تفسير الآية ١٤ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ١٤ من سورة الزمر

قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًۭا لَّهُۥ دِينِى ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 50 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٤ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه ) وهذا أيضا تهديد وتبر منهم ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لمشركي قومك: الله أعبد مخلصا, مفردا له طاعتي وعبادتي, لا أجعل له في ذلك شريكا, ولكني أفرده بالألوهة, وأبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة, فاعبدوا أنتم أيها القوم ما شئتم من الأوثان والأصنام, وغير ذلك مما تعبدون من سائر خلقه, فستعلمون وبال عاقبة عبادتكم ذلك إذا لقيتم ربكم.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لمشركي قومك: الله أعبد مخلصا, مفردا له طاعتي وعبادتي, لا أجعل له في ذلك شريكا, ولكني أفرده بالألوهة, وأبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة, فاعبدوا أنتم أيها القوم ما شئتم من الأوثان والأصنام, وغير ذلك مما تعبدون من سائر خلقه, فستعلمون وبال عاقبة عبادتكم ذلك إذا لقيتم ربكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل الله أعبد مخلصا له ديني " الله " نصب ب " أعبد " ، مخلصا له ديني : طاعتي وعبادتي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ } كما قال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" قل الله أعبد مخلصاً له ديني "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل الله أعبد مخلصا له ديني» من الشرك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: إني أعبد الله وحده لا شريك له مخلصًا له عبادتي وطاعتي، فاعبدوا أنتم- أيها المشركون- ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام وغير ذلك من مخلوقاته، فلا يضرني ذلك شيئًا.

وهذا تهديد ووعيد لمن عبد غير الله، وأشرك معه غيره.

قل -أيها الرسول-: إن الخاسرين- حقًا- هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك بإغوائهم في الدنيا وإضلالهم عن الإيمان.

ألا إن خسران هؤلاء المشركين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هو الخسران البيِّن الواضح.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما بين فساد القول بالشرك وبين أن الله تعالى هو الذي يجب أن يعبد، بين في هذه الآية أن طريقة هؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام متناقضة وذلك لأنهم إذا مسهم نوع من أنواع الضر لم يرجعوا في طلب دفعه إلا إلى الله، وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى عبادة الأصنام ومعلوم أنهم إنما رجعوا إلى الله تعالى عند حصول الضر، لأنه هو القادر على إيصال الخير ودفع الضر، وإذا عرفوا أن الأمر كذلك في بعض الأحوال كان الواجب عليهم أن يعترفوا به في كل الأحوال فثبت أن طريقتهم في هذا الباب متناقضة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ﴾ فقيل المراد بالإنسان أقوام معينون مثل عتبة بن ربيعة وغيره، وقيل المراد به الكافر الذي تقدم ذكره، لأن الكلام يخرج على معهود، تقدم.

وأما قوله: ﴿ ضُرٌّ ﴾ فيدخل فيه جميع المكاره سواه كان في جسمه أو في ماله أو أهله وولده، لأن اللفظ مطلق فلا معنى للتقييد ﴿ ودعاَ رَبَّهُ ﴾ أي استجار بربه وناداه ولم يؤمل في كشف الضر سواء، فلذلك قال: ﴿ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ أي راجعاً إليه وحده في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة هي الرجوع ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ ﴾ أي أعطاه، قال صاحب الكشاف: وفي حقيقته وجهان: أحدهما: جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال، إذا كان متعهداً له حسن القيام به ومنه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة» والثاني: جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر، وفي المعنى قالت العرب: إن الغنى طويل الذيل مياس *** ثم قال تعالى: ﴿ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، وما بمعنى من كقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ وقيل نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه والمراد من قوله نسي أن ترك دعاءه كأنه لم يفزع إلى ربه، ولو أراد به النسيان الحقيقي لما ذمه عليه، ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي أن لا يفزع، وأن لا إله سواه فعاد إلى اتخاذ الشركاء مع الله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضل بفتح الياء والباقون ليضل بضم الياء على معنى ليضل غيره.

المسألة الثانية: المراد أنه تعالى يعجب العقلاء من مناقضتهم عند هاتين الحالتين، فعند الضر يعتقدون أنه لا مفزع إلى ما سواه وعند النعمة يعودون إلى اتخاذ آلهة معه.

ومعلوم أنه تعالى إذا كان إنما يفزع إليه في حال الضر لأجل أنه هو القادر على الخير والشر، وهذا المعنى باق في حال الراحة والفراغ كان في تقرير حالهم في هذين الوقتين بما يوجب المناقضة وقلة العقل.

المسألة الثالثة: معنى قوله: ﴿ لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ أنه لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه بل يدعو غيره إما بفعله أو قوله إلى أن يشاركه في ذلك، فيزداد إثماً على إثمه، واللام في قوله: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ لام العاقبة كقوله: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ ولما ذكر الله تعالى عنهم هذا الفعل المتناقض هددهم فقال: ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ﴾ وليس المراد منه الأمر بل الزجر، وأن يعرفه قلة تمتعه في الدنيا، ثم يكون مصيره إلى النار.

ولما شرح الله تعالى صفات المشركين والضالين، ثم تمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح أحوال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا الله ولا اعتماد لهم إلا على فضل الله، فقال: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وحمزة ﴿ آمن ﴾ مخففة الميم والباقون بالتشديد، أما التخفيف ففيه وجهان الأول: أن الألف ألف الاستفهام داخلة على من، والجواب محذوف على تقدير كمن ليس كذلك، وقيل كالذي جعل لله أنداداً فاكتفى بما سبق ذكره والثاني: أن يكون ألف نداء كأنه قيل يا من هو قانت من أهل الجنة، وأما التشديد فقال الفراء الأصل أم من فأدغمت الميم في الميم وعلى هذا القول هي أم التي في قولك أزيد أفضل أم عمرو.

المسألة الثانية: القانت القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة صلاة القنوت» وهو القيام فيها.

ومنه القنوت في الصبح لأنه يدعو قائماً.

عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ﴾ وعن ابن عباس القنوت طاعة الله، لقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قانتون  ﴾ أي مطيعون، وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ ساعات الليل أوله ووسطه وآخره، وفي هذه اللفظة تنبيه على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار، ويؤكده وجوه: الأول: أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء الثاني: أن الظلمة تمنع من الإبصار ونوم الخلق يمنع من السماع، فإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي، وهو معرفة الله وخدمته الثالث: أن الليل وقت النوم فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر الرابع: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اليل هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً  ﴾ وقوله: ﴿ ساجدا ﴾ حال، وقرئ ساجد وقائم على أنه خبر بعد خبر الواو للجميع بين الصفتين.

واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العلم وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فكونه قانتاً ساجداً قائماً، وأما العلم فقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين، فالعمل هو البداية والعلم والمكاشفة هو النهاية.

الفائدة الثانية: أنه تعالى نبه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا كان الإنسان مواظباً عليه، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائماً بما يجب عليه من الطاعات، وذلك يدل على أن العلم إنما يفيد إذا واظب عليه الإنسان، وقوله: ﴿ ساجدا وَقَائِماً ﴾ إشارة إلى أصناف الأعمال وقوله: ﴿ يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ ﴾ إشارة إلى أن الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأول مقام القهر وهو قوله: ﴿ يَحْذَرُ الأخرة ﴾ ثم بعده مقام الرحمة وهو قوله: ﴿ وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ ﴾ ثم يحصل أنواع المكاشفات وهو المراد بقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

الفائدة الثالثة: أنه قال في مقام الخوف ﴿ يَحْذَرُ الأخرة ﴾ فما أضاف الحذر إلى نفسه، وفي مقام الرجاء أضافه إلى نفسه، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل وأليق بحضرة الله تعالى.

المسألة الثالثة: قيل المراد من قوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ﴾ عثمان لأنه كان يحيي الليل في ركعة واحدة ويقرأ القرآن في ركعة واحدة، والصحيح أن المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة فيدخل فيه عثمان وغيره لأن الآية غير مقتصرة عليه.

المسألة الرابعة: لا شبهة في أن في الكلام حذفاً، والتقدير أمن هو قانت كغيره، وإما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر وذكر بعدها: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وتقدير الآية قل هل يستوي الذين يعلمون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل سجداً وقياماً، والذين لا يعلمون وهم الذين وصفهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغة يشركون، فإذا قدرنا هذا التقدير ظهر المراد وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون، لأنهم وإن آتاهم الله العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم، فلهذا السبب جعلهم كأنهم ليسوا أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم.

وأما قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا  ﴾ قال صاحب الكشاف أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون، وبالذين لا يعلمون الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتين هم العلماء، وهو تنبيه على أن من يعمل فهو غير عالم، ثم قال وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ﴾ يعني هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه أيضاً إلا أولوا الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب العالم بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ متعلق بأحسنوا لا بحسنة، معناه: الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة.

وهي دخول الجنة، أي: حسنة غير مكتنهة بالوصف.

وقد علقه السدي بحسنة، ففسر بحسنة بالصحة والعافية.

فإن قلت: إذا علق الظرف بأحسنوا فإعرابه ظاهر، فما معنى تعليقه بحسنة؟

ولا يصحّ أن يقع صفة لها لتقدمه.

قلت: هو صفة لها إذا تأخر فإذا تقدم كان بياناً لمكانها فلم يخل التقدم بالتعلق، وإن لم يكن التعلق وصفاً ومعنى ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ أن لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة؛ حتى إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفر على الإحسان، وصرف الهمم إليه قيل لهم: فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فلا تجتمعوا مع العجز، وتحوّلوا إلى بلاد أخر، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم.

وقيل: هو للذين كانوا في بلد المشركين فأمروا بالمهاجرة عنه، كقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ [النساء: 97] .

وقيل: هي أرض الجنة.

و ﴿ الصابرون ﴾ الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى غيرها.

من تجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ لا يحاسبون عليه.

وقيل: بغير مكيال وغير ميزان يغرف لهم غرفاً، وهو تمثيل للتكثير.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يُهتدى إليه حساب الحساب ولا يُعرف.

وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين.

ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ مُوَحِّدًا لَهُ.

﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ وأُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ أكُونَ مُقَدِّمَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِأنَّ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ بِالإخْلاصِ أوْ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ مِن قُرَيْشٍ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ، والعَطْفُ لِمُغايَرَةِ الثّانِي الأوَّلَ بِتَقْيِيدِهِ بِالعِلَّةِ، والإشْعارِ بِأنَّ العِبادَةَ المَقْرُونَةَ بِالإخْلاصِ وإنِ اقْتَضَتْ لِذاتِها أنْ يُؤْمَرَ بِها فَهي أيْضًا تَقْتَضِيهِ لِما يَلْزَمُها مِنَ السَّبْقِ في الدِّينِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً كَما في أرَدْتَ لِأنْ أفْعَلَ فَيَكُونُ أمْرٌ بِالتَّقَدُّمِ في الإخْلاصِ والبَدْءِ بِنَفْسِهِ في الدُّعاءِ إلَيْهِ بَعْدَ الأمْرِ بِهِ.

﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ بِتَرْكِ الإخْلاصِ والمَيْلِ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ.

﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ لِعَظَمَةِ ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى} وهذه الآية إخبار بأنه يخص الله وحده بعبادته مخلصاً له دينه دون غيره والأولى إخبار بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فالكلام أولاً واقع في نفس الفعل وإثباته وثانياً فيما يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ ﴾ لا غَيْرَهُ سُبْحانَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ﴿ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ ، حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ أعْبُدُ ﴾ ، فَقِيلَ: مُؤَكِّدَةٌ لِما أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ قَدْ أفادَ الحَصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى إخْلاصِهِ عَنِ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ، وقِيلَ: مُؤَسِّسَةٌ، وفُسِّرَ إخْلاصُ الدِّينِ لَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ لِذاتِهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ رابِعَةَ: سُبْحانَكَ ما عَبَدْتُكَ خَوْفًا مِن عِقابِكَ ولا رَجاءَ ثَوابِكَ، أوْ يُفَسَّرُ بِتَجْرِيدِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِقِسْمَيْهِ، وأنْ يَكُونَ مَعَهُ ما يَشِينُهُ مِن غَيْرِ ذَلِكَ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ إلَخْ، أنَّ ذاكَ أمْرٌ بِبَيانِ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَأْمُورًا بِعِبادَتِهِ تَعالى مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وهَذا أمْرٌ بِالإخْبارِ بِامْتِثالِهِ بِالأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكَدِهِ إظْهارًا لِتَصَلُّبِهِ  في الدِّينِ، وحَسْمًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، حَيْثُ إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ دَعَوْهُ  إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ، وتَمْهِيدًا لِتَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ يعني: إذا أصاب الكافر شدة في جسده، دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ يعني: مقبلاً إليه بدعائه ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ قال مقاتل يعني: أعطاه، وقال الكلبي: يعني: بدله عافية مكان البلاء نَسِيَ ترك الدعاء ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ويتضرع به، وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً يعني: يصف لله شريكاً، لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، لِيُضِلَّ بنصب الياء، وهو من ضل يضل.

يعني: ترك الهدى.

وقرأ الباقون: لِيُضِلَّ بالضم.

يعني: ليضلّ الناس.

ويقال: ليضل نفسه بعبادة غير الله، ويصرفهم عن سبيل الله.

يعني: عن دين الله قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا يعني: عش في الدنيا مع كفرك قليلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني: من أهل النار.

قوله عز وجل: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً وأصل القنوت هو القيام.

ثم سمي المصلي قانتاً، لأنه بالقيام يكون.

ومعناه: أمن هو مصل كمن لا يكون مصلياً على وجه الإضمار.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ القَانِتِ القَائِمِ» يعني: المصلي القائم.

قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، أمن بالتخفيف.

وقرأ الباقون: بالتشديد.

فمن قرأ: بالتخفيف، فقد روي عن الفراء أنه قال: معناه يا من هو قانت.

كما تقول في الكلام: فلان لا يصوم، ولا يصلي، فيا من يصلي، ويصوم، أبشر.

فكأنه قال: يا من هو قانت أبشر.

ومن قرأ: بالتشديد.

فإنَّه يريد به معنى الذي.

ومعناه: الذي هو من أصحاب النار.

فهذا أفضل أم الذي هو قانت آناء الليل.

يعني: ساعات الليل في الصلاة، ساجداً، وقائماً في الصلاة، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ يعني: يخاف عذاب الآخرة، وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ يعني: مغفرة الله تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وهم المؤمنون، وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وهم الكفار في الثواب، والطاعة.

ويقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ يعني: يصدقون بما وعد الله في الآخرة من الثواب، وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون.

ويقال: معناه قُلْ هَلْ يستوي العالم والجاهل.

فكما لا يستوي العالم والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي.

إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: يعتبر في صنعي، وقدرتي من له عقل، وذهن.

قوله عز وجل: قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: أصحاب النبيّ  ، اتَّقُوا رَبَّكُمْ يعني: اخشوا ربكم في صغير الأمور، وكبيرها، واثبتوا على التوحيد.

ثم قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ يعني: لمن عمل بالطاعة في الدنيا حسنة، له الجنة في الآخرة.

ويقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا يعني: شهدوا أن لا إله إلا الله في الدنيا حسنة.

يعني: لهم الجنة في الآخرة.

ويقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي: ثبتوا على إيمانهم فلهم الجنة.

قوله: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ قال مقاتل: يعني: الجنة واسعة.

وقال الكلبي: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ يعني: المدنية، فتهاجروا فيها.

يعني: انتقلوا إليها، واعملوا لآخرتكم، إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ يعني: هم الذين يصبرون على الطاعة لله في الدنيا، جزاؤهم، وثوابهم على الله، بِغَيْرِ حِسابٍ يعني: بلا عدد، ولا انقطاع.

وروى سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله  قال: «أنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ» .

قال سفيان لما نزل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: 160] قال النبيّ  : «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» .

فنزل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة: 261] قال: «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: 245] فقال النبيّ  : «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ فانتهى رسول الله  .

قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هذه الآيةُ مخاطبَةٌ للكفارِ «١» ، قال ع «٢» : وتحتملُ أن تكونَ مخاطبةً لجميع الناس، لأن اللَّهَ سبحانه غنيٌّ عَن جميعِ الناسِ، وهم فقراءُ إليه، واخْتَلَفَ المتأولونَ مِن أهْلِ السنةِ في تأويل قوله تعالى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ فقالت فرقة: «الرِّضا» بمعنى الإرادَةِ، والكلامُ ظاهرُه العمومُ، ومعناه الخصوصُ فيمن قَضَى اللَّهُ له بالإيمان، وحتَّمَهُ له، فعبادُه على هذا ملائكتُهُ ومؤمِنو الإنْسِ والجِنِّ، وهذا يتركَّبُ على قول ابن عباس «٣» ، وقالت فرقة: الكلامُ عُمُومٌ صحيحٌ، والكُفْرُ يقعُ مِمَّنْ يَقَعُ بإرادَةِ اللَّهِ تعالى، إلا أنه بَعْدَ وُقُوعِهِ لاَ يَرْضَاهُ دِيناً لهم، ومعنى لا يرضاه: لا يشكرُه لهُمْ، ولا يثيبهم به خيرا، فالرضا: على هذا هو صفةُ فِعْلٍ بمعنى القَبُولِ، ونحوِه، وتأمَّلِ الإرَادَةَ فإنما هي حقيقةٌ فيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا، فإنما هُو حقيقةٌ فِيمَا قَدْ وَقَعَ، واعْتَبِرْ هذا في/ آيات القرآن تجِدْهُ، وإنْ كانت العربُ قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوُّز هذا بَدَلَ هذا.

وقوله تعالى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ عمومٌ، والشكرُ الحقيقيُّ في ضِمْنِهِ الإيمانُ، قال النوويُّ: وَرُوِّينَا في «سُنَنِ أبي دَاوُدَ» عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:

«من قال: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبّاً وبِالإسْلاَمِ دينا وبمحمّد صلّى الله عليه وسلّم رسولا، وجبت له الجنّة» «٤» انتهى.

وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)

وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ ...

الآية: الْإِنْسانَ هنا:

الكافرُ، وهذه الآيةُ بَيَّنَ تعالى بها عَلَى الكُفَّارِ، أنَّهُمْ على كلّ حال يلجؤون إليه في حال الضرورات، وخَوَّلَهُ معناه مَلكه وحكَّمَه فيها ابتداءً من اللَّهِ لاَ مُجَازَاةً، ولا يقالُ في الجزاء «خَوَّلَ» .

وقوله تعالى: نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ قالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، والمعنى: نسِيَ دعاءَه إليه في حالِ الضَّرُورَةِ، وَرَجَعَ إلى كُفْرِهِ، وقالت فرقة: «ما» بمعْنَى الذي، والمرادُ بها اللَّه تعالى، أي: نسي اللَّه، وعبارة الثعلبي: قوله: نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ أي:

تَرَكَ عبادَة اللَّه تعالى والتضرُّعَ إليهِ من قَبْلُ في حال الضُّرِّ انتهى» وباقي الآية بيِّنٌ.

وقوله تعالى: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ» بتخفيف الميمِ، هي قراءة نافعٍ وابنِ كَثِيرٍ وحمزة «١» ، والهَمْزةُ للتقرير والاستفهام، وكأنه يقولُ: أهذا القانتُ خَيْرٌ أم هذا المذكورُ الذي يتمتَّعُ بكُفْرِهِ قليلاً، وهو من أَصْحَاب النار، وقرأ الباقونَ: «أَمَّنْ» بتشديدِ الميمِ، والمعنى: أهذا الكافرُ خَيْرٌ أمَّنْ هُو قَانِتٌ؟

والقانتُ: المطِيعُ وبهذا فسَّره ابنُ عبَّاس- رضي اللَّه عنهما «٢» -، والقُنُوتُ في الكلام يَقَع عَلى القِراءةِ وَعَلى طُولِ القيامِ في الصلاةِ وبهذا/ فسَّره ابنُ عُمَرَ- رَضِي اللَّه عنهما «٣» - قال الفَخْرُ «٤» : قيل: إن المراد بقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ: عُثْمَانُ بْنُ عفَّانَ لأنَّه كَان يُحْيِي الليل، والصحيحُ أنها عامَّةٌ في كلِ من اتَّصَفَ بهذه الصِّفَةِ، وفي هذه الآية تنبيهٌ على فضلِ قيامِ الليلِ، انتهى، ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّه قالَ: «مَنْ أحَبَّ أَنْ يُهَوِّنَ اللَّهُ عليه الوقوفَ يوم القيامةِ، فَلْيَرَهُ اللَّهُ في سَوَادِ اللَّيْلِ سَاجِداً وقائِماً» «٥» ، ت قال الشيخ عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبَةِ» : وعن قَبِيصَةَ بْنِ سُفْيَانَ قال: رأيتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ في المنام بعد موته فقلتُ له: ما فعل اللَّه بك؟

فقال: [الطويل]

نَظَرْتُ إلى رَبِّي عِيَاناً فَقَالَ لِي ...

هَنِيئاً رِضَائي عَنْكَ يَا بْنَ سَعِيدِ

لَقَدْ كُنْتَ قَوَّاماً إذَا اللَّيْلُ قَدْ دَجَا ...

بِعَبْرَةِ مَحْزُونٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ

فَدُونَكَ فاختر أَيَّ قَصْرٍ تُرِيدُه ...

وَزُرْنِي فَإنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ «٦»

وكَانَ شُعْبَة بن الحَجَّاج، ومِسْعَرُ بْن كِدَامٍ، رجلَيْنِ فَاضِلَيْنِ، وكانَا مِنْ ثِقَاتِ المُحَدِّثينَ وحُفَّاظِهِم، وكان شُعْبَةُ أَكْبَرَ فَمَاتَا، قال أبو أحمد اليزيديّ، فرأيتهما في النوم،

وكنتُ إلى شُعْبَةَ أَمْيَلَ مِنِّي إلى مِسْعَرٍ، فقلتُ: يا أبا بِسْطَامَ ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟

فقال: وَفَّقَكَ اللَّه يا بُنَيَّ، احفظ ما أقُولُ:

حَبَانِي إلهي فِي الْجِنِانِ بِقُبَّة ...

لَهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ لُجَيْنٍ وَجَوْهَرَا

وَقَالَ لِيَ الْجَبَّارُ: يَا شُعْبَةُ الَّذِي ...

تَبَحَّرَ في جَمْعِ الْعُلُومِ وَأَكْثَرَا

تَمَتَّعْ بِقُرْبِي إنَّنِي عَنْكَ ذُو رِضاً ...

وَعَنْ عَبْدِيَ القَوَّامِ في اللَّيْلِ مِسْعَرَا

كفى مِسْعَراً عِزًّا بِأنْ سَيَزُورُنِي ...

وَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِي وَيَدْنُو لِيَنْظُرَا

وهذا فِعَالِي بِالَّذِينَ تَنَسَّكُوا ...

وَلَمْ يَأْلَفُوا في سَالِفِ الدَّهْرِ مُنْكَرَا «١»

انتهى.

«والآناء» : الساعاتُ واحدها/ «إنًى» كَ «مِعًى» ويقال: «إِنْيٌ» - بكسر الهمزة وسكون النون-، و «أَنًى» على وزن «قَفاً» .

وقوله سبحانه: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قال ابْنُ الجوزيِّ في «المُنْتَخَبِ» :

يقولُ اللَّه تعالى: «لاَ أجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلاَ أَمْنَيْنِ مَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا، أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي في الدُّنْيَا خَوَّفْتُهُ في الآخِرَةِ» ، يَا أَخِي امتطَى القَوْمُ مَطَايَا الدجى على مَرْكَبِ السَّهَرِ، فَمَا حَلُّوا وَلاَ حَلُّوا رِحَالَهُمْ حَتَّى السَّحَرْ، دَرَسُوا القُرآن فَغَرَسُوا بِأَيْدِي الْفِكْرِ أَزْكَى الشَّجَرْ، وَمَالُوا إلى النُّفُوسِ بِاللَّوْمِ فَلاَ تَسْأَلْ عَمَّا شَجَرْ، رَجَعُوا بِنَيْلِ القَبُولِ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرْ، وَوَقَفُوا على كَنْزِ النَّجَاةِ وَمَا عِنْدَكَ خَبَرْ، فإذا جَاء النَّهَارُ قَدَّمُوا طَعَامَ الجُوعِ، وَقَالُوا لِلنَّفْسِ: هَذَا الَّذِي حَضَرْ، حَذَوْا عزَمَاتٍ طَاحَتِ الأَرْضُ بَيْنَهَا، فَصَارَ سُرَاهُمْ في ظُهُورِ العَزَائِمْ، تَرَاهُمْ نُجُومَ اللَّيْلِ مَا يَبْتَغُونَهُ على عَاتِقِ الشعرى وَهَامِ النَّعَائِمْ، مَالَتْ بِالقَوْمِ رِيحُ السَّحَرِ مَيْلَ الشَّجَرِ بِالأَغْصَانْ، وَهَزَّ الخَوْفُ أَفْنَانْ القُلُوبِ فانتشرت الأَفْنَان، فَالقَلْبُ يَخْشَعُ واللِّسَانُ يَضْرَعُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَالوَقْتُ بُسْتَانْ، خَلَوْتُهُمْ بِالحَبِيبِ تَشْغَلُهُمْ عَنْ نُعْمٍ وَنَعْمَانْ، سُرُورُهُمْ أَسَاوِرُهُمْ وَالخُشُوعُ تِيجِانْ، خُضُوعُهُمْ حُلاَهُمْ وَمَاءُ دَمْعِهِمْ دُرٌّ وَمَرْجَانْ، بَاعُوا الْحِرْصَ بِالقَنَاعَةِ فَمَا مُلكُ أَنُوشِرْوَان، فَإذَا وَرَدُوا القِيَامَةَ تَلَقَّاهُمْ بَشَرٌ: لَوْلاَكُمْ مَا طَابَ الجِنَانْ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانْ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْهُمْ يَا نَائِمُ كَيَقْظَانْ، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَيْنَ الشُّجَاعُ مِنَ الجَبَانْ، مَا لِلْمَوَاعِظِ فِيكَ نُجْحٌ، مَوْضِعُ القَلْبِ/ بِاللَّهْوِ مِنْكَ مَلآنْ، يَا أَخِي، قِفْ على بَابِ النَّجَاحِ ولكن وُقُوفَ لُهْفَانْ، واركب سُفُنَ الصَّلاَحِ، فهذا المَوْتُ طُوفَانْ، إخْوَانِي، إنَّمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَاحِلْ وَمَرْكَبُ العُمْرِ قَدْ قَارَبَ السَّاحِلْ، فانتبه لِنَفْسِكَ وازدجر يَا غَافِلْ، يَا هَذَا، أَنْتَ مُقِيمٌ فيَّ مُنَاخِ الرَّاحِلِينَ ويحك اغتنم أيّام القدرة قبل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُفَضَّلُ عَنِ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "أمِنَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّشْدِيدِ.

فَأمّا المُشَدَّدَةُ، فَمَعْناها: أهَذا الَّذِي ذَكَرْنا خَيْرٌ، أمَّنْ هو قانِتٌ؟

والأصْلُ في "أمَّنْ": أمْ مَن، فَأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ.

وأمّا المُخَفَّفَةُ، فَفي تَقْدِيرِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى النِّداءِ.

قالَ الفَرّاءُ: فَسَّرَها الَّذِينَ قَرَؤُوا بِها فَقالُوا: يا مَنَ هو قانِتٌ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ، والعَرَبُ تَدْعُو بِالألْفِ كَما تَدْعُو بِياءٍ، فَيَقُولُونَ: يا زَيْدُ أقْبِلْ، وأزَيْدُ أقْبِلْ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ ذَكَرَ النّاسِي الكافِرَ، ثُمَّ قَصَّ قِصَّةَ الصّالِحِ بِالنِّداءِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَصُومُ ولا يُصَلِّي، فَيا مَنَ يَصُومُ أبْشِرْ.

والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَها: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن لَيْسَ بِقانِتٍ؟!

والثّالِثُ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا؟!

وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى القُنُوتِ في [البَقَرَةِ: ١١٦] ومَعْنى ﴿ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ في [آَلِ عِمْرانَ: ١١٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساجِدًا وقائِمًا ﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ.

وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّالِثُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ، وصُهَيْبٌ، وأبُو ذَرٍّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: عَذابُ الآَخِرَةِ.

وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "يُحَذِّرُ عَذابَ الآَخِرَةِ" بِزِيادَةِ "عَذابِ" .

﴿ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعُقابَ حَقٌّ ﴿ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وباقِي الآَيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في [الرَّعْدِ: ١٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في [النَّحْلِ: ٣٠] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَثَّ لَهم عَلى الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى حَيْثُ يَأْمَنُونَ.

والثّانِي: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ رَغَّبَهم فِيها.

﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ ﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما نالَهم ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ أيْ:يُعْطَوْنَ عَطاءً كَثِيرًا أوْسَعَ مِن أنْ يُحْسَبَ وأعْظَمَ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ، لا عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ ﴿ قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: "أمَن" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وشَيْبَةَ بْنِ نَصّاحٍ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وضَعَّفَها الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "أمَّنْ" بِتَشْدِيدِ المِيمِ.

فَأمّا الأُولى فَلَها وجْهانِ: أحَدُهُما - وهو الأظْهَرُ - أنَّ الألِفَ تَقْرِيرٌ واسْتِفْهامٌ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمْ هَذا المَذْكُورُ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِكُفْرِهِ قَلِيلًا وهو مِن أصْحابِ النارِ؟

وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الآياتِ مَعَ قَوْلِهِ آخِرًا: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ ∗∗∗ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا ويُوقَفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: " يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ".

والوَجْهُ الثانِي أنْ تَكُونَ الألِفُ نِداءً والخِطابُ لِأهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ، كَأنَّهُ يَقُولُ أصاحِبَ هَذِهِ الصِفاتِ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي؟

فَهَذا السُؤالُ بِـ"هَلْ" هو لِلْقانِتِ، ولا يُوقَفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَعْنى صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى الآياتِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ.

وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَمِ، ولَيْسَ كَما قالَ مَكِّيٌّ، أمّا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في أنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَمِ فَنَعَمْ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ الإلْباسُ الكَثِيرُ بِذَلِكَ، وأمّا أنَّ هَذا المَوْضِعَ سَقَطَ فِيهِ حَرْفُ النِداءِ فَلا وألِفٌ ثابِتَةٌ فِيهِ ظاهِرَةٌ.

وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَإنَّها: (أمْ) دَخَلَتْ عَلى (مَن)، والكَلامُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - لا يَحْتَمِلُ إلّا المُعادَلَةَ بَيْنَ صِنْفَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما يُعادِلُ (أمْ) مُتَقَدِّمًا في التَقْدِيرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أمْ) قَدِ ابْتُدِأ بِها بَعْدَ إضْرابٍ مُقَدَّرٍ، ويَكُونَ المُعادِلُ في آخِرِ الكَلامِ.

والأوَّلُ أبْيَنُ.

و"القانِتُ": المُطِيعُ، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والقُنُوتُ في الكَلامِ يَقَعُ عَلى القِراءَةِ، وعَلى طُولِ القِيامِ في الصَلاةِ، وبِهَذا فَسَرَّها ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مَن أحَبَّ أنْ يُهَوِّنَ اللهُ عَلَيْهِ الوُقُوفَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيُنَزِّهِ اللهَ في سَوادِ اللَيْلِ ساجِدًا أو قائِمًا"، ويَقَعُ القُنُوتُ عَلى الدُعاءِ وعَلى الصَمْتِ عِبادَةً، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ القُنُوتَ: الطاعَةُ،» وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ  : أيُّ الصَلاةِ أفْضَلُ؟

قالَ: "طُولُ القُنُوتِ".» و"الآناءُ": الساعاتُ، واحِدُها إنًى كَمِعًى، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "لَنْ يَعْدُوَ شَيْءٌ إناهُ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ  ﴾ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في ذَلِكَ، ويُقالُ في واحِدِها أيْضًا: "أنا" عَلى وزْنِ "قَفا"، ويُقالُ فِيهِ: "إنْيٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ، ومِنهُ قالَ الهُذَلِيُّ: حُلْوٌ ومُرٌّ كَعِطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ في كُلٍّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وقَرَأ الضَحّاكُ: "ساجِدٌ وقائِمٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾ مَعْناهُ: يَحْذَرُ حالَها وهَوْلَها.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ".

و"أُولُو" مَعْناهُ: أصْحابُ، واحِدُهُمْ: ذُو.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ [قُلْ يا عِبادِيَ]﴾ [الزمر: ٥٣] بِفَتْحِ الياءِ، وأسْكَنَها أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "يا عِبادِ" بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ.

ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ.

ووَعَدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ فِي هَذِهِ الدُنْيا ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ"أحْسَنُوا"، وكَأنَّهُ يُرِيدُ: أنَّ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ في الدُنْيا لَهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ والنَعِيمُ، قالَهُ مُقاتِلُ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنَّ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ في الدُنْيا، وهي العافِيَةُ والطُهُورُ ووِلايَةُ اللهِ تَعالى، قالَهُ السُدِّيُّ، وكانَ قِياسُ قَوْلِهِ أنْ يَكُونَ ﴿ فِي هَذِهِ الدُنْيا ﴾ مُتَأخِّرًا، ويَجُوزُ تَقْدِيمُهُ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، وهو أنَّ الحَسَنَةَ في الآخِرَةِ.

و"أرْضُ اللهِ" يُرِيدُ بِها البِلادَ المُجاوِرَةَ الَّتِي تَقْتَضِيها القِصَّةُ الَّتِي الكَلامُ فِيها، وهَذا حَضٌّ عَلى الهِجْرَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللهُ الأرْضَ بِالسَعَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: أرادَ بِالأرْضِ هُنا الجَنَّةَ، وفي هَذا القَوْلِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ وعَدَ تَعالى عَلى الصَبْرِ عَلى المَكارِهِ، والخُرُوجِ عَنِ الوَطَنِ، ونُصْرَةِ الدِينِ، وجَمِيعِ الطاعاتِ، بِأنَّ الأجْرَ يُوَفّى بِغَيْرِ حِسابٍ، وهَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الصابِرَ يُوَفّى أجْرَهُ ثُمَّ لا يُحاسَبُ عَنِ النَعِيمِ ولا يُتابَعُ بِذُنُوبٍ، فَيَقَعُ "الصابِرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الجَماعَةِ الَّتِي ذَكَرَها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّها تَدْخُلُ الجَنَّةَ دُونَ حِسابٍ، في قَوْلِهِ  : « "يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسابٍ، هُمُ الَّذِينَ لا يَتَطَيَّرُونَ ولا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وُجُوهُهم عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"» الحَدِيثَ عَلى اخْتِلافِ تَرْتِيباتِهِ.

والمَعْنى الثانِي: أنَّ أُجُورَ الصابِرِينَ تُوَفّى بِغَيْرِ حَصْرٍ ولا عَدٍّ بَلْ جُزافًا، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلْكَثْرَةِ الَّتِي لا تُحْصى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ما تَمْنَعِي يَقْظى فَقَدْ تُعْطِينَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ في النَوْمِ غَيْرَ مُصَّرَدٍ مَحْسُوبِ وَإلى هَذا التَأْوِيلِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، حَتّى قالَ قَتادَةُ: ما ثَمَّ واللهِ مِكْيالٌ ولا مِيزانٌ، وفي بَعْضِ الحَدِيثِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "اللهُمَّ زِدْ أُمَّتِي"، فَنَزَلَتْ: ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً  ﴾ ، فَقالَ: "اللهُمَّ زِدْ أُمَّتِي" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: "رَضِيتُ يا رَبِّ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا القول متعين لأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مأموراً بأن يواجه به المشركين الذين كانوا يحاولون النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك الدعوة وأن يتابع دينهم.

وهما أحد الشقين اللذين وجّه الخطاب السابق إليهما، وتعيينُ كلّ لما وجّه إليه منطوٍ بقرينة السياق وقرينةِ ما بعده من قوله: ﴿ فاعبدوا ما شِئْتُم من دُونِه ﴾ [الزمر: 15].

وإعادة الأمر بالقول على هذا للتأكيد اهتماماً بهذا المقول، وأمّا على الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين في المراد من توجيه المطلب في قوله: ﴿ إِني أُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ [الزمر: 11] الآية فتكون إعادة فعل ﴿ قل ﴾ لأجل اختلاف المقصودين بتوجيه القول إليهم، وقد تقدم قول مقاتل: قال كفار قريش للنبيء: ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به ألاَ تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون الّلاتَ والعزّى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ، لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ.

الثّانِي: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في الدُّنْيا حَسَنَةٌ في الدُّنْيا فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ.

وَفِيما أُرِيدَ بِالحَسَنَةِ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: العافِيَةُ والصِّحَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن خَيْرِ الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: ما أعْطاهم مِن طاعَتِهِ في الدُّنْيا وجَنَّتِهِ في الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: الظَّفَرُ والغَنائِمُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: إنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا الثَّناءُ وفي الآخِرَةِ الجَزاءُ.

﴿ وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أرْضُ الجَنَّةِ رَغَّبَهم في سِعَتِها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: هي أرْضُ الهِجْرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ بِسِعَةِ الأرْضِ سِعَةَ الرِّزْقِ لِأنَّهُ يَرْزُقُهم مِنَ الأرْضِ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ورِزْقُ اللَّهِ واسِعٌ، وهو أشْبَهُ لِأنَّهُ أخْرَجَ سِعَتَها مَخْرَجَ الِامْتِنانِ بِها.

﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِغَيْرِ مَنٍّ عَلَيْهِمْ ولا مُتابَعَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لا يُحْسَبُ لَهم ثَوابُ عَمَلِهِمْ فَقَطْ ولَكِنْ يَزْدادُونَ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: لا يُعْطَوْنَهُ مِقْدَرًا لَكِنْ جُزافًا.

الرّابِعُ: واسِعًا بِغَيْرِ تَضْيِيقٍ قالَ الرّاجِزُ: يا هِنْدُ سَقاكِ بِلا حِسابِهِ سُقْيًا مَلِيكٌ حَسَنُ الرَّبابَةِ وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهَ قالَ: كُلُّ أجْرٍ يُكالُ كَيْلًا ويُوزَنُ وزْنًا إلّا أجْرَ الصّابِرِينَ فَإنَّهُ يُحْثى حَثْوًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ قال: أرضي واسعة فهاجروا واعتزلوا الأوثان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ قال: لا والله ما هناك مكيال ولا ميزان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ قال: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم ولكن يزادون على ذلك.

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبداً أو أراد أن يصافيه صب عليه البلاء صباً، ويحثه عليه حثاً، فإذا دعا قالت الملائكة عليهم السلام: صوت معروف قال جبريل عليه السلام: يا رب عبدك فلان اقض حاجته.

فيقول الله تعالى: دعه إني أحب أن أسمع صوته.

فإذا قال يا رب..

قال الله تعالى، لبيك عبدي وسعديك.

وعزتي لا تدعوني بشيء إلا استجبت لك، ولا تسألني شيئاً إلا اعطيتك.

أما أن أعجل لك ما سألت، وأما أن أدخر لك عندي أفضل منه، وأما أن أدفع عنك من البلاء أعظم منه.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتنصب الموازين يوم القيامة، فيأتون بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ويصب عليهم الأجر صباً بغير حساب حتى يتمنى أهل العافية أنهم كانوا في الدنيا تقرض أجسادهم بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.

وذلك قوله: ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ » .

وأخرج الطبراني وابن عساكر وابن مردويه عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان يصب عليهم الأجر صباً.

وقرأ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يود أهل البلاء يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ ياعباد الذين آمَنُواْ ﴾ الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة، ومعناها التأنيس لهم والتنشيط على الهجرة ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ يحتمل أن يتعلق في هذه الدنيا بأحسنوا، والمعنى الذين أحسنوا في الدنيا لهم الآخرة، أو يتعلق بحسنه، والحسنة على هذا حسن الحال والعافية في الدنيا والأول أرجح ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ يراد البلاد المجاورة للأرض التي هاجروا منها، والمقصود من ذلك الحض على الهجرة.

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين أحدهما أن الصابر يوفي أجره ولا يحاسب على أعماله، فهو من الذين يدخلون الجنة بغير حساب الثاني أن أجر الصابرين بغير حصر بل أكثر من أن يحصر بعدد أو وزن وهذا قول الجمهور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ .

أخبر الله الخلق ما كان من عادة الكفرة في غير آي من القرآن أنهم كانوا يخلصون الدين لله ويتضرعون إليه إذا مسهم بلاء أو شدة، إذا ركبوا البحر، وكان لهم خوف الهلاك في ذلك وفزع؛ كقوله -  - ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 65]، وغير ذلك من الآيات، وكذلك كل بلاء وشدة أصابتهم، فزعوا إلى الله - عز وجل - وتضرعوا إليه، ثم إذا كشف الضر عادوا إلى ما كانوا من قبل.

وقوله: ﴿ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ نَسِيَ ﴾ ألا تملك الأصنام التي عبدوها دفع ذلك عنهم ولا كشفه.

أو نسي ألا ينفع شفاعتهم إياهم ونحوه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ أي: نسوا ما علموا من عجز الأصنام ونحو.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

كأن الآية في الرؤساء منهم جعلوا أنداداً ليضل الناس عن سبيله، يدل على ذلك: ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ﴾ في الدنيا ﴿ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ ﴾ ، لما علم أنه يختم على الكفر، والله أعلم.

ثم الحكمة في ذكر هذا وأمثاله لرسول الله  يحتمل وجوهاً: أحدها: يصبر رسول الله  على سوء معاملتهم إياه، كما حكى عن سوء معاملتهم ولم يستأصلهم على أثر ذلك وذلك أعظم في العقل.

أو يخبر الأواخر عن سوء معاملتهم ربهم ليحذروا عن مثل معاملتهم ربهم.

أو يخبر عن حلمه أن كيف عاملهم فاحلم أنت، والله أعلم.

وقرئ: ﴿ لِّيُضِلَّ ﴾ و ﴿ لِّيِضِلَّ ﴾ فيه ثلاث لغات.

وقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ .

قال بعضهم: هذه الآية صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ يقول: الذي تضرع إلى الله، وأخلص دينه له، نسي ذلك وتركه إذا خول ذلك نعمة، وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله - كالذي هو قانت - أي: مطيع لله - آناء الليل والنهار يحذر عذابه ويرجو رحمته، ليسا بسواء عندكم: الذي أطاع الله في جميع أوقاته حاذر تقصيره في ذلك راجٍ رحمته لطاعته، والذي عصى ربه ولم يطعه، فإذا عرفتم أنهما ليسا بسواء ثم رأيتم أنهما قد استويا في نعم هذه الدار وسعتها وشدائدها وفي الحكمة التفريق بينهما، فلابد من دار أخرى يفرق بينهما فيها يثاب المحسن المطيع جزاء إحسانه وطاعته، ويعاقب الكافر الظالم جزاء كفره وظلمه، والله أعلم.

ومنهم من يجعل لهذه الآية مقابل لكنه يقول: مقابلها ليس الأول، ولكن لم يذكر لها مقابل ويقول على ما عرفتم أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، فعلى ذلك لا يستوي الذي أطاع ربه آناء الليل وأجهد نفسه في عبادة الله [و]الذي عصى ربه وكفر نعمه، وقد ظهر الاستواء بينهما في هذه الدنيا فلابد من التفريق بينهما في دار أخرى، ولو لم يكن دار أخرى فيها يفرق ويميز، لكان خلق هذا العالم على ما كان باطلا سفها غير حكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ ﴾ .

أي: يحذر عذاب الآخرة، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأه: ﴿ يحذر عذاب الآخرة ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ دلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الرجاء والحذر يرجو رحمته لا عمله ويحذر عذابه لتقصيره في عمله.

ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمنا، وقد قال الله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ  ﴾ ، والخوف إذا جاوز حده يكون إياسا، وقد قال الله -  -: ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، ويجب أن يكون المؤمن كما ذكر - عز وجل -: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ ، و ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً  ﴾ لا يجاوز أحدهما.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ ، أي: جنته على ما سمى الجنة: رحمة في غير موضع؛ لما برحمته تنال هي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

في معرفة نعم الله والقيام بشكره، والحذر عن عصيانه وعذابه.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

في كل ذلك، جوابه أن يقال: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

إنما يتذكر بمواعظ الله أولو العقول والبصر والمعرفة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ آنَآءَ ٱلَّيلِ ﴾ أي: ساعات الليل، و ﴿ قَانِتٌ ﴾ أي: مطيع، وأصل القنوت هو الطاعة، وقيل: القنوت: القيام، وهو القيام في الطاعة، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ دلالة جواز الإرجاء؛ لأنه لم يقطع على أحدهما دون الآخر؛ وكذلك في قوله  : ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ ، وفي قوله: ﴿ رَغَباً وَرَهَباً  ﴾ ، وفي القطع على أحدهما كفر على ما ذكرنا من قوله: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ؛ إذ المجاوزة في الخوف إياس، والمجاوزة في حد الرجاء أمن وقد ذكرنا أنه كفر.

وقوله: ﴿ قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ وجوهاً: اتقوا سخط ربكم.

أو اتقوا نقمة ربكم.

أو اتقوا مخالفة ربكم ونحوه.

وأصل التقى: ما تهلكون، أي: اتقوا مهالككم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة لهم في الآخرة.

وجائز أن يكون لهم الحسنة في الدنيا و[في] الآخرة حسنة؛ [كقوله:] ﴿ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ...

﴾ الآية: [يوسف: 109]؛ وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ  ﴾ .

ثم يحتمل الحسنة وجهاً آخر: استغفار الملائكة لهم والأنبياء - عليهم السلام - لأن الله - عز وجل - امتحن ملائكته على استغفار المؤمنين والمؤمنات؛ كقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، وكذلك امتحن رسله بالاستغفار للمؤمنين، وكذلك المؤمنون يستغفر بعضهم لبعض ونحوه.

وقوله: ﴿ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - لأن من آمن منهم بمكة كانوا يظهرون الموافقة لأعدائهم ويقيمون فيما بينهم، وكانت لهم أسباب التعيش في بلدهم ولم يكن لهم تلك في بلد غيرهم، فخافوا الضياع إذا هم خرجوا من بلدهم فيهاجروا منها إلى غير بلدهم فيمتنعون عن ذلك، فجاءت الآية على الترجي والإطماع لهم بمثل ذلك التعيش وأسبابه في غير ذلك البلد، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا  ﴾ لم يقدروا في تركهم الهجرة وإظهارهم الموافقة للأعداء، ولهم طاقة ووسع التحول من بلدهم إلى بلد غيرهم، إلا من لم يكن به طاقة الخروج من بينهم وهم الذين استثناهم وهو قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية [النساء: 98]، والله أعلم.

و[يحتمل] قوله: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، وجوهاً: أحدها: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: بغير تبعة ولا مئونة؛ كقوله: "من نوقش الحساب عذب" أو ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: لا يحاسبون؛ لا ليس وراء تلك الدار الآخرة دار أخرى يحاسبون فيها ما أعطوا في الآخرة ليس كدار الدنيا يحاسب من أوتوا فيها في الآخرة، وأما ما أعطوا في الآخرة فلا يحاسبون في غيرها.

ويحتمل ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي: غير مقدر بالحساب، ولكن أضعافاً مضاعفة.

ويحتمل ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ،أي: بلا نهاية ولا غابة، والله أعلم.

ثم الصبر: هو حبس النفس إما على أداء ما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه، أو حبسها وكفها في احتمال ما حملت من الشدائد والمصائب والمؤن العظام، احتملوا ذلك ولم يجزعوا، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ونحوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: إني أعبد الله وحده مخلصًا له العبادة، لا أعبد معه غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.XAxyK"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله