تفسير الآية ١٩ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ١٩ من سورة الزمر

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ ١٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٩ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : أفمن كتب الله أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك ؟

أي : لا يهديه أحد من بعد الله ; لأنه من يضلل الله فلا هادي له ، ومن يهده فلا مضل له .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) يعني تعالى ذكره بقوله: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ) : أفمن وجبت عليه كلمة العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره به.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ) بكفره.

وقوله: ( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أفأنت تنقذ يا محمد من هو في النار من حق عليه كلمة العذاب, فأنت تنقذه، فاستغنى بقوله: ( تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) عن هذا.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هذا مما يراد به استفهام واحد, فيسبق الاستفهام إلى غير موضعه, فيرد الاستفهام إلى موضعه الذي هو له.

وإنما المعنى والله أعلم: أفأنت تنقذ من في النار من حقَّت عليه كلمة العذاب.

قال: ومثله من غير الاستفهام: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ فردد " أنكم " مرتين.

والمعنى والله أعلم: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، ومثله قوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وكان بعضهم يستخطئ القول الذي حكيناه عن البصريين, ويقول: لا تكون في قوله: ( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) كناية عمن تقدّم, لا يقال: القوم ضربت من قام, يقول: المعنى: ألتجزئة أفأنت تُنْقذ من في النار منهم.

وإنما معنى الكلمة: أفأنت تهدي يا محمد من قد سبق له في علم الله أنه من أهل النار إلى الإيمان, فتنقذه من النار بالإيمان؟

لست على ذلك بقادر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرص على إيمان قوم وقد سبقت لهم من الله الشقاوة ، فنزلت هذه الآية .

قال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان .

وكرر الاستفهام في قوله : " أفأنت " تأكيدا لطول الكلام ، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون على ما تقدم .

والمعنى : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه .

والكلام شرط وجوابه ، وجيء بالاستفهام ليدل على التوقيف والتقرير .

وقال الفراء : المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب .

والمعنى واحد .

وقيل : إن في الكلام حذفا ، والتقدير : أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه ، وما بعده مستأنف .

وقال : أفمن حق عليه وقال في موضع آخر : " حقت كلمة العذاب " لأن الفعل إذا تقدم ووقع بينه وبين الموصوف به حائل جاز التذكير والتأنيث ، على أن التأنيث هنا ليس بحقيقي ، بل الكلمة في معنى الكلام والقول ، أي : أفمن حق عليه قول العذاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أفمن وجبت عليه كلمة العذاب باستمراره على غيه وعناده وكفره، فإنه لا حيلة لك في هدايته، ولا تقدر تنقذ من في النار لا محالة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفمن حق عليه كلمة العذاب ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : من سبق في علم الله أنه من أهل النار .

وقيل : كلمة العذاب قوله : " لأملأن جهنم " ، وقيل : قوله : " هؤلاء في النار ولا أبالي " .

( أفأنت تنقذ من في النار ) أي : لا تقدر عليه .

قال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفمن حق عليه كلمة العذاب» أي: (لأملأن جهنم) «أفأنت تنقذ» تخرج «من في النار» جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام المضمر والهمزة للإنكار، والمعنى لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفمن وجبت عليه كلمة العذاب؛ باستمراره على غيِّه وعناده، فإنه لا حيلة لك -أيها الرسول- في هدايته، أفتقدر أن تنقذ مَن في النار؟

لست بقادر على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن من أحاطت به خطيئته ، لن يستطيع أحد إنقاذه من العذاب فقال - تعالى - ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار ) .والاستفهام للنفى ، والتقدير : أفمن وجب عليه العذاب بسبب إصراره على كفره حتى النهاية ، أفتستطيع أنت - أيها الرسول الكريم - أن تنقذه من هذا المصير الأليم؟

لا - أيها الرسول الكريم - إنك لا تستطيع ذلك .

لأن من سبق عليه قضاؤنا بأنه من أهل النار ، بسبب استحبابه الكفر على الإِيمان لن تستطيع أنت أو غيرك إنقاذه منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم، أتبعه بأن أمر رسوله بأن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام: النوع الأول: قوله: ﴿ قُلْ يا عِبَادِى الذين ءامَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ ﴾ والمراد أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى، وهذا من أول الدلائل على أن الإيمان يبقى مع المعصية، قال القاضي: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم، لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط، فيقال له هذا بأن يدل على ضد قولك أولى، لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمناً مع عدم التقوى، وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان.

واعلم أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالاتقاء بين لهم ما في هذا الاتقاء من الفوائد، فقال تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ فقوله: ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ يحتمل أن يكون صلة لقوله: ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ أو لحسنة، فعلى التقدير الأول معناه للذين أحسنوا في هذه الدنيا كلهم حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، والتنكير في قوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ للتعظيم يعني حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها.

وأما على التقدير الثاني: فمعناه الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة، والقائلون بهذا القول قالوا هذه الحسنة هي الصحة والعافية، وأقول الأولى أن تحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية».

ومن الناس من قال القول الأول أولى ويدل عليه وجوه: الأول: أن التنكير في قوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ يدل على النهاية والجلالة والرفعة، وذلك لا يليق بأحوال الدنيا، فإنها خسيسة ومنقطعة، وإنما يليق بأحوال الآخرة، فإنها شريفة وآمنة من الانقضاء والانقراض والثاني: أن ثواب المحسن بالتوحيد والأعمال الصالحة إنما يحصل في الآخرة قال تعالى: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ وأيضاً فنعمة الدنيا من الصحة والأمن والكفاية حاصلة للكفار، وأيضاً فحصولها للكافر أكثر وأتم من حصولها للمؤمن، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».

وقال تعالى: ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ  ﴾ .

الثالث: أن قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ يفيد الحصر، بمعنى أنه يفيد أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا، وهذا باطل.

أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحصر، فكأن حمله على حسنة الآخرة أولى، ثم قال الله تعالى: ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ وفيه قولان الأول: المراد أنه لا عذر ألبتة للمقصرين في الإحسان، حتى إنهم إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفرة على الإحسان وصرف الهمم إليه، قل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فتحولوا من هذه البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالطاعات والعبادات، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم، وطاعة إلى طاعتهم، والمقصود منه الترغيب في الهجرة من مكة إلى المدينة والصبر على مفارقة الوطن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا  ﴾ والقول الثاني: قال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة، وذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله، ثم بين أن من اتقى فله في الآخرة الحسنة، وهي الخلود في الجنة، ثم بين أن أرض الله، أي جنته واسعة، لقوله تعالى: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ والقول الأول عندي أولى، لأن قوله: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ لا يليق إلا بالأول، وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: أما تحقيق الكلام في ماهية الصبر، فقد ذكرناه في سورة البقرة، والمراد هاهنا بالصابرين الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله تعالى.

المسألة الثانية: تسمية المنافع التي وعد الله بها على الصبر بالأجر توهم أن العمل على الثواب، لأن الأجر هو المستحق، إلا أنه قامت الدلائل القاهرة على أن العمل ليس عليه الثواب، فوجب حمل لفظ الأجر على كونه أجراً بحسب الوعد، لا بحسب الاستحقاق.

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصف ذلك الأجر بأنه بغير حساب، وفيه وجوه: الأول: قال الجبائي: المعنى أنهم يعطون ما يستحقون ويزدادون تفضلاً فهو بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا المستحق لكان ذلك حساباً، قال القاضي هذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى وصف الأجر بأنه بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا الأجر المستحق، والأجر غير التفضل الثاني: أن الثواب له صفات ثلاثة أحدها: أنها تكون دائمة الأجر لهم، وقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ معناه بغير نهاية، لأن كل شيء دخل تحت الحساب فهو متناه، فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب.

وثانيها: أنها تكون منافع كاملة في أنفسها، وعقل المطيع ما كان يصل إلى كنه ذلك الثواب، قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وكل ما يشاهدونه من أنواع الثواب وجدوه أزيد مما تصوروه وتوقعوه، وما لا يتوقعه الإنسان، فقد يقال إنه ليس في حسابه، فقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ محمول على هذا المعنى والوجه الثالث: في التأويل أن ثواب أهل البلاء لا يقدر بالميزان والمكيال، روى صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينصب الله الموازين يوم القيامة، فيؤتى أهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما به أهل البلاء من الفضل».

النوع الثاني: من البيانات أمر الله رسوله أن يذكرها قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟

ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى!

فأنزل الله، قل يا محمد إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وأقول إن التكليف نوعان: أحدهما: الأمر بالاحتراز عما لا ينبغي والثاني: الأمر بتحصيل ما ينبغي، والمرتبة الأولى مقدمة على المرتبة الثانية بحسب الرتبة الواجبة اللازمة، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قدم الأمر بإزالة ما ينبغي فقال: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ لأن التقوى هي الاحتراز عما لا ينبغي ثم ذكر عقيبه الأمر بتحصيل ما ينبغي فقال: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وهذا يشتمل على قيدين أحدهما: الأمر بعبادة الله.

الثاني: كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي، وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير، وقوله تعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ لا شبهة في أن المراد إني أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها، وفي هذه الآية فائدتان: الفائدة الأولى: كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعاً فيه وأكثرهم مداومة عليه.

الفائدة الثانية: أنه قال: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ والعبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح، فقدم ذكر الجزء الأشرف وهو قوله: ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام في خبر جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة، وهو المراد بقوله في هذه الآية: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ ﴿ أُمِرْتُ ﴾ لأنا نقول ذكر لفظ ﴿ أُمِرْتُ ﴾ أولاً في عمل القلب وثانياً في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريراً.

الفائدة الثالثة: في قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ التنبيه على كونه رسولاً من عند الله واجب الطاعة، لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ، ولما بين الله تعالى أمره بالإخلاص بالقلب وبالأعمال المخصوصة، وكان الأمر يحتمل الوجوب ويحتمل الندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال: ﴿ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجري هذا الكلام على نفسه، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، لأنه مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفاً حذراً عن المعاصي فغيره بذلك أولى.

الفائدة الثانية: دلت الآية على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب، وهذا يطابق قولنا: إن الله تعالى قد يعفو عن المذنب والكبيرة، فيكون اللازم عند حصول المعصية هو الخوف من العقاب لا نفس حصول العقاب.

الفائدة الثالثة: دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب، وذلك لأنه قال في أول الآية: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ ثم قال بعده: ﴿ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره، وذلك يقتضي أن يكون تارك الأمر عاصياً، والعاصي يترتب عليه الخوف من العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك.

النوع الثالث: من الأشياء التي أمر الله رسوله أن يذكرها قوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ فإن قيل ما معنى التكرير في قوله: ﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ ؟، قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإتيان بالعبادة، والثاني إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحداً غيره، وذلك لأن قوله: ﴿ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ لا يفيد الحصر وقوله تعالى: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحداً سواه، والدليل عليه أنه لما قال بعد: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ قال بعده: ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ﴾ ولا شبهة في أن قوله: ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ﴾ ليس أمراً بل المراد منه الزجر، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه، وخسروا أهليهم أيضاً لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة، فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده ألبتة، وقال ابن عباس: إن لكل رجل منزلاً وأهلاً وخدماً في الجنة، فإن أطاع أعطى ذلك، وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين، والخاسر المغبون، ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفظاعة فقال: ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين ﴾ كان التكرير لأجل التأكيد الثاني: أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه، وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم ليها فتنبهوا لها الثالث: أن كلمة (هو): في قوله: ﴿ هُوَ الخسران المبين ﴾ تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير في مقابلته كل خسران الرابع: وصفه بكونه (مبيناً): يدل على التهويل، وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه خسراناً مبيناً فلنبين بحسب المباحث العقلية كونه خسراناً مبيناً، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسراناً ثم كونه مبيناً أما الأول: فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة.

وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هي رأس المال والنظر، والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل علوم كسبية، فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر في رأس المال وتركيبها على الوجوه بالبيع والشراء، وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الربح، وأيضاً حصول القدرة على الأعمال يشبه رأس المال، واستعمال تلك القوة في تحصيل أعمال البر والخير يشبه تصرف التاجر في رأس المال، وحصول أعمال الخير والبر يشبه الربح، إذا ثبت هذا فنقول: إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن، ثم إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير ألبتة كان محروماً عن الربح بالكلية، وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسراناً، فهذا بيان كونه خسراناً وأما الثاني: وهو بيان كون ذلك الخسران مبيناً فهو أن من لم يربح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار، فهذا كما لم يحصل له مزيد نفع لم يحصل له أيضاً مزيد ضرر، أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم التي هي رأس مالهم في استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات، واستعملوا قواهم وقدرهم في أفعال الشر والباطل والفساد، فهم قد جمعوا بين أمور في غاية الرداءة أولها: أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلباً في تلك العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة.

