الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ١٤ من سورة فاطر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٤ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال : ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ) يعني الآلهة التي تدعونها من دون الله لا يسمعون دعاءكم ; لأنها جماد لا أرواح فيها ( ولو سمعوا ما استجابوا لكم ) أي : لا يقدرون على ما تطلبون منها ، ( ويوم القيامة يكفرون بشرككم ) ، أي : يتبرءون منكم ، كما قال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 ، 6 ] ، وقال : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) [ مريم : 81 ، 82 ] .
وقوله : ( ولا ينبئك مثل خبير ) أي : ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه ، مثل خبير بها .
قال قتادة : يعني نفسه تبارك وتعالى ، فإنه أخبر بالواقع لا محالة .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) قوله ( إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ) &; 20-453 &; يقول تعالى ذكره: إن تدعوا أيها الناس هؤلاء الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا يسمعوا دعاءكم؛ لأنها جماد لا تفهم عنكم ما تقولون ( وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ) يقول: ولو سمعوا دعاءكم إياهم، وفهموا عنكم أنها قولكم، بأن جعل لهم سمع يسمعون به، ما استجابوا لكم؛ لأنها ليست ناطقة، وليس كل سامع قولا متيسرًا له الجواب عنه، يقول تعالى ذكره للمشركين به الآلهة والأوثان: فكيف تعبدون من دون الله من هذه صفته، وهو لا نفع لكم عنده، ولا قدرة له على ضركم، وتدعون عبادة الذي بيده نفعكم وضركم، وهو الذي خلقكم وأنعم عليكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ) أي: ما قبلوا ذلك عنكم، ولا نفعوكم فيه.
وقوله ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) يقول تعالى ذكره للمشركين من عبدة الأوثان: ويوم القيامة تتبرأ آلهتكم التي تعبدونها من دون الله من أن تكون كانت لله شريكًا في الدنيا.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) إياهم ولا يرضون ولا يقرون به.
وقوله (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) يقول تعالى ذكره: ولا يخبرك يا محمد عن آلهة هؤلاء المشركين وما يكون من أمرها وأمر عَبَدَتها يوم القيامة؛ من تبرئها منهم، وكفرها بهم، مثل ذي خبرة بأمرها وأمرهم، وذلك الخبير هو الله الذي لا يخفى عليه شيء كان أو يكون سبحانه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل &; 20-454 &; .
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) والله هو الخبير أنه سيكون هذا منهم يوم القيامة.
قوله تعالى : إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير .قوله تعالى : إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم ; لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع .
ولو سمعوا ما استجابوا لكم إذ ليس كل سامع ناطقا .
وقال قتادة : المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم .
وقيل : أي لو جعلنا لهم عقولا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم ، ولما استجابوا لكم على الكفر .
ويوم القيامة يكفرون بشرككم أي يجحدون أنكم عبدتموهم ، ويتبرءون منكم .
ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل ; كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا ، وأنهم أمروكم بعبادتهم ; كما أخبر عن عيسى بقوله : ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق [ ص: 302 ] ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضا ، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلا للعبادة .
ولا ينبئك مثل خبير هو الله جل وعز ; أي لا أحد أخبر بخلق الله من الله ، فلا ينبئك مثله في عمله .
ومع هذا { إِنْ تَدْعُوهُمْ } لا يسمعوكم لأنهم ما بين جماد وأموات وملائكة مشغولين بطاعة ربهم.
{ وَلَوْ سَمِعُوا } على وجه الفرض والتقدير { مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } لأنهم لا يملكون شيئا، ولا يرضى أكثرهم بعبادة من عبده، ولهذا قال: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } أي: يتبرأون منكم، ويقولون: { سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ } { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } أي: لا أحد ينبئك، أصدق من الله العليم الخبير، فاجزم بأن هذا الأمر، الذي نبأ به كأنه رَأْيُ عين، فلا تشك فيه ولا تمتر.
فتضمنت هذه الآيات، الأدلة والبراهين الساطعة، الدالة على أنه تعالى المألوه المعبود، الذي لا يستحق شيئا من العبادة سواه، وأن عبادة ما سواه باطلة متعلقة بباطل، لا تفيد عابده شيئا.
( إن تدعوهم ) يعني : إن تدعو الأصنام ( لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ) ما أجابوكم ( ويوم القيامة يكفرون بشرككم ) يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها ، يقولون : ما كنتم إيانا تعبدون .
( ولا ينبئك مثل خبير ) يعني : نفسه أي : لا ينبئك أحد مثلي خبير عالم بالأشياء .
«إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا» فرضا «ما استجابوا لكم» ما أجابوكم «ويوم القيامة يكفرون بشرككم» بإشراككم إياهم مع الله، أي يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياهم «ولا يُنبئك» بأحوال الدارين «مثل خبير» عالم هو الله تعالى.
إن تدعوا -أيها الناس- هذه المعبودات من دون الله لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا على سبيل الفرض ما أجابوكم، ويوم القيامة يتبرؤون منكم، ولا أحد يخبرك -أيها الرسول- أصدق من الله العليم الخبير.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى وقرره فقال : ( إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ .
.
.
) .أى : إن هذه المعبودات الباطلة لا تملك من شئ مع الله - تعالى - ، بدليل أنكم إن تدعوهم لنفعكم ، لن يسمعوا دعاءكم ، وإن تستغيثوا بهم عند المصائب والنوائب ، لمن يلبوا استغاثتكم .
.( وَلَوْ سَمِعُواْ ) على سبيل الفرض والتقدير ( مَا استجابوا لَكُمْ ) لأنهم لا قدرة لهم على هذه الاستجابة لعجزهم عن ذلك .( وَيَوْمَ القيامة ) الذى تتجلى فيه الحقائق ، وتنكشف الأمور ( يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) .أى : يتبرأون من عبادتكم لهم ، ومن إشراككم إياهم العبادة مع الله - تعالى - ، فضلاً عن عدم استجابتهم لكم إذا دعوتموهم لنصرتكم .( وَلاَ يُنَبِّئُكَ ) أى : ولا يخبرك بهذه الحقائق التى لا تقبل الشك أو الريب .( مِثْلُ خَبِيرٍ ) أى : مثل من هو خبير بأحوال النفوس وبظواهرها وببواطنها .
وهو الله - عز وجل - فإنه - سبحانه - هو الذى يعلم السر وأخفى .وبهذا نرى الآيات الكريمة ، قد طوفت بنا فى ٍأرجاء هذا الكون ، وساقت لنا ألوانا من نعم الله - تعالى - على الناس ، كالرياح ، والسحاب ، والأمطار والبحار ، والليل والنهار ، والشمس والقمر .
.
وهى نعم تدل على وحدانية المنعم بها ، وعلى قدرته - عز وجل - وفى كل ذلك هداية إلى الحق لكل عبد منيب .
إبطالاً لما كانوا يقولون إن في عبادة الأصنام عزة من حيث القرب منها والنظر إليها وعرض الحوائج عليها، والله لا يرى ولا يصل إليه أحد فقال هؤلاء لا يسمعون دعاءكم والله يصعد إليه الكلم الطيب، ليسمع ويقبل ثم نزل عن تلك الدرجة، وقال هب أنهم يسمعون كما يظنون فإنهم كانوا يقولون بأن الأصنام تسمع وتعلم ولكن ما كان يمكنهم أن يقولوا إنهم يجيبون لأن ذلك إنكار للمحس به وعدم سماعهم إنكار للمعقول والنزاع وإن كان يقع في المعقول فلا يمكن وقوعه في المحس به، ثم إنه تعالى قال: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ لما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم النفع منهم في الآخرة بل أشار إلى وجود الضرر منهم في الآخرة بقوله: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أي بإشراككم بالله شيئاً، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ أي الإشراك وقوله: ﴿ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم ووجهه هو أن الله تعالى لما أخبر أن الخشب والحجر يوم القيامة ينطق ويكذب عابده وذلك أمر لا يعلم بالعقل المجرد لولا إخبار الله تعالى عنه أنهم يكفرون بهم يوم القيامة، وهذا القول مع كون الخبر عنه أمراً عجيباً هو كما قال، لأن المخبر عنه خبير وثانيهما: هو أن يكون ذلك خطاباً غير مختص بأحد، أي هذا الذي ذكر هو كما قال: ﴿ وَلاَ يُنَبّئُكَ ﴾ أيها السامع كائناً من كنت ﴿ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إن تدعوا الأوثان ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ ﴾ لأنهم جماد ﴿ وَلَوْ سَمِعُواْ ﴾ على سبيل الفرض والتمثيل ل ﴿ مَا استجابوا لَكُمْ ﴾ لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية، ويتبرؤون منها.
وقيل: ما نفعوكم ﴿ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أي: باشراككم وعبادتكم إياهم يقولون كنتم إيانا تعبدون ﴿ وَلاَ يُنَبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به.
ويريد: أن الخبير بالأمر وحده، هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به.
والمعنى: أنّ هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق، لأني خبير بما أخبرت به.
وقرئ: ﴿ يدعون ﴾ ، بالياء والتاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هي مُدَّةُ دَوْرِهِ أوْ مُنْتَهاهُ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ.
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ ﴾ الإشارَةُ إلى الفاعِلِ لِهَذِهِ الأشْياءِ.
( وفِيها إشْعارٌ بِأنَّ فاعِلِيَّتَهُ لَها مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ الأخْبارِ المُتَرادِفَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (لَهُ المُلْكُ) كَلامًا مُبْتَدَأً في قُرْآنٍ.
﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، والقِطْمِيرُ لِفافَةُ النَّواةِ.
﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ ﴿ وَلَوْ سَمِعُوا ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ.
﴿ ما اسْتَجابُوا لَكُمْ ﴾ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الإنْفاعِ، أوْ لِتَبَرُّئِهِمْ مِنكم مِمّا تَدْعُونَ لَهم.
﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ بِإشْراكِكم لَهم يُقِرُّونَ بِبُطْلانِهِ أوْ يَقُولُونَ ﴿ ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ ﴾ .
﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ولا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ خَبِيرٍ بِهِ أخْبَرَكَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ الخَبِيرُ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ دُونَ سائِرِ المُخْبِرِينَ.
والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ ونَفْيُ ما يَدَّعُونَ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
{إِن تَدْعُوهُمْ} أي الأصنام {لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ} لأنهم جماد {وَلَوْ سَمِعُواْ} على سبيل الفرض {ما استجابوا لكم} لأنهم لا يدعون لهم من الإلهية ويتبرءون منها {وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم ويقولون ما كنتم إيانا تعبدون {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خبير} ولا ينبئك أيها المفترون بأسباب الغرور كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور وتحقيقه ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به يريدان الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لانى خبير بما أخبرت به
﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ كاشِفٌ عَنْ جَلِيَّةِ حالِ ما يَدْعُونَهُ بِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ، هَذا إذا كانَ الكَلامُ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عَبَدَتِها وعَبَدَةِ المَلائِكَةِ وعِيسى وغَيْرِهِمْ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وعَدَمُ السَّماعِ حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّ المَعْبُودَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ كالأصْنامِ، وإمّا لِأنَّهُ في شُغْلٍ شاغِلٍ وبُعْدٍ بَعِيدٍ عَنْ عابِدِهِ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ البَلْخِيِّ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ سَمْعَهُ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْهِ مِثْلُ هَذا الدُّعاءِ لِغايَةِ قُبْحِهِ وثِقَلِهِ عَلى سَمْعِ مَن هو في غايَةِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُرَدُّ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَسْمَعُونَ، وهم في السَّماءِ كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ دُعاءُ المُؤْمِنِينَ رَبَّهم سُبْحانَهُ، وفي نَظْمِ ذِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ في سِلْكِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثِيَّةِ السَّماعِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ تَوَقُّفٌ عِنْدِي، بَلْ في سَماعِ كُلٍّ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم في السَّماءِ وذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ نِداءَ مَن ناداهم غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ تَوَقُّفٌ عِنْدِي أيْضًا، إذْ لَمْ أظْفَرْ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ عَلى ذَلِكَ، والعَقْلُ يُجَوِّزُهُ لَكِنْ لا يُكْتَفى بِمُجَرَّدِ تَجْوِيزِهِ في القَوْلِ بِهِ.
﴿ ولَوْ سَمِعُوا ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ﴿ ما اسْتَجابُوا لَكُمْ ﴾ لِأنَّهم لَمْ يُرْزَقُوا قُوَّةَ التَّكَلُّمِ، والسَّماعُ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالِاسْتِجابَةِ الِاسْتِجابَةُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِجابَةُ بِالفِعْلِ، أيْ ولَوْ سَمِعُوا ما نَفَعُوكم لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأفْعالِ بِالمَرَّةِ، هَذا إذا كانَ المُدَّعُونَ الأصْنامَ وأمّا إذا كانُوا المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ نَحْوَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ فَعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ القَوْلِيَّةِ لِأنَّ دُعاءَهم مِن حَيْثُ زَعَمَ أنَّهم آلِهَةٌ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَكَيْفَ يُجِيبُونَ زاعِمَ ذَلِكَ فِيهِمْ وفِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ ما فِيهِ، وعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ الفِعْلِيَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِهَذا أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ نَفْعَ مَن دَعاهم لَيْسَ مِن وظائِفِهِمْ، وقِيلَ لِأنَّهم يَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا في العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِلْأوَّلِ أيْضًا فَتَأمَّلْ.
﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إذا دَعَوْتُمُوهُمْ، وشِرْكٌ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ إشْراكَكم إيّاهم وعِبادَتَكم إيّاهُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ تَعالى الأصْنامَ عَلى الكَلامِ فَيَقُولُونَ لَهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، أوْ يَظْهَرُ مِن حالِها ظُهُورُ نارِ القُرى لَيْلًا عَلى عِلْمِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولِسانُ الحالِ أفْصَحُ مِن لِسانِ المَقالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ يُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ وإنْ كانَ المَدْعُوُّونَ المَلائِكَةَ ونَحْوَهم فَأمْرُ التَّكَلُّمِ ظاهِرٌ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المَلائِكَةِ لِلْمُشْرِكِينَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾ .
﴿ ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أيْ لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ مُخْبِرٍ خَبِيرٍ أخْبَرَكَ بِهِ، يَعْنِي بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الخَبِيرُ بِكُنْهِ الأُمُورِ، وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ، أيْ لا يُخْبِرُكَ أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كُنْتَ مُخْبِرٌ هو مِثْلُ الخَبِيرِ العالَمِ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ ونَفْيِ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يُخْبِرُكَ مُخْبِرٌ مِثْلُ مَن يُخْبِرُكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أنْفُسِها بِأنَّها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ العذب والمالح هذا عَذْبٌ فُراتٌ يعني: طيّب هيّن شربه.
ويقال: سلس في حلقه، حلو في شرابه سائِغٌ يعني: شهياً.
ويقال: يسوغه الشراب وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ يعني: الشديد الذي شيب بضرب إلى المرارة وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا يعني: السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ من المالح حِلْيَةً وهي اللؤلؤ تَلْبَسُونَها يعني: تستعملونها، وتلبسون نساءكم.
وهذا المثل لأصحاب النبيّ مع الكفار يعني: وما يستوي الذين صدقوا والذين كذبوا.
ومن كل يظهر شيء من الصلاح يعني: يلد الكافر المسلم مثل ما أولد الوليد بن المغيرة خالد بن الوليد، وأبو جهل عكرمة بن أبي جهل.
قوله: وَتَرَى الْفُلْكَ يعني: السفن مَواخِرَ يعني: تذهب وتجيء فِيهِ يعني: في البحر لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يعني: لكي تشكروا رب هذه النعمة.
يقال في اللغة مخر يمخر إذا شقّ الماء.
يعني: أن السفينة تشق الماء في حال جريها.
يقال: مخرت السفينة إذا جرت وشقت الماء في جريها.
ثم قال عز وجل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وقد ذكرناه وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذلّل الشمس والقمر لبني آدم.
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى أقصى منازلها في الغروب، لأنها تغرب كل ليلة في موضع.
وهو قوله عز وجل: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: 30] ويقال: إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى يعني: يجريان دائماً إلى يوم القيامة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: هذا الذي فعل لكم هذا الفعل هو ربكم وخالقكم لَهُ الْمُلْكُ فاعرفوا توحيده، وادعوه ولا تدعوا غيره وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: من دون الله الأوثان وما يعبدونهم مِن دُونِ الله مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ يعني: لا يقدرون أن يعطوكم ولا ينفعوكم بمقدار القطمير.
والقطمير قشر النواة الأبيض الذي يكون بين النوى والتمر.
وقال مجاهد: القطمير لفاف النوى.
ثم قال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ يعني: ولو كانوا بحال يسمعون أيضاً فلا يجيبونكم، ولا يكشفون عنكم شيئاً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ يعني: يتبرؤون من عبادتكم.
ويقولون: مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ.
يقول الله تعالى لمحمد : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يعني: لا يخبرك من عمل الآخرة مثل الرب تبارك وتعالى.
ويقال: لا يخبرك أحد مثل الرب بأن هذا الذي ذكر عن الأصنام أنهم يتبرؤون عن عبادتهم.
<div class="verse-tafsir"
العِزَّةِ، أي: بِهِ، وَعَنْ أَوَامِرِه، لاَ تُنَالُ عِزَّتُهُ إلاَّ بِطَاعَتِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ «١» قَتَادَةُ.
وَقَوْلهُ تَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أي: التوحيدُ، والتحميدُ، وذكر الله ونحوه.
وقوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ قيل: المعنى يرفعه الله، وهذا أرجحُ الأقوال.
وقال ابن عباس «٢» وغيره: إن العملَ الصالح هو الرافعُ للكَلِم، وهذا التأويل إنما يستقيمُ بأن يتأوَّل على معنى أنه يَزِيد في رفعه وحُسْن موقعِه.
ت: وعن ابن مسعودٍ قال: «إذا حدّثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه: «إن العبد إذا قال: «سبحان الله والحمد للَّه والله أكبر وتبارك الله» قَبَضَ عليهن ملك فضمَّهن تحت جَنَاحه وصَعَدَ بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يُجَاء بهن وجهُ الرحمن سبحانه.
ثم تلا عبد الله بن مسعود:
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» «٣» .
رواه الحاكم في «المستدرك» وقال:
صحيح الإِسناد: انتهى من «السلاح» .
ويَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ أي: المكرات السيئات.
ويَبُورُ معناه: يفسد ويبقى لا نفع فيه.
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)
وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ الآية.
قيل: معنى الأزواج هنا: الأنواع، وقيل: أراد تزويجَ الرجالِ النساءَ، والضميرُ في عُمُرِهِ قال ابن عباس وغيره، ما مقتضاه: أنه عائد على مُعَمَّرٍ الذي هو اسم جنس «١» والمراد غيرُ الذي يعمر، وقال ابن جبير وغيره: بل المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير، أي: ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصى ما مضى منه إذا مَرَّ حَوْلٌ كتب ما مضى منه، فإذا مر حول آخر كتب ذلك، ثم حول، ثم حول فهذا هو النقص.
قال ابن جبير: فما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمره «٢» .
وقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تقدم تفسير نظير هذه الآية.
وقوله تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى الآية: الأجل المسمَّى هو قيام الساعة، وقيل: آماد الليل، وآماد النهار، والقِطْمِير: القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة.
وقال الضحاك وغيره: القِطْمِير القِمَعُ الذي في رأس التمرة «٣» ، والأول أشهرُ وأصوبُ.
ثم بيَّن تعالى بطلانَ الأصنام بثلاثة أشياءَ: أوَّلُها: أنها لا تسمع إنْ دُعِيَتْ، والثاني: أنها لا تجيب إن لو سمعت، وإنما جاء بهذه لأن القائل متعسف أن يقول:
عساها تسمع، والثالثُ: أنها تَتَبَرَّأ يوم القيامة من الكفرة.
وقوله تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال المفسرون: الخبيرُ هنا هو الله سبحانه فهو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي نَسْلَهُ ﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، ذُكُورًا وإناثًا؛ قالَ قَتادَةُ: زَوَّجَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ﴾ أيْ: ما يَطُولُ عُمُرُ أحَدٍ ﴿ وَلا يُنْقَصُ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: " يَنْقُصُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ القافِ ﴿ مِن عُمُرِهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ عَنْ آخَرَ، فالمَعْنى: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ آخَرَ؛ وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما كُنِّيَ عَنْهُ كَأنَّهُ الأوَّلُ، لِأنَّ لَفْظَ الثّانِي لَوْ ظَهَرَ كانَ كالأوَّلِ،كَأنَّهُ قالَ: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ مُعَمَّرٍ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ؛ والمَعْنى: ونِصْفٌ آخَرُ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى المُعَمَّرِ المَذْكُورِ؛ فالمَعْنى: ما يَذْهَبُ مِن عُمُرِ هَذا المُعَمَّرِ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ إلّا وذَلِكَ مَكْتُوبٌ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَكْتُوبٌ في أوَّلِ الكِتابِ: عُمُرُهُ كَذا وكَذا سَنَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ: ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمانِ، ذَهَبَتْ ثَلاثَةٌ، إلى أنْ يَنْقَطِعَ عُمُرُهُ؛ وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ وأبُو مالِكٍ في آخَرِينَ.
فَأمّا الكِتابُ، فَهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى كِتابَةِ الآجالِ.
والثّانِي: إلى زِيادَةِ العُمُرِ ونُقْصانِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ يَعْنِي العَذْبَ والمِلْحَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها قَدْ سَبَقَ بَيانُها [الفَرْقانِ: ٥٣، النَّحْلِ: ١٤، آلِ عِمْرانَ: ٢٧، الرَّعْدِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى ظَهْرِ النَّواةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ ﴿ وَلَوْ سَمِعُوا ﴾ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهم أسْماعًا ﴿ ما اسْتَجابُوا لَكُمْ ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إجابَةٌ ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أيْ: يَتَبَرَّؤُونَ مِن عِبادَتِكم ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِالأشْياءِ، يَعْنِي نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ؛ والمَعْنى أنَّهُ لا أخْبَرَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِما أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ ﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ﴿ "يُولِجُ" ﴾ مَعْناهُ: يُدْخِلُ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عن أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَيْلِ زادَ في النَهارِ، فَكَأنَّهُ دَخَلَ فِيهِ، وكَذَلِكَ ما نَقَصَ مِنَ النَهارِ يَدْخُلُ في اللَيْلِ.
والألِفُ واللامُ في ﴿ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴾ هي لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ لا مَعْنى لَها ولا تَعْرِيفَ.
وهَذا هو الصَوابُ.
و"الأجَلُ المُسَمّى" هو قِيامُ الساعَةِ، وقِيلَ: آمادُ اللَيْلِ وآمادُ النَهارِ، فَـ"أجْلٌ" - عَلى هَذا - اسْمُ جِنْسٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ بِالياءِ.
و"القِطْمِيرُ": القِشْرَةُ الرَفِيعَةُ الَّتِي عَلى نَوى التَمْرَةِ، هَذا قَوْلُ الناسِ الحُجَّةِ، وقالَ جُوَيْبِرٌ عن رِجالِهِ: القِطْمِيرُ: القُمْعُ الَّذِي في رَأْسِ التَمْرَةِ، وقالَ الضَحّاكُ: والأوَّلُ أشْهَرُ وأصْوَبُ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الأصْنامِ بِثَلاثَةِ أشْياءٍ، كُلِّها تُعْطِي بُطْلانَها: أوَّلُها أنَّها لا تَسْمَعُ إنْ دُعِيَتْ، والثانِي أنَّها لا تُجِيبُ إنْ لَوْ سَمِعَتْ، وإنَّما جاءَ بِهَذِهِ لَأنَّ لِقائِلٍ مُتَعَسِّفٍ أنْ يَقُولَ: عَساها تَسَمْعُ، والثالِثُ أنَّها تَتَبَرَّأُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الكُفّارِ.
و ﴿ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أيْ: بِأنْ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَأضافَ الشِرْكَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم قَرَّرُوهُ، فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "يَكْفُرُونَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِكَلامٍ وعِبارَةٍ يُقْدِرُ اللهُ الأصْنامَ عَلَيْها، ويَخْلُقُ لَها إدْراكًا يَقْتَضِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِما يَظْهَرُ هُناكَ مِن جُمُودِها وبُطُولِها عِنْدَ حَرَكَةِ كُلِّ ناطِقٍ، ومُدافِعَةِ كُلِّ مُحْتَجٍّ، فَيَجِيءُ هَذا عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ، كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ: وقَفَتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ ∗∗∗ تُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ - قَتادَةُ وغَيْرِهُ -: الخَبِيرُ: أرادَ بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَهو الخَبِيرُ الصادِقُ الخَبَرَ، نَبَّأ بِهَذا فَلا شَكَّ في وُقُوعِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ، كَأنَّهُ قالَ: ولا يُخْبِرُكَ مِثْلُ مَن يُخْبِرُ عن نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عن نَفْسِها بِالكُفْرِ بِهَؤُلاءِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ .
استدلال عليهم بما في مظاهر السماوات من الدلائل على بديع صنع الله في أعظم المخلوقات ليتذكروا بذلك أنه الإِله الواحد.
وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة لقمان، سوى أن هذه الآية جاء فيها ﴿ كل يجري لأجل ﴾ فعدي فعل ﴿ يجري ﴾ باللام وجيء في آية سورة لقمان تعدية فعل ﴿ يجري ﴾ بحرف (إلى)، فقيل اللام تكون بمعنى (إلى) في الدلالة على الانتهاء، فالمخالفة بين الآيتين تفنن في النظم.
وهذا أباه الزمخشري في سورة لقمان وردّه أغلظ ردّ فقال: ليس ذلك من تعاقب الحرفين ولا يَسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العَطن ولكن المعنيين أعني الانتهاء والاختصاص كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى معناه يبلغه، وقوله: ﴿ يجري لأجل ﴾ تريد لإِدراك أجل ا ه.
وجعل اللام للاختصاص أي ويجري لأجْل أَجَل، أي لبلوغه واستيفائه، والانتهاء والاختصاص كل منهما ملائم للغرض، أي فمآل المعنيين واحد وإن كان طريقه مختلفاً، يعني فلا يعد الانتهاء معنى للام كما فعل ابن مالك وابن هشام، وهو وإن كان يرمي إلى تحقيق الفرق بين معاني الحروف وهو مما نميل إليه إلا أننا لا نستطيع أن ننكر كثرة ورود اللام في مقام معنى الانتهاء كثرة جعلت استعارة حرف التخصيص لمعنى الانتهاء من الكثرة إلى مساويه للحقيقة، اللهم إلا أن يكون الزمخشري يريد أن الأجل هنا هو أجل كل إنسان، أي عمره وأن الأجل في سورة لقمان هو أجل بقاء هذا العالم.
وهو على الاعتبارين إدماج للتذكير في خلال الاستدلال ففي هذه الآية ذكَّرهم بأن لأعمارهم نهاية تذكيراً مراداً به الإِنذار والوعيد على نحو قوله تعالى في سورة الأنعام (60) ﴿ ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ﴾ واقتلاعُ الطغيان والكبرياء من نفوسهم.
ويريد ذلك أن معظم الخطاب في هذه الآية موجه إلى المشركين، ألا ترى إلى قوله بعدها: والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} وَفي سورة لقمان الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو عامّ لكل مخاطب من مؤمن وكافر فكان إدماج التذكير فيه بأن لهذا العالم انتهاء أنسب بالجميع ليستعدَّ له الذين آمنوا وليرغم الذين كفروا على العلم بوجود البعث لأنّ نهاية هذا العالم ابتداء لعالم آخر.
﴿ لاَِجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ ﴾ .
استئناف موقعه موقع النتيجة من الأدلة بعد تفصيلها.
واسم الإِشارة موجه إلى من جرت عليه الصفات والأخبار السابقة من قوله: ﴿ والله الذي أرسل الرياح مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: 9] الآيات فكان اسمه حريّاً بالإِشارة إليه بعد إجراء تلك الصفات إذ بذكرها يتميز عند السامعين أكمل تمييز حتى كأنه مشاهد لأبصارهم مع ما في اسم الإِشارة من البعد المستعمل كناية عن تعظيم المشار إليه، ومع ما يقتضيه إيراد اسم الإِشارة عقب أوصاف كثيرة من التنبيه على أنه حقيق بما سيرد بعد الإِشارة من أجل تلك الصفات فأخبر عنه بأنه صاحب الاسم المختص به الذي لا يجهلونه، وأخبر عنه بأنه رب الخلائق بعد أن سجل عليهم ما لا قبل لهم بإنكاره من أنه الذي خلقهم خلقاً من بعد خلق، وأن خلقهم من تراب، وقدر آجالهم وأوجد ما هو أعظم منهم من الأحوال السماوية والأرضية مما يدل على أنه لا يعجزه شيء فهو الرب دون غيره وهو الذي الملكُ والسلطان له لا لغيره أفاد ذلك كله قوله تعالى: ﴿ ذلكم الله ربكم له الملك ﴾ ، فانتهض الدليل.
وعطف عليه التصريح بأن أصنامهم لا يملكون من الملك شيئاً ولو حقيراً وهو الممثَّل بالقطمير.
والقطمير: القشرة التي في شَقّ النواة كالخيط الدقيق.
فالمعنى: لا يملكون شيئاً ولو حقيراً، فكونهم لا يملكون أعظَم من القطمير معلوم بفحوى الخطاب، وذلك حاصل بالمشاهدة فإن أصنامهم حجارة جاثمة لا تملك شيئاً بتكسب ولا تحوزه بهبة، فإذا انتفى أنها تملك شيئاً انتفى عنها وصف الإِلهية بطريق الأوْلى، فنُفي ما كانوا يزعمونه من أنها تشفع لهم.
وجملة ﴿ إن تدعوهم ﴾ خبر ثان عن ﴿ الذين تدعون من دونه ﴾ [فاطر: 13].
والمقصد منها تنبيه المشركين إلى عجز أصنامهم بأنها لا تسمع، وليس ذلك استدلالاً فإنهم كانوا يزعمون أن الأصنام تسمع منهم فلذلك كانوا يكلمونها ويوجهون إليها محامدهم ومدائحهم، ولكنه تمهيد للجملة المعطوفة على الخبر وهي جملة ﴿ ولو سمعوا ما استجابوا لكم ﴾ فإنها معطوفة على جملة ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ ، وليست الواو اعتراضية، أي ولو سمعوا على سبيل الفرض والتقدير ومجاراة مزاعمكم حين تدعونها فإنها لا تستجيب لدعوتكم، أي لا ترد عليكم بقبول، وهذا استدلال سنده المشاهدة، فطالما دَعُوا الأصنام فلم يسمعوا منها جواباً وطالما دَعَوْها فلم يحصل ما دعوها لتحصيله مع أنها حاضرة بمرأى منهم غير محجوبة، فعدم إجابتها دليل على أنها لا تسمع، لأن شأن العظيم أن يستجيب لأوليائه الذين يسعون في مرضاته، فقد لزمهم إمّا عجزُها وإما أنها لا تفقه إذ ليس في أوليائها مغمز بأنهم غير مُرْضِينَ لهذا.
وهذا من أبدع الاستدلال الموطّأ بمقدمة متفق عليها.
وقوله: ﴿ ما استجابوا ﴾ يجوز أن يكون بمعنى إجابة المنادي بكلمات الجواب.
ويجوز أن يكون بمعنى إجابة السائل بتنويله ما سأله.
وهذا من استعمال المشترك في معنييه.
ولما كشف حال الأصنام في الدنيا بما فيه تأييس من انتفاعهم بها فيها كمِّل كشف أمرها في الآخرة بأن تلك الأصنام ينطقها الله فتتبرأ من شركهم، أي تتبرأ من أن تكون دعت له أو رضيت به.
والكفر: جحد في كراهة.
والشرك أضيف إلى فاعله، أي بشرككم إياهم في الإِلهية مع الله تعالى.
وأجري على الأصنام موصول العاقل وضمائرَ العقلاء ﴿ والذين تدعون ﴾ [فاطر: 13] إلى قوله: ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ على تنزيل الأصنام منزلة العقلاء مجاراة للمردود عليهم على طريقة التهكم.
وقوله: ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ تذييل لتحقيق هذه الأخبار بأن المخبِر بها هو الخبير بها وبغيرها ولا يخبرك أحد مثل ما يخبرك هو.
وعُبّر بفعل الإِنباء لأن النبأ هو الخبر عن حدث خطير مهمّ.
والخطاب في قوله: ﴿ ينبئك ﴾ لكل من يصح منه سماع هذا الكلام لأن هذه الجملة أرسلت مُرسَل الأمثال فلا ينبغي تخصيص مضمونها بمخاطَب معين.
و ﴿ خبير ﴾ صفة مشبهة مشتقة من خَبُر، بضم الباء، فلان الأمرَ، إذا علمه علماً لا شك فيه.
والمراد ب ﴿ خبير ﴾ جنس الخبير، فلما أرسل هذا القول مثلاً وكان شأن الأمثال أن تكون موجزة صيغ على أسلوب الإِيجاز فحذف منه متعلِّق فعل (يُنَبِّئ) ومتعلِّق وصف ﴿ خبير ﴾ ، ولم يذكر وجه المماثلة لعلمه من المقام.
وجعل ﴿ خبير ﴾ نكرة مع أن المراد به خبير معيَّن وهو المتكلم فكان حقه التعريف، فعدل إلى تنكيره لقصد التعميم في سياق النفي لأن إضافة كلمة ﴿ مثل ﴾ إلى خبير لا تفيده تعريفاً.
وجعل نفي فعل الإِنباء كناية عن نفي المنبئ.
ولعل التركيب: ولا يوجد أحد ينبئك بهذا الخبر يماثل هذا الخبير الذي أنبأك به، فإذا أردف مُخبر خبره بهذا المثل كان ذلك كناية عن كون المخبِر بالخبر المخصوص يريد ب ﴿ خبير ﴾ نفسَه للتلازم بين معنى هذا المثل وبين تمثل المتكلم منه.
فالمعنى: ولا ينبئك بهذا الخبر مثلي لأني خَبَرتُه، فهذا تأويل هذا التركيب وقد أغفل المفسّرون بيان هذا التركيب.
والمِثل بكسر الميم وسكون المثلثة: المساوي؛ إما في قدر فيكون بمعنى ضِعف، وإما المساوي في صفة فيكون بمعنى شبيه وهو بوزن فِعل بمعنى فاعل وهو قليل.
ومنه قولهم: شِبْه، ونِدّ، وخِدْن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَسْتَوِيانِ في أنْفُسِهِما.
الثّانِي: في مَنافِعِ النّاسِ بِهِما.
﴿ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ ﴾ والفُراتُ هو العَذْبُ وذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ كَما يُقالُ هَذا حَسَنٌ جَمِيلٌ.
﴿ سائِغٌ شَرابُهُ ﴾ أيْ ماؤُهُ.
﴿ وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ أيْ مُرٌّ مَأْخُوذٌ مِن أجَّةِ النّارِ كَأنَّهُ يَحْرُقُ مِن شِدَّةِ المَرارَةِ، قالَ الشّاعِرُ: دُرَّةٌ في اليَمِينِ أخْرَجَها بِالِغًا مِن قَعْرِ بَحْرٍ مِلْحٌ أُجاجُ ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ يَعْنِي لَحْمَ الحِيتانِ مَأْكُولٌ مِن كِلا البَحْرَيْنِ.
﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ المِلْحِ، ويَكُونُ المُرادُ أحَدَهُما وإنْ عُطِفَ بِالكَلامِ عَلَيْهِما.
وَقِيلَ: بَلْ هو مَأْخُوذٌ مِنهُما لِأنَّ في البَحْرِ عُيُونًا عَذْبَةً، وما بَيْنَهُما يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ عِنْدَ التَّمازُجِ وقِيلَ مِن مَطَرِ السَّماءِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ تَلْبَسُونَها ﴾ وإنْ لَبِسَها النِّساءُ دُونَ الرِّجالِ لِأنَّ جَمالَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.
﴿ وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةٌ ورِيحٌ واحِدَةٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: مَواقِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ الشّاعِرُ تَراها إذا راحَتْ ثِقالًا كَأنَّها ∗∗∗ مَواخِرُ فُلْكٍ أوْ نَعامٌ حَوافِلُ الثّالِثُ: مُعْتَرِضَةً، قالَهُ أبُو وائِلٍ.
الرّابِعُ: جِوارِيَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الخامِسُ: تَمْخُرُ الماءَ أيْ تَشُقُّهُ في جَرْيِها شَقًّا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: التِّجارَةُ في الفُلْكِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ ما يُسْتَخْرَجُ مِن حِلْيَتِهِ ويُصادُ مِن حِيتانٍ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ \[فِيهِ وجْهانِ\]: أحَدُهُما: عَلى ما آتاكم مِن نِعَمِهِ.
الثّانِي: عَلى ما آتاكم مِن فَضْلِهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَلى ما أنْجاكم مِن هَوْلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ﴾ قال: الأجاج المر ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً ﴾ أي منهما جميعاً ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ هذا اللؤلؤ ﴿ وترى الفلك فيه مواخر ﴾ قال: السفن مقبلة ومدبرة تجري بريح واحدة ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ﴾ قال: نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى ﴾ قال: أجل معلوم، وحد لا يتعداه ولا يقصر دونه ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ يقول: هو الذي سخر لكم هذا.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة أنه سأل ابن عباس عن ماء البحر فقال: بحران لا يضرك من أيهما توضأت.
ماء البحر، وماء الفرات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً ﴾ قال: السمك ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ قال: اللؤلؤ من البحر الأجاج.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما يملكون من قطمير ﴾ قال: القطمير القشر، وفي لفظ الجلد الذي يكون على ظهر النواة.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ من قطمير ﴾ قال: الجلدة البيضاء التي على النواة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: لم أنل منهم بسطاً ولا زبداً ** ولا فوفة ولا قطميرا وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: القطمير الذي بين النواة والتمرة، القشر الأبيض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قطمير ﴾ قال: لفافة النواة كسحاة البصلة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ من قطمير ﴾ قال: رأس التمرة يعني القمع.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ قال مقاتل: يتبرأون من عبادتكم إياها (١) وقال الزجاج: يقولون ما كنتم إيانا تعبدون، والمعنى: بإشراككم إياها مع الله في العبادة، يقولون: ما أمرناكم بعبادتنا (٢) ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ ﴾ يا محمد، ﴿ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني نفسه عز وجل، يقول: فلا أحد أخبر منه بخلقه، وبأن هذا الذي ذكر من أمر الأصنام هو كائن يوم القيامة (٣) وقال أبو إسحاق: لأن ما أنبأ الله -عز وجل- يكون فهو وحده يخبره ولا يشركه فيه أحد (٤) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 103 أ.
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 267.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 103 أولم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره بعض المفسرين منسوبًا إلى المفسرين.
انظر: "الوسيط" 3/ 503، "بحر العلوم" 3/ 83، "المحرر الوجيز" 4/ 434.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 267.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أي بإشراككم، فالمصدر مضاف للفاعل، وكفر الأصنام بالشرك يحتمل أن يكون بكلام يخلقه الله عندها، أو بقرينة الحال ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل مخبر عالم به، يعني نفسه تعالى في إخباره أن الأصنام يكفرون يوم القيامة بمن عبدهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴾ .
أي: كذلك يحيي الموتى، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
وقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ .
قال بعضهم: من كان يريد القوة والمنعة بعبادة الأصنام ومن عبدوا دونه، فلله العزة جميعاً، أي: فبعبادة الله وطاعته ذلك في الدنيا والآخرة، أي: فمن عنده اطلبوا ذلك عند الله من كان يريد ثواب الدنيا والآخرة، أي: من عنده اطلبوا ذلك في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ أي: العزة والتعزيز ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ ، أي: فبالله يكون عز الدنيا والآخرة [لا] بالأصنام التي عبدتموها، وقد كان بعبادتهم الأصنام طلب الأمرين: طلب العز؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ ، وطلب القوة والمنعة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، فأخبر أن ذلك إنما يكون بالله وبطاعته، فمن عنده اطلبوا لا من عند من تعبدون دونه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ .
اختلف فيه: قال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو الوعد الحسن، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ هو إنجاز ما وعد، أي: إذا أنجز ما وعد من الوعد الحسن، ووفى ذلك الإنجاز الوعدَ الحسنَ وعدٌ.
قال بعضهم: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو كلمة التوحيد وشهادة الإخلاص، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: إخلاص التوحيد لله يرفع الكلم الطيب الذي تكلم به؛ فعلى هذا التأويل أي: يصعد الكلم الطيب إليه ما لم يخلص ذلك [إلا] لله.
وقال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هي كلمة التوحيد على ما ذكرنا، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه - يعني: لصاحب الكلام الطيب - فعلى هذا التأويل: يصعد الكلم الطيب إليه دون العمل الصالح.
وبعض أهل التأويل: [قال:] يرفع الكلام: التوحيد، الطيب: العمل الصالح - إلى الله، وبه يتقبل الأعمال الصالحة.
وظاهر الآية أن يكون العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما ذكرنا من الوجوه.
وبعضهم يقول: إن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: والذين يعملون السيئات.
وجائز أن يكون ما ذكر من مكرهم السيئات هو مكرهم برسول الله وأذاهم إياه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30]، ويمكر الله بهم في الدنيا بالهلاك والقتل وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي حيث قال: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ ، أي: هو يهلك؛ من البوار، وهو الهلاك، وهو قتلهم ببدر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ .
﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ ، أي: قدركم مع كثرتكم من أول أمركم إلى آخر ما تنتهون إليه من التراب الذي خلق آدم منه؛ إذ الخلق في اللغة التقدير.
وقوله: ﴿ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .
أي: قدركم أيضاً مع كثرتكم وعظمكم من تلك النطفة، يخبر عن علمه وتدبيره في تقديره إيانا مع كثرتنا في ذلك التراب وفي تلك النطفة، وإن لم نكن نحن على ما نحن عليه في ذلك التراب والنطفة لا يعجزه شيء.
أو أن يكون إضافته إيانا إلى ذلك التراب والماء؛ لأنه كان ذلك أصلنا ومبادئ أمورنا، وكان المقصود بخلق ذلك التراب والماء، والأصل هذا الخلق وهو العاقبة، وقد يذكر ويضاف العواقب إلى المبادئ وتنسب إليها إذا كان المقصود من المبادئ العواقب وله نظائر كثيرة، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: خلقكم من ذلك ذكراً وأنثى ليسكن بعضه إلى بعض، أو جعلكم أزواجاً أصنافاً.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ والله الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعلكم أزواجاً ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ ﴾ من أول ما تحمل إلى آخر ما تنتهون إليه ﴿ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ السابق، وكذلك لا تضع كل حامل من أول ما تضع إلى آخر ما ينتهون إليه إلا بعلمه السابق: أنها تحمل كذا في وقت كذا من كذا، وأنها تضع كذا في وقت كذا، يخبر عن علمه السابق من أول منشئهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه، أنه كان كله بذلك التقدير الذي كان منه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: ما يطول من عمره وإن طال، وما ينقص من عمره، أي: ما نقص وقصر من ذلك ولم يطل ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، أي: إلا كان ذلك كله في الكتاب مبيناً هكذا مطولا.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: من كثر عمره وطال أو قل عمره، فهو يعمر إلى أجله الذي كتب له، ثم قال: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ كل يوم وكل ساعة حتى ينتهي إلى آخر أجله ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ : في اللوح المحفوظ المكتوب قبل أن يخلقه.
﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قال صاحب هذا [التأويل:] إن كتاب الآجال حين كتبه الله في اللوح المحفوظ على الله هين.
وقال آخر قريباً من هذا في قوله: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ في جري الليل والنهار والساعات ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، وذلك أن الله - - كتب لكل نسمة عمرا تنتهى إليه، فإذا جرى عليها الليل والنهار نقص ذلك عمرها حتى يبلغ ذلك أجلها، فمن قُضي له أن يعمر حتى يدركه الكبر أو عمر دون ذلك، فهو بالغ ذلك الأجل الذي قضي له، وكان ذلك في كتاب ينتهون إليه.
﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يقول قائل هذا: إن حفظ ذلك على الله بغير كتاب يسير هين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ ، أي: أن علم ما ذكر وتقديره من أول ما أنشأهم وتغيير أحوالهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه - يسير، أي: لا يخفى عليه.
وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ .
فيه وجوه من المعتبر: أحدها: يذكر ألا يستوي في الحكمة الخبيث من الرجال والطيب منهم، كما لا يستوي المالح من الماء الأجاج والعذب منه والسائغ، وقد استوى الطيب من الرجال والخبيث في منافع الدنيا ومأكلاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز؛ دل هنالك داراً يميز بينهما ويفرق؛ إذ قد يستوي في منافع [الدنيا] وحطامها، وفي الحكمة التفريق والتمييز لا الجمع والاستواء، وذلك يدل على البعث.
والثاني: فيه أن المنشأ من الأشياء في هذه الدنيا والمخلوق فيها لم ينشئها لحاجة نفسه، ولكن لحوائج الخلق ومنافعهم وما يكون لهم العبرة في ذلك؛ إذ من أنشأ شيئاً لحاجة نفسه أنشأ ألذ الأشياء وأحلاها وأنفعها له لا مرّاً مالحاً أجاجاً ما لا ينتفع به، يخبر عن غناه عما أنشأه من الأشياء، ليعلم أنه لم ينشئها لحوائج نفسه، ولكن لما ذكرنا، وهو على المعتزلة في قولهم: إنه لم يخلق شيئاً لا ينتفع به، وأنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أنشأ ماء أجاجا مالحاً لا ينتفع به؛ ليكون لهم العبرة في ذلك.
والثالث: فيه ترغيب في إيمان الخبيث الكافر، ودفع الإياس عن توحيدهم، وقطع الرجاء عن عودهم إليه؛ حيث أخبر عما يأكلون من الماء المالح والأجاج والعذب السائغ جميعاً اللحم الطري مما حق مثله إذا ألقي فيه أو في مثله اللحم الطري أن يفسد من ساعته.
ويذكرهم أيضاً عن قدرته أن من قدر على حفظ ما ذكر من اللحم الطري في الماء الذي لا يقدر على الدنو منه والقرب؛ فضلا أن يكون فيه حفظ ما ذكر من الإفساد، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
والرابع: يذكر نعمه التي أنعمها عليهم حيث قال: ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يذكر عظم نعمه وقدرته حيث جعل البحار مسخرة مذللة يقدرون على استخراج ما فيها من الحلي والجواهر، والوصول إلى المنافع التي هي وراء البحار، وقطعها بسفن أنشأها لهم، وأجراها في الماء الراكد الساكن برياح تعمل عمل جريان الماء، بل الأعجوبة في إجراء السفن بالرياح في المياه الراكدة الساكنة أعظم وأكثر من جريانها على جرية الماء؛ لأنها في الماء الجاري لا تجري إلا على الوجه الذي يجري الماء، وفي البحار تجري بريح واحدة من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل حيث شاءوا؛ دل أن الأعجوبة في هذا أكثر وأعظم، ومن ملك هذا لا يعجزه شيء.
أو أن يكون المثل الذي ذكر في البحرين: أحدهما عذب ماؤه، والآخر أجاج ماؤه يكون للعمل الصالح وهو التوحيد، وللعمل السيئ وهو الكفر يقول: كما لا يستوي في الفضل الماء العذب والماء المالح؛ فعلى ذلك لا يستوي العمل الصالح والعمل السيئ.
وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ تجريان إحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة بريح واحدة، وتستقبل إحداهما الأخرى.
وقال بعضهم: المواخر: هي التي تشق الماء، وتقطعه؛ من مخر يمخر، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
هذا يدل أن ما يصاب بالأسباب والمكاسب إنما هو فضل الله؛ إذ قد تكتسب ولا يكون منه شيء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .
يذكر هذا لأهل مكة؛ لإنكارهم الصانع، وإنكارهم البعث، وإنكارهم الرسل؛ لأنهم كانوا فرقاً ثلاثة: منهم من ينكر الصانع والتوحيد، ومنهم من ينكر البعث، ومنهم من ينكر الرسل، ففي الآية دلالة إثبات الصانع وتوحيده، وفيها دلالة البعث والإنشاء بعد الموت، وفيها دلالة إثبات الرسالة: أما دلالة إثبات الصانع والوحدانية له: فاتساق الليل والنهار والشمس والقمر وما ذكر، وجريانهما وجريان الأمور كلها على سنن واحد وميزان واحد وقدر واحد، من أوّل ما كان إلى آخر ما يكون من غير زيادة أو نقصان يدخل فيه، أو تقديم أو تأخير يكون فيه، يدل على أن لذلك كله صانعاً مدبراً أنشأ ودبر كل شيء على ما كان وحفظه كله على ميزان واحد؛ إذ لو كان ذلك بنفسه لكان لا يجري على حد واحد، بل يتفاوت ويتفاضل، وكذلك لو كان فعل عدد، لكان يتقدم ويتأخر ويتغير ويمتنع ويذهب رأساً على ما يكون فعل العدد من الملوك: أن ما أراد [هذا إثباته أراد] الآخر نفيه ومنعه، وما أراد هذا نفيه وإبطاله أراد الآخر إثباته، وذلك معروف فيهم من مخالفة بعض بعضاً؛ فدل اتساق ما ذكرنا وجريانه على تدبير واحد: أنه فعل واحد وتدبير واحد لا عدد، وبالله القوة.
ودل ذهاب الليل وتلفه بكليته حتى لا يبقى له أثر، وكذلك ذهاب ضوء النهار ونوره، وكذلك الشمس والقمر وإتيان الآخر بعد تلفه أنه بعث؛ إذ لو لم يكن بعث كان تدبير ذلك كله وتقديره لعباً باطلا، وإن من قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.
فإن ثبت ما ذكرنا لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم بأنواع المحن، فلابد من رسول يأمر وينهى ويخبر عما لهم وعليهم.
وفيه أن مدبر ذلك كله عليم حكيم، ثم يخبر أن الذي فعل ذلك كله هو ربكم الذي له الملك؛ يقول: الذي فعل هذا كله [الله] لا الأصنام التي عبدتم دونه، وسميتموها: آلهة، فكيف صرفتم العبادة إليها والألوهية، وما تعبدون من دونه لا يملكون ما ذكر؟!
حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ يسفه أحلامهم في عبادة من عبدوا دونه على علم منهم أنهم لا يملكون ما ذكر، وصرفهم العبادة عن الله على علم منهم: أن ذلك كله من الله، وهو المالك لذلك.
ثم يخبر عن عجز من عبدوه حيث إن تدعوهم على حقيقة الدعاء لا يسمعون دعاءكم حقيقة، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، أي: لو سمعوا دعاءكم ما يملكون إجابتكم في دفع ضر وسوء ولا في جر نفع.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ ﴾ أي: تعبدوهم ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ ﴾ ، أي: لا يجيبوكم إلى ما تقصدون بعبادتكم إياهم.
أو أن يقول: ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ ﴾ ينكرون يوم القيامة أن يكونوا شركاءهم أو أمروهم بذلك؛ كقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ...
﴾ الآية [مريم: 82]، وقوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ، أي: لا ينبئك أحد مثل الذي أنبأك الخبير في الصدق والحق.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أي: لا يكون نبأ أحد مثل نبأ الخبير، فاعمل به وأقبل عليه، ولا تقبل على نبأ غيره، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ وجهان من اللطف: أحدهما: يتلف حتى يذهب أثره ويأتي بالآخر.
أو يزيد في هذا وينقص من الآخر، ويدخل من ساعات هذا في ساعات الآخر.
وفيه نقض قول الثنوية في قولهم: إن منشئ الخير غير منشئ الشر، ويقولون: إن النور من منشئ الخير والظلمة من منشئ الشر، فلو كان ما ذكروا لكان إذا ذهب النور وجاءت الظلمة [كانت الظلمة] هي الغالبة والنور هو المغلوب في يدها؛ وكذلك النور إذا جاء وذهبت الظلمة صارت هي مقهورة مغلوبة في يد النور، والنور هو الغالب عليها، فإذا صار مغلوباً مقهرواً في يد صاحبه يجيء ألا يقدر على استنقاذ نفسه من يده أبداً، على ما يكون من عادة الأعداء إذا غلب بعضهم بعضاً وقهر بعضهم بعضاً أن يهلك ولا يتخلص منه، فإذ لم يكن، ولكن جاء كل منهما في وقته بعد ذهاب أثره على التقدير الذي ذكرنا؛ دل أنه فعل واحد وتدبير واحد لا تدبير عدد، وبالله الحول والقوة.
والقتبي يقول: القطمير: هو الفوفة التي يكون فيها النواة.
وأبو عوسجة يقول: هو القشرة الرقيقة التي تكون بين لحم التمرة وبين نواتها، واحدة وجمعه سواء.
<div class="verse-tafsir"
إن تدعوا معبوديكم لا يسمعوا دعاءكم، فهم جمادات لا حياة فيها ولا سمع لها، ولو سمعوا دعاءكم -على سبيل التقدير- لما استجابوا لكم، ويوم القيامة يتبرؤون من شرككم وعبادتكم إياهم، فلا أحد يخبرك -أيها الرسول- أصدق من الله سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.09beG"