الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٤٣ من سورة فاطر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٣ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( استكبارا في الأرض ) أي : استكبروا عن اتباع آيات الله ، ( ومكر السيئ ) أي : ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله ، ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) [ أي : وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم .
قال ابن أبي حاتم : ذكر علي بن الحسين ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياك ومكر السيئ ، فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ] ، ولهم من الله طالب " ، ، وقد قال محمد بن كعب القرظي : ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به من مكر أو بغي أو نكث ، وتصديقها في كتاب الله : ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) .
( إنما بغيكم على أنفسكم ) [ يونس : 23 ] ، ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) [ الفتح : 10 ] .
وقوله : ( فهل ينظرون إلا سنة الأولين ) يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره ، ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ) أي لا تغير ولا تبدل ، بل هي جارية كذلك في كل مكذب ، ( ولن تجد لسنة الله تحويلا ) أي : ( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ) [ الرعد : 11 ] ، ولا يكشف ذلك عنهم ويحوله عنهم أحد .
وقوله (اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ) يقول: نفروا استكبارًا في الأرض وخدعة سيئة، وذلك أنهم صدوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به.
والمكر هاهنا: هو الشرك.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَكْرَ السَّيِّئِ ) وهو الشرك.
وأضيف المكر إلى السيئ ، والسيئ من نعت المكر كما قيل إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ وقيل: إن ذلك في قراءة عبد الله (وَمَكْرًا سَيِّئًا)، وفي ذلك تحقيق القول الذي قلناه من أن السيئ في المعنى من نعت المكر.
وقرأ ذلك قراء الأمصار غير الأعمش وحمزة بهمزة محركة بالخفض.
وقرأ ذلك الأعمش وحمزة بهمزة وتسكين الهمزة اعتلالا منهما بأن الحركات لما كثرت في ذلك ثقل، فسكَّنا الهمزة، كما قال الشاعر: إذَا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صَاحِبْ قَوّمِ (1) فسكن الباء لكثرة الحركات.
والصواب من القراءة ما عليه قراء الأمصار من تحريك الهمزة فيه إلى الخفض وغير جائز في القرآن أن يقرأ بكل ما جاز في العربية؛ لأن القراءة إنما هي ما قرأت به الأئمة الماضية، وجاء به السلف على النحو الذي أخذوا عمن قبلهم.
وقوله ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ ) يقول: ولا ينـزل المكر السيئ إلا بأهله، يعني بالذين يمكرونه، وإنما عنى أنه لا يحل مكروه ذلك المكر الذي مكره هؤلاء المشركون إلا بهم.
وقال قتادة في ذلك ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ ) وهو الشرك.
وقوله ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ ) يقول تعالى ذكره: فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد إلا سنة الله بهم في عاجل الدنيا على كفرهم به أليم العقاب، يقول: فهل ينتظر هؤلاء إلا أن أحل بهم من نقمتي على شركهم بي وتكذيبهم رسولي مثل الذي أحللت بمن قبلهم من أشكالهم من الأمم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ ) أي: عقوبة الأولين ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ) يقول: فلن تجد يا محمد لسنة الله تغييرًا.
وقوله ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا ) يقول: ولن تجد لسنة الله في خلقه تبديلا يقول: لن يغير ذلك ولا يبدله؛ لأنه لا مرد لقضائه.
------------------------ الهوامش: (1) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة 267) قال: وقوله (مكر السيئ): أضيف المكر إلى إلى السيئ، وهو هو.
كما قال: (إن هذا لهو حق اليقين).
وتصديق ذلك في رواية عبد الله: (ومكرًا سيئًا).
وقوله (مكر السيئ) الهمزة في السيئ مخفوضة، وقد جزمها الأعمش وحمزة، لكثرة الحركات، كما قال: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)؛ قال الشاعر: إذَا اعْوَجَجْـنَ قلْـتُ صَـاحبْ قَـوّمِ يريد: يا صاحبُ قوم، فجزم الباء لكثرة الحركات قال الفراء: حدثني الرواسي، عن أَبي عمرو بن العلاء: (لا يحزنهم) جزم : ا .
هـ.
استكبارا أي عتوا عن الإيمان ومكر السيئ أي مكر العمل السيئ وهو الكفر وخدع الضعفاء ، وصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم .
وأنث من إحدى الأمم لتأنيث أمة ; قاله الأخفش .
وقرأ حمزة والأخفش ( ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ ) فحذف الإعراب من الأول وأثبته في الثاني .
قال الزجاج : وهو لحن ; وإنما صار لحنا لأنه حذف الإعراب منه .
وزعم المبرد أنه لا يجوز في كلام ولا في شعر ; لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها ، لأنها دخلت للفرق بين المعاني .
وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ بهذا ، قال : إنما كان يقف عليه ، فغلط من أدى عنه ، قال : والدليل على هذا أنه تمام الكلام ، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلام أعرب باتفاق ، والحركة في الثاني أثقل منها في الأول لأنها ضمة بين كسرتين .
وقد احتج بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه ، وأنه أنشد هو وغيره :إذا اعوججن قلت صاحب قوموقال الآخر : [ شعر امرئ القيس ] .[ ص: 321 ]فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغلوهذا لا حجة فيه ; لأن سيبويه لم يجزه ، وإنما حكاه عن بعض النحويين ، والحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجة ، فكيف وإنما جاء به على وجه الشذوذ ولضرورة الشعر وقد خولف فيه .
وزعم الزجاج أن أبا العباس أنشده :إذا اعوججن قلت صاح قوموأنه أنشد :فاليوم اشرب غير مستحقببوصل الألف على الأمر ; ذكر جميعه النحاس .
الزمخشري : وقرأ حمزة ( ومكر السيئ ) بسكون الهمزة ، وذلك لاستثقاله الحركات ، ولعله اختلس فظن سكونا ، أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدأ ( ولا يحيق ) .
وقرأ ابن مسعود ( ومكرا سيئا ) وقال المهدوي : ومن سكن الهمزة من قوله : ( ومكر السيئ ) فهو على تقدير الوقف عليه .
ثم أجرى الوصل مجرى الوقف ، أو على أنه أسكن الهمزة لتوالي الكسرات والياءات ، كما قال :فاليوم أشرب غير مستحقبقال القشيري : وقرأ حمزة ( ومكر السيئ ) بسكون الهمزة ، وخطأه أقوام .
وقال قوم : لعله وقف عليه لأنه تمام الكلام ، فغلط الراوي وروى ذلك عنه في الإدراج ، وقد سبق الكلام في أمثال هذا ، وقلنا : ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأه فلا بد من جوازه ، ولا يجوز أن يقال : إنه لحن ، ولعل مراد من صار إلى التخطئة أن غيره أفصح منه ، وإن كان هو فصيحا .
ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله أي لا ينزل عاقبة الشرك إلا بمن أشرك .
وقيل : هذا إشارة إلى قتلهم ببدر .
وقال الشاعر :وقد دفعوا المنية فاستقلت ذراعا بعدما كانت تحيقأي تنزل ، وهذا قول قطرب .
وقال الكلبي : يحيق بمعنى يحيط .
والحوق الإحاطة ، يقال : حاق به كذا أي أحاط به .
وعن ابن عباس أن كعبا قال له : إني أجد في التوراة ( من حفر لأخيه حفرة وقع فيها ) ، فقال ابن عباس : فإني أوجدك في القرآن ذلك .
قال : وأين ؟
قال : فاقرأ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ومن أمثال العرب ( من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا ) وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تمكر ولا تعن ماكرا فإن الله [ ص: 322 ] تعالى يقول : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ، ولا تبغ ولا تعن باغيا فإن الله تعالى يقول : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه وقال تعالى : إنما بغيكم على أنفسكم يعني بعد .
.
" وقال بعض الحكماء :يا أيها الظالم في فعله والظلم مردود على من ظلمإلى متى أنت وحتى متى تحصي المصائب وتنسى النعموفي الحديث المكر والخديعة في النار .
فقوله : ( في النار ) يعني في الآخرة تدخل أصحابها في النار ; لأنها من أخلاق الكفار لا من أخلاق المؤمنين الأخيار ; ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في سياق هذا الحديث : وليس من أخلاق المؤمن المكر والخديعة والخيانة .
وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة ، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة .قوله تعالى : فهل ينظرون إلا سنة الأولين أي إنما ينتظرون العذاب الذي نزل بالكفار الأولين .
فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا أي أجرى الله العذاب على الكفار ، وجعل ذلك سنة فيهم ، فهو يعذب بمثله من استحقه ، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك ، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره .
والسنة الطريقة ، والجمع سنن .
وقد مضى في ( آل عمران ) وأضافها إلى الله عز وجل .
وقال في موضع آخر : سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا فأضاف إلى القوم لتعلق الأمر بالجانبين ; وهو كالأجل ، تارة يضاف إلى الله ، وتارة إلى القوم ; قال الله تعالى : فإن أجل الله لآت وقال : فإذا جاء أجلهم .
وليس إقسامهم المذكور، لقصد حسن، وطلب للحق، وإلا لوفقوا له، ولكنه صادر عن استكبار في الأرض على الخلق، وعلى الحق، وبهرجة في كلامهم هذا، يريدون به المكر والخداع، وأنهم أهل الحق، الحريصون على طلبه، فيغتر به المغترون، ويمشي خلفهم المقتدون.{ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ } الذي مقصوده مقصود سيئ، ومآله وما يرمي إليه سيئ باطل { إِلَّا بِأَهْلِهِ } فمكرهم إنما يعود عليهم، وقد أبان اللّه لعباده في هذه المقالات وتلك الإقسامات، أنهم كذبة في ذلك مزورون، فاستبان خزيهم، وظهرت فضيحتهم، وتبين قصدهم السيئ، فعاد مكرهم في نحورهم، ورد اللّه كيدهم في صدورهم.فلم يبق لهم إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، الذي هو سنة اللّه في الأولين، التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد، أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، فَلْيَتَرَّقب هؤلاء، ما فعل بأولئك.
( استكبارا في الأرض ) نصب " استكبارا " على البدل من النفور ( ومكر السيئ ) يعني : العمل القبيح ، أضيف المكر إلى صفته ، قال الكلبي : هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقرأ حمزة : " مكر السيئ " ساكنة الهمزة تخفيفا ، وهي قراءة الأعمش ( ولا يحيق المكر السيئ ) أي : لا يحل ولا يحيط المكر السيئ ) ( إلا بأهله ) فقتلوا يوم بدر ، وقال ابن عباس : عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك .
والمعنى : وبال مكرهم راجع إليهم ) ( فهل ينظرون ) ينتظرون ) ( إلا سنة الأولين ) إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)
«استكبارا في الأرض» عن الإيمان مفعول له «ومكر» العمل «السيء» من الشرك وغيره «ولا يحيق» يحيط «المكر السيء إلا بأهله» وهو الماكر، ووصف المكر بالسيء أصل، وإضافته إليه قيل استعمال آخر قدر فيه مضاف حذرا من الإضافة إلى الصفة «فهل ينظرون» ينتظرون «إلا سُنَّةَّ الأولين» سنة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم «فلن تجد لسنَّةِ الله تبديلا ولن تجد لسنَّةِ الله تحويلا» أي لا يبدل بالعذاب غيره ولا يحول إلى غير مستحقه.
ليس إقسامهم لقَصْد حسن وطلبًا للحق، وإنما هو استكبار في الأرض على الخلق، يريدون به المكر السيِّئ والخداع والباطل، ولا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله، فهل ينتظر المستكبرون الماكرون إلا العذاب الذي نزل بأمثالهم الذين سبقوهم، فلن تجد لطريقة الله تبديلا ولا تحويلا فلا يستطيع أحد أن يُبَدِّل، ولا أن يُحَوِّل العذاب عن نفسه أو غيره.
وقوله - تعالى - : ( استكبارا فِي الأرض ) بدل من ( نُفُوراً ) أو مفعول لأجله ( وَمَكْرَ السيىء ) معطوف على استكبارا .والمراد بمكرهم السيئ : تصميمهم على الشرك ، تكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، من أجل المعاندة للحق ، والاستكبار عنه ، ومن أجل المكر السيئ الذى استولى على نفوسهم ، والحق الدفين الذى فى قلوبهم .وقوله ( السيىء ) صفة لموصوف مذحوف .
وأصل التركيب : وأن مكروا المكر السيئ ، فأيم المصدر مقام أن والفعل ، وأضيف إلى ما كان صفة له .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) بيان لسوء عاقبة مكرهم ، وأن شره ما نزل إلا بهم .وقوله : ( يَحِيقُ ) بمعنى يحيط وينزل .
يقول : حاق بفلان الشئ ، إذا أحاط ونزل به .
أى : ولا ينزل ولا يحيط شر لك المكر السيئ إلا بأهله الماكرين .قال صاحب الكشاف : لقد حاق بهم يوم بدر .
وعن النبى صلى الله عليه وسلم : " لا تمركوا ولا تعينوا ماكرا ، فإن الله - تعالى - يقول : ( وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) ولا تبغوا ولا تعينوا باغياً ، فإن الله - تعالى - يقول : ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ) " .وقال الآلوسى - رحمه الله - : والاية عامة على الصحيح ، والأمور بعواقبها ، والله - تعالى - بمهل ولا يهمل ، وراء الدنيا الآخرة ، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .وبالجملة : من مكر به غيره ، ونفذ فيه المكر عاجلاً فى الظاهر ، ففى الحقيقة هو الفائز ، والماكر هو الهالك .وقوله - تعالى - : ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ آلأَوَّلِينَ ) حض لهم على الاستجابة للحق ، وترك المكر والمخادعة والعناد .
والسنة : الطريقة .
.أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا ، فهل ينتظر هؤلاء الماكرون ، إلا طريقتنا فى الماكرين من قبلهم .
وهى إهلاكهم ونزول العذاب والخسران بهم؟
إنهم ما ينتظرون إلا ذلك .وقوله - سبحانه - : ( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً ) تأكيد لثبات سنته - تعالى - فى خلقه ، وتعليل لما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب .أى : هذه سنتنا وطريقتنا فى الماكرين لرسلهم ، أننا نمهلهم ولا نهملهم ، ونجعل العاقبة السيئة لهم .
ولن تجد لسنة الله - تعالى - فى خلقه تبديلا بأن يضع غيرها مكانها ، ولن تجد لها تحويلا عما سارت عليه وجرت به .قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ آلأَوَّلِينَ ) مصدر مضاف لمفعوله تارة كما هنا ، ولفاعله أخرى كقوله ( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً ) لأنه - تعالى - سنها بهم ، فصحت إضافتها للفاعل وللمفعول ، والفاء فى قوله ( فَلَن تَجِدَ ) لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب .
ونفى وجدان التبديل والتحويل ، عبارة عن نفى وجودهما بالطريق البرهانى ، وتخصيص كل منهما بنفى مستقل لتأكيد انتفائهما .والمراد : بعدم التبديل .
أن العذاب لا يبدل بغيره .
وبعدم التحويل : أنه لا يحول عن مستحقه إلى غيره .
وجمع بينهما هنا : تعميما لتهديد المسئ لقبح مكره .
لما بين إنكارهم للتوحيد ذكر تكذيبهم للرسول ومبالغتهم فيه حيث إنهم كانوا يقسمون على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلاً وقالوا: إنما نكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم لكونه كاذباً، ولو تبين لنا كونه رسولاً لآمنا كما قال تعالى عنهم: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ وهذا مبالغة منهم في التكذيب، كما أن من ينكر دين إنسان قد يقول والله لو علمت أن له شيئاً علي لقضيته وزدت له، إظهاراً لكونه مطالباً بالباطل، فكذلك هاهنا عاندوا وقالوا والله لو جاءنا رسول لكنا أهدى الأمم فلما جاءهم نذير أي محمد صلى الله عليه وسلم جاءهم أي صح مجيؤه لهم بالبينة ما زادهم إلا نفوراً، فإنهم قبل الرسالة كانوا كافرين بالله وبعدها صاروا كافرين بالله ورسوله ولأنهم قبل الرسالة ما كانوا معذبين كما صاروا، بعد الرسالة وقال بعض المفسرين: إن أهل مكة كانوا يلعنون اليهود والنصارى على أنهم كذبوا برسلهم لما جاءوهم وقالو لو جاءنا رسول لأطعناه واتبعناه، وهذا فيه إشكال من حيث إن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر مطلقاً، فكيف كانوا يعترفون بالرسل، فمن أين عرفوا أن اليهود كذبوا وما جاءهم كتاب ولولا كتاب الله وبيان رسوله من أين كان يعلم المشركون أنهم صدقوا شيئاً وكذبوا في شيء؟
بل المراد ما ذكرنا أنهم كانوا يقولون نحن لو جاءنا رسول لا ننكره وإنما ننكر كون محمد رسولاً من حيث إنه كاذب ولو صح كونه رسولاً لآمنا وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ ﴾ أي فلما صح لهم مجيؤه بالمعجزة، وفي قوله: ﴿ أهدى ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون المراد أهدى مما نحن عليه وعلى هذا فقوله: ﴿ مِنْ إِحْدَى الأمم ﴾ للنبيين كما يقول القائل زيد من المسلمين ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمُ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ أي صاروا أضل مما كانوا وكانوا يقولون نكون أهدى وثانيهما: أن يكون المراد أن نكون أهدى من إحدى الأمم كما يقول القائل زيد أولى من عمرو، وفي الأمم وجهان: أحدهما: أن يكون المراد العموم أي أهدى من أي إحدى الأمم وفيه تعريض وثانيهما: أن يكون المراد تعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى ومن كان في زمانهم.
ثم قال تعالى: ﴿ استكبارا فِي الأرض ﴾ ونصبه يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون حالاً أي مستكبرين في الأرض.
وثانيها: أن يكون مفعولاً له أي للاستكبار.
وثالثها: أن يكون بدلاً عن النفور وقوله: ﴿ وَمَكْرَ السَّيِّئ ﴾ إضافة الجنس إلى نوعه كما يقال علم الفقه وحرفة الحدادة وتحقيقه أن يقال معناه ومكروا مكراً سيئاً ثم عرف لظهور مكرهم، ثم ترك التعريف باللام وأضيف إلى السيء لكون السوء فيه أبين الأمور، ويحتمل أن يقال بأن المكر يستعمل استعمال العمل كما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿ والذين يَمْكُرُونَ السيئات ﴾ أي يعملون السيئات، ومكرهم السيء، وهو جميع ما كان يصدر منهم من القصد إلى الإيذاء ومنع الناس من الدخول في الإيمان وإظهار الإنكار، ثم قال: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ أي لا يحيط إلا بفاعله وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ فوائد، أما في قوله: ﴿ يَحِيقُ ﴾ فهي أنها تنبئ عن الإحاطة التي هي فوق اللحوق وفيه من التحذير ما ليس في قوله ولا يلحق أو ولا يصل، وأما في قوله: ﴿ بِأَهْلِهِ ﴾ ففيه ما ليس في قول القائل ولا يحيق المكر السيء إلا بالماكر، كي لا يأمن المسيء فإن من أساء ومكره سيء آخر قد يلحقه جزاء على سيئه، وأما إذا لم يكن سيئاً فلا يكون أهلاً فيأمن المكر السيء، وأما في النفي والإثبات ففائدته الحصر بخلاف ما يقول القائل المكر السيء يحيق بأهله، فلا ينبئ عن عدم الحيق بغير أهله، فإن قال قائل: كثيراً ما نرى أن الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك، فنقول الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم، حيث قتلوا يوم بدر وغيره.
وثانيها: هو أن نقول المكر السيء عام وهو الأصح فإن النبي عليه السلام نهى عن المكر وأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله».
وعلى هذا فذلك الرجل الممكور به (لا) يكون أهلاً فلا يرد نقضاً.
وثالثها: أن الأمور بعواقبها، ومن مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهر ففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك وذلك مثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا، ويبين هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ ﴾ يعني إذا كان لمكرهم في الحال رواج فالعاقبة للتقوى والأمور بخواتيمها، فيهلكون كما هلك الأولون.
وقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ ﴾ أي ليس لهم بعد هذا إلا انتظار الإهلاك وهو سنة الأولين وفيه مسائل: المسألة الأولى: الإهلاك ليس سنة الأولين إنما هو سنة الله بالأولين، فنقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن المصدر الذي هو المفعول المطلق يضاف إلى الفاعل والمفعول لتعلقه بهما من وجه دون وجه فيقال فيما إذا ضرب زيد عمراً عجبت من ضرب عمرو كيف ضرب مع ماله من العزم والقوة وعجبت من ضرب زيد كيف ضرب مع ماله من العلم والحكمة فكذلك سنة الله بهم أضافها إليهم لأنها سنة سنت بهم وأضافها إلى نفسه بعدها بقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً ﴾ لأنها سنة من سنن الله، إذا علمت هذا فنقول أضافها في الأول إليهم حيث قال: ﴿ سنة الأَولين ﴾ لأن سنة الله الإهلاك بالإشراك والإكرام على الإسلام فلا يعلم أنهم ينتظرون أيهما فإذا قال سنة الأولين تميزت وفي الثاني أضافها إلى الله، لأنها لما علمت فالإضافة إلى الله تعظمها وتبين أنها أمر واقع ليس لها من دافع وثانيهما: أن المراد من سنة الأولين استمرارهم على الإنكار واستكبارهم عن الإقرار، وسنة الله استئصالهم بإصرارهم فكأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأولين والله يأتي بسنة لا تبديل لها ولا تحويل عن مستحقها.
المسألة الثانية: التبديل تحويل فما الحكمة في التكرار؟
نقول بقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً ﴾ حصل العلم بأن العذاب لا تبديل له بغيره، وبقوله: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً ﴾ حصل العلم بأن العذاب مع أنه لا تبديل له بالثواب لا يتحول عن مستحقه إلى غيره فيتم تهديد المسيء.
المسألة الثالثة: المخاطب بقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ ﴾ يحتمل وجهين وقد تقدم مراراً أحدهما: أن يكون عاماً كأنه قال فلن تجد أيها السامع لسنة الله تبديلاً والثاني: أن يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فكأنه قال: سنة الله أنه لا يهلك ما بقي في القوم من كتب الله إيمانه، فإذا آمن من في علم الله أنه يؤمن يهلك الباقين كما قال نوح: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ ﴾ أي تمهل الأمر وجاء وقت سنتك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب ﴾ القرآن.
ومن للتبيين أو الجنس.
و (من) للتبعيض ﴿ مُصَدّقاً ﴾ حال مؤكدة؛ لأنّ الحق لا ينفك عن هذا التصديق ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ لما تقدّمه من الكتب ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يعني أنه خبرك وأبصر أحوالك، فرآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ ﴾ .
وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا بَلَغَهم أنَّ أهْلَ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهم قالُوا: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى لَوْ أتانا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ، أيْ مِن واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ، أوْ مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي يُقالُ فِيها هي إحْدى الأُمَمِ تَفْضِيلًا لَها عَلى غَيْرِها في الهُدى والِاسْتِقامَةِ.
﴿ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ ما زادَهُمْ ﴾ أيِ النَّذِيرُ أوْ مَجِيئُهُ عَلى التَّسَبُّبِ.
﴿ إلا نُفُورًا ﴾ تَباعُدًا عَنِ الحَقِّ.
﴿ اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ﴾ بَدَلٌ مِن ( نُفُورًا ) أوْ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ﴾ أصْلُهُ وإنْ مَكَرُوا المَكْرَ السَّيِّئَ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ اسْتِغْناءً بِوَصْفِهِ، ثُمَّ بُدِلَ أنْ مَعَ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ، ثُمَّ أُضِيفَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ.
﴿ وَلا يَحِيقُ ﴾ ولا يُحِيطُ.
﴿ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ ﴾ وهو الماكِرُ وقَدْ حاقَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقُرِئَ «وَلا يُحِيقُ المَكْرَ» أيْ ولا يُحِيقُ اللَّهُ.
﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ يَنْتَظِرُونَ.
﴿ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ ﴾ سُنَّةَ اللَّهِ فِيهِمْ بِتَعْذِيبِ مُكَذِّبِيهِمْ.
﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا ﴾ إذْ لا يُبَدِّلُها بِجَعْلِهِ غَيْرَ التَّعْذِيبِ تَعْذِيبًا ولا يُحَوِّلُها بِأنْ يَنْقُلَهُ مِنَ المُكَذِّبِينَ إلى غَيْرِهِمْ، وقَوْلُهُ: <div class="verse-tafsir"
{استكبارا فِى الأرض} مفعول له وكذا وَمَكْرَ السيىء والمعنى وما زادهم الا نفورا للاستكبار ومكر السيء أو حال يعنى مستكبرين وما كرين برسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ومر السيء وأن مكروا السيء أي المكر السيء ثم ومكرا السيء والدليل عليه قوله ولا يحيق يحيط وينزل المكر السيء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ولقد حاق بهم يوم بدر وفي المثل من حفر لأخيه جباً وقع فيه مكبا {فهل ينظرون إلا سنة الأولين} وهو إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم والمعنى فهل ينظرون بعد تكذيبك إلا أن ينزل بهم العذاب مثل الذي نزل عن قبلهم من مكذبى الرسل جعل است ٤ قبالهم لذلك انتظار له منهم {فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تَحْوِيلاً} بين أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة لا يبدلها في ذاتها ولا يحولها عن أوقاتها وأن ذلك مفعول لا محالة
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ نُفُورًا ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ونُقِلَ الأوَّلُ عَنِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: هو حالٌ، أيْ مُسْتَكْبِرِينَ.
﴿ ومَكْرَ السَّيِّئِ ﴾ هو الخِداعُ الَّذِي يَرُومُونَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ والكَيْدُ لَهُ، وقالَ قَتادَةُ هو الشِّرْكُ، ورَوى ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ اسْتِكْبارًا ﴾ وأصْلُ التَّرْكِيبِ وإنْ مَكَرُوا السَّيِّئَ عَلى أنَّ ﴿ السَّيِّئِ ﴾ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أيِ المَكْرِ المُسِيءِ، ثُمَّ أُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَ أنْ والفِعْلِ وأُضِيفَ إلى ما كانَ صِفَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ نُفُورًا ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ «اَلسَّيِّئ» بِإسْكانِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ وإجْراءِ المُنْفَصِلِ مَجْرى المُتَّصِلِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَحْنٌ لِما فِيها مِن حَذْفِ الإعْرابِ كَما قالَ أبُو جَعْفَرٍ، وزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ أنَّ الحَذْفَ لا يَجُوزُ في نَثْرٍ ولا شِعْرٍ لِأنَّ حَرَكاتِ الإعْرابِ دَخَلَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعانِي، وقَدْ أعْظَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ الأعْمَشُ قَرَأ بِها، وقالَ: إنَّما كانَ يَقِفُ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَغَلِطَ مَن أدّى عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا أنَّها تَمامُ الكَلامِ ولِذا لَمْ يَقْرَأْ في نَظِيرِها كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الحَرَكَةَ فِيهِ أثْقَلُ لِأنَّها ضَمَّةٌ بَيْنَ كَسْرَتَيْنِ، والحَقُّ أنَّها لَيْسَتْ بِلَحْنٍ، وقَدْ أكْثَرَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ مِنَ الِاسْتِشْهادِ والِاحْتِجاجِ لِلْإسْكانِ مِن أجْلِ تَوالِي الحَرَكاتِ والوَصْلِ بِنِيَّةِ الوَقْفِ، وقالَ اِبْنُ القُشَيْرِيِّ: ما ثَبَتَ بِالِاسْتِفاضَةِ أوِ التَّواتُرِ أنَّهُ قُرِئَ بِهِ فَلا بُدَّ مِن جَوازِهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَحْنٌ، ولَعَمْرِي أنَّ الإسْكانَ هاهُنا أحْسَنُ مِنَ الإسْكانِ في ﴿ بارِئِكُمْ ﴾ كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ «ومَكْرُ السَّأْيِ» بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ وياءٍ بَعْدَها مَكْسُورَةٍ وهو مَقْلُوبُ (اَلسَّيْئِ) المُخَفَّفِ مِن ﴿ السَّيِّئِ ﴾ كَما قالَ الشّاعِرُ: ولا يَجْزُونَ مِن حَسَنٍ بِسَيْءٍ ولا يَجْزُونَ مِن غِلَظٍ بِلِينِ وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ «مَكْرًا سَيِّئًا» عَطَفَ نَكِرَةً عَلى نَكِرَةٍ.
﴿ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ ﴾ أيْ لا يُحِيطُ ﴿ إلا بِأهْلِهِ ﴾ وقالَ الرّاغِبُ: أيْ لا يُصِيبُ ولا يَنْزِلُ، وأيًّا ما كانَ فَهو إنَّما ورَدَ فِيما يُكْرَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَ حاقَ حَقَّ فَجِيءَ بَدَلَ أحَدِ المِثْلَيْنِ بِالألِفِ نَحْوَ ذَمَّ وذامَ وزَلَّ وزالَ، وهَذا مِن إرْسالِ المَثَلِ ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ مَن حَفَرَ مُغَوّاةً وقَعَ فِيها، قالَ: أنا وجَدْتُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ الآيَةَ، وفي الخَبَرِ: ««لا تَمْكُرُوا ولا تُعِينُوا ماكِرًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ ﴾ ولا تَبْغُوا ولا تُعِينُوا باغِيًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ »» وقَدْ حاقَ مَكْرُ هَؤُلاءِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
والآيَةُ عامَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ والأُمُورُ بِعَواقِبِها، واَللَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ، ووَراءَ الدُّنْيا الآخِرَةُ، وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيْ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وبِالجُمْلَةِ مَن مَكَرَ بِهِ غَيْرُهُ ونَفَذَ فِيهِ المَكْرُ عاجِلًا في الظّاهِرِ، فَفي الحَقِيقَةِ هو الفائِزُ والماكِرُ هو الهالِكُ، أسْألُ اللَّهَ تَعالى بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأعْظَمِ أنْ يَدْفَعَ ويَرْفَعَ عَنّا مَكْرَ الماكِرِينَ وأنْ يُعامِلَهم في الدّارَيْنِ بِعَدْلِهِ إنَّهُ سُبْحانَهُ القَوِيُّ المَتِينُ.
وقُرِئَ «ولا يُحِيقُ» بِضَمِّ الياءِ «اَلْمَكْرَ السَّيِّئَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ يُحِيقُ مِن أحاقَ المُتَعَدِّي وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى والمَكْرُ مَفْعُولُهُ.
﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ، وهو مَجازٌ بِجَعْلِ ما يُسْتَقْبَلُ بِمَنزِلَةِ ما يُنْتَظَرُ ويُتَوَقَّعُ ﴿ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ إلّا سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ بِتَعْذِيبِ مُكَذِّبِيهِمْ.
﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾ بِأنْ يَضَعَ سُبْحانَهُ مَوْضِعَ العَذابِ ﴿ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا ﴾ بِأنْ يَنْقُلَ عَذابَهُ مِنَ المُكَذِّبِينَ إلى غَيْرِهِمْ، والفاءُ لِتَعْلِيلِ ما يُفِيدُهُ الحُكْمُ بِانْتِظارِهِمُ العَذابَ مِن مَجِيئِهِ، ونَفْيُ وِجْدانِ التَّبْدِيلِ والتَّحْوِيلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ وجُودِهِما بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنهُما بِنَفْيٍ مُسْتَقِلٍّ لِتَأْكِيدِ اِنْتِفائِهِما، والخِطابُ عامٌّ أوْ خاصٌّ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله عز وجل لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ الموت.
ويقال: لا يرسل عليهم ولا ينزل الموت فَيَمُوتُوا حتى يستريحوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها يعني: من عذاب جهنم كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ يعني: هكذا نعاقب كل كافر بالله تعالى.
قرأ أبو عمرو يَجْزِى بالياء والضم ونصب الزاي كُلَّ كَفُورٍ بضم اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون نَجْزِي بالنون والنصب كُلَّ بنصب اللام ومعنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد.
يعني: كذلك يجزي الله تعالى.
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال عز وجل: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها أي: يستغيثون.
يقال: صرخ يصرخ إذا أغاث واستغاث وهو من الأضداد.
ويستعمل للإغاثة والاستغاثة، لأن كل واحد منهما يصلح وهو افتعال من الصراخ.
يعني: يدعون في النار ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ يعني: نعمل غير الشرك وغير المعصية.
يقول الله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يعني: أولم نعطكم من العمر والمهلة في الدنيا مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ يعني: يتعظ فيه من أراد أن يتعظ.
وروى مجاهد عن ابن عباس في قوله أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ قال: العمر ستون سنة وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب والهرم.
وروي أن إبراهيم الخليل أول من رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟
فقال: هذا وقار في الدنيا، ونور في الآخرة.
فقال: يا رب زدني وقاراً.
ويقال: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يعني: أولم نعطكم، ونطول أعماركم وما يَتَذَكَّرُ فِيهِ من تذكر أي: مقدار ما يتعظ فيه من يتعظ.
وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: «لَقَدَ أَعْذَرَ الله إلَى عَبْدٍ أحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً أزَالَ عُذْرَهُ» وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي: الرسول فَذُوقُوا العذاب في النار فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ يعني: ما للمشركين من مانع من عذاب الله عز وجل.
ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: غيب ما يكون في السموات والأرض.
يعني: أنهم لو رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عنه إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: عليم بما في قلوبهم.
ويقال: عالم بما في قلوب العباد من الخير والشر.
ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ يعني: قل لهم يا محمد الله تعالى جعلكم سكان الأرض من بعد الأمم الخالية فَمَنْ كَفَرَ بتوحيد الله فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ يعني: عاقبة كفره وعقوبة كفره وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وهو الغضب الشديد الذي يستوجب العقوبة.
يعني: لا يزدادون في طول أعمارهم إلا غضب الله تعالى عليهم.
وقال الزجاج: المقت أشد الغضب وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً يعني: غبناً في الآخرة وخسراناً.
ثم قال عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: تعبدون من دون الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ يعني: أخبروني أي شيء خلقوا مما في السموات أو مما في الأرض من الخلق.
وقال القتبي: من بمعنى في يعني: أروني ماذا خلقوا في الأرض.
يعني: أي شيء خلقوا في الأرض كما خلق الله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ يعني: عون على خلق السموات والأرض.
ويقال: نصيب في السموات.
واللفظ لفظ الاستفهام والشك، والمراد به النفي.
يعني: ليس لهم شرك فى السموات.
ثم قال: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً يعني: أعطيناهم كتاباً.
اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به النفي.
يعني: كما ليس لهم كتاب فيه حجة على كفرهم فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ يعني: ليسوا على بيان مما يقولون.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وعاصم، في رواية حفص عَلى بَيِّنَةٍ بغير ألف.
وقرأ الباقون: بينات بلفظ الجماعة، ومعناهما واحد، لأن الواحد ينبئ عن الجماعة.
ثم قال: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً يعني: ما يعد الظالمون بعضهم بعضا.
يعني: الشياطين للكافرين من الشفاعة لمعبودهم إِلَّا غُرُوراً يعني: باطلا.
<div class="verse-tafsir"
تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] الآية.
والضمير في يَدْخُلُونَها على هذا التأويل خاصٌّ بالمُقْتَصِد والسابق، وباقي الآية بيّن، والْحَزَنَ في هذه الآية عامٌ في جميع أنواع الأحزان، وقولهم: إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ وصفوه سبحانه بأنه يغفر الذنوبَ، ويجازي على القليلِ من الأعمال بالكثير من الثوابِ، وهذا هو شكره، لا ربّ سواه، ودارَ الْمُقامَةِ: الجنة، والْمُقامَةِ: الإقامةُ و «النَّصَبُ» : تعب البَدَنِ و «اللغوب» : تعب النّفس اللازم عن تعب البدن.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠)
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ هذه الآية تؤيد التأوِيلَ الأوَّل مِن أنَّ الثَلاَثَةَ الأصْنَافِ هي كلها في الجنة، لأن ذكر الكافرين أفرد هاهنا.
وقوله: لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ أي لا يُجْهَزُ عليهم.
وقولهم: رَبَّنا أَخْرِجْنا أي: يقولون هذه المقالة فيقال لهم على جهة التوبيخ:
أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ الآية.
واخْتُلِفَ في المدة التي هي حَدُّ للتذكر، فقال الحسن بن أبي الحسن: البلوغُ، يريد أنه أول حال التذكر «١» .
وقال ابن عباس أربعون سنة وهذا قول حسن «٢» ورويت فيه آثارُ.
ورُوِيَ أن العبدَ إذا بلغ أربعينَ سنةً ولم يتب مسح الشيطانُ على وجهه، وقال: بأبي وجهٌ لا يفلح، وقيل: الستين وفيه حديث.
ت: وفي «البخاري» : من بلغ ستين سنة فقد أَعْذَرَ الله إليه لقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب.
ثم أسند عن أبي هريرة عن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ حَلَفُوا بِاللَّهِ قَبْلَ إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﴿ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ ﴾ أيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَيَكُونُنَّ أهْدى ﴾ أيْ: أصْوَبَ دِينًا ﴿ مِن إحْدى الأُمَمِ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى والصّابِئِينَ ﴿ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﴿ ما زادَهُمْ ﴾ مَجِيئُهُ ﴿ إلا نُفُورًا ﴾ أيْ: تَباعُدًا عَنِ الهُدى، ﴿ اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ﴾ أيْ: عُتُوًّا عَلى اللَّهِ وتَكَبُّرًا عَنِ الإيمانِ بِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: نَصْبُ " اسْتِكْبارًا " عَلى البَدَلِ مِنَ النُّفُورِ.
قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَعَلُوا ذَلِكَ اسْتِكْبارًا ﴿ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ﴾ ، فَأُضِيفَ المَكْرُ إلى السَّيِّئِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ ﴾ ، وتَصْدِيقُهُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: " ومَكْرًا سَيِّئًا "، والهَمْزَةُ في " السَّيِّئِ " مَخْفُوضَةٌ، وقَدْ جَزَمَها الأعْمَشُ وحَمْزَةُ، لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ الحُذّاقِ لَحْنٌ، إنَّما يَجُوزُ في الشِّعْرِ اضْطِرارًا.
وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: كانَ الأعْمَشُ يَقِفُ عَلى " مَكْرَ السِّيِّئِ " فَيَتْرُكُ الحَرَكَةَ، وهو وقْفٌ حَسَنٌ تامٌّ، فَغَلِطَ الرّاوِي، فَرَوى أنَّهُ كانَ يَحْذِفُ الإعْرابَ في الوَصْلِ، فَتابَعَ حَمْزَةُ الغالِطَ، فَقَرَأ في الإدْراجِ بِتَرْكِ الحَرَكَةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِـ ( مَكْر السَّيْئ ) قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الشِّرْكُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاقِبَةُ الشِّرْكِ لا تَحِلُّ إلّا بِمَن أشْرَكَ.
والثّانِي: أنَّهُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ ﴿ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهم ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ ﴾ في العَذابِ ﴿ تَبْدِيلا ﴾ وإنْ تَأخَّرَ ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُحَوِّلَ العَذابَ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا ﴾ ﴿ اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَيِّئِ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَأقْسَمُوا" ﴾ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ تَأْخُذُ عَلى اليَهُودِ والنَصارى في تَكْذِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وتَقُولُ لَوْ جاءَنا نَحْنُ رَسُولٌ لَكُنّا أهْدى مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ.
و ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: بِغايَةِ اجْتِهادِهِمْ، و ﴿ إحْدى الأُمَمِ ﴾ يُرِيدُونَ اليَهُودَ والنَصارى، و"النُفُورُ": البُعْدُ عَنِ الشَيْءِ والفَزَعُ مِنهُ والِاسْتِبْشاعُ لَهُ.
و"اسْتِكْبارًا" قِيلَ فِيهِ: بَدَلٌ مِنَ النُفُورِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: نَفَرُوا مِن أجْلِ الِاسْتِكْبارِ، وأضافَ "المَكْرَ" إلى "السَيِّئِ" وهو صِفَةٌ، كَما قِيلَ: "دارُ الآخِرَةِ، ومَسْجِدُ الجامِعِ، وجانِبُ الغَرْبِيِّ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن ﴿ "السَيِّئِ" ﴾ وأسْكَنَها حَمْزَةُ وحْدَهُ، وهو في الثانِيَةِ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ كالجَماعَةِ، ولَحَّنَ هَذِهِ القِراءَةَ الزَجّاجُ، ووَجَّهَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِوُجُوهٍ، مِنها أنْ يَكُونَ أسْكَنَ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، كَما قالَ: قُلْتُ صاحِبْ قَوِّمِ عَلى أنَّ المُبَرِّدَ رَوى هَذا: "قُلْتُ صاحِ قَوِّمِ".
وكَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ عَلى أنَّ المُبَرِّدَ قَدْ رَواهُ: "فاليَوْمَ فاشْرَبْ"، وكَما قالَ جَرِيرٌ: سِيرُوا بَنِي العَمِّ فالأهْوازُ مَنزِلُكم ∗∗∗ ∗∗∗ ونَهْرُ تِيرى فَلَنْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَمَكْرًا سَيِّئًا"، قالَ أبُو الفَتْحِ: يُعَضِّدُهُ تَنْكِيرُ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: "اسْتِكْبارًا".
و"يَحِيقُ" مَعْناهُ: يُحِيطُ ويَحِلُّ ويَنْزِلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا بِأهْلِهِ ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ إمّا في الدُنْيا وإلّا فَفي الآخِرَةِ، فَعاقِبَتُهُ الفاسِدَةُ لَهُمْ، وإنْ حاقَ في الدُنْيا بِغَيْرِهِمْ أحْيانًا فَعاقِبَةُ ذَلِكَ عَلى أهْلِهِ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ في التَوْراةِ: "مَن حَفْرِ حُفْرَةً لِأخِيهِ وقَعَ فِيها"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أنا أوَجِدُكَ هَذا في كِتابِ اللهِ، ﴿ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَيِّئُ إلا بِأهْلِهِ ﴾ .
و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ.
و"السُنَّةُ": الطَرِيقَةُ والعادَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلا ﴾ أيْ: لِتَعْذِيبِهِ الكَفَرَةَ المُكَذِّبِينَ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَلِيماً غَفُوراً * وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الامم فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ ﴾ ﴿ إِلاَّ نُفُوراً * استكبارا فِى الارض وَمَكْرَ السيئ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاَْوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ ﴾ .
هذا شيء حكاه القرآن عن المشركين فهو حكاية قول صدر عنهم لا محالة، ولم يروَ خبر عن السلَف يعين صدور مقالتهم هذه، ولا قائلها سوى كلام أثر عن الضحاك هو أشبه بتفسير الضمير من ﴿ أقسموا ﴾ ، وتفسير المراد ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ولم يقل إنه سبب نزول.
وقال كثير من المُفسرين: إن هذه المقالة صدرت عنهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا بلغهم أن اليهود والنصارى كذَّبوا الرسل.
والذي يلوح لي: أن هذه المقالة صدرت عنهم في مجاري المحاورة أو المفاخرة بينهم وبين بعض أهل الكتاب ممن يقدم عليهم بمكة، أو يقدمون هم عليهم في أسفارهم إلى يثرب أو إلى بلاد الشام، فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم، فكان المشركون لا يجرأون على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضُلُونهم بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين وهم يأبون أن يتركوا دين الشرك فكانوا يعتذرون بأن رسول القوم الذين يدعونهم إلى دينهم لم يكن مرسلاً إلى العرب ولو جاءنا رسول لكنا أهدى منكم، كما قال تعالى: ﴿ أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ﴾ [الأنعام: 157].
والأظهر أن يكون الداعون لهم هم النصارى لأن الدعاء إلى النصرانية من شعار أصحاب عيسى عليه السلام فإنهم يقولون: إن عيسى أوصاهم أن يرشدوا بني الإِنسان إلى الحق وكانت الدعوة إلى النصرانية فأشبه في بلاد العرب أيام الجاهلية وتنصرت قبائل كثيرة مثل تغلب، ولخم، وكلب، ونجران، فكانت هذه الدعوة إن صح إِيصَاء عيسى عليه السلام بها دعوةَ إرشاد إلى التوحيد لا دعوة تشريع، فإذا ثبتت هذه الوصية فما أراها إلا توطئة لدين يجيء تعمّ دعوته سائر البشر، فكانت وصيته وسطاً بين أحوال الرسل الماضين إذ كانت دعوتهم خاصة وبين حالة الرسالة المحمدية العامة لكافة الناس عزماً.
أما اليهود فلم يكونوا يدعون الناس إلى اليهودية ولكنهم يقبلون من يتهود كما تهود عرب اليمن.: وأحسب أن الدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام، أو تشهير أنها لا تستحق العبادة، لا يخلو عنها علماءُ موحِّدون، وبهذا الاعتبار يصح أن يكون بعض النصاح من أحبار يهود يثرب يعرض لقريش إذا مروا على يثرب بأنهم على ضلال من الشرك فيعتذرون بما في هذه الآية.
وهي تساوق قوله تعالى: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنّا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ﴾ [الأنعام: 155 157].
فيتضح بهذا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها من أخبار ضلال المشركين في شأن الربوبية وفي شأن الرسالة والتديّن، وأن ما حكي فيها هو من ضلالاتهم ومجازفتهم.
والقَسَم بين أهل الجاهلية أكثره بالله، وقد يقسمون بالأصنام وبآبائهم وعَمرهم.
والغالب في ذلك أن يقولوا: باللات والعزى، ولذلك جاء في الحديث: " مَن حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله " أي من جرى على لسانه ذلك جريَ الكلام الغالب وذلك في صدر انتشار الإِسلام.
وجَهد اليمين: أبلغها وأقواهَا.
وأصله من الجَهد وهو التعب، يقال: بلغ كذَا مِنِّي الجَهد، أي عملته حتى بلغ عملُه مني تعبي، كناية عن شدة عزمه في العمل.
فَجهْد الأيمان هنا كناية عن تأكيدها، وتقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ في سورة [العقود: 53]، وتقدم في سورة الأنعام وسورة النحل وسورة النور.
وانتصب جهد } على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع لأنه صفة لِما كان حقه أن يكون مفعولاً مطلقاً وهو ﴿ أيمانهم ﴾ إذ هو جمع يمين وهو الحلف فهو مرادف ل ﴿ أقَسموا ﴾ ، فتقديره: وأقسموا بالله قسماً جهداً، وهو صفة بالمصدر أضيفت إلى موصوفها.
وجملة ﴿ لئن جاءهم نذير ﴾ الخ بيان لجملة ﴿ أقسموا ﴾ كقوله تعالى: ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم الآية ﴾ [طه: 120].
وعبر عن الرسول بالنذير لأن مجادلة أهل الكتاب إياهم كانت مشتملة على تخويف وإنذار، ولذلك لم يقتصر على وصف النذير في قوله تعالى: ﴿ أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ﴾ [المائدة: 19].
وهذا يرجح أن تكون المجادلة جرت بينهم وبين بعض النصارى لأن الإِنجيل معظمه نذارة.
و ﴿ إحدى الأمم ﴾ أمة من الأمم ذات الدين؛ فإن عنوا بها أمة معروفة: إمّا الأمة النصرانية، وإما الأمة اليهودية، أو الصابئة كان التعبير عنها ب ﴿ إحدى الأمم ﴾ إبهاماً لها يحتمل أن يكون إبهاماً من كلام المقسمين تجنباً لمجابهة تلك الأمة بصريح التفضيل عليها، ويحتمل أن يكون إبهاماً من كلام القرآن على عادة القرآن في الترفع عما لا فائدة في تعيينه إذ المقصود أنهم أشهدوا الله على أنهم إن جاءهم رسول يكونوا أسبق من غيرهم اهتداء فإذا هم لم يشموا رائحة الاهتداء.
ويحتمل أن يكون فريق من المشركين نظَّروا في قَسَمهم بهدي اليهود، وفريق نظَّروا بهدي النصارى، وفريق بهدي الصابئة، فجَمعت عبارة القرآن ذلك بقوله: ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ليأتي على مقالة كل فريق مع الإِيجاز.
وذكر في «الكشاف» وجهاً آخر أن يكون ﴿ إحدى الأمم ﴾ بمعنى أفضل الأمم، فيكون من تعبير المقسمين، أي أهدى من أفضل الأمم، ولكنه بناه على التنظير بما ليس له نظير، وهو قولهم: إحدى الإِحَد (بكسر الهمزة وفتح الحاء في الإِحَد) ولا يتم التنظير لأن قولهم: إحدى الإِحَد، جرى مجرى المثل في استعظام الأمر في الشرّ أو الخير.
وقرينة إرادة الاستعظام إضافة «إحدى» إلى اسم من لفظها فلا يقتضي أنه معنى يراد في حالة تجرد ﴿ إحدى ﴾ عن الإضافة.
وبين: ﴿ أهدى ﴾ و ﴿ إحدى ﴾ الجناس المحرِّف.
وهذه الآية وغيرها وما يؤثر من تنصُّر بعض العرب ومن اتساع بعضهم في التحنف يدل على أنهم كانوا يعلمون رسالة الرسل، وأما ما حكي عنهم في قوله تعالى: ﴿ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91]، فذلك صدر منهم في الملاجّة والمحاجّة لما لزمتهم الحجة بأن الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا من البشر وكانت أحوالهم أحوال البشر مثل قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ [الفرقان: 20] فلجأوا إلى إنكار أن يوحي الله إلى بشر شيئاً.
وأما ما حكي عنهم هنا فهو شأنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والنذير: المنذر بكلامه.
فالمعنى: فلما جاءهم رسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن جاءهم رسول قبله كما قال تعالى: ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ [القصص: 46] وهذا غير القسم المحكي في قوله تعالى: «وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها».
والزيادة: أصلها نماء وتوفر في ذوات.
وقد يراد بها القوة في الصفات على وجه الاستعارة كقوله تعالى: ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125].
ومن ثمة تطلق الزيادة أيضاً على طروّ حال على حال، أو تغيير حال إلى غيره كقوله تعالى: ﴿ فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ [النبأ: 30].
وتطلق على ما يطرأ من الخير على الإِنسان وإن لم يكن نوعه عنده من قبل كقوله تعالى: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ [يونس: 26]، أي وعطاء يزيد في خيرهم.
ولما كان مجيء الرسول يقتضي تغير أحوال المرسل إليهم إلى ما هو أحسن كان الظنّ بهم لَمَّا أقسموا قسمهم ذلك أنهم إذا جاءهم النذير اهتَدوا وازدَادُوا من الخير أن كانوا على شأن من الخير فإن البشر لا يخلو من جانب من الخير قوي أو ضعيف فإذا بهم صاروا نافرين من الدين الذي جاءهم.
والاستثناء مفرع من مفعول ﴿ زادهم ﴾ المحذوف، أي ما أفادهم صلاحاً وحالاً أو نحو ذلك إلا نفوراً فيكون الاستثناء في قوله: ﴿ إلا نفوراً ﴾ من تأكيد الشيء بما يُشبه ضده لأنهم لم يكونوا نافرين من قبل.
ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما أقسموا: ﴿ لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى ﴾ كان حالهم حال النفور من قبول دعوة النصارى إياهم إلى دينهم أو من الاتعاظ بمواعظ اليهود في تقبيح الشرك فأقسموا ذلك القسم تفصياً من المجادلة، وباعثهم عليه النفور من مفارقة الشرك، فلما جاءهم الرسول ما زادهم شيئاً وإنما زادهم نفوراً، فالزيادة بمعنى التغيير والاستثناء تأكيد للشيء بما يشبه ضده.
والنفور هو نفورهم السابق، فالمعنى لم يزدهم شيئاً وحَالهم هي هي.
وضمير ﴿ زادهم ﴾ عائد إلى رسول أو إلى المجيء المأخوذ من ﴿ جاءهم ﴾ .
وإسناد الزيادة إليه على كلا الاعتبارين مجاز عقلي لأن الرسول أو مجيئه ليس هو يزيدهم ولكنه سبب تقوية نفورهم أو استمرار نفورهم.
و ﴿ استكبارا ﴾ بدل اشتمال من ﴿ نفوراً ﴾ أو مفعول لأجله، لأن النفور في معنى الفعل فصحّ إعماله في المفعول له.
والتقدير: نفروا لأجل الاستكبار في الأرض.
والاستكبار: شدة التكبر، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب.
والأرض: موطن القوم كما في قوله تعالى: ﴿ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا ﴾ [الأعراف: 88] أي بلدنا، فالتعريف في ﴿ الأرض ﴾ للعهد.
والمعنى: أنهم استكبروا في قومهم أن يتبعوا واحداً منهم.
﴿ ومكر السيئ ﴾ عطف على ﴿ استكباراً ﴾ بالوجوه الثلاثة، وإضافة ﴿ مكر ﴾ إلى ﴿ السيئ ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل: عِشَاء الآخرة.
وأصله: أن يمكروا المكر السيّئ بقرينة قوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ .
والمكر: إخفاء الأذى وهو سيِّئ لأنه من الغدر وهو مناف للخلق الكريم، فوصفه بالسيّئ وصف كاشف، ولَعل التنبيهَ إلى أنه وصف كاشف هو مقتضى إضافة الموصوف إلى الوصف لإِظهار ملازمة الوَصف للموصوف فلم يقل: ومكراً سيئاً (ولم يرخص في المكر إلا في الحرب لأنها مدخول فيها على مثله) أي مكراً بالنذير وأتباعه وهو مكر ذميم لأنه مقابلة المتسبب في صلاحهم بإضمار ضره.
وقد تبين كذبهم في قسمهم إذ قالوا: «لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى منهم» وأنهم ما أرادوا به إلا التفصّي من اللوم.
وجملة ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ تذييل أو موعظة.
و ﴿ يحيق ﴾ : ينزل به شيء مكروه حاق به، أي نزل وأَحاط إحاطة سوء، أي لا يقع أثره إلا على أهله.
وفيه حذف مضاف تقديره: ضر المكر السيّئ أو سوء المكر السيئ كما دل عليه فعل ﴿ يحيق ﴾ ؛ فإن كان التعريف في ﴿ المكر ﴾ للجنس كان المراد ب «أهله» كل ماكر.
وهذا هو الأنسب بموقع الجملة ومحملِها على التذييل ليعم كل مكر وكل ماكر، فيدخل فيه الماكرون بالمسلمين من المشركين، فيكون القصر الذي في الجملة قصراً ادعائياً مبنيّاً على عدم الاعتداد بالضر القليل الذي يحيق بالممكور به بالنسبة لما أعده الله للماكر في قدره من ملاقاة جزائه على مَكره فيكون ذلك من النواميس التي قدَّرها القدر لنظام هذا العالم لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض لأن الإِنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضاً تنكَّر بعضهم لبعض وتبادروا الإِضرار والإِهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يَقع فيه فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم والله لا يحب الفساد، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء، ولهذا قيل في المثل: «وما ظالم إلا سيُبلى بظالم».
وقال الشاعر: لكل شيء آفة من جنسه *** حتى الحديدُ سطا عليه المِبْرَد وكم في هذا العالم من نواميس مغفول عنها، وقد قال الله تعالى: ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205].
وفي كتاب ابن المبارك في الزهد بسنده عن الزهري بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تمكر ولا تُعِن ماكراً فإن الله يقول ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ " ومن كلام العرب «من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً»، ومن كلام عامة أهل تونس (يا حافرْ حُفرة السَّوْء ما تحفر إلا قِيَاسكَ».
وإذا كان تعريف ﴿ المكر ﴾ تعريف العهد كان المعنى: ولا يحيق هذا المكر إلا بأهله، أي الذين جاءهم النذير فازدادوا نفوراً، فيكون موقع قوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ موقع الوعيد بأن الله يدفع عن رسوله صلى الله عليه وسلم مكرهم ويحيق ضر مكرهم بهم بأن يسلط عليهم رسوله على غفلة منهم كما كان يوم بدر ويوم الفتح، فيكون على نحو قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر اللَّه واللَّه خير الماكرين ﴾ [آل عمران: 54] فالقصر حقيقي.
فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية ومعجزات قرآنية ومعجزات نبوية خفية.
واعلم أن قوله تعالى: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ قد جُعل في علم المعاني مثالاً للكلام الجاري على أسلوب المساواة دون إيجاز ولا إطناب.
وأول من رأيْته مثَّل بهذه الآية للمساواة هو الخطيب القزويني في «الإِيضاح» وفي «تلخيص المفتاح»، وهو مما زاده على ما في «المفتاح» ولم يمثل صاحب «المفتاح» للمساواة بشيء ولم أدر من أين أخذه القزويني فإن الشيخ عبد القاهر لم يذكر الإِيجاز والإِطناب في كتابه.
وإذ قد صرح صاحب «المفتاح» «أن المساواة هي متعارف الأوساط وأنه لا يحمد في باب البلاغة ولا يذم» فقد وجب القطع بأن المساواة لا تقع في الكلام البليغ بَلْه المعجز.
ومن العجيب إقرار العلامة التفتزاني كلام صاحب «تلخيص المفتاح» وكيف يكون هذا من المساواة وفيه جملة ذات قصر والقصر من الإِيجاز لأنه قائم مقام جملتين: جملة إثبات للمقصود، وجملة نفيه عما سواه، فالمساواة أن يقال: يحيق المكر السيّئ بالماكرين دون غيرهم، فما عدل عن ذلك إلى صيغة القصر فقد سلك طريقة الإِيجاز.
وفيه أيضاً حذف مضاف إذ التقدير: ولا يحيق ضر المكر السيّئ إلا بأهله على أن في قوله: ﴿ بأهله ﴾ إيجازاً لأنه عوض عن أن يقال: بالذين تقلدوه.
والوجه أن المساواة لم تقع في القرآن وإنما مواقعها في محادثات الناس التي لا يعبأ فيها بمراعاة آداب اللغة.
وقرأ حمزة وحده ﴿ ومكر السيئ ﴾ بسكون الهمزة في حالة الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف.
﴿ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاَْوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ﴾ .
تفريع على جملة ﴿ فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً ﴾ الآية.
ويجوز أن يكون تفريعاً على جملة ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ على الوجه الثاني في تعريف ﴿ المكر ﴾ وفي المراد ب ﴿ بأهله ﴾ ، أي كما مكر الذين من قبلهم فحاق بهم مكرُهم كذلك هؤلاء.
و ﴿ ينظرون ﴾ هنا من النظر بمعنى الانتظار.
كقول ذي الرُّمة: وشُعثثٍ ينظُرون إلى بِلال *** كما نَظَر العِطاش حَيَا الغمام فقوله: «إلى» مفرد مضاف، وهو النعمة وجمعه آلاء.
ومعنى الانتظار هنا: أنهم يستقبلون ما حلّ بالمكذبين قَبلهم، فشبه لزوم حلول العذاب بهم بالشيء المعلوم لهم المنتظر منهم على وجه الاستعارة.
والسُّنَّة: العادة: والأوّلون: هم السابقون من الأمم الذين كذبوا رسلهم، بقرينة سياق الكلام.
و ﴿ سنة ﴾ مفعول ﴿ ينظرون ﴾ وهو على حذف مضاف.
تقديره: مِثلَ أو قِياسَ، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ﴾ [يونس: 102].
والفاء في قوله: ﴿ فلن تجد لسنت اللَّه تبديلاً ﴾ فاء فصيحة لأن ما قبلها لمّا ذكّر الناس بسنة الله في المكذبين أفصح عن اطّراد سنن الله تعالى في خلقه.
والتقدير: إذا علموا ذلك فلن تجد لسنة الله تبديلاً.
و ﴿ لن ﴾ لتأكيد النفي.
والخطاب في ﴿ تجد ﴾ لغير معيّن فيعم كل مخاطب، وبذلك يتسنّى أن يسير هذا الخبر مسير الأمثال.
وفي هذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وتهديد للمشركين.
والتبديل: تغيير شيء وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ في سورة [النساء: 2].
والتحويل: نقل الشيء من مكان إلى غيره، وكأنه مشتق من الحَوْل وهو الجانب.
والمعنى: أنه لا تقع الكرامة في موقع العقاب، ولا يترك عقاب الجاني.
وفي هذا المعنى قول الحكماء: ما بالطبع لا يتخلف ولا يختلف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ هم قُرَيْشٌ أقْسَمُوا قَبْلَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ، حِينَ بَلَغَهم أنَّ أهْلَ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهم، فَلَعَنُوا مَن كَذَّبَ نَبِيَّهُ مِنهم، وحَلَفُوا بِاللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ يَمِينًا.
﴿ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ ﴾ أيْ نَبِيٌّ.
﴿ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ ﴾ يَعْنِي مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
﴿ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا .
﴿ ما زادَهم إلا نُفُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُفُورًا عَنِ الرَّسُولِ.
الثّانِي: نُفُورًا عَنِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْتِكْبارًا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: اسْتِكْبارًا بِمَعاصِي اللَّهِ، وهَذا قَوْلٌ مُتَأخِّرٌ.
﴿ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: أنَّهُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ودِينِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ﴾ الآيَةَ.
﴿ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَهُ الكَلْبِيُّ، يَحِيقُ بِمَعْنى يُحِيطُ.
الثّانِي: قالَهُ قُطْرُبٌ، يَحِيقُ بِمَعْنى يَنْزِلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ وقَدْ دَفَعُوا المَنِيَّةَ فاسْتَقَلَّتْ ذِراعًا بَعْدَما كادَتْ تَحِيقُ قالَ فَعادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي سُنَّةَ اللَّهِ في الأوَّلِينَ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ عِنْدَ إصْرارِهِمْ في التَّكْذِيبِ.
الثّانِي: لا تُقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةُ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وقع في نفس موسى عليه السلام هل ينام الله عز وجل؟
فأرسل الله ملكاً إليه، فارقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يتحفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه يلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس احداهما عن الأخرى حتى نام نومة، فاصطقت يداه وانكسرت القارورتان قال: ضرب الله له مثلاً أن الله تبارك وتعالى لو كان ينام، ما كان يمسك السماء ولا الأرض» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خرشة بن الحر رضي الله عنه قال: حدثني عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال: يا جبريل هل ينام ربك؟
فقال جبريل: يا رب ان عبدك موسى يسألك هل تنام؟
فقال الله: «يا جبريل قل له فليأخذ بيده قارورتين، وليقم على الجبل من أول الليل حتى يصبح، فقام على الجبل وأخذ قارورتين فصبر، فلما كان آخر الليل غلبته عيناه، فسقطتا فانكسرتا فقال: يا جبريل انكسرت القارورتان فقال الله: يا جبريل قل لعبدي إني لو نمت لزالت السموات والأرض» .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن عكرمة قال: أسر موسى عليه السلام إلى الملائكة هل ينام رب العزة؟
قال: فسهر موسى أربعة أيام ولياليهن، ثم قام على المنبر يخطب، ورفع إليه قارورتين في كل يد قارورة، وأرسل الله عليه النعاس، وهو يخطب إذ أدنى يده من الأخرى، وهو يضرب القارورة على الأخرى، ففزع ورد يده ثم خطب، ثم أدنى يده، فضرب بها على الأخرى، ففزع ثم قال: ﴿ لا إله إلا الله الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ [ البقرة: 255] قال عكرمة: السنة التي يضرب برأسه وهو جالس والنوم الذي يرقد.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه، أن موسى عليه السلام قال له قومه: أينام ربك؟
قال: «اتقوا الله إن كنتم مؤمنين» فأوحى الله إلى موسى: ان خذ قارورتين، فاملأهما ماء.
ففعل، فنعس، فنام، فسقطتا من يده، فانكسرتا، فأوحى الله إلى موسى اني: أمسك السموات والأرض أَنْ تزولا ولو نِمْتُ لزالتا قال البيهقي رضي الله عنه: هذا أشبه أن يكون هو المحفوظ.
وأخرج الطبراني في كتاب السنة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل ينام ربنا؟
إلخ.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعاً، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو، الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه، من شر عبدك فلان، وجنوده، وأتباعه، وأشياعه من الجن والإِنس.
اللهم كن لي جاراً من شرهم.
جل ثناؤك، وعز جارك، وتبارك اسمك، ولا إله غيرك، ثلاث مرات.
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا دخل بيته، وأوى إلى فراشه، ابتدره ملكه وشيطانه.
يقول شيطانه: اختم بشر.
ويقول الملك: اختم بخير.
فإن ذكر الله وحده طرد الملك الشيطان، وظل يكلؤه، وإن هو انتبه من منامه، ابتدره ملكه وشيطانه.
يقول له الشيطان: افتح بشر.
ويقول الملك: افتح بخير.
فإن هو قال الحمد لله الذي رد إليَّ نفسي بعد موتها، ولم يمتها في منامها.
الحمد لله الذي ﴿ يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً ﴾ وقال الحمد لله الذي ﴿ يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ [ الحج: 56] قال: فإن خرج من فراشه فمات كان شهيداً، وإن قام يصلي صلّى» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق أبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأرض على حوت، والسلسلة على أذن الحوت في يد الله تعالى، فذلك قوله: ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ قال: من مكانهما.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن كعباً كان يقول: إن السماء تدور على نصب مثل نصب الرحا.
فقال حذيفة بن اليمان: كذب كعب ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن شقيق قال: قيل لابن مسعود إن كعباً يقول: إن السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحا، في عمود على منكب ملك فقال: كذب كعب ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ وكفى بها زوالاً أن تدور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: عتوا (١) وقال مقاتل: تكبرا في الأرض عن الإيمان (٢) ﴿ نُفُورًا ﴾ (٣) وقال الفراء: فعلوا ذلك استكبارا (٤) (٥) ﴿ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ﴾ قرأ حمزة بإسكان الهمزة.
قال أبو إسحاق: (وهذا عند النحويين لحن لا يجوز، وإنما يجوز في الشعر للاضطرار، كقوله: إذا أعوججن قلت صاحب قوم (٦) يريد: يا صاحب، فحذف مضطرا، كأنه استثقل الضم بعد الكسر والكسر بعد الكسر، ولو قال صاحب، ومثله: اليوم اشرب غير مستحقب (٧) (٨) قال أبو علي: (التقدير في قوله: ﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ ﴾ : استكبروا في الأرض، ﴿ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ﴾ أي: مكروا والمكر السيئ، فأضيف المصدر، إلى صفة المصدر ألا ترى أنه قد جاء بعد ولا يحيق المكر السيئ، وكما أن السيئ صفة للمصدر كذلك الذي قبله، ومثله قوله: ﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ ﴾ تقديره: مكروا المنكرات السيئات، إلا أنك إذا أضفت إلى السيئ قدرت الصفة وصفًا لشيء غير المكر، كما أن من قال: دار الآخرة، وجانب الغربي، قدره كذلك، يريد أن الأصل: الدار الآخرة، والجانب الغربي، فلما أضيف إلى صفته صار التقدير: دار الأحكام الآخرة، وجانب البلد الغربي، كذلك مكر السيئ يكون معناه: مكر الشرك السيء.
قال: فأما قراءة حمزة واستكانة (٩) (١٠) ومما يقوي ذلك أن قومًا قالوا في الوقف: أقعى وأقعوا، فأبدلوا من الألف الواو والياء، ثم أجروها في الوصل مجراها في الوقف فقالوا: هذه أفعوا يا فتى، فكذلك عمل حمزة بالهمزة في هذا الموضع.
قال: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أنه خفف لاجتماع الكسرتين واليائين، كما خففوا الباء من إبل لتوالي الكسرتين، ونزل حركة الإعراب بمنزلة غير حركة الإعراب كما فعلوا في قولهم: فاليوم فاشرب غير مستحقب (١١) ................
...
وقد بدا هنك من المئزر (١٢) فإذا شاع ما ذكرنا في هذه القراءة من التأويل، لم يسغ لقائل أن يقول إنه لحن، للزمه أن يقول: إن قول من قال: افعوا في الوصل لحن، فإذا كان من قرأ به على قياس ما استعملوه في كلامهم المنثور لم يكن لحنا، ولم يكن لقادح في ذلك قدح.
وهذه القرآة وإن كان لها مخلص من الطعن، فالوجه قراءة الحرف على ما عليه الجمهور في الدرج) (١٣) وقال أبو جعفر النحاس: كان الأعمش يقف على ومكر السيئ، فيترك الحركة، وهو وقف حسن؛ لأنه تمام الكلام، ثم غلط الراوي فروى أنه كان يحذف الإعراب في الإدراج (١٤) (١٥) والمفسرون فسروا المكر السيئ هاهنا بالشرك (١٦) ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك (١٧) (١٨) ثم خوفهم فقال: قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي: هل ينظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بالأمم المكذبة قولهم (١٩) ﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ (٢٠) قوله: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ في العذاب.
﴿ تَبْدِيلًا ﴾ وإن تأخر ذلك؛ لأن قوله الحق في نزول العذاب بهم في الدنيا.
﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم.
قاله مقاتل وابن عباس (٢١) (١) لم أقف عليه عن ابن عباس.
وانظر: "بحر العلوم" 3/ 90، "الوسيط" 3/ 508، "القرطبي" 14/ 358.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب.
(٣) انظر: "الدر المصون" 5/ 473، "البحر المحيط" 8/ 305.
(٤) انظر: "معاني القرآن" 2/ 378.
(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 274.
(٦) صدر بين من الرجز، وعجزه: بالدو أمثال السفين العوم وينسب لابن نحيلة، انظر: "شرح أبيات سيبوبه" 2/ 398، "شرح شواهد الشافية" ص 225.
وبلا نسبة في: "الكتاب" 4/ 203، "الخصائص" 1/ 75، "معاني القرآن" للفراء 2/ 371.
ويعني بقوله: اعوججن، الإبل، والدو: الصحراء، شبه الإبل في الصحراء بالسفن التي تمخر عباب اليم.
والشاهد فيه: تسكين ياء صاحب، تشبيهاً للوصل بمجرى الوقف.
(٧) صدر بيت، وعجزه: إثمًا من الله ولا واغل وهو لامرئ القيس كما في: "ديوانه" ص 122، "الكتاب" 4/ 204، "لسان العرب" 1/ 325 (حقب)، "الأصمعيات" ص 130.
واستحقب: اكتسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم ولم يدع.
والشاهد فيه قوله: اشرب، حيث سكن الباء ضرورة.
(٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 275.
(٩) في (أ): (واستكانة)، وهو خطأ.
(١٠) في (ب): (سببا)، وهو تصحيف.
(١١) صدر بيت لامرئ القيس سبق معنا.
(١٢) عجز بيت من السريع، وصدره: رحت وفي رجليك ما فيهما.
وهو مختلف في نسبته، فهو في ديوان الأقيشة الأسدي ومنسوب إليه في "شرح أبيات سبويه" 2/ 391، و"حزانة الأدب" 4/ 484، ونسبه ابن قتيبة كما في "الشعر والشعراء" للفرزدق.
والشاهد فيه: إسكان النون في هناك ضرورة، وهو مرفوع لأنه فاعل بدا.
(١٣) "الحجة" 6/ 31 - 33.
(١٤) "القطع والائتناف" ص 593.
(١٥) انظر: "الدر المصون" 5/ 473.
(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 145، "بحر العلوم" 3/ 90، "تفسير البغوي" 3/ 574، "تفسير القرطبي" 14/ 358.
(١٧) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 575، "المحرر الوجيز" 4/ 443، " زاد المسير" 6/ 359.
(١٨) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 479، "البغوي" 3/ 575، "القرطبي" 14/ 359.
(١٩) هكذا في النسخ!
وهو خطأ، والصواب: قبلهم.
(٢٠) سورة يونس: آية 102.
(٢١) انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 368.
<div class="verse-tafsir"
﴿ استكبارا ﴾ بدل من نفوراً أو مفعول من أجله ﴿ وَمَكْرَ السيىء ﴾ هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف كقولك: مسجد الجامع وجانب الغربي والأصل أن يقال: المكر السيء ﴿ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ أي لا يحيط وبالُ المكر السيء إلا بمن مكره ودبره، وقال كعب لابن عباس: إن في التوراة من حفر حفرة لأخيه وقع فيها فقال ابن عباس: أنا أجد هذا في كتاب الله: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأولين ﴾ أي هل ينتظرون إلا عادة الأمم المتقدمة في أخذ الله لهم وإهلاكهم للرسل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.
الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.
الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.
الباقون: بالعكس.
﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.
الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.
﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.
و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.
وعن رسول الله أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح.
وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.
ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.
قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.
ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.
وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.
ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.
وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.
وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.
وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.
ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟
قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.
وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.
وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.
﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.
وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.
والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.
ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.
وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.
ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.
ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.
ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.
ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.
وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.
وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.
ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.
ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.
وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.
ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.
وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.
وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.
ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.
وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.
عن النبي "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .
وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.
وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.
ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.
ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.
ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.
وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.
وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.
وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .
ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".
وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.
وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.
وذلك في علم الله.
﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .
ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.
على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.
ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.
وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.
قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.
قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.
وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.
قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟
وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.
والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.
مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.
تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.
ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.
والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.
وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله .
ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.
وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.
ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.
ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".
وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.
ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.
ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.
ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.
ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.
ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.
ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.
قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.
وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.
وههنا مسائل.
الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.
الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.
الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.
والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.
ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.
ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.
والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.
الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.
وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.
وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.
الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.
ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.
فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.
والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.
ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".
وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
فإن كان المخاطبون به أصحاب رسول الله وأمته، فيخبر أنه جعلهم خلائف من تقدم منهم من القرون والأمم الماضية بعد ما أهلكوا أو استؤصلوا، وإن كان المخاطبون به بني آدم كلهم فيخبر أنكم خلف من تقدمكم من الجن والملائكة؛ لأنه ذكر أن الجن كانوا سكان الأرض قبل بني آدم، فجعلوا خلائف الجن.
ثم وجه الحكمة في جعل بعض خلائف بعض وإنشاء قرن بعد فناء آخر، وإفناء آخر بعد إنشاء آخر وجوه: أحدها: أن يعرفوا أنه إنما أنشأهم لعاقبة تقصد وتتأمل؛ حيث أنشأ قرناً ثم أفناهم، ثم أنشأ غيرهم، ولو لم يكن في إنشائهم إلا هذا، كان إنشاؤه إياهم للفناء خاصة؛ إذ من بنى في الشاهد بناء للنقض والفناء لا لعاقبة تقصد به، كان في بنائه عابثاً سفيها؛ فعلى ذلك إنشاء هؤلاء في هذه الدنيا، لو لم يكن لعاقبة كان الإنشاء للفناء، وذلك عبث غير حكمة.
والثاني: أن يعرفوا أن الدنيا ليست هي دار القرار والمقام، إنما هي مجعولة زاداً للآخرة، وبلغة إليها، ومسلكاً لها، ومنزلا ينزل فيها؛ ثم يرتحل كالمنازل المجعولة للنزول فيها في الأسفار والتزود منها ثم الارتحال، لا للمقام فيها؛ فعلى ذلك الدنيا جعلت لما ذكرنا؛ لئلا يطمئنوا إليها ولا يركنوا ويعملون عمل من يريد الارتحال عنها لا عمل المقيم فيها.
والثالث: أن يعرفوا أن الآلام التي جعلت فيها واللذات ليست بدائمة أبداً، بل على شرف الزوال والتحول؛ لأن في الحياة لذة وفي الموت ألماً، فلا دامت اللذة و[لا] الألم؛ لأنه أحيا قرناً ثم أفناهم ثم أحيا قرناً آخر وأفناهم، فلا دامت اللذة ولا الآلام، ولكن انقضيا؛ ليعلموا أنهما لا يدومان أبداً، ولكن يزولان.
والرابع: أن يعتبروا بمن تقدم منهم من القرون: أنه على ماذا يكون الثناء الحسن، ويبقى الأثر والذكر الجميل؟
وبأي عمل ينقطع ويفنى ذلك؟
فمن كان من متبعي الرسل وقادة الخير والتوحيد والطاعة، فبقي له أثر الخير والثناء الحسن والذكر الجميل، ومن كان من أتباع أهل الكفر والشر لم يبق لهم شيء من ذلك؛ ليعملوا بالذي يُبقي لهم الثناء الحسن ويعقب لهم الذكر لا الذي يقطع ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ .
أي: عليه ضرر كفره.
﴿ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً...
﴾ الآية.
أي: لا يزيد كفرهم بالله وبرسوله وعبادتهم الأصنام إلا مقتاً وخساراً؛ لأنهم كانوا يعبدونها رجاء أن تشفع لهم يوم القيامة، ورجاء أن تقرب عبادتهم إلى الله زلفى؛ يقول - والله أعلم -: لا يزيد ذلك لهم إلا مقتاً من ربهم وخساراً.
أو يكون أعمالهم التي عملوا في هذه الدنيا من صلة الأرحام والقرب التي رجوا منها الربح والنفع في الآخرة لا يزيد ذلك لهم إلا مقتاً وخساراً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .
ظاهر قوله: ﴿ أَرُونِي ﴾ أمر، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز، أي: يعجز ولا يقدر ما تعبدون من دونه خلق السماوات والأرض، ولا إشراكه في خلق السماوات، ولا إنزال كتاب من السماء؛ ليأمرهم بذلك، بل الله هو الخالق لذلك كله وهو القادر عليه، فكيف صرفتم العبادة عنه والألوهية إلى من هو عاجز عن ذلك كله؟!
والثاني: على التنبيه والتعبير لهم والتسفيه لأحلامهم؛ يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها دون الله وتسمونها: آلهة لم يخلقوا شيئاً مما ذكر، ولا لهم شرك في ذلك ولا لكم كتاب يبيح لكم ذلك ويأذن لكم، وتعلمون أن الله هو الفاعل لذلك كله حيث قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، ولا لهم كتاب في ذلك؛ لأن الكتاب جهة وصوله إليه الرسول، وأنتم لا تؤمنون بالرسول، فكيف عبدتموها وتركتم عبادة من تعلمون أنه الفاعل لذلك والقادر عليه؟!
وقوله: ﴿ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .
يحتمل جواهر الأرض نفسها، ويحتمل الخارج منها مما به معاشهم وقوامهم؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ يحتمل في جواهرها، ويحتمل ما ينزل عنها مما به معاشهم وأرزاقهم.
وقوله: ﴿ فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي: على حجة وبيان منه.
وقوله: ﴿ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .
يحتمل وعدهم الذي ذكر لبعضهم بعضاً ما قالت القادة منهم والرؤساء للأتباع: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وما لبسوا هم على الأتباع من أمر الكتاب والرسول: هو ساحر كذاب، وأنه مفتر، وأمثال ذلك مما يكثر عدده، فذلك كله منهم تغرير للأتباع.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، فإن كان على هذا فيقول: تعلمون أن الله هو رافع السماوات والأرض والممسك لهما والمانع عن أن تزولا عن مكانهما، لا يقدر أحد على إعادتهما، ولا أمسكهما سواء، فكيف تعبدون من لا يملك ذلك؟!
أو أن يكون ذلك قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ...
﴾ الآية [مريم: 90]، كادتا أن يتفطرن ويتشققن حين قالوا: لله ولد، وله شريك، فإذا قالوا: اتخذ الله ولدا كادتا أن تزولا من مكانهما، وتسقطا عليهم تعظيماً؛ لما قالوا في الله .
وجائز أن يكون لا على الصلة بشيء مما ذكرنا ولكن على الابتداء، فإن كان على الابتداء فهو يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث رفع السماء وأمسكها في الهواء مع غلظها وشدتها بلا عمد من تحت ولا شيء من فوق، يمنعها عن الانحدار والزوال عن مكانها والإقرار على ذلك والتقرير، وفي الشاهد أن ليس في وسع أحد من الخلائق إمساك الشيء في الهواء ولا إقامته إلا بأحد هذين السببين: إما من تحت، وإما من فوق، وكذلك الأرض حيث دحاها وبسطها على الماء، ومن طبعها التسرب والتسفل في الماء لا القرار عليه؛ حيث لا يحفر مكان منها إلا ويخرج منه الماء؛ فدل تقرير الأرض على الماء وإمساك السماء في الهواء بلا شيء يقرهما ويمنعهما عن التسفل والانحدار - أنه الواحد القادر بذاته لا يعجزه شيء.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ .
﴿ حَلِيماً ﴾ : حين لم يرسل السماوات عليهم؛ لعظيم فريتهم على الله والقول فيه بما لا يليق به - وتعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً - وحيث لم يعجل بعقوبتهم في الدنيا، ﴿ غَفُوراً ﴾ : رحيماً حيث ستر عليهم ذلك، ولم يفضحهم في الدنيا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقَسَمهم بالله على ما أقسموا عليه ليس عن حسن نية وقصد سليم، بل للاستكبار في الأرض والخداع للناس، ولا يحيط المكر السيئ إلا بأصحابه الماكرين، فهل ينتظر هؤلاء المستكبرون الماكرون إلا سُنَّة الله الثابتة؛ وهي إهلاكهم كما أهلك أمثالهم من أسلافهم؟!
فلن تجد لسُنَّة الله في إهلاك المستكبرين تبديلًا بألا تقع عليهم، ولا تحويلًا بأن تقع على غيرهم؛ لأنها سُنّة إلهية ثابتة.
<div class="verse-tafsir" id="91.1a8y5"