وثانيها: أنهم عند الموت يضيع عنهم رأس المال من غير فائدة.

وثالثها: أن تلك المتاعب الشديدة التي كانت موجودة في الدنيا في نصرة تلك الضلالات تصير أسباباً للعقوبة الشديدة والبلاء العظيم بعد الموت، وعند الوقوف على هذه المعاني يظهر أنه لا يعقل خسران أقوى من خسرانهم، ولا حرمان أعظم من حرمانهم، ونعوذ بالله منه.

ولما شرح الله تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم، بين أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران، بل ضموا إليه استحقاق العذاب العظيم والعقاب الشديد، فقال: ﴿ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ والمراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب، ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة الجهل والحرمان والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان، فإن قيل الظلل ما على الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلل؟

والجواب من وجوه: الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ .

الثاني: أن الذي يكون تحته يكون ظلة لإنسان آخر تحته لأن النار دركات كما أن الجنة درجات والثالث: أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء، أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة.

قال الحسن هم بين طبقتين من النار لا يدرون ما فوقهم أكثر مما تحتهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ أي ذلك الذي تقدم ذكره من وصف العذاب فقوله: ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ خبر، وفي قوله: ﴿ يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ قولان الأول: التقدير ذلك العذاب المعد للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي المؤمنين، لأنا بينا أن لفظ العباد في القرآن مختص بأهل الإيمان وإنما كان تخويفاً للمؤمنين لأجل أنهم إذا سمعوا أن حال الكفار ما تقدم خافوا فأخلصوا في التوحيد والطاعة الوجه الثاني: أن هذا الكلام في تقدير جواب عن سؤال، لأنه يقال إنه تعالى غني عن العالمين منزه عن الشهوة والانتقام وداعية الإيذاء، فكيف يليق به أن يعذب هؤلاء المساكين إلى هذا الحد العظيم، وأجيب عنه بأن المقصود منه تخويف الكفار والضلال عن الكفر والضلال، فإذا كان التكليف لا يتم إلا بالتخويف والتخويف لا يكمل الانتفاع به إلا بإدخال ذلك الشيء في الوجود وجب إدخال ذلك النوع من العذاب في الوجود تحصيلاً لذلك المطلوب الذي هو التكليف، والوجه الأول عندي أقرب، والدليل عليه أنه قال بعده: ﴿ يا عِبَادِ فاتقون ﴾ وقوله: ﴿ يا عبادِ ﴾ الأظهر منه أن المراد منه المؤمنون فكأنه قيل المقصود من شرح عذاب الكفار للمؤمنين تخويف المؤمنين في أيها المؤمنون بالغوا في الخوف والحذر والتقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أصل الكلام: أمّن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أوّلها للعطف على محذوف يدلّ عليه الخطاب، تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حقّ عليه العذاب فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى، كرّرت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع ﴿ مَن فِي النار ﴾ موضع الضمير، فالآية على هذا جملة واحدة.

ووجه آخر: وهو أن تكون الآية جملتين: أفمن حق عليه العذاب فأنت تخلّصه؟

﴿ أفأنت تنقذ من في النار ﴾ وإنما جاز حذف: فأنت تخلصه؛ لأن ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ ﴾ يدل عليه: نزل استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار، حتى نزّل اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكدّه نفسه في دعائهم إلى الإيمان في منزلة إنقاذهم من النار.

وقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ ﴾ يفيد أنّ الله تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ من النار وحده، لا يقدر على ذلك أحد غيره، فكما لا تقدر أنت أن تنقد الداخل في النار من النار، لا تقدر أن تخلصه مما هو فيه من استحقاق العذاب بتحصيل الإيمان فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ ﴾ البالِغَ غايَةَ الطُّغْيانِ فَعَلُوتٌ مِنهُ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ بُنِيَ لِلْمُبالَغَةِ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ، ثُمَّ وصَفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّعْتِ ولِذَلِكَ اخْتُصَّ بِالشَّيْطانِ.

﴿ أنْ يَعْبُدُوها ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ.

﴿ وَأنابُوا إلى اللَّهِ ﴾ وأقْبَلُوا إلَيْهِ بِشَراشِرِهِمْ عَمّا سِواهُ.

﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ بِالثَّوابِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوِ المَلائِكَةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.

﴿ فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ وضَعَ فِيهِ الظّاهِرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا لِلدَّلالَةِ عَلى مَبْدَأِ اجْتِنابِهِمْ وأنَّهم نُقّادٌ في الدِّينِ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ويُؤْثِرُونَ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ﴾ لِدِينِهِ.

﴿ وَأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ ﴾ العُقُولِ السَّلِيمَةِ عَنْ مُنازَعَةِ الوَهْمِ والعادَةِ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الهِدايَةَ تَحْصُلُ بِفِعْلِ اللَّهِ وقَبُولِ النَّفْسِ لَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النار} أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب أى وجب أفانت تنقذه جملة شرطية دخلت عليها همزة الانكار والفاء فاء الجزاء ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف تقديره أأنت مالك أمرهم فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الانكار ووضع مَن فِى النار موضع الضمير أي تنقذه فالآية على هذا جملة واحدة أو معناه أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه أفأنت تنقذه أي لا يقدر أحد أن ينقذ من أضله الله وسبق في علمه أنه من أهل النار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ ﴾ بَيانٌ لِأضْدادِ المَذْكُورِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ وهم عَبَدَةُ الطّاغُوتِ، ومُتَّبِعُو خُطُواتِها كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَإنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ ، والآيَةُ عَلى ما قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، ومَن شَرْطِيَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ وجَوابُ الشَّرْطِ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، والهَمْزَةُ قَبْلَهُ لِاسْتِطالَةِ الكَلامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: لَقَدْ عَلِمَ الحِزْبُ اليَمانُونَ أنَّنِي إذا قُلْتُ أمّا بَعْدُ أنِّي خَطِيبُها لِأنَّ دُخُولَ الهَمْزَةِ في الجَوابِ أوِ الشَّرْطِ كافٍ، تَقُولُ: أإنْ أكْرَمَكَ تُكْرِمْهُ، كَما تَقُولُ: إنْ أكْرَمَكَ أتُكْرِمُهُ؟

ولا تُكَرِّرُها فِيهِما، إلّا لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ أعْنِي الشَّرْطَ والجَزاءَ بَعْدَ دُخُولِ الأداةِ مُفْرَدانِ، والِاسْتِفْهامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى مَضامِينِ الجُمَلِ، إذا كانَ المَطْلُوبُ تَصْدِيقًا، والإنْكارُ المُفادُ بِالهَمْزَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ في المَعْطُوفِ إنْكارُ الجَزاءِ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكٌ أمْرَ النّاسِ قادِرٌ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ؟

فَمِن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟

عَلى مَعْنى لَسْتَ أنْتَ مالِكَ أمْرِ النّاسِ، ولا أنْتَ تَقْدِرُ عَلى الإنْقاذِ، بَلِ المالِكُ والقادِرُ عَلى الإنْقاذِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعُدِلَ عَنْ: فَأنْتَ تُنْقِذُهُ، إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِمَزِيدِ تَشْدِيدِ الإنْكارِ، والِاسْتِبْعادِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ نَزَلَ اسْتِحْقاقُهم لِلْعَذابِ، وهم في الدُّنْيا المُشْعِرُ بِهِ الشَّرْطُ مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ، وأنَّهُ مَثَّلَ حالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ، والِاجْتِهادِ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها.

وفي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ نَقْلًا عَنِ السَّعْدِ: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعارَةً لا يَعْرِفُها إلّا فُرْسانُ البَيانِ، وهي الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ المَكْنِيَّةُ، لِأنَّهُ نَزَّلَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن ﴾ إلَخْ، مِنَ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ في الآخِرَةِ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَنْزِيلًا بَذَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جُهْدَهُ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ الَّذِي هو مِن مُلائِماتِ دُخُولِ النّارِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ عَرَفْتُ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ قَرِينَةَ المَكْنِيَّةِ قَدْ تَكُونُ تَحْقِيقِيَّةً كَما في نَقْضِ العَهْدِ، انْتَهى، فَتَأمَّلْ.

وقِيلَ: إنَّ النّارَ مَجازٌ عَنِ الضَّلالِ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والإنْقاذُ بَدَلُ الهِدايَةِ مِن تَرْشِيحِ المَجازِ، أوْ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ لِلْإيمانِ والطّاعَةِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا وجُمْلَةُ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةً لِلْجُمْلَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.

ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ في أنَّ الفاءَ في الأُولى لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، ولا في كَوْنِ المَعْنى عَلى تَنْزِيلِ اسْتِحْقاقِ العَذابِ، وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةُ دُخُولِهِمُ النّارَ وتَمْثِيلُ حالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها، نَعَمِ الكَلامُ عَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ، وعَلى الثّانِي جُمْلَتانِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ ﴿ مِن ﴾ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وحُكِيَ أنَّ مِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ الأخِيرَ أوْلى، وذُكِرَ أنَّ النُّحاةَ عَلى أنَّ الفاءَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ، ومَوْضِعَها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، وقالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما في مَكانِهِ قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما عَلِمْنا، وفي المُغْنِي: تَرْجِيحُ القَوْلِ بِأنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، وعَلَيْهِ يُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: ما أنْتَ مالِكَ أمْرِهِمْ، أوْ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ كُلُّ كافِرٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذابِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُناسِبُ المَعْنى المُرادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ يعني: إذا أصاب الكافر شدة في جسده، دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ يعني: مقبلاً إليه بدعائه ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ قال مقاتل يعني: أعطاه، وقال الكلبي: يعني: بدله عافية مكان البلاء نَسِيَ ترك الدعاء ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ويتضرع به، وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً يعني: يصف لله شريكاً، لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، لِيُضِلَّ بنصب الياء، وهو من ضل يضل.

يعني: ترك الهدى.

وقرأ الباقون: لِيُضِلَّ بالضم.

يعني: ليضلّ الناس.

ويقال: ليضل نفسه بعبادة غير الله، ويصرفهم عن سبيل الله.

يعني: عن دين الله قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا يعني: عش في الدنيا مع كفرك قليلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني: من أهل النار.

قوله عز وجل: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً وأصل القنوت هو القيام.

ثم سمي المصلي قانتاً، لأنه بالقيام يكون.

ومعناه: أمن هو مصل كمن لا يكون مصلياً على وجه الإضمار.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ القَانِتِ القَائِمِ» يعني: المصلي القائم.

قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، أمن بالتخفيف.

وقرأ الباقون: بالتشديد.

فمن قرأ: بالتخفيف، فقد روي عن الفراء أنه قال: معناه يا من هو قانت.

كما تقول في الكلام: فلان لا يصوم، ولا يصلي، فيا من يصلي، ويصوم، أبشر.

فكأنه قال: يا من هو قانت أبشر.

ومن قرأ: بالتشديد.

فإنَّه يريد به معنى الذي.

ومعناه: الذي هو من أصحاب النار.

فهذا أفضل أم الذي هو قانت آناء الليل.

يعني: ساعات الليل في الصلاة، ساجداً، وقائماً في الصلاة، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ يعني: يخاف عذاب الآخرة، وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ يعني: مغفرة الله تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وهم المؤمنون، وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وهم الكفار في الثواب، والطاعة.

ويقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ يعني: يصدقون بما وعد الله في الآخرة من الثواب، وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون.

ويقال: معناه قُلْ هَلْ يستوي العالم والجاهل.

فكما لا يستوي العالم والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي.

إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: يعتبر في صنعي، وقدرتي من له عقل، وذهن.

قوله عز وجل: قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: أصحاب النبيّ  ، اتَّقُوا رَبَّكُمْ يعني: اخشوا ربكم في صغير الأمور، وكبيرها، واثبتوا على التوحيد.

ثم قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ يعني: لمن عمل بالطاعة في الدنيا حسنة، له الجنة في الآخرة.

ويقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا يعني: شهدوا أن لا إله إلا الله في الدنيا حسنة.

يعني: لهم الجنة في الآخرة.

ويقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي: ثبتوا على إيمانهم فلهم الجنة.

قوله: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ قال مقاتل: يعني: الجنة واسعة.

وقال الكلبي: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ يعني: المدنية، فتهاجروا فيها.

يعني: انتقلوا إليها، واعملوا لآخرتكم، إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ يعني: هم الذين يصبرون على الطاعة لله في الدنيا، جزاؤهم، وثوابهم على الله، بِغَيْرِ حِسابٍ يعني: بلا عدد، ولا انقطاع.

وروى سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله  قال: «أنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ» .

قال سفيان لما نزل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: 160] قال النبيّ  : «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» .

فنزل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة: 261] قال: «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: 245] فقال النبيّ  : «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ فانتهى رسول الله  .

قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ بَعْدَ ذلِكَ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: ٢٤٥] فقال: «اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي» حتى نزلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ، قال: «رَضِيتُ يَا رَبِّ» .

وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ من المعلوم أنه ع معصومٌ من العِصْيَانِ، وإنما الخطابُ بالآيةِ لأِمَّتِهِ يَعُمُّهُمْ حكمُهُ، ويحفُّهم وعيدُهُ.

وقوله: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ هذه صيغةُ أَمْرٍ على جِهَةِ التهْدِيدِ، وهذا في القرآنِ كثيرٌ، و «الظُّلَّة» ما غَشِيَ وعَمَّ كالسَّحَابَةِ وَسَقْفِ البيت، ونحوِه.

[وقوله سبحانه: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يريد: جميع العالم] .

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ...

الآية، قال ابن زيد: إن سببَ نزولِها زيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ وأبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ، والإشارةُ إليهم «١» .

ت: سُلَيْمَانُ إنما أسلم بالمدينةِ، فَيَلْزَمُ على هذا التأويلِ أن تكونَ الآيةُ مدنيةً، وقال ابن إسْحَاق: الإشَارةُ بِها إلى عَبْدِ الرحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلك أنه لما أسْلم أَبو بَكْرٍ سَمِعُوا ذلك فَجَاؤُوهُ، فقالوا:

أَأَسْلَمْتَ؟

قال: نَعَمْ وذَكَّرَهُمْ باللَّه سبحانه، فآمَنُوا بأجمعهم، فنزلَتْ فيهم هذه الآية، وهي على كلِّ حالٍ عامَّةٌ في الناس إلى يوم القيامة يتناولهم حكمها، والطَّاغُوتَ: كل ما عبد من دون الله.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ: كَلاَمٌ عامٌّ في جميع الأقوال، والمَقْصِدُ الثناءُ على هؤلاءِ في نفوذِ بصائرهم، وقوام نَظَرِهِم، حتى إنهم إذا سمعوا قولاً مَيَّزوه واتبعوا أحْسَنه، قال أبو حيَّان «٢» : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ صفةٌ/ ل عِبادِ، وقيلَ: الوَقْفُ على عباد، وَالَّذِينَ مبتدأٌ خبره أُولئِكَ وما بعده، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟!

ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ فَتَأْخُذَ بِها؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.

﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .

﴿ قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ ﴾ ، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.

﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿ أهْلِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ.

وإنَّما قالَ: ﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ﴾ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.

وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنابُوا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿ فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.

ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ.

ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ ﴾ هَذِهِ صِفَةُ حالِ أهْلِ جَهَنَّمَ، و"الظُلَّةُ": ما غَشِيَ وغَمَّ كالسَحابَةِ وسَقْفِ البَيْتِ ونَحْوِهِ، فَأمّا ما فَوْقَهم فَكَوْنُهُ ظُلَّةً بَيِّنٌ، وأمّا ما تَحْتَهُمْ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ ظُلَّةً لِأنَّهُ يَتَلَهَّبُ، ويَصْعَدُ مِمّا تَحْتَهم شَيْءٌ كَثِيرٌ ولَهَبٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهم شَيْءٌ لَكَفى فَرْعُ الَّذِي تَحْتَهم في أنْ يَكُونَ ظُلَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: جَعَلَ ما تَحْتَهم ظُلَّةً، لِأنَّهُ فَوْقَ آخَرِينَ، وهَكَذا هي حالُهم إلّا الطَبَقَةَ الأخِيرَةَ الَّتِي في القَعْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "عِبادَهُ" ﴾ يُرِيدُ جَمِيعَ العالَمِ، خَوَّفَهُمُ اللهُ النارَ وحَذَّرَهم مِنها، فَمَن هُدِيَ وآمَنَ نَجا، ومَن كَفَرَ حَصَلَ فِيما خَوَّفَ مِنهُ.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ يا عِبادِ ﴾ ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطاغُوتَ ﴾ الآيَةَ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وأبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ، والإشارَةُ إلَيْهِمْ.

وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاؤُوهُ فَقالُوا: أسْلَمْتَ؟

قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللهِ فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، وهي عَلى كُلِّ حالٍ عامَّةٌ في الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يَتَناوَلُهم حُكْمُها.

و"الطاغُوتُ" كُلُّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، و"الطاغُوتُ" أيْضًا الشَيْطانُ، وبِهِ فَسَّرَ هَنا مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وأوقَعَهُ هُنا عَلى جَماعَةِ الشَياطِينِ، ولِذَلِكَ أنَّثَ الضَمِيرَ في ﴿ "يَعْبُدُوها".

﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ كَلامٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، وإنَّما القَصْدُ الثَناءُ عَلى هَؤُلاءِ بِبَصائِرَ هي لَهم وقِوامٍ في نَظَرِهِمْ، حَتّى أنَّهم إذا سَمِعُوا قَوْلًا مَيَّزُوهُ واتَّبَعُوا أحْسَنَهُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في العِبارَةِ عن هَذا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أحْسَنُ القَوْلِ كِتابُ اللهِ تَعالى، أيْ إذا سَمِعُوا الأقاوِيلَ وسَمِعُوا القُرْآنَ اتَّبَعُوا القُرْآنَ،وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "القَوْلُ" هو القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ ما فِيهِ مِن عَفْوٍ وصَفْحٍ واحْتِمالٍ عَلى صَبْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللهِ تَعالى، وهَذِهِ أمْثِلَةٌ وما قُلْناهُ أوَّلًا يَعُمُّها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أفاد الحصر في قوله: ﴿ لهُم البشرى ﴾ [الزمر: 17] والحصران اللذان في قوله: ﴿ أُولئِكَ الذينَ هداهُم الله وأُولئِكَ هم أُولوا الألبابِ ﴾ [الزمر: 18] أنّ من سواهم وهم المشركون لا بشرى لهم ولم يهدهم الله ولا ألباب لهم لعدم انتفاعهم بعقولهم، وكان حاصل ذلك أن المشركين محرومون من حسن العاقبة بالنعيم الخالد لحرمانهم من الطاعة التي هي سببه فُرع على ذلك استفهام إنكاري مفيد التنبيه على انتفاء الطماعية في هداية الفريق الذي حقت عليه كلمة العذاب، وهم الذين قُصد إقصاؤهم عن البشرى، والهدايةِ والانتفاععِ بعقولهم، بالقصر المصوغة عليه صِيَغ القصر الثلاث المتقدمة كما أشرنا إليه.

وقَد جاء نظم الكلام على طريقة مبتكرة في الخبر المهتم به بأن يؤكد مضمونه الثابت للخبر عنه، بإثبات نقيضضِ أو ضدِّ ذلك المضمون لضد المخبر عنه ليتقرر مضمون الخبر مرتين مرةً بأصله ومرة بنقيضه أو ضده، لضد المخبر عنه كقوله تعالى: ﴿ هذا وإن للطاغين لشر مئاب ﴾ [ص: 55] عَقب قوله: ﴿ هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب ﴾ [ص: 49].

ويكثر أن يقع ذلك بعد الإِتيان باسم إشارة للخبر المتقدم كما في الآية المذكورة أو للمخبر عنه كما في هذه السورة في قوله آنفاً: ﴿ أُولئِكَ الذين هداهُم الله ﴾ [الزمر: 18] فإنه بعد أن أشير إلى الموصوفين مرتين فرع عليه بعده إثبات ضد حكمهم لمن هم متصفون بضد حالهم.

وبهذا يَظهر حسن موقع الفاء لتفريع هذه الجملة على جملة ﴿ أُولئك الذين هداهم الله وأُولئك هم أُولوا الألبابِ ﴾ [الزمر: 18] لأن التفريع يقتضي اتصالاً وارتباطاً بين المفرَّع والمفرّع عليه وذلك، كالتفريع في قول لبيد: أفتلك أم وحشيةٌ مَسْبُوعَة *** خَذَلت وهاديةُ الصِوار قِوامها إذ فَرَّع تشبيهاً على تشبيه لاختلاف المشبه بهما.

وكلمة ﴿ العذَابِ ﴾ كلام وعيد الله إياهم بالعذاب في الآخرة.

ومعنى ﴿ حَقَّ ﴾ تحققت في الواقع، أي كانت كلمة العذاب المتوعَّد بها حقّاً غير كذب، فمعنى ﴿ حَقَّ ﴾ هنا تحقق، وحَقّ كلمة العذاب عليهم ضد هدي الله الآخرين، وكونُهم في النار ضد كون الآخرين لهم البشرى، وترتيبُ المتضادْين جرى على طريقة شِبه اللف والنشر المعكوس، نظير قوله تعالى: ﴿ ختم اللَّه على قلوبهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ [البقرة: 6، 7] بعد قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ [البقرة: 4، 5]، فإن قوله: ﴿ ختم اللَّه على قلوبهم ﴾ ضد لقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ وقوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ضد قوله: أولئك هم المفلحون ﴾ .

و (مَن) من قوله تعالى: ﴿ أفَمن حقَّ عليهِ كلمةُ العذَابِ ﴾ روي عن ابن عباس أن المراد بها أبو لهب وولدُه ومن تخلف عن الإِيمان من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون (مَنْ) مبتدأ حذف خبره.

والتقدير: تنقذه من النار، كما دل عليه ما بعده وتكون جملة ﴿ أفأنت تُنقِذُ من في النَّار ﴾ تذييلاً، أي أنت لا تنقذ الذين في النار.

والهمزة للاستفهام الإِنكاري، والهمزة الثانية كذلك.

وإحدَاهما تأكيد للأخرى التي قبلها للاهتمام بشأن هذا الاستفهام الإِنكاري على نحو تكرير (أَنَّ) في قول قس بن ساعدة: لقد علم الحَي اليمانُون أنني إذ قلت: أمّا بعد، أَني خطيبها والذي درج عليه صاحب «الكشاف» وتبعه شارحوه أن (مَن) في قوله: ﴿ أفَمَنْ حَقَّ علَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ ﴾ شرطية، بناء على أن الفاء في قوله: ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ يحسن أن تكون لمعنى غيرِ معنى التفريع المستفاد من التي قبلها وإلا كانت مؤكدة للأولى وذلك ينقص معنىً من الآية.

ويجوز أن تكون (مَن) الأولى موصولة مبتدأً وخبرُه ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ ، وتكون الفاء في قوله: ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ مؤكدة للفاء الأولى في قوله: ﴿ أفَمَنْ حَقَّ ﴾ الخ فتكون الهمزة والفاء معاً مؤكدتين للهمزة الأولى والفاءِ التي معها لاتصالهما، ولأن جملة ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ ﴾ صادقة على ما صدقت عليه جملة ﴿ أفَمَن حقَّ عليهِ كلِمَةُ العذَابِ ﴾ ، ويكون الاستفهام الإِنكاري جارياً على غالب استعماله من توجهه إلى كلام لا شرط فيه.

وأصل الكلام على اعتبار (مَن) شرطية: أَمَن تَحْقُق عليه كلمة العذاب في المستقبل، فأنت لا تنقذه منه فتكون همزة ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ للاستفهام الإنكاري وتكون همزة ﴿ أفَمَن حقَّ عليه كلِمَةُ العَذَابِ ﴾ افتُتح بها الكلام المتضمن الإِنكار للتنبيه من أول الأمر على أن الكلام يتضمن إنكاراً، كما أن الكلام الذي يشتمل على نفي قد يفتتحونه بحرف نفي قبل أن ينطقوا بالنفي كما في قول مسلم بن معبد الوالبي من بني أسد: فلاَ والله لا يُلفَى لما بي *** ولا لِما بهم أبداً دَواء ويفيد ذكرها توكيدَ مُفاد همزة الإِنكار إفادةً تبعية.

وأصل الكلام على اعتبار (مَن) الأولى موصولة: الذين تَحِقّ عليهم كلمة العذاب أنت لا تنقذهم من النار، فتكون الهمزة في قوله: ﴿ أفَمَن حقَّ عليه كلِمَةُ العَذَابِ ﴾ للاستفهام الإِنكاري وتكون همزة ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ تأكيداً للهمزة الأولى.

و ﴿ مَن ﴾ من قوله: ﴿ مَن في النَّارِ ﴾ موصولة.

و ﴿ مَن في النَّارِ ﴾ هم من حقّ عليهم كلمة العذاب لأن كلمة العذاب هي أن يكونوا من أهل النار فوَقَع إظهار في مقام الإِضمار، والأصل: «أفأنْتَ تُنقِذُه مَن النَّارِ».

وفائدة هذا الإِظهار تهويل حالتهم لما في الصلة من حَرف الظرفية المصوِّر لحالة إحاطة النار بهم، أي أفأنت تريد إنقاذهم من الوقوع في النار وهم الآن في النار لأنه محقق مصيرهم إلى النار، فشبه تحقق الوقوع في المستقبل بتحققه في الحال.

وقد صرح بمثل هذا الخبر المحذوف في قوله تعالى: ﴿ أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة ﴾ في سورة [فصلت: 40] وقوله: ﴿ أفمن يمشي مُكِباً على وجهِهِ أهدى أمَّن يَمشي سَوياً على صِراطٍ مُستَقيم ﴾ في سورة [الملك: 22].

والاستفهام تقريري كناية عن عدم التساوي بين هذا وبين المؤمن.

وكلمة ﴿ العَذَابِ ﴾ هي كلام الله المقتضي أن الكافر في العذاب، أي تقديرُ الله ذلك للكافر في وعيده المتكرر في القرآن.

وتجريد فعل ﴿ حَقَّ ﴾ من تاء التأنيث مع أن فاعله مؤنث اللفظ وهو ﴿ كلمة ﴾ ، لأن الفاعل اكتسب التذكير مما أضيف هو إليه نظراً لإِمكان الاستغناء عن المضاف بالمضاف إليه، فكأنه قيل: أفمن حق عليه العذاب.

وفائدة إقحام ﴿ كَلِمَةُ ﴾ الإِشارة إلى أن ذلك أمر الله ووعيده.

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ ﴾ مفيد لتقوّي الحكم وهو إنكار أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بتكرير دعوته يخلصهم من تحقق الوعيد أو يُحصل لهم الهداية إذا لم يقدرها الله لهم.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تهويناً عليه بعض حرصه على تكرير دعوتهم إلى الإِسلام، وحزنَه على إعراضهم وضلالهم، وإلا فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يظن أنه ينقذهم من وعيد الله، ولذلك اجتلب فعل الإِنقاذ هنا تشبيهاً لحال النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على هدْيهم وبلوغ جهده في إقناعهم بتصديق دعوته، وحالِهم في انغماسهم في موجبات وعيدهم بحال من يحاول إنقاذ ساقط في النار قد أحاطت النار بجوانبه استحقاقاً قضى به من لا يُردّ مرادُه، فحالهم تشبه حال وقوعهم في النار من الآن لتحقق وقوعه، وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها، ورمز إلى معناه بذكر شيء من ملائمات ذلك المركب المحذوف وهو فعل ﴿ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ الذي هو من ملائمات وقوعهم في النار على طريقة التمثيل بالمكنية، أيْ إجراء الاستعارة المكنية في المركب، ويكون قوله: ﴿ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ قرينة هذه المكنية وهو في ذاته استعارة تحقيقية كما في قوله تعالى: ﴿ ينقضون عهد اللَّه ﴾ [البقرة: 27].

وهذا مما أشار إليه «الكشاف» وبينه التفتزاني فيُعدّ من مبتكرات دقائق أنظارهما، وبه يتم تقسيم الاستعارة التمثيلية إلى قسمين مصرحة ومكنية.

وذلك كان مغفولاً عنه في علم البيان وبهذا تعلم أن الإِنقاذ أطلق على الإِلحاح في الإِنذار من إطلاق اسم المُسبب على السبب، وأن مَن في النار مَن هو صائر إلى النار، فلا متمسك للمعتزلة في الاستدلال بالآية على نفي الشفاعة المحمدية لأهل الكبائر؛ على أننا لو سلمنا أن الآية مسوقة في غرض الشفاعة فإنما نفت الشفاعة لأهل الشرك لأن مَن في النار يحتمل العهد وهم المتحدث عنهم في هذه الآية.

ولا خلاف في أن المشركين لا شفاعة فيهم قال تعالى: ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ [المدثر: 48]، على أن المنفي هو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم منقذاً لمن أراد الله عدمَ إنقاذه، فأما الشفاعة فهو سؤال الله أن ينقذه.

وقد اشتملت هذه الآية على نكت بديعة من الإِعجاز إذ أفادت أن هذا الفريق من أهل الشرك الذين يكمن الكفر في قلوبهم حقت عليهم كلمة الله بتعذيبهم فهم لا يؤمنون، وأن حالهم الآن كحال من وقع في النار فهو هالك لا محالة، وحال النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على هديهم كحال من رأى ساقطاً في النار فاندفع بدافع الشفقة إلى محاولة إنقاذه ولكنه لا يستطيع ذلك فلذلك أنكرت شدة حرصه على تخليصهم فكان إيداع هذا المعنى في جملتين نهاية في الإِيجاز مع قرنه بما دَل عليه تأكيد الهمزة والفاء في الجملة الثانية من الإِطناب في مقام الصراحة.

ثم بما أودع في هاتين الجملتين من الاستعارة التمثيلية العجيبة بطريق المكنية ومن الاستعارة المصرحة في قرينة المكنية.

وحاصل نظم هذا التركيب: أفمن حقّ عليه كلمة العذاب فهو في النار أفأنت تنقذه وتنقذ من في النار.

وقد أشار إلى هذه الحالة الممثلة في هذه الآية حديث أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله جعل الفَراش وهذه الدوابُ التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلِبْنَه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحُجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خَسِرُوا أنْفُسَهم بِإهْلاكِها في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ بِأنْ لا يَجِدُوا في النّارِ أهْلًا، وقَدْ كانَ لَهم في الدُّنْيا أهْلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما حَرَمُوها مِنَ الجَنَّةِ وأهْلِيهِمْ مِنَ الحُورِ العِينِ الَّذِينَ أُعِدُّوا [لَهُمْ] في الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ بِأنْ صارُوا هم بِالكُفْرِ إلى النّارِ، وصارُ أهْلُوهم بِالإيمانِ إلى الجَنَّةِ وهو مُحَتْمَلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ﴾ قال: نزلت هاتان الآيتان في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله.

في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان سعيد بن زيد، وأبو ذر، وسلمان، يتبعون في الجاهلية أحسن القول، وأحسن القول والكلام لا إله إلا الله.

قالوا بها فانزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه..

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ﴿ الطاغوت ﴾ الشيطان هو هاهنا واحد وهي جماعة.

مثل قوله: ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك ﴾ [ الانفطار: 6] قال: هي للناس كلهم الذين قال لهم الناس إنما هو واحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وأنابوا إلى الله لهم البشرى ﴾ قال: أقبلوا إلى الله ﴿ فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ قال: أحسنه طاعة الله.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الضحاك في قوله: ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ ما أمر الله تعالى النبيين عليهم السلام من الطاعة.

وأخرج سعيد بن منصور عن الكلبي في قوله: ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ قال: لولا ثلاث يسرني أن أكون قدمت.

لولا أن أضع جبيني لله، وأجالس قوماً يلتقطون طيب الكلام كما يلتقطون طيب الثمر، والسير في سبيل الله.

وأخرج جويبر عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت ﴿ لها سبعة أبواب...

﴾ [ الحجر: 44] .

أتى رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي سبعة مماليك، وأني أعتقت لكل باب منها مملوكاً.

فنزلت هذه الآية ﴿ فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال لما نزلت ﴿ فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.

فاستقبل عمر الرسول فرده فقال: يا رسول الله خشيت أن يتكل الناس فلا يعملون.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يعلم الناس قدر رحمة الله لاتكلوا، ولو يعلمون قدر سخط الله وعقابه لاستصغروا أعمالهم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ قيل: يستمعون القول على العموم فيتبعون القرآن، لأنه أحسن الكلام وقيل: يستمعون القرآن فيتبعون بأعمالهم أحسنه من العفو الذي هو أحسن من الانتصار، وشبه ذلك وقيل: هو الذي يستمع حديثاً فيه حسن وقبيح فيتحدّث بالحسن ويكف عما سواه، وهذا قول ابن عباس، وهو الأظهر وقال ابن عطية: هو علم في جميع الأقوال؛ والقصد الثناء على هؤلاء ببصائر ونظر سديد يفرقون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، فيتبعون الأحسن من ذلك، وقال الزمخشري مثل هذا يكون الكلام جملة واحدة تقديره: أفمن حق عليه كلمة العذاب أأنت تنقذه، فموضع من في النار موضع المضمر، والهمزة في قوله: ﴿ أَفَأَنتَ ﴾ هي الهمزة التي في قوله: ﴿ أَفَمَنْ ﴾ وهي همزة الإنكار كررّت للتأكيد، والثاني أن يكون التقدير أفمن حق عليه العذاب تتأسف عليه، فحذف الخير ثم استأنف قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار ﴾ ؟

وعلى هذا يوقف على العذاب، والأول أرجح لعدم الإضمار.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

يحتمل أن يكون قال هذا؛ لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله  إلى دينهم ودين آبائهم، وكانوا يطمعون عوده إليهم، فقال رسول الله  : ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ذكر هاهنا أنه أمر أن يعبد الله مخلصاً له الدين، وقال في آية أخرى ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 56]، وقال في آية أخرى: ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً...

﴾ الآية [الأنعام: 56]، أخبر أنه لو اتبع أهواءهم فيما هم فيه يضل وما كان من المهتدين، ذكر في هذه الآيات النهي وترك اتباعه أهواءهم، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة الله  مخلصاً له الدين.

أو أن يقول: إني إذا أمرتكم بعبادة الله أمرت أنا أيضاً في نفسي أن أعبده مخلصاً، لست أنا كمن يأمر غيره شيئاً ولا يأتمر بنفسه، أو هو غير مأمور بذلك وهو ما قال: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

أو يقول: لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء ويستعملونهم في أمورهم [و]لا يستعملون في ذلك أنفسهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

الخوف هاهنا ليس هو حقيقة الخوف، ولكن العلم كأنه قال: إني أعلم إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، فآيسهم بالله بالمدينة عن عوده إلى دينهم، وقطع طمعهم عنه، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ  ﴾ فأما ما داموا بمكة فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي * فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ .

إنه يخرج هذا الحرف منه مخرج التهدد لهم والتوعد، يقول: أما أنا فإنما أعبد الله الحق وله أخلص ديني، فاعبدوا أنتم ما شئتم فإنه يجزيكم جزاء عبادتكم، كقوله  : ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 40]، وذلك معروف في كلام الناس، يقول الرجل: اعمل ما شئت أو قل ما شئت فإن لك الجزاء كما تعمل؛ على الوعيد، فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل وجهاً آخر لا على الوعيد، ولكن يقول: قد بينت لكم وأوضحت السبيلين جميعاً بالآيات والحجج: سبيل النجاة الذي إذا سلكتموه نجوتم، وهو سبيل الله، وسبيل الهلاك الذي إذا سلكتموه هلكتم، وهو سبيل الشيطان، فإن أردتم النجاة فاسلكوا سبيل كذا، وإن أردتم سبيل الهلاك فاسلكوا سبيل كذا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

كناية لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار حيث قال - عز وجل -: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ ؛ ليكون لهم أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ويسلم لهم ذلك، وقد مكن لهم ذلك وهلكوا فتركوا ذلك ولم يقوها ولا أهليهم النار، قال عند ذلك: ﴿ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ألا عند ذلك يتبين لهم أنهم خسروا أنفسهم وأهليهم.

أو أنهم قد أمروا بالسعي للآخرة والعمل لها، ووعدوا إذا سعوا لها وعملوا النجاة في الآخرة والحياة الدائمة والأهل في الجنة، وإذا لم يسعوا لها ولم يعملوا خسروا أنفسهم والأهل الذين وعدوا فيها إذا سعوا وهلكت أنفسهم، ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ﴾ ألا هنالك يتبين لهم أنهم خسروا خسراناً بيناً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ .

أن يكون ما كان تحتهم من النار أن يوصف بالمهاد لهم لا بالظلل؛ كقوله  : ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ ، وكذلك في حرف ابن مسعود أنه قال: ﴿ لهم من تحتهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ذلك يخوف الله به عباده ﴾ ، والله أعلم.

لكن جائز أن يكون الظلل التي تحتهم هي ظلل لمن تحتهم، وهي لأولئك الذين فوقهم مهاد وللذين ليس تحتهم أحد مهاد أيضاً - والله أعلم - لأن النار دركات وأطباق؛ ليكون كل طبقة لمن تحتها ظلل ولمن فوقها مهاد على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر في القرآن من المواعيد يخوف الله [به] عباده.

﴿ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ﴾ .

اتقوا سخط الله ونقمته، أو اتقوا مخالفة الله، أو اتقوا المهالك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من وجبت عليه كلمة العذاب لاستمراره في كفره وضلاله، فلا حيلة لك -أيها الرسول- في هدايته، وتوفيقه، أفأنت -أيها الرسول- تستطيع إنقاذ من هذه صفته من النار؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.OEd13"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر