ، فيقول لهم: فإذا علمتم أن الله هو رازقكم، فكيف صرفتم عبادتكم عنه إلى من تعلمون أنه لا يملك شيئاً من رزقكم؟!
كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ ﴾ ؛ إنه لا يملك [غيره] شيئاً من رزقكم.
ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض قالوا الله قال إني أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ .
وقال بعضهم في قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ من المطر ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ النبات؟
فإن أجابوك، فقالوا: الله، وإلا فقل: الله يفعل ذلك بكم؛ فكيف تعبدون غيره.
﴿ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى ﴾ .
يقول ذلك رسول الله لأهل مكة: إنا لعلى هدى أو إنكم لعلى هدى، وإنا أو إياكم لفي ضلال مبين.
وقال بعضهم: معناه: وإنا على هدى وإنكم لفي ضلال مبين، ولكن ليس هذا في ظاهر هذا الكلام.
وجائز أن يكون هذا على تعريض الشتم لهم بالضلال، والكناية لذلك كما يقول الرجل لآخر في حديث أو خبر يجري بينهما: إن أحدنا لكاذب في ذلك، أي: أنت كاذب في ذلك، لكنه تعريض منه بذلك ليس بتصريح.
وقال قتادة: هذا قول محمد وأصحابه لأهل الشرك: والله ما نحن وأنتم على أمر واحد، والله إن أحد الفريقين لمهتد، والفريق الآخر في ضلال مبين، فأنتم تعلمون أنا على هدى؛ لما أقمنا من الدلائل والحجج والبراهين على ذلك، وأنتم لا.
وقال بعضهم: قال ذلك؛ لأن كفار مكة قالوا للنبي وأصحابه: تعالوا ننظر في معايشنا: من أفضل دينا: أنحن أم أنتم؟
فعلى ذلك يكون في الآخرة؛ فردّ الله ذلك عليهم في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...
﴾ الآية [الجاثية: 21].
وقوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
قال بعضهم: قال ذلك؛ لأنهم كانوا يعيرون رسول الله ويوبخونه في طعنه الأصنام التي عبدوها، وذكره إياها بالسوء، وما يدعون عليه من الافتراء بأنه رسول الله، فيقول لهم: ﴿ لاَّ تُسْأَلُونَ ﴾ أنتم ﴿ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ نحن، ﴿ وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، وهو كقوله في سورة هود: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ .
أو أن يكون قوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ ، أي: عما دنَّا من الدين.
أو عما عملنا من الأعمال، ﴿ وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أنتم عما تدينون من الدين؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ ، وإنما يقال هذا بعد ظهور العناد والمكابرة، فأمّا عند الابتداء فلا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .
هذا - والله أعلم - صلة ما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، وصلة قوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ ؛ كأنهم قالوا لرسول الله وأصحابه: إنا لعلى هدى، وأنتم على ضلال مبين؛ فقال عند ذلك جواباً لهم: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ﴾ أي: يجمع بيننا، ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ ﴾ ، أي: يقضي بيننا بالحق: من منّا على الهدى؟
ومن منا على الضلال نحن أو أنتم؟
﴿ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: وهو الحاكم العليم: ما ظهر وما بطن حقيقة، والمفاتحة هي المحاكمة، يقال: هلم حتى نفاتحك إلى فلان، أي: نحاكمك، وذلك جائز في اللغة.
ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يكشف كل خفي منا وكل ستير وباطن؛ فيجعله ظاهر بيننا؛ ليظهر الذي من هو على الحق من الباطل؟
والهدى من الضلال؟
﴿ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: الكاشف المظهر العليم، يعلم الظاهر والباطن جميعاً، والإعلان والإسرار جميعاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ ﴾ .
أي: أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في تسميتكم الأصنام: آلهة.
أو أروني الذين ألحقتم به شركاء في العبادة.
وجائز أن يكون قال ذلك للذين عبدوا الملائكة وأشركوا فيها؛ كأن فيه إضمارا، يقول: أروني الذين ألحقتم به شركاء: هل خلقوا شيئاً؟
أم هل رزقوا؟
أم هل أحيوا؟
أم هل أماتوا؟
فإذا عرفتم أنهم لم يخلقوا، ولم يرزقوا، ولا يقدرون ذلك، وعلمتم أن الله هو خالق ذلك كله، وهو الرزاق؛ فكيف أشركتم من لا يملك ذلك في ألوهيته؟
﴿ كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ ﴾ .
منهم من يقول: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّاً على قولهم: شركاء، أي: ليسوا بشركائي؛ بل هو المتفرد الواحد الحكيم.
ومنهم من يقول: هو ردّ على قوله: هل خلقوا شيئاً؟
أم هل رزقوا شيئاً؟!
يقول: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: لم يخلقوا ولم يرزقوا؛ بل هو الله المتفرد بذلك، والله الموفق.
قال أبو عوسجة: ﴿ فُزِّعَ ﴾ : ذهب.
وقال القتبي: ﴿ فُزِّعَ ﴾ : خفف.
<div class="verse-tafsir"
وما بعثناك -أيها الرسول- إلا للناس عامة مبشرًا أهل التقوى بأن لهم الجنة، ومُخَوِّفا أهل الكفر والفجور من النار، ولكن معظم الناس لا يعلمون ذلك، فلو علموه لما كذبوك.
<div class="verse-tafsir" id="91.5Gg1v"