الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٤٢ من سورة فاطر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٢ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم ، قبل إرسال الرسول إليهم : ( لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) أي : من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل .
قاله الضحاك وغيره ، كقوله تعالى : ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ) [ الأنعام : 156 ، 157 ] ، وكقوله تعالى : ( وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون ) [ الصافات : 167 - 170 ] .
قال الله تعالى : ( فلما جاءهم نذير ) - وهو : محمد صلى الله عليه وسلم - بما أنزل معه من الكتاب العظيم ، وهو القرآن المبين ، ( ما زادهم إلا نفورا ) ، أي : ما ازدادوا إلا كفرا إلى كفرهم ، ثم بين ذلك بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا (42) يقول تعالى ذكره: وأقسم هؤلاء المشركون بالله جهد أيمانهم، يقول: أشد الأيمان فبالغوا فيها، لئن جاءهم من الله منذر ينذرهم بأس الله ( لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ ) يقول: ليكونن أسلك لطريق الحق وأشد قبولا لما يأتيهم به النذير من عند الله، من إحدى الأمم التي خلت من قبلهم (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) &; 20-483 &; يعني بالنذير محمدًا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، يقول: فلما جاءهم محمد ينذرهم عقاب الله على كفرهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) وهو محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وقوله (مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا) يقول: ما زادهم مجيء النذير من الإيمان بالله واتباع الحق وسلوك هدى الطريق، إلا نفورًا وهربًا.
قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم ، فلعنوا من كذب نبيه منهم ، وأقسموا بالله جل اسمه لئن جاءهم نذير أي نبي ليكونن أهدى من إحدى الأمم يعني ممن كذب الرسل من أهل الكتاب .
وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل ، فلما جاءهم ما تمنوه وهو النذير من أنفسهم ، نفروا عنه ولم يؤمنوا به
أي وأقسم هؤلاء، الذين كذبوك يا رسول اللّه، قسما اجتهدوا فيه بالأيمان الغليظة.
{ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ } أي: أهدى من اليهود والنصارى [أهل الكتب]، فلم يفوا بتلك الإقسامات والعهود.{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ } لم يهتدوا، ولم يصيروا أهدى من إحدى الأمم، بل لم يدوموا على ضلالهم الذي كان، بل { مَا زَادَهُمْ } ذلك { إِلَّا نُفُورًا } وزيادة ضلال وبغي وعناد.
( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) يعني : كفار مكة لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا : لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم ، وأقسموا بالله وقالوا لو أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم ، وذلك قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما بعث محمد كذبوه ، فأنزل الله - عز وجل - : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ) رسول ( ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) يعني : من اليهود والنصارى ( فلما جاءهم نذير ) محمد - صلى الله عليه وسلم - ( ما زادهم إلا نفورا ) أي : ما زادهم مجيئه إلا تباعدا عن الهدى .
«وأقسموا» أي كفار مكة «بالله جهد أيمانهم» غاية اجتهادهم فيها «لئن جاءهم نذير» رسول «ليكوننَّ أهدى من إحدى الأمم» اليهود والنصارى وغيرهم، أي أيَّ واحدة منها لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضا، إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، «فلما جاءهم نذير» محمد صلى الله عليه وسلم «ما زادهم» مجيئه «إلا نفورا» تباعدا عن الهدى.
وأقسم كفار قريش بالله أشد الأَيْمان: لئن جاءهم رسول من عند الله يخوِّفهم عقاب الله ليكونُنَّ أكثر استقامة واتباعًا للحق من اليهود والنصارى وغيرهم، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ما زادهم ذلك إلا بُعْدًا عن الحق ونفورًا منه.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما كان عليه المشركون من نقض العهود ، ومن مكر سئ حاق بهم ، ودعاهم - سبحانه - إلى الاعتبار بمن سبقهم ، وبين لهم جانباً من مظاهر فضله عليهم .
ورأفته بهم فقال - تعالى - : ( وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ .
.
كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم ) هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم حين بلغهم أن أهل الكتاب ، كذبوا رسلهم ، فلعنوا من كذب نبيه منهم .
.و ( جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ) أى : أقوى أيمانهم وأغلظها والجهد : الطاقة والوسع والمشقة .يقال : جهد نفسه يجهدها فى الأمر ، إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه .والمراد : أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها ، بكل ألفاظ التوكيد والتوثيق .أى : أن كفار مكة ، أقسموا بالله - تعالى - قسماً مؤكداً موثقاً مغلظاً ، ( لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ ) أى : نبى ينذرهم بأن الكفر باطل وأن الإِيمان بالله هو الحق .( لَّيَكُونُنَّ أهدى ) سبيلا ( مِنْ إِحْدَى الأمم ) أى : ليكونن أهدى من اليهود ومن النصارى ومن غيرهم فى اتباعهم وطاعتهم ، لهذا الرسول الذى يأتيهم من عند ربهم لهدايتهم إلى الصراط المستقم .( فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ ) وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذى هو أشرف الرسل .( مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ) أى : ما زادهم مجيئه لهم نفورا عن الحق ، وتباعدا عن الهدى .
أى : أنهم قبل مجئ الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يتمنون أن يكون الرسول منهم ، لا من غيرهم ، وأقسموا بالله بأنهم سيطيعونه فلما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم نفروا عنه ولم يؤمنوا به .وإنما كان القسم بالله - تعالى - غاية أيمانهم ، لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وبأصنامهم ، فإذا اشتد عليهم الحال ، وأرادوا تحقيق الحق ، حلفوا بالله - تعالى - .وقوله ( لَّيَكُونُنَّ ) جواب القسم المقدر .
وقوله : ( مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ) جواب لمَّا .
ويحتمل أن يقال لما بين شركهم قال مقتضى شركهم زوال السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ﴾ ويدل على هذا قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ كان حليماً ما ترك تعذيبهم إلا حلماً منه وإلا كانوا يستحقون إسقاط السماء وانطباق الأرض عليهم وإنما أخر إزالة السموات إلى قيام الساعة حلماً، وتحتمل الآية وجهاً ثالثاً: وهو أن يكون ذلك من باب التسليم وإثبات المطلوب على تقدير التسليم أيضاً كأنه تعالى قال شركاؤكم ما خلقوا من الأرض شيئاً ولا في السماء جزءاً ولا قدروا على الشفاعة، فلا عبادة لهم.
وهب أنهم فعلوا شيئاً من الأشياء فهل يقدرون على إمساك السموات والأرض؟
ولا يمكنهم القول بأنهم يقدرون لأنهم ما كانوا يقولون به، كما قال تعالى عنهم: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ﴾ ويؤيد هذا قوله: ﴿ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ﴾ فإذا تبين أن لا معبود إلا الله من حيث إن غيره لم يخلق من الأشياء وإن قال الكافر بأن غيره خلق فما خلق مثل ما خلق فلا شريك له إنه كان حليماً غفوراً، حليماً حيث لم يعجل في إهلاكهم بعد إصرارهم على إشراكهم وغفوراً يغفر لمن تاب ويرحمه وإن استحق العقاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب ﴾ القرآن.
ومن للتبيين أو الجنس.
و (من) للتبعيض ﴿ مُصَدّقاً ﴾ حال مؤكدة؛ لأنّ الحق لا ينفك عن هذا التصديق ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ لما تقدّمه من الكتب ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يعني أنه خبرك وأبصر أحوالك، فرآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ كَراهَةَ أنْ تَزُولا فَإنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا بُدَّ لَهُ مِن حافِظٍ، أوْ يَمْنَعُهُما أنْ تَزُولا لِأنَّ الإمْساكَ مَنعٌ.
﴿ وَلَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ ﴾ ما أمْسَكَهُما.
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ اللَّهِ أوْ مِن بَعْدِ الزَّوالِ، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ و ( مِن ) الأُولى زائِدَةٌ والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ.
﴿ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ حَيْثُ أمْسَكَهُما وكانَتا جَدِيرَتَيْنِ بِأنْ تُهَدّا هَدًّا كَما قالَ: ﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم} نصب على المصدر أي إقساماً بليغاً أو على الحال أي جاهدين في أيمانهم {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى من إحدى الأمم} بلغ قرشيا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم أي من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم تفضيلالها على غيرها في الهدى والاستقامة كما يقال للداهية العظيمة هي إحدى الدواهي {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نذير} فلما بعث رسول الله عليه وسلم {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} أي ما زادهم مجىء الرسول
فاطر (٤٥ - ٤٣)
صلى الله عليه وسلم إلا تباعداً عن الحق وهو إسناد مجازي
﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ أيْ حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحَلِفِ أنْ يَأْتُوا بِهِ عَلى أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ.
﴿ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ ﴾ الضَّمائِرُ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم بَلَغَهم قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهم فَقالُوا: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ والنَّصارى أتَتْهُمُ الرُّسُلُ فَكَذَّبُوهم فَواَللَّهِ لَئِنْ جاءَنا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَكانَ مِنهم بَعْدَ ما كانَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لَئِنْ جاءَهُمْ ﴾ جاءَ عَلى المَعْنى وإلّا فَهم قالُوا: «جاءَنا» وكَذا «لَيَكُونُنَّ» وإحْدى بِمَعْنى واحِدَةٍ، والظّاهِرُ أنَّها عامَّةٌ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً في الإثْباتِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ العُمُومَ، وتَعْرِيفُ ﴿ الأُمَمِ ﴾ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم أيْ لَئِنْ جاءَنا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مَن كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ فَنُؤْمِنُ جَمِيعًا ولا يُكَذِّبُ أحَدٌ مِنّا، أوِ المَعْنى لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن أُمَّةٍ يُقالُ فِيها إحْدى الأُمَمِ تَفْضِيلًا لَها عَلى غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ كَما يُقالُ هو واحِدُ القَوْمِ وواحِدُ عَصْرِهِ، وكَما قالُوا هو أحَدُ الأحَدَيْنِ وهي إحْدى الإحَدِ يُرِيدُونَ التَّفْضِيلَ في الدُّعاءِ والعَقْلِ، قالَ الشّاعِرُ: حَتّى اِسْتَشارُوا بِي إحْدى الإحَدِ لَيْثًا هِزَبْرًا ذا سِلاحٍ مُعْتَدٍ وقَدْ نَصَّ اِبْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لِما يُسْتَعْظَمُ مِمّا لا نَظِيرَ لَهُ هو إحْدى الإحَدِ، لَكِنْ قالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِهِ: إنَّما ثَبَتَ اِسْتِعْمالُهُ في إحْدى ونَحْوِهِ المُضافِ إلى جَمْعٍ مَأْخُوذٍ مِن لَفْظِهِ كَإحْدى الإحَدِ وأحَدِ الأحَدَيْنِ أوِ المُضافِ إلى وصْفٍ كَأحَدِ العُلَماءِ وإحْدى الكِبَرِ، أمّا في المُضافِ إلى أسْماءِ الأجْناسِ كالأُمَمِ فَيَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اِسْتِعْمالُ إحْدى في الِاسْتِعْظامِ مِن دُونِ إضافَةٍ أصْلًا فَإنَّهم يَقُولُونَ لِلدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ هي إحْدى مِن سَبْعٍ أيْ إحْدى اللَّيالِي عادَ في الشِّدَّةِ وشاعَ واحِدُ قَوْمِهِ وأوْحَدُهم وأوْحَدُ أُمِّهِ، ولَمْ يَظْهَرْ فارِقٌ بَيْنَ المُضافِ إلى الجَمْعِ المَأْخُوذِ مِنَ اللَّفْظِ والمُضافِ إلى الوَصْفِ وبَيْنَ المُضافِ إلى أسْماءِ الأجْناسِ ولا أظُنُّ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، فَلْيُتَدَبَّرْ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ دَلالَةَ ﴿ إحْدى الأُمَمِ ﴾ عَلى التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ بِخِلافِ واحِدِ القَوْمِ ونَحْوِهِ ثُمَّ وجَّهَها أنَّهُ عَلى أُسْلُوبِ: أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها يَعْنِي أنَّ البَعْضَ المُبْهَمَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ كالتَّنْكِيرِ فَإحْدى مِثْلُهُ، وفِيهِ أنَّهُ مَتى ثَبَتَ اِسْتِعْمالُهُ لِلِاسْتِعْظامِ كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى التَّفْضِيلِ في غايَةِ الوُضُوحِ.
﴿ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ﴾ وأيُّ نَذِيرٍ وهو أشْرَفُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وهو الظّاهِرُ، وعَنْ مُقاتِلٍ هو اِنْشِقاقُ القَمَرِ وهو أخْفى مِنَ السُّها والمَقامُ عَنْهُ يَأْبى ﴿ ما زادَهُمْ ﴾ أيِ النَّذِيرُ أوْ مَجِيئُهُ ﴿ إلا نُفُورًا ﴾ تَباعُدًا عَنِ الحَقِّ وهَرَبًا مِنهُ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى ذَلِكَ مَجازٌ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ لَها، والجُمْلَةُ جَوابٌ لَها.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى حَرْفِيَّتِها لِمَكانِ النَّفْيِ المانِعِ عَنْ عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيها، وفِيهِ بَحْثٌ.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله عز وجل لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ الموت.
ويقال: لا يرسل عليهم ولا ينزل الموت فَيَمُوتُوا حتى يستريحوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها يعني: من عذاب جهنم كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ يعني: هكذا نعاقب كل كافر بالله تعالى.
قرأ أبو عمرو يَجْزِى بالياء والضم ونصب الزاي كُلَّ كَفُورٍ بضم اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون نَجْزِي بالنون والنصب كُلَّ بنصب اللام ومعنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد.
يعني: كذلك يجزي الله تعالى.
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال عز وجل: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها أي: يستغيثون.
يقال: صرخ يصرخ إذا أغاث واستغاث وهو من الأضداد.
ويستعمل للإغاثة والاستغاثة، لأن كل واحد منهما يصلح وهو افتعال من الصراخ.
يعني: يدعون في النار ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ يعني: نعمل غير الشرك وغير المعصية.
يقول الله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يعني: أولم نعطكم من العمر والمهلة في الدنيا مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ يعني: يتعظ فيه من أراد أن يتعظ.
وروى مجاهد عن ابن عباس في قوله أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ قال: العمر ستون سنة وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب والهرم.
وروي أن إبراهيم الخليل أول من رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟
فقال: هذا وقار في الدنيا، ونور في الآخرة.
فقال: يا رب زدني وقاراً.
ويقال: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يعني: أولم نعطكم، ونطول أعماركم وما يَتَذَكَّرُ فِيهِ من تذكر أي: مقدار ما يتعظ فيه من يتعظ.
وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: «لَقَدَ أَعْذَرَ الله إلَى عَبْدٍ أحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً أزَالَ عُذْرَهُ» وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي: الرسول فَذُوقُوا العذاب في النار فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ يعني: ما للمشركين من مانع من عذاب الله عز وجل.
ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: غيب ما يكون في السموات والأرض.
يعني: أنهم لو رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عنه إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: عليم بما في قلوبهم.
ويقال: عالم بما في قلوب العباد من الخير والشر.
ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ يعني: قل لهم يا محمد الله تعالى جعلكم سكان الأرض من بعد الأمم الخالية فَمَنْ كَفَرَ بتوحيد الله فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ يعني: عاقبة كفره وعقوبة كفره وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وهو الغضب الشديد الذي يستوجب العقوبة.
يعني: لا يزدادون في طول أعمارهم إلا غضب الله تعالى عليهم.
وقال الزجاج: المقت أشد الغضب وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً يعني: غبناً في الآخرة وخسراناً.
ثم قال عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: تعبدون من دون الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ يعني: أخبروني أي شيء خلقوا مما في السموات أو مما في الأرض من الخلق.
وقال القتبي: من بمعنى في يعني: أروني ماذا خلقوا في الأرض.
يعني: أي شيء خلقوا في الأرض كما خلق الله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ يعني: عون على خلق السموات والأرض.
ويقال: نصيب في السموات.
واللفظ لفظ الاستفهام والشك، والمراد به النفي.
يعني: ليس لهم شرك فى السموات.
ثم قال: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً يعني: أعطيناهم كتاباً.
اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به النفي.
يعني: كما ليس لهم كتاب فيه حجة على كفرهم فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ يعني: ليسوا على بيان مما يقولون.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وعاصم، في رواية حفص عَلى بَيِّنَةٍ بغير ألف.
وقرأ الباقون: بينات بلفظ الجماعة، ومعناهما واحد، لأن الواحد ينبئ عن الجماعة.
ثم قال: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً يعني: ما يعد الظالمون بعضهم بعضا.
يعني: الشياطين للكافرين من الشفاعة لمعبودهم إِلَّا غُرُوراً يعني: باطلا.
<div class="verse-tafsir"
تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] الآية.
والضمير في يَدْخُلُونَها على هذا التأويل خاصٌّ بالمُقْتَصِد والسابق، وباقي الآية بيّن، والْحَزَنَ في هذه الآية عامٌ في جميع أنواع الأحزان، وقولهم: إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ وصفوه سبحانه بأنه يغفر الذنوبَ، ويجازي على القليلِ من الأعمال بالكثير من الثوابِ، وهذا هو شكره، لا ربّ سواه، ودارَ الْمُقامَةِ: الجنة، والْمُقامَةِ: الإقامةُ و «النَّصَبُ» : تعب البَدَنِ و «اللغوب» : تعب النّفس اللازم عن تعب البدن.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠)
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ هذه الآية تؤيد التأوِيلَ الأوَّل مِن أنَّ الثَلاَثَةَ الأصْنَافِ هي كلها في الجنة، لأن ذكر الكافرين أفرد هاهنا.
وقوله: لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ أي لا يُجْهَزُ عليهم.
وقولهم: رَبَّنا أَخْرِجْنا أي: يقولون هذه المقالة فيقال لهم على جهة التوبيخ:
أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ الآية.
واخْتُلِفَ في المدة التي هي حَدُّ للتذكر، فقال الحسن بن أبي الحسن: البلوغُ، يريد أنه أول حال التذكر «١» .
وقال ابن عباس أربعون سنة وهذا قول حسن «٢» ورويت فيه آثارُ.
ورُوِيَ أن العبدَ إذا بلغ أربعينَ سنةً ولم يتب مسح الشيطانُ على وجهه، وقال: بأبي وجهٌ لا يفلح، وقيل: الستين وفيه حديث.
ت: وفي «البخاري» : من بلغ ستين سنة فقد أَعْذَرَ الله إليه لقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب.
ثم أسند عن أبي هريرة عن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ ﴾ المَعْنى: أخْبَرُونِي عَنِ الَّذِينَ عَبَدْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهم شُرَكاءَ بِزَعْمِكُمْ، بِأيِّ شَيْءٍ أوْجَبْتُمْ لَهُمُ الشَّرِكَةَ في العِبادَةِ؟!
أبِشَيْءٍ خَلَقُوهُ مِنَ الأرْضِ، أمْ شارَكُوا خالِقَ السَّماواتِ في خَلْقِها؟!
ثُمَّ عادَ إلى الكُفّارِ فَقالَ: ﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا ﴾ يَأْمُرُهم بِما يَفْعَلُونَ ﴿ فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " عَلى بَيِّنَةٍ " عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَيِّناتٍ " جَمْعًا.
والمُرادُ: البَيانُ بِأنَّ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا ﴿ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ يَعِدُ ﴿ بَعْضُهم بَعْضًا ﴾ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهُمْ، وأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ ولا عِقابَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ما يَعِدُ الشَّيْطانُ الكُفّارَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ إلّا باطِلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ أيْ: يَمْنَعُهُما مِنَ الزَّوالِ والذَّهابِ والوُقُوعِ.
قالَ الفَرّاءُ: (وَلَئِنْ) بِمَعْنى " ولَوْ "، و" إنْ " بِمَعْنى " ما "، فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ زالَتا ما أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا قالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، كادَتِ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ والجِبالُ أنْ تَزُولَ والأرْضَ أنْ تَنْشَقَّ، فَأمْسَكَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؛ وإنَّما وحَّدَ " الأرْضَ " مَعَ جَمْعِ " السَّمَواتِ "، لِأنَّ الأرْضَ تَدُلُّ عَلى الأرَضِينَ.
﴿ وَلَئِنْ زالَتا ﴾ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: زَوالُهُما يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنْ يُقالَ تَقْدِيرًا: وإنْ لَمْ تَزُولا، وهَذا مَكانٌ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ، غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ الحِلْمَ فِيهِ، لِأنَّهُ لَمّا أمْسَكَهُما عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا ﴾ ، حَلُمَ فَلَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العُقُوبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنَّ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ هَذا ابْتِداءُ تَذْكِيرٍ بِاللهِ تَعالى، ودَلائِلُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ الَّتِي لا تَنْبَغِي الأُلُوهِيَّةُ إلّا مَعَها.
و"الغَيْبُ" ما غابَ عَنِ البَشَرِ.
و"ذاتُ الصُدُورِ" ما فِيها مِنَ المُعْتَقَداتِ والمَعانِي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذُو بَطْنِ بِنْتٍ خارِجَةٍ "، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، أيْ بِالنَفْخِ الَّذِي فِيهِ، فَمَن رَآهُ يَظُنُّهُ سابِغًا قَرِيبَ عَهْدٍ بِأكْلٍ.
و"خَلائِفَ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ ومَدِينَةٍ ومَدائِنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ وبالُ كُفْرِهِ وضَرَرُهُ، و"المَقْتُ" احْتِقارُكَ الإنْسانَ مِن أجْلِ مَعْصِيَتِهِ، أو بُغْضُهِ لِدِينِهِ الَّذِي يَأْتِيهِ، فَإنْ كانَ الِاحْتِقارُ تَعَسُّفًا مِنكَ فَلا يُسَمّى مَقْتًا، و"الخَسارُ" مَصْدَرٌ: مِن خَسِرَ يَخْسَرُ، أيْ: خَسِرُوا آخِرَتَهم ومَعادَهم بِأنْ صارُوا إلى النارِ والعَذابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ ﴾ الآيَةُ، احْتِجاجٌ عَلى الكَفّارِ في بُطْلانِ أمْرِ أصْنامِهِمْ، وقَّفَهُمُ النَبِيُّ - بِأمْرِ رَبِّهِمْ عَلى حُجَّتِهِمُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها حَقٌّ، ثُمَّ وقَّفَهم - مَعَ اتِّضاحِ عَجْزِهِمْ عن خَلْقِ شَيْءٍ - عَلى السَمَواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟
وظاهِرٌ بَعْدُ هَذا أيْضًا، ثُمَّ وقَّفَهم هَلْ عِنْدَهم كِتابٌ مِنَ اللهِ تَعالى يُبَيِّنُ لَهم فِيهِ ما قالُوهُ؟
أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ أضْرَبَ بَعْدَ هَذا الجَحْدِ المُقَدَّرِ فَقالَ: إنَّما يَعِدُونَ أنْفُسَهم غُرُورًا.
و"أرَأيْتُمْ" تَتَنَزَّلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَنزِلَةَ "أخْبِرُونِي"، ولِذَلِكَ لا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، أيْ: لَيْسَ لِلْأصْنامِ شَرِكَةٌ بِوَجْهٍ إلّا بِقَوْلِكُمْ، فالواجِبُ إضافَتُها إلَيْكُمْ، و"تَدْعُونَ" مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ.
و"الرُؤْيَةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أرُونِي" ﴾ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"الشِرْكُ": الشَرِكَةُ، مَصْدَرٌ أيْضًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: [بَيِّناتٍ] بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، ونافِعٌ - بِخِلافٍ عنهُ -: "بَيِّنَةٍ" بِالإفْرادِ، والمُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الإفْرادَ.
كَما تَقُولُ: أنا مِن هَذا الأمْرِ عَلى واضِحَةٍ، أو عَلى جَلِيَّةٍ.
و"الغُرُورُ" الَّذِي كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ قَوْلُهُمُ: الأصْنامُ تُقَرِّبُ مِنَ اللهِ زُلْفى، ونَحْوُهُ مِمّا يَغِيظُهم.
ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما يُبَيِّنُ فَسادَ أمْرِ الأصْنامِ، ووَقَفَ عَلى الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِها، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، لِيَتَبَيَّنَ الشَيْءُ بِضِدِّهِ، وتَتَأكَّدَ حَقارَةُ الأصْنامِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى، فَأخْبَرَ عن إمْساكِهِ السَمَواتِ والأرْضَ بِالقُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَزُولا ﴾ مَعْناهُ: كَراهَةَ أنْ تَزُولا، ولِئَلّا تَزُولا، ومَعْنى الزَوالِ هُنا التَنَقُّلُ مِن مَكانِها، والسُقُوطُ مَن عُلُوِّها، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: أنْ تَزُولا عَنِ الدَوَرانِ، ويَظْهِرُ مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ السَماءَ لا تَدُورُ وإنَّما تَجْرِي فِيها الكَواكِبُ، وذَلِكَ أنَّ الطَبَرَيَّ أسْنَدَ أنَّ جُنْدُبًا البَجَلِيَّ رَحَلَ إلى كَعْبِ الأحْبارِ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدِّثْنا ما حَدَّثَكَ، فَقالَ: حَدَّثَنِي أنَّ السَماءَ في قُطْبٍ كَقُطْبِ الرَحى، وهو عَمُودٌ عَلى مَنكِبِ مَلَكٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوَدِدْتُ أنَّكَ افْتَدَيْتَ رِحْلَتَكَ بِمِثْلِ راحِلَتِكَ ورَحْلِكَ، ما تَمَكَّنَتِ اليَهُودِيَّةُ في قَلْبِ عَبْدٍ فَكادَتْ أنْ تُفارِقَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ وكَفى بِها زَوالًا أنْ تَدُورَ، ولَوْ دارَتْ لَكانَتْ قَدْ زالَتْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَئِنْ زالَتا ﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَيِّ السَماءِ ونَسْفِ الجِبالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَئِنْ جاءَ وقْتُ زَوالِهِما، وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَوَهُّمِ والفَرْضِ، ولَئِنْ فَرَضْنا زَوالَهُما، وكَأنَّهُ قالَ: ولَوْ زالَتا، وقالَ بَعْضُهُمْ: "لَئِنْ" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "لَوْ"، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلَوْ زالَتا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِن بَعْدِهِ" ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ تَرْكِهِ الإمْساكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: اتِّصافُهُ بِالحِلْمِ والغُفْرانِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّ السَماءَ كادَتْ تَزُولُ والأرْضَ كَذَلِكَ لِإشْراكِ الكَفَرَةِ، فَيُمْسِكُهُما اللهُ حِلْمًا مِنهُ عَنِ المُشْرِكِينَ، وتَرَبُّصًا لِيَغْفِرَ لِمَن آمَنُ مِنهُمْ، كَما قالَ: ﴿ تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ الآيَةُ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من نفي أن يكون لشركائهم خلق أو شركة تصرف في الكائنات التي في السماء والأرض إلى إثبات أنه تعالى هو القيّوم على السماوات والأرض لتبقَيَا موجودتَيْن فهو الحافظ بقدرته نظام بقائهما.
وهذا الإِمساك هو الذي يعبر عنه في علم الهيئة بنظام الجاذبية بحيث لا يعْتريه خلل.
وعبر عن ذلك الحفظ بالإِمساك على طريقة التمثيل.
وحقيقة الإِمساك: القبض باليد على الشيء بحيث لا ينفلت ولا يتفرق، فمُثل حال حفظ نظام السماوات والأرض بحال استقرار الشيء الذي يُمسكه الممسك بيده، ولمّا كان في الإِمساك معنى المنع عُدّي إلى الزوال ب ﴿ مِن ﴾ ، وحذفت كما هو شأن حروف الجر مع ﴿ أنْ ﴾ و ﴿ أنَّ ﴾ في الغالب، وأكد هذا الخبر بحرف التوكيد لتحقيق معناه وأنه لا تسامح فيه ولا مبالغة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويمسك السماء ﴾ في سورة الحج (65).
ثم أشير إلى أن شأن الممكنات المصير إلى الزوال والتحول ولو بعد أدهار فعطف عليه قوله: ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } ، فالزوال المفروض أيضاً مراد به اختلال نظامهما الذي يؤدي إلى تطاحنهما.
والزوال يطلق على العدم، ويطلق على التحول من مكان إلى مكان، ومنه زوال الشمس عن كبد السماء، وتقدم آخِرَ سورة إبراهيم.
وقد اختير هذا الفعل دون غيره لأن المقصود معناه المشترك فإن الله يُمسكهما من أن يُعْدما، ويمسكهما من أن يتحول نظام حركتهما، كما قال تعالى: ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ﴾ [يس: 40].
فالله مريد استمرار انتظام حركة الكواكب والأرض على هذا النظام المشاهد المسمى بالنظام الشمسي وكذلك نظام الكواكب الأخرى الخارجة عنه إلى فلك الثوابت، أي إذا أراد الله انقراض تلك العوالم أو بعضِها قيّض فيها طوارئ الخلل والفساد والخَرْق بعد الالتئام والفتق بعد الرتق، فتفككت وانتشرت إلى ما لا يَعلم مصيره إلا الله تعالى وحينئذٍ لا يستطيع غيره مدافعة ذلك ولا إرجاعها إلى نظامها السابق فربما اضمحلت أو اضمحل بعضها، وربما أخذت مسالك جديدة من البقاء.
وفي هذا إيقاظ للبصائر لتَعلم ذلك علماً إجمالياً وتتدبر في انتساق هذا النظام البديع.
فاللام موطئة للقسم.
والشرط وجوابه مقسم عليه، أي محقق تعليق الجواب بالشرط ووقوعه عنده، وجواب الشرط هو الجملة المنفية ب ﴿ إن ﴾ النافية وهي أيضاً سادّة مسدّ جواب القسم.
وإذ قد تحقق بالجملة السابقة أن الله ممسكهما عن الزوال علم أن زوالهما المفروض لا يكون إلا بإرادة الله تعالى زوالهما وإلا لبطل أنه ممسكهما من الزوال.
وأسند فعل ﴿ زالتا ﴾ إلى ﴿ السماوات والأرض ﴾ على تأويل السماوات بسماء واحدة.
وأسند الزوال إليهما للعلم بأن الله هو الذي يزيلهما لقوله: ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ .
وجيء في نفي إمساك أحد بحرف ﴿ مِن ﴾ المؤكدة للنفي تنصيصاً على عموم النكرة في سياق النفي، أي لا يستطيع أحد كائناً من كان إمساكهما وإرجاعهما.
و«من بعد» صفة ﴿ أحد ﴾ و ﴿ من ﴾ ابتدائية، أي أحد ناشئ أو كائن من زمان بعده، لأن حقيقة (بعدٍ) تأخر زمان أحد عن زمن غيره المضاففِ إليه (بعد) وهو هنا مجاز عن المغايرة بطريق المجاز المرسل لأن بعدية الزمان المضاف تقتضي مغايرة صاحب تلك البعدية، كقوله تعالى: ﴿ فمن يهديه من بعد اللَّه ﴾ [الجاثية: 23]، أي غير الله فالضمير المضاف إليه (بعد) عائد إلى الله تعالى.
وهذا نظير استعمال (وراءٍ) بمعنى (دون) أو بمعنى (غير) أيضاً في قول النابغة: وليس وراءَ الله للمرءِ مذهب *** وفي ذكر إمساك السماوات عن الزوال بعد الإِطناب في محاجة المشركين وتفظيع غرورهم تعريض بأن ما يدْعون إليه من الفظاعة من شأنه أن يزلزل الأرضين ويسقط السماء كسفاً لولا أن الله أراد بقاءهما لحكمة، كما في قوله تعالى: ﴿ لقد جئتم شيئاً إداً يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً ﴾ [مريم: 89، 90].
وهذه دلالة من مستتبعات التراكيب باعتبار مثار مقامات التكلم بها، وهو أيضاً تعريض بالتهديد.
ولذلك أتبع بالتذييل بوصف الله تعالى بالحلم والمغفرة لما يشمله صفة الحليم من حلمه على المؤمنين أن لا يزعجهم بفجائع عظيمة، وعلى المشركين بتأخير مؤاخذتهم فإن التأخير من أثر الحلم، وما تقتضيه صفة الغفور من أن في الإِمهال إعذاراً للظالمين لعلهم يرجعون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " لعل الله أن يُخرج من أصلابهم مَن يعبده " لما رأى مَلَك الجبال فقال له: " إن شئتَ أن أطبق عليهم الأَخشَبين ".
وفعل ﴿ كان ﴾ المخبر به عن ضمير الجلالة مفيد لتقرر الاتصاف بالصفتين الحسنيين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ يَعْنِي في الأرْضِ.
﴿ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ ﴾ حَتّى صارُوا شُرَكاءَ في خَلْقِها.
﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ كِتابًا بِأنَّ لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والأصْنامِ فِيهِمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زِيادٍ.
الثّانِي: أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ كِتابًا بِأنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم عَلى كُفْرِهِمْ فَهم واثِقُونَ بِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
﴿ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وعَدُوهم بِأنَّ المَلائِكَةَ يَشْفَعُونَ.
الثّانِي: وعَدُوهم بِأنَّهم يَنْصُرُونَ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وقع في نفس موسى عليه السلام هل ينام الله عز وجل؟
فأرسل الله ملكاً إليه، فارقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يتحفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه يلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس احداهما عن الأخرى حتى نام نومة، فاصطقت يداه وانكسرت القارورتان قال: ضرب الله له مثلاً أن الله تبارك وتعالى لو كان ينام، ما كان يمسك السماء ولا الأرض» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خرشة بن الحر رضي الله عنه قال: حدثني عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال: يا جبريل هل ينام ربك؟
فقال جبريل: يا رب ان عبدك موسى يسألك هل تنام؟
فقال الله: «يا جبريل قل له فليأخذ بيده قارورتين، وليقم على الجبل من أول الليل حتى يصبح، فقام على الجبل وأخذ قارورتين فصبر، فلما كان آخر الليل غلبته عيناه، فسقطتا فانكسرتا فقال: يا جبريل انكسرت القارورتان فقال الله: يا جبريل قل لعبدي إني لو نمت لزالت السموات والأرض» .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن عكرمة قال: أسر موسى عليه السلام إلى الملائكة هل ينام رب العزة؟
قال: فسهر موسى أربعة أيام ولياليهن، ثم قام على المنبر يخطب، ورفع إليه قارورتين في كل يد قارورة، وأرسل الله عليه النعاس، وهو يخطب إذ أدنى يده من الأخرى، وهو يضرب القارورة على الأخرى، ففزع ورد يده ثم خطب، ثم أدنى يده، فضرب بها على الأخرى، ففزع ثم قال: ﴿ لا إله إلا الله الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ [ البقرة: 255] قال عكرمة: السنة التي يضرب برأسه وهو جالس والنوم الذي يرقد.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه، أن موسى عليه السلام قال له قومه: أينام ربك؟
قال: «اتقوا الله إن كنتم مؤمنين» فأوحى الله إلى موسى: ان خذ قارورتين، فاملأهما ماء.
ففعل، فنعس، فنام، فسقطتا من يده، فانكسرتا، فأوحى الله إلى موسى اني: أمسك السموات والأرض أَنْ تزولا ولو نِمْتُ لزالتا قال البيهقي رضي الله عنه: هذا أشبه أن يكون هو المحفوظ.
وأخرج الطبراني في كتاب السنة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل ينام ربنا؟
إلخ.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعاً، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو، الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه، من شر عبدك فلان، وجنوده، وأتباعه، وأشياعه من الجن والإِنس.
اللهم كن لي جاراً من شرهم.
جل ثناؤك، وعز جارك، وتبارك اسمك، ولا إله غيرك، ثلاث مرات.
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا دخل بيته، وأوى إلى فراشه، ابتدره ملكه وشيطانه.
يقول شيطانه: اختم بشر.
ويقول الملك: اختم بخير.
فإن ذكر الله وحده طرد الملك الشيطان، وظل يكلؤه، وإن هو انتبه من منامه، ابتدره ملكه وشيطانه.
يقول له الشيطان: افتح بشر.
ويقول الملك: افتح بخير.
فإن هو قال الحمد لله الذي رد إليَّ نفسي بعد موتها، ولم يمتها في منامها.
الحمد لله الذي ﴿ يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً ﴾ وقال الحمد لله الذي ﴿ يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ [ الحج: 56] قال: فإن خرج من فراشه فمات كان شهيداً، وإن قام يصلي صلّى» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق أبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأرض على حوت، والسلسلة على أذن الحوت في يد الله تعالى، فذلك قوله: ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ قال: من مكانهما.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن كعباً كان يقول: إن السماء تدور على نصب مثل نصب الرحا.
فقال حذيفة بن اليمان: كذب كعب ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن شقيق قال: قيل لابن مسعود إن كعباً يقول: إن السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحا، في عمود على منكب ملك فقال: كذب كعب ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ وكفى بها زوالاً أن تدور.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ يعني: كفار مكة.
وهذه ألفاظ قد سبق تفسيرها في سورتين (١) قال ابن عباس: حلفوا بالله قبل أن يأتيهم محمد بأيمان غليظة ﴿ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ﴾ رسول.
﴿ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى ﴾ أصوب دينا.
﴿ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ﴾ يريد: اليهود والنصارى والصابئين.
﴿ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ﴾ وهو محمد - -: ﴿ مَا زَادَهُمْ ﴾ مجيئه ﴿ إِلَّا نُفُورًا ﴾ تباعدًا عن الهدى (٢) (١) سورة الأنعام: آية 109، قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ والآية 53 من سورة النور، قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ .
(٢) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 368، وأرده المؤلف في "الوسيط" 3/ 508، وذكره أكثر المفسرين غير منسوب لابن عباس.
انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 230 ب، "بحر العلوم" 3/ 90، " المحرر الوجيز" 4/ 443.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله ﴾ الضمير لقريش وذلك أنهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى جاءتهم الرسل فكذبوهم، والله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى منهم ﴿ إِحْدَى الأمم ﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ ﴾ يعني محمد صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.
الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.
الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.
الباقون: بالعكس.
﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.
الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.
﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.
و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.
وعن رسول الله أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح.
وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.
ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.
قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.
ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.
وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.
ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.
وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.
وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.
وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.
ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟
قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.
وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.
وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.
﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.
وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.
والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.
ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.
وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.
ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.
ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.
ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.
ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.
وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.
وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.
ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.
ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.
وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.
ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.
وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.
وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.
ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.
وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.
عن النبي "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .
وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.
وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.
ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.
ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.
ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.
وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.
وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.
وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .
ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".
وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.
وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.
وذلك في علم الله.
﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .
ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.
على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.
ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.
وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.
قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.
قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.
وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.
قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟
وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.
والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.
مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.
تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.
ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.
والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.
وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله .
ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.
وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.
ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.
ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".
وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.
ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.
ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.
ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.
ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.
ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.
ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.
قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.
وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.
وههنا مسائل.
الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.
الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.
الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.
والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.
ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.
ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.
والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.
الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.
وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.
وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.
الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.
ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.
فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.
والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.
ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".
وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
فإن كان المخاطبون به أصحاب رسول الله وأمته، فيخبر أنه جعلهم خلائف من تقدم منهم من القرون والأمم الماضية بعد ما أهلكوا أو استؤصلوا، وإن كان المخاطبون به بني آدم كلهم فيخبر أنكم خلف من تقدمكم من الجن والملائكة؛ لأنه ذكر أن الجن كانوا سكان الأرض قبل بني آدم، فجعلوا خلائف الجن.
ثم وجه الحكمة في جعل بعض خلائف بعض وإنشاء قرن بعد فناء آخر، وإفناء آخر بعد إنشاء آخر وجوه: أحدها: أن يعرفوا أنه إنما أنشأهم لعاقبة تقصد وتتأمل؛ حيث أنشأ قرناً ثم أفناهم، ثم أنشأ غيرهم، ولو لم يكن في إنشائهم إلا هذا، كان إنشاؤه إياهم للفناء خاصة؛ إذ من بنى في الشاهد بناء للنقض والفناء لا لعاقبة تقصد به، كان في بنائه عابثاً سفيها؛ فعلى ذلك إنشاء هؤلاء في هذه الدنيا، لو لم يكن لعاقبة كان الإنشاء للفناء، وذلك عبث غير حكمة.
والثاني: أن يعرفوا أن الدنيا ليست هي دار القرار والمقام، إنما هي مجعولة زاداً للآخرة، وبلغة إليها، ومسلكاً لها، ومنزلا ينزل فيها؛ ثم يرتحل كالمنازل المجعولة للنزول فيها في الأسفار والتزود منها ثم الارتحال، لا للمقام فيها؛ فعلى ذلك الدنيا جعلت لما ذكرنا؛ لئلا يطمئنوا إليها ولا يركنوا ويعملون عمل من يريد الارتحال عنها لا عمل المقيم فيها.
والثالث: أن يعرفوا أن الآلام التي جعلت فيها واللذات ليست بدائمة أبداً، بل على شرف الزوال والتحول؛ لأن في الحياة لذة وفي الموت ألماً، فلا دامت اللذة و[لا] الألم؛ لأنه أحيا قرناً ثم أفناهم ثم أحيا قرناً آخر وأفناهم، فلا دامت اللذة ولا الآلام، ولكن انقضيا؛ ليعلموا أنهما لا يدومان أبداً، ولكن يزولان.
والرابع: أن يعتبروا بمن تقدم منهم من القرون: أنه على ماذا يكون الثناء الحسن، ويبقى الأثر والذكر الجميل؟
وبأي عمل ينقطع ويفنى ذلك؟
فمن كان من متبعي الرسل وقادة الخير والتوحيد والطاعة، فبقي له أثر الخير والثناء الحسن والذكر الجميل، ومن كان من أتباع أهل الكفر والشر لم يبق لهم شيء من ذلك؛ ليعملوا بالذي يُبقي لهم الثناء الحسن ويعقب لهم الذكر لا الذي يقطع ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ .
أي: عليه ضرر كفره.
﴿ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً...
﴾ الآية.
أي: لا يزيد كفرهم بالله وبرسوله وعبادتهم الأصنام إلا مقتاً وخساراً؛ لأنهم كانوا يعبدونها رجاء أن تشفع لهم يوم القيامة، ورجاء أن تقرب عبادتهم إلى الله زلفى؛ يقول - والله أعلم -: لا يزيد ذلك لهم إلا مقتاً من ربهم وخساراً.
أو يكون أعمالهم التي عملوا في هذه الدنيا من صلة الأرحام والقرب التي رجوا منها الربح والنفع في الآخرة لا يزيد ذلك لهم إلا مقتاً وخساراً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .
ظاهر قوله: ﴿ أَرُونِي ﴾ أمر، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز، أي: يعجز ولا يقدر ما تعبدون من دونه خلق السماوات والأرض، ولا إشراكه في خلق السماوات، ولا إنزال كتاب من السماء؛ ليأمرهم بذلك، بل الله هو الخالق لذلك كله وهو القادر عليه، فكيف صرفتم العبادة عنه والألوهية إلى من هو عاجز عن ذلك كله؟!
والثاني: على التنبيه والتعبير لهم والتسفيه لأحلامهم؛ يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها دون الله وتسمونها: آلهة لم يخلقوا شيئاً مما ذكر، ولا لهم شرك في ذلك ولا لكم كتاب يبيح لكم ذلك ويأذن لكم، وتعلمون أن الله هو الفاعل لذلك كله حيث قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، ولا لهم كتاب في ذلك؛ لأن الكتاب جهة وصوله إليه الرسول، وأنتم لا تؤمنون بالرسول، فكيف عبدتموها وتركتم عبادة من تعلمون أنه الفاعل لذلك والقادر عليه؟!
وقوله: ﴿ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .
يحتمل جواهر الأرض نفسها، ويحتمل الخارج منها مما به معاشهم وقوامهم؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ يحتمل في جواهرها، ويحتمل ما ينزل عنها مما به معاشهم وأرزاقهم.
وقوله: ﴿ فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي: على حجة وبيان منه.
وقوله: ﴿ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .
يحتمل وعدهم الذي ذكر لبعضهم بعضاً ما قالت القادة منهم والرؤساء للأتباع: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وما لبسوا هم على الأتباع من أمر الكتاب والرسول: هو ساحر كذاب، وأنه مفتر، وأمثال ذلك مما يكثر عدده، فذلك كله منهم تغرير للأتباع.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، فإن كان على هذا فيقول: تعلمون أن الله هو رافع السماوات والأرض والممسك لهما والمانع عن أن تزولا عن مكانهما، لا يقدر أحد على إعادتهما، ولا أمسكهما سواء، فكيف تعبدون من لا يملك ذلك؟!
أو أن يكون ذلك قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ...
﴾ الآية [مريم: 90]، كادتا أن يتفطرن ويتشققن حين قالوا: لله ولد، وله شريك، فإذا قالوا: اتخذ الله ولدا كادتا أن تزولا من مكانهما، وتسقطا عليهم تعظيماً؛ لما قالوا في الله .
وجائز أن يكون لا على الصلة بشيء مما ذكرنا ولكن على الابتداء، فإن كان على الابتداء فهو يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث رفع السماء وأمسكها في الهواء مع غلظها وشدتها بلا عمد من تحت ولا شيء من فوق، يمنعها عن الانحدار والزوال عن مكانها والإقرار على ذلك والتقرير، وفي الشاهد أن ليس في وسع أحد من الخلائق إمساك الشيء في الهواء ولا إقامته إلا بأحد هذين السببين: إما من تحت، وإما من فوق، وكذلك الأرض حيث دحاها وبسطها على الماء، ومن طبعها التسرب والتسفل في الماء لا القرار عليه؛ حيث لا يحفر مكان منها إلا ويخرج منه الماء؛ فدل تقرير الأرض على الماء وإمساك السماء في الهواء بلا شيء يقرهما ويمنعهما عن التسفل والانحدار - أنه الواحد القادر بذاته لا يعجزه شيء.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ .
﴿ حَلِيماً ﴾ : حين لم يرسل السماوات عليهم؛ لعظيم فريتهم على الله والقول فيه بما لا يليق به - وتعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً - وحيث لم يعجل بعقوبتهم في الدنيا، ﴿ غَفُوراً ﴾ : رحيماً حيث ستر عليهم ذلك، ولم يفضحهم في الدنيا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وأقسم هؤلاء الكفار المكذبون قَسَمًا مؤكدًا مغلظًا: لئن جاءه? رسول من الله ينذرهم من عذابه ليكونن أكثر استقامة واتباعًا للحق من اليهود والنصارى وغيرهم، فلما جاءهم محمد مرسلًا من ربه يخوفهم عذاب الله ما زادهم مجيئه إلا بُعْدًا عن الحق وتعلقًا بالباطل، فلم يوفوا بما أقسموا عليه الأيمان المؤكدة من أن يكونوا أهدى ممن سبقوهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.5VZG6"