الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ١٠ من سورة الزمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٠ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه ( قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) أي : لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم .
وقوله : ( وأرض الله واسعة ) قال مجاهد : فهاجروا فيها ، وجاهدوا ، واعتزلوا الأوثان .
وقال شريك ، عن منصور ، عن عطاء في قوله : ( وأرض الله واسعة ) قال : إذا دعيتم إلى المعصية فاهربوا ، ثم قرأ : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) [ النساء : 97 ] .
وقوله : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) قال الأوزاعي : ليس يوزن لهم ولا يكال ، إنما يغرف لهم غرفا .
وقال ابن جريج : بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط ، ولكن يزادون على ذلك .
وقال السدي : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) يعني : في الجنة .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( قُلْ ) يا محمد لعبادي الذين آمنوا: ( يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله, وصدقوا رسوله ( اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) بطاعته واجتناب معاصيه ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة ) ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: للذين أطاعوا الله حسنة في هذه الدُّنْيا، وقال " في" من صلة حسنة, وجعل معنى الحسنة: الصحة والعافية.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) قال: العافية والصحة.
وقال آخرون " في" من صلة أحسنوا, ومعنى الحسنة: الجنة.
وقوله: ( وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ) يقول تعالى ذكره: وأرض الله فسيحة واسعة, فهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام.
كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد, قوله: ( وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ) فهاجروا واعتزلوا الأوثان.
وقوله: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) يقول تعالى ذكره: إنما يعطي الله أهل الصبر على ما لقوا فيه في الدنيا أجرهم في الآخرة بغير حساب، يقول: ثوابهم بغير حساب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) لا والله ما هُناكم مكيال ولا ميزان.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال: في الجنة.
قوله تعالى : قل ياعبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .قوله تعالى : قل يا عبادي الذين آمنوا أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين " اتقوا ربكم " أي اتقوا معاصيه ، والتاء مبدلة من واو ، وقد تقدم .
وقال ابن عباس : يريد جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة .
ثم قال : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة يعني بالحسنة الأولى الطاعة وبالثانية الثواب في الجنة .
وقيل : المعنى للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا ، يكون ذلك زيادة على ثواب الآخرة ، والحسنة الزائدة في الدنيا الصحة والعافية والظفر والغنيمة .
قال القشيري : والأول أصح ; لأن الكافر قد نال نعم الدنيا .قلت : وينالها معه المؤمن ويزاد الجنة إذا شكر تلك النعم .
وقد تكون الحسنة في الدنيا الثناء الحسن ، وفي الآخرة الجزاء ." وأرض الله واسعة " فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي .
وقد مضى القول في هذا مستوفى في [ النساء ] وقيل : المراد أرض الجنة ، رغبهم في سعتها وسعة نعيمها ، كما قال : " وجنة عرضها السماوات والأرض " والجنة قد تسمى أرضا ، قال الله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء [ ص: 215 ] والأول أظهر ، فهو أمر بالهجرة .
أي : ارحلوا من مكة إلى حيث تأمنوا .
الماوردي : يحتمل أن يريد بسعة الأرض سعة الرزق ; لأنه يرزقهم من الأرض فيكون معناه : ورزق الله واسع ، وهو أشبه ; لأنه أخرج سعتها مخرج الامتنان .قلت : فتكون الآية دليلا على الانتقال من الأرض الغالية ، إلى الأرض الراخية ، كما قال سفيان الثوري : كن في موضع تملأ فيه جرابك خبزا بدرهم .إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب أي بغير تقدير .
وقيل : يزاد على الثواب ; لأنه لو أعطي بقدر ما عمل لكان بحساب .
وقيل : بغير حساب أي : بغير متابعة ولا مطالبة كما تقع المطالبة بنعيم الدنيا .
و " الصابرون " هنا الصائمون ، دليله قوله عليه الصلاة والسلام مخبرا عن الله - عز وجل - : ( الصوم لي وأنا أجزي به " قال أهل العلم : كل أجر يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصوم فإنه يحثى حثوا ويغرف غرفا ، وحكي عن علي - رضي الله عنه - .
وقال مالك بن أنس في قوله : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قال : هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها .
ولا شك أن كل من سلم فيما أصابه ، وترك ما نهي عنه ، فلا مقدار لأجرهم .
وقال قتادة : لا والله ما هناك مكيال ولا ميزان ، حدثني أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تنصب الموازين فيؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين ، وكذلك الصلاة والحج ، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ، ولا ينشر لهم ديوان ، ويصب عليهم الأجر بغير حساب .
قال الله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل .
وعن الحسين بن علي - رضي الله عنهما قال : سمعت جدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أد الفرائض تكن من أعبد الناس ، وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس ، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى ، يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ، ولا ينشر لهم ديوان ، يصب عليهم الأجر صبا .
ثم تلا النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .
ولفظ صابر يمدح به ، وإنما هو لمن صبر عن المعاصي ، وإذا أردت أنه صبر على المصيبة قلت : صابر على كذا ، قال النحاس .
وقد مضى في [ البقرة ] مستوفى .
أي: قل مناديا لأشرف الخلق، وهم المؤمنون، آمرا لهم بأفضل الأوامر، وهي التقوى، ذاكرا لهم السبب الموجب للتقوى، وهو ربوبية اللّه لهم وإنعامه عليهم، المقتضي ذلك منهم أن يتقوه، ومن ذلك ما مَنَّ اللّه عليهم به من الإيمان فإنه موجب للتقوى، كما تقول: أيها الكريم تصدق، وأيها الشجاع قاتل.وذكر لهم الثواب المنشط في الدنيا فقال: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا } بعبادة ربهم { حَسَنَة } ورزق واسع، ونفس مطمئنة، وقلب منشرح، كما قال تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } { وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ } إذا منعتم من عبادته في أرض، فهاجروا إلى غيرها، تعبدون فيها ربكم، وتتمكنون من إقامة دينكم.ولما قال: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ } كان لبعض النفوس مجال في هذا الموضع، وهو أن النص عام، أنه كل من أحسن فله في الدنيا حسنة، فما بال من آمن في أرض يضطهد فيها ويمتهن، لا يحصل له ذلك، دفع هذا الظن بقوله: { وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ } وهنا بشارة نص عليها النبي صلى اللّه عليه وسلم، بقوله ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك ) تشير إليه هذه الآية، وترمي إليه من قريب، وهو أنه تعالى أخبر أن أرضه واسعة، فمهما منعتم من عبادته في موضع فهاجروا إلى غيرها، وهذا عام في كل زمان ومكان، فلا بد أن يكون لكل مهاجر، ملجأ من المسلمين يلجأ إليه، وموضع يتمكن من إقامة دينه فيه.{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } وهذا عام في جميع أنواع الصبر، الصبر على أقدار اللّه المؤلمة فلا يتسخطها، والصبر عن معاصيه فلا يرتكبها، والصبر على طاعته حتى يؤديها، فوعد اللّه الصابرين أجرهم بغير حساب، أي: بغير حد ولا عد ولا مقدار، وما ذاك إلا لفضيلة الصبر ومحله عند اللّه، وأنه معين على كل الأمور.
( قل ياعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ) بطاعته واجتناب معصيته ، ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا ) أي : آمنوا وأحسنوا العمل ، ) ( حسنة ) يعني : الجنة ، قاله مقاتل .
وقال السدي : في هذه الدنيا حسنة يعني : الصحة والعافية ، ( وأرض الله واسعة ) قال ابن عباس : يعني ارتحلوا من مكة .
وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي .
وقيل : نزلت في مهاجري الحبشة .
وقال سعيد بن جبير : من أمر بالمعاصي فليهرب .
( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى .
وقيل : نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء وصبروا وهاجروا .
قال علي - رضي الله عنه - : كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له وزنا إلا الصابرون ، فإنه يحثى لهم حثيا .
ويروى : " يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ، ويصب عليهم الأجر صبا بغير حساب ، قال الله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل .
«قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم» أي عذابه بأن تطيعوه «للذين أحسنوا في هذه الدنيا» بالطاعة «حسنة» هي الجنة «وأرض الله واسعة» فهاجروا إليها من بين الكفار ومشاهدة المنكرات «إنما يوفى الصابرون» على الطاعة وما يبتلون به «أجرهم بغير حساب» بغير مكيال ولا ميزان.
قل -أيها النبي- لعبادي المؤمنين بالله ورسوله: اتقوا ربكم بطاعته واجتناب معصيته.
للذين أحسنوا في هذه الدينا بعبادة ربهم وطاعته حسنة في الآخرة، وهي الجنة، وحسنة في الدنيا من صحة ورزق ونصر وغير ذلك.
وأرض الله واسعة، فهاجِروا فيها إلى حيث تعبدون ربكم، وتتمكنون من إقامة دينكم.
إنما يُعطَى الصابرون ثوابهم في الآخرة بغير حدّ ولا عدّ ولا مقدار، وهذا تعظيم لجزاء الصابرين وثوابهم.
اعلم أن الله تعالى لما بين فساد القول بالشرك وبين أن الله تعالى هو الذي يجب أن يعبد، بين في هذه الآية أن طريقة هؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام متناقضة وذلك لأنهم إذا مسهم نوع من أنواع الضر لم يرجعوا في طلب دفعه إلا إلى الله، وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى عبادة الأصنام ومعلوم أنهم إنما رجعوا إلى الله تعالى عند حصول الضر، لأنه هو القادر على إيصال الخير ودفع الضر، وإذا عرفوا أن الأمر كذلك في بعض الأحوال كان الواجب عليهم أن يعترفوا به في كل الأحوال فثبت أن طريقتهم في هذا الباب متناقضة.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ﴾ فقيل المراد بالإنسان أقوام معينون مثل عتبة بن ربيعة وغيره، وقيل المراد به الكافر الذي تقدم ذكره، لأن الكلام يخرج على معهود، تقدم.
وأما قوله: ﴿ ضُرٌّ ﴾ فيدخل فيه جميع المكاره سواه كان في جسمه أو في ماله أو أهله وولده، لأن اللفظ مطلق فلا معنى للتقييد ﴿ ودعاَ رَبَّهُ ﴾ أي استجار بربه وناداه ولم يؤمل في كشف الضر سواء، فلذلك قال: ﴿ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ أي راجعاً إليه وحده في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة هي الرجوع ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ ﴾ أي أعطاه، قال صاحب الكشاف: وفي حقيقته وجهان: أحدهما: جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال، إذا كان متعهداً له حسن القيام به ومنه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة» والثاني: جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر، وفي المعنى قالت العرب: إن الغنى طويل الذيل مياس *** ثم قال تعالى: ﴿ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، وما بمعنى من كقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ وقيل نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه والمراد من قوله نسي أن ترك دعاءه كأنه لم يفزع إلى ربه، ولو أراد به النسيان الحقيقي لما ذمه عليه، ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي أن لا يفزع، وأن لا إله سواه فعاد إلى اتخاذ الشركاء مع الله.
ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضل بفتح الياء والباقون ليضل بضم الياء على معنى ليضل غيره.
المسألة الثانية: المراد أنه تعالى يعجب العقلاء من مناقضتهم عند هاتين الحالتين، فعند الضر يعتقدون أنه لا مفزع إلى ما سواه وعند النعمة يعودون إلى اتخاذ آلهة معه.
ومعلوم أنه تعالى إذا كان إنما يفزع إليه في حال الضر لأجل أنه هو القادر على الخير والشر، وهذا المعنى باق في حال الراحة والفراغ كان في تقرير حالهم في هذين الوقتين بما يوجب المناقضة وقلة العقل.
المسألة الثالثة: معنى قوله: ﴿ لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ أنه لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه بل يدعو غيره إما بفعله أو قوله إلى أن يشاركه في ذلك، فيزداد إثماً على إثمه، واللام في قوله: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ لام العاقبة كقوله: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ولما ذكر الله تعالى عنهم هذا الفعل المتناقض هددهم فقال: ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ﴾ وليس المراد منه الأمر بل الزجر، وأن يعرفه قلة تمتعه في الدنيا، ثم يكون مصيره إلى النار.
ولما شرح الله تعالى صفات المشركين والضالين، ثم تمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح أحوال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا الله ولا اعتماد لهم إلا على فضل الله، فقال: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وحمزة ﴿ آمن ﴾ مخففة الميم والباقون بالتشديد، أما التخفيف ففيه وجهان الأول: أن الألف ألف الاستفهام داخلة على من، والجواب محذوف على تقدير كمن ليس كذلك، وقيل كالذي جعل لله أنداداً فاكتفى بما سبق ذكره والثاني: أن يكون ألف نداء كأنه قيل يا من هو قانت من أهل الجنة، وأما التشديد فقال الفراء الأصل أم من فأدغمت الميم في الميم وعلى هذا القول هي أم التي في قولك أزيد أفضل أم عمرو.
المسألة الثانية: القانت القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة صلاة القنوت» وهو القيام فيها.
ومنه القنوت في الصبح لأنه يدعو قائماً.
عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ﴾ وعن ابن عباس القنوت طاعة الله، لقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قانتون ﴾ أي مطيعون، وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ ساعات الليل أوله ووسطه وآخره، وفي هذه اللفظة تنبيه على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار، ويؤكده وجوه: الأول: أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء الثاني: أن الظلمة تمنع من الإبصار ونوم الخلق يمنع من السماع، فإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي، وهو معرفة الله وخدمته الثالث: أن الليل وقت النوم فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر الرابع: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اليل هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ وقوله: ﴿ ساجدا ﴾ حال، وقرئ ساجد وقائم على أنه خبر بعد خبر الواو للجميع بين الصفتين.
واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العلم وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فكونه قانتاً ساجداً قائماً، وأما العلم فقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين، فالعمل هو البداية والعلم والمكاشفة هو النهاية.
الفائدة الثانية: أنه تعالى نبه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا كان الإنسان مواظباً عليه، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائماً بما يجب عليه من الطاعات، وذلك يدل على أن العلم إنما يفيد إذا واظب عليه الإنسان، وقوله: ﴿ ساجدا وَقَائِماً ﴾ إشارة إلى أصناف الأعمال وقوله: ﴿ يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ ﴾ إشارة إلى أن الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأول مقام القهر وهو قوله: ﴿ يَحْذَرُ الأخرة ﴾ ثم بعده مقام الرحمة وهو قوله: ﴿ وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ ﴾ ثم يحصل أنواع المكاشفات وهو المراد بقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
الفائدة الثالثة: أنه قال في مقام الخوف ﴿ يَحْذَرُ الأخرة ﴾ فما أضاف الحذر إلى نفسه، وفي مقام الرجاء أضافه إلى نفسه، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل وأليق بحضرة الله تعالى.
المسألة الثالثة: قيل المراد من قوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ﴾ عثمان لأنه كان يحيي الليل في ركعة واحدة ويقرأ القرآن في ركعة واحدة، والصحيح أن المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة فيدخل فيه عثمان وغيره لأن الآية غير مقتصرة عليه.
المسألة الرابعة: لا شبهة في أن في الكلام حذفاً، والتقدير أمن هو قانت كغيره، وإما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر وذكر بعدها: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وتقدير الآية قل هل يستوي الذين يعلمون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل سجداً وقياماً، والذين لا يعلمون وهم الذين وصفهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغة يشركون، فإذا قدرنا هذا التقدير ظهر المراد وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون، لأنهم وإن آتاهم الله العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم، فلهذا السبب جعلهم كأنهم ليسوا أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم.
وأما قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ قال صاحب الكشاف أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون، وبالذين لا يعلمون الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتين هم العلماء، وهو تنبيه على أن من يعمل فهو غير عالم، ثم قال وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ﴾ يعني هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه أيضاً إلا أولوا الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب العالم بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ متعلق بأحسنوا لا بحسنة، معناه: الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة.
وهي دخول الجنة، أي: حسنة غير مكتنهة بالوصف.
وقد علقه السدي بحسنة، ففسر بحسنة بالصحة والعافية.
فإن قلت: إذا علق الظرف بأحسنوا فإعرابه ظاهر، فما معنى تعليقه بحسنة؟
ولا يصحّ أن يقع صفة لها لتقدمه.
قلت: هو صفة لها إذا تأخر فإذا تقدم كان بياناً لمكانها فلم يخل التقدم بالتعلق، وإن لم يكن التعلق وصفاً ومعنى ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ أن لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة؛ حتى إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفر على الإحسان، وصرف الهمم إليه قيل لهم: فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فلا تجتمعوا مع العجز، وتحوّلوا إلى بلاد أخر، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم.
وقيل: هو للذين كانوا في بلد المشركين فأمروا بالمهاجرة عنه، كقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ [النساء: 97] .
وقيل: هي أرض الجنة.
و ﴿ الصابرون ﴾ الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى غيرها.
من تجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ لا يحاسبون عليه.
وقيل: بغير مكيال وغير ميزان يغرف لهم غرفاً، وهو تمثيل للتكثير.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يُهتدى إليه حساب الحساب ولا يُعرف.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين.
ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ بِلُزُومِ طاعَتِهِ.
﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ أيْ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا بِالطّاعاتِ في الدُّنْيا مَثُوبَةٌ حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا حَسَنَةٌ في الدُّنْيا هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وفي هَذِهِ بَيانٌ لِمَكانِ حَسَنَةٌ.
﴿ وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ فَمَن تَعَسَّرَ عَلَيْهِ التَّوَفُّرُ عَلى الإحْسانِ في وطَنِهِ فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنهُ.
﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ ﴾ عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ مِنِ احْتِمالِ البَلاءِ ومُهاجَرَةِ الأوْطانِ لَها.
﴿ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ أجْرًا لا يَهْتَدِي إلَيْهِ حِسابُ الحُسّابِ، وَفِي الحَدِيثِ أنَّهُ «يَنْصِبُ المُوازِينَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأهْلِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ والحَجِّ فَيُوَفُّونَ بِها أُجُورَهُمْ، ولا يَنْصِبُ لِأهْلِ البَلاءِ بَلْ يَصُبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرَ صَبًّا حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ مِمّا يَذْهَبُ بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ» .
<div class="verse-tafsir"
{قل يا عباد الذين آمنوا} بلا ياء عند الأكثر {اتقوا رَبَّكُمُ} بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ} أي أطاعوا الله في الدنيا وفى يتعلق بأحسنوا لا بحسنة معناه الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة أي حسنة لا توصف وقد علقه السدى بحسنة ففسر الحسنة بالصحة والعافية ومعنى {وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ} أي لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة حتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان قيل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة فتحولوا إلى
الزمر (١٦ - ١٠)
بلاد أخر واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم {إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون} على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع
الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير {أَجْرَهُمْ بغير حساب} عن ابن عباس رضى الله عنهما لا يهتدي إليه حساب الحسّاب ولا يعرف وهو حال من الأجر أي موفراً
﴿ قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ أنْ يُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ، ويَحْمِلَهم عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ إثْرَ تَخْصِيصِ التَّذَكُّرِ بِأُولِي الألْبابِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم هُمْ، أيْ: قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لَهم بِإضافَتِهِمْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ومَزِيدُ اعْتِناءٍ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، فَإنَّ نَقْلَ عَيْنِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أدْخَلُ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ إلى آخِرِهِ، تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي هَذِهِ الدُّنْيا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأحْسَنُوا، واسْمُ الإشارَةِ لِلْإحْضارِ، وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ لِلْمُحْسِنِينَ في الدُّنْيا حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ أيُّ حَسَنَةٍ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ إزاحَةً لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِنَ التَّعَلُّلِ في التَّفْرِيطِ بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ في الوَطَنِ مِن رِعايَةِ الأوامِرِ والنَّواهِي، عَلى ما هي عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ مِن تَتِمَّةِ الِاعْتِراضِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّقُوا رَبَّكم فَإنَّ لِلْمُحْسِنِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا الجَنَّةَ في الأُخْرى ولا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ في الإحْسانِ، بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ في الأوْطانِ، فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ، وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَلْيَتَحَوَّلُوا، إنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا عَنْها، ولْيُهاجِرُوا إلى رَبِّهِمْ لِنَيْلِ الرِّضْوانِ، فَإنَّ لَهم في جَنْبِ ذَلِكَ ما يَتَقاصَرُ عَنْهُ الجَنَّةُ، ويُسْتَلَذُّ لَهُ كُلُّ مِحْنَةٍ، وكَأنَّهُ لَمّا أزاحَ سُبْحانَهُ عِلَّتَهم بِأنَّ في أرْضِ اللَّهِ تَعالى سَعَةً وقَعَ في خَلَدِهِمْ: هَلْ نَكُونُ نَحْنُ، ومَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الإحْسانِ في بَلْدَتِهِ فارِغَ البالِ، رافِعَ الحالِ سَواءٌ بِسَواءٍ؟
فَأجِيبُوا إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الهِجْرَةِ، ومُفارَقَةِ المَحابِّ، والِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، وأصْلُهُ: إنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم بِغَيْرِ حِسابٍ عَلى الخِطابِ، وعُدِلَ عَنْهُ إلى المُنَزَّلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُقْتَضِيَ لِذَلِكَ صَبْرُهُمْ، فَيُفِيدُ أنَّكم تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم بِصَبْرِكُمْ، كَما وُفِّيَ أجْرُ مَن قَبْلَكم بِصَبْرِهِمْ، وهو مَحْمُولٌ عَلى العُمُومِ، شامِلٌ لِلصَّبْرِ عَلى كُلِّ بَلاءٍ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالصَّبْرِ عَلى المُهاجَرَةِ لَكِنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ في الآيَةِ لِذَلِكَ، ولِيَشْمَلَ الصّابِرِينَ عَلى ألَمِ المُهاجَرَةِ شُمُولًا أوَّلِيًّا، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الأجْرِ، أيْ إنَّما يُوَفَّوْنَ أجْرَهم كائِنًا بِغَيْرِ حِسابٍ، وذَلِكَ بِأنْ يُغْرَفَ لَهم غَرْفًا، ويُصَبَّ عَلَيْهِمْ صَبًّا، وأمّا مِنَ الصّابِرِينَ أيْ إنَّما يُوَفَّوْنَ ذَلِكَ كائِنِينَ بِغَيْرِ حِسابٍ عَلَيْهِ، والمُرادُ عَلى الوَجْهَيْنِ المُبالَغَةُ في الكَثْرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا يَهْتَدِي إلَيْهِ حِسابُ الحُسّابُ، ولا يُعْرَفُ، وجُوِّزَ جَعْلُ الحالِ مِنَ الصّابِرِينَ عَلى مَن لا يُحاسَبُونَ أصْلًا، والمُتَبادِرُ ما يُفِيدُ المُبالَغَةَ في كَثْرَةِ الأجْرِ، ومَعْنى القَصْرِ: ما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم إلّا بِغَيْرِ حِسابٍ، جَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ حالًا مِنَ المَنصُوبِ، أوِ المَرْفُوعِ، لِأنَّ القَصْرَ في الجُزْءِ الأخِيرِ، وفِيهِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الأجْرِ ما فِيهِ، وأمّا اخْتِصاصُهُ بِالصّابِرِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَمِن تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى المُشْتَقِّ، هَذا ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي هَذِهِ الدُّنْيا ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِحَسَنَةٌ)، مِن حَيْثُ المَعْنى، فَقِيلَ: هو حِينَئِذٍ حالٌ مِن ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ ورُدَّ بِأنَّها مُبْتَدَأٌ، ولا يَجُوزُ الحالُ مِنهُ عَلى الصَّحِيحِ، فَإنْ قِيلَ: يُلْتَزَمُ جَعْلُها فاعِلَ الظَّرْفِ قِيلَ: لا يَتَسَنّى إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وهو ضَعِيفٌ.
وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ الرّاجِعِ إلى ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو بَيانٌ (لِحَسَنَةٌ)، والتَّقْدِيرُ هي في الدُّنْيا، والمُرادُ بِها الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، أيْ لِلْمُحْسِنِينَ صِحَّةٌ وعافِيَةٌ في الدُّنْيا، قالَ في الكَشْفِ: وإنَّما آثَرَ كَوْنَهُ بَيانًا مَعَ جَوازِ كَوْنِهِ حالًا عَنِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ في الخَبَرِ لِأنَّ المَعْنى عَلى البَيانِ لا عَلى التَّقْيِيدِ بِالحالِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ لِلْمُحْسِنِينَ جَزاءً يَسِيرًا في الدُّنْيا هو الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وإنَّما تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ فِي الآخِرَةِ، ولَوْ قُيِّدَ بِالحالِ لَمْ يُلائِمْ عَلى ما لا يَخْفى، وحَقُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا إزاحَةً لِما قَدْ يَخْتَلِجُ في بَعْضِ النُّفُوسِ مِن خِلافِ ذَلِكَ الجَزاءِ بِواسِطَةِ اخْتِلافِ الهَواءِ والتُّرْبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى آفاتٍ في البَدَنِ، فَقِيلَ: وأرْضُ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ فَلا يَعْدَمُ أحَدٌ مَحَلًّا يُناسِبُ حالَهُ، فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْهُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُلائِمْهُ، ثُمَّ يَكُونُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن جَعَلَ الأرْضَ ذاتَ الطُّولِ والعَرْضِ قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ تَكْمِيلًا لِانْتِعاشِهِمْ، وارْتِياشِهِمْ يَجِبُ أنْ تُقابَلَ نِعَمُهُ بِالشُّكْرِ لِيُعَدُّوا مِنَ المُحْسِنِينَ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ ﴾ أيْ تَوْفِيَةَ الأجْرِ لِهَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ، إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، والَّذِي نالُوهُ في الدُّنْيا عاجِلُ حَظِّهِمْ، وأمّا الأجْرُ المُوَفّى بِغَيْرِ حِسابٍ، فَذَلِكَ لِلصّابِرِينَ، ومَن سَلَبْناهُ تِلْكَ العاجِلَةَ تَمْحِيصًا لَهُ وتَقْرِيبًا، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِأهْلِ البَلاءِ وتَنْشِيطٌ لِلْعِبادِ عَلى مُكابَدَةِ العِباداتِ وتَحْرِيضٌ عَلى مُلازَمَةِ الطّاعاتِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا أيْضًا وجْهٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ والرُّجْحانُ لِلْأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها أنَّ الِاعْتِراضَ لِإزاحَةِ العِلَّةِ في التَّفْرِيطِ أظْهَرُ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ عَلى ما يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ .
الثّانِي أنَّهُ المُطابِقُ لِما ورَدَ في التَّنْزِيلِ مِن نَحْوِ ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ ﴿ إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ ﴾ .
الثّالِثُ أنَّ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِالمَذْكُورِ المُتَقَدِّمِ هو الوَجْهُ ما لَمْ يَصْرِفْ صارِفٌ.
الرّابِعُ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، ولا أكْثَرِيٍّ، فَإنَّ الحَسَنَةَ بِذَلِكَ المَعْنى في شَأْنِ المُخالِفِينَ أتَمُّ، والقَوْلُ بِأنَّها اسْتِدْراجٌ في شَأْنِهِمْ لا حَسَنَةٌ لَيْسَ بِالظّاهِرِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ ﴾ انْتَهى، ولَعَمْرِي، إنَّ ما رَجَّحَهُ بِالتَّرْجِيحِ حَقِيقٌ، وما اسْتَحْسَنَهُ واسْتَدَقَّهُ لَيْسَ بِالحَسَنِ ولا الدَّقِيقِ، والَّذِي نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ تَفْسِيرُ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا بِالثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ والصِّحَّةِ والسَّلامَةِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِوَلايَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُخالِفِينَ مِنها نَصِيبٌ، وفي الآيَةِ أقْوالٌ أُخَرُ، فَعَنْ عَطاءٍ: أرْضُ اللَّهِ تَعالى المَدِينَةُ، قالَ أبُو حَيّانَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ أحْسَنُوا ﴾ هاجَرُوا، و ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ، وقالَ قَوْمٌ: أرْضُ اللَّهِ تَعالى الجَنَّةُ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، والرُّجْحانُ لِما سَمِعْتَ أوَّلًا، واخْتِيرَ فِيهِ شُمُولُ الحَسَنَةِ لِحَسَناتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُرادُ بِالإحْسانِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.
قالَ النَّبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ، فَإنَّهُ يَراكَ“».
والآيَةُ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وفِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى فَضْلِ الصّابِرِينَ ما فِيها، <div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ يعني: إذا أصاب الكافر شدة في جسده، دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ يعني: مقبلاً إليه بدعائه ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ قال مقاتل يعني: أعطاه، وقال الكلبي: يعني: بدله عافية مكان البلاء نَسِيَ ترك الدعاء ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ويتضرع به، وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً يعني: يصف لله شريكاً، لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، لِيُضِلَّ بنصب الياء، وهو من ضل يضل.
يعني: ترك الهدى.
وقرأ الباقون: لِيُضِلَّ بالضم.
يعني: ليضلّ الناس.
ويقال: ليضل نفسه بعبادة غير الله، ويصرفهم عن سبيل الله.
يعني: عن دين الله قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا يعني: عش في الدنيا مع كفرك قليلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني: من أهل النار.
قوله عز وجل: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً وأصل القنوت هو القيام.
ثم سمي المصلي قانتاً، لأنه بالقيام يكون.
ومعناه: أمن هو مصل كمن لا يكون مصلياً على وجه الإضمار.
وروي عن النبيّ أنه قال: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ القَانِتِ القَائِمِ» يعني: المصلي القائم.
قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، أمن بالتخفيف.
وقرأ الباقون: بالتشديد.
فمن قرأ: بالتخفيف، فقد روي عن الفراء أنه قال: معناه يا من هو قانت.
كما تقول في الكلام: فلان لا يصوم، ولا يصلي، فيا من يصلي، ويصوم، أبشر.
فكأنه قال: يا من هو قانت أبشر.
ومن قرأ: بالتشديد.
فإنَّه يريد به معنى الذي.
ومعناه: الذي هو من أصحاب النار.
فهذا أفضل أم الذي هو قانت آناء الليل.
يعني: ساعات الليل في الصلاة، ساجداً، وقائماً في الصلاة، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ يعني: يخاف عذاب الآخرة، وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ يعني: مغفرة الله تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وهم المؤمنون، وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وهم الكفار في الثواب، والطاعة.
ويقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ يعني: يصدقون بما وعد الله في الآخرة من الثواب، وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون.
ويقال: معناه قُلْ هَلْ يستوي العالم والجاهل.
فكما لا يستوي العالم والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي.
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: يعتبر في صنعي، وقدرتي من له عقل، وذهن.
قوله عز وجل: قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: أصحاب النبيّ ، اتَّقُوا رَبَّكُمْ يعني: اخشوا ربكم في صغير الأمور، وكبيرها، واثبتوا على التوحيد.
ثم قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ يعني: لمن عمل بالطاعة في الدنيا حسنة، له الجنة في الآخرة.
ويقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا يعني: شهدوا أن لا إله إلا الله في الدنيا حسنة.
يعني: لهم الجنة في الآخرة.
ويقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي: ثبتوا على إيمانهم فلهم الجنة.
قوله: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ قال مقاتل: يعني: الجنة واسعة.
وقال الكلبي: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ يعني: المدنية، فتهاجروا فيها.
يعني: انتقلوا إليها، واعملوا لآخرتكم، إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ يعني: هم الذين يصبرون على الطاعة لله في الدنيا، جزاؤهم، وثوابهم على الله، بِغَيْرِ حِسابٍ يعني: بلا عدد، ولا انقطاع.
وروى سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله قال: «أنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ» .
قال سفيان لما نزل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: 160] قال النبيّ : «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» .
فنزل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة: 261] قال: «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: 245] فقال النبيّ : «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ فانتهى رسول الله .
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
هذه الآيةُ مخاطبَةٌ للكفارِ «١» ، قال ع «٢» : وتحتملُ أن تكونَ مخاطبةً لجميع الناس، لأن اللَّهَ سبحانه غنيٌّ عَن جميعِ الناسِ، وهم فقراءُ إليه، واخْتَلَفَ المتأولونَ مِن أهْلِ السنةِ في تأويل قوله تعالى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ فقالت فرقة: «الرِّضا» بمعنى الإرادَةِ، والكلامُ ظاهرُه العمومُ، ومعناه الخصوصُ فيمن قَضَى اللَّهُ له بالإيمان، وحتَّمَهُ له، فعبادُه على هذا ملائكتُهُ ومؤمِنو الإنْسِ والجِنِّ، وهذا يتركَّبُ على قول ابن عباس «٣» ، وقالت فرقة: الكلامُ عُمُومٌ صحيحٌ، والكُفْرُ يقعُ مِمَّنْ يَقَعُ بإرادَةِ اللَّهِ تعالى، إلا أنه بَعْدَ وُقُوعِهِ لاَ يَرْضَاهُ دِيناً لهم، ومعنى لا يرضاه: لا يشكرُه لهُمْ، ولا يثيبهم به خيرا، فالرضا: على هذا هو صفةُ فِعْلٍ بمعنى القَبُولِ، ونحوِه، وتأمَّلِ الإرَادَةَ فإنما هي حقيقةٌ فيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا، فإنما هُو حقيقةٌ فِيمَا قَدْ وَقَعَ، واعْتَبِرْ هذا في/ آيات القرآن تجِدْهُ، وإنْ كانت العربُ قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوُّز هذا بَدَلَ هذا.
وقوله تعالى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ عمومٌ، والشكرُ الحقيقيُّ في ضِمْنِهِ الإيمانُ، قال النوويُّ: وَرُوِّينَا في «سُنَنِ أبي دَاوُدَ» عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«من قال: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبّاً وبِالإسْلاَمِ دينا وبمحمّد صلّى الله عليه وسلّم رسولا، وجبت له الجنّة» «٤» انتهى.
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)
وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ ...
الآية: الْإِنْسانَ هنا:
الكافرُ، وهذه الآيةُ بَيَّنَ تعالى بها عَلَى الكُفَّارِ، أنَّهُمْ على كلّ حال يلجؤون إليه في حال الضرورات، وخَوَّلَهُ معناه مَلكه وحكَّمَه فيها ابتداءً من اللَّهِ لاَ مُجَازَاةً، ولا يقالُ في الجزاء «خَوَّلَ» .
وقوله تعالى: نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ قالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، والمعنى: نسِيَ دعاءَه إليه في حالِ الضَّرُورَةِ، وَرَجَعَ إلى كُفْرِهِ، وقالت فرقة: «ما» بمعْنَى الذي، والمرادُ بها اللَّه تعالى، أي: نسي اللَّه، وعبارة الثعلبي: قوله: نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ أي:
تَرَكَ عبادَة اللَّه تعالى والتضرُّعَ إليهِ من قَبْلُ في حال الضُّرِّ انتهى» وباقي الآية بيِّنٌ.
وقوله تعالى: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ» بتخفيف الميمِ، هي قراءة نافعٍ وابنِ كَثِيرٍ وحمزة «١» ، والهَمْزةُ للتقرير والاستفهام، وكأنه يقولُ: أهذا القانتُ خَيْرٌ أم هذا المذكورُ الذي يتمتَّعُ بكُفْرِهِ قليلاً، وهو من أَصْحَاب النار، وقرأ الباقونَ: «أَمَّنْ» بتشديدِ الميمِ، والمعنى: أهذا الكافرُ خَيْرٌ أمَّنْ هُو قَانِتٌ؟
والقانتُ: المطِيعُ وبهذا فسَّره ابنُ عبَّاس- رضي اللَّه عنهما «٢» -، والقُنُوتُ في الكلام يَقَع عَلى القِراءةِ وَعَلى طُولِ القيامِ في الصلاةِ وبهذا/ فسَّره ابنُ عُمَرَ- رَضِي اللَّه عنهما «٣» - قال الفَخْرُ «٤» : قيل: إن المراد بقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ: عُثْمَانُ بْنُ عفَّانَ لأنَّه كَان يُحْيِي الليل، والصحيحُ أنها عامَّةٌ في كلِ من اتَّصَفَ بهذه الصِّفَةِ، وفي هذه الآية تنبيهٌ على فضلِ قيامِ الليلِ، انتهى، ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّه قالَ: «مَنْ أحَبَّ أَنْ يُهَوِّنَ اللَّهُ عليه الوقوفَ يوم القيامةِ، فَلْيَرَهُ اللَّهُ في سَوَادِ اللَّيْلِ سَاجِداً وقائِماً» «٥» ، ت قال الشيخ عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبَةِ» : وعن قَبِيصَةَ بْنِ سُفْيَانَ قال: رأيتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ في المنام بعد موته فقلتُ له: ما فعل اللَّه بك؟
فقال: [الطويل]
نَظَرْتُ إلى رَبِّي عِيَاناً فَقَالَ لِي ...
هَنِيئاً رِضَائي عَنْكَ يَا بْنَ سَعِيدِ
لَقَدْ كُنْتَ قَوَّاماً إذَا اللَّيْلُ قَدْ دَجَا ...
بِعَبْرَةِ مَحْزُونٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ
فَدُونَكَ فاختر أَيَّ قَصْرٍ تُرِيدُه ...
وَزُرْنِي فَإنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ «٦»
وكَانَ شُعْبَة بن الحَجَّاج، ومِسْعَرُ بْن كِدَامٍ، رجلَيْنِ فَاضِلَيْنِ، وكانَا مِنْ ثِقَاتِ المُحَدِّثينَ وحُفَّاظِهِم، وكان شُعْبَةُ أَكْبَرَ فَمَاتَا، قال أبو أحمد اليزيديّ، فرأيتهما في النوم،
وكنتُ إلى شُعْبَةَ أَمْيَلَ مِنِّي إلى مِسْعَرٍ، فقلتُ: يا أبا بِسْطَامَ ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟
فقال: وَفَّقَكَ اللَّه يا بُنَيَّ، احفظ ما أقُولُ:
حَبَانِي إلهي فِي الْجِنِانِ بِقُبَّة ...
لَهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ لُجَيْنٍ وَجَوْهَرَا
وَقَالَ لِيَ الْجَبَّارُ: يَا شُعْبَةُ الَّذِي ...
تَبَحَّرَ في جَمْعِ الْعُلُومِ وَأَكْثَرَا
تَمَتَّعْ بِقُرْبِي إنَّنِي عَنْكَ ذُو رِضاً ...
وَعَنْ عَبْدِيَ القَوَّامِ في اللَّيْلِ مِسْعَرَا
كفى مِسْعَراً عِزًّا بِأنْ سَيَزُورُنِي ...
وَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِي وَيَدْنُو لِيَنْظُرَا
وهذا فِعَالِي بِالَّذِينَ تَنَسَّكُوا ...
وَلَمْ يَأْلَفُوا في سَالِفِ الدَّهْرِ مُنْكَرَا «١»
انتهى.
«والآناء» : الساعاتُ واحدها/ «إنًى» كَ «مِعًى» ويقال: «إِنْيٌ» - بكسر الهمزة وسكون النون-، و «أَنًى» على وزن «قَفاً» .
وقوله سبحانه: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قال ابْنُ الجوزيِّ في «المُنْتَخَبِ» :
يقولُ اللَّه تعالى: «لاَ أجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلاَ أَمْنَيْنِ مَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا، أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي في الدُّنْيَا خَوَّفْتُهُ في الآخِرَةِ» ، يَا أَخِي امتطَى القَوْمُ مَطَايَا الدجى على مَرْكَبِ السَّهَرِ، فَمَا حَلُّوا وَلاَ حَلُّوا رِحَالَهُمْ حَتَّى السَّحَرْ، دَرَسُوا القُرآن فَغَرَسُوا بِأَيْدِي الْفِكْرِ أَزْكَى الشَّجَرْ، وَمَالُوا إلى النُّفُوسِ بِاللَّوْمِ فَلاَ تَسْأَلْ عَمَّا شَجَرْ، رَجَعُوا بِنَيْلِ القَبُولِ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرْ، وَوَقَفُوا على كَنْزِ النَّجَاةِ وَمَا عِنْدَكَ خَبَرْ، فإذا جَاء النَّهَارُ قَدَّمُوا طَعَامَ الجُوعِ، وَقَالُوا لِلنَّفْسِ: هَذَا الَّذِي حَضَرْ، حَذَوْا عزَمَاتٍ طَاحَتِ الأَرْضُ بَيْنَهَا، فَصَارَ سُرَاهُمْ في ظُهُورِ العَزَائِمْ، تَرَاهُمْ نُجُومَ اللَّيْلِ مَا يَبْتَغُونَهُ على عَاتِقِ الشعرى وَهَامِ النَّعَائِمْ، مَالَتْ بِالقَوْمِ رِيحُ السَّحَرِ مَيْلَ الشَّجَرِ بِالأَغْصَانْ، وَهَزَّ الخَوْفُ أَفْنَانْ القُلُوبِ فانتشرت الأَفْنَان، فَالقَلْبُ يَخْشَعُ واللِّسَانُ يَضْرَعُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَالوَقْتُ بُسْتَانْ، خَلَوْتُهُمْ بِالحَبِيبِ تَشْغَلُهُمْ عَنْ نُعْمٍ وَنَعْمَانْ، سُرُورُهُمْ أَسَاوِرُهُمْ وَالخُشُوعُ تِيجِانْ، خُضُوعُهُمْ حُلاَهُمْ وَمَاءُ دَمْعِهِمْ دُرٌّ وَمَرْجَانْ، بَاعُوا الْحِرْصَ بِالقَنَاعَةِ فَمَا مُلكُ أَنُوشِرْوَان، فَإذَا وَرَدُوا القِيَامَةَ تَلَقَّاهُمْ بَشَرٌ: لَوْلاَكُمْ مَا طَابَ الجِنَانْ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانْ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْهُمْ يَا نَائِمُ كَيَقْظَانْ، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَيْنَ الشُّجَاعُ مِنَ الجَبَانْ، مَا لِلْمَوَاعِظِ فِيكَ نُجْحٌ، مَوْضِعُ القَلْبِ/ بِاللَّهْوِ مِنْكَ مَلآنْ، يَا أَخِي، قِفْ على بَابِ النَّجَاحِ ولكن وُقُوفَ لُهْفَانْ، واركب سُفُنَ الصَّلاَحِ، فهذا المَوْتُ طُوفَانْ، إخْوَانِي، إنَّمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَاحِلْ وَمَرْكَبُ العُمْرِ قَدْ قَارَبَ السَّاحِلْ، فانتبه لِنَفْسِكَ وازدجر يَا غَافِلْ، يَا هَذَا، أَنْتَ مُقِيمٌ فيَّ مُنَاخِ الرَّاحِلِينَ ويحك اغتنم أيّام القدرة قبل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُفَضَّلُ عَنِ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "أمِنَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّشْدِيدِ.
فَأمّا المُشَدَّدَةُ، فَمَعْناها: أهَذا الَّذِي ذَكَرْنا خَيْرٌ، أمَّنْ هو قانِتٌ؟
والأصْلُ في "أمَّنْ": أمْ مَن، فَأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ.
وأمّا المُخَفَّفَةُ، فَفي تَقْدِيرِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: فَسَّرَها الَّذِينَ قَرَؤُوا بِها فَقالُوا: يا مَنَ هو قانِتٌ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ، والعَرَبُ تَدْعُو بِالألْفِ كَما تَدْعُو بِياءٍ، فَيَقُولُونَ: يا زَيْدُ أقْبِلْ، وأزَيْدُ أقْبِلْ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ ذَكَرَ النّاسِي الكافِرَ، ثُمَّ قَصَّ قِصَّةَ الصّالِحِ بِالنِّداءِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَصُومُ ولا يُصَلِّي، فَيا مَنَ يَصُومُ أبْشِرْ.
والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَها: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن لَيْسَ بِقانِتٍ؟!
والثّالِثُ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا؟!
وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى القُنُوتِ في [البَقَرَةِ: ١١٦] ومَعْنى ﴿ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ في [آَلِ عِمْرانَ: ١١٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساجِدًا وقائِمًا ﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ.
وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّالِثُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ، وصُهَيْبٌ، وأبُو ذَرٍّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: عَذابُ الآَخِرَةِ.
وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "يُحَذِّرُ عَذابَ الآَخِرَةِ" بِزِيادَةِ "عَذابِ" .
﴿ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعُقابَ حَقٌّ ﴿ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وباقِي الآَيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في [الرَّعْدِ: ١٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في [النَّحْلِ: ٣٠] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حَثَّ لَهم عَلى الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى حَيْثُ يَأْمَنُونَ.
والثّانِي: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ رَغَّبَهم فِيها.
﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ ﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما نالَهم ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ أيْ:يُعْطَوْنَ عَطاءً كَثِيرًا أوْسَعَ مِن أنْ يُحْسَبَ وأعْظَمَ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ، لا عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ ﴿ قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: "أمَن" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وشَيْبَةَ بْنِ نَصّاحٍ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وضَعَّفَها الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "أمَّنْ" بِتَشْدِيدِ المِيمِ.
فَأمّا الأُولى فَلَها وجْهانِ: أحَدُهُما - وهو الأظْهَرُ - أنَّ الألِفَ تَقْرِيرٌ واسْتِفْهامٌ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمْ هَذا المَذْكُورُ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِكُفْرِهِ قَلِيلًا وهو مِن أصْحابِ النارِ؟
وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الآياتِ مَعَ قَوْلِهِ آخِرًا: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ ∗∗∗ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا ويُوقَفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: " يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ".
والوَجْهُ الثانِي أنْ تَكُونَ الألِفُ نِداءً والخِطابُ لِأهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ، كَأنَّهُ يَقُولُ أصاحِبَ هَذِهِ الصِفاتِ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي؟
فَهَذا السُؤالُ بِـ"هَلْ" هو لِلْقانِتِ، ولا يُوقَفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَعْنى صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى الآياتِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ.
وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَمِ، ولَيْسَ كَما قالَ مَكِّيٌّ، أمّا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في أنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَمِ فَنَعَمْ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ الإلْباسُ الكَثِيرُ بِذَلِكَ، وأمّا أنَّ هَذا المَوْضِعَ سَقَطَ فِيهِ حَرْفُ النِداءِ فَلا وألِفٌ ثابِتَةٌ فِيهِ ظاهِرَةٌ.
وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَإنَّها: (أمْ) دَخَلَتْ عَلى (مَن)، والكَلامُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - لا يَحْتَمِلُ إلّا المُعادَلَةَ بَيْنَ صِنْفَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما يُعادِلُ (أمْ) مُتَقَدِّمًا في التَقْدِيرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أمْ) قَدِ ابْتُدِأ بِها بَعْدَ إضْرابٍ مُقَدَّرٍ، ويَكُونَ المُعادِلُ في آخِرِ الكَلامِ.
والأوَّلُ أبْيَنُ.
و"القانِتُ": المُطِيعُ، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والقُنُوتُ في الكَلامِ يَقَعُ عَلى القِراءَةِ، وعَلى طُولِ القِيامِ في الصَلاةِ، وبِهَذا فَسَرَّها ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مَن أحَبَّ أنْ يُهَوِّنَ اللهُ عَلَيْهِ الوُقُوفَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيُنَزِّهِ اللهَ في سَوادِ اللَيْلِ ساجِدًا أو قائِمًا"، ويَقَعُ القُنُوتُ عَلى الدُعاءِ وعَلى الصَمْتِ عِبادَةً، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ القُنُوتَ: الطاعَةُ،» وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ : أيُّ الصَلاةِ أفْضَلُ؟
قالَ: "طُولُ القُنُوتِ".» و"الآناءُ": الساعاتُ، واحِدُها إنًى كَمِعًى، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "لَنْ يَعْدُوَ شَيْءٌ إناهُ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ﴾ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في ذَلِكَ، ويُقالُ في واحِدِها أيْضًا: "أنا" عَلى وزْنِ "قَفا"، ويُقالُ فِيهِ: "إنْيٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ، ومِنهُ قالَ الهُذَلِيُّ: حُلْوٌ ومُرٌّ كَعِطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ في كُلٍّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وقَرَأ الضَحّاكُ: "ساجِدٌ وقائِمٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾ مَعْناهُ: يَحْذَرُ حالَها وهَوْلَها.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ".
و"أُولُو" مَعْناهُ: أصْحابُ، واحِدُهُمْ: ذُو.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ [قُلْ يا عِبادِيَ]﴾ [الزمر: ٥٣] بِفَتْحِ الياءِ، وأسْكَنَها أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "يا عِبادِ" بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ.
ووَعَدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ فِي هَذِهِ الدُنْيا ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ"أحْسَنُوا"، وكَأنَّهُ يُرِيدُ: أنَّ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ في الدُنْيا لَهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ والنَعِيمُ، قالَهُ مُقاتِلُ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنَّ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ في الدُنْيا، وهي العافِيَةُ والطُهُورُ ووِلايَةُ اللهِ تَعالى، قالَهُ السُدِّيُّ، وكانَ قِياسُ قَوْلِهِ أنْ يَكُونَ ﴿ فِي هَذِهِ الدُنْيا ﴾ مُتَأخِّرًا، ويَجُوزُ تَقْدِيمُهُ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، وهو أنَّ الحَسَنَةَ في الآخِرَةِ.
و"أرْضُ اللهِ" يُرِيدُ بِها البِلادَ المُجاوِرَةَ الَّتِي تَقْتَضِيها القِصَّةُ الَّتِي الكَلامُ فِيها، وهَذا حَضٌّ عَلى الهِجْرَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللهُ الأرْضَ بِالسَعَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: أرادَ بِالأرْضِ هُنا الجَنَّةَ، وفي هَذا القَوْلِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ وعَدَ تَعالى عَلى الصَبْرِ عَلى المَكارِهِ، والخُرُوجِ عَنِ الوَطَنِ، ونُصْرَةِ الدِينِ، وجَمِيعِ الطاعاتِ، بِأنَّ الأجْرَ يُوَفّى بِغَيْرِ حِسابٍ، وهَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الصابِرَ يُوَفّى أجْرَهُ ثُمَّ لا يُحاسَبُ عَنِ النَعِيمِ ولا يُتابَعُ بِذُنُوبٍ، فَيَقَعُ "الصابِرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الجَماعَةِ الَّتِي ذَكَرَها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّها تَدْخُلُ الجَنَّةَ دُونَ حِسابٍ، في قَوْلِهِ : « "يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسابٍ، هُمُ الَّذِينَ لا يَتَطَيَّرُونَ ولا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وُجُوهُهم عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"» الحَدِيثَ عَلى اخْتِلافِ تَرْتِيباتِهِ.
والمَعْنى الثانِي: أنَّ أُجُورَ الصابِرِينَ تُوَفّى بِغَيْرِ حَصْرٍ ولا عَدٍّ بَلْ جُزافًا، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلْكَثْرَةِ الَّتِي لا تُحْصى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ما تَمْنَعِي يَقْظى فَقَدْ تُعْطِينَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ في النَوْمِ غَيْرَ مُصَّرَدٍ مَحْسُوبِ وَإلى هَذا التَأْوِيلِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، حَتّى قالَ قَتادَةُ: ما ثَمَّ واللهِ مِكْيالٌ ولا مِيزانٌ، وفي بَعْضِ الحَدِيثِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "اللهُمَّ زِدْ أُمَّتِي"، فَنَزَلَتْ: ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ ، فَقالَ: "اللهُمَّ زِدْ أُمَّتِي" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: "رَضِيتُ يا رَبِّ".» <div class="verse-tafsir"
لما أجري الثناء على المؤمنين بإقبالهم على عبادة الله في أشدّ الآناء وبشدة مراقبتهم إياه بالخوف والرجاء وبتمييزهم بصفة العلم والعقل والتذكر، بخلاف حال المشركين في ذلك كله، أُتبع ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإِقبال على خطابهم للاستزادة من ثباتهم ورباطة جأشهم، والتقديرُ: قل للمؤمنين، بقرينة قوله: ﴿ ياعِبَادِ الذين ءَامنُوا ﴾ الخ.
وابتداء الكلام بالأمر بالقول للوجه الذي تقدم في نظيره آنفاً، وابتداء المقول بالنداء وبوصف العبودية المضاف إلى ضمير الله تعالى، كل ذلك يؤذن بالاهتمام بما سيقال وبأنه سيقال لهم عن ربهم، وهذا وضعٌ لهم في مقام المخاطبة من الله وهي درجة عظيمة.
وحذفت ياء المتكلم المضاف إليها ﴿ عباد ﴾ وهو استعمال كثير في المنادَى المضاف إلى ياء المتكلم.
وقرأه العشرة ﴿ يَاعِبادِ بدون ياء في الوصل والوقف كما في إبراز المعاني ﴾ لأبي شامة وكما في «الدرة المضيئة» في القراءات الثلاث المتممة للعشر لعلي الضباع المصري، بخلاف قوله تعالى: ﴿ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ [الزمر: 53] الآتي في هذه السورة، فالمخالفة بينهما مجرد تفنن.
وقد يوجه هذا التخالف بأن المخاطبين في هذه الآية هم عباد الله المتقون، فانتسابهم إلى الله مقرر فاستُغني عن إظهار ضمير الجلالة في إضافتهم إليه، بخلاف الآية الآتية، فليس في كلمة ﴿ يَاعِبَادِ ﴾ من هذه الآية إلاَّ وَجه واحد باتفاق العشرة ولذلك كتبها كتّاب المصحف بدون ياء بعد الدال.
وما وقع في «تفسير ابن عطية» من قوله: وقرأ جمهور القراء ﴿ قل يا عباديَ ﴾ بفتح الياء.
وقرأ أبو عمرو أيضاً وعاصم والأعشى وابن كثير ﴿ يا عِبَادِ ﴾ بغير ياء في الوصل ا ه.
سهو، وإنما اختلف القراء في الآية الآتية ﴿ قُل ياعِبَادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ في هذه السورة [53] فإنها ثبتت فيه ياء المتكلم فاختلفوا كما سنذكره.
والأمر بالتقوى مراد به الدوام على المأمور به لأنهم متّقون من قبلُ، وهو يشعر بأنهم قد نزل بهم من الأذى في الدين ما يخشى عليهم معه أن يُقصّروا في تقواهم.
وهذا الأمر تمهيد لما سيوجه إليهم من أمرهم بالهجرة للسلامة من الأذى في دينهم، وهو ما عُرض به في قوله تعالى: ﴿ وأرْضُ الله واسِعَة ﴾ .
وفي استحضارهم بالموصول وصلته إيماء إلى أن تقَرر إيمانهم مما يقتضي التقوى والامتثال للمهاجرة.
وجملة ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدُّنيا حسنةٌ ﴾ وما عطف عليها استئناف بياني لأن إيراد الأمر بالتقوى للمتصفين بها يثير سؤال سائل عن المقصود من ذلك الأمر فأريد بيانه بقوله: ﴿ أرض الله واسعة، ﴾ ولكن جُعل قوله ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ ﴾ تمهيداً له لقصد تعجيل التكفل لهم بموافقة الحسنى في هجرتهم.
ويجوز أن تكون جملة ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ ﴾ مسوقة مساق التعليل للأمر بالتقوى الواقع بعدها.
والمراد بالذين أحسنوا: الذين اتقوا الله وهم المؤمنون الموصوفون بما تقدم من قوله: ﴿ أمن هو قانت ﴾ [الزمر: 9] الآية، لأن تلك الخصال تدل على الإِحسان المفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك "، فعدل عن التعبير بضمير الخطاب بأن يقال: لكم في الدنيا حسنة، إلى الإِتيان باسم الموصول الظاهر وهو ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ليشمل المخاطبين وغيرهم ممن ثبتت له هذه الصلة.
وذلك في معنى: اتقوا ربكم لتكونوا محسنين فإن للذين أحسنوا حسنة عظيمة فكونوا منهم.
وتقديم المسند في ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ ﴾ للاهتمام بالمحسَن إليهم وأنهم أحرياء بالإِحسان.
والمراد بالحسنة الحالة الحسنة، واستغني بالوصف عن الموصوف على حد قوله: ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴾ [البقرة: 201].
وقولِه في عكسه ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ [الشورى: 40].
وتوسيط قوله: ﴿ في هذه الدنيا ﴾ بين ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وبين ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ نظم مما اختص به القرآن في مواقع الكلم لإِكثار المعاني التي يسمح بها النظم، وهذا من طرق إعجاز القرآن.
فيجوز أن يكون قوله: ﴿ في هذه الدُّنيا ﴾ حالاً من ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ قدم على صاحب الحال للتنبيه من أول الكلام على أنها جزاؤهم في الدنيا، لقلة خطور ذلك في بالهم ضمن الله لهم تعجيل الجزاء الحسن في الدنيا قبل ثواب الآخرة على نحو ما أثنى على مَن يقول: ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴾ .
وقد جاء في نظير هذه الجملة في سورة [النحل: 30] قوله: ﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ ، أي خير من أمور الدنيا، ويكون الاقتصار على حسنة الدنيا في هذه الآية لأنها مسوقة لتثبيت المسلمين على ما يلاقونه من الأذى، ولأمرهم بالهجرة عن دار الشرك والفتنة في الدين، فأما ثواب الآخرة فأمر مقرر عندهم من قبل ومومىً إليه بقوله بعده: إنما يوفَّى الصابِرُون أجرهم بغير حسابٍ } أي يوفون أجرهم في الآخرة.
قال السدّي: الحسنة في الدنيا الصحة والعافية.
ويجوز أن يكون قوله: «في الدنيا» متعلقاً بفعل ﴿ أحسنوا ﴾ على أنه ظرف لغوي، أي فعلوا الحسنات في الدنيا فيكون المقصود التنبيه على المبادرة بالحسنات في الحياة الدنيا قبل الفوات والتنبيه على عدم التقصير في ذلك.
وتنوين ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ للتعظيم وهو بالنسبة لحسنة الآخرة للتعظيم الذاتي، وبالنسبة لحسنة الدنيا تعظيم وصفي، أي حسنة أعظم من المتعارف، وأيّاً ما كان فاسم الإِشارة في قوله: ﴿ في هذه الدنيا ﴾ لتمييز المشار إليه وإحضاره في الأذهان.
وعليه فالمراد ب ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ يحتمل حسنة الآخرة ويحتمل حسنة الدنيا، كما في قوله تعالى: ﴿ الذين يقولون ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴾ في سورة [البقرة: 201].
وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة [النحل: 30] قولُه تعالى: ﴿ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ﴾ ، فألْحِقْ بها ما قُرر هنا.
وعطف عليه وأرضُ الله واسعةٌ} عطفَ المقصود على التوطئة.
وهو خبر مستعمل في التعريض بالحث على الهجرة في الأرض فراراً بدينهم من الفتن بقرينة أن كون الأرض واسعةً أمر معلوم لا يتعلق الغرض بإفادته وإنما كني به عن لازم معناه، كما قال إياس بن قبيصة الطائي: ألم تر أن الأرض رحْب فسيحة *** فَهَلْ تعجزنِّي بقعة من بقاعها والوجه أن تكون جملة ﴿ وأرضُ الله واسِعةٌ ﴾ معترضة والواو اعتراضية لأن تلك الجملة جرت مجرى المثل.
والمعنى: إن الله وعدهم أن يلاقوا حسنة إذا هم هاجروا من ديار الشرك.
وليس حسن العيش ولا ضده مقصوراً على مكان معين وقد وقع التصريح بما كني عنه هنا في قوله تعالى: ﴿ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ [النساء: 97].
والمراد: الإِيماء إلى الهجرة إلى الحَبَشَة.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِ الذين ءَامنُوا اتَّقوا ربَّكُم ﴾ يريد جعفرَ بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة.
ونكتة الكناية هنا إلقاء الإِشارة إليهم بلطف وتأنيس دون صريح الأمر لما في مفارقة الأوطان من الغمّ على النفس، وأما الآية التي في سورة النساء فإنها حكاية توبيخ الملائكة لمن لم يهاجروا.
وموقع جملة ﴿ إنما يُوفَّى الصَّابِرون أجرهم بغيرِ حسابٍ ﴾ موقع التذييل لجملة ﴿ للذين أحْسَنُوا ﴾ وما عطف عليها لأن مفارقة الوطن والتغرب والسفر مشاق لا يستطيعها إلا صابر، فذُيّل الأمر به بتعظيم أجر الصابرين ليكون إعلاماً للمخاطبين بأن أجرهم على ذلك عظيم لأنهم حينئذٍ من الصابرين الذين أجرهم بغير حساب.
والصبر: سكون النفس عند حلول الآلام والمصائب بأن لا تضجر ولا تضطرب لذلك، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وبشر الصابرين ﴾ في سورة [البقرة: 155].
وصيغة العموم في قوله: والتوفية: إعطاء الشيء وافياً، أي تاماً.
والأجر: الثواب في الآخرة كما هو مصطلح القرآن.
وقوله: بِغَيرِ حسابٍ} كناية عن الوفرة والتعظيم لأن الشيء الكثير لا يُتصدى لعدِّه، والشيء العظيم لا يحاط بمقداره فإن الإِحاطة بالمقدار ضرب من الحساب وذلك شأن ثواب الآخرة الذي لا يخطر على قلب بشر.
وفي ذكر التوفية وإضافة الأجر إلى ضميرهم تأنيس لهم بأنهم استحقوا ذلك لا منة عليهم فيه وإن كانت المنة لله على كل حال على نحو قوله تعالى: ﴿ لهم أجر غير ممنون ﴾ [الانشقاق: 25].
والحصر المستفاد من ﴿ إنما منصبّ على القيد وهو بِغيرِ حسابٍ ﴾ والمعنى: ما يوفي الصابرون أجرهم إلا بِغير حساب، وهو قصر قلب مبنيّ على قلب ظن الصَابرين أن أجر صبرهم بمقدار صبرهم، أي أن أجرهم لا يزيد على مقدار مشقة صبرهم.
والهجرة إلى الحبشة كانت سنة خمس قبل الهجرة إلى المدينة.
وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وأن عمه أبا طالب كان يمنع ابن أخيه من أضرار المشركين ولا يقدر أن يمنع أصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملِكاً لا يُظلَم عنده أحد حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه»، فخرج معظم المسلمين مخافة الفتنة فخرج ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً.
وقد كان أبو بكر الصديق استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له فخرج قاصداً بلاد الحبشة فلقيه ابن الدّغِنَة فَصدّه وجعَلَه في جواره.
ولما تعلقت إرادة الله تعالى بنشر الإِسلام في مكة بين العرب لحكمة اقتضت ذلك وعَذر بعض المؤمنين فيما لقُوه من الأذى في دينهم أذن لهم بالهجرة وكانت حكمته مقتضية بقاء رسوله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المشركين لبثّ دعوة الإِسلام لم يأذن له بالهجرة إلى موطن آخر حتى إذا تم مراد الله من توشج نواة الدين في تلك الأرض التي نشأ فيها رسوله صلى الله عليه وسلم وأصبح انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بلد آخر أسعد بانتشار الإِسلام في الأرض أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة بعد أن هيّأ له بلطفه دخول أهلها في الإِسلام وكل ذلك جرى بقدَر وحكمة ولطف برسوله صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"
أحَدُهُما: أنَّها ألِفُ اسْتِفْهامٍ.
الثّانِي: ألِفُ نِداءٍ.
وَفِي قانِتٍ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الخاشِعُ في صَلاتِهِ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ.
الثّالِثُ: القائِمُ في صَلاتِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الدّاعِي لِرَبِّهِ.
﴿ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طَرَفُ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ساعاتُ اللَّيْلِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ مَنصُورٌ.
﴿ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ ويَرْجُو نَعِيمَ الجَنَّةِ.
وَفِيمَن أُرِيدَ بِهِ هَذا الكَلامُ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أبُو بَكْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنْهُ.
الثّالِثُ: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الرّابِعُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ وصُهَيْبٌ وأبُو ذَرٍّ وابْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ مُرْسَلٌ فِيمَن كانَ عَلى هَذِهِ الحالِ قانِتًا آناءَ اللَّيْلِ.
فَمَن زَعَمَ أنَّ الألِفَ الأُولى اسْتِفْهامٌ أضْمَرَ في الكَلامِ جَوابًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا كَمَن جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا؟
قالَهُ يَحْيى.
وَقالَ ابْنُ عِيسى: المَحْذُوفُ مِنَ الجَوابِ: كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَمَن زَعَمَ أنَّ الألِفَ لِلنِّداءِ لَمْ يُضْمِرْ جَوابًا مَحْذُوفًا، وجَعَلَ تَقْدِيرَ الكَلامِ: أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ.
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ هَذا فَيَعْمَلُونَ بِهِ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هَذا فَلا يَعْمَلُونَ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ هُمُ المَؤْمِنُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لاقُو رَبَّهم، والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا قالَهُ يَحْيى.
الثّالِثُ: ما قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ نَحْنُ، والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ عَدُوُّنا.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ هُمُ المُوقِنُونَ، والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هُمُ المُرْتابُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه تلا هذه الآية ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه..
﴾ قال: ذاك عثمان بن عفان.
وفي لفظ نزلت في عثمان بن عفان.
وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً ﴾ قال: نزلت في عمار بن ياسر.
وأخرج جويبر عن عكرمة، مثله.
وأخرج جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في ابن مسعود، وعمار، وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يحذر الآخرة ﴾ يقول: يحذر عذاب الآخرة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، أنه كان يقرأ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر عذاب الآخرة ﴾ والله تعالى أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ﴾ .
أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال كيف تجدك؟
قال: أرجو وأخاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو، وأمنه الذي خاف» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ياعباد الذين آمَنُواْ ﴾ الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة، ومعناها التأنيس لهم والتنشيط على الهجرة ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ يحتمل أن يتعلق في هذه الدنيا بأحسنوا، والمعنى الذين أحسنوا في الدنيا لهم الآخرة، أو يتعلق بحسنه، والحسنة على هذا حسن الحال والعافية في الدنيا والأول أرجح ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ يراد البلاد المجاورة للأرض التي هاجروا منها، والمقصود من ذلك الحض على الهجرة.
﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين أحدهما أن الصابر يوفي أجره ولا يحاسب على أعماله، فهو من الذين يدخلون الجنة بغير حساب الثاني أن أجر الصابرين بغير حصر بل أكثر من أن يحصر بعدد أو وزن وهذا قول الجمهور.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ .
أخبر الله الخلق ما كان من عادة الكفرة في غير آي من القرآن أنهم كانوا يخلصون الدين لله ويتضرعون إليه إذا مسهم بلاء أو شدة، إذا ركبوا البحر، وكان لهم خوف الهلاك في ذلك وفزع؛ كقوله - - ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...
﴾ الآية [العنكبوت: 65]، وغير ذلك من الآيات، وكذلك كل بلاء وشدة أصابتهم، فزعوا إلى الله - عز وجل - وتضرعوا إليه، ثم إذا كشف الضر عادوا إلى ما كانوا من قبل.
وقوله: ﴿ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ نَسِيَ ﴾ ألا تملك الأصنام التي عبدوها دفع ذلك عنهم ولا كشفه.
أو نسي ألا ينفع شفاعتهم إياهم ونحوه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ أي: نسوا ما علموا من عجز الأصنام ونحو.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
كأن الآية في الرؤساء منهم جعلوا أنداداً ليضل الناس عن سبيله، يدل على ذلك: ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ﴾ في الدنيا ﴿ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ ﴾ ، لما علم أنه يختم على الكفر، والله أعلم.
ثم الحكمة في ذكر هذا وأمثاله لرسول الله يحتمل وجوهاً: أحدها: يصبر رسول الله على سوء معاملتهم إياه، كما حكى عن سوء معاملتهم ولم يستأصلهم على أثر ذلك وذلك أعظم في العقل.
أو يخبر الأواخر عن سوء معاملتهم ربهم ليحذروا عن مثل معاملتهم ربهم.
أو يخبر عن حلمه أن كيف عاملهم فاحلم أنت، والله أعلم.
وقرئ: ﴿ لِّيُضِلَّ ﴾ و ﴿ لِّيِضِلَّ ﴾ فيه ثلاث لغات.
وقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ .
قال بعضهم: هذه الآية صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ يقول: الذي تضرع إلى الله، وأخلص دينه له، نسي ذلك وتركه إذا خول ذلك نعمة، وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله - كالذي هو قانت - أي: مطيع لله - آناء الليل والنهار يحذر عذابه ويرجو رحمته، ليسا بسواء عندكم: الذي أطاع الله في جميع أوقاته حاذر تقصيره في ذلك راجٍ رحمته لطاعته، والذي عصى ربه ولم يطعه، فإذا عرفتم أنهما ليسا بسواء ثم رأيتم أنهما قد استويا في نعم هذه الدار وسعتها وشدائدها وفي الحكمة التفريق بينهما، فلابد من دار أخرى يفرق بينهما فيها يثاب المحسن المطيع جزاء إحسانه وطاعته، ويعاقب الكافر الظالم جزاء كفره وظلمه، والله أعلم.
ومنهم من يجعل لهذه الآية مقابل لكنه يقول: مقابلها ليس الأول، ولكن لم يذكر لها مقابل ويقول على ما عرفتم أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، فعلى ذلك لا يستوي الذي أطاع ربه آناء الليل وأجهد نفسه في عبادة الله [و]الذي عصى ربه وكفر نعمه، وقد ظهر الاستواء بينهما في هذه الدنيا فلابد من التفريق بينهما في دار أخرى، ولو لم يكن دار أخرى فيها يفرق ويميز، لكان خلق هذا العالم على ما كان باطلا سفها غير حكمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ ﴾ .
أي: يحذر عذاب الآخرة، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأه: ﴿ يحذر عذاب الآخرة ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ دلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الرجاء والحذر يرجو رحمته لا عمله ويحذر عذابه لتقصيره في عمله.
ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمنا، وقد قال الله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ ، والخوف إذا جاوز حده يكون إياسا، وقد قال الله - -: ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، ويجب أن يكون المؤمن كما ذكر - عز وجل -: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ ، و ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ﴾ لا يجاوز أحدهما.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ ، أي: جنته على ما سمى الجنة: رحمة في غير موضع؛ لما برحمته تنال هي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
في معرفة نعم الله والقيام بشكره، والحذر عن عصيانه وعذابه.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
في كل ذلك، جوابه أن يقال: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
إنما يتذكر بمواعظ الله أولو العقول والبصر والمعرفة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ آنَآءَ ٱلَّيلِ ﴾ أي: ساعات الليل، و ﴿ قَانِتٌ ﴾ أي: مطيع، وأصل القنوت هو الطاعة، وقيل: القنوت: القيام، وهو القيام في الطاعة، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ دلالة جواز الإرجاء؛ لأنه لم يقطع على أحدهما دون الآخر؛ وكذلك في قوله : ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ ، وفي قوله: ﴿ رَغَباً وَرَهَباً ﴾ ، وفي القطع على أحدهما كفر على ما ذكرنا من قوله: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ؛ إذ المجاوزة في الخوف إياس، والمجاوزة في حد الرجاء أمن وقد ذكرنا أنه كفر.
وقوله: ﴿ قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ وجوهاً: اتقوا سخط ربكم.
أو اتقوا نقمة ربكم.
أو اتقوا مخالفة ربكم ونحوه.
وأصل التقى: ما تهلكون، أي: اتقوا مهالككم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة لهم في الآخرة.
وجائز أن يكون لهم الحسنة في الدنيا و[في] الآخرة حسنة؛ [كقوله:] ﴿ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ...
﴾ الآية: [يوسف: 109]؛ وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ ﴾ .
ثم يحتمل الحسنة وجهاً آخر: استغفار الملائكة لهم والأنبياء - عليهم السلام - لأن الله - عز وجل - امتحن ملائكته على استغفار المؤمنين والمؤمنات؛ كقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وكذلك امتحن رسله بالاستغفار للمؤمنين، وكذلك المؤمنون يستغفر بعضهم لبعض ونحوه.
وقوله: ﴿ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ ﴾ .
ذكر هذا - والله أعلم - لأن من آمن منهم بمكة كانوا يظهرون الموافقة لأعدائهم ويقيمون فيما بينهم، وكانت لهم أسباب التعيش في بلدهم ولم يكن لهم تلك في بلد غيرهم، فخافوا الضياع إذا هم خرجوا من بلدهم فيهاجروا منها إلى غير بلدهم فيمتنعون عن ذلك، فجاءت الآية على الترجي والإطماع لهم بمثل ذلك التعيش وأسبابه في غير ذلك البلد، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ لم يقدروا في تركهم الهجرة وإظهارهم الموافقة للأعداء، ولهم طاقة ووسع التحول من بلدهم إلى بلد غيرهم، إلا من لم يكن به طاقة الخروج من بينهم وهم الذين استثناهم وهو قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ...
﴾ الآية [النساء: 98]، والله أعلم.
و[يحتمل] قوله: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، وجوهاً: أحدها: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: بغير تبعة ولا مئونة؛ كقوله: "من نوقش الحساب عذب" أو ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: لا يحاسبون؛ لا ليس وراء تلك الدار الآخرة دار أخرى يحاسبون فيها ما أعطوا في الآخرة ليس كدار الدنيا يحاسب من أوتوا فيها في الآخرة، وأما ما أعطوا في الآخرة فلا يحاسبون في غيرها.
ويحتمل ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي: غير مقدر بالحساب، ولكن أضعافاً مضاعفة.
ويحتمل ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ،أي: بلا نهاية ولا غابة، والله أعلم.
ثم الصبر: هو حبس النفس إما على أداء ما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه، أو حبسها وكفها في احتمال ما حملت من الشدائد والمصائب والمؤن العظام، احتملوا ذلك ولم يجزعوا، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...
﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ونحوه.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لعبادي الذين آمنوا بي وبرسلي: اتقوا ربكم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، للذين أحسنوا منكم العمل في الدنيا حسنة في الدنيا بالنصر والصحة والمال، وفي الآخرة بالجنة، وأرض الله واسعة، فهاجروا فيها حتى تجدوا مكانًا تعبدون الله فيه، لا يمنعكم مانع، إنما يُعْطَى الصابرون ثوابهم يوم القيامة دون عدٍّ ولا مقدار لكثرته وتنوعه.
من فوائد الآيات رعاية الله للإنسان في بطن أمه.
ثبوت صفة الغنى وصفة الرضا لله.
تعرَّف الكافر إلى الله في الشدة وتنكَّره له في الرخاء، دليل على تخبطه واضطرابه.
الخوف والرجاء صفتان من صفات أهل الإيمان.
<div class="verse-tafsir" id="91.r7woJ"