الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ١٠ من سورة فاطر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 102 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٠ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ) أي : من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة ، فليلزم طاعة الله ، فإنه يحصل له مقصوده; لأن الله مالك الدنيا والآخرة ، وله العزة جميعها ، كما قال تعالى : ( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ) [ النساء : 139 ] .
وقال تعالى : ( ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا ) [ يونس : 65 ] ، وقال : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) [ المنافقون : 8 ] .
قال مجاهد : ( من كان يريد العزة ) بعبادة الأوثان ، ( فإن العزة لله جميعا ) .
وقال قتادة : ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ) أي : فليتعزز بطاعة الله عز وجل .
وقيل : من كان يريد علم العزة ، لمن هي ، ( فإن العزة لله جميعا ) ، حكاه ابن جرير .
وقوله : ( إليه يصعد الكلم الطيب ) يعني : الذكر والتلاوة والدعاء .
قاله غير واحد من السلف .
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي ، أخبرني جعفر بن عون ، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي ، عن عبد الله بن المخارق ، عن أبيه المخارق بن سليم قال : قال لنا عبد الله - هو ابن مسعود - إذا حدثناكم حديثا أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله : إن العبد المسلم إذا قال : " سبحان الله وبحمده ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، تبارك الله " ، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ، ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن ، حتى يجيء بهن وجه الرحمن عز وجل ، ثم قرأ عبد الله : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) .
وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أخبرنا سعيد الجريري ، عن عبد الله بن شقيق قال : قال كعب الأحبار : إن ل " سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر " لدويا حول العرش كدوي النحل ، يذكرن بصاحبهن ، والعمل الصالح في الخزائن .
وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار ، رحمه الله ، وقد روي مرفوعا .
قال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، حدثنا موسى - يعني ابن مسلم الطحان - عن عون بن عبد الله ، عن أبيه - أو : عن أخيه - عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذين يذكرون من جلال الله ، من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله ، يتعاطفن حول العرش ، لهن دوي كدوي النحل ، يذكرون بصاحبهن ألا يحب أحدكم ألا يزال له عند الله شيء يذكر به ؟
" .
وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بشر بكر بن خلف ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن موسى بن أبي [ عيسى ] الطحان ، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن أبيه - أو : عن أخيه - عن النعمان بن بشير ، به .
وقوله : ( والعمل الصالح يرفعه ) : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الكلم الطيب : ذكر الله ، يصعد به إلى الله ، عز وجل ، والعمل الصالح : أداء فرائضه .
ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه ، رد كلامه على عمله ، فكان أولى به .
وكذا قال مجاهد : العمل الصالح يرفع الكلام الطيب .
وكذا قال أبو العالية ، وعكرمة ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وشهر بن حوشب ، وغير واحد [ من السلف ] .
وقال إياس بن معاوية القاضي : لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام .
وقال الحسن ، وقتادة : لا يقبل قول إلا بعمل .
وقوله : ( والذين يمكرون السيئات ) : قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وشهر بن حوشب : هم المراءون بأعمالهم ، يعني : يمكرون بالناس ، يوهمون أنهم في طاعة الله ، وهم بغضاء إلى الله عز وجل ، يراءون بأعمالهم ، ( ولا يذكرون الله إلا قليلا ) [ النساء : 142 ] .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هم المشركون .
والصحيح أنها عامة ، والمشركون داخلون بطريق الأولى ، ولهذا قال : ( لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ) ، أي : يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى ، فإنه ما أسر عبد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي ، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم ، بل يكشف لهم عن قريب ، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية .
القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) اختلف أهل التأويل في معنى قوله ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) فقال بعضهم: معنى ذلك: من كان يريد العزة بعبادة الآلهة والأوثان فإن العزة لله جميعًا.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ) يقول: من كان يريد العزة بعبادته &; 20-444 &; الآلهة فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وقال آخرون: معنى ذلك من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) يقول: فليتعزز بطاعة الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنها لله جميعًا كلها أي: كل وجه من العزة فلله.
والذي هو أولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: من كان يريد العزة فبالله فليتعزز، فلله العزة جميعًا، دون كل ما دونه من الآلهة والأوثان.
وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب لأن الآيات التي قبل هذه الآية، جرت بتقريع الله المشركين على عبادتهم الأوثان، وتوبيخه إياهم، ووعيده لهم عليها، فأولى بهذه أيضًا أن تكون من جنس الحث على فراق ذلك، فكانت قصتها شبيهة بقصتها، وكانت في سياقها.
وقوله ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) يقول تعالى ذكره: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إليه عمله الصالح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه والانتهاء إلى ما أمر به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي قال: أخبرني جعفر بن عون عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده، الحمد لله لا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحيه ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله ( وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ).
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلية، قال: أخبرنا سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب: إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لدويًّا حول العرش كدوي النحل يذكرن بصاحبهن والعمل الصالح في الخزائن.
حدثني يونس، قال: ثنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب الأشعري قوله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قال: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب.
حدثني علي، ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قال: الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه، فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قال: قال الحسن وقتادة: لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه.
وقوله (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) يقول تعالى ذكره: والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثني سعيد، عن قتادة قوله ( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) قال: هؤلاء أهل الشرك.
وقوله (وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) يقول: وعمل هؤلاء المشركين يبور، فيبطل فيذهب؛ لأنه لم يكن لله، فلم ينفع عامله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) أى: يفسد.
حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب (وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) قال: هم أصحاب الرياء.
حدثني محمد بن عمارة قال: ثنا سهل بن أبي عامر قال: ثنا جعفر الأحمر عن شهر بن حوشب في قوله (وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) قال: هم أصحاب الرياء.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) قال: بار فلم ينفعهم ولم ينتفعوا به، وضرهم.
قوله تعالى : من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور .قوله تعالى : من كان يريد العزة فلله العزة جميعا التقدير عند الفراء : من كان يريد علم العزة .
وكذا قال غيره من أهل العلم .
أي من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها ; لأن العزة إذا كانت تؤدي إلى ذلة فإنما هي تعرض للذلة ، والعزة التي لا ذل معها لله عز وجل .
( جميعا ) منصوب على الحال .
وقدر الزجاج معناه : من كان يريد بعبادته الله - عز وجل - العزة - والعزة له سبحانه - فإن الله عز وجل يعزه في الآخرة والدنيا .قلت : وهذا أحسن ، وروي مرفوعا على ما يأتي ( فلله العزة جميعا ) ظاهر هذا إيئاس السامعين من عزته ، وتعريفهم أن ما وجب له من ذلك لا مطمع فيه لغيره ; فتكون الألف واللام للعهد عند العالمين به سبحانه وبما وجب له من ذلك ، وهو المفهوم من قوله الحق في سورة يونس : ولا يحزنك قولهم إن العزة لله .
ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبه ذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة ومن أين تستحق ; فتكون الألف واللام للاستغراق ، وهو المفهوم من آيات هذه السورة .
فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل ، وسكون وخضوع ، وجدها عنده إن شاء الله غير ممنوعة ولا محجوبة عنه ; قال صلى الله عليه وسلم : من تواضع لله [ ص: 295 ] رفعه الله .
ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده .
وقد ذكر قوما طلبوا العزة عند من سواه فقال : الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا .
فأنبأك صريحا لا إشكال فيه أن العزة له يعز بها من يشاء ويذل من يشاء .
وقال صلى الله عليه وسلم مفسرا لقوله من كان يريد العزة فلله العزة جميعا : من أراد عز الدارين فليطع العزيز .
وهذا معنى قول الزجاج .
ولقد أحسن من قال :وإذا تذللت الرقاب تواضعا منا إليك فعزها في ذلهافمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر ، ويدخل دار العزة - ولله العزة - فليقصد بالعزة الله سبحانه والاعتزاز به ; فإنه من اعتز بالعبد أذله الله ، ومن اعتز بالله أعزه الله .قوله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب وتم الكلام .
ثم تبتدئ والعمل الصالح يرفعه على معنى : يرفعه الله ، أو يرفع صاحبه .
ويجوز أن يكون المعنى : والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب ; فيكون الكلام متصلا على ما يأتي بيانه .
والصعود هو الحركة إلى فوق ، وهو العروج أيضا .
ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض ، لكن ضرب صعوده مثلا لقبوله ; لأن موضع الثواب فوق ، وموضع العذاب أسفل .
وقال الزجاج : يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه ; فهو بمعنى العلم .
وخص الكلام والطب بالذكر لبيان الثواب عليه .
وقوله إليه أي إلى الله يصعد .
وقيل : يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم .
وقيل : أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء .
و ( الكلم الطيب ) هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة .
وقيل : هو التحميد والتمجيد ، وذكر الله ونحوه .
وأنشدوا :لا ترض من رجل حلاوة قوله حتى يزين ما يقول فعالفإذا وزنت فعاله بمقاله فتوازنا فإخاء ذاك جمال[ ص: 296 ] وقال ابن المقفع : قول بلا عمل ، كثريد بلا دسم ، وسحاب بلا مطر ، وقوس بلا وتر .
وفيه قيل :لا يكون المقال إلا بفعل كل قول بلا فعال هباءإن قولا بلا فعال جميل ونكاحا بلا ولي سواءوقرأ الضحاك ( يصعد ) بضم الياء .
وقرأ جمهور الناس ( الكلم ) جمع كلمة .
وقرأ أبو عبد الرحمن ( الكلام ) .قلت : فالكلام على هذا قد يطلق بمعنى الكلم وبالعكس ; وعليه يخرج قول أبي القاسم : أقسام الكلام ثلاثة ; فوضع الكلام موضع الكلم ، والله أعلم .
والعمل الصالح يرفعه قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب .
وفي الحديث لا يقبل الله قولا إلا بعمل ، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية ، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة .
قال ابن عباس : فإذا ذكر العبد الله وقال كلاما طيبا وأدى فرائضه ، ارتفع قوله مع عمله وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على عمله .
قال ابن عطية : وهذا قول يرده معتقد أهل السنة ولا يصح عن ابن عباس .والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلاما طيبا فإنه مكتوب له متقبل منه ، وله حسناته وعليه سيئاته ، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك .
وأيضا فإن الكلام الطيب عمل صالح ، وإنما يستقيم قول من يقول : إن العمل هو الرافع للكلم ، بأن يتأول أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه .
كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك ، إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر الله تعالى كانت الأعمال أشرف ; فيكون قوله : والعمل الصالح يرفعه موعظة وتذكرة وحضا على الأعمال .
وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها ; كالتوحيد والتسبيح فمقبولة .
قال ابن العربي : إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع ; لأن من خالف قوله فعله فهو وبال عليه .
وتحقيق هذا : أن العمل إذا وقع شرطا في قبول القول أو مرتبطا ، فإنه لا قبول له إلا به وإن لم يكن شرطا فيه فإن كلمه الطيب يكتب له ، وعمله السيئ يكتب عليه ، وتقع الموازنة بينهما ، ثم يحكم الله بالفوز والربح والخسران .قلت : ما قال ابن العربي تحقيق .
والظاهر أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيب .
وقد جاء في الآثار : ( أن العبد إذا قال : لا إله إلا الله بنية صادقة نظرت الملائكة إلى [ ص: 297 ] عمله ، فإن كان العمل موافقا لقوله صعدا جميعا ، وإن كان عمله مخالفا وقف قوله حتى يتوب من عمله ) .
فعلى هذا العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله .
والكناية في ( يرفعه ) ترجع إلى الكلم الطيب .
وهذا قول ابن عباس وشهر بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبي العالية والضحاك .
وعلى أن الكلم الطيب هو التوحيد ، فهو الرافع للعمل الصالح ; لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد .
أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب ; فالكناية تعود على العمل الصالح .
وروي هذا القول عن شهر بن حوشب قال : الكلم الطيب القرآن والعمل الصالح يرفعه القرآن .
وقيل : تعود على الله جل وعز ; أي أن العمل الصالح يرفعه الله على الكلم الطيب ; لأن العمل تحقيق الكلم ، والعامل أكثر تعبا من القائل ، وهذا هو حقيقة الكلام ; لأن الله هو الرافع الخافض .
والثاني والأول مجاز ، ولكنه سائغ جائز .قال النحاس : القول الأول أولاها وأصحها لعلو من قال به ، وأنه في العربية أولى ; لأن القراء على رفع العمل .
ولو كان المعنى : والعمل الصالح يرفعه الله ، أو العمل الصالح يرفعه الكلم الطيب ، لكان الاختيار نصف العمل .
ولا نعلم أحدا قرأه منصوبا إلا شيئا روي عن عيسى بن عمر أنه قال : قرأه أناس والعمل الصالح يرفعه الله .
وقيل : والعمل الصالح يرفع صاحبه ، وهو الذي أراد العزة وعلم أنها تطلب من الله تعالى ; ذكره القشيري .الثانية : ذكروا عند ابن عباس أن الكلب يقطع الصلاة ، فقرأ هذه الآية : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه .
وهذا استدلال بعموم على مذهب السلف في القول بالعموم ، وقد دخل في الصلاة بشروطها ، فلا يقطعها عليه شيء إلا بثبوت ما يوجب ذلك ; من مثل ما انعقدت به من قرآن أو سنة أو إجماع .
وقد تعلق من رأى ذلك بقوله عليه السلام : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود فقلت : ما بال الكلب الأسود من الكلب الأبيض من الكلب الأحمر ؟
فقال : إن الأسود شيطان خرجه مسلم .
وقد جاء ما يعارض هذا ، وهو ما خرجه البخاري عن ابن أخي ابن شهاب أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء ؟
فقال : لا [ ص: 298 ] يقطعها شيء ، أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيصلي من الليل ، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله .قوله تعالى : والذين يمكرون السيئات ذكر الطبري في ( كتاب آداب النفوس ) : حدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب الأشعري في قوله عز وجل : والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور قال : هم أصحاب الرياء ; وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة .
وقال أبو العالية : هم الذين مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة .
وقال الكلبي : يعني الذين يعملون السيئات في الدنيا ، مقاتل : يعني الشرك ، فتكون السيئات مفعولة .
ويقال : بار يبور إذا هلك وبطل .
وبارت السوق أي كسدت ، ومنه : نعوذ بالله من بوار الأيم .
وقوله : " وكنتم قوما بورا " أي هلكى .
والمكر : ما عمل على سبيل احتيال وخديعة .
وقد مضى في ( سبأ ) .
أي: يا من يريد العزة، اطلبها ممن هي بيده، فإن العزة بيد اللّه، ولا تنال إلا بطاعته، وقد ذكرها بقوله: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل وكل كلام حسن طيب، فيرفع إلى اللّه ويعرض عليه ويثني اللّه على صاحبه بين الملأ الأعلى { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ } من أعمال القلوب وأعمال الجوارح { يَرْفَعُهُ } اللّه تعالى إليه أيضا، كالكلم الطيب.وقيل: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة، فهي التي ترفع كلمه الطيب، فإذا لم يكن له عمل صالح، لم يرفع له قول إلى اللّه تعالى، فهذه الأعمال التي ترفع إلى اللّه تعالى، ويرفع اللّه صاحبها ويعزه.وأما السيئات فإنها بالعكس، يريد صاحبها الرفعة بها، ويمكر ويكيد ويعود ذلك عليه، ولا يزداد إلا إهانة ونزولا، ولهذا قال: { والعمل الصالح يرفعه وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } يهانون فيه غاية الإهانة.
{ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } أي: يهلك ويضمحل، ولا يفيدهم شيئا، لأنه مكر بالباطل، لأجل الباطل.
قوله - عز وجل - : ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ) قال الفراء : معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعا .
وقال قتادة : من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة ، أي : فليطلب العزة من عند الله بطاعته ، كما يقال : من كان يريد المال فالمال لفلان ، أي : فليطلبه من عنده ، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا به التعزيز كما قال الله : " واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا " ( مريم - 81 ) ، وقال : " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا " ( النساء - 139 ) .
) ( إليه ) أي : إلى الله ( يصعد الكلم الطيب ) وهو قوله لا إله إلا الله ، وقيل : هو قول الرجل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا الحجاج بن نصر ، أخبرنا المسعودي عن عبد الله بن المخارق ، عن أبيه ، عن ابن مسعود قال : إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله - عز وجل - : ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وتبارك الله ، إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بها وجه رب العالمين ، ومصداقه من كتاب الله - عز وجل - قوله : ( إليه يصعد الكلم الطيب ) ذكره ابن مسعود .
وقيل : " الكلم الطيب " : ذكر الله .
وعن قتادة : " إليه يصعد الكلم الطيب " أي : يقبل الله الكلم الطيب .
قوله - عز وجل - : ( والعمل الصالح يرفعه ) أي : يرفع العمل الصالح الكلم الطيب ، فالهاء في قوله يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب ، وهو قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وعكرمة ، وأكثر المفسرين .
وقال الحسن وقتادة : الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه ، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله ، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ، فمن قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله ، ومن قال حسنا وعمل صالحا يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وجاء في الحديث : " لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا قولا ولا عملا إلا بنية " .
وقال قوم : الهاء في قوله " يرفعه " راجعة إلى العمل الصالح أي : الكلم الطيب يرفع العمل الصالح ، فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن التوحيد ، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل .
وقيل : الرفع من صفة الله - عز وجل - معناه : العمل الصالح يرفعه الله - عز وجل - .
وقال سفيان بن عيينة : العمل الصالح هو الخالص ، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال ، دليله قوله - عز وجل - : " فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " ( الكهف - 110 ) ، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء ( والذين يمكرون السيئات ) قال الكلبي : أي : الذين يعملون السيئات .
وقال مقاتل : يعني الشرك .
وقال أبو العالية : يعني الذين مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دار الندوة ، كما قال الله تعالى : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك " ( الأنفال - 30 ) .
وقال مجاهد : وشهر بن حوشب : هم أصحاب الرياء .
( لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ) يبطل ويهلك في الآخرة .
«من كان يريد العزة فلله العزة جميعا» أي في الدنيا والآخرة فلا تنال منه إلا بطاعته فليطعه «إليه يصعد الكلم الطيب» يعلمه وهو لا إله إلا الله ونحوها «والعمل الصالح يرفعه» يقبله «والذين يمكرون» المكرات «السيئات» بالنبي في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه كما ذكر في الأنفال «لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور» يهلك.
من كان يطلب عزة في الدنيا أو الآخرة فليطلبها من الله، ولا تُنال إلا بطاعته، فلله العزة جميعًا، فمن اعتز بالمخلوق أذلَّه الله، ومن اعتز بالخالق أعزه الله، إليه سبحانه يصعد ذكره والعمل الصالح يرفعه.
والذين يكتسبون السيئات لهم عذاب شديد، ومكر أولئك يَهْلك ويَفْسُد، ولا يفيدهم شيئًا.
ثم بين - سبحانه - أن العزة الكاملة إنما هى لله - تعالى - وحده فقال : ( مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً .
.
.
) .والمراد بالعزة : الشرف والمنعة والاستعلاء ، من قولهم : أرض عَزاز ، أى : صلبة قوية .
و ( مَن ) شرطية ، وجواب الشرط محذوف .
وقوله : ( فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً ) تعليل للجواب المحذوف .والمعنى من كان من الناس يريد العزة التى لا ذلة معها .
فليطع الله وليعتمد عليه وحده فالله - تعالى - العزة كلها فى الدنيا والآخرة ، وليس لغيره منها شئ .وفى هذا رد على المشركين وغيرهم من يطلبون العزة من الأصنام أو من غيرها من المخلوقات قال - تعالى - : ( واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ) وقال - سبحانه - : ( الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ) قال القرطبى ما ملخصه : يريد - سبحانه فى هذه الآية ، أن ينبه ذوى الأقدار والهمم ، من يان تنال العزة ومن أين تستحق ، فمن طلب العزة من الله - تعالى وجدها عنده ، - إن شاء الله - ، غير ممنوعة ولا محجوبة عنه .
.
ومن طلبها من غيره وكلَه إلى من طلبها عنده .
وقال صلى الله عليه وسلم مفسرا لهذه الآية : " من أراد عز الدارين فليطع العزيز " ، ولقد أحسن القائل :وإذا تذللت الرقاب تواضعا ...
منا إليك فعزها فى ذلهافمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر ، فليعتز بالله - تعالى - ، فإن منا عتز بغير الله ، أذله الله ، ومن اعتز به - سبحانه أعزه .ولا تنافى بين هذه الآية وبين قوله - تعالى - : ( وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ ) لأن العزة الكاملة لله - تعالى - وحده ، أما عزة الرسول صلى الله عليه وسلم فمستمدة من قربه من الله - تعالى - ، كما أن عزة المؤمنين مستمدة من إيمانهم بالله - تعالى - وبرسوله صلى الله عليه وسلم .والخلاصة أن هذه الآية الكريمة ترشد المؤمنين إلى الطريق الذى يوصلهم إلى السعادة الدنيوية والأخروية .
ألا وهو طاعة الله - تعالى - ، والاعتماد عليه والاعتزاز به .وقوله - سبحانه - : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ) حض لمؤمنين على النطق بالكلام الحسن ، وعلى الإِكثار من العمل الصالح .و ( يَصْعَدُ ) من الصعود بمعنى الارتفاع إلى أعلى والعروج من مكان منخفض إلى مكان مرتفع .
يقال صعد فى السلم ويصعد صعودا إذا ارتقاه وارتفع فيه .و ( الكلم ) اسم جنس جمعى واحده كلمة .والمراد بالكلمة الطيب : كل كلام يرضى الله - تعالى - من تسبيح وتحميد وتكبيره .
وأمره بالمعروف ، ونهى عن المنكر ، وغير ذلك من الأقوال الحسنة .والمراد بصعوده : قبوله عند الله - تعالى - ورضاه عن صاحبه ، أو صعود صحائف هذه الأقوال الطيبة .والمعنى : إليه - تعالى - وحده ، لا إلى غيره يصعد الكلم الطيب ، أى : يقبل عنده ، ويكون مرضيا لديه ، أو إليه - وحده - ترفع صحائف أعمال عباده ، الصادقين فيجازيهم بما يستحقون من ثواب ، والعمل الصالح الصادر عن عباده المؤمنين يرفعه الله - تعالى - إليه ، ويقبله منهم ، ويكافئهم عليه .فالفاعل لقوله ( يَرْفَعُهُ ) ضمير يعود على الله - تعالى - العمل الصالح إليه ، ويقبله من أصحابه .ومنهم من يرى أن الفاعل لقوله ( يَرْفَعُهُ ) هو العمل الصالح .
والضمير المنصوب يعود إلى الكلم الطيب .
أى : أن العمل الصالح هو الذى يرفع الكلم الطيب .
بأنه يجعله مقبولا عند الله - تعالى - .ومنهم من يرى العكس .
أى : أن الكلم الطيب هو الذى يرفع العمل الصالح .قال الشوكانى ما ملخصه : ومعنى : ( والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ) أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب .
كما قال الحسن وغيره .
ووجهه أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا من العمل الصلاح وقيل : إن فاعل ( يَرْفَعُهُ ) هو الكلم الطيب ، ومفعوله العمل الصالح .
ووجه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإِيمان وقيل : إن فاعل ( يَرْفَعُهُ ) ضمير يعود إلى الله - تعالى - .والمعنى : أن الله - تعالى - يرفع العمل الصلاح على الكلم الطيب ، لأن العمل يحقق الكلام .
وقيل : العمل الصالح هو الذى يرفع صاحبه .ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال ، أن يكون الفاعل لقوله ( يَرْفَعُهُ ) هو الله - تعالى - ، وأن الضمير المنصوب عائد إلى العمل الصالح لأن الله - تعالى - هو الذى يقبل الأقوال الطيبة ، وهو - سبحانه - الذى يرفع الأعمال الصالحة ويقبلها عنده من عباده المؤمنين .ثم بين - تعالى - بعد ذلك سوء عاقبة الذين يمكرون السوء فقال : ( والذين يَمْكُرُونَ السيئات لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) .والمكر : التدبير المحكم .
أو صرف غيرك عما يريده بحيلة .
وهو مذموم إن تحرى به صاحبه الشر والسوء - كما فى الآية الكريمة ، ومحمود إن تحرى به صاحبه الخير والنفع و ( السيئات ) جمع سيئة وهى صفة لموصوف محذوف .وقوله ( يَبُورُ ) أى : يبطل ويفسد ، من البوار : يقال : بار المتاع بوارا إذا كسد وصار فى حكم الهالك .أى : والذين يمكرون المكرات السيئات من المشركين والمنافقين وأشباههم ، لهم عذاب شديد من الله - تعالى - ، ومكر أولئك الماكرين المفسدين ، مصيره إلى الفساد والخسران ، لأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله .ويدخل فى هذا المكر السيئ ما فعله المشركون مع الرسول صلى الله عليه وسلم فى دار الندوة ، حيث بيتوا قتله ، ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم ، كما دخل فيه غير ذلك من أقوالهم القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، ونياتهم الخبيثة .
لما بين برهان الإيمان إشارة إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة التي كانوا يتوهمونها من حيث إنهم ما كانوا في طاعة أحد ولم يكن لهم من يأمرهم وينهاهم، فكانوا ينحتون الأصنام وكانوا يقولون إن هذه آلهتنا، ثم إنهم كانوا ينقلونها مع أنفسهم وأية عزة فوق المعية مع المعبود فهم كانوا يطلبون العزة وهي عدم التذلل للرسول وترك الأتباع له، فقال إن كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في الحقيقة، فهي كلها لله ومن يتذلل له فهو العزيز، ومن يتعزز عليه فهو الذليل وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال في هذه الآية: ﴿ فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فقوله: ﴿ جَمِيعاً ﴾ يدل على أن لا عزة لغيره فنقول قوله: ﴿ فَلِلَّهِ العزة ﴾ أي في الحقيقة وبالذات وقوله: ﴿ وَلِرَسُولِهِ ﴾ أي بواسطة القرب من العزيز وهو الله وللمؤمنين بواسطة قربهم من العزيز بالله وهو الرسول، وذلك لأن عزة المؤمنين بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترى قوله تعالى: ﴿ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله ﴾ .
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب ﴾ تقرير لبيان العزة، وذلك لأن الكفار كانوا يقولون نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده، لأن البعد من الملك ذلة، فقال تعالى: إن كنتم لا تصلون إليه، فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب فمن قبل كلامه وصعد إليه فهو عزيز ومن رد كلامه في وجهه فهو ذليل، وأما هذه الأصنام لا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا علم لها فكل أحد يمسها وكذلك يرى علمكم فمن عمل صالحاً رفعه إليه، ومن عمل سيئاً رده عليه فالعزيز من الذي عمله لوجهه والذليل من يدفع الذي عمله في وجهه، وأما هذه الأصنام فلا تعلم شيئاً فلا عزيز يرفع عندها ولا ذليل، فلا عزة بها بل عليها ذلة، وذلك لأن ذلة السيد ذلة للعبد ومن كان معبوده وربه وإلهه حجارة أو خشباً ماذا يكون هو!.
المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب ﴾ وجوه: أحدها: كلمة لا إله إلا الله هي الطيبة.
وثانيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر طيب ثالثها: هذه الكلمات الأربع وخامسة وهي تبارك الله والمختار أن كل كلام هو ذكر الله أو هو لله كالنصيحة والعلم، فهو إليه يصعد.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ وفي الهاء وجهان: أحدهما: هي عائدة إلى الكلم الطيب أي العمل الصالح هو الذي يرفعه الكلم الطيب ورد في الخبر: «لا يقبل الله قولاً بلا عمل».
وثانيهما: هي عائدة إلى العمل الصالح وعلى هذا في الفاعل الرافع وجهان: أحدهما: هو الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، وهذا يؤيده قوله تعالى: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ وثانيهما: الرافع هو الله تعالى.
المسألة الخامسة: ما وجه ترجيح الذكر على العمل على الوجه الثاني حيث يصعد الكلم بنفسه ويرفع العمل بغيره، فنقول الكلام شريف، فإن امتياز الإنسان عن كل حيوان بالنطق ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ أي بالنفس الناطقة والعمل حركة وسكون يشترك فيه الإنسان وغيره، والشريف إذا وصل إلى باب الملك لا يمنع ومن دونه لا يجد الطريق إلا عند الطلب ويدل على هذا أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة إن كان عن صدق أمن عذاب الدنيا والآخرة، وإن كان ظاهراً أمن في نفسه ودمه وأهله وحرمه في الدنيا ولا كذلك العمل بالجوارح، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ ووجه آخر: القلب هو الأصل وقد تقدم ما يدل عليه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» وما في القلب لا يظهر إلا باللسان وما في اللسان لا يتبين صدقه إلا بالفعل، فالقول أقرب إلى القلب من الفعل، ألا ترى أن الإنسان لا يتكلم بكلمة إلا عن قلب، وأما الفعل قد يكون لا عن قلب كالعبث باللحية ولأن النائم لا يخلو عن فعل من حركة وتقلب وهو في أكثر الأمر لا يتكلم في نومه إلا نادراً، لما ذكرنا إن الكلام بالقلب ولا كذلك العمل، فالقول أشرف.
المسألة السادسة: قال الزمخشري المكر لا يتعدى فبم انتصاب السيئات؟
وقال بأن معناه الذين يمكرون المكرات السيئات فهو وصف مصدر محذوف، ويحتمل أن يقال استعمل المكر استعمال العمل فعداه تعديته كما قال تعالى: ﴿ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ وفي قوله: ﴿ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ يحتمل ما ذكرناه أن يكون السيئات وصفاً لمصدر تقديره الذين يعملون العملات السيئات، وعلى هذا فيكون هذا في مقابلة قوله: ﴿ والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ إشارة إلى بقائه وارتقائه ﴿ وَمَكْرُ أولئك ﴾ أي العمل السيء ﴿ وَهُوَ يَبُورُ ﴾ إشارة إلى فنائه.
<div class="verse-tafsir"
كان الكافرون يتعزرون بالأصنام، كما قال عزّ وجلّ: ﴿ واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ [مريم: 81] ، والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين، كما قال تعالى: ﴿ الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ [النساء: 139] فبين أن لا عزة إلاّ لله ولأوليائه.
وقال: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ والمعنى فليطلبها عند الله، فوضع قوله: ﴿ فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً ﴾ موضعه، استغناء به عنه لدلالته عليه؛ لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه.
ونظيره قولك: من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، تريد: فليطلبها عندهم؛ إلاّ أنك أقمت ما يدل عليه مقامه.
ومعنى: ﴿ فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً ﴾ أنّ العزّة كلها مختصة بالله: عزة الدنيا وعزة الآخرة.
ثم عرف أن ما تطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ والكلم الطيب: لا إله إلاّ الله.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني أنّ هذه الكلم لا تقبل.
ولا تصعد إلى السماء فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة، كما قال عزّ وجلّ: ﴿ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ ﴾ [المطففين: 18] إلاّ إذا اقترن بها العمل الصالح الذي يحققها ويصدقها فرفعها وأصعدها.
وقيل: الرافع الكلم، والمرفوع العمل؛ لأنه لا يقبل عمل إلاّ من موحد.
وقيل: الرافع هو الله تعالى، والمرفوع العمل.
وقيل: الكلم الطيب: كل ذكر من تكبير وتسبيح وتهليل وقراءة قرآن ودعاء واستغفار وغير ذلك.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه» وفي الحديث: «ولا يقبل الله قولاً إلاّ بعمل، ولا يقبل قولاً ولا عملاً إلاّ بنية، ولا يقبل قولاً وعملاً ونية إلا بإصابة السنة» وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
وقرئ: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب ﴾ على البناء للمفعول.
و ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب ﴾ على تسمية الفاعل، من أصعد والمصعد: هو الرجل أي يصعد إلى الله عزّ وجلّ الكلم الطيب، وإليه يصعد الكلام الطيب.
وقرئ: ﴿ والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ ، بنصب العمل والرافع الكلم أو الله عزّ وجلّ.
فإن قلت: مكر: فعل غير متعدّ.
لا يقال: مكر فلان عمله فبم نصب ﴿ السيئات ﴾ ؟
قلت: هذه صفة للمصدر، أو لما في حكمه، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ [فاطر: 43] أصله والذين مكروا والمكرات السيئات.
أو أصناف المكر السيئات، وعنى بهن مكرات قريش حين اجتمعوا في دار الندوة وتداوروا الرأي في إحدى ثلاث مكرات يمكرونها برسول الله صلى الله عليه وسلم: إما إثباته، أو قتله، أو إخراجه كما حكى الله سبحانه عنهم: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ [الأنفال: 30] .
﴿ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ يعني: مكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، أي: يكسد ويفسد، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعاً وحقق فيهم قوله: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ [الأنفال: 30] وقوله: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ الشَّرَفَ والمَنَعَةَ.
﴿ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْها مِن عِنْدِهِ فَإنَّ لَهُ كُلَّها، فاسْتَغْنى بِالدَّلِيلِ عَنِ المَدْلُولِ.
﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ بَيانٌ لِما يُطْلَبُ بِهِ العِزَّةُ وهو التَّوْحِيدُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وصُعُودُهُما إلَيْهِ مَجازٌ عَنْ قَبُولِهِ إيّاهُما، أوْ صُعُودُ الكَتَبَةِ بِصَحِيفَتِهِما، والمُسْتَكِنُ في ( يَرْفَعُهُ ) لِـ ( الكَلِمُ ) فَإنَّ العَمَلَ لا يُقْبَلُ إلّا بِالتَّوْحِيدِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ نَصَبَ ( العَمَلَ )، أوْ لِـ ( العَمَلُ ) فَإنَّهُ يُحَقِّقُ الإيمانَ ويُقَوِّيهِ، أوْ لِلَّهِ وتَخْصِيصُ العَمَلِ بِهَذا الشَّرَفِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ.
وقُرِئَ «يَصْعَدُ» عَلى البِناءَيْنِ والمُصْعِدُ هو اللَّهُ تَعالى أوِ المُتَكَلِّمُ بِهِ أوِ المَلَكُ.
وقِيلَ ﴿ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ يَتَناوَلُ الذِّكْرَ والدُّعاءَ وقِراءَةَ القُرْآنِ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «هُوَ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، فَإذا قالَها العَبْدُ عَرَجَ بِها المَلَكُ إلى السَّماءِ فَحَيّا بِها وجْهَ الرَّحْمَنِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ صالِحٌ لَمْ تُقْبَلْ» .
﴿ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ المَكَراتُ السَّيِّئاتُ يَعْنِي مَكَراتِ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في دارِ النَّدْوَةِ وتَداوُرَهُمُ الرَّأْيَ في إحْدى ثَلاثٍ حَبْسِهِ وقَتْلِهِ وإجْلائِهِ.
﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ لا يُؤْبَهُ دُونَهُ بِما يَمْكُرُونَ بِهِ.
﴿ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ ﴾ يَفْسَدُ ولا يَنْفُذُ لِأنَّ الأُمُورَ مُقَدَّرَةٌ لا تَتَغَيَّرُ بِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
{مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً} أي العزة كلها مختصة بالله عزة الدنيا وعزة الآخرة وكان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال وآتخذو من دون الله آلهة ليكونوالهم عزا والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما قال الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة فان العزة لله جميعا فبين أن لا عزة إلا بالله والمعنى فليطلبها عند الله فوضع قوله لِلَّهِ العزة جَمِيعاً موضعه استغناء عنه به لدلالته عليه لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه ونظيره قولك من أراد النصيحة فهي عند الأبرار تريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه وفي الحديث إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز ثم عرف أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ} ومعنى قوله إِلَيْهِ إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه إلا حكمه والكلم الطيب كلمات التوحيد أي لا إله إلا الله وكان القياس الطيبة ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا التاء يذكر ويؤنث والعمل الصالح العبادة الخالصة يعني والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فالرافع الكلم والمرفوع العمل لأنه لا يقبل عمل إلا من موحد وقيل الرافع الله والمرفوع العمل أي العمل الصالح يرفعه الله وفيه إشارة إلى أن العمل يتوفق على الرفع والكلم الطيب يصعد بنفسه وقيل العمل الصالح يرفع
فاطر (١٢ - ١٠)
العامل ويشرفه أي من أراد العزة فليعمل عملاً صالحاً فإنه هو الذي يرفع العبد {والذين يَمْكُرُونَ السيئات} هي صفة لمصدر محذوف أى
المكرات السيآت لأن مكر فعل غير متعدٍ لا يقال مكر فلان عمله والمراد مكر قريش به عليه السلام حين اجتمعوا في دار الندوة كما قال الله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كفروا ليثبتوك الآية {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} في الآخرة {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ} مبتدأ {هُوَ} فصل {يَبُورُ} خبر أي ومكر أولئك الذين مكروا هو خاصة يبور أي يفسد ويبطل دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم جميعا وحقق فيهم قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين وقوله ولا يحيق المكر السىء إلا بأهله
﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ الشَّرَفَ والمَنَعَةَ مِن قَوْلِهِمْ أرْضٌ عِزازٌ أيْ صُلْبَةٌ وتَعْرِيفُها لِلْجِنْسِ، والآيَةُ في الكافِرِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِالأصْنامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا ﴾ واَلَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ مُواطَأةِ قُلُوبِهِمْ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِالمُشْرِكِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ ﴾ و(مَن) اِسْمُ شَرْطٍ وما بَعْدَهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، والجَمْعُ بَيْنَ كانَ ويُرِيدُ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمْرارِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ دَلِيلُ الجَوابِ ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ جَوابًا مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ لِخُلُوِّهِ عَنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى مَن، وقَدْ قالُوا: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في جُمْلَةِ الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اِسْمِ الشَّرْطِ إذا لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا، والتَّقْدِيرُ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلُبْها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلِلَّهِ وحْدِهِ لا لِغَيْرِهِ العِزَّةُ، فَهو سُبْحانُهُ يَتَصَرَّفُ فِيها كَما يُرِيدُ فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ لِأنَّ الطَّلَبَ مِمَّنْ هي لَهُ وفي مُلْكِهِ جَمِيعِها مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وتَعْرِيفُ العِزَّةِ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، والمُرادُ عَزَّةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاخْتِصاصِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ لِأنَّ ما لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ العِزَّةُ بِالذّاتِ ولِلرَّسُولِ العِزَّةُ بِواسِطَةِ قُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وما لِلْمُؤْمِنِينَ العِزَّةُ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَأنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ أُعِيدَ الجارُّ.
وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الجَوابَ فَلْيُطِعِ اللَّهَ تَعالى، وأُيِّدَ بِما رَواهُ أنَسٌ كَما في (مَجْمَعِ البَيانِ) عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««إنَّ رَبَّكم يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ أنا العَزِيزُ فَمَن أرادَ عِزَّ الدّارَيْنِ فَلْيُطِعِ العَزِيزَ»».
ومَن قَدَّرَ فَلْيَطْلُبْها مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَ: إنَّ الطَّلَبَ مِنهُ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ.
وعَنِ الفَرّاءِ المَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ عِلْمَ العِزَّةِ أيِ القُدْرَةِ عَلى القَهْرِ لِمَن هي فَلْيَنْسُبْها إلى اللَّهِ تَعالى فَهي لَهُ تَعالى وحْدَهُ، وقِيلَ: المَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ أيِ الغَلَبَةَ فَهو مَغْلُوبٌ لِأنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ ولا تَتِمُّ إلّا بِهِ عَزَّ وجَلَّ ونُسِبَ هَذا إلى مُجاهِدٍ، وقِيلَ: تَعْرِيفُ العِزَّةِ الأُولى لِلِاسْتِغْراقِ أيْضًا أوْ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الفَرْدُ الكامِلُ، والمَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ جَمِيعَها أوِ الفَرْدَ الكامِلَ مِنها وهي العِزَّةُ الَّتِي لا يَشُوبُها ذِلَّةٌ مِن وجْهٍ، فَهو لا يَنالُها فَإنَّها لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وهَذا القَوْلُ أحْسَنُ مِنَ القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي الأوَّلُ وهو مَنسُوبٌ إلى قَتادَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ إلى آخِرِهِ كالبَيانِ لِطَرِيقِ تَحْصِيلِ العِزَّةِ وسُلُوكِ السَّبِيلِ إلى نَيْلِها وهو الطّاعَةُ القَوْلِيَّةُ والفِعْلِيَّةُ، وقِيلَ: بَيانٌ لِكَوْنِ العِزَّةِ كُلِّها لِلَّهِ تَعالى وبِيَدِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّها بِالطّاعَةِ وهي لا يُعْتَدُّ بِها ما لَمْ تُقْبَلْ، وقِيلَ: اِسْتِئْنافُ كَلامٍ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ.
و ﴿ الكَلِمُ ﴾ اِسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ عِنْدَ جَمْعٍ واحِدُهُ كَلِمَةٌ، والمُرادُ بِالكَلِمِ الطَّيِّبِ عَلى ما في الكَشّافِ والبَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ طَيِّبًا عَلى ما قِيلَ إنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مَدارُ النَّجاةِ والوَسِيلَةُ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ أوْ يَسْتَلِذُّهُ الشَّرْعُ أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُ حَسَنٌ يَقْبَلْهُ العَقْلُ ولا يَرُدُّهُ، وإطْلاقُ الكَلِمِ عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ واحِدُهُ الكَلِمَةَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ ظاهِرٌ لِتَضَمُّنِهِ عِدَّةَ كَلِماتٍ لَكِنْ في وصْفِهِ بِالطَّيِّبِ بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ خَفاءٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ التَّرْكِيبِ، وإنْ كانَ واحِدُهُ هُنا الكَلِمَةَ بِالمَعْنى المَجازِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ و ﴿ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لُبَيْدٍ»» وقَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً.
فَإطْلاقُ الكَلِمِ عَلى ذَلِكَ لِتَعَدُّدِهِ بِتَعَدُّدِ القائِلِ: وكَأنَّ القَرِينَةَ عَلى إرادَةِ المَعْنى المَجازِيِّ لِلْكَلِمَةِ الصّادِقِ عَلى الكَلامِ الوَصْفُ بِالطَّيِّبِ بِناءً عَلى أنَّ ما يُسْتَطْيَبُ ويُسْتَلَذُّ هو الكَلامُ دُونَ الكَلِمَةِ العارِيَةِ عَنْ إفادَةِ حُكْمٍ تَنْبَسِطُ مِنهُ النَّفْسُ أوْ تَنْقَبِضُ، أوْ يُقالُ: إنَّ كَثْرَةَ إطْلاقِ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ وشُيُوعَهُ فِيما بَيْنَهم حَتّى قالَ بَعْضُهم كَمْ نَقَلَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ عَنْ بَعْضِ شُرّاحِ الأجُرُّومِيَّةِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ تُغْنِي عَنِ القَرِينَةِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ فَسَّرَ الكَلِمَ الطَّيِّبَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: هو سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، وهو ظاهِرُ أثَرٍ أخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
وقِيلَ: هو سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ وتَبارَكَ اللَّهُ، وهو ظاهِرُ أثَرٍ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: هو الثَّناءُ بِالخَيْرِ عَلى صالِحِي المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو الدُّعاءُ الَّذِي لا ظُلْمَ فِيهِ، وقالَ الإمامُ وبِهِ أقْتَدِي: المُخْتارُ أنَّهُ كُلُّ كَلامٍ هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى أوْ هو لِلَّهِ سُبْحانَهُ كالنَّصِيحَةِ والعِلْمِ، وأمّا ما أفادَهُ كَلامُ المُلّا صَدْرا في أسْفارِهِ مِن أنَّهُ النُّفُوسُ الطّاهِرَةُ الزَّكِيَّةُ فَإنَّهُ تُطْلَقُ الكَلِمَةُ عَلى النَّفْسِ إذا كانَتْ كَذَلِكَ كَما قالَ تَعالى في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ في عِدادِ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ كَما لا يَخْفى.
وصُعُودُ الكَلِمِ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ قَبُولِهِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ واسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ القَبُولِ بِالصُّعُودِ، وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ الكَلِمُ مَجازًا عَمّا كُتِبَ فِيهِ بِعَلاقَةِ الحُلُولِ، أوْ يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ إلَيْهِ يَصْعَدُ صَحِيفَةُ الكَلِمِ الطَّيِّبِ، أوْ يُشَبَّهُ وُجُودُهُ الخارِجِيُّ هُنا ثُمَّ الكِتابِيُّ في السَّماءِ بِالصُّعُودِ ثُمَّ يُطْلَقُ المُشَبَّهُ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، ويُشْتَقُّ مِنهُ الفِعْلُ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ اِعْتِبارِ حَقِيقَةِ الصُّعُودِ لِلْكَلِمِ فَلِلَّهِ تَعالى تَجْسِيدُ المَعانِي، وكَوْنُ الصُّعُودِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المُتَشابِهِ والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، والكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ قَبُولِهِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِ صاحِبِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والسُّلْمِيُّ وإبْراهِيمُ «يُصْعِدُ» مِن أصْعَدَ «اَلْكَلامَ الطَّيِّبَ» بِالنَّصْبِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الضَّحّاكُ «يُصْعِدُ» بِضَمِّ الياءِ ولَمْ يَذْكُرْ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ولا إعْرابَ ما بَعْدَهُ، وفي الكَشّافِ وقُرِئَ «إلَيْهِ يُصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و«إلَيْهِ يُصْعِدُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ» مِن أصْعَدَ والمُصْعِدُ هو الرَّجُلُ أيْ يُصْعِدُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ ﴾ مِن صَعِدَ الكَلامُ بِالرَّفْعِ.
﴿ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ عَلى المَشْهُورِ، واخْتُلِفَ في فاعِلِ (يَرْفَعُ) فَقِيلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى ﴿ الكَلِمُ ﴾ أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وغَيْرُهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في (اَلْأسْماءِ والصِّفاتِ) عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ العَمَلُ الصّالِحَ بِأداءِ الفَرائِضِ ثُمَّ قالَ: فَمَن ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى وأدّى فَرائِضَهُ حَمَلَ عَمَلُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى فَصَعِدَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومَن ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ولَمْ يُؤَدِّ فَرائِضَهُ رُدَّ كَلامُهُ عَلى عَمَلِهِ وكانَ عَمَلُهُ أوْلى بِهِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ اِبْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: هَذا قَوْلٌ يَرُدُّ مُعْتَقَدَ أهْلِ السُّنَّةِ ولا يَصِحُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، والحَقُّ أنَّ العاصِيَ بِتَرْكِ فَرائِضِهِ إذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى وقالَ كَلامًا طَيِّبًا كُتِبَ لَهُ ذَلِكَ وتُقُبِّلَ مِنهُ، وعَلَيْهِ وِزْرُ تَرْكِ الفَرائِضِ، واَللَّهُ تَعالى يَتَقَبَّلُ مِن كُلِّ مَنِ اِتَّقى الشِّرْكَ، اِنْتَهى.
ولَعَلَّ المُرادَ بِرَفْعِ العَمَلِ الصّالِحِ الكَلِمَ الطَّيِّبَ رَفْعُ قَدْرِهِ وجَعْلُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ ما لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إذا كانَ بِلا عَمَلٍ، وحَدِيثُ «لا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا إلّا بِعَمَلٍ، ولا يَقْبَلُ قَوْلًا وعَمَلًا إلّا بِنِيَّةٍ، ولا يَقْبَلُ قَوْلًا وعَمَلًا ونِيَّةً إلّا بِإصابَةِ السُّنَّةِ،» المَذْكُورُ في الكَشّافِ لا أظُنُّ صِحَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ فالمُرادُ نَفْيُ القَبُولِ التّامِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِرَفْعِهِ إيّاهُ تَحْقِيقَهُ وتَقْوِيَتَهُ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ الكَلامَ الطَّيِّبَ هو الإيمانُ، فَإنَّهُ لا شَكَّ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُثْبِتُ الإيمانَ ويُحَقِّقُهُ بِإظْهارِ آثارِهِ إذْ بِهِ يُعْلَمُ التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الكَلِمِ الطَّيِّبِ وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، أيْ يَرْفَعُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ العَمَلَ الصّالِحَ.
ونَسَبَ أبُو حَيّانَ هَذا القَوْلَ إلى أبِي صالِحٍ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عِيسى وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «والعَمَلَ الصّالِحَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وفِيهِ بَحْثٌ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ ضَمِيرِ ﴿ الكَلِمُ ﴾ لِلْفاعِلِيَّةِ عَلَيْها، ومَعْنى رَفْعِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ العَمَلَ الصّالِحَ قِيلَ إنَّ يَزِيدُهُ بَهْجَةً وحُسْنًا.
ومَن فَسَّرَ الكَلِمَ الطَّيِّبَ بِالتَّوْحِيدِ قالَ: مَعْنى ذَلِكَ جَعْلُهُ مَقْبُولًا فَإنَّ العَمَلَ لا يُقْبَلُ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ اِبْنُ المُبارَكِ عَنْ قَتادَةَ، أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ اللَّهُ تَعالى ويَقْبَلُهُ، قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي، وقِيلَ: ضَمِيرُ الفاعِلِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ، وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُ عامِلَهُ ويُشَرِّفُهُ، ونَسَبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ إلى اِبْنِ عَبّاسٍ ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ( العَمَلُ ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿ الكَلِمُ ﴾ ويَرْفَعُهُ اِسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ يَرْفَعُهُما اللَّهُ تَعالى، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ لِاشْتِراكِهِما في الصُّعُودِ، والضَّمِيرُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى اِسْمِ الإشارَةِ فَيَكُونُ لَفْظُهُ مُفْرَدًا والمُرادُ بِهِ التَّثْنِيَةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ صُعُودُهُما مِن ذاتِهِما بَلْ ذَلِكَ بِرَفْعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُما اه، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، ومِثْلُهُ ما نَسَبَهُ إلى اِبْنِ عَبّاسٍ، وأنا لا أظُنُّ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ، وعَلى التَّسْلِيمِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرادَ بِقَوْلِهِ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُ عامِلَهُ ويُشَرِّفُهُ بَيانَ ما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ في الجُمْلَةِ.
واَلَّذِي يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِي مِنَ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ واخْتارَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ.
وتَخْصِيصُ العَمَلِ الصّالِحِ بِرَفْعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلى ذَلِكَ قِيلَ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ إذْ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ العَمَلَ أشْرَفُ مِنَ الكَلامِ ولا كَلامَ في ذَلِكَ إذا أُرِيدَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما يَشْمَلُ العَمَلَ القَلْبِيَّ كالتَّصْدِيقِ، ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ ﴾ وكَلامُ الإمامِ صَرِيحٌ في أنَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ المُفَسَّرَ بِالذِّكْرِ أشْرَفُ مِنَ العَمَلِ حَيْثُ جَعَلَ صُعُودُ الكَلِمَ بِنَفْسِهِ دَلِيلَ تَرْجِيحِهِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَرْفَعُهُ غَيْرُهُ، وقالَ في وجْهِ ذَلِكَ: الكَلامُ شَرِيفٌ فَإنَّ اِمْتِيازَ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ حَيَوانٍ بِالنُّطْقِ والعَمَلِ حَرَكَةً وسُكُونًا يَشْتَرِكُ فِيهِ الإنْسانُ وغَيْرُهُ، والشَّرِيفُ إذا وصَلَ إلى بابِ المَلِكِ لا يُمْنَعُ ومَن دُونَهُ لا يَجِدُ الطَّرِيقَ إلّا عِنْدَ الطَّلَبِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الكافِرَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ أمِنَ مِن عَذابِ الدّارَيْنِ إنْ كانَ ذَلِكَ عَنْ صِدْقٍ، وأمِنَ في نَفْسِهِ ودَمِهِ وحَرَمِهِ في الدُّنْيا إنْ كانَ ظاهِرًا ولا كَذَلِكَ العَمَلُ بِالجَوارِحِ، وأيْضًا أنَّ القَلْبَ هو الأصْلُ وما فِيهِ لا يَظْهَرُ إلّا بِاللِّسانِ وما في اللِّسانِ لا يَبِينُ صِدْقُهُ إلّا بِالفِعْلِ، فالقَوْلُ أقْرَبُ إلى القَلْبِ مِنَ الفِعْلِ فَيَكُونُ أشْرَفَ مِنهُ، اه، وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ فَتَدَبَّرْ.
﴿ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ أيِ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ أوْ أصْنافَ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ عَلى أنَّ ( السَّيِّئاتِ ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ ولَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ لِ يَمْكُرُونَ لِأنَّ مَكَرَ لازِمٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى تَضْمِينِ يَقْصِدُونَ أوْ يَكْسِبُونَ، وعَلى الأوَّلِ فِيهِ مُبالَغَةٌ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى قَصْدِ المَكْرِ أوْ هو إشارَةٌ إلى عَدَمِ تَأْثِيرِ مَكْرِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ خَبَرُهُ، أيْ لَهم بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ عَذابٌ شَدِيدٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُعْبَأُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِما يَمْكُرُونَ.
والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ في دارِ النَّدْوَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ووَضْعُ اِسْمِ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ومَكْرُ أُولَئِكَ ﴾ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ عَنْ سائِرِ المُفْسِدِينَ واشْتِهارِهِمْ بِذَلِكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَرامِي أمْرِهِمْ في الطُّغْيانِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في العُدْوانِ أيْ ومَكْرُ أُولَئِكَ المُفْسِدِينَ المَشْهُورِينَ ﴿ هُوَ يَبُورُ ﴾ أيْ يَفْسُدُ، وأصْلُ البَوارِ فَرْطُ الكَسادِ أوِ الهَلاكِ، فاسْتُعِيرَ هُنا لِلْفَسادِ عَدَمُ التَّأْثِيرِ لِأنَّ فَرْطَ الكَسادِ يُؤَدِّي إلى الفَسادِ كَما قِيلَ كَسَدَ حَتّى فَسَدَ، أوْ لِأنَّ الكاسِدَ يَكْسُدُ في الغالِبِ لِفَسادِهِ ولِأنَّ الهالِكَ فاسِدٌ لا أثَرَ لَهُ.
﴿ ومَكْرُ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ هُوَ يَبُورُ ﴾ وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلتَّقْوى أوِ الِاخْتِصاصِ، أيْ مَكْرُهم هو يَفْسُدُ خاصَّةً لا مَكْرُنا بِهِمْ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ كَوْنَ الخَبَرِ جُمْلَةَ ﴿ يَبُورُ ﴾ وهو ضَمِيرُ فَصْلٍ.
وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَكُونُ ما بَعْدَهُ فِعْلًا ولَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ أحَدٌ فِيما عَلِمْنا إلّا عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في شَرْحِ الإيضاحِ لَهُ فَإنَّهُ أجازَ في كانَ زَيْدٌ هو يَقُومُ أنْ يَكُونَ هو فَصْلًا، ورُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا كَوْنَ ( هو ) تَأْكِيدًا لِلْمُبْتَدَأِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْناهُ، وقَدْ أبارَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الماكِرِينَ بَعْدَ إبارَةِ مَكْرِهِمْ حَيْثُ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ وقَتَلَهم وأثْبَتَهم في قَلِيبِ بَدْرٍ فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مَكَراتِهِمْ الثَّلاثَ الَّتِي اِكْتَفَوْا في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ وحَقَّقَ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ ﴾ .
ووَجْهُ اِرْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّها بَيانٌ لِحالِ الكَلِمِ الخَبِيثِ والعَمَلِ السَّيِّئِ وأهْلِهِما بَعْدَ بَيانِ حالِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وقالَ في الكَشْفِ: كَأنَّهُ لَمّا حَصَرَ سُبْحانَهُ العِزَّةَ وخَصَّها بِهِ تَعالى يُعْطِيها مَن يَشاءُ وأرْشَدَ إلى نَيْلِ ما بِهِ يُنالُ ذَلِكَ المَطْلُوبُ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ حالَ مَن أرادَ العِزَّةَ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وأخَذَ في إهانَةِ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ السِّماكَيْنِ قَدْرًا وما رَجَعَ إلَيْهِمْ مِن وبالِ ذَلِكَ كالِاسْتِشْهادِ لِتِلْكَ الدَّعْوى وهو خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ في وجْهِ الِانْتِظامِ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّ الآيَةَ في أصْحابِ الرِّياءِ وهي مُتَّصِلَةٌ بِما عِنْدَها عَلى ما رُوِيَ عَنْ شَهْرٍ حَيْثُ قالَ: ﴿ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ أيْ يُراؤُونَ.
﴿ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ ﴾ هم أصْحابُ الرِّياءِ عَمَلُهم لا يَصْعَدُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ إلخ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ مُراعاةُ التَّطابُقِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ والتَّقابُلِ بَيْنَ الفِقْرَتَيْنِ بِحَسْبِ الإمْكانِ بِأنْ يُقَدَّرَ في كُلٍّ مِنهُما ما يَحْصُلُ بِهِ التَّقابُلُ بِدَلالَةِ المَذْكُورِ في الأُولى عَلى المَتْرُوكِ في الأُخْرى وبِالعَكْسِ اه.
ولا يَخْفى بَعْدُهُ، وأيًّا ما كانَ فالمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا نعمة الله.
ثم ذكر النعمة فقال: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: النبات والمطر.
قرأ حمزة والكسائي غَيْرُ اللَّهِ بكسر الراء.
وقرأ الباقون بالضم مثل ما في سورة الأعراف.
والاستثناء إذا كان بحرف إلا.
فإن الإعراب يكون على ما بعده.
وإذا كان الاستثناء بحرف غير، فإن الإعراب يقع على نفس الغير.
فمن قرأ بالكسر، صار كسراً على البدل.
ومن قرأ بالرفع فمعناه: هل خالق غير الله، لأن من موكدة.
ولفظ الآية لفظ الاستفهام.
والمراد به النفس يعني: أنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه، ولا يرزقكم أحد سواه.
ثم وحّد نفسه فقال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يفعل بكم ذلك فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يعني: من أين تكذبون، وأنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه.
ثم قال عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ كما كذبك قومك، وهذا تعزية يعزي بها نبيه ليصبر على أذاهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يعني: إليه ترجع عواقب الأمور بالبعث.
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: البعث بعد الموت حق كائن فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني: حياتكم في الدنيا، والدنيا في الأصل هي القربى.
سميت بهذا لأن حياتهم هذه أقرب إليهم.
ويقال: هي فعلى من الأدون يعني: حياة الأدون وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: الباطل وهو الشيطان.
قال: حدّثنا أبو الليث رحمه الله.
قال: حدّثني أبي.
قال: حدّثنا أبو الحسن الفراء الفقيه السمرقندي.
قال: حدّثنا أبو بكر الجرجاني الإمام بسمرقند ذكر بإسناده عن العلاء بن زيادة.
قال: رأيت الدنيا في النوم امرأة قبيحة عمشاء، ضعيفة، عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينةٍ فقلت: من أنت.
أعوذ بالله منك؟
فقالت: أنا الدُّنيا.
فإن يسرك أن يعيذك الله مني، فأبغض الدراهم يعني: لا تمسكها عن النفقة في موضع الحق.
ثم قال عز وجل: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ يعني: حين يأمركم بالكفر، ومن عداوته مع أبيكم ترك طاعة الله فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا يعني: فعادوه بطاعة الله.
ومعناه: أطيعوا الله عز وجل لأنك إذا أطعت الله فقد عاديت الشيطان إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ يعني: شيعته إلى الكفر لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: من أهل النار.
ثم بيّن مصير من أطاع الشيطان، ومصير من عصاه فقال الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله عز وجل: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بوحدانية الله، وعملوا الطاعات، واتخذوا الشيطان عدواً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ في الدنيا لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.
قوله عز وجل: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يعني: قبيح عمله كمن لم يزين له ذلك فَرَآهُ حَسَناً يعني: فظنه حقاً.
والجواب فيه مضمرا فمن زيّن له سوء عمله كمن لم يزين له ذلك.
وقال الزجاج: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يعني: أبا جهل وأصحابه، وأضله الله كمن لم يزين له ذلك وهداه الله تعالى.
ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ عن دينه وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لدينه فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ قال القتبي: هذا من الإضمار.
يعني: ذهبت نفسك حسرة عليهم، ولا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات بتركهم الإيمان.
وقرئ في الشاذ: فَلا تَذْهَبْ بضم التاء وكسر الهاء نَفْسُكَ بنصب السين.
من أذهب يذهب يعني: لا تقتل نفسك وقراءة العامة فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ بنصب التاء والهاء وضم السين أي: لا تحزن نفسك إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ من الخير والشر.
<div class="verse-tafsir"
وَقَوْلُهُ تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً تَوْقِيفٌ وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير وأحسن التَّقْدِيرِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ «١» وقَرَأَ الجُمْهُورُ: فَلا تَذْهَبْ- بِفَتْحِ التَّاءِ والهَاءِ-: نَفْسُكَ- بالرَّفْعِ-، وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ «٢» «تُذْهِبْ» - بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الهَاءِ- «نَفْسَكَ» - بِالنَّصْبِ- وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ «٣» ، وَالْحَسْرَةُ هَمُّ النَّفْسِ عَلَى فَوَاتِ أَمْرِ، وَهَذِهِ الآية تسلية للنّبيّ صلى الله عليه وسلّم عَنْ كُفْرِ قَوْمِه، وَوَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إضْلاَلِ مَنْ شَاءَ وَهِدَايَةِ مَنْ شَاءَ.
وَقَوْلهُ سبحانه: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ هَذهِ آيَةُ احْتِجَاجِ عَلَى الكَفَرَةِ فِي إنْكَارِهِمْ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ.
وَقَوْلهُ تَعَالَى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغَالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ: أي: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وَلاَ تَتِمُّ إلاَّ بِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ» .
قال ع «٥» : وَهَذَا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١] .
وَيُحْتَمَلُ/ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وَطَرِيقَهَا القَوِيمَ وَيُحِبُّ نيلها على وجهها فلله ٨٢ ب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ ﴿ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَتَعَزَّزْ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقَدْ رَوى أنَسٌ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " إنَّ رَبَّكم يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ: أنا العَزِيزُ، فَمَن أرادَ عِزَّ الدّارَيْنِ فَلْيُطِعِ العَزِيزَ "» والثّالِثُ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ لِمَن هِيَ، فَإنَّها لِلَّهِ جَمِيعًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، والشَّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: " يَصْعَدُ الكَلامُ الطَّيِّبُ " وهو تَوْحِيدُهُ وذِكْرُهُ ﴿ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: الكَلِمُ الطَّيِّبُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والعَمَلُ الصّالِحُ: أداءُ الفَرائِضِ واجْتِنابُ المَحارِمِ.
وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَرْفَعُهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمِ الطَّيِّبِ؛ فالمَعْنى: والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يُعْرَضُ القَوْلُ عَلى الفِعْلِ، فَإنْ وافَقَ القَوْلُ الفِعْلَ قُبِلَ، وإنْ خالَفَ رُدَّ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، فالمَعْنى: والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ، فَهو عَكْسُ القَوْلِ الأوَّلِ، وبِهِ قالَ أبُو صالِحٍ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
فَإذا قُلْنا: إنَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ هو التَّوْحِيدُ، كانَتْ فائِدَةُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ عَمَلٌ صالِحٌ إلّا مِن مُوَحَّدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ فالمَعْنى: والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ اللَّهُ إلَيْهِ، أيْ: يَقْبَلُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَمْكُرُونَ: بِمَعْنى: يَكْتَسِبُونَ ويَجْتَرِحُونَ.
ثُمَّ في المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ في دارِ النَّدْوَةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ الرِّياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: أنَّهم قائِلُو الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي مَعْنى ﴿ يَبُورُ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَبْطُلُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: يَفْسَدُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُشُورُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةَ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ ﴾ هَذِهِ آيَةُ احْتِجاجٍ عَلى الكَفَرَةِ في إنْكارِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، فَدَلَّهم تَعالى عَلى المِثالِ الَّذِي يُعايِنُونَهُ وهو سَواءٌ مَعَ إحْياءِ المَوْتى.
و"البَلَدُ المَيِّتُ" هو الَّذِي لا نَبْتَ فِيهِ، قَدِ اغْبَرَّ مِنَ القَحْطِ، فَإذا أصابَهُ الماءُ مِنَ السَحابِ اخْضَرَّ وأنْبَتَ، فَتِلْكَ حَياتُهُ، و"النُشُورُ" مَصْدَرُ: نَشَرَ المَيِّتُ إذا حَيِيَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يُرِيدَ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، ولا تَتِمُّ إلّا لَهُ، وهَذا المُغالِبُ مَغْلُوبٌ، ونَحا إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وقالَ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبادَةِ الأوثانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا ﴾ .
والمَعْنى الثانِي: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وطَرِيقَها القَوِيمَ، ويُحِبُّ نَيْلَها عَلى وجْهِها، فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: بِهِ وعن أمْرِهِ، لا تُنالُ عِزَّتُهُ إلّا بِطاعَتِهِ، ونَحا إلَيْهِ قَتادَةُ.
والمَعْنى الثالِثُ - وقالَهُ الفَرّاءُ -: مَن كانَ يُرِيدُ عِلْمَ العِزَّةِ فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: هو المُتَّصِفُ بِها.
و"جَمِيعًا" حالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ ﴾ أيِ التَوْحِيدُ والتَمْجِيدُ وذِكْرُ اللهِ ونَحْوُهُ.
وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُصْعَدُ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الكَلِمُ" وهو جَمْعُ كَلِمَةٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "الكَلامُ"، و"الطَيِّبُ": الَّذِي يُسْتَحْسَنُ سَماعُهُ الِاسْتِحْسانَ الشَرْعِيَّ.
وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: إنَّ لـِ"سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ" لَدَوِيًّا حَوْلَ العَرْشِ كَدَوِيِّ النَحْلِ، تُذَكِّرُ بِصاحِبِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ، عَلى مَن يَعُودُ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى "العَمَلِ"، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: فَقالَ قَوْمٌ: الفاعِلُ بـِ"يَرْفَعُ" هو "الكَلِمُ"، أيْ: والعَمَلُ يَرْفَعُهُ الكَلِمُ، وهو قَوْلُ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ لِأنَّهُ لا يَرْتَفِعُ عَمَلٌ إلّا بِتَوْحِيدٍ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ هُوَ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدُ، وقَتادَةُ: الضَمِيرُ في "يَرْفَعُهُ" عائِدٌ عَلى "الكَلِمِ"، أيْ: إنَّ العَمَلَ الصالِحَ هو يَرْفَعُ الكَلِمَ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالَ بَعْضُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ العَبْدَ إذا ذَكَرَ اللهَ تَعالى، وقالَ كَلامًا طَيِّبًا، وأدّى فَرائِضَهُ، ارْتَفَعَ قَوْلُهُ مَعَ عَمَلِهِ، وإذا قالَ - ولَمْ يُؤَدِّ فَرائِضَهُ - رُدَّ قَوْلُهُ عَلى عَمَلِهِ وقِيلَ: عَمَلُهُ أولى بِهِ.
وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ والسُنَةِ، ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والحَقُّ أنَّ العاصِي التارِكَ لِلْفَرائِضِ إذا ذَكَرَ اللهَ تَعالى، وقالَ كَلامًا طَيِّبًا فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ لَهُ، مُتَقَبَّلٌ مِنهُ، ولَهُ حَسَناتُهُ، وعَلَيْهِ سَيِّئاتُهُ، واللهُ يَتَقَبَّلُ مِن كُلِّ مَنِ اتَّقى الشِرْكَ، وأيْضًا فَإنَّ الكَلِمَ الطَيِّبَ عَمَلٌ صالِحٌ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: "إنَّ العَمَلَ هو الرافِعُ لَلْكَلِمِ" بِأنْ يَتَأوَّلَ أنَّهُ يَزِيدُ في رَفْعِهِ وحُسْنِ مَوْقِعِهِ إذا تَعاضَدَ مَعَهُ؛ كَما أنَّ صاحِبَ الأعْمالِ مِن صَلاةٍ وصِيامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ - إذا تَخَلَّلَ أعْمالُهُ كَلِمٌ طَيِّبٌ، وذِكْرٌ لِلَّهِ - كانَتِ الأعْمالُ، أشْرَفَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ مَوْعِظَةً وتَذْكِرَةً وحَضًّا عَلى الأعْمالِ.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "لا يَقْبَلُ اللهُ قَوْلًا إلّا بِعَمَلٍ، ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ"،» ومَعْناهُ: قَوْلًا يَتَضَمَّنُ أنَّ قائِلَهُ عَمِلَ عَمَلًا، أو يَعْمَلُهُ في الآنِفِ، وأمّا الأقْوالُ الَّتِي هي أعْمالٌ في نُفُوسِها - كالتَوْحِيدِ والتَسْبِيحِ - فَمَقْبُولَةٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والعَمَلَ الصالِحَ" بِالنَصْبِ فِيهِما، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فـَ"يَرْفَعُهُ" مُسْنَدٌ إمّا إلى اللهِ تَعالى، وإمّا إلى "الكَلِمِ"، والضَمِيرُ في "يَرْفَعُهُ" عائِدٌ عَلى العَمَلِ لا غَيْرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ ﴾ إمّا أنَّهُ عَدّى "يَمْكُرُونَ" لَمّا أحَلَّهُ مَحَلَّ "يَكْسِبُونَ"، وإمّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَيِّئاتِ، و"يَمْكُرُونَ" مَعْناهُ: يَتَخابَثُونَ ويَخْدَعُونَ وهم يُظْهِرُونَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ.
و"يَبُورُ" مَعْناهُ: يَفْسُدُ ويَبْقى لا نَفْعَ فِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَدْخُلُ في الآيَةِ أهْلُ الرِياءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونُزُولُ الآيَةِ أوَّلًا في المُشْرِكِينَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَلِكَ النشور * مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ والذين يَمْكُرُونَ ﴾ .
مضى ذكر غرورين إجمالاً في قوله تعالى: ﴿ فلا تغرنكم الحياة الدنيا ﴾ [فاطر: 5]، ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ [فاطر: 5] فأُخذ في تفصيل الغرور الثاني من قوله تعالى: ﴿ إن الشيطان لكم عدو ﴾ [فاطر: 6] وما استتبعه من التنبيه على أَحجار كيده وانبعاث سموم مكره والحذرِ من مَصارع متابعته وإبداء الفرق بين الواقِعين في حبائله والمعافَيْن من أدوائه، بداراً بتفصيل الأهم والأصللِ، وأبقى تفصيل الغرور الأول إلى هنا.
وإذ قد كان أعظم غرور المشركين في شركهم ناشئاً عن قبول تعاليم كبرائهم وسادتهم وكان أعظم دواعي القادة إلى تضليل دهمائهم وصنائعهم، هو ما يجدونه من العزة والافتنان بحب الرئاسة فالقادة يجلبون العزة لأنفسهم والأتباعُ يعتزُّون بقوة قادتهم، لا جرم كانت إرادة العزّة مِلاك تكاتف المشركين بعضهم مع بعض، وتألبهم على مناوأة الإِسلام، فوُجّه الخطاب إليهم لكشففِ اغترارهم بطلبهم العزة في الدنيا، فكل مستمسك بحبل الشرك معرضضٍ عن التأمل في دعوة الإِسلام، لا يُمَسِّكُه بذلك إلا إرادة العزة، فلذلك نادى عليهم القرآن بأن من كان ذلك صارفَه عن الدين الحق فليعلم بأن العزة الحق في اتباع الإِسلام وأن ما هم فيه من العزةِ كالعدم.
و ﴿ مَن ﴾ شرطية، وجعل جوابها ﴿ فلله العزة جميعاً ﴾ ، وليس ثبوت العزة لله بمرتب في الوجود على حصول هذا الشرط فتعين أن ما بعد فاء الجزاء هو علة الجواب أقيمت مُقامه واستُغني بها عن ذكره إيجازاً، وليحصل من استخراجه من مطاوي الكلام تقرُّره في ذهن السامع، والتقديرُ: من كان يريد العذاب فليستجِبْ إلى دعوة الإِسلام ففيها العزة لأن العزة كلها لله تعالى، فأما العزة التي يتشبثون بها فهي كخيط العنكبوت لأنها واهية بالية.
وهذا أسلوب متبع في المقام الذي يراد فيه تنبيه المخاطب على خطإ في زعمه كما في قول الربيع بن زياد العبسي في مقتل مالك بن زهير العبسي: من كَان مسروراً بمقتل مالك *** فليأتتِ نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبْنَه *** بالليل قبل تبلُّج الإِسفار أراد أن من سَرَّه مقتل مالك فلا يتمتع بسروره ولا يحسب أنه نال مبتغاه لأنه إن أتى ساحة نسوتنا انقلب سروره غمّاً وحزناً إذ يجد دلائل أخذ الثأر من قاتِله بادية له، لأن العادة أن القتيل لا يندبه النساء إلا إذا أُخذ ثأره.
هذا ما فسره المرزوقي وهو الذي تلقيتُه عن شيخنا الوزير وفي البيتين تفسير آخر.
وقد يكون بالعكس وهو تثبيت المخاطب على علمه كقوله تعالى: ﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآتٍ ﴾ [العنكبوت: 5].
وقريب من هذا الاستعمال ما يقصد به إظهار الفرق بين من اتصف بمضمون الشرط ومن اتصف بمضمون الجزاء كقول النابغة: فمن يكن قد قضى من خُلّةٍ وطراً *** فإنني منككِ ما قضَّيْتُ أوطاري وقول ضابئ بن الحارث: ومن يك أمسى بالمدينة رَحله *** فإني وَقَيَّار بها لغريب وقول الكلابي: فمن يُكلَم يَغْرَضْ فإني ونَاقتي *** بحَجْرٍ إلى أهل الحِمى غَرِضَان فتقديم المجرور يفيد قصراً وهو قصر ادعائي، لعدم الاعتداد بما للمشركين من عزة ضئيلة، أي فالعزة لله لا لهم.
ومنه ما يكون فيه ترتيب الجواب على الشرط في الوقوع، وهو الأصل كقوله تعالى: ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ﴾ [الإسراء: 18] الآية، وقوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ﴾ [هود: 15].
و ﴿ جميعاً ﴾ أفادت الإِحاطة فكانت بمنزلة التأكيد للقصر الادعائي فحصلت ثلاثة مؤكدات؛ فالقصر بمنزلة تأكيدين و ﴿ جميعاً ﴾ بمنزلة تأكيد.
وهذا قريب من قوله ﴿ أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً ﴾ [النساء: 139] فإن فيه تأكيدين: تأكيداً ب (إنّ) وتأكيداً ب ﴿ جميعاً ﴾ لأن تلك الآية نَزَلت في وقت قوة الإِسلام فلم يحتج فيها إلى تقوية التأكيد.
وتقدم الكلام على ﴿ جميعاً ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ﴾ في سورة سبأ (40).
وانتصب جميعاً } على الحال من ﴿ العزة ﴾ وَكأنه فعيل بمعنى مفعول، أي العزة كلها لله لا يَشذ شيء منها فيثبتُ لغيره، لأن العزة المتعارفة بين الناس كالعدم إذ لا يخلو صاحبها من احتياج ووهن والعزة الحق لله.
وتعريف ﴿ العزة ﴾ تعريف الجنس.
والعزة: الشرف والحصانة من أن ينال بسوء.
فالمعنى: من كان يريد العزة فانصرف عن دعوة الله إبقاء على ما يخاله لنفسه من عزة فهو مخطئ إذ لا عزة له فهو كمن أراق ماء للمع سراب.
والعزة الحق لله الذي دعاهم على لسان رسوله.
وعزة المولى ينالُ حِزبَه وأولياءَه حظ منها فلو اتبعوا أمر الله فالتحقوا بحزبه صارت لهم عزة الله وهي العزة الدائمة؛ فإن عزة المشركين يعقبها ذلّ الانهزام والقتل والأسر في الدنيا وذلّ الخزي والعذاب في الآخرة، وعزة المؤمنين في تزايد الدنيا ولها درجات كمال في الآخرة.
﴿ العزة جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل ﴾ .
كما أتبع تفصيل غرور الشيطان بعواقبه في الآخرة بقوله: ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ﴾ [فاطر: 6] الآية، وبذكر مقابل عواقبه من حال المؤمنين، كذلك أتبع تفصيل غرور الأنفس أهلها بعواقبه وبذكر مقابله أيضاً ليلتقيَ مآلُ الغرورين ومقابلهما في ملْتقىً واحدٍ، ولكن قدم في الأول عاقبة أهل الغرور بالشيطان ثم ذُكرت عاقبة أضدادهم، وعكس في ما هنا لجريان ذكر عزة الله فقدم ما هو المناسب لآثار عزة الله في حزبه وجنده.
وجملة ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً بمناسبة تفصيل الغرور الذي يوقع فيه.
والمقصود أن أعمال المؤمنين هي التي تنفع ليعلم الناس أن أعمال المشركين سعي باطل.
والقربات كلُّها ترجع إلى أقوال وأعمال، فالأقوال ما كان ثناء على الله تعالى واستغفاراً ودعاء، ودعاء الناس إلى الأعمال الصالحة.
وتقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿ وقولوا قولاً سديداً ﴾ في سورة الأحزاب (70).
والأعمال فيها قربات كثيرة.
وكان المشركون يتقربون إلى أصنامهم بالثناء والتمجيد كما قال أبو سفيان يوم أحد: اعْلُ هُبَل، وكانوا يتحنثون بأعمال من طواف وحج وإغاثة ملهوف وكان ذلك كله مشوباً بالإِشراك لأنهم ينوون بها التقرب إلى الآلهة فلذلك نصبوا أصناماً في الكعبة وجعلوا هُبَل وهو كبيرهم على سطح الكعبة، وجعلوا إِسافاً ونائلة فوق الصفا والمروة، لتكون مناسكهم لله مخلوطة بعبادة الآلهة تحقيقاً لمعنى الإِشراك في جميع أعمالهم.
فلما قدم المجرور من قوله: إليه يصعد الكلم الطيب} أفيد أن كل ما يقدم من الكلم الطيب إلى غير الله لا طائل تحته.
وأما قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ ف ﴿ العمل ﴾ مقابل ﴿ الكلم ﴾ ، أي الأفعال التي ليست من الكلام، وضمير الرفع عائد إلى معاد الضمير المجرور في قوله: ﴿ إليه ﴾ وهو اسم الجلالة من قوله ﴿ فلله العزة جميعاً ﴾ .
والضمير المنصوب من ﴿ يرفعه ﴾ عائد إلى ﴿ العمل الصالح ﴾ أي الله يرفع العمل الصالح.
والصعود: الإِذهاب في مكال عال.
والرفع: نقل الشيء من مكان إلى مكان أعلى منه، فالصعود مستعار للبلوغ إلى عظيم القدر وهو كناية عن القبول لديه.
والرفع: حقيقته نقل الجسم من مقرّه إلى أعلى منه وهو هنا كناية للقبول عند عظيم، لأن العظيم تتخيله التصورات رفيع المكان.
فيكون كلٌّ من (يَصعد) و(يرفعُ) تبعتيْن قرينتي مكنية بأَن شُبه جانب القبول عند الله تعالى بمكان مرتفع لا يصله إلا ما يصعد إليه.
فقوله: ﴿ العمل ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ يرفعه ﴾ ، وفي بناء المسند الفعلي على المسند إليه ما يفيد تخصيص المسند إليه بالمسند، فإذا انضم إليه سياق جملته عقب سياق جملة القصر المشعرُ بسريان حكم القصر إليه بالقرينة لاتحاد المقام إذ لا يتوهم أن يقصر صعود الكلم الطيب على الجانب الإِلهي ثم يجعل لغيره شركة معه في رفع العمل الصالح، تعين معنى التخصيص، فصار المعنى: الله الذي يقبل من المؤمنين أقوالهم وأعمالهم الصالحة.
وإنما جيء في جانب العمل الصالح بالإِخبار عنه بجملة ﴿ يرفعه ﴾ ولم يعطف على ﴿ الكلم الطيب ﴾ في حكم الصعود إلى الله مع تساوي الخبرين لفائدتين: أولاهما: الإِيماء إلى أن نوع العمل الصالح أهم من نوع الكلم الطيب على الجملة لأن معظم العمل الصالح أوسع نفعاً من معظم الكلم الطيب (عدا كلمة الشهادتين وما ورد تفضيله من الأقوال في السنة مثل دعاء يوم عرفة) فلذلك أسند إلى الله رفعه بنفسه كقول النبي صلى الله عليه وسلم «من تصدّق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل الله إلا طيباً تلقّاها الرحمان بيمينه، وكلتا يديه يمين، فيربيها له كما يربّي أحدكم فُلُوَّه حتى تصير مثل الجبل».
وثانيهما: أن الكلم الطيب يتكيف في الهواء فإسناد الصعود إليه مناسب لماهيته، وأما العمل الصالح فهو كيفيات عارضة لذوات فاعلة ومفعولة فلا يناسبه إسناد الصعود إليه وإنما يحسن أن يجعل متعلقاً لرفع يقع عليه ويسخره إلى الارتفاع.
﴿ الصالح يَرْفَعُهُ والذين يَمْكُرُونَ السيئات لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أولئك ﴾ .
هذا فريق من الذين يريدون العزة من المشركين وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ [الأنفال: 30] الآية قاله أبو العالية فعطفهم على ﴿ من كان يريد العزة ﴾ تخصيص لهم بالذكر لما اختصوا به من تدبير المكر.
وهو من عطف الخاص على العام للاهتمام بذكره.
والمكر: تدبيرُ إلحاققِ الضر بالغير في خفية لئلا يأخذ حذره، وفعله قاصر.
وهو يتعلق بالمضرور بواسطة الباء التي للملابسة، يقال: مكر بفلان، ويتعلق بوسيلة المكر بباء السببية يقال: مكر بفلان بقتله؛ فانتصاب ﴿ السيئات ﴾ هنا على أنه وصف لمصدر المكر نائباً مناب المفعول المطلق المبيِّن لنوع الفعل فكأنه قيل والذين يمكرون المكر السيِّئ.
وكان حقّ وصف المصدر أن يكون مفرداً كقوله تعالى: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ [فاطر: 43] فلما أريد هنا التنبيه على أن أولياء الشيطان لهم أنواع من المكر عُدل عن الإِفراد إلى الجمع وأتي به جمع مؤنث للدلالة على معنى الفَعَلاَت من المكر، فكل واحدة من مكرهم هي سيئة، كما جاء ذلك في لفظ (صالحة) كقول جرير: كيف الهجاء وما تنفك صالحة *** من آل لأم بظهر الغيب تأتيني أي صالحات كثيرة، وأنواع مكراتهم هي ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ [الأنفال: 30].
والتعريف في ﴿ السيئات ﴾ تعريف الجنس.
وجيء باسم الموصول للإِيماء إلى أن مضمون الصلة علّة فيما يرد بعدها من الحكم، أي لهم عذاب شديد جزاء مكرهم.
وعبر بالمضارع في الصلة للدلالة على تجدد مكرهم واستمراره وأنه دَأبهم وهِجِّيراهم.
ولما توعدهم الله بالعذاب الشديد على مكرهم أنبأهم أن مكرهم لا يروج ولا ينفِق وأن الله سيبطله فلا ينتفعون منه في الدنيا، ويضرون بسببه في الآخرة فقال ﴿ ومكر أولئك هو يبور ﴾ .
وعبر عنهم باسم الإِشارة دون الضمير الذي هو مقتضى الظاهر لتمييزهم أكمل تمييز، فيكنى بذلك عن تمييز المكر المضاف إليهم ووضوحه في علم الله وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بما أعلمه الله به منه، فكأنما أشير إليهم وإلى مكرهم باسم إشارة واحد على سبيل الإِيجاز.
والضمير المتوسط بين ﴿ مكر أولئك ﴾ وبين ﴿ يبور ﴾ ضمير فصل إذ لا يحتمل غيره.
ومثله قوله تعالى: ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ﴾ [التوبة: 104].
والراجح من أقوال النحاة قول المازني: إن ضمير الفصل يليه الفعل المضارع، وحجته قوله: ﴿ ومكر أولئك هو يبور ﴾ دون غير المضارع، ووافقه عبد القاهر الجرجاني في «شرح الإِيضاح» لأبي على الفارسي، وخالفهما أبو حيان وقال: لم يذهب أحد إلى ذلك فيما علمنا.
وأقول: إن وجه وقوع الفعل المضارع بعد ضمير الفصل أن المضارع يدل على التجدد فإذا اقتضى المقام إرادة إفادة التجدد في حصول الفعل من إرادة الثبات والدوام في حصول النسبة الحكمية لم يكن إلى البليغ سبيل للجمع بين القصدين إلا أن يأتي بضمير الفصل ليفيد الثبات والتقوية لتعذر إفادة ذلك بالجملة الإسلامية.
وقد تقدم القول في ذلك عند قوله: ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ [البقرة: 5]، فالفصل هنا يفيد القصر، أي مكرهم يبور دون غيره، ومعلوم أن غيره هنا تعريض بأن الله يمكر بهم مكراً يصيب المحزّ منهم على حد قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ [آل عمران: 54].
والبوار حقيقته: كساد التجارة وعدم نَفاق السلعة، واستعير هنا لخيبة العمل بوجه الشبه بين ما دبروه من المكر مع حرصهم على إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بضرّ وبين ما ينمِّقه التاجر وما يخرجه من عيابه ويرصفه على مِبْنَاتِه وسط اللَّطِيمة مع السلع لاجتلاب شَرَه المشترين.
ثم لا يُقبِل عليه أحد من أهل السوق فيرجع من لطيمته لطيمَ كف الخيبة، فارغ الكف والعيبة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ مُعانَدَةَ الرَّسُولِ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الخَوارِجُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ القاسِمِ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ تَحْرِيفَ التَّأْوِيلِ.
الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ الحَسَنُ ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ الإغْواءَ.
الرّابِعُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِمُ الشِّرْكَ.
وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ والأُسُودِ بْنِ المُطَّلِبِ، وقالَ غَيْرُهُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
في قَوْلِهِ: ﴿ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَوابًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: جَمِيلًا.
وَفِي الكَلامِ مَحْذُوفٌ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: فَإنَّهُ يُتَحَسَّرُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: كَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا لا يَسْتَوِيانِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: كَمَن عَمِلَ الحُسْنَ والقُبْحَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كان يريد العزة ﴾ قال: بعبادة الأوثان ﴿ فلله العزة جميعاً ﴾ قال: فليتعزز بطاعة الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله.
إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، قبض عليهن ملك يضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن، ثم قرأ ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ .
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ قال: ذكر الله ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ قال: أداء الفرائض فمن ذكر الله في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه وكلامه على عمله، وكان عمله أولى به.
وأخرج آدم بن أبي أياس والبغوي والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ قال: هو الذي يرفع الكلام الطيب.
وأخرج الفريابي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ قال: القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر رضي الله عنه في قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ قال: الدعاء.
وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إليه يصعد الكَلِمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله، ويعرض القول على العمل، فإن وافقه رفع وإلا رد.
وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن شهر بن حوشب في الآية قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب.
وأخرج ابن المنذر عن مالك بن سعد قال: إن الرجل ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله وقد أضاع ما سواها، فما زال الشيطان يمنيه فيها، ويزين له حتى ما يرى شيئاً دون الجنة، فقبل أن تعملوا أعمالكم فانظروا ما تريدون بها، فإن كانت خالصة لله فامضوها، وإن كانت لغير الله فلا تشقوا على أنفسكم، ولا شيء لكم فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، فإنه قال تبارك وتعالى ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ قال: لا يقبل قول إلا بعمل.
وقال الحسن: بالعمل قبل الله.
وأخرج ابن المبارك عن قتادة رضي الله عنه ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ قال: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه.
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال: ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتخلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.
من قال حسناً، وعمل غير صالح، رده الله على قوله.
ومن قال حسناً، وعمل صالحاً، رفعه العمل ذلك، لأن الله قال: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه سئل: أتقطع المرأة، والكلب، والحمار، الصلاة؟
فقال: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ فما يقطع هذا، ولكنه مكروه.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ والذين يمكرون السيئات ﴾ قال: هم أصحاب الرياء وفي قوله: ﴿ ومكر أولئك هو يبور ﴾ قال: الرياء.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن شهر بن حوشب في قوله: ﴿ والذين يمكرون السيئات ﴾ قال: يراؤون ﴿ ومكر أولئك هو يبور ﴾ قال: هم أصحاب الرياء لا يصعد عملهم.
وأخرج عن ابن زيد في قوله: ﴿ والذين يمكرون السيئات ﴾ قال: هم المشركون ﴿ ومكر أولئك هو يبور ﴾ قال: بار فلم ينفعهم، ولم ينتفعوا به وضرهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يمكرون السيئات ﴾ قال: يعملون السيئات ﴿ ومكر أولئك هو يبور ﴾ قال: يفسد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومكر أولئك هو يبور ﴾ قال: يهلك فليس له ثواب في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ قال الفراء: (معناه من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنها لله جميعًا، أي: كل وجه من العزة لله) (١) والآية على ما ذكرنا من باب حذف المضاف، وقال قتادة: من كان يريد العزة فليعتزز بطاعة الله (٢) ﴿ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ معناه: الدعاء إلى طاعة من له العزة ليعتز بطاعته، كما يقال: من أراد المال فالمال لفلان، أي: فليطلب من عنده من حيث يجب أن يطلب، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء؛ لأنه قال: يؤمن بالله فيعتز بعزه (٣) وقال مجاهد ومقاتل: من كان يريد العزة بعبادته غير الله فليعتزز بطاعة الله، فإن العزة لله جميعًا (٤) ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴾ فأخبر الله تعالى أن العزة لله جميعًا لا غيره، فلا يعتز أحد بعبادة غيره وإنما التعزز بطاعة الله.
ثم بين كيف يتعزز بطاعته فقال: قوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ قال مقاتل والمفسرون: إلى الله يصعد كلمة التوحيد، وهو: قول لا إله إلا الله (٥) وقال أبو إسحاق: (أي إليه يصل الكلام الذي هو توحيده، والله تعالى يرتفع إليه كل شيء) (٦) (٧) ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ فنثيبك (٨) وقال بعض أهل المعاني: يعني إليه يصعد إلى سمائه، والمحل الذي لا جري لأحد سواه فيه ملك ولا حكم (٩) ﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ قال ابن عباس: يريد العمل بما افترضه الله -عز وجل-، يقول الله تعالى: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله بنية صادقة، نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان عمله موافقًا لقوله صعدا جميعًا، وإن كان عمله مخالفًا وقف قوله حتى يتوب من عمله (١٠) وقال الحسن: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله، يعرض القول على الفعل فإن وافق القول الفعل قبل وإن خالفه رد، ونحو هذا (١١) (١٢) ﴿ يَرْفَعُهُ ﴾ تعود إلى الكلم الطيب.
وقال قتادة: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه (١٣) ﴿ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ الله إليه، أي: يقبله، والكناية للعمل الصالح.
وقال مقاتل: التوحيد يرفع العمل الصالح إلى السماء (١٤) (١٥) (١٦) قال مقاتل: ثم ذكر من لا يوحد الله فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ أي: والذين يقولون الشرك (١٧) (١٨) وقال الكلبي: يعني يعملون السيئات (١٩) وقال سعيد بن جبير: والذين يعملون بالرياء، وهو قول مجاهد وشهر ابن حوشب (٢٠) وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله في دار الندوة (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) ثم دل على نفسه بصفة ليوحد فقال: (١) انظر: "معاني القرآن" 2/ 367.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 120، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 440، "زاد المسير" 6/ 477.
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس.
وانظر: "تفسير الطبري" 22/ 120، "تفسير القرطبي" 14/ 328، "زاد المسير" 6/ 477.
(٤) انظر: "تفسير مجاهد" ص 531، "تفسير مقاتل" 102 ب، "تفسير الطبري" 22/ 120، "زاد المسير" 6/ 477.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 102 أ.
وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 566، "تفسير القرطبي" 14/ 329، "زاد المسير" 6/ 478.
(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 265.
(٧) يبدو أن هناك سقط في الكلام يمكن تقديره بنحو: يدل عليه قوله تعالى.
(٨) في (ب): (فثبك).
(٩) المؤلف رحمه الله في هذا الموضع فيه تأويل لصفة الحلو والفوقية، وهذا == خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله - - من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 381.
(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 22/ 121 من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(١١) (هذا) ساقط في (ب).
(١٢) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 440، "تفسير الماوردي" 4/ 464، "زاد المسير" 6/ 478.
(١٣) انظر: المصادر السابقة.
(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.
(١٥) هكذا في النسخ!
وهو خطأ، والصواب: عملاً صالحًا.
(١٦) "معاني القرآن" 2/ 367، انظر: "معاني القرآن وإعربه" 4/ 265.
ولم أقف على قول المبرد، وترجيح المؤلف -رحمه الله- للقول الأول القائل بأن الرافع هو العمل الصالح؛ لأنه قول صحيح ثابت عن حبر الأمة وترجمان القرآن - - (١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.
(١٨) أورده الطبري 22/ 17 ونسبه لقتادة، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 479، ونسبه لمقاتل، ولم أقف عليه عن ابن عباس.
(١٩) انظر: "مجمع البيان" 8/ 629، "تفسير القرطبي" 14/ 332، "تفسير البغوي" 3/ 567.
(٢٠) انظر: "الطبري" 22/ 171، "البغوي" 3/ 567، "الدر المنثور" 7/ 10 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد ولسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن شهر بن حوشب.
(٢١) انظر: "مجمع البيان" 8/ 629، "زاد المسير" 6/ 479.
(٢٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 265.
(٢٣) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 171، "تفسير الماوردي" 4/ 465، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 443.
(٢٤) انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.
(٢٥) أورده السيوطي في "الدر" 7/ 10 وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي، "تفسير السدي الكبير" ص 393.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة ﴾ الآية تحتمل ثلاثة معان: أحدها وهو الأظهر من كان يريد نيل العزة فليطلبها من عند الله، فإن العزة كلها لله، والثاني من كان يريد العزة بمغالبة الإسلام فللَّه العزة جميعاً، فالمغالب له مغلوب، والثالث من كان يريد أن يعلم لمن العزة فليعلم أن العزة لله جميعاً ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب ﴾ قيل: يعني لا إله إلا الله، واللفظ يعم ذلك وغيره من الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وتعليم العلم: فالعموم أولى ﴿ والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدها أن ضمير الفاعل في يرفعه: الله وضمير المفعول للعمل الصالح، فالمعنى على هذا أن الله يرفع العمل الصالح: أي يتقبله ويثيب عليه، والثاني أن ضيمر الفاعل للكلام الطيب، وضمير المفعول للعمل الصالح، والمعنى على هذا: لا يقبل عمل صالح إلا ممن له كلام طيب، وهذا يصح إن قلنا: إن الكلم الطيب لا إله إلا الله، لأنه لا يبقبل العمل إلا من موحد، والثالث أن ضمير الفاعل للعمل الصالح، وضمير المفعول للكلم الطيب، والمعنى على هذا أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب فلا يقبل الكلم إلا ممن له عمل صالح، وروي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابن عطية وقال: لم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبل من كل مسلم.
قال وقد يستقيم بأن يتأول أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه ﴿ يَمْكُرُونَ السيئات ﴾ لا يتعدى مكر فتأويله يمركون المكرات السيئات، فتكون السيئات مصدراً أو تضمن يمكرون معنى يكتسبون فتكون السيئات مفعولاً، والإشارة هنا إلى مكر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حين اجتمعوا في دار الندوة؛ وأرادوا أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه ﴿ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ البوار الهلاك أو الكساد، ومعناه هنا أن مكرهم يبطل ولا ينفعهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: ﴿ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ أي: البعث أنه كائن لا محالة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ فيما وعد من الثواب على الطاعات، ووعده حق فيما أوعد من العقاب على السيئات أنه يكون، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
معنى قوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ - والله أعلم - أي: لا تشغلنكم الحياة الدنيا عن ذكر الحياة الآخرة، ولا تنسينكم الحياة الدنيا عن حياة الآخرة، وإلا الدنيا لا تغر أحدا في الحقيقة، وكذلك هي [ليست] بلعب ولا لهو، ولا هي غارة، ولكن يغر أهلها بها لما غفلوا عما جعلت هي وأنشئت، وهو ما ذكرنا: أنها جعلت زادا للآخرة وبلغة إليها، فمن لم يجعلها زاداً للآخرة ولا بلغة إلى الوصول إلى الآخرة، ولكن جعلها في غير ما جعلت هي وأنشئت وهي الحياة فيها والمقام بها - صارت لعباً ولهواً، وصارت غروراً؛ إذ صيروها كالمنشأة لنفسها لا للآخرة، وهذا كما قال: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ أخبر أن السورة كانت تزيد لأهل الإيمان إيماناً، ولأهل الكفر والنفاق رجساً وعمى، والسورة لا تزيد رجساً ولا عمى في الحقيقة؛ لأنه وصف القرآن بأنه نور وأنه هدى ورحمة وبرهان، ولكن صار عمى [و]رجساً لمن أعرض عنه وكذب ورده، وأما من تلقاه بالقبول وأقبل عليه، ونظر إليه بالتعظيم والإجلال له والخضوع - فهو له نور وهدى ورحمة؛ فعلى ذلك الدنيا وما فيها من النعم واللذات، إذا جعلها غير ما جعلت هي وأنشئت صارت لعباً ولهواً وغروراً، بل لو حمدت هي على ما أنشئت مكان ما ذمت لكان حقّاً وصدقاً؛ لأنها سمي نعيمها: حسنة وخيراً وصلاحاً ونحوه؛ فلا جائز أن يذم الحسنة والخير، بل حق الذم على أهلها حيث غروا بها وصيروها في غير ما صيرت وجعلت لغفلتهم عما جعلت هي، وصرفهم إياها إلى غير الذي صرفت، وجهلهم بها؛ وعلى ذلك لا يجوز ذم الغناء والسعة والصحة والسلامة؛ لأن ذلك كله نعم من الله أنعمها على الناس؛ فيجب أن ينظروا إلى ما عليهم لله من الشكر في ذلك فيؤدوه؛ وكذلك العز والثناء الحسن ونحوه لا يجب أن يذم شيء من ذلك، بل يذم من لم يعرف أن العز فيم؟
إنما العز في طاعة الله والعبادة له لا في معاصيه، فهؤلاء سموا معصية الله: عزّاً؛ لجهلهم في العز؛ وكذلك الثناء الحسن يجب أن يحمد ربه ويشكر له فيما يستر على الخلق فضائحه ومساوئه، حتى أثنوا عليه ما لو بدا ذلك منه وأظهر لهربوا منه فضلا أن يثنوا عليه ويحمدوه؛ فيجب أن يشكر ربه ويثني عليه على ستر معاصيه وفضائحه، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ .
الغرور - بفتح الغين - هو الشيطان؛ يقول: لا يغرنكم بالله الشيطان.
ثم يحتمل قوله: ﴿ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ وجوهاً: أحدها: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: بكرمه وجوده، يقول: إنه كريم وجواد غفور يتجاوز عنكم ويعفو عنكم معاصيكم [و] مساوئكم.
والثاني: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ أي: بغناه؛ يقول: إنه غني ما به حاجة إلى عبادتكم إياه، فيما أمركم به ونهاكم عنه.
والثالث: أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: لا يغرنكم عن طاعة الله وعبادته فتعصوه، وذلك جائز في اللغة "الباء" مكان "عن"؛ كقوله: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ ﴾ أي: عنها؛ إذ لا يشرب بالعين وإنما يشرب عنها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾ .
يذكر هذا - والله أعلم - لأن ما يدعو الشيطان الخلق إليه في الظاهر يخرج مخرج الشفقة لهم والنصيحة كما يدعو الأولياء؛ لأنه يدعوهم إلى قضاء شهواتهم ولذاتهم وما تهوى به أنفسهم، وإن كان يضمر ويقصد به هلاكهم؛ ألا ترى أنه كيف أظهر لآدم وحواء من الشفقة لهم والنصيحة حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ ﴾ ونحوه، وكان قصده بذلك ما ذكر: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ...
﴾ الآية، هذا كان يضمر ويقصد في دعائه إياهما إلى التناول من تلك الشجرة التي نهاهما ربهما [عنها]؛ فعلى ذلك فيما يدعو الناس به إلى قضاء شهواتهم وحاجاتهم في الظاهر، فهو يقصد بذلك هلاكهم لمخالفتهم المولى لا ما يظهر ويبدي لهم؛ لذلك قال: إنه عدو لكم ليس بولي، ﴿ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾ ، أي: كونوا من دعائه وأمره على حذر، كما يحذر المرء دعاء عدوه.
﴿ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ ﴾ .
قال بعضهم: أهل طاعته.
وقال القتبي و[أبو] عوسجة: حزبه: أنصاره، والحزب: الأنصار.
وقال بعضهم: جنده.
وقال بعضهم: حزبه: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه؛ وكله واحد.
ثم يقول: ﴿ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ ﴾ لكنه خصّ حزبه بالدعاء لهم؛ لما أن حزبه هم بالمجيبون له والمطيعون، فأما غير حزبه فلا يجيبونه؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، وكان ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع الذكر، لكن خص بإنذار من اتبع الذكر؛ لما أن متبع الذكر هو المنتفع به دون من لم يتبع؛ لذلك خص - والله أعلم - فعلى ذلك ما خصّ بدعائه حزبه؛ لأن حزبه هم المجيبون له والمطيعون.
وقوله: ﴿ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
قصد بدعائه إلى ما يدعوهم، ليكونوا من أصحاب السعير، وإلا لو كان أظهر لهم الدعاء إلى أصحاب السعير ما أجابوه ولا أطاعوه، ولكن دعاهم إلى أعمال توجب لهم السعير، أو ليكون لهم عذاب السعير.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ : وهو ظاهر.
﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .
قوله: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ لما عملوا من غير الصالحات بعد إيمانهم، أو مغفرة لذنوبهم في الإيمان، ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ لإيمانهم وأعمالهم الصالحات.
وقوله: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ﴾ .
ليس لهذا الحرف في ذا الموضع جواب، فجائز أن يكون جوابه في قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ على التقديم له، كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ ﴾ فلزمه كمن قبح له؛ فانتهى عنه، ليسا بسواء، كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ ﴾ ذكر أن قوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ ﴾ نزل في عمر بن الخطاب، وقوله: ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ ﴾ في أبي جهل؛ فعلى ذلك الأول، وأن يكون ما ذكر بدءاً على التقديم والتأخير.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ : من الضلالة إلى الهدى، يضل من علم منه أنه يختار الضلال، ويهدي من علم منه أنه يختار الهدى.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ أي: لا تضل ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ إشفاقاً على ما ينزل بهم بتركهم الإيمان؛ لأن رسول الله كاد أن يهلك نفسه إشفاقاً عليهم فنهاه عن ذلك.
والثاني: على تخفيف الحزن عليه ودفعه عنه وتسليته إياه؛ لأنه يشتد به الحزن، لمكان كفرهم وتكذيبهم إياه وتركهم الإيمان به ليس على النهي؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ وقد ذكرنا معناه فيما تقدم مقدار ما حفظنا فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله على علم بصنيعهم أنشأهم، لا عن جهل بما يكون منهم.
والثاني: عليم بما يصنعون؛ فلا تكافئهم ولا تشغلن بشيء مما يكون منهم، ولكن فوض ذلك إلى الله وأسلم إليه.
<div class="verse-tafsir"
من كان يريد العزة في الدنيا أو في الآخرة فلا يطلبها إلا من الله، فللَّه وحده العزة فيهما، إليه يصعد ذكره الطيب، وعمل العباد الصالح يرفعه إليه، والذين يدبرون المكايد السيئة - كمحاولة قتل الرسول لهم عذاب شديد، ومكر أولئك الكفار يبطل ويفسد، ولا يحقق لهم مقصدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.e0m28"