الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٣٩ من سورة ص
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٩ من سورة ص من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) أي : هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت ، لا حساب عليك ، أي : مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب .
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خير بين أن يكون عبدا رسولا - وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس ما أمره الله به - وبين أن يكون ملكا نبيا يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح ، اختار المنزلة الأولى بعد ما استشار جبريل فقال له : تواضع فاختار المنزلة الأولى لأنها أرفع قدرا عند الله وأعلى منزلة في المعاد وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضا في الدنيا والآخرة ولهذا لما ذكر تبارك وتعالى ما أعطى سليمان في الدنيا نبه على أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضا ،
وقوله ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) اختلف أهل التأويل في المشار إليه بقوله ( هَذَا ) من العطاء, وأيّ عطاء أريد بقوله: عَطاؤنا, فقال بعضهم: عني به الملك الذي أعطاه الله.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال: قال الحسن: الملك الذي أعطيناك فأعط ما شئت وامنع ما شئت.
حدثنا عن المحاربي, عن جُوَيبر, عن الضحاك ( هَذَا عَطَاؤُنَا ) : هذا ملكنا.
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك تسخيره له الشياطين, وقالوا: ومعنى الكلام: هذا الذي أعطيناك من كلّ بنّاء وغوّاص من الشياطين, وغيرهم عطاؤنا.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم فى وثاقك وفي عذابك أو سرِّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا, اصنع ما شئت.
وقال آخرون: بل ذلك ما كان أوتي من القوّة على الجماع.
* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن أبي يوسف, عن سعيد بن طريف, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان سليمان في ظهره ماءُ مِئَة رجل, وكان له ثلاث مِئَة امرأة وتسع مِئَة سُرِّيَّة ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ).
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عني بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره, وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان صلوات الله وسلامه عليه إياه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده, فأخبر أنه سخر له ما لم يُسَخَّر لأحد من بني آدم, وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت, ثم قال له عزّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من المُلك, وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا, ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) فقال بعضهم: عنى بذلك.
فأعط من شئت ما شئت من الملك الذي آتيناك, وامنع ما شئت منه ما شئت, لا حساب عليك في ذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: قال الحسن ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) المُلك الذي أعطيناك, فأعط ما شئت وامنع ما شئت, فليس عليك تبعة ولا حساب.
حُدثت عن المحاربي, عن جُوَيبر, عن الضحاك ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) سأل مُلكا هنيئا لا يُحاسب به يوم القيامة, فقال: ما أعطيت, وما أمسكت, فلا حرج عليك.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن أبيه, عن عكرمة ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال: أعط أو أمسك, فلا حساب عليك.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَامْنُنْ ) قال: أعط أو أمسك بغير حساب.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْتِق من هؤلاء الشياطين الذين سخرناهم لك من الخدمة, أو من الوَثاق ممن كان منهم مُقَرَّنا في الأصفاد مَنْ شئت واحبس من شئت فلا حرج عليك في ذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) يقول: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وَثاقك وفي عذابك, وسرح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا, اصنع ما شئت لا حساب عليك في ذلك.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) يقول: أعتق من الجنّ من شئت, وأمسك من شئت.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال: تَمُنّ على من تشاء منهم فتُعْتِقُهُ, وتُمسِك من شئت فتستخدمه ليس عليك في ذلك حساب.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطيناك من القوّة على الجماع عطاؤنا, فجامع من شئت من نسائك وجواريك ما شئت بغير حساب, واترك جماع من شئت منهن.
وقال آخرون: بل ذلك من المقدم والمؤخر.
ومعنى الكلام: هذا عطاؤنا بغير حساب, فامْنُن أو أمسك.
وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: " هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب ".
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول في قوله ( بِغَيْرِ حِسَابٍ ) وجهان; أحدهما: بغير جزاء ولا ثواب, والآخر: مِنَّةٍ ولا قِلَّةٍ.
والصواب من القول في ذلك ما ذكرته عن أهل التأويل من أن معناه: لا يحاسب على ما أعطى من ذلك المُلك والسلطان.
وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه.
قوله تعالى : هذا عطاؤنا الإشارة بهذا إلى الملك ، أي : هذا الملك عطاءنا فأعط من شئت أو امنع من شئت لا حساب عليك ، عن الحسن والضحاك وغيرهما .
قال الحسن : ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان عليه السلام ، فإن الله تعالى يقول : هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب .
وقال قتادة : الإشارة في قوله تعالى : هذا عطاؤنا إلى ما أعطيه من القوة على الجماع ، وكانت له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية ، وكان في ظهره ماء مائة رجل ، رواه عكرمة عن ابن عباس .
ومعناه في البخاري .فامنن من المني ، يقال : أمنى يمني ومنى يمني لغتان ، فإذا أمرت من أمنى قلت : أمن ، ويقال : من منى يمني في الأمر : امن ، فإذا جئت بنون الفعل نون الخفيفة قلت : امنن .
ومن ذهب به إلى المنة قال : من عليه ، فإذا أخرجه مخرج الأمر أبرز النونين ; لأنه كان مضاعفا فقال امنن .
فيروى في الخبر أنه سخر له الشياطين ، فمن شاء من عليه بالعتق والتخلية ، ومن شاء أمسكه ، قال قتادة والسدي .
وعلى ما روى عكرمة عن ابن عباس : أي : جامع من شئت من نسائك ، واترك جماع من شئت منهن لا حساب عليك .
وقلنا له: { هَذَا عَطَاؤُنَا } فَقَرَّ به عينا { فَامْنُنْ } على من شئت، { أَوْ أَمْسِكْ } من شئت { بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه تعالى بكمال عدله، وحسن أحكامه، ولا تحسبن هذا لسليمان في الدنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خير عظيم.
( هذا عطاؤنا ) أي قلنا له هذا عطاؤنا ( فامنن أو أمسك بغير حساب ) المن : هو الإحسان إلى من لا يستثنيه ، معناه : أعط من شئت وأمسك عمن شئت بغير حساب لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت .
قال الحسن : ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان فإنه إن أعطى أجر ، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة .
وقال مقاتل : هذا في أمر الشياطين ، يعني : خل من شئت منهم ، وأمسك من شئت في وثاقك ، لا تبعة عليك فيما تتعاطاه .
وقلنا له «هذا عطاؤنا فامنن» أعط منه من شئت «أو أمسك» عن الإعطاء «بغير حساب» أي لا حساب عليك في ذلك.
وسخَّرنا له الشياطين يستعملهم في أعماله: فمنهم البناؤون والغوَّاصون في البحار، وآخرون، وهم مردة الشياطين، موثوقون في الأغلال.
هذا المُلْك العظيم والتسخير الخاص عطاؤنا لك يا سليمان، فأعط مَن شئت وامنع مَن شئت، لا حساب عليك.
ثم بين - سبحانه - أنه أباح لسليمان - عليه السلام - أن يتصرف فى هذا الملك الواسع كما يشاء فقال : ( هذا عَطَآؤُنَا ) ( فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) أى : فأعط من شئت منه .
وأمسك عمن شئت .
فأن غير محاسب منا لا على العطاء ولا على المنع .
واعلم أن هذا هو القصة الثانية وقوله: ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ فيه مباحث: الأول: نقول المخصوص بالمدح في ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ محذوف، فقيل هو سليمان، وقيل داود، والأول أولى لأنه أقرب المذكورين، ولأنه قال بعده ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ولا يجوز أن يكون المراد هو داود، لأن وصفه بهذا المعنى قد تقدم في الآية المتقدمة حيث قال: ﴿ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ فلو قلنا لفظ الأواب هاهنا أيضاً صفة داود لزم التكرار، ولو قلنا إنه صفة لسليمان لزم كون الابن شبيهاً لأبيه في صفات الكمال في الفضيلة، فكان هذا أولى.
الثاني: أنه قال أولاً ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ ثم قال بعده ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ وهذه الكلمة للتعليل، فهذا يدل على أنه إنما كان ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ لأنه كان أواباً، فيلزم أن كل من كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر المهمات كان موصوفاً بأنه ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ورأس المعارف ورئيسها معرفة الله تعالى، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا يتم شيء من الخيرات إلا بإعانة الله تعالى، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع إلى الله تعالى فكان أواباً، فثبت أن كل من كان أواباً وجب أن يكون ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ .
أما قوله: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ﴾ ففيه وجوه: الأول: التقدير ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ هو إذ كان من أعماله أنه فعل كذا الثاني: أنه ابتداء كلام.
والتقدير اذكر يا محمد إذ عرض عليه كذا وكذا، والعشي هو من حين العصر إلى آخر النهار عرض الخيل عليه لينظر إليها ويقف على كيفية أحوالها، والصافنات الجياد الخيل وصفت بوصفين أولهما: الصافنات، قال صاحب الصحاح: الصافن الذي يصفن قدميه، وفي الحديث: «كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا صفونا» أي قمنا صافنين أقدامنا، وأقول على كلا التقديرين فالصفون صفة دالة على فضيلة الفرس والصفة الثانية: للخيل في هذه الآية الجياد، قال المبرد: والجياد جمع جواد وهو الشديد الجري، كما أن الجواد من الناس هو السريع البذل، فالمقصود وصفها بالفضيلة والكمال حالتي وقوفها وحركتها.
أما حال وقوفها فوصفها بالصفون، وأما حال حركتها فوصفها بالجودة، يعني أنها إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها على أحسن الأشكال، فإذا جرت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق، ثم قال تعالى: ﴿ فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى ﴾ وفي تفسير هذه اللفظة وجوه: الأول: أن يضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن، كأنه قيل أنبت حب الخير عن ذكر ربي والثاني: أن أحببت بمعنى ألزمت، والمعنى أني ألزمت حب الخيل عن ذكر ربي، أي عن كتاب ربي وهو التوراة، لأن ارتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوح فكذلك في التوراة ممدوح والثالث: أن الإنسان قد يحب شيئاً لكنه يحب أن لا يحبه كالمريض الذي يشتهي ما يزيد في مرضه، والأب الذي يحب ولده الرديء، وأما من أحب شيئاً، وأحب أن يحبه كان ذلك غاية المحبة فقوله أحببت حب الخير بمعنى أحببت حبي لهذه الخيل.
ثم قال: ﴿ عَن ذِكْرِ رَبِى ﴾ بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر الله وأمره لا عن الشهوة والهوى، وهذا الوجه أظهر الوجوه.
ثم قال تعالى: ﴿ حتى تَوَارَتْ ﴾ أقول الضمير في قوله: ﴿ حتى تَوَارَتْ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ رُدُّوهَا ﴾ يحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الشمس، لأنه جرى ذكر ماله تعلق بها وهو العشي ويحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الصافنات، ويحتمل أن يكون الأول متعلقاً بالشمس والثاني بالصافنات، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك، فهذه احتمالات أربعة لا مزيد عليها فالأول: أن يعود الضميران معاني إلى الصافنات، كأنه قال حتى توارت الصافنات بالحجاب ردوا الصافنات علي، والاحتمال الثاني: أن يكون الضميران معاً عائدين إلى الشمس كأنه قال حتى توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر، فسأل الله أن يرد الشمس فقوله: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ ﴾ إشارة إلى طلب رد الشمس، وهذا الاحتمال عندي بعيد والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن الصافنات مذكورة تصريحاً، والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر الثاني: أنه قال: ﴿ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى حتى تَوَارَتْ بالحجاب ﴾ وظاهر هذا اللفظ يدل على أن سليمان عليه السلام كان يقول إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي.
وكان يعيد هذه الكلمات إلى أن توارت بالحجاب، فلو قلنا المراد حتى توارت الصافنات بالحجاب كان معناه أنه حين وقع بصره عليها حال جريها كان يقول هذه الكلمة إلى أن غابت عن عينه وذلك مناسب، ولو قلنا المراد حتى توارت الشمس بالحجاب كان معناه أنه كان يعيد عين هذه الكلمة من وقت العصر إلى وقت المغرب، وهذا في غاية البعد الثالث: أنا لو حكمنا بعود الضمير في قوله حتى توارت إلى الشمس وحملنا اللفظ على أنه ترك صلاة العصر كان هذا منافياً لقوله: ﴿ أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى ﴾ فإن تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله لما نسي الصلاة ولما ترك ذكر الله الرابع: أنه بتقدير أنه عليه السلام بقي مشغولاً بتلك الخيل حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر؟، فكان ذلك ذنباً عظيماً وجرماً قوياً، فالأليق بهذه الحالة التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة، فأما أن يقول على سبيل التهور والعظمة لإله العالم ورب العالمين، ردوها علي بمثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقيب ذلك الجرم العظيم، فهذا لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المطهر المكرا الخامس: أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول ردها علي ولا يقول ردوها علي، فإن قالوا إنما ذكر صيغة الجمع للتنبيه على تعظيم المخاطب فنقول قوله: ﴿ رُدُّوهَا ﴾ لفظ مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم السادس: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهداً لكل أهل الدنيا ولو كان الأمر كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وإظهاره، وحيث لم يقل أحد ذلك علمنا فساده السابع: أنه تعالى قال: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالعشى الصافنات الجياد ﴾ ثم قال: ﴿ حتى تَوَارَتْ بالحجاب ﴾ وعود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى، وأقرب المذكورين هو الصافنات الجياد، وأما العشي فأبعدهما فكان عود ذلك الضمير إلى الصافنات أولى، فثبت بما ذكرنا أن حمل قوله: ﴿ حتى تَوَارَتْ بالحجاب ﴾ على تواري الشمس وأن حمل قوله: ﴿ رُدُّوهَا عَلَىَّ ﴾ على أن المراد منه طلب أن يرد الله الشمس بعد غروبها كلام في غاية البعد عن النظم.
ثم قال تعالى: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق ﴾ أي فجعل سليمان عليه السلام يمسح سوقها وأعناقها، قال الأكثرون معناه أنه مسح السيف بسوقها وأعناقها أي قطعها، قالوا إنه عليه السلام لما فاتته صلاة العصر بسبب اشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً إلى الله تعالى، وعندي أن هذا أيضاً بعيد، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان معنى مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله: ﴿ وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ قطعها، وهذا مما لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم ألبتة من المسح العقر والذبح الثاني: القائلون لهذا القول جمعوا على سليمان عليه السلام أنواعاً من الأفعال المذمومة: فأولها: ترك الصلاة.
وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقال صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة».
وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة ألبتة.
ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: ﴿ رُدُّوهَا عَلَىَّ ﴾ وهذه كلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس.
وخامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها.
وسادسها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقيب قوله: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب ﴾ وأن الكفار لما بلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم اصبر يا محمد على سفاهتهم واذكر عبدنا داود: وذكر قصة داود، ثم ذكر عقبيها قصة سليمان، وكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد عليه السلام اصبر يا محمد على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان عليه السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة، وصبر على طاعة الله، وأعرض عن الشهوات واللذات، فأما لو كان المقصود من قصة سليمان عليه السلام في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب الجسيمة لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً بهذا الموضع، فثبت أن كتاب الله تعالى ينادي على هذه الأقوال الفاسدة بالرد والإفساد والإبطال بل التفسير المطابق للحق لألفاظ القرآن والصواب أن نقول إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما أنه كذلك في دين محمد صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربي، ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور الأول: تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقاً مطابقاً موافقاً، ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات، وأقول أنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها، وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة، فإن قيل فالجمهور فسروا الآية بذلك الوجه، فما قولك فيه؟
فنقول لنا هاهنا مقامان: المقام الأول: أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها، وقد ظهر والحمد لله أن الأمر كما ذكرناه، وظهوره لا يرتاب العاقل فيه.
المقام الثاني: أن يقال هب أن لفظ الآية لا يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس، فما قولك فيه وجوابنا أن الدلالة الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم السلام، ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية، فكيف الحكايات عن أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قَدَّم الاستغفار على استيهاب الملك جرياً على عادة الأنبياء والصالحين في تقديمهم أمر دينهم على أمور دنياهم ﴿ لاَّ يَنبَغِى ﴾ لا يتسهل ولا يكون.
ومعنى ﴿ مِن بَعْدِى ﴾ من دوني.
فإن قلت: أما يشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطي الله ما لا يعطيه غيره؟
قلت: كان سليمان عليه السلام ناشئاً في بيت الملك والنبوّة ووارثاً لهما، فأراد أن يطلب من ربه معجزة، فطلب على حسب ألفه ملكاً زائداً على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حدّ الإعجاز، ليكون ذلك دليلاً على نبوّته قاهراً للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: ﴿ لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ وقيل: كان ملكاً عظيماً، فخاف أن يعطى مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله فيه، كما قالت الملائكة: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ [البقرة: 30] وقيل: ملكاً لا أسلبه ولا يقوم غيري فيه مقامي، كما سلبته مرّة وأقيم مقامي غيري.
ويجوز أن يقال: علم الله فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين، وعلم أنه لا يضطلع بأعبائه غيره، وأوجبت الحكمة استيهابه، فأمره أن يستوهبه إياه، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة الذي علم الله أنه لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده.
أو أراد أن يقول ملكاً عظيماً فقال: ﴿ لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ ، ولم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته، كما تقول: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال، وربما كان للناس أمثال ذلك، ولكنك تريد تعظيم ما عنده.
وعن الحجاج أنه قيل له: إنك حسود، فقال: أحسد مني من قال: ﴿ وهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ وهذا من جرأته على الله وشيطنته، كما حكى عنه: طاعتنا أوجب من طاعة الله، لأنه شرط من طاعته فقال: ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ [التغابن: 16] وأطلق طاعتنا فقال: ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ فَذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ وقُرِئَ «الرِّياحَ».
﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً ﴾ لَيِّنَةً مِنَ الرَّخاوَةِ لا تُزَعْزَعُ، أوْ لا تُخالِفُ إرادَتَهُ كالمَأْمُورِ المُنْقادِ.
﴿ حَيْثُ أصابَ ﴾ أرادَ مِن قَوْلِهِمْ أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ.
﴿ والشَّياطِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( الرِّيحَ ) .
﴿ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ.
﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( كُلَّ ) كَأنَّهُ فَصَلَ الشَّياطِينَ إلى عَمَلَةٍ اسْتَعْمَلَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ كالبِناءِ والغَوْصِ، ومَرَدَةٍ قَرَنَ بَعْضَهم مَعَ بَعْضٍ في السَّلاسِلِ لِيَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، ولَعَلَّ أجْسامَهم شَفّافَةٌ صُلْبَةٌ فَلا تَرى ويُمْكِنُ تَقْيِيدُها، هَذا والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ تَمْثِيلُ كَفِّهِمْ عَنِ الشُّرُورِ بِالإقْرانِ في الصَّفَدِ وهو القَيْدُ، وسُمِّيَ بِهِ العَطاءُ لِأنَّهُ يَرْتَبِطُ بِهِ المُنْعَمُ عَلَيْهِ.
وفَرَّقُوا بَيْنَ فِعْلَيْهِما فَقالُوا: صَفَدَهُ قَيَّدَهُ وأصْفَدَهُ أعْطاهُ عَكْسَ وعَدَ وأوْعَدَ وفي ذَلِكَ نُكْتَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
{هذا} الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة عَطَآؤُنَا فامنن فأعط منه ما شئت من المنة وهي العطاء أَوْ أَمْسِكْ عن العطاء وكان إذا أعطى أجر وإن منع لم يأثم بخلاف غيره بغير حساب متعلق بعطاؤنا وقيل هو حال أي هذا عطاؤنا جماً كثيراً لا يكاد يقدر على حصره أو هذا التسخير عطاؤنا فامنن على ما شئت من الشياطين بالإطلاق أو أمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب أي لاحساب عليك في ذلك
﴿ هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُبَيِّنَةٌ لِعِظَمِ شَأْنِ ما أُوتِيَ مِنَ المُلْكِ، وأنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ تَفْوِيضًا كُلِّيًّا، وإمّا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو مَعْطُوفٌ عَلى (سَخَّرْنا)، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُ هَذا إلَخْ، والإشارَةُ إلى ما أعْطاهُ مِمّا تَقَدَّمَ، أيْ هَذا الَّذِي أعْطَيْناكَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ والبَسْطَةِ والتَّسْلِيطِ عَلى ما لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ غَيْرُكَ عَطاؤُنا الخاصُّ بِكَ فَأعْطِ مَن شِئْتَ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ غَيْرَ مُحاسَبٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ، ولا مَسْؤُولٍ عَنْهُ في الآخِرَةِ لِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَيْكَ عَلى الإطْلاقِ، (فَبِغَيْرِ حِسابٍ) حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأمْرِ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ، و ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والإخْبارُ مُفِيدٌ لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ اعْتِبارِ الخُصُوصِ أيْ عَطاؤُنا الخاصُّ بِكَ، أوْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ لِلْإخْبارِ بِهِ، بَلْ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ دارُهم وأنْتَ مَشُوقٌ ما بَقاءُ الدُّمُوعِ في الآماقِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ حالًا مِنَ العَطاءِ نَحْوَ: ﴿ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ ، أيْ هَذا عَطاؤُنا مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ حِسابٍ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، أوْ هَذا عَطاؤُنا كَثِيرًا جِدًّا لا يُعَدُّ ولا يُحْسَبُ لِغايَةِ كَثْرَتِهِ، وأنْ يَكُونَ صِلَةَ العَطاءِ، واعْتَبَرَهُ بَعْضُهم قَيْدًا لَهُ، لِتَتِمَّ الفائِدَةُ، ولا يَحْتاجَ لِاعْتِبارِ ما تَقَدَّمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ما في البَيْنِ اعْتِراضٌ فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِهِ، والفاءُ اعْتِراضِيَّةٌ، وجاءَ اقْتِرانُ الِاعْتِراضِ بِها كَما جاءَ بِالواوِ كَقَوْلِهِ: واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا وقِيلَ: الإشارَةُ إلى تَسْخِيرِ الشَّياطِينِ، والمُرادُ بِالمَنِّ، والإمْساكِ، إطْلاقُهُمْ، وإبْقاؤُهم في الأصْفادِ، والمَنُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإطْلاقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ ، والأوْلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ حِينَئِذٍ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأمْرِ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وما رُوِيَ عَنْهُ مِن أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما وُهِبَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النِّساءِ، والقُدْرَةِ عَلى جِماعِهِنَّ، لا يَكادُ يَصِحُّ، إذْ لَمْ يَجْرِ لِذَلِكَ ذِكْرٌ في الآيَةِ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”هَذا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ عَطاؤُنا بِغَيْرِ حِسابٍ“.
<div class="verse-tafsir"
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ يعني: أعطينا لداود سليمان.
وروي عن ابن عباس أنه قال: أولادنا من مواهب الله عز وجل.
ثم قرأ: ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ [الشورى: 49] فوهب الله تعالى لداود سليمان نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ يعني: مقبلاً إلى طاعة الله تعالى.
قوله عز وجل: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ يعني: في آخر النهار الصَّافِناتُ الْجِيادُ يعني: الخيل.
قال الكلبي ومقاتل: صفن الفرس إذا رفع إحدى رجليه، فيقوم على طرف حافره.
وقال أهل اللغة: الصافن الواقف من الخيل.
وفي الخبر: «مَنْ أَحَبَّ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُوفاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» يعني: يديمون له القيام، والجياد الحسان.
ويقال: الإسراع في المشي.
وقال ابن عباس في رواية الكلبي: إن أهل دمشق من العرب، وأهل نصيبين جمعوا جموعاً، وأقبلوا ليقاتلوا سليمان، فقهرهم سليمان، وأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرضت على سليمان الخيل، فجعل ينظر إليها، ويتعجب من حسنها، حتى شغلته عن صلاة العصر، وغربت الشمس، ثم ذكرها بعد ذلك، فغضب، وقال: رُدُّوها عَلَيَّ، فضرب بسوقها، وأعناقها بالسيف، حتى خرّ منها تسعمائة فرس، وهي التي كانت عرضت عليه، وبقيت مائة فرس لم تعرض عليه كما كان في أيدي الناس الآن من الجياد، فهو من نسلها أي: من نسل المائة الباقية.
قوله تعالى: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ يعني: آثرت حب المال عَنْ ذِكْرِ رَبِّي يعني: عن الصلاة، وهي صلاة العصر حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ يعني: حتى غابت الشمس، وهذا إضمار لما لم يسبق ذكره.
يعني: ذكر الشمس لأن في الكلام دليلاً فاكتفى بالإشارة عن العبارة.
قوله.
عز وجل رُدُّوها عَلَيَّ يعني: قال سليمان: ردوا الخيل عليّ، فردت عليه فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ يعني: يضرب السوق وهو جماعة الساق وَالْأَعْناقِ وهو جمع العنق.
وروي عن إبراهيم النخعي قال: كانت عشرين ألف فرس.
وقال السدي: كانت خيل لها أجنحة.
وقال أبو الليث: يجوز أن يكون مراده في سرعة السير، كأن لها أجنحة.
وقال بعضهم: كانت الجن والشياطين أخرجتها من البحر.
وقال عامة المفسرين في قوله: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ يعني: فضرب سوقها، وأعناقها.
وقال بعضهم: لم يعقر ولكن جعل على سوقهن، وعلى أعناقهن، سمة وجعلها في سبيل الله.
قال: لأن التوبة لا تكون بأمر منكر.
ولكن الجواب عنه أن يقال له: يجوز أن يكون ذلك مباحاً في ذلك الوقت، وإنما أراد بذلك الاستهانة بمال الدنيا لمكان فريضة الله تعالى.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ابتليناه وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يعني: شيطاناً.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن سليمان أمر بأن لا يتزوج إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل، فعاقبه الله تعالى.
فأخذ شيطان يقال له: صخر خاتمه، وجلس على كرسيه أربعين يوماً، وقد ذكرنا قصته في سورة البقرة ثُمَّ أَنابَ يعني: رجع إلى ملكه، وأقبل على طاعة الله تعالى.
وقال الحسن في قوله تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قال: شيطاناً.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: سألت كعباً عن قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قال: شيطاناً.
يعني: أخذ خاتم سليمان الذي فيه ملكه، فقذفه في البحر، فوقع في بطن سمكة، وانطلق سليمان يطوف، فتصدق عليه بسمكة، فشواها ليأكل، فإذا فيها خاتمه.
وقال وهب بن منبه: إن سليمان تزوج امرأة من أهل الكتاب، وكان لها عبد، فطلبت منه أن يجزرها لعبدها.
يعني: ينحر الجزور فأجزرها، فكره ذلك منه ثم ابتلي بالجسد الذي ألقي على كرسيه.
وروى معمر عن قتادة في قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قال: كان الشيطان جلس على كرسيه أربعين ليلة، حتى ردّ الله تعالى إليه ملكه.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قال: شيطان يقال له صخر.
قال له سليمان يوماً: كيف تفتنون الناس؟
فقال له: أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه، نبذه في البحر، فذهب ملكه، وقعد صخر على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان، فلم يقربهن، فأنكرته أم سليمان، أهو سليمان أم آصف؟
فكان يقول: أنا سليمان.
فيكذبونه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، ودخل صخر البحر فاراً.
وذكر شهر بن حوشب نحو هذا، وقال: لما جلس سليمان على سريره، بعث في طلب صخر، فأتي به، فأمر به، فقورت له صخرة، وأدخله فيها، ثم أطبق عليها، وألقاه في البحر، وقال: هذا سجنك إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: هذا التفسير الذي قاله هؤلاء الذين ذكروا أنه شيطان لا يصح، لأنه لا يجوز من الحكيم أن يسلط شيطاناً من الشياطين على أحكام المسلمين، ويجلسه على كرسي نبي من الأنبياء- عليهم السلام- ولكن تأويل الآية والله أعلم: أن سليمان كان له ابن، فجاء ملك الموت يوماً زائراً لسليمان، فرآه ابنه فخافه، وتغيّر لونه، ومرض من هيبته، فأمر سليمان- - الريح بأن تحمل ابنه فوق السحاب ليزول ذلك عنه، فلما رفعته الريح فوق السحاب، ودنا أجله، فقبض ابنه، وألقي على كرسيه فذلك قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يعني: ابنه الميت.
قال: والدليل على ذلك أن الجسد في اللغة هو الميت الذي لا يأكل الطعام، والشراب، كالميت ونحوه.
وذكر أن سليمان جزع على ابنه، إذ لم يكن له إلا ابن واحد، فدخل عليه ملكان، فقال أحدهما: إن هذا مشى في زرعي فأفسده.
فقال له سليمان: لم مشيت في زرعه؟
فقال: لأن هذا الرجل زرع في طريق الناس، ولم أجد مسلكاً غير ذلك.
فقال سليمان للآخر: لم زرعت في طريق الناس، أما علمت أن الناس لا بد لهم من طريق يمشون فيه؟
فقال لسليمان: صدقت.
لم ولدت على طريق الموت أما علمت أن ممر الخلق على الموت؟
ثم غابا عنه.
فاستغفر سليمان فذلك قوله: ثُمَّ أَنابَ يعني: تاب ورجع إلى طاعة الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
فأزَالُوهَا عَنْهُ حتى أَدْخَلُوها في الإصْطَبْلاَتِ، فقالَ هو، لَمَّا فَرَغَ من صلاته: إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيرِ، أي: الذي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرةِ بسببِ ذِكْرِ ربي، كَأَنه يقول: فَشَغَلَنِي ذلكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخيلِ، حتى أُدْخِلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، رُدُّوهَا عَليّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرَافَهَا وسُوقَهَا، تَكْرمةً لها، أي: لأَنَّها معدَّةٌ للجهَادِ، وهذا هو الراجحُ عند الفخر «١» ، قال: ولو كانَ معنى مَسْحِ السُّوقِ والأعناقِ قَطْعَهَا لَكَانَ معنى قوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:
٦] قطعَهَا ت: وهَذَا لا يلزمُ للقرينَةِ في الموضعين، اهـ.
قال أبو حَيَّان «٢» : وحُبَّ الْخَيْرِ قال الفراء: مفعول به، وأَحْبَبْتُ مُضَمَّنٌ معنى آثَرْتُ، وقيلَ: منصوبٌ على المصدرِ التَّشْبِيهِي، أي: حبًّا مِثْلَ حُبِّ الخير، انتهى.
وقوله تعالى: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي «عن» على كُلِّ تَأويلٍ هنا للمُجَاوَزَةِ من شيءٍ إلى شَيْءٍ، وَتَدَبَّرْهُ فإنه مطّرد.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ...
الآية، ت: اعْلَمْ- رَحِمَكَ اللَّهُ- أن الناسَ قَدْ أَكْثَرُوا في قَصَصِ هذهِ الآيةِ بما لاَ يُوقَفُ على صِحَّتِه، وحكى الثعلبي في بعض الروايات أنّ سليمان ع لَما فُتِنَ، سَقَطَ الخَاتَمُ مِنْ يَدِه، وَكَانَ فِيه مُلْكُهُ، فأعاده إلى يده، فَسَقَطَ وأَيْقَنَ بالفتنة، وأَنَّ آصِف بْنَ بَرْخِيَّا قال له: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّكَ مَفْتُونٌ ولذلكَ/ لاَ يَتَمَاسَكُ الخَاتَمُ فِي يَدِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً فَفِرَّ إلى اللَّهِ تعالى تَائِباً مِنْ ذَنْبِكَ، وَأَنَا أَقُومُ مَقَامَكَ في عَالَمِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى إلى أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ تعالى عَلَيْكَ، فَفَرَّ سُلَيْمَانُ هَارِباً إلى رَبِّهِ مُنْفَرِداً لِعِبَادَتِهِ، وأَخَذَ آصِفُ الخَاتَمَ، فَوَضَعَهُ في يدِه، فَثَبَتَ، وقيلَ:
إن الجَسَدَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً هُو آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ، وهو الذي عندَه عِلْمٌ مِن الكتَابِ، وأقام آصِفُ في ملكِ سليمانَ وعيالِهِ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ الحسَنةِ، ويَعْمَلُ بِعَمَلِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يوماً إلى أَنْ رَجَعَ سليمانُ إلى منزله تائِباً إلى اللَّه تعالى، ورَدَّ اللَّه تعالى عليه مُلْكَهُ، فأَقَامَ آصِفُ عن مجلسهِ، وجَلَسَ سليمانُ على كُرْسِيِّهِ، وأعادَ الخاتَمَ، وقالَ سَعِيدُ بن المسيِِّب: إن سليمانَ بنَ دَاوُدَ- عليهمَا السلامُ- احتجب عنِ الناسِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أَنْ يا سُلَيْمَانُ، احتجبت عنِ الناس ثلاثة أيّام، فلم
تَنْظُرْ في أمُورِ عِبَادِي، ولم تُنْصِفْ مَظْلُوماً مِنْ ظَالِمٍ، وذكر حديثَ الخاتم كما تقدَّم، انتهى، وهذَا الذي نقلناه أشْبَهُ ما ذُكِرَ، وأَقْرَبُ إلى الصَّوَابِ واللَّه أعلم، وقال عِيَاضٌ:
قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ معناه: ابتَلَيْنَاهُ، وابتلاؤه: هُو مَا حُكِي في الصحيحِ أنه قال: «لأَطُوفَنَّ الليلةَ على مِائَةِ امرأة كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارِسٍ يُجِاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يقل:
«إن شاء الله» فلم تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ» «١» ، الحديث، قال أصحابُ المعانِي: والشِّقُّ هو الجسدُ الذي أُلْقِيَ على كرسيه حين عُرِضَ عليه وهي كانتْ عقوبتُهُ ومحنته، وقيل: بَلْ مَاتَ، وألْقِيَ على كُرْسِيِّهِ مَيِّتاً، وأما عَدَمُ استثْنَائِه فأحْسَنُ الأجوبةِ عنه، ما رُوِيَ في الحديثِ الصحيح أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقُولَ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ولاَ يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الإخباريُون من تَشَبُّه الشيطانِ به وتسَلُّطِهِ على مُلْكِهِ، وتصرُّفِه في أمَّتِه لأن الشَيَاطِينَ لاَ يُسَلَّطُونَ على مِثْلِ هذا، وقد عُصِمَ الأنبياءُ من مثله، انتهى، ت: قالَ ابن العربي:
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يَعني جسدَه لا أجْسَادَ الشَّيَاطينِ كما يقولُه الضعفاءُ، انتهى من «كتاب تفسير الأفعال» له، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامَه» : وما ذكره بعضُ المفسِّرينَ مِنْ أن الشيطان أخذَ خاتَمَهُ، وجَلَسَ مجلسَه، وحَكمَ الخَلْقَ على لسانِه- قولٌ باطلٌ قَطْعاً- لأن الشياطينَ لا يَتَصَوَّرُونَ بِصُوَرِ الأَنْبِيَاءِ ولا يُمَكَّنُونَ من ذلك حتى يظنَّ الناسُ أنَّهم مع نبيِّهم في حَقٍّ، وهم مَعَ الشياطينِ في بَاطِلٍ ولو شاءَ ربُّكَ لوَهَبَ من المعرفةِ [والدِّينِ] لمنْ قَالَ هذا القولَ ما يَزَعُهُ عن ذِكْرِهِ، ويَمْنَعُهُ مِن أَنْ يَسْطُرَهُ في دِيوَان من بعده، انتهى.
وقوله: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ ...
الآية، قال ع «٢» : من المقطوعِ به أنّ سليمان ع إنما قَصَدَ بذلكَ قَصْداً بِرًّا لأن للإنسان أن يرغبَ من فضلِ اللَّهِ فيما لا يَنَالهُ أحدٌ لا سيما بِحَسَبِ المَكَانَةِ والنبوَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ﴾ أيْ: عَبَثًا ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أنَّ ذَلِكَ خُلِقَ لِغَيْرِ شَيْءٍ، وإنَّما خُلِقَ لِلثَّوابِ والعِقابِ.
﴿ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآَخِرَةِ مِثْلَ ما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نَزَلَتْ في السِّتَّةِ الَّذِينَ تَبارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وحَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، فَذَكَرَ أُولَئِكَ بِالفَسادِ في الأرْضِ لِعَمَلِهِمْ فِيها بِالمَعاصِي، وسَمّى المُؤْمِنِينَ بِالمُتَّقِينَ لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ، وحُكْمُ الآَيَةِ عامٌّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابٌ ﴾ أيْ: هَذا كِتابٌ، يَعْنِي القُرْآَنَ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى بَرَكَتِهِ في سُورَةِ [الأنْعامِ: ٩٢] .
﴿ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ: "لِتَدَبَّرُوا آَياتِهِ" بِالتّاءِ خَفِيفَةُ الدّالِ، أيْ: لِيَتَفَكَّرُوا فِيها فَيَتَقَرَّرَ عِنْدَهم صِحَّتُها ﴿ وَلِيَتَذَكَّرَ ﴾ بِما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ ﴿ أُولُو الألْبابِ ﴾ ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا [الرَّعْدِ: ١٩] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصافِناتُ الجِيادُ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عن ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُوقِ والأعْناقِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ الهِبَةُ والعَطِيَّةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَوَهَبَ اللهُ سُلَيْمانَ لِداوُدَ ولَدًا، وأثْنى تَعالى عَلَيْهِ بِأوصافٍ مِنَ المَدْحِ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ و"أوّابٌ" مَعْناهُ: رَجّاعٌ، ولَفْظَةُ ﴿ "أوّابٌ" ﴾ هو العامِلُ في "إذْ"؛ لِأنَّ أمْرَ الخَيْلِ مُقْتَضٍ أوبَةً عَظِيمَةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الخَيْلِ المَعْرُوضَةِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَها أبُوهُ لَهُ، وقِيلَ: ألْفٌ واحِدٌ فَأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشاءً، فَتَشاغَلَ بِحُسْنِها وجَرْيِها ومَحَبَّتِها حَتّى فاتَهُ وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ، قالَ قَتادَةُ: صَلاةُ العَصْرِ، ونَحْوُهُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأسِفَ لِذَلِكَ، وقالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ، قالَ الحَسَنُ: فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَيْفِ عَقْرًا لَها لَمّا كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ الصَلاةِ، فَأبْدَلَهُ اللهُ أسْرَعَ مِنها الرِيحَ، وقالَ قَوْمٌ - مِنهُمُ الثَعْلَبِيُّ -: كانَتْ بِالناسِ مَجاعَةٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ لَهم حَلالٌ، فَإنَّما عَقَرَها لِتُؤْكَلَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ بِها، كالهَدْيِ عِنْدَنا، ونَحْوُ هَذا ما فَعَلَهُ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ بِحائِطِهِ؛ إذْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الدُبْسِيُّ في الصَلاةِ فَشَغَلَهُ.
و"الصافِنُ": الفَرَسُ الَّذِي يَرْفَعُ إحْدى يَدَيْهِ ويَقِفُ عَلى طَرَفِ سُنْبُكِهِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِرِجْلِهِ، وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَجّاجُ: ألِفَ الصُفُونَ فَلا يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَلاثِ كَسِيرًا وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصافِنُ: الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيها، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى طَرَفِ السُنْبُكِ فَهو المُخَيَّمُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "الصَوافِنُ الجِيادُ"، والجِيادُ: جَمْعُ جَوْدٍ، كَثَوْبِ وثِيابٍ، وسُمِّي بِهِ لِأنَّهُ يَجُودُ بِجَرْيِهِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: "الخَيْرُ" هُنا أرادَ بِهِ: الخَيْلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، وكَذَلِكَ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِزَيْدِ الخَيْلِ: "أنْتَ زَيْدُ الخَيْرِ"،» و"حُبَّ" مَفْعُولٌ بِهِ نُصِبَ لِذَلِكَ عِنْدَ فِرْقَةٍ، كَأنَّ ﴿ "أحْبَبْتُ" ﴾ بِمَعْنى: آثَرْتُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ بـِ "أحْبَبْتُ" مَحْذُوفٌ، و"حُبَّ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أحْبَبْتُ هَذِهِ الخَيْلَ حُبَّ الخَيْرِ، وتَكُونُ "الخَيْرِ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - غَيْرَ الخَيْلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حُبَّ الخَيْلِ" بِاللامِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أحْبَبْتُ" مَعْناهُ: سَقَطْتُ إلى الأرْضِ لِذَنْبِي، مَأْخُوذٌ مِن: أحَبَّ البَعِيرُ إذا أعْيا وسَقَطَ هُزالًا، و"حُبَّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.
والضَمِيرُ في ﴿ "تَوارَتْ" ﴾ لِلشَّمْسِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ، إلّا أنَّ المَعْنى يَقْتَضِيها مَذْكُورَةً ويَتَضَمَّنُها؛ ولِأنَّ العَشِيَّ يَقْتَضِي لَها ذِكْرًا إذْ هو مُقَدَّرٌ مُتَوَهَّمٌ بِها.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَيْلَ، أيْ: دَخَلَتِ اصْطَبْلاتِها.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَهْراوِيُّ: إنَّ مَسْحَهُ بِالسُوقِ والأعْناقِ لَمْ يَكُنْ بِالسَيْفِ، بَلْ بِيَدِهِ تَكْرِيمًا لَها ومَحَبَّةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ غَسْلًا بِالماءِ، وقَدْ يُقالُ لِلْغَسْلِ مَسْحٌ، لِأنَّ المَسْحَ بِالأيْدِي يَقْتَرِنُ بِهِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ عِنْدِي إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلى نَحْوٍ مَنِ التَفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الناسِ.
وذَلِكَ أنَّهُ رَأى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيها فَوْتُ صَلاةٍ، ولا تَضَمَّنُ أمْرَ الخَيْلِ أوبَةً ولا رُجُوعًا.
فالعامِلُ فِي: "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ عُرِضَ، وقالُوا: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ وهو في الصَلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ، أيْ: إنِّي في الصَلاةِ، فَأزالُوها عنهُ حَتّى أدْخَلُوها في الِاصْطَبْلاتِ، فَقالَ هو لَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ: ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ ، أيِ الَّذِي عِنْدَ اللهِ في الآخِرَةِ، بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عن رُؤْيَةِ الخَيْلِ، حَتّى أُدْخِلَتِ اصْطَبْلاتِها، رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْناقَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ هَذا المَسْحَ إنَّما كانَ وسْمًا في السُوقِ والأعْناقِ بِوَسْمِ حَبْسٍ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى.
وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ خَيْلًا مَوْرُوثَةً.
قالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَها حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها أكْثَرُ مِن مِائَةِ فَرَسٍ، فَمِن نَسْلِ تِلْكَ المِائَةِ كُلُّ ما يُوجَدُ اليَوْمَ مِنَ الخَيْلِ.
وهَذا بَعِيدٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ خَيْلًا أخْرَجَها الشَياطِينُ لَهُ مِنَ البَحْرِ، وكانَتْ ذَواتَ أجْنِحَةٍ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، و"طَفِقَ" مَعْناهُ: دامَ يَفْعَلُ، كَما تَقُولُ: جَعَلَ يَفْعَلُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "بِالسُوقِ" ﴾ بِواوٍ ساكِنَةٍ، وهو جَمْعُ ساقٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِالهَمْزِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنَّ وجْهَها في القِياسِ أنَّ الضَمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ، قُدِّرَ أنَّها عَلَيْها فَهُمِزَتْ كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذا نَظِيرُ إمالَتِهِمْ ألِفَ "مِقْلاتٍ" مِن حَيْثُ ولِيَتِ الكَسْرَةَ القافُ، قَدَّرُوا أنَّ القافَ هي المَكْسُورَةُ.
وَوَجْهُ هَمْزَةِ "السُوقِ" مِنَ السَماعِ أنَّ أبا حَيَّةَ النُمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يَنْشُدُ: أحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيْكَ مُؤْسى وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِالسُؤُوقِ" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها الواوُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عن ذِكْرِ رَبِّي ﴾ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَإنَّ "عن" هُنا لِلْمُجاوَزَةِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ مُطَّرِدٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِتْنَتِهِ لِسُلَيْمانَ، وامْتِحانِهِ إيّاهُ لِزَوالِ مُلْكِهِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَتْ لَهُ حَظِيَّةٌ مِن حَظاياهُ: إنْ أخِي لَهُ خُصُومَةٌ، فَأرْغَبُ أنْ تَقْضِيَ لَهُ بِكَذا وكَذا، لِشَيْءٍ غَيْرِ الحَقِّ، فَقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: أفْعَلُ، فَعاقَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ سَلَّطَ عَلى خاتَمَهُ جِنِّيًّا، وذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لا يَدْخُلُ الخَلاءَ بِخاتَمِ المُلْكِ، تَوْقِيرًا لِاسْمِ اللهِ تَعالى، فَكانَ يَضَعُهُ عِنْدَ امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا، فَألْقى اللهُ شَبَهَهُ عَلى جَنِّيٍ اسْمُهُ صَخْرٌ - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، فَجاءَ إلى المَرْأةِ فَدَفَعَتْ إلَيْهِ الخاتَمَ، فاسْتَوْلى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وبَقِيَ فِيهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وطَرَحَ خاتَمَ سُلَيْمانَ في البَحْرِ، وجَعَلَ يَعْبَثُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشَبَهُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ، حَتّى أنْكَرُوا أفْعالَهُ، ومَكَّنَهُ اللهُ تَعالى مِن جَمِيعِ المُلْكِ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا مِن نِساءِ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْشِفْهُنَّ، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ خِلالَ ذَلِكَ قَدْ خَرَجَ فارًّا عَلى وجْهِهِ مُنْكَرًا، لا يَنْتَسِبُ لِقَوْمٍ إلّا ضَرَبُوهُ، وأدْرَكَهُ جُوعٌ وفاقَةٌ، فَمَرَّ يَوْمًا بِامْرَأةٍ تَغْسِلُ حُوتًا مَيِّتًا، فَسَألَها مِنهُ لِجُوعِهِ، وقِيلَ: بَلِ اشْتَراهُ فَأعْطَتْهُ حُوتَيْنِ، فَجَعَلَ يَفْتَحُ أجْوافَها، وإذا خاتَمُهُ في جَوْفِ أحَدِهِما، فَعادَ إلَيْهِ مُلْكُهُ، وسُخِّرَتْ لَهُ الجِنُّ والرِيحُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وفَّرَ صَخْرٌ الجِنِّيُّ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِ في حِجارَةٍ، وسَجَنَهُ في البَحْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذِهِ هي الفِتْنَةُ الَّتِي فُتِنَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ وامْتُحِنَ بِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في الجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الجِنِّيُّ المَذْكُورُ، سَمّاهُ ﴿ "جَسَدًا" ﴾ لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَمَثَّلَ في جَسَدِ سُلَيْمانَ ولَيْسَ بِهِ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأبْيَنُها مَعْنًى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ.
بَلْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدُ ابْنٍ لَهُ مَيِّتٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ شِقُّ الوَلَدِ الَّذِي وُلِدَ لَهُ حِينَ أقْسَمَ لَيَطُوفَنَّ عَلى نِسائِهِ ولَمْ يَسْتَثْنِ في قِسْمِهِ، وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ كانَ بِلا رُوحٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنابَ" ﴾ مَعْناهُ: ارْعَوى وانْثَنى وأجابَ إلى طاعَةِ رَبِّهِ، ومَعْنى هَذا: مِن تِلْكَ الحَوْبَةِ الَّتِي وقَعَتِ الفِتْنَةُ بِسَبَبِها.
ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، واسْتَوْهَبَهُ مُلْكًا، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: أرادَ أنْ يُفْرِدَهُ بَيْنَ البَشَرِ لِتَكُوُنَ خاصَّةً لَهُ وكَرامَةً، وهَذا هو الظاهِرُ مِن «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في خَبَرِ العِفْرِيتِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ في صَلاتِهِ، فَأخَذَهُ وأرادَ أنْ يُوثِقَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، قالَ: "ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: رَبِ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي فَأرْسَلْتُهُ"،» وقالَ قَتادَةُ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي مُدَّةَ حَياتِي، أيْ: لا أُسْلَبُهُ ويَصِيرُ إلى أحَدٍ كَما صارَ إلى الجِنِّيِّ.
ورُوِيَ في مَثالِبِ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ أنَّهُ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "لَقَدْ كانَ حَسُودًا"، وهَذا مِن فِسْقِ الحَجّاجِ، وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَقْطُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا بَرًّا جائِزًا؛ لِأنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَرْغَبَ مِن فَضْلِ اللهِ فِيما لا يَنالُهُ أحَدٌ، لا سِيَّما بِحَسَبِ المَكانَةِ والنُبُوَّةِ، وانْظُرْ إلى قَوْلِهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ "لا يَنْبَغِي"، ﴾ فَإنَّما هي لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ بِقَطْعٍ في أنَّهُ لا يُعْطِي اللهُ نَحْوَ ذَلِكَ المُلْكِ لِأحَدٍ، ومُحَمَّدٌ لَوْ رَبَطَ الجِنِّيَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا لَما أُوتِيهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ، لَكِنْ لَمّا كانَ فِيهِ بَعْضُ الشَبَهِ تَرَكَهُ جَرْيًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى اخْتِيارِهِ أبَدًا أيْسَرَ الأمْرَيْنِ وأقْرَبَهُما إلى التَواضُعِ.
<div class="verse-tafsir"
والإِشارة إلى التسخير المستفاد من ﴿ فسخرنا له الريح ﴾ [ص: 36] إلى قوله: ﴿ والشياطين ﴾ [ص: 37] أي هذا التسخير عطاؤنا.
والإِضافة لتعظيم شأن المضاف لانتسابه إلى المضاف إليه فكأنه قيل: هذا عطاء عظيم أعطيناكه.
والعطاء مصدر بمعنى المعطى مثل الخلق بمعنى المخلوق.
و«امنن» أمر مستعمل في الإِذن والإِباحة، وهو مشتق من المنّ المكنّى به عن الإِنعام، أي فأنعم على مَن شئت بالإِطلاق، أو أمسك في الخدمة من شئت.
فالمنّ: كناية عن الإِطلاق بلازم اللام، كقوله تعالى: ﴿ فإما مناً بعدُ وإما فداء ﴾ [محمد: 4].
وجملتا ﴿ فامنن أو أمْسِك ﴾ معترضتان بين قوله: ﴿ عَطَاؤُنَا ﴾ وقوله: ﴿ بِغَيرِ حسَابٍ ﴾ ، وهو تفريع مقدّم من تأخير.
والتقديم لتعجيل المسرة بالنعمة، ونظيره قوله تعالى من بعد: ﴿ هذا فليذوقوه حميم وغساق ﴾ [ص: 57] وقول عنترة: ولقد نزلت فلا تظنِّي غيرَه *** مني بمنزلة المُحَب المكْرَم وقول بشارة: كقائلة إن الحمار فنحِّه *** عن القَتِّ أهلُ السمسم المتهذب مجازاً وكناية في التحديد والتقدير، أي هذا عطاؤنا غير محدد ولا مقتَّر فيه، أي عطاؤنا واسعاً وافياً لا تضييق فيه عليك.
ويجوز أن يكون ﴿ بغيرِ حسابٍ ﴾ حالاً من ضمير «أمنن أو أمسك».
ويكون الحساب بمعنى المحاسبة المكنّى بها عن المُؤاخذة.
والمعنى: أُمنن أو أمسك لا مؤاخذة عليك فيمن منَنْتَ عليه بالإِطلاق إن كان مفسداً، ولا فيمن أمسكته في الخدمة إن كان صالحاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ ﴾ الخَيْلُ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ صُفُونَها قِيامُها ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (مَن سَرَّهُ أنْ يَقُومَ الرِّجالُ لَهُ صُفُوفًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ يُدِيمُونَ لَهُ القِيامَ حَكاهُ قُطْرُبٌ وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ: لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِيِّ والجِيادُ الصَّوافِنُ الثّانِي: أنَّ صُفُونَها رَفْعُ إحْدى اليَدَيْنِ عَلى طَرَفِ الحافِرِ حَتّى تَقُومَ عَلى ثَلاثٍ كَما قالَ الشّاعِرُ: ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرًا وَفِي ﴿ الجِيادُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الطُّوالُ العَناقِ مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ لِأنَّ طُولَ أعْناقِ الخَيْلِ مِن صِفاتِ فَراهَتِها.
الثّانِي: أنَّها السَّرِيعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ واحِدُها جَوادٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجُودُ بِالرَّكْضِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حُبَّ المالِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: حُبَّ الخَيْلِ قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
وَمِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ « (الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: حُبَّ الخَيْلِ.
الثّالِثُ: حُبَّ الدُّنْيا، قالَهُ أسْباطٌ.
وَفي ﴿ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أحْبَبْتُ الخَيْرَ حُبًّا فَقُدِّمَ، فَقالَ: أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ثُمَّ أضافَ فَقالَ أُحِبُّ الخَيْرَ، قالَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ.
الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى الوَلاءِ في نَظْمِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ، وتَأْوِيلُهُ: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ.
﴿ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ صَلاةِ العَصْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَرَوى الحارِثُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ قالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى فَقالَ: (هِيَ صَلاةُ العَصْرِ الَّتِي فَرَّطَ فِيها نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ» .
﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ، والحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ، قالَهُ قَتادَةُ وكَعْبٌ.
الثّانِي: تَوارَتِ الخَيْلُ بِالحِجابِ أيْ شُغِلَتْ بِذِكْرِ رَبِّها إلى تِلْكَ الحالِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
والحِجابُ اللَّيْلُ يُسَمّى حِجابًا لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ ﴾ يَعْنِي الخَيْلَ لِأنَّها عُرِضَتْ عَلَيْهِ فَكانَتْ تَجْرِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يَسْتَبِينُ مِنها شَيْءٌ لِسُرْعَتِها وهو يَقُولُ اللَّهُمَّ أغُضَّ بَصَرِي، حَتّى غابَتْ بِالحِجابِ ثُمَّ قالَ رُدُّوها عَلَيَّ.
﴿ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن شِدَّةِ حُبِّهِ لَها مَسَحَ عَراقِيبَها وأعْناقَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَآها قَدْ شَغَلَتْهُ عَنِ الصَّلاةِ ضَرَبَ عَراقِيبَها وأعْناقَها، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
وَلَمْ يَكُنْ ما اشْتَغَلَ عَنْهُ مِنَ الصَّلاةِ فَرْضًا بَلْ كانَ نَفْلًا لِأنَّ تَرْكَ الفَرْضِ عَمْدًا فِسْقٌ، وفَعَلَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لِنَفْسِهِ.
والخَيْلُ مَأْكُولَةُ اللَّحْمِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ إتْلافًا يَأْثَمُ بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ ألْفَ فَرَسٍ فَعَرْقَبَ تِسْعَمِائَةٍ وبَقِيَ مِنها مِائَةٌ.
فَما في أيْدِي النّاسِ مِنَ الخَيْلِ العِتاقِ مِن نَسْلِ تِلْكَ المِائَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي والحكيم الترمذي والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوماً، وكان لسليمان عليه السلام امرأة يقال لها جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ودَّ أن الحق كان لأهلها؛ فأوحى الله تعالى إليه: أنه سيصيبك بلاء، فكان لا يدري يأتيه من السماء أم من الأرض.
وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم بسند قوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد سليمان عليه السلام أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه دانت له الجن والإِنس والشياطين، فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي.
فقالت: قد أعطيته سليمان قال: أنا سليمان قالت: كذبت لست سليمان.
فجعل لا يأتي أحداً يقول أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله عز وجل، وقام الشيطان يحكم بين الناس.
فلما أراد الله تعالى أن يرد على سليمان عليه السلام سلطانه، ألقى في قلوب الناس انكار ذلك الشيطان، فارسلوا إلى نساء سليمان عليه السلام فقالوا لهن: أيكون من سليمان شيء؟
قلن: نعم.
إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك.
فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر ومكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرأوها على الناس قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان عليه السلام يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان عليه السلام فقال: تحمل لي هذه السمك؟
ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره، أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان عليه السلام، فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الانس والجن والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه السلام في طلبه، وكان شيطاناً مريداً يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاؤوا فنقبوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثبت في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان عليه السلام، فأمر به فنقر له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر.
فذلك قوله: ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ يعني الشيطان كان تسلط عليه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي حتى سألت عنهن كعب الأحبار رضي الله عنه في قوله: ﴿ قوم تبع ﴾ [ الدخان: 73] في القرآن، ولم يذكر تبع فقال: إن تبعاً كان ملكاً، وكان قومه كهاناً، وكان في قومه قوم من أهل الكتاب، وكان الكهان يبغون على أهل الكتاب ويقتلون تابعهم فقال أهل الكتاب لتبع: أنهم يكذبون علينا فقال تبع: إن كنتم صادقين فقربوا قرباناً فأيكم كان أفضل أكلت النار قربانه.
فقرب أهل الكتاب والكهان، فنزلت نار من السماء، فأكلت قربان أهل الكتاب، فأتبعهم تبع فأسلم.
فلهذا ذكر الله قومه في القرآن ولم يذكره قال ابن عباس رضي الله عنه وسألته عن قوله: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان عليه السلام الذي فيه ملكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إذ تصدق عليه بتلك السمكة، فاشتواها فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ قال: صخر الجني.
مثل على كرسيه على صورته.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: أمر سليمان عليه السلام ببناء بيت المقدس فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، فطلب ذلك، فلم يقدر عليه، فقيل له إن شيطاناً يقال له صخر شبه المارد، فطلبه وكانت عين في البحر يردها في كل سبعة أيام مرة، فنزح ماءها وجعل فيها خمراً، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال: إنك لشراب طيب، تصيب من الحليم، وتزيد من الجاهل جهلاً ثم جفل حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها، فشربها حتى غلب على عقله، فأوتي بالخاتم، فختم بين كتفيه، فذل وكان ملكه في خاتمه، فأتي به سليمان فقال: أنا قد أمرنا ببناء هذا البيت فقيل لنا: لا تسمعن فيه صوت حديد، فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بألماس، فوضعها عليه، فقطعها حتى أفضى إلى بيضه، فأخذوا الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة.
وكان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بخاتمه.
فانطلق يوماً إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان عليه السلام منه، وألقى على الشيطان شبه سليمان، فجاء فقعد على كرسيه، وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه، فجعل يقضي بينهم أربعين يوماً حتى وجد سليمان عليه السلام خاتمه في بطن السمكة فأقبل، فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: هو الشيطان صخر ﴿ ثم أناب ﴾ قال: تاب ثم أقبل يعني سليمان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: شيطاناً يقال له آصف.
فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟
قال أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان عليه السلام، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان عليه السلام فلم يقربهن ولا يقربنه وأنكرنه، وأنكر الناس أمر سليمان عليه السلام.
وكان سليمان عليه السلام يستطعم فيقول: أتعرفوني أنا سليمان؟
فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، وطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر الشيطان فدخل البحر فاراً.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد لسليمان ولد فقال للشيطان: تواريه من الموت؟
قالوا نذهب به إلى المشرق.
فقال يصل إليه الموت.
قالوا فإلى المغرب.
قال يصل إليه.
قالوا إلى البحار.
قال يصل إليه الموت.
قال نضعه بين السماء والأرض، ونزل عليه ملك الموت فقال: إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار، وطلبتها في تخوم الأرض؛ فلم أصبها، فبينا أنا صاعد أصبتها، فقبضتها وجاء جسده حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله: ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ » .
وقال ابن سعد رضي الله عنه، أخبرنا الواقدي، حدثنا معشر عن المقبري: أن سليمان بن داود عليه السلام قال: لأطوفن الليلة بمائة امرأة من نسائي، فتأتي كل امرأة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله.
ولم يستثنِ ولو استثنى لكان، فطاف على مائة امرأة، فلم تحمل امرأة إلا امرأة واحدة، حملت بشق إنسان ولم يكن شيء أحب إلى سليمان من تلك الشقة.
قال وكان أولاده يموتون، فجاء ملك الموت في صورة رجل، فقال له سليمان عليه السلام: إن استطعت أن تؤخر إبني هذا ثمانية أيام إذا جاءه أجله فقال: لا.
ولكن أخبرك قبل موته بثلاثة أيام.
قال لمن عنده من الجن: أيكم يُخَبِّئ لي إبني هذا؟
قال أحدهم؟
أنا أخبؤه لك في المشرق قال: ممن تخبئوه؟
قال: من ملك الموت.
قال يبصره.
قال آخر: أنا أخبؤه لك بين قرينين لا يريان.
قال سليمان عليه السلام إن كان شيء فهذا.
فلما جاء أجله، نظر ملك الموت في الأرض، فلم يره في مشرقها، ولا في مغربها، ولا شيء من البحار، ورآه بين قرينين، فجاءه، فأخذه، فقبض روحه على كرسي سليمان.
فذلك قوله: ﴿ ولقد فتنا سليمان ﴾ وهو قول الله: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بينما سليمان بن داود جالساً على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، فانطلق وخلف شيطاناً في أهله، فأتى عجوزاً، فأوى إليها، فقالت له العجوز: إن شئت أن تنطلق فتطلب وأكفيك عمل البيت، وإن شئت أن تكفيني عمل البيت وانطلق فالتمس.
قال: فانطلق يلتمس، فأتى قوماً يصيدون السمك، فجلس إليهم، فنبذوا سمكات، فانطلق بهن حتى أتى العجوز، فأخذت تصلحه، فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم، فأخذته وقالت لسليمان عليه السلام: ما هذا؟
فأخذه سليمان عليه السلام، فلبسه، فأقبلت إليه الشياطين، والانس، والجن، والطير، والوحش، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في البحر، فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه أنه يرد عيناً في جزيرة في البحر في سبعة أيام، ولا نقدر عليه حتى يسكر.
قال فصب له في تلك العين خمراً، فأقبل فشرب فسكر، فأروه الخاتم فقال: سمعاً وطاعة، فأوثقه سليمان عليه السلام، ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان، فالدخان الذي يرون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل بوله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: هو الشيطان.
دخل سليمان عليه السلام الحمام، فوضع خاتمه عند امرأة من أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان، فتمثل لها على صورة سليمان عليه السلام، فأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان عليه السلام أتاها فقال لها: هاتي الخاتم فقالت: قد دفعته إليك.
قال ما فعلت..
!
فهرب سليمان عليه السلام وجلس الشيطان على ملكه، وانطلق سليمان عليه السلام هارباً في الأرض يتتبع ورق الشجر خمسين ليلة، فأنكر بنو إسرائيل أمر الشيطان، فقال بعضهم لبعض: هل تنكرون من أمر ملككم ما ننكر عليه؟
قالوا: نعم.
قال أما لقد هلكتم أنتم العامة، وأما قد هلك ملككم، فقالوا: والله ان عندكم من هذا الخبر، نساؤه معكم، فاسألوهن، فإن كن أنكرن ما أنكرنا فقد ابتلينا.
فسألوهن، فقلن: أي والله لقد أنكرنا.
فلما انقضت مدته انطلق سليمان عليه السلام حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيادين يصيدون السمك، فصادوا سمكاً كثيراً غلبهم بعضه، فألقوه فأتاهم سليمان عليه السلام، فاستطعمهم، فأعطوه تلك الحيتان قال: لا بل أطعموني من هذا، فأبوا فقال: أطعموني فإني سليمان، فوثب إليه بعضهم بالعصا فضربه غضباً لسليمان، فأتى إلى تلك الحيتان التي ألقوا، فأخذ منها حوتين، فانطلق بهما إلى البحر، فغسلهما فشق بطن أحدهما، فإذا فيه الخاتم، فأخذه فجعله في يده، فعاد في ملكه، فجاءه الصيادون يبيعون إليه فقال لهم: لقد كنت استطعمتكم فلم تطعموني، فلم أظلمكم إذا هنتموني، ولم أحمدكم إذا أكرمتموني.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان سليمان عليه السلام إذا دخل الخلاء أعطى خاتمه أحب نسائه إليه، فإذا هو قد خرج وقد وضع له وضوءه فدفع خاتمه إلى امرأته، فلبث ما شاء الله.
وخرج عليها شيطان في صورة سليمان، فدفعت الخاتم إليه، فضاق ذرعاً به، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، فخرج سليمان عليه السلام على امرأته، فسألها الخاتم فقالت: قد دفعته إليك.
فعلم سليمان عليه السلام أنه قد ابتلى، فخرج وترك ملكه، ولزم البحر، فجعل يجوع، فأتى يوماً على صيادين قد صادوا سمكاً بالأمس فنبذوه، وصادوا يومهم سمكاً فهو بين أيديهم، فقام عليهم سليمان عليه السلام فقال: أطعموني بارك الله فيكم، فإني ابن سبيل، فلم يلتفتوا إليه، ثم عاد فقال لهم: مثل ذلك، فرفع رجل منهم رأسه إليه فقال: ائت ذلك السمك فخذ منه سمكة، فأتاه سليمان عليه السلام فأخذ منه أدنى سمكة، فلما أخذها إذا فيها ريح، فأتى بها البحر، فغسلها وشق بطنها فإذا هو بخاتمه، فحمد الله وأخذه فتختم به، ونطق كل شيء كان حوله من جنوده، وفزع الصيادون لذلك، فقاموا إليه، وحيل بينهم ولم يصلوا إليه، ورد الله إليه ملكه.
وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن سليمان بن داود عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله إليه أن يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام، فلم تنظر في أمور العباد، ولم تنصف مظلوماً من ظالم.
وكان ملكه في خاتمه، وكان إذا دخل الحمام وضع خاتمه تحت فراشه.
فجاء الشيطان فأخذه، فأقبل الناس على الشيطان فقال سليمان: يا أيها الناس أنا سليمان نبي الله، فدفعوه، فساح أربعين يوماً، فأتى أهل سفينة، فأعطوه حوتاً فشقها، فإذا هو بالخاتم فيها، فتختم به، ثم جاء فأخذ بناصيته فقال عند ذلك ﴿ رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ .
قال وكان أول من أنكره نساؤه.
فقال بعضهم لبعض: أتنكرون منه شيئاً؟
قلن: نعم.
وكان يأتيهن وهن حيض فقال علي: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله يسلطه على نسائه.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن رافع رضي الله عنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حدث عن فتنة سليمان عليه السلام قال: إنه كان في قومه رجل كعمر بن الخطاب في أمتي، فلما أنكر حال الجان الذي كان مكانه أرسل إلى أفاضل نسائه، فقال: هل تنكرن من صاحبكن شيئاً؟
قلن: نعم.
كان لا يأتينا حيضاً، وهذا يأتينا حيضاً، فاشتمل على سيفه ليقتله، فرد الله على سليمان ملكه، فأقبل فوجده في مكانه، فأخبره بما يريد» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: الجسد الشيطان الذي كان دفع سليمان عليه السلام إليه خاتمه، فقذفه في البحر، وكان ملك سليمان عليه السلام في خاتمه، وكان اسم الجني صخراً.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: الجسد الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه شيطاناً يقال له آصف.
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوماً.
كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده وآمنهن، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحداً من الناس غيرها، فجاءته يوماً من الأيام فقالت: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك فقال: نعم.
ولم يفعل، وابتلى فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته فقال: هات الخاتم.
فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان عليه السلام بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟
قال: لا.
قال وخرج مكانه تائهاً، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، وأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا فقرأوا التوراة، فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر.
وأقبل سليمان في حالته التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، فاستطعمه من صيدهم، فأعطاه سمكتين، فقام إلى شط البحر، فشق بطونهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه.
فأرسل إلى الشيطان، فجيء به فأمر به، فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر.
فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم أناب ﴾ قال: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك، فاشترى منها سمكة، فشق بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة، ولا على شيء إلا سجد له، حتى أتى ملكه وأهله.
فذلك قوله: ﴿ ثم أناب ﴾ يقول: ثم رجع.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ ﴾ تفسير هذه الآية يختلف على حسب الاختلاف في قصتها، وفي ذلك أربعة أقوال: الأول أن سليمان كان له خاتم ملكه وكان فيه اسم الله، فكان ينزعه إذا دخل الخلاء توقيراً لاسم الله تعالى، فنزعه يوماً ودفعه إلى جارية فتمثل لها جني في صورة سليمان وطلب منها الخاتم فدفعته له، وري أن اسمه صخر، فقعد على كرسيّ سليمان يأمر وينهي الناس يظنون أنه سليمان، وخرج سليمان فارّاً بنفسه فأصابه الجوع فطلب حوتاً ففتح بطنه فوجد فيه خاتمه، وكان الجني قد رماه في البحر فلبس سليمان الخاتم وعاد إلى ملكه، ففتنة سليمان على هذا هي ما جرى له من سلب ملكه، والجسد الذي ألقي على كرسيه هو الجنيّ الذي قعد عليه وسماه جسداً، لأنه تصور في صورة إنسان، ومعنى أناب رجع إلى الله بالاستغفار والدعاء، أو رجع إلى ملكه والقول الثاني أن سليمان كان له امرأة يحبها وكان أبوها ملكاً كافراً قد قتله سليمان فسألته أن يضع لها صورة أبيها فأطاعها في ذلك فكانت تسجد للصورة ويسجد معها جواريها، وصار صنماً معبوداً في داره، وسليمان لا يعلم حتى مضت أربعون يوماً، فلما علم به كسره فالفتنة على هذا عمل الصورة، والجسد هو الصورة والقول الثالث أن سليمان كان له ولد وكان يحبه حباً شديداً، فقالت الجن إن عاش هذا الولد ورث ملك أبيه فبقينا في السخرة أبداً فلم يشعر إلا وولده ميت على كرسيه، فالفتنة على هذا حبه الولد، والجسد هو الولد لما مات وسمي جسداً لأنه جسد بلا روح، والقول الرابع أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة تأتي كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فلما تحمل إلا واحدة بشق إنسان فالفتنة على هذا كونه لم يقل إن شاء الله، والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له، فأما القول الأول فضعيف من طريق النقل مع أنه يبعد ما ذكر فيه من سلب ملك سليمان وتسليط الشياطين عليه، وأما القول الثاني فضعيف أيضاً مع أنه يبعد أن يعبد صنم في بيت نبي، أو يأمر نبي بعمل صنم، وأما القول الثالث فضعيف أيضاً، وأما القول الرابع فقد روي في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لم يذكر في الحديث إن ذلك تفسير الآية.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ ، الباطل: هو الفعل الذي يذم عليه [فاعله].
والحق: هو الفعل الذي يحمد عليه فاعله.
وقوله - عز جل -: ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
لم يظن أحد من الكفرة أن الله خلق شيئاً باطلا، لكن يكون خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما من الأهل مخلوقا باطلا على ما عبد أولئك الكفرة وفي حسبانهم؛ لأن عندهم أن لا بعث ولا حياة بعد ما ماتوا، فكان خلق ذلك كله لو لم يكن بعث ولا نشور خلقاً باطلا لوجهين: أحدهما: أنه لو لم يكن بعث يحصل إنشاؤه إياهم للفناء خاصة، وإنشاء الشيء وبناؤه للفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل سفه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...
﴾ إلى آخر الآية [المؤمنون: 115]، صير خلقه إياهم إذا لم يكن رجوع إليه عبثاً؛ لذلك كان ما ذكرنا.
والثاني: أنه لو لم يكن بعث، لكان خلقهم غير حكمة؛ لأنه قد جمعهم جميعاً في نعيم هذه الدنيا ولذاتها: الولي، والعدو، وفي الحكمة التفريق والتمييز بينهما، فلو لم يكن دار أخرى ليفرق بينهما، لكان في خلقهم غير حكيم، وعندهم جميعاً أنه حكيم.
ثم يقول قتادة في قوله - عز وجل -: ﴿ يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ إلى قوله: ﴿ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴾ يقول: لم يذكر الله - عز وجل - من شأن داود - - ما ذكر إلا أن يكون داود قضى نحبه من الدنيا على طاعة الله والعمل له والعدل فيما ولاه الله عز وجل، ولكن الله وعظ نبيه والمؤمنين موعظة بليغة شافية، ليعلم من ولي [من] هذا الحكم شيئاً أنه ليس بين الله وبين العباد سبب يعطيهم خيراً ولا يدفع عنهم به شرّاً إلا بطاعة الله والعمل بما يرضى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: جعلنا لك الخلافة فيمن ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ﴾ .
هو صلة قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : كان ظنهم أن لا بعث ولا نشور، فيقول - والله أعلم -: إنه لو كان على ما ظن أولئك الكفرة: أن لا بعث لكان في ذلك جعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات في هذه الدنيا كالمفسدين في الأرض وجعل المتقين كالفجار؛ إذ قد سوى بينهم في هذه الدنيا وجمعهم في لذات هذه الدنيا وشهواتها وفي حسناتها وسيئاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز، وقد سوى بينهما في الدنيا على ما ذكرنا من جمعهم في المحنة بالخير والشر، فلو كان على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا حياة، لكان ذلك جمع وتسوية بين الولي والعدو، وفي الشاهد من سوى بين من عاداه وبين من والاه، وجمع بينهما في البر والجزاء كان سفيها غير حكيم؛ فعلى ذلك الله - - لو لم يجعل داراً أخرى يفرق بينهما كان غير حكيم؛ إذ قد سوى بينهما وجمع، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
ثم من الناس من يقول: يجب أن يفرق بينهما في الدارين جميعاً في الدنيا والآخرة، وقد فعل حيث سمى هؤلاء: ضلالا وهؤلاء مؤمنين، وخذل الكفار، وأذلهم، ووفق المؤمنين وأعزهم؛ وهو قول المعتزلة.
ومنهم من يقول: لا يجب ذا في الآخرة؛ لأن الدنيا دار محنة وابتلاء يمتحن الفريقان جميعاً بالخير مرة والشر ثانياً، وبالحسنة تارة وبالسيئة أخرى على ما أخبر حيث قال - عز جل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ وما ذكر: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 35]، أخبر - عز وجل - أنه يمتحنهم ويبتليهم بالخير والشر وبالسيئة والحسنة، وذلك للفريقين جميعاً على ما ذكرنا من جمعه إياهم جميعاً في الحالين، [وأما الآخرة] فإنما هي مجعولة للجزاء خاصة، فهنالك يقع التفريق والتمييز بينهما لا فيما فيه المحنة والابتلاء، والله أعلم.
وأما قولهم: إنه قد فرق بينهما؛ حيث سمى هؤلاء: ضلالا، وهؤلاء: مؤمنين، وخذل هؤلاء، ووفق أولئك فليس ذلك بتفريق بينهما؛ لأنه إنما سماهم: ضلالا كفرة بفعلهم الذي اختاروه وصنعوا، أو أمر آثروه على غيره فإنما هو تسمية فعلهم لا جزاء يجزون، والله أعلم.
ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ - دلالة لزوم الحجة والوعيد على الظن والجهل، وإن لم يتحقق لهم العلم بذلك إن مكنوا من العلم وجعل لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك، وإنما لزمهم ذلك الوعيد والحجة بما هم ضيعوا معرفة ذلك والعلم به؛ لأنهم لو تأملوا فيه ونظروا، لوقع لهم علم ذلك، لكنهم تركوا علم ذلك، وضيعوه؛ فلم يعذروا في ذلك، وعلى ذلك نقول في القدرة: إن من منع عنه القدرة، وحيل بينه وبينها كان غير مكلف بها ولا مخاطباً معذوراً، ومن لم تمنع عنه ومكن [من] ذلك إلا أنه ترك العمل به كان مكلفاً به غير معذور؛ لأنه هو الذي ضيع ذلك وتركه بالاختيار، والأول غير مضيع لها ولا تارك لذلك أمر؛ وذلك على المعتزلة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ ﴾ .
سماه: مباركاً؛ لأن من اتبعه وتمسك به وعمل بما فيه صار شريفاً مذكوراً عند الناس عظيما على أعينهم وقلوبهم، وذلك عمل المبارك أن ينال كل بر وخير يكون أبداً على الزيادة والنماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
أخبر أنه أنزله؛ ليدبروا في آياته؛ ليعرفوا ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يتبع، إنما يعرف ذلك بالتأمل والتدبر والتفكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
أي: ليتذكر وليتعظ أولو الألباب بما فيه من المواعظ والآداب وغير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
يا سليمان، هذا عطاؤنا الذي أعطيناكه استجابة لما طلبت منا، فأعط من شئت، وامنع من شئت، فلن تحاسب في إعطاء أو منع.
<div class="verse-tafsir" id="91.aqoan"