تفسير الآية ١٦ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ١٦ من سورة الزمر

لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌۭ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌۭ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 44 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٦ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم وصف حالهم في النار فقال : ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) كما قال : ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين ) [ الأعراف : 41 ] ، وقال : ( يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ) [ العنكبوت : 55 ] .

وقوله : ( ذلك يخوف الله به عباده ) أي : إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده ، لينزجروا عن المحارم والمآثم .

وقوله : ( يا عباد فاتقون ) أي : اخشوا بأسي وسطوتي ، وعذابي ونقمتي .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) يقول تعالى ذكره لهؤلاء الخاسرين يوم القيامة في جهنم: ( مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ) وذلك كهيئة الظلل المبنية من النار ( وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) يقول: ومن تحتهم من النار ما يعلوهم, حتى يصير ما يعلوهم منها من تحتهم ظللا وذلك نظير قوله جلّ ثناؤه لَهُمْ: مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ يغشاهم مما تحتهم فيها من المهاد.

وقوله: ( ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي أخبرتكم أيها الناس به, مما للخاسرين يوم القيامة من العذاب, تخويف من ربكم لكم, يخوفكم به لتحذروه, فتجتنبوا معاصيه, وتنيبوا من كفركم إلى الإيمان به, وتصديق رسوله, واتباع أمره ونهيه, فتنجوا من عذابه في الآخرة ( فَاتَّقُونِ ) يقول: فاتقوني بأداء فرائضي عليكم, واجتناب معاصيّ, لتنجوا من عذابي وسخطي.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل سمى ما تحتهم ظللا ; لأنها تظل من تحتهم ، وهذه الآية نظير قوله تعالى : لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وقوله : يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم .ذلك يخوف الله به عباده قال ابن عباس : أولياءه .

" يا عباد " أي يا أوليائي فخافون .

وقيل : هو عام في المؤمن والكافر .

وقيل : خاص بالكفار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر شدة ما يحصل لهم من الشقاء فقال: { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ } أي: قطع عذاب كالسحاب العظيم { وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } { ذَلِكَ } الوصف الذي وصفنا به عذاب أهل النار، سوط يسوق الله به عباده إلى رحمته، { يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } أي: جعل ما أعده لأهل الشقاء من العذاب داع يدعو عباده إلى التقوى، وزاجر عما يوجب العذاب.

فسبحان من رحم عباده في كل شيء، وسهل لهم الطرق الموصلة إليه، وحثهم على سلوكها، ورغبهم بكل مرغب تشتاق له النفوس، وتطمئن له القلوب، وحذرهم من العمل لغيره غاية التحذير، وذكر لهم الأسباب الزاجرة عن تركه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لهم من فوقهم ظلل من النار ) أطباق سرادقات من النار ودخانها ، ( ومن تحتهم ظلل ) فراش ومهاد من نار إلى أن ينتهي إلى القعر ، وسمى الأسفل ظللا ؛ لأنها ظلل لمن تحتهم ، نظيرها قوله - عز وجل - : " لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش " ( الأعراف - 41 ) .

( ذلك يخوف الله به عباده ياعباد فاتقون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لهم من فوقهم ظلل» طباق «من النار ومن تحتهم ظلل» من النار «ذلك يخوِّف الله به عباده» أي المؤمنين ليتقوه يدل عليه «يا عباد فاتقون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك الخاسرون لهم يوم القيامة في جهنم مِن فوقهم قطع عذاب من النار كهيئة الظُّلل المبنية، ومن تحتهم كذلك.

ذلك العذاب الموصوف يخوِّف الله به عباده؛ ليحْذَروه.

يا عباد فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب معاصيَّ.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم، أتبعه بأن أمر رسوله بأن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام: النوع الأول: قوله: ﴿ قُلْ يا عِبَادِى الذين ءامَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ ﴾ والمراد أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى، وهذا من أول الدلائل على أن الإيمان يبقى مع المعصية، قال القاضي: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم، لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط، فيقال له هذا بأن يدل على ضد قولك أولى، لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمناً مع عدم التقوى، وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان.

واعلم أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالاتقاء بين لهم ما في هذا الاتقاء من الفوائد، فقال تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ فقوله: ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ يحتمل أن يكون صلة لقوله: ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ أو لحسنة، فعلى التقدير الأول معناه للذين أحسنوا في هذه الدنيا كلهم حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، والتنكير في قوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ للتعظيم يعني حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها.

وأما على التقدير الثاني: فمعناه الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة، والقائلون بهذا القول قالوا هذه الحسنة هي الصحة والعافية، وأقول الأولى أن تحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية».

ومن الناس من قال القول الأول أولى ويدل عليه وجوه: الأول: أن التنكير في قوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ يدل على النهاية والجلالة والرفعة، وذلك لا يليق بأحوال الدنيا، فإنها خسيسة ومنقطعة، وإنما يليق بأحوال الآخرة، فإنها شريفة وآمنة من الانقضاء والانقراض والثاني: أن ثواب المحسن بالتوحيد والأعمال الصالحة إنما يحصل في الآخرة قال تعالى: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ وأيضاً فنعمة الدنيا من الصحة والأمن والكفاية حاصلة للكفار، وأيضاً فحصولها للكافر أكثر وأتم من حصولها للمؤمن، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».

وقال تعالى: ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ  ﴾ .

الثالث: أن قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ يفيد الحصر، بمعنى أنه يفيد أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا، وهذا باطل.

أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحصر، فكأن حمله على حسنة الآخرة أولى، ثم قال الله تعالى: ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ وفيه قولان الأول: المراد أنه لا عذر ألبتة للمقصرين في الإحسان، حتى إنهم إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفرة على الإحسان وصرف الهمم إليه، قل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فتحولوا من هذه البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالطاعات والعبادات، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم، وطاعة إلى طاعتهم، والمقصود منه الترغيب في الهجرة من مكة إلى المدينة والصبر على مفارقة الوطن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا  ﴾ والقول الثاني: قال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة، وذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله، ثم بين أن من اتقى فله في الآخرة الحسنة، وهي الخلود في الجنة، ثم بين أن أرض الله، أي جنته واسعة، لقوله تعالى: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ والقول الأول عندي أولى، لأن قوله: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ لا يليق إلا بالأول، وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: أما تحقيق الكلام في ماهية الصبر، فقد ذكرناه في سورة البقرة، والمراد هاهنا بالصابرين الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله تعالى.

المسألة الثانية: تسمية المنافع التي وعد الله بها على الصبر بالأجر توهم أن العمل على الثواب، لأن الأجر هو المستحق، إلا أنه قامت الدلائل القاهرة على أن العمل ليس عليه الثواب، فوجب حمل لفظ الأجر على كونه أجراً بحسب الوعد، لا بحسب الاستحقاق.

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصف ذلك الأجر بأنه بغير حساب، وفيه وجوه: الأول: قال الجبائي: المعنى أنهم يعطون ما يستحقون ويزدادون تفضلاً فهو بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا المستحق لكان ذلك حساباً، قال القاضي هذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى وصف الأجر بأنه بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا الأجر المستحق، والأجر غير التفضل الثاني: أن الثواب له صفات ثلاثة أحدها: أنها تكون دائمة الأجر لهم، وقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ معناه بغير نهاية، لأن كل شيء دخل تحت الحساب فهو متناه، فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب.

وثانيها: أنها تكون منافع كاملة في أنفسها، وعقل المطيع ما كان يصل إلى كنه ذلك الثواب، قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وكل ما يشاهدونه من أنواع الثواب وجدوه أزيد مما تصوروه وتوقعوه، وما لا يتوقعه الإنسان، فقد يقال إنه ليس في حسابه، فقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ محمول على هذا المعنى والوجه الثالث: في التأويل أن ثواب أهل البلاء لا يقدر بالميزان والمكيال، روى صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينصب الله الموازين يوم القيامة، فيؤتى أهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما به أهل البلاء من الفضل».

النوع الثاني: من البيانات أمر الله رسوله أن يذكرها قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟

ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى!

فأنزل الله، قل يا محمد إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وأقول إن التكليف نوعان: أحدهما: الأمر بالاحتراز عما لا ينبغي والثاني: الأمر بتحصيل ما ينبغي، والمرتبة الأولى مقدمة على المرتبة الثانية بحسب الرتبة الواجبة اللازمة، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قدم الأمر بإزالة ما ينبغي فقال: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ لأن التقوى هي الاحتراز عما لا ينبغي ثم ذكر عقيبه الأمر بتحصيل ما ينبغي فقال: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وهذا يشتمل على قيدين أحدهما: الأمر بعبادة الله.

الثاني: كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي، وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير، وقوله تعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ لا شبهة في أن المراد إني أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها، وفي هذه الآية فائدتان: الفائدة الأولى: كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعاً فيه وأكثرهم مداومة عليه.

الفائدة الثانية: أنه قال: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ والعبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح، فقدم ذكر الجزء الأشرف وهو قوله: ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام في خبر جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة، وهو المراد بقوله في هذه الآية: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ ﴿ أُمِرْتُ ﴾ لأنا نقول ذكر لفظ ﴿ أُمِرْتُ ﴾ أولاً في عمل القلب وثانياً في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريراً.

الفائدة الثالثة: في قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ التنبيه على كونه رسولاً من عند الله واجب الطاعة، لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ، ولما بين الله تعالى أمره بالإخلاص بالقلب وبالأعمال المخصوصة، وكان الأمر يحتمل الوجوب ويحتمل الندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال: ﴿ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجري هذا الكلام على نفسه، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، لأنه مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفاً حذراً عن المعاصي فغيره بذلك أولى.

الفائدة الثانية: دلت الآية على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب، وهذا يطابق قولنا: إن الله تعالى قد يعفو عن المذنب والكبيرة، فيكون اللازم عند حصول المعصية هو الخوف من العقاب لا نفس حصول العقاب.

الفائدة الثالثة: دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب، وذلك لأنه قال في أول الآية: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ ثم قال بعده: ﴿ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره، وذلك يقتضي أن يكون تارك الأمر عاصياً، والعاصي يترتب عليه الخوف من العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك.

النوع الثالث: من الأشياء التي أمر الله رسوله أن يذكرها قوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ فإن قيل ما معنى التكرير في قوله: ﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ ؟، قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإتيان بالعبادة، والثاني إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحداً غيره، وذلك لأن قوله: ﴿ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ لا يفيد الحصر وقوله تعالى: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحداً سواه، والدليل عليه أنه لما قال بعد: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ قال بعده: ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ﴾ ولا شبهة في أن قوله: ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ﴾ ليس أمراً بل المراد منه الزجر، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه، وخسروا أهليهم أيضاً لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة، فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده ألبتة، وقال ابن عباس: إن لكل رجل منزلاً وأهلاً وخدماً في الجنة، فإن أطاع أعطى ذلك، وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين، والخاسر المغبون، ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفظاعة فقال: ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين ﴾ كان التكرير لأجل التأكيد الثاني: أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه، وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم ليها فتنبهوا لها الثالث: أن كلمة (هو): في قوله: ﴿ هُوَ الخسران المبين ﴾ تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير في مقابلته كل خسران الرابع: وصفه بكونه (مبيناً): يدل على التهويل، وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه خسراناً مبيناً فلنبين بحسب المباحث العقلية كونه خسراناً مبيناً، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسراناً ثم كونه مبيناً أما الأول: فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة.

وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هي رأس المال والنظر، والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل علوم كسبية، فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر في رأس المال وتركيبها على الوجوه بالبيع والشراء، وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الربح، وأيضاً حصول القدرة على الأعمال يشبه رأس المال، واستعمال تلك القوة في تحصيل أعمال البر والخير يشبه تصرف التاجر في رأس المال، وحصول أعمال الخير والبر يشبه الربح، إذا ثبت هذا فنقول: إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن، ثم إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير ألبتة كان محروماً عن الربح بالكلية، وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسراناً، فهذا بيان كونه خسراناً وأما الثاني: وهو بيان كون ذلك الخسران مبيناً فهو أن من لم يربح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار، فهذا كما لم يحصل له مزيد نفع لم يحصل له أيضاً مزيد ضرر، أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم التي هي رأس مالهم في استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات، واستعملوا قواهم وقدرهم في أفعال الشر والباطل والفساد، فهم قد جمعوا بين أمور في غاية الرداءة أولها: أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلباً في تلك العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة.

وثانيها: أنهم عند الموت يضيع عنهم رأس المال من غير فائدة.

وثالثها: أن تلك المتاعب الشديدة التي كانت موجودة في الدنيا في نصرة تلك الضلالات تصير أسباباً للعقوبة الشديدة والبلاء العظيم بعد الموت، وعند الوقوف على هذه المعاني يظهر أنه لا يعقل خسران أقوى من خسرانهم، ولا حرمان أعظم من حرمانهم، ونعوذ بالله منه.

ولما شرح الله تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم، بين أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران، بل ضموا إليه استحقاق العذاب العظيم والعقاب الشديد، فقال: ﴿ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ والمراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب، ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة الجهل والحرمان والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان، فإن قيل الظلل ما على الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلل؟

والجواب من وجوه: الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ .

الثاني: أن الذي يكون تحته يكون ظلة لإنسان آخر تحته لأن النار دركات كما أن الجنة درجات والثالث: أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء، أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة.

قال الحسن هم بين طبقتين من النار لا يدرون ما فوقهم أكثر مما تحتهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ أي ذلك الذي تقدم ذكره من وصف العذاب فقوله: ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ خبر، وفي قوله: ﴿ يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ قولان الأول: التقدير ذلك العذاب المعد للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي المؤمنين، لأنا بينا أن لفظ العباد في القرآن مختص بأهل الإيمان وإنما كان تخويفاً للمؤمنين لأجل أنهم إذا سمعوا أن حال الكفار ما تقدم خافوا فأخلصوا في التوحيد والطاعة الوجه الثاني: أن هذا الكلام في تقدير جواب عن سؤال، لأنه يقال إنه تعالى غني عن العالمين منزه عن الشهوة والانتقام وداعية الإيذاء، فكيف يليق به أن يعذب هؤلاء المساكين إلى هذا الحد العظيم، وأجيب عنه بأن المقصود منه تخويف الكفار والضلال عن الكفر والضلال، فإذا كان التكليف لا يتم إلا بالتخويف والتخويف لا يكمل الانتفاع به إلا بإدخال ذلك الشيء في الوجود وجب إدخال ذلك النوع من العذاب في الوجود تحصيلاً لذلك المطلوب الذي هو التكليف، والوجه الأول عندي أقرب، والدليل عليه أنه قال بعده: ﴿ يا عِبَادِ فاتقون ﴾ وقوله: ﴿ يا عبادِ ﴾ الأظهر منه أن المراد منه المؤمنون فكأنه قيل المقصود من شرح عذاب الكفار للمؤمنين تخويف المؤمنين في أيها المؤمنون بالغوا في الخوف والحذر والتقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ﴾ أطباق من النار هي ﴿ ظُلَلٌ ﴾ لآخرين ﴿ ذلك ﴾ العذاب هو الذي يتوعد الله ﴿ بِهِ عِبَادَهُ ﴾ ويخوفهم، ليجتنبوا ما يوقعهم فيه ﴿ ياعباد فاتقون ﴾ فلا تتعرّضوا لما يوجب سخطي، وهذه عظة من الله تعالى ونصيحة بالغة.

وقرئ: ﴿ يا عبادي ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ أمْرٌ بِالإخْبارِ عَنْ إخْلاصِهِ وأنْ يَكُونَ مُخْلِصًا لَهُ دِينَهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالإخْبارِ عَنْ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ خائِفًا عَنِ المُخالَفَةِ مِنَ العِقابِ قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ ﴾ تَهْدِيدًا وخُذْلانًا لَهم.

﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ ﴾ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالضَّلالِ.

﴿ وَأهْلِيهِمْ ﴾ بِالإضْلالِ.

﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ حِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ بَدَلَ الجَنَّةِ لِأنَّهم جَمَعُوا وُجُوهَ الخُسْرانِ.

وقِيلَ: وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ.

﴿ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ مُبالَغَةٌ في خُسْرانِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِئْنافِ والتَّصْدِيرِ بِـ ألا، وتَوْسِيطِ الفَصْلِ وتَعْرِيفِ الخُسْرانِ ووَصْفِهِ بِـ المُبِينُ.

﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ﴾ شَرْحٌ لِخُسْرانِهِمْ.

﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ أطْباقٌ مِنَ النّارِ هي ظُلَلٌ لِلْآخَرِينَ.

﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ﴾ ذَلِكَ العَذابُ هو الَّذِي يُخَوِّفُهم بِهِ لِيَجْتَنِبُوا ما يُوقِعُهم فِيهِ.

﴿ يا عِبادِ فاتَّقُونِ ﴾ ولا تَتَعَرَّضُوا لِما يُوجِبُ سُخْطِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ} أطباق {مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} أطباق من النار وهي ظلل لآخرين أي النار محيطة بهم {ذلك الذي} وصف من العذاب أو ذلك الظلل {يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ} ليؤمنوا به ويجتنبوا مناهيه {يا عباد فاتقون} ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي خوّفهم بالنار ثم حذرهم نفسه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ﴾ إلى آخِرِهِ نَوْعُ بَيانٍ لِخُسْرانِهِمْ بَعْدَ تَهْوِيلِهِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ عَلى أنَّ لهم خَبَرٌ (لِظُلَلٌ)، ومن فَوْقِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِن ضَمِيرِها في الظَّرْفِ المُقَدَّمِ، لا مِنها نَفْسِها لِضَعْفِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَإ، وجَعْلُها فاعِلَ الظَّرْفِ حِينَئِذٍ إتْباعٌ لِنَظَرِ الأخْفَشِ، وهو ضَعِيفٌ، و ﴿ مِنَ النّارِ ﴾ صِفَةٌ (لِظُلَلٌ).

والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ بِهِمْ، ولِذا قِيلَ لَهُمْ، وعَبَّرَ عَمّا عَلاهم مِنَ النّارِ بِالظُّلَلِ، أيْ لَهم كائِنَةً مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ كَثِيرَةٌ مُتَراكِمَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كائِنَةً مِنَ النّارِ، ﴿ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ كائِنَةً مِنَ النّارِ أيْضًا، والمُرادُ أطْباقٌ كَثِيرَةٌ مِنها، وتَسْمِيَتُها ظُلَلًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.

وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم في طَبَقَةٍ أُخْرى مِن طَبَقاتِ النّارِ، ولا يَطَّرِدُ في أهْلِ الطَّبَقَةِ الأخِيرَةِ مِن هَؤُلاءِ الخاسِرِينَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها لِلشَّياطِينِ، ونَحْوِهِمْ مِمّا لا ذِكْرَ لَهم هُنا، وقِيلَ: إنَّ ما تَحْتَهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا، ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ العَذابُ الفَظِيعُ ﴿ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ﴾ يُذَكِّرُهُ سُبْحانَهُ لَهم بِآياتِ الوَعِيدِ لِيَخافُوا فَيَجْتَنِبُوا ما يُوقِعُهم فِيهِ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ العِبادَ بِالمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّخْوِيفِ وعَمَّمَ آخَرُونَ.

وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا عِبادِ فاتَّقُونِ ﴾ ولا تَتَعَرَّضُوا لِما يُوجِبُ سُخْطِي، ويَخْتَلِفُ المُرادُ بِالأمْرِ عَلى الوَجْهَيْنِ، كَما لا يَخْفى، وهَذِهِ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ مُنْطَوِيَةٌ عَلى غايَةِ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ.

وقُرِئَ: ”يا عِبادِي“ بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ يعني: إذا أصاب الكافر شدة في جسده، دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ يعني: مقبلاً إليه بدعائه ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ قال مقاتل يعني: أعطاه، وقال الكلبي: يعني: بدله عافية مكان البلاء نَسِيَ ترك الدعاء ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ويتضرع به، وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً يعني: يصف لله شريكاً، لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، لِيُضِلَّ بنصب الياء، وهو من ضل يضل.

يعني: ترك الهدى.

وقرأ الباقون: لِيُضِلَّ بالضم.

يعني: ليضلّ الناس.

ويقال: ليضل نفسه بعبادة غير الله، ويصرفهم عن سبيل الله.

يعني: عن دين الله قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا يعني: عش في الدنيا مع كفرك قليلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني: من أهل النار.

قوله عز وجل: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً وأصل القنوت هو القيام.

ثم سمي المصلي قانتاً، لأنه بالقيام يكون.

ومعناه: أمن هو مصل كمن لا يكون مصلياً على وجه الإضمار.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ القَانِتِ القَائِمِ» يعني: المصلي القائم.

قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، أمن بالتخفيف.

وقرأ الباقون: بالتشديد.

فمن قرأ: بالتخفيف، فقد روي عن الفراء أنه قال: معناه يا من هو قانت.

كما تقول في الكلام: فلان لا يصوم، ولا يصلي، فيا من يصلي، ويصوم، أبشر.

فكأنه قال: يا من هو قانت أبشر.

ومن قرأ: بالتشديد.

فإنَّه يريد به معنى الذي.

ومعناه: الذي هو من أصحاب النار.

فهذا أفضل أم الذي هو قانت آناء الليل.

يعني: ساعات الليل في الصلاة، ساجداً، وقائماً في الصلاة، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ يعني: يخاف عذاب الآخرة، وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ يعني: مغفرة الله تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وهم المؤمنون، وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وهم الكفار في الثواب، والطاعة.

ويقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ يعني: يصدقون بما وعد الله في الآخرة من الثواب، وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون.

ويقال: معناه قُلْ هَلْ يستوي العالم والجاهل.

فكما لا يستوي العالم والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي.

إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: يعتبر في صنعي، وقدرتي من له عقل، وذهن.

قوله عز وجل: قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: أصحاب النبيّ  ، اتَّقُوا رَبَّكُمْ يعني: اخشوا ربكم في صغير الأمور، وكبيرها، واثبتوا على التوحيد.

ثم قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ يعني: لمن عمل بالطاعة في الدنيا حسنة، له الجنة في الآخرة.

ويقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا يعني: شهدوا أن لا إله إلا الله في الدنيا حسنة.

يعني: لهم الجنة في الآخرة.

ويقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي: ثبتوا على إيمانهم فلهم الجنة.

قوله: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ قال مقاتل: يعني: الجنة واسعة.

وقال الكلبي: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ يعني: المدنية، فتهاجروا فيها.

يعني: انتقلوا إليها، واعملوا لآخرتكم، إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ يعني: هم الذين يصبرون على الطاعة لله في الدنيا، جزاؤهم، وثوابهم على الله، بِغَيْرِ حِسابٍ يعني: بلا عدد، ولا انقطاع.

وروى سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله  قال: «أنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ» .

قال سفيان لما نزل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: 160] قال النبيّ  : «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» .

فنزل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة: 261] قال: «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: 245] فقال النبيّ  : «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ فانتهى رسول الله  .

قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

صَيْحَةِ الانْتِزَاعِ، فَما أقْرَب مَا يُنْتَظَرْ، وَمَا أقلّ المكث فيما يزول ويتغيّر.

انتهى.

وقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ يُرْوَى أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في جَعْفَرِ بن أبي طالب وأصحابِهِ، حِينَ عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة «١» ، ووعد سبحانه بقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ فقولهُ: فِي هذِهِ الدُّنْيا متعلق ب أَحْسَنُوا، والمعنى: إنَّ الذين يُحْسِنُونَ في الدنيا لَهُمْ حَسَنَةٌ في الآخِرَة، وهي الجنةُ والنعيمُ قاله مقاتلٌ»

ويحتملُ أنْ يريدَ: أن الذينَ يُحْسِنُونَ لهُم حسَنَةٌ في الدنيا، وهي العافيةُ والظهورُ وولايةُ اللَّهِ تعالى قاله السُّدّيُّ «٣» ، والأَوَّلُ أرجح أن الحسَنَةَ هِي في الآخِرة.

وقوله سبحانه: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ حَضٌّ عَلى الهجرةِ، ثم وَعَدَ تعالى على الصَّبْرِ على المكارِهِ، والخروج مِنَ الوَطَنِ ونُصْرَةِ الدينِ وجميعِ الطاعات- بِتَوْفِيَةِ الأجورِ بغير حِسَابٍ، وهذا يحْتَمِلُ معنيين:

أحدهما: أن الصابرَ يؤتى أَجْرَهُ وَلاَ يحاسَبُ على نعيمٍ ولا يُتَابَعُ بذنوبٍ، ويكونُ في جملة الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب.

والثاني من المعنيين: أن أجورَ الصابرينَ توفى بغَيْرِ حَصْر وَلا عَدٍّ، بلْ جُزَافاً، وهذه استعارةٌ للكثرةِ التي لا تحصى وإلى هذا التأويلِ ذَهَبَ جمهورُ المفسرينَ، حتى قال قتادةُ:

لَيْسَ ثَمَّ واللَّهِ/ مِكْيَالٌ ولا ميزان «٤» ، وفي الحديث أَنَّهُ لما نزلت وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦١]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُفَضَّلُ عَنِ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "أمِنَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّشْدِيدِ.

فَأمّا المُشَدَّدَةُ، فَمَعْناها: أهَذا الَّذِي ذَكَرْنا خَيْرٌ، أمَّنْ هو قانِتٌ؟

والأصْلُ في "أمَّنْ": أمْ مَن، فَأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ.

وأمّا المُخَفَّفَةُ، فَفي تَقْدِيرِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى النِّداءِ.

قالَ الفَرّاءُ: فَسَّرَها الَّذِينَ قَرَؤُوا بِها فَقالُوا: يا مَنَ هو قانِتٌ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ، والعَرَبُ تَدْعُو بِالألْفِ كَما تَدْعُو بِياءٍ، فَيَقُولُونَ: يا زَيْدُ أقْبِلْ، وأزَيْدُ أقْبِلْ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ ذَكَرَ النّاسِي الكافِرَ، ثُمَّ قَصَّ قِصَّةَ الصّالِحِ بِالنِّداءِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَصُومُ ولا يُصَلِّي، فَيا مَنَ يَصُومُ أبْشِرْ.

والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَها: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن لَيْسَ بِقانِتٍ؟!

والثّالِثُ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا؟!

وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى القُنُوتِ في [البَقَرَةِ: ١١٦] ومَعْنى ﴿ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ في [آَلِ عِمْرانَ: ١١٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساجِدًا وقائِمًا ﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ.

وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّالِثُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ، وصُهَيْبٌ، وأبُو ذَرٍّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: عَذابُ الآَخِرَةِ.

وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "يُحَذِّرُ عَذابَ الآَخِرَةِ" بِزِيادَةِ "عَذابِ" .

﴿ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعُقابَ حَقٌّ ﴿ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وباقِي الآَيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في [الرَّعْدِ: ١٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في [النَّحْلِ: ٣٠] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَثَّ لَهم عَلى الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى حَيْثُ يَأْمَنُونَ.

والثّانِي: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ رَغَّبَهم فِيها.

﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ ﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما نالَهم ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ أيْ:يُعْطَوْنَ عَطاءً كَثِيرًا أوْسَعَ مِن أنْ يُحْسَبَ وأعْظَمَ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ، لا عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِينَ ﴾ ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قُلِ اللهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يَصْدَعَ لِلْكَفّارِ فِيما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ ﴾ ، أيْ: وأُمِرْتُ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَتُ لِكَيْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ عَصْرِي وزَمَنِي، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وتَنْبِيهٌ مِنهُ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ ﴾ فِعْلٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ وهو العِصْيانُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْصُومٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ، يَعُمُّهم حُكْمُهُ ويُخِيفُهم وعِيدُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلِ اللهَ أعْبُدُ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ، وإعْلامٌ بِامْتِثالِهِ كُلِّهِ لِلْأمْرِ، وهَذا كُلُّهُ نَزَلَ قَبْلَ القِتالِ؛ لِأنَّها مُوادَعاتٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ ﴾ صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِـ"إنَّ"، قَوْلُهُ ﴿ "وَأهْلِيهِمْ" ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم خَسِرُوا الأهْلَ الَّذِي كانَ يَكُونُ لَهم لَوْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَهَذا كَما لَوْ قالَ: خَسِرُوا أنْفُسَهم ونَعِيمَهُمْ، أيِ الَّذِي كانَ يَكُونُ لَهم.

وقِيلَ: أرادَ الأنْفُسَ والأهْلِينَ الَّذِينَ كانُوا في الدُنْيا؛ لِأنَّهم صارُوا في عَذابِ النارِ، لَيْسَ لَهم نُفُوسٌ مُسْتَقِرَّةٌ، ولا بَدَلٌ مَن أهْلِ الدُنْيا، ومَن في الجَنَّةِ قَدْ صارَ لَهُ إمّا أهْلُهُ وإمّا غَيْرُهُمْ، عَلى الِاخْتِلافِ فِيما يُؤَثِّرُ في ذَلِكَ، فَهو عَلى كُلِّ حالٍ لا خُسْرانَ مَعَهُ البَتَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ .

بدل اشتمال من جملة ﴿ ألا ذَلِكَ هو الخسرانُ المبينُ ﴾ [الزمر: 15]، وخص بالإِبدال لأنه أشد خسرانهم عليهم لتسلطه على إهلاك أجسامهم.

والخسران يشتمل على غير ذلك من الخزي وغضب الله واليأس من النجاة.

فضمير ﴿ لهم ﴾ عائد إلى مجموع ﴿ أنفُسَهُم وأهْلِيهِم ﴾ [الزمر: 15].

والظلل: اسم جمع ظلة، وهي شيء مرتفع من بناء أو أعواد مثل الصُّفَّة يستظل به الجالس تحته، مشتقة من الظلّ لأنها يكون لها ظِلّ في الشمس، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ في سورة [البقرة: 210]، وقوله: ﴿ وإذا غشيهم موج كالظلل ﴾ في سورة [لقمان: 32].

وهي هنا استعارة للطبقة التي تعلو أهل النار في نار جهنم بقرينة قوله: ﴿ مِنَ النَّارِ ﴾ ، شبهت بالظلة في العلوّ والغشيان مع التهكم لأنهم يتمنون ما يحجب عنهم حرّ النار فعبر عن طبقات النار بالظّلَل إشارة إلى أنهم لا واقي لهم من حر النار على نحو تأكيد الشيء بما يشبه ضده، وقوله ﴿ لهم ﴾ ترشيح للاستعارة.

وأما إطلاق الظلل على الطبقات التي تحتهم فهو من باب المشاكلة ولأن الطبقات التي تحتهم من النار تكون ظللاً لكفار آخرين لأن جهنم دركات كثيرة.

﴿ ظُلَلٌ ذلك يُخَوِّفُ الله بِهِ ﴾ .

تذييل للتهديد بالوعيد من قوله تعالى: ﴿ قُل إنَّ الخاسرين الذين خسِرُوا أنفسهم ﴾ [الزمر: 15] الآية، أو استئناف بياني بتقدير سؤال يخطر في نفس السامع لوصف عذابهم بأنه ظلل من النار من فوقهم وظلل من تحتهم أن يقول سائل: ما يقع إعداد العذاب لهم في الآخرة بعد فوات تدارك كفرهم؟

فأجيب بأن الله جعل ذلك العذاب في الآخرة لتخويف الله عباده حين يأمرهم بالاستقامة ويشرع لهم الشرائع ليعلموا أنهم إذا لم يستجيبوا لله ورسله تكون ذلك عاقبتهم.

ولما كان وعيد الله خبراً منه ولا يكون إلا صدقاً حقق لهم في الآخرة ما توعدهم به في الحياة وتخويف الله به معناه أنه يخوفهم بالإِخبار به وبوصفه، أما إذاقتهم إياه فهي تحقيق للوعيد.

ويعلم من هذا بطريق المقابلة جعل الجنة لترغيب عباده في التقوى، إلا أنه طوى ذكره لأن السياق موعظة لأهل الشرك فالله جعل الجنة وجهنم إتماماً لحكمته ومراده من نظام الحياة الدنيا ليكون الناس فيها على أكمل ما ترتقي إليه النفس الزكية.

والظاهر أن الجنة جعلها الله مسكناً لأهل النفوس المقدسة من الملائكة والناس مثل الرسل فلذلك هي مخلوقة من قبل ظهور التكليف، وأما جهنم فيحتمل أنها مقدمة وهو ظاهر حديث: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنَفَسَيْن نفس في الشتاء ونفس في الصيف».

ويحتمل أنها تخلق يوم الجزاء ويتأول الحديث.

وقوله تعالى: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما وصف من الخسران والعذاب بتأويل المذكور.

والتخويف: مصدر خوفه، إذا جعله خائفاً إذا أراه ووصف له شيئاً يثير في نفسه الخوف، وهو الشعور بما يؤلم النفس بواسطة إحدى الحواس الخمس.

والعباد المضاف إلى ضمير الجلالة في الموضعين هنا يعمّ كل عبد من الناس من مؤمن وكافر إذ الجميع يخافون العذاب على العصيان، والعذاب متفاوت وأقصاه الخلود لأهل الشرك، وليس العباد هنا مراداً به أهل القرب لأنه لا يناسب مقام التخويف ولأن قرينة قوله: ﴿ عِبَادَهُ ﴾ تدل على أن المنادَيْن جميع العباد، ففرق بينه وبين نحو ﴿ يا عبادِ لا خوف عليكم اليوم ﴾ [الزخرف: 68].

عِبَادَهُ يا عباد تفريع وتعقيب لِجملة ﴿ ذلك يُخوّفُ الله بهِ عِبَادَه ﴾ لأن التخويف مؤذن بأن العذاب أعد لأهل العصيان فناسب أن يعقب بأمر الناس بالتقوى للتفادي من العذاب.

وقدم النداء على التفريع مع أن مقتضى الظاهر تأخيره عنه كقوله تعالى: ﴿ واتقون يا أولي الألباب ﴾ في سورة [البقرة: 197] لأن المقام هنا مقام تحذير وترهيب، فهو جدير باسترعاء ألباب المخاطبين إلى ما سيرد من بعد من التفريع على التخويف بخلاف آية البقرة فإنها في سياق الترغيب في إكمال أعمال الحج والتزود للآخرة فلذلك جاء الأمر بالتقوى فيها معطوفاً بالواو.

وحذفت ياء المتكلم من قوله: ﴿ يا عِبادِ ﴾ على أحد وجوه خمسة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خَسِرُوا أنْفُسَهم بِإهْلاكِها في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ بِأنْ لا يَجِدُوا في النّارِ أهْلًا، وقَدْ كانَ لَهم في الدُّنْيا أهْلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما حَرَمُوها مِنَ الجَنَّةِ وأهْلِيهِمْ مِنَ الحُورِ العِينِ الَّذِينَ أُعِدُّوا [لَهُمْ] في الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ بِأنْ صارُوا هم بِالكُفْرِ إلى النّارِ، وصارُ أهْلُوهم بِالإيمانِ إلى الجَنَّةِ وهو مُحَتْمَلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ قال: غواش ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ قال: مهاد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن يعذب أهل النار جعل لكل إنسان منهم تابوتاً من نار على قدره ثم أقفل عليه بأقفال من نار، فلا يعرف منه عرق إلا وفيه مسمار، ثم جعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم يقفل باقفال من نار، ثم يضرم بينهما نار فلا يرى أحد منهم أن في النار غيره.

فذلك قوله: ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ وقوله: ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ [ الأعراف: 41] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ اللام هنا يجوز أن تكون زائدة أو للتعليل ويكون المفعول على هذا محذوف، فإن قيل: كيف عطف أمرت على أمرت والمعنى واحد؟

فالجواب أن الأول أمر بالعبادة والإخلاص والثاني أمر بالسبق إلى الإسلام فهما معنيان اثنيان وكذلك قوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ ليس تكراراً لقوله: ﴿ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ ، لأن الأول إخبار بأنه مأمور بالعبادة الثاني إخبار بإنه يفعل العبادة.

وقدم اسم الله تعالى للحصر واختصاص العباده به وحده ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ هذا تهديد ومبالغة في الخذلان والتخلية لهم على ما هم عليه ﴿ ظُلَلٌ ﴾ جمع ظلة بالضم، وهو ما غشي من فوق كالسقف، فقوله: ﴿ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ بيّن وأما ﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ﴾ فسماه ظلة لأنه سقف لمن تحتهم؛ فإن جهنم طبقات وقيل: سماه ظله لأنه يلتهب ويصعد من أسفلهم إلى فوقهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

يحتمل أن يكون قال هذا؛ لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله  إلى دينهم ودين آبائهم، وكانوا يطمعون عوده إليهم، فقال رسول الله  : ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ذكر هاهنا أنه أمر أن يعبد الله مخلصاً له الدين، وقال في آية أخرى ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 56]، وقال في آية أخرى: ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً...

﴾ الآية [الأنعام: 56]، أخبر أنه لو اتبع أهواءهم فيما هم فيه يضل وما كان من المهتدين، ذكر في هذه الآيات النهي وترك اتباعه أهواءهم، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة الله  مخلصاً له الدين.

أو أن يقول: إني إذا أمرتكم بعبادة الله أمرت أنا أيضاً في نفسي أن أعبده مخلصاً، لست أنا كمن يأمر غيره شيئاً ولا يأتمر بنفسه، أو هو غير مأمور بذلك وهو ما قال: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

أو يقول: لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء ويستعملونهم في أمورهم [و]لا يستعملون في ذلك أنفسهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

الخوف هاهنا ليس هو حقيقة الخوف، ولكن العلم كأنه قال: إني أعلم إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، فآيسهم بالله بالمدينة عن عوده إلى دينهم، وقطع طمعهم عنه، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ  ﴾ فأما ما داموا بمكة فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي * فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ .

إنه يخرج هذا الحرف منه مخرج التهدد لهم والتوعد، يقول: أما أنا فإنما أعبد الله الحق وله أخلص ديني، فاعبدوا أنتم ما شئتم فإنه يجزيكم جزاء عبادتكم، كقوله  : ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 40]، وذلك معروف في كلام الناس، يقول الرجل: اعمل ما شئت أو قل ما شئت فإن لك الجزاء كما تعمل؛ على الوعيد، فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل وجهاً آخر لا على الوعيد، ولكن يقول: قد بينت لكم وأوضحت السبيلين جميعاً بالآيات والحجج: سبيل النجاة الذي إذا سلكتموه نجوتم، وهو سبيل الله، وسبيل الهلاك الذي إذا سلكتموه هلكتم، وهو سبيل الشيطان، فإن أردتم النجاة فاسلكوا سبيل كذا، وإن أردتم سبيل الهلاك فاسلكوا سبيل كذا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

كناية لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار حيث قال - عز وجل -: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ ؛ ليكون لهم أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ويسلم لهم ذلك، وقد مكن لهم ذلك وهلكوا فتركوا ذلك ولم يقوها ولا أهليهم النار، قال عند ذلك: ﴿ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ألا عند ذلك يتبين لهم أنهم خسروا أنفسهم وأهليهم.

أو أنهم قد أمروا بالسعي للآخرة والعمل لها، ووعدوا إذا سعوا لها وعملوا النجاة في الآخرة والحياة الدائمة والأهل في الجنة، وإذا لم يسعوا لها ولم يعملوا خسروا أنفسهم والأهل الذين وعدوا فيها إذا سعوا وهلكت أنفسهم، ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ﴾ ألا هنالك يتبين لهم أنهم خسروا خسراناً بيناً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ .

أن يكون ما كان تحتهم من النار أن يوصف بالمهاد لهم لا بالظلل؛ كقوله  : ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ ، وكذلك في حرف ابن مسعود أنه قال: ﴿ لهم من تحتهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ذلك يخوف الله به عباده ﴾ ، والله أعلم.

لكن جائز أن يكون الظلل التي تحتهم هي ظلل لمن تحتهم، وهي لأولئك الذين فوقهم مهاد وللذين ليس تحتهم أحد مهاد أيضاً - والله أعلم - لأن النار دركات وأطباق؛ ليكون كل طبقة لمن تحتها ظلل ولمن فوقها مهاد على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر في القرآن من المواعيد يخوف الله [به] عباده.

﴿ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ﴾ .

اتقوا سخط الله ونقمته، أو اتقوا مخالفة الله، أو اتقوا المهالك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لهم من فوقهم دخان ولهب وحر، ومن تحتهم دخان ولهب وحر، ذلك المذكور من العذاب يخوِّف الله به عباده، يا عبادي، فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب نواهيَّ.

<div class="verse-tafsir" id="91.bm05q"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله