تفسير الآية ١٦ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ١٦ من سورة فاطر

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ١٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 38 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٦ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى: "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد" أي لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) يقول تعالى ذكره: إن يشأ يهلكُّم أيها الناس ربكم، لأنه أنشأكم من غير ما حاجة به إليكم (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) يقول: ويأت بخلق سواكم يطيعونه ويأتمرون لأمره وينتهون عمَّا نهاهم عنه.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) أي: ويأت بغيركم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز .قوله تعالى : إن يشأ يذهبكم فيه حذف ; المعنى إن يشأ أن يذهبكم يذهبكم ; أي يفنيكم .

ويأت بخلق جديد أي أطوع منكم وأزكى .

وما ذلك على الله بعزيز أي ممتنع عسير متعذر .

وقد مضى هذا في ( إبراهيم ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } يحتمل أن المراد: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بغيركم من الناس، أطوع للّه منكم، ويكون في هذا تهديد لهم بالهلاك والإبادة، وأن مشيئته غير قاصرة عن ذلك.ويحتمل أن المراد بذلك، إثبات البعث والنشور، وأن مشيئة اللّه تعالى نافذة في كل شيء، وفي إعادتكم بعد موتكم خلقا جديدا، ولكن لذلك الوقت أجل قدره اللّه، لا يتقدم عنه ولا يتأخر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد» بدلكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن يشأ الله يهلكُّم أيها الناس، ويأت بقوم آخرين يطيعونه ويعبدونه وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) بيان لمظهر من مظاهر غناه عن الناس .أى : إن يشأ - سبحانه - يهلككم ويزيكم من هذا الوجود ، ويأت بأقوام آخرين سواكم ، فوجودكم فى هذه الحياة متوقف على مشيئته وإرادته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

بياناً لغناه وفيه بلاغة كاملة وبيانها أنه تعالى قال: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أي ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه، فإن المحتاج لا يقول فيه إن يشأ فلان هدم داره وأعدم عقاره، وإنما يقول لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها أو لولا الافتقار إلى العقار لتركتها، ثم إنه تعالى زاد بيان الاستغناء بقوله: ﴿ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ يعني إن كان يتوهم متوهم أن هذا الملك له كمال وعظمة فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر بأن يخلق خلقاً جديداً أحسن من هذا وأجمل وأتم وأكمل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

إن تدعوا الأوثان ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ ﴾ لأنهم جماد ﴿ وَلَوْ سَمِعُواْ ﴾ على سبيل الفرض والتمثيل ل ﴿ مَا استجابوا لَكُمْ ﴾ لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية، ويتبرؤون منها.

وقيل: ما نفعوكم ﴿ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أي: باشراككم وعبادتكم إياهم يقولون كنتم إيانا تعبدون ﴿ وَلاَ يُنَبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به.

ويريد: أن الخبير بالأمر وحده، هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به.

والمعنى: أنّ هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق، لأني خبير بما أخبرت به.

وقرئ: ﴿ يدعون ﴾ ، بالياء والتاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هي مُدَّةُ دَوْرِهِ أوْ مُنْتَهاهُ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ ﴾ الإشارَةُ إلى الفاعِلِ لِهَذِهِ الأشْياءِ.

( وفِيها إشْعارٌ بِأنَّ فاعِلِيَّتَهُ لَها مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ الأخْبارِ المُتَرادِفَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (لَهُ المُلْكُ) كَلامًا مُبْتَدَأً في قُرْآنٍ.

﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، والقِطْمِيرُ لِفافَةُ النَّواةِ.

﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ ﴿ وَلَوْ سَمِعُوا ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ.

﴿ ما اسْتَجابُوا لَكُمْ ﴾ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الإنْفاعِ، أوْ لِتَبَرُّئِهِمْ مِنكم مِمّا تَدْعُونَ لَهم.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ بِإشْراكِكم لَهم يُقِرُّونَ بِبُطْلانِهِ أوْ يَقُولُونَ ﴿ ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ ﴾ .

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ولا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ خَبِيرٍ بِهِ أخْبَرَكَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ الخَبِيرُ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ دُونَ سائِرِ المُخْبِرِينَ.

والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ ونَفْيُ ما يَدَّعُونَ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} كلكم إلى العدم فإن غناه بذاته لابكم في القدم {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} وهو بدون حمدكم حميد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أيْ إنْ يَشَأْ سُبْحانَهُ إذْهابَكم أيُّها النّاسُ والإتْيانَ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يُذْهِبْكم ﴿ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ بِعالَمٍ غَيْرِ النّاسِ لا تَعْرِفُونَهُ، هَذا إذا كانَ الخِطابُ عامًّا، أوْ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها المُشْرِكُونَ أوِ العَرَبُ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ لَيْسُوا عَلى صِفَتِكم بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى طاعَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، وهَذا إذا كانَ الخِطابُ خاصًّا، وتَفْسِيرُ الجَدِيدِ بِما سَمِعْتَ مَرْوِيٌّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِاسْتِغْنائِهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ العذب والمالح هذا عَذْبٌ فُراتٌ يعني: طيّب هيّن شربه.

ويقال: سلس في حلقه، حلو في شرابه سائِغٌ يعني: شهياً.

ويقال: يسوغه الشراب وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ يعني: الشديد الذي شيب بضرب إلى المرارة وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا يعني: السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ من المالح حِلْيَةً وهي اللؤلؤ تَلْبَسُونَها يعني: تستعملونها، وتلبسون نساءكم.

وهذا المثل لأصحاب النبيّ  مع الكفار يعني: وما يستوي الذين صدقوا والذين كذبوا.

ومن كل يظهر شيء من الصلاح يعني: يلد الكافر المسلم مثل ما أولد الوليد بن المغيرة خالد بن الوليد، وأبو جهل عكرمة بن أبي جهل.

قوله: وَتَرَى الْفُلْكَ يعني: السفن مَواخِرَ يعني: تذهب وتجيء فِيهِ يعني: في البحر لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يعني: لكي تشكروا رب هذه النعمة.

يقال في اللغة مخر يمخر إذا شقّ الماء.

يعني: أن السفينة تشق الماء في حال جريها.

يقال: مخرت السفينة إذا جرت وشقت الماء في جريها.

ثم قال عز وجل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وقد ذكرناه وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذلّل الشمس والقمر لبني آدم.

كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى أقصى منازلها في الغروب، لأنها تغرب كل ليلة في موضع.

وهو قوله عز وجل: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: 30] ويقال: إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى يعني: يجريان دائماً إلى يوم القيامة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: هذا الذي فعل لكم هذا الفعل هو ربكم وخالقكم لَهُ الْمُلْكُ فاعرفوا توحيده، وادعوه ولا تدعوا غيره وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: من دون الله الأوثان وما يعبدونهم مِن دُونِ الله مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ يعني: لا يقدرون أن يعطوكم ولا ينفعوكم بمقدار القطمير.

والقطمير قشر النواة الأبيض الذي يكون بين النوى والتمر.

وقال مجاهد: القطمير لفاف النوى.

ثم قال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ يعني: ولو كانوا بحال يسمعون أيضاً فلا يجيبونكم، ولا يكشفون عنكم شيئاً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ يعني: يتبرؤون من عبادتكم.

ويقولون: مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ.

يقول الله تعالى لمحمد  : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يعني: لا يخبرك من عمل الآخرة مثل الرب تبارك وتعالى.

ويقال: لا يخبرك أحد مثل الرب بأن هذا الذي ذكر عن الأصنام أنهم يتبرؤون عن عبادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

العِزَّةِ، أي: بِهِ، وَعَنْ أَوَامِرِه، لاَ تُنَالُ عِزَّتُهُ إلاَّ بِطَاعَتِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ «١» قَتَادَةُ.

وَقَوْلهُ تَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أي: التوحيدُ، والتحميدُ، وذكر الله ونحوه.

وقوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ قيل: المعنى يرفعه الله، وهذا أرجحُ الأقوال.

وقال ابن عباس «٢» وغيره: إن العملَ الصالح هو الرافعُ للكَلِم، وهذا التأويل إنما يستقيمُ بأن يتأوَّل على معنى أنه يَزِيد في رفعه وحُسْن موقعِه.

ت: وعن ابن مسعودٍ قال: «إذا حدّثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه: «إن العبد إذا قال: «سبحان الله والحمد للَّه والله أكبر وتبارك الله» قَبَضَ عليهن ملك فضمَّهن تحت جَنَاحه وصَعَدَ بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يُجَاء بهن وجهُ الرحمن سبحانه.

ثم تلا عبد الله بن مسعود:

إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» «٣» .

رواه الحاكم في «المستدرك» وقال:

صحيح الإِسناد: انتهى من «السلاح» .

ويَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ أي: المكرات السيئات.

ويَبُورُ معناه: يفسد ويبقى لا نفع فيه.

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)

وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ الآية.

قيل: معنى الأزواج هنا: الأنواع، وقيل: أراد تزويجَ الرجالِ النساءَ، والضميرُ في عُمُرِهِ قال ابن عباس وغيره، ما مقتضاه: أنه عائد على مُعَمَّرٍ الذي هو اسم جنس «١» والمراد غيرُ الذي يعمر، وقال ابن جبير وغيره: بل المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير، أي: ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصى ما مضى منه إذا مَرَّ حَوْلٌ كتب ما مضى منه، فإذا مر حول آخر كتب ذلك، ثم حول، ثم حول فهذا هو النقص.

قال ابن جبير: فما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمره «٢» .

وقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تقدم تفسير نظير هذه الآية.

وقوله تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى الآية: الأجل المسمَّى هو قيام الساعة، وقيل: آماد الليل، وآماد النهار، والقِطْمِير: القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة.

وقال الضحاك وغيره: القِطْمِير القِمَعُ الذي في رأس التمرة «٣» ، والأول أشهرُ وأصوبُ.

ثم بيَّن تعالى بطلانَ الأصنام بثلاثة أشياءَ: أوَّلُها: أنها لا تسمع إنْ دُعِيَتْ، والثاني: أنها لا تجيب إن لو سمعت، وإنما جاء بهذه لأن القائل متعسف أن يقول:

عساها تسمع، والثالثُ: أنها تَتَبَرَّأ يوم القيامة من الكفرة.

وقوله تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال المفسرون: الخبيرُ هنا هو الله سبحانه فهو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي نَسْلَهُ ﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، ذُكُورًا وإناثًا؛ قالَ قَتادَةُ: زَوَّجَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ﴾ أيْ: ما يَطُولُ عُمُرُ أحَدٍ ﴿ وَلا يُنْقَصُ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: " يَنْقُصُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ القافِ ﴿ مِن عُمُرِهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ عَنْ آخَرَ، فالمَعْنى: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ آخَرَ؛ وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما كُنِّيَ عَنْهُ كَأنَّهُ الأوَّلُ، لِأنَّ لَفْظَ الثّانِي لَوْ ظَهَرَ كانَ كالأوَّلِ،كَأنَّهُ قالَ: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ مُعَمَّرٍ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ؛ والمَعْنى: ونِصْفٌ آخَرُ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى المُعَمَّرِ المَذْكُورِ؛ فالمَعْنى: ما يَذْهَبُ مِن عُمُرِ هَذا المُعَمَّرِ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ إلّا وذَلِكَ مَكْتُوبٌ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَكْتُوبٌ في أوَّلِ الكِتابِ: عُمُرُهُ كَذا وكَذا سَنَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ: ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمانِ، ذَهَبَتْ ثَلاثَةٌ، إلى أنْ يَنْقَطِعَ عُمُرُهُ؛ وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ وأبُو مالِكٍ في آخَرِينَ.

فَأمّا الكِتابُ، فَهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى كِتابَةِ الآجالِ.

والثّانِي: إلى زِيادَةِ العُمُرِ ونُقْصانِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ يَعْنِي العَذْبَ والمِلْحَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها قَدْ سَبَقَ بَيانُها [الفَرْقانِ: ٥٣، النَّحْلِ: ١٤، آلِ عِمْرانَ: ٢٧، الرَّعْدِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى ظَهْرِ النَّواةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ ﴿ وَلَوْ سَمِعُوا ﴾ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهم أسْماعًا ﴿ ما اسْتَجابُوا لَكُمْ ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إجابَةٌ ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أيْ: يَتَبَرَّؤُونَ مِن عِبادَتِكم ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِالأشْياءِ، يَعْنِي نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ؛ والمَعْنى أنَّهُ لا أخْبَرَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِما أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ ﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ﴿ "يُولِجُ" ﴾ مَعْناهُ: يُدْخِلُ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عن أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَيْلِ زادَ في النَهارِ، فَكَأنَّهُ دَخَلَ فِيهِ، وكَذَلِكَ ما نَقَصَ مِنَ النَهارِ يَدْخُلُ في اللَيْلِ.

والألِفُ واللامُ في ﴿ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴾ هي لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ لا مَعْنى لَها ولا تَعْرِيفَ.

وهَذا هو الصَوابُ.

و"الأجَلُ المُسَمّى" هو قِيامُ الساعَةِ، وقِيلَ: آمادُ اللَيْلِ وآمادُ النَهارِ، فَـ"أجْلٌ" - عَلى هَذا - اسْمُ جِنْسٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ بِالياءِ.

و"القِطْمِيرُ": القِشْرَةُ الرَفِيعَةُ الَّتِي عَلى نَوى التَمْرَةِ، هَذا قَوْلُ الناسِ الحُجَّةِ، وقالَ جُوَيْبِرٌ عن رِجالِهِ: القِطْمِيرُ: القُمْعُ الَّذِي في رَأْسِ التَمْرَةِ، وقالَ الضَحّاكُ: والأوَّلُ أشْهَرُ وأصْوَبُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الأصْنامِ بِثَلاثَةِ أشْياءٍ، كُلِّها تُعْطِي بُطْلانَها: أوَّلُها أنَّها لا تَسْمَعُ إنْ دُعِيَتْ، والثانِي أنَّها لا تُجِيبُ إنْ لَوْ سَمِعَتْ، وإنَّما جاءَ بِهَذِهِ لَأنَّ لِقائِلٍ مُتَعَسِّفٍ أنْ يَقُولَ: عَساها تَسَمْعُ، والثالِثُ أنَّها تَتَبَرَّأُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الكُفّارِ.

و ﴿ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أيْ: بِأنْ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَأضافَ الشِرْكَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم قَرَّرُوهُ، فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "يَكْفُرُونَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِكَلامٍ وعِبارَةٍ يُقْدِرُ اللهُ الأصْنامَ عَلَيْها، ويَخْلُقُ لَها إدْراكًا يَقْتَضِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِما يَظْهَرُ هُناكَ مِن جُمُودِها وبُطُولِها عِنْدَ حَرَكَةِ كُلِّ ناطِقٍ، ومُدافِعَةِ كُلِّ مُحْتَجٍّ، فَيَجِيءُ هَذا عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ، كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ: وقَفَتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ ∗∗∗ تُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ - قَتادَةُ وغَيْرِهُ -: الخَبِيرُ: أرادَ بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَهو الخَبِيرُ الصادِقُ الخَبَرَ، نَبَّأ بِهَذا فَلا شَكَّ في وُقُوعِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ، كَأنَّهُ قالَ: ولا يُخْبِرُكَ مِثْلُ مَن يُخْبِرُ عن نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عن نَفْسِها بِالكُفْرِ بِهَؤُلاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أشبع المقام أدلّةً، ومواعظَ، وتذكيراتتٍ، مما فيه مقنع لمن نصب نفسه منصب الانتفاع والاقتناع، ولم يظهر مع ذلك كله من أحوال القوم ما يتوسم منه نزعهم عن ضلالهم وربما أحدث ذلك في نفوس أهل العزّة منهم إعجاباً بأنفسهم واغتراراً بأنهم مرغوب في انضمامهم إلى جماعة المسلمين فيزيدهم ذلك الغرورُ قبولاً لتسويل مكائد الشيطان لهم أن يعتصموا بشركهم، ناسب أن ينبئهم الله بأنه غني عنهم وأن دينه لا يعْتزّ بأمثالهم وأنه مُصيِّرهم إلى الفناء وآت بناس يعتز بهم الإِسلام.

فالمراد ب ﴿ يا أيها الناس ﴾ هم المشركون كما هو غالب اصطلاح القرآن، وهم المخاطبون بقوله آنفاً ﴿ ذلكم الله ربكم له الملك ﴾ [فاطر: 13] الآيات.

وقبل أن يوجه إليهم الإِعلام بأن الله غنيّ عنهم وجه إليهم إعلام بأنهم الفقراء إلى الله لأن ذلك أدخل للذلة على عظمتهم من الشعور بأن الله غنيّ عنهم فإنهم يوقنون بأنهم فقراء إلى الله ولكنهم لا يُوقنون بالمقصد الذي يفضي إليه علمهم بذلك، فأريد إبلاغ ذلك إليهم لا على وجه الاستدلال ولكن على وجه قرع أسماعهم بما لم تكن تقرع به من قبل عسى أن يستفيقوا من غفلتهم ويتكعكعوا عن غرور أنفسهم، على أنهم لا يخلو جمعهم من أصحاب عقول صالحة للوصول إلى حقائق الحق فأولئك إذا قرعت أسماعَهم بما لم يكونوا يسمعونه من قبل ازدادوا يقيناً بمشاهدة ما كان محجوباً عن بصائرهم بأستار الاشتغال بفتنة ضلالهم عسى أن يؤمن من هيّأه الله بفطرته للإِيمان، فمن بقي على كفره كان بقاؤه مشوباً بحيرة ومرَّ طعْمُ الحياة عنده، فأيْنَ ما كانت تتلقاه مسامعهم من قبل تمجيدهم وتمجيد آبائهم وتمجيد آلهتهم، ألا ترى أنهم لما عاتبوا النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مراجعتهم عَدُّوا عليه شتم آبائهم، فحصل بهذه الآية فائدتان.

وجملة ﴿ أنتم الفقراء ﴾ تفيد القصر لتعريف جزأيْها، أي قصر صفة الفقر على الناس المخاطبين قصراً إضافياً بالنسبة إلى الله، أي أنتم المفتقرون إليه وليس هو بمفتقر إليكم وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم ﴾ [الزمر: 7] المشعر بأنهم يحسبون أنهم يغيظون النبي صلى الله عليه وسلم بعدم قبول دعوته.

فالوجه حمل القصر المستفاد من جملة ﴿ أنتم الفقراء ﴾ على القصر الإِضافي، وهو قصر قلب، وأما حمل القصر الحقيقي ثم تكلف أنه ادعائي فلا داعي إليه.

وإتباع صفة ﴿ الغني ﴾ ب ﴿ الحميد ﴾ تكميل، فهو احتراس لدفع توهمهم أنه لما كان غنياً عن استجابتهم وعبادتهم فهم معذورون في أن لا يعبدوه، فنبه على أنه موصوف بالحمد لمن عبده واستجاب لدعوته كما أتبع الآية الآخرى ﴿ إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم ﴾ [الزمر: 7] بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ [الزمر: 7].

ومن المحسنات وقوع ﴿ الحميد ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ إلى الله ﴾ كما وقع ﴿ الغني ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ الفقراء ﴾ لأنه لما قيد فقرهم بالكون إلى الله قيدّ غنى الله تعالى بوصف ﴿ الحميد ﴾ لإفادة أن غناه تعالى مقترن بجوده فهو يحمد من يتوجه إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَسْتَوِيانِ في أنْفُسِهِما.

الثّانِي: في مَنافِعِ النّاسِ بِهِما.

﴿ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ ﴾ والفُراتُ هو العَذْبُ وذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ كَما يُقالُ هَذا حَسَنٌ جَمِيلٌ.

﴿ سائِغٌ شَرابُهُ ﴾ أيْ ماؤُهُ.

﴿ وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ أيْ مُرٌّ مَأْخُوذٌ مِن أجَّةِ النّارِ كَأنَّهُ يَحْرُقُ مِن شِدَّةِ المَرارَةِ، قالَ الشّاعِرُ: دُرَّةٌ في اليَمِينِ أخْرَجَها بِالِغًا مِن قَعْرِ بَحْرٍ مِلْحٌ أُجاجُ ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ يَعْنِي لَحْمَ الحِيتانِ مَأْكُولٌ مِن كِلا البَحْرَيْنِ.

﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ المِلْحِ، ويَكُونُ المُرادُ أحَدَهُما وإنْ عُطِفَ بِالكَلامِ عَلَيْهِما.

وَقِيلَ: بَلْ هو مَأْخُوذٌ مِنهُما لِأنَّ في البَحْرِ عُيُونًا عَذْبَةً، وما بَيْنَهُما يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ عِنْدَ التَّمازُجِ وقِيلَ مِن مَطَرِ السَّماءِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ تَلْبَسُونَها ﴾ وإنْ لَبِسَها النِّساءُ دُونَ الرِّجالِ لِأنَّ جَمالَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.

﴿ وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةٌ ورِيحٌ واحِدَةٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: مَواقِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الشّاعِرُ تَراها إذا راحَتْ ثِقالًا كَأنَّها ∗∗∗ مَواخِرُ فُلْكٍ أوْ نَعامٌ حَوافِلُ الثّالِثُ: مُعْتَرِضَةً، قالَهُ أبُو وائِلٍ.

الرّابِعُ: جِوارِيَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الخامِسُ: تَمْخُرُ الماءَ أيْ تَشُقُّهُ في جَرْيِها شَقًّا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: التِّجارَةُ في الفُلْكِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ ما يُسْتَخْرَجُ مِن حِلْيَتِهِ ويُصادُ مِن حِيتانٍ.

﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ \[فِيهِ وجْهانِ\]: أحَدُهُما: عَلى ما آتاكم مِن نِعَمِهِ.

الثّانِي: عَلى ما آتاكم مِن فَضْلِهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَلى ما أنْجاكم مِن هَوْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ﴾ قال: الأجاج المر ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً ﴾ أي منهما جميعاً ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ هذا اللؤلؤ ﴿ وترى الفلك فيه مواخر ﴾ قال: السفن مقبلة ومدبرة تجري بريح واحدة ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ﴾ قال: نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى ﴾ قال: أجل معلوم، وحد لا يتعداه ولا يقصر دونه ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ يقول: هو الذي سخر لكم هذا.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة أنه سأل ابن عباس عن ماء البحر فقال: بحران لا يضرك من أيهما توضأت.

ماء البحر، وماء الفرات.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً ﴾ قال: السمك ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ قال: اللؤلؤ من البحر الأجاج.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما يملكون من قطمير ﴾ قال: القطمير القشر، وفي لفظ الجلد الذي يكون على ظهر النواة.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ من قطمير ﴾ قال: الجلدة البيضاء التي على النواة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: لم أنل منهم بسطاً ولا زبداً ** ولا فوفة ولا قطميرا وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: القطمير الذي بين النواة والتمرة، القشر الأبيض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قطمير ﴾ قال: لفافة النواة كسحاة البصلة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ من قطمير ﴾ قال: رأس التمرة يعني القمع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ مفسر فيما مضى (١) ﴿ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾ ، قال الفراء والزجاج: أي وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب (٢) قال الفراء: (والنفس تعبر عن الذكر والأنثى، كقوله (٣) ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ  ﴾ ) (٤) (١) الآيتان: 19 - 20 من سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.

وقال هناك: قال ابن عباس والكلبي: يريد أمتكم يا معشر الكفار، وأخلق قومًا غيركم خيرًا منكم وأطوع.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 2/ 368، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 267.

(٣) في (أ): (كقولك)، وما في الصلب هو الصواب.

(٤) انظر: "معاني القرآن" 2/ 368 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله ﴾ خطاب لجميع الناس، وإنما عرف الفقر بالألف واللام ليدل على اختصاص الفقر بجنس الناس، وإن كان غيرهم فقراء ولكن فقراء الناس أعظم، ثم وصف نفسه بأنه الغني في مقابلة وصفهم بالفقر، ووصفه بأنه الحميد ليدل على وجوده وكرمه الذي يوجب أن يحمده عباده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴾ .

أي: كذلك يحيي الموتى، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

وقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ .

قال بعضهم: من كان يريد القوة والمنعة بعبادة الأصنام ومن عبدوا دونه، فلله العزة جميعاً، أي: فبعبادة الله وطاعته ذلك في الدنيا والآخرة، أي: فمن عنده اطلبوا ذلك عند الله من كان يريد ثواب الدنيا والآخرة، أي: من عنده اطلبوا ذلك في الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ أي: العزة والتعزيز ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ ، أي: فبالله يكون عز الدنيا والآخرة [لا] بالأصنام التي عبدتموها، وقد كان بعبادتهم الأصنام طلب الأمرين: طلب العز؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  ﴾ ، وطلب القوة والمنعة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، فأخبر أن ذلك إنما يكون بالله وبطاعته، فمن عنده اطلبوا لا من عند من تعبدون دونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو الوعد الحسن، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ هو إنجاز ما وعد، أي: إذا أنجز ما وعد من الوعد الحسن، ووفى ذلك الإنجاز الوعدَ الحسنَ وعدٌ.

قال بعضهم: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو كلمة التوحيد وشهادة الإخلاص، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: إخلاص التوحيد لله يرفع الكلم الطيب الذي تكلم به؛ فعلى هذا التأويل أي: يصعد الكلم الطيب إليه ما لم يخلص ذلك [إلا] لله.

وقال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هي كلمة التوحيد على ما ذكرنا، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه - يعني: لصاحب الكلام الطيب - فعلى هذا التأويل: يصعد الكلم الطيب إليه دون العمل الصالح.

وبعض أهل التأويل: [قال:] يرفع الكلام: التوحيد، الطيب: العمل الصالح - إلى الله، وبه يتقبل الأعمال الصالحة.

وظاهر الآية أن يكون العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما ذكرنا من الوجوه.

وبعضهم يقول: إن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: والذين يعملون السيئات.

وجائز أن يكون ما ذكر من مكرهم السيئات هو مكرهم برسول الله وأذاهم إياه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، ويمكر الله بهم في الدنيا بالهلاك والقتل وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي حيث قال: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ ، أي: هو يهلك؛ من البوار، وهو الهلاك، وهو قتلهم ببدر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ .

﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ ، أي: قدركم مع كثرتكم من أول أمركم إلى آخر ما تنتهون إليه من التراب الذي خلق آدم منه؛ إذ الخلق في اللغة التقدير.

وقوله: ﴿ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

أي: قدركم أيضاً مع كثرتكم وعظمكم من تلك النطفة، يخبر عن علمه وتدبيره في تقديره إيانا مع كثرتنا في ذلك التراب وفي تلك النطفة، وإن لم نكن نحن على ما نحن عليه في ذلك التراب والنطفة لا يعجزه شيء.

أو أن يكون إضافته إيانا إلى ذلك التراب والماء؛ لأنه كان ذلك أصلنا ومبادئ أمورنا، وكان المقصود بخلق ذلك التراب والماء، والأصل هذا الخلق وهو العاقبة، وقد يذكر ويضاف العواقب إلى المبادئ وتنسب إليها إذا كان المقصود من المبادئ العواقب وله نظائر كثيرة، وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: خلقكم من ذلك ذكراً وأنثى ليسكن بعضه إلى بعض، أو جعلكم أزواجاً أصنافاً.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ والله الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعلكم أزواجاً ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ ﴾ من أول ما تحمل إلى آخر ما تنتهون إليه ﴿ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ السابق، وكذلك لا تضع كل حامل من أول ما تضع إلى آخر ما ينتهون إليه إلا بعلمه السابق: أنها تحمل كذا في وقت كذا من كذا، وأنها تضع كذا في وقت كذا، يخبر عن علمه السابق من أول منشئهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه، أنه كان كله بذلك التقدير الذي كان منه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: ما يطول من عمره وإن طال، وما ينقص من عمره، أي: ما نقص وقصر من ذلك ولم يطل ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، أي: إلا كان ذلك كله في الكتاب مبيناً هكذا مطولا.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: من كثر عمره وطال أو قل عمره، فهو يعمر إلى أجله الذي كتب له، ثم قال: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ كل يوم وكل ساعة حتى ينتهي إلى آخر أجله ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ : في اللوح المحفوظ المكتوب قبل أن يخلقه.

﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قال صاحب هذا [التأويل:] إن كتاب الآجال حين كتبه الله في اللوح المحفوظ على الله هين.

وقال آخر قريباً من هذا في قوله: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ في جري الليل والنهار والساعات ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، وذلك أن الله -  - كتب لكل نسمة عمرا تنتهى إليه، فإذا جرى عليها الليل والنهار نقص ذلك عمرها حتى يبلغ ذلك أجلها، فمن قُضي له أن يعمر حتى يدركه الكبر أو عمر دون ذلك، فهو بالغ ذلك الأجل الذي قضي له، وكان ذلك في كتاب ينتهون إليه.

﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يقول قائل هذا: إن حفظ ذلك على الله بغير كتاب يسير هين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ ، أي: أن علم ما ذكر وتقديره من أول ما أنشأهم وتغيير أحوالهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه - يسير، أي: لا يخفى عليه.

وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ .

فيه وجوه من المعتبر: أحدها: يذكر ألا يستوي في الحكمة الخبيث من الرجال والطيب منهم، كما لا يستوي المالح من الماء الأجاج والعذب منه والسائغ، وقد استوى الطيب من الرجال والخبيث في منافع الدنيا ومأكلاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز؛ دل هنالك داراً يميز بينهما ويفرق؛ إذ قد يستوي في منافع [الدنيا] وحطامها، وفي الحكمة التفريق والتمييز لا الجمع والاستواء، وذلك يدل على البعث.

والثاني: فيه أن المنشأ من الأشياء في هذه الدنيا والمخلوق فيها لم ينشئها لحاجة نفسه، ولكن لحوائج الخلق ومنافعهم وما يكون لهم العبرة في ذلك؛ إذ من أنشأ شيئاً لحاجة نفسه أنشأ ألذ الأشياء وأحلاها وأنفعها له لا مرّاً مالحاً أجاجاً ما لا ينتفع به، يخبر عن غناه عما أنشأه من الأشياء، ليعلم أنه لم ينشئها لحوائج نفسه، ولكن لما ذكرنا، وهو على المعتزلة في قولهم: إنه لم يخلق شيئاً لا ينتفع به، وأنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أنشأ ماء أجاجا مالحاً لا ينتفع به؛ ليكون لهم العبرة في ذلك.

والثالث: فيه ترغيب في إيمان الخبيث الكافر، ودفع الإياس عن توحيدهم، وقطع الرجاء عن عودهم إليه؛ حيث أخبر عما يأكلون من الماء المالح والأجاج والعذب السائغ جميعاً اللحم الطري مما حق مثله إذا ألقي فيه أو في مثله اللحم الطري أن يفسد من ساعته.

ويذكرهم أيضاً عن قدرته أن من قدر على حفظ ما ذكر من اللحم الطري في الماء الذي لا يقدر على الدنو منه والقرب؛ فضلا أن يكون فيه حفظ ما ذكر من الإفساد، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.

والرابع: يذكر نعمه التي أنعمها عليهم حيث قال: ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يذكر عظم نعمه وقدرته حيث جعل البحار مسخرة مذللة يقدرون على استخراج ما فيها من الحلي والجواهر، والوصول إلى المنافع التي هي وراء البحار، وقطعها بسفن أنشأها لهم، وأجراها في الماء الراكد الساكن برياح تعمل عمل جريان الماء، بل الأعجوبة في إجراء السفن بالرياح في المياه الراكدة الساكنة أعظم وأكثر من جريانها على جرية الماء؛ لأنها في الماء الجاري لا تجري إلا على الوجه الذي يجري الماء، وفي البحار تجري بريح واحدة من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل حيث شاءوا؛ دل أن الأعجوبة في هذا أكثر وأعظم، ومن ملك هذا لا يعجزه شيء.

أو أن يكون المثل الذي ذكر في البحرين: أحدهما عذب ماؤه، والآخر أجاج ماؤه يكون للعمل الصالح وهو التوحيد، وللعمل السيئ وهو الكفر يقول: كما لا يستوي في الفضل الماء العذب والماء المالح؛ فعلى ذلك لا يستوي العمل الصالح والعمل السيئ.

وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ تجريان إحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة بريح واحدة، وتستقبل إحداهما الأخرى.

وقال بعضهم: المواخر: هي التي تشق الماء، وتقطعه؛ من مخر يمخر، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

هذا يدل أن ما يصاب بالأسباب والمكاسب إنما هو فضل الله؛ إذ قد تكتسب ولا يكون منه شيء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

يذكر هذا لأهل مكة؛ لإنكارهم الصانع، وإنكارهم البعث، وإنكارهم الرسل؛ لأنهم كانوا فرقاً ثلاثة: منهم من ينكر الصانع والتوحيد، ومنهم من ينكر البعث، ومنهم من ينكر الرسل، ففي الآية دلالة إثبات الصانع وتوحيده، وفيها دلالة البعث والإنشاء بعد الموت، وفيها دلالة إثبات الرسالة: أما دلالة إثبات الصانع والوحدانية له: فاتساق الليل والنهار والشمس والقمر وما ذكر، وجريانهما وجريان الأمور كلها على سنن واحد وميزان واحد وقدر واحد، من أوّل ما كان إلى آخر ما يكون من غير زيادة أو نقصان يدخل فيه، أو تقديم أو تأخير يكون فيه، يدل على أن لذلك كله صانعاً مدبراً أنشأ ودبر كل شيء على ما كان وحفظه كله على ميزان واحد؛ إذ لو كان ذلك بنفسه لكان لا يجري على حد واحد، بل يتفاوت ويتفاضل، وكذلك لو كان فعل عدد، لكان يتقدم ويتأخر ويتغير ويمتنع ويذهب رأساً على ما يكون فعل العدد من الملوك: أن ما أراد [هذا إثباته أراد] الآخر نفيه ومنعه، وما أراد هذا نفيه وإبطاله أراد الآخر إثباته، وذلك معروف فيهم من مخالفة بعض بعضاً؛ فدل اتساق ما ذكرنا وجريانه على تدبير واحد: أنه فعل واحد وتدبير واحد لا عدد، وبالله القوة.

ودل ذهاب الليل وتلفه بكليته حتى لا يبقى له أثر، وكذلك ذهاب ضوء النهار ونوره، وكذلك الشمس والقمر وإتيان الآخر بعد تلفه أنه بعث؛ إذ لو لم يكن بعث كان تدبير ذلك كله وتقديره لعباً باطلا، وإن من قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.

فإن ثبت ما ذكرنا لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم بأنواع المحن، فلابد من رسول يأمر وينهى ويخبر عما لهم وعليهم.

وفيه أن مدبر ذلك كله عليم حكيم، ثم يخبر أن الذي فعل ذلك كله هو ربكم الذي له الملك؛ يقول: الذي فعل هذا كله [الله] لا الأصنام التي عبدتم دونه، وسميتموها: آلهة، فكيف صرفتم العبادة إليها والألوهية، وما تعبدون من دونه لا يملكون ما ذكر؟!

حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ يسفه أحلامهم في عبادة من عبدوا دونه على علم منهم أنهم لا يملكون ما ذكر، وصرفهم العبادة عن الله على علم منهم: أن ذلك كله من الله، وهو المالك لذلك.

ثم يخبر عن عجز من عبدوه حيث إن تدعوهم على حقيقة الدعاء لا يسمعون دعاءكم حقيقة، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، أي: لو سمعوا دعاءكم ما يملكون إجابتكم في دفع ضر وسوء ولا في جر نفع.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ ﴾ أي: تعبدوهم ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ ﴾ ، أي: لا يجيبوكم إلى ما تقصدون بعبادتكم إياهم.

أو أن يقول: ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ ﴾ ينكرون يوم القيامة أن يكونوا شركاءهم أو أمروهم بذلك؛ كقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ...

﴾ الآية [مريم: 82]، وقوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ، أي: لا ينبئك أحد مثل الذي أنبأك الخبير في الصدق والحق.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أي: لا يكون نبأ أحد مثل نبأ الخبير، فاعمل به وأقبل عليه، ولا تقبل على نبأ غيره، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ وجهان من اللطف: أحدهما: يتلف حتى يذهب أثره ويأتي بالآخر.

أو يزيد في هذا وينقص من الآخر، ويدخل من ساعات هذا في ساعات الآخر.

وفيه نقض قول الثنوية في قولهم: إن منشئ الخير غير منشئ الشر، ويقولون: إن النور من منشئ الخير والظلمة من منشئ الشر، فلو كان ما ذكروا لكان إذا ذهب النور وجاءت الظلمة [كانت الظلمة] هي الغالبة والنور هو المغلوب في يدها؛ وكذلك النور إذا جاء وذهبت الظلمة صارت هي مقهورة مغلوبة في يد النور، والنور هو الغالب عليها، فإذا صار مغلوباً مقهرواً في يد صاحبه يجيء ألا يقدر على استنقاذ نفسه من يده أبداً، على ما يكون من عادة الأعداء إذا غلب بعضهم بعضاً وقهر بعضهم بعضاً أن يهلك ولا يتخلص منه، فإذ لم يكن، ولكن جاء كل منهما في وقته بعد ذهاب أثره على التقدير الذي ذكرنا؛ دل أنه فعل واحد وتدبير واحد لا تدبير عدد، وبالله الحول والقوة.

والقتبي يقول: القطمير: هو الفوفة التي يكون فيها النواة.

وأبو عوسجة يقول: هو القشرة الرقيقة التي تكون بين لحم التمرة وبين نواتها، واحدة وجمعه سواء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن يشأ سبحانه أن يزيلكم بهلاك يهلككم به أزالكم، ويأت بخلق جديد بدلكم يعبدونه، لا يشركون به شيئًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.G05Do"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله