الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٢١ من سورة الزمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى : أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) [ الفرقان : 48 ] ، فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء ، وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار ، بحسب الحاجة إليها ; ولهذا قال : ( فسلكه ينابيع في الأرض ) .
قال ابن أبي حاتم - رحمه الله - : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو قتيبة عتبة بن يقظان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) ، قال : ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ، ولكن عروق في الأرض تغيره ، فذلك قوله تعالى : ( فسلكه ينابيع في الأرض ) ، فمن سره أن يعود الملح عذبا فليصعده .
وكذا قال سعيد بن جبير ، وعامر الشعبي : أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء .
وقال سعيد بن جبير : أصله من الثلج يعني : أن الثلج يتراكم على الجبال ، فيسكن في قرارها ، فتنبع العيون من أسافلها .
وقوله : ( ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ) أي : ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعا ( مختلفا ألوانه ) أي : أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه ، ( ثم يهيج ) أي : بعد نضارته وشبابه يكتهل ( فتراه مصفرا ) ، قد خالطه اليبس ، ( ثم يجعله حطاما ) أي : ثم يعود يابسا يتحطم ، ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) أي : الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا ، تكون خضرة نضرة حسناء ، ثم تعود عجوزا شوهاء ، والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا [ قد خالطه اليبس ] ، وبعد ذلك كله الموت .
فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير ، وكثيرا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء ، وينبت به زروعا وثمارا ، ثم يكون بعد ذلك حطاما ، كما قال تعالى : ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ) [ الكهف : 45 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ (21) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( أَلَمْ تَرَ ) يا محمد ( أَنَّ اللَّهَ أَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) وهو المطر ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) يقول: فأجراه عيونا في الأرض، واحدها ينبوع, وهو ما جاش من الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الشعبيّ, في قوله: ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) قال: كلّ ندى وماء في الأرض من السماء نـزل.
قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الحسن بن مسلم بن بيان, قال: ثم أنبت بذلك الماء الذي أنـزله من السماء فجعله في الأرض عيونا زرعا( مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) يعني: أنواعا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم وأرز, ونحو ذلك من الأنواع المختلفة ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يقول: ثم ييبس ذلك الزرع من بعد خُضرته, يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوى: هاجت الأرض, وهاج الزرع.
وقوله: ( فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يقول: فتراه من بعد خُضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر, وكذلك الزرع إذا يبس اصفرّ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ) والحطام: فتات التبن والحشيش, يقول: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يابسا فُتاتا متكسرا.
وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والحجا يتذكرون به, فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء, وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض, وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه, كهيئته قبل فنائه, كالذي فعل بالأرض التي أنـزل عليها من بعد موتها الماء, فأنبت بها الزرع المختلف الألوان بقدرته.
قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب .قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء أي إنه لا يخلف الميعاد في إحياء الخلق ، والتمييز بين المؤمن والكافر ، وهو قادر على ذلك كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء .
" أنزل من السماء " أي : من السحاب " ماء " أي : المطر " فسلكه ينابيع في الأرض " أي فأدخله في الأرض وأسكنه فيها ، كما قال : " فأسكناه في الأرض " .
" ينابيع " جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع وينبع وينبع بالرفع والنصب والخفض .
النحاس : وحكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر [ عنترة ] :ينباع من ذفرى غضوب جسرةأن معناه ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا نبوعا خرج .
والينبوع عين الماء والجمع الينابيع .
وقد مضى في [ سبحان ] .ثم يخرج به أي : بذلك الماء الخارج من ينابيع الأرض زرعا هو للجنس أي : زروعا شتى لها ألوان مختلفة ، حمرة وصفرة وزرقة وخضرة ونورا .
قال الشعبي والضحاك : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة ، ثم تقسم منها العيون والركايا .ثم يهيج أي : ييبس .
فتراه أي : بعد خضرته " مصفرا " قال المبرد قال الأصمعي : يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى .
قال : كذلك هاج النبت .
قال : وكذلك قال غير الأصمعي .
وقال الجوهري : هاج النبت هياجا أي : يبس .
وأرض هائجة يبس بقلها أو اصفر ، وأهاجت الريح النبت أيبسته ، وأهيجنا الأرض أي : وجدناها هائجة النبات ، وهاج هائجه أي : ثار غضبه ، وهدأ هائجه أي : سكنت فورته .ثم يجعله حطاما أي فتاتا مكسرا ، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس .
والمعنى أن من قدر على هذا قدر على الإعادة .
وقيل : هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض ، أي : أنزل من [ ص: 220 ] السماء قرآنا فسلكه في قلوب المؤمنين ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه أي : دينا مختلفا ، بعضه أفضل من بعض ، فأما المؤمن فيزداد إيمانا ويقينا ، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع .
وقيل : هو مثل ضربه الله للدنيا ، أي : كما يتغير النبت الأخضر فيصفر كذلك الدنيا بعد بهجتها .
إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب .
يذكر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر، { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } من بر وذرة، وشعير وأرز، وغير ذلك.
{ ثُمَّ يَهِيجُ } عند استكماله، أو عند حدوث آفة فيه { فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا } متكسرا { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } يذكرون بها عناية ربهم ورحمته بعباده، حيث يسر لهم هذا الماء، وخزنه بخزائن الأرض تبعا لمصالحهم.ويذكرون به كمال قدرته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها، ويذكرون به أن الفاعل لذلك هو المستحق للعبادة.اللّهم اجعلنا من أولي الألباب، الذين نوهت بذكرهم، وهديتهم بما أعطيتهم من العقول، وأريتهم من أسرار كتابك وبديع آياتك ما لم يصل إليه غيرهم، إنك أنت الوهاب.
قوله عز وجل : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ) أدخل ذلك الماء ، ) ( ينابيع ) عيونا وركايا ) ( في الأرض ) قال الشعبي : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، ( ثم يخرج به ) أي : بالماء ( زرعا مختلفا ألوانه ) أحمر وأصفر وأخضر ، ) ( ثم يهيج ) ييبس ) ( فتراه ) بعد خضرته ونضرته ، ( مصفرا ثم يجعله حطاما ) فتاتا متكسرا ، ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) .
«ألم تر» تعلم «أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع» أدخله أمكنة نبع «في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج» ييبس «فتراه» بعد الخضرة مثلا «مصفرا ثم يجعله حطاما» فتاتا «إن في ذلك لذكرى» تذكيرا «لأولي الألباب» يتذكرون به لدلالته على وحدانية الله تعالى وقدرته.
ألم تر -أيها الرسول- أن الله أنزل من السحاب مطرًا فأدخله في الأرض، وجعله عيونًا نابعة ومياهًا جارية، ثم يُخْرج بهذا الماء زرعًا مختلفًا ألوانه وأنواعه، ثم ييبس بعد خضرته ونضارته، فتراه مصفرًا لونه، ثم يجعله حطامًا متكسِّرًا متفتتًا؟
إن في فِعْل الله ذلك لَذكرى وموعظة لأصحاب العقول السليمة.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا ، وقرب اضمحلال بهجتها .
كما بين حال من شرح الله صدره للإِسلام فقال - تعالى - :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ .
.
.
) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً .
.
.
) للتقرير .والينابيع : جمع ينبوع ، وهو المنبع أو المجرى الذى يكون فى باطن الأرض ، والذى يحمل الكثير من المياه الجارية أو المخزونة فى جوف الأرض .والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - أنزل من السحب المرتفعة فى جو السماء ، ماء كثيرا ، فأدخله بقدرته على عيون ومسارب فى الأرض ، هذه العيون والمسارب تارة تكون ظاهرة على وجه الأرض ، وتارة تكون فى باطنها ، وكل ذلك من أعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده .ثم بين - سبحانه - مظرهاه آخر من مظاهر قدرته فقال : ( ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ .
.
.
) .أى : هذا الماء الذى أنزله - سبحانه - بقدرته من السماء ، قد سلكه ينابيع فى الأرض ، ثم يخرج بسبب هذا الماء زرعا مختلفا فى ألوانه وفى أشكاله ، فمنه ما هو أخضر ومنه ما هو أصفر ، ومنه ما ليس كذلك مما يدل على كمال قدرة الله - تعالى - .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته - عز وجل - .والفعل " يهيج " مأخوذ من الهيْج بمعنى اليُبْس والجفَاف .
يقال : هاج النبات هَيْجاً وهِيَاجا ، إذا يبس واصفر .
أو مأخوذ من الهيج بمعنى شدة الحركة .
يقال : هاج الشئ يهيج ، إذا ثار لمشقة أو ضرر ، ثم يعقب ذلك الهيجان الجفاف واليبس .أى : ثم يصاب هذا الزرع المختلف الألوان بالجفاف والضمور ، فتراه مصفرا من بعد اخضراره ونضارته ، ثم يجعله - سبحانه - ( حُطَاماً ) أى : فتاتا متكسرا .
يقال : حَطِمَ الشئ حطَما - من باب تعب - إذا تكسر وتفتت وتحطم .( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذى ذكرناه من إنزال الماء من السماء ، ومن سلكه ينابيع فى الأرض ، ومن إخراج النبات المختلف الألوان بسببه ( لذكرى ) عظيمة ( لأُوْلِي الألباب ) .أى : لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة .والمقصود من هذه الآية الكريمة ، التحذير من الإنهماك فى الحياة الدنيا ومتعها ، حيث شبهها - سبحانه - فى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها - بالزرع الذى يبدو مخضرا وناضراً .
.
.
ثم يعقب ذلك الجفاف والذبول والاضمحلال .وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ).
اعلم أنه تعالى لما وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة العظيمة لأولي الألباب فيها وصف الدنيا بصفة توجب اشتداد النفرة عنها، وذلك أنه تعالى بين أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل كل ما كان في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه فيسلكه ينابيع في الأرض، أي فيدخله وينظمه ينابيع في الأرض عيوناً، ومسالك ومجاري كالعروق في الأجسام، يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفاً أصنافه من بر وشعير وسمسم ثم يهيج، وذلك لأنه إذا تم جفافه جاز له أن ينفصل عن منابته، وإن لم تتفرق أجزاؤه، فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن تتفرق ثم يصير حطاماً يابساً ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى ﴾ يعني أن من شاهد هذه الأحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والإنسان كذلك وأنه وإن طال عمره فلابد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء، ثم تكون عاقبته الموت.
فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات تذكره حصول مثل هذه الأحوال في نفسه وفي حياته، فحينئذ تعظم نفرته في الدنيا وطيباتها.
والحاصل أنه تعالى في الآيات المتقدمة ذكر ما يقوي الرغبة في الآخرة، وذكر في هذه الآية ما يقوي النفرة عن الدنيا، فشرح صفات القيامة يقوي الرغبة في طاعة الله، وشرح صفات الدنيا يقوي النفرة عن الدنيا، وإنما قدم الترغيب في الآخرة على التنفير عن الدنيا، لأن الترغيب في الآخرة مقصود بالذات، والتنفير عن الدنيا مقصود بالعرض، والمقصود بالذات مقدم على المقصود بالعرض، فهذا تمام الكلام في تفسير الآية، بقي هاهنا ما يتعلق بالبحث عن الألفاظ، قال الواحدي: والينابيع جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع يقال نبع الماء ينبع وينبع وينبع ثلاث لغات ذكرها الكسائي والفراء، وقوله: ﴿ يَنَابِيعَ ﴾ نصب بحذف الخافض لأن التقدير فسلكه في ينابيع ثم يهيج أي يخضر، والحطام ما يجف ويتفتت ويكسر من النبت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء ﴾ هو المطر.
وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة، ثم يقسمه الله، ﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فأدخله ونظمه ﴿ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾ عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد ﴿ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، وأصنافه من برّ وشعير وسمسم وغيرها ﴿ يَهِيجُ ﴾ يتمّ جفافه، عن الأصمعي؛ لأنه إذا تمّ جفافه حان له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ حطاما ﴾ فتاتاً ودريناً ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى ﴾ لتذكيراً وتنبيهاً، على أنه لابد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير، لا عن تعطيل وإهمال.
ويجوز أن يكون مثلاً للدنيا، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا ﴾ [يونس: 24] ، ﴿ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا ﴾ [الكهف: 45] .
وقرئ: ﴿ مصفارّاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ هو المَطَرُ.
﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فَأدْخَلَهُ.
﴿ يَنابِيعَ ﴾ في الأرْضِ هي عُيُونٌ ومَجارٍ كائِنَةٌ فِيها، أوْ مِياهٌ نابِعاتٌ فِيها إذِ اليَنْبُوعُ جاءَ لِلْمَنبَعِ ولِلنّابِعِ فَنَصَبَها عَلى الظَّرْفِ أوِ الحالِ.
﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ﴾ أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ مِن خُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وغَيْرِهِما.
﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ يَتِمُّ جَفافُهُ لِأنَّهُ إذا تَمَّ جَفافُهُ حانَ لَهُ أنْ يَثُورَ عَنْ مَنبَتِهِ.
﴿ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ﴾ مَن يُبْسِهِ.
﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا ﴾ فُتاتًا.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى ﴾ لَتَذاكِيرًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ دَبَّرَهُ وسَوّاهُ، أوْ بِأنَّهُ مِثْلُ الحَياةِ الدُّنْيا فَلا تَغْتَرَّ بِها.
﴿ لأُولِي الألْبابِ ﴾ إذْ لا يَتَذَكَّرُ بِهِ غَيْرُهم.
<div class="verse-tafsir"
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} يعني المطر وقيل كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله {فَسَلَكَهُ} فادخله {يَنَابِيعَ فِى الأرض} عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد وينابيع نصب على الحال أو على الظرف وفى الأرض صفة لينابيع {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ} بالماء {زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}
هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض أو أصنافه من بر وشعير وسمسم وغير ذلك {ثُمَّ يَهِيجُ} يجف {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} بعد نضارته وحسنه {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما} فتاتاً متكسراً
فالحطام ما تفتت وتكسر من النبت وغيره {إِنَّ فِى ذلك} في إنزال الماء وإخراج الزرع {لذكرى لأُِوْلِى الألباب} لتذكيراً وتنبيهاً على أنه لا بد من صانع حكيم وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير لا عن إهمال وتعطيل
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ إمّا لِتَمْثِيلِ الحَياةِ الدُّنْيا في سُرْعَةِ الزَّوالِ، وقُرْبِ الِاضْمِحْلالِ بِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ الزَّرْعِ تَحْذِيرًا مِنَ الاغْتِرارِ بِزَهْرَتِها، أوْ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى تَحَقُّقِ المَوْعُودِ مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ مِن تَحْتِ الغُرَفِ، بِما يُشاهَدُ مِن إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، وأحْكامِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، والمُرادُ بِالماءِ المَطَرُ، وبِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وقِيلَ: الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ، وكَوْنُ إنْزالِ المَطَرِ مِنها بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِأسْبابٍ ناشِئَةٍ مِنها، فَإنَّ تَصاعُدَ الأبْخِرَةِ، وتَكَوُّنَ الغُيُومِ بِسَبَبِ جَذْبِ الشَّمْسِ، واخْتِلافِ أوْضاعِها، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى، وأمّا كَوْنُ إنْزالِ المَطَرِ نَفْسِهِ مِن جِرْمِ السَّماءِ المَعْرُوفَةِ نَفْسِها فَكَثِيرٌ ما يَرْتَفِعُ سَحابٌ ويُمْطِرُ مَطَرًا غَزِيرًا، وهُناكَ مَن هو عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لا سَحابَ عِنْدَهُ، ولا مَطَرَ، والتِزامُ أنَّ المَطَرَ في ذَلِكَ نازِلٌ مِن جِرْمِ السَّماءِ أيْضًا عَلى السَّحابِ لَكِنْ لا يُشاهِدُهُ مَن هو مُشْرِفٌ عَلى السَّحابِ، وواقِفٌ فَوْقَ الجَبَلِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ كُلُّ ماءٍ في الأرْضِ، والمُرادُ بِالإنْزالِ المَذْكُورِ الإنْزالُ في مَبْدَإ الخَلِيقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمّا خَلَقَ الأرْضَ خَلَقَها خالِيَةً مِنَ الماءِ، فَأنْزَلَ مِن بَحْرٍ تَحْتَ العَرْشِ ماءً ﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فَأدْخَلَهُ، ﴿ يَنابِيعَ في الأرْضِ ﴾ أيْ في يَنابِيعَ أيْ عُيُونٍ ومَجارِي كائِنَةٍ في الأرْضِ كالعُرُوقِ في الأجْسادِ، فَعَلى الأوَّلِ يَقْتَضِي ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ماءَ العُيُونِ والقَنَواتِ مِن ماءِ المَطَرِ، وعَلى الثّانِي لَيْسَ مِنهُ، وشاعَ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّ ماءَ العُيُونِ، وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الأبْخِرَةِ، قالُوا: إنَّ البُخارَ إذا احْتَبَسَ في الأرْضِ يَمِيلُ إلى جِهَةٍ، وتَبْرُدُ بِها، فَتَنْقَلِبُ مِياهًا مُخْتَلِطَةً بِأجْزاءٍ بُخارِيَّةٍ فَإذا كَثُرَ بِحَيْثُ لا تَسَعُهُ الأرْضُ أوْجَبَ انْشِقاقَها، فانْفَجَرَ مِنها العُيُونُ، ورَدَّهُ أبُو البَرَكاتُ البَغْدادِيُّ فَقالَ في المُعْتَبَرِ: السَّبَبُ في العُيُونِ، وما يَجْرِي مَجْراها هو ما يَسِيلُ مِنَ الثُّلُوجِ، ومِياهِ الأمْطارِ، لِأنّا نَجِدُها تَزِيدُ بِزِيادَتِها، وتَنْقُصُ بِنُقْصانِها، وأنَّ اسْتِحالَةَ الأهْوِيَةِ والأبْخِرَةِ المُنْحَصِرَةِ في الأرْضِ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ، فَإنَّ باطِنَ الأرْضِ في الصَّيْفِ أشَدُّ بَرْدًا مِنهُ في الشِّتاءِ، فَلَوْ كانَ سَبَبُ هَذِهِ اسْتِحالَتَها، لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العُيُونُ والقَنَواتُ ومِياهُ الآبارِ في الصَّيْفِ أزْيَدَ، وفي الشِّتاءِ أنْقَصَ، مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ، وقالَ المَيْبَدِيُّ: الحَقُّ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ المُعْتَبَرِ مُعْتَبَرٌ لا مَحالَةَ، إلّا أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ اعْتِبارِ السَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ يَعْنِي ما شاعَ، واحْتِجاجُهُ في المَنعِ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو السَّبَبَ التّامَّ لا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في الجُمْلَةِ اهـ.
وفِي شَرْحِ المَواقِفِ، اخْتَلَفُوا في أنَّ المِياهَ مُتَوَلِّدَةٌ مِن أجْزاءٍ مائِيَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ في عُمْقِ الأرْضِ، إذا اجْتَمَعَتْ، أوْ مِنَ الهَواءِ البُخارِيِّ الَّذِي يَنْقَلِبُ ماءً.
وهَذا الثّانِي وإنْ كانَ مُمْكِنًا إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى، لِأنَّ مِياهَ العُيُونِ والقَنَواتِ والآبارِ تَزِيدُ بِزِيادَةِ الثُّلُوجِ والأمْطارِ، والأوْلى عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ الماءُ في الآيَةِ عَلى المَطَرِ ونَحْوِهِ مِنَ الثَّلْجِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الماءَ يَسْلُكُهُ اللَّهُ تَعالى في يَنابِيعَ في الأرْضِ، ولا تَدُلُّ عَلى أنَّ ما في اليَنابِيعِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ الماءَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما فِيها هو الماءُ المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ، والبَعْضُ الآخَرُ حادِثًا مِنَ الهَواءِ البُخارِيِّ بِانْقِلابِهِ ماءً بِأسْبابٍ، يَعْلَمُها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وحُمِلَ الإنْزالُ عَلى الإنْزالِ في مَبْدَإ الخَلِيقَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لَمْ أقِفْ عَلى خَبَرٍ صَحِيحٍ يَقْتَضِيهِ خِلافُ الظّاهِرِ في الآيَةِ جِدًّا لِأنَّ الخِطابَ في ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ عامٌّ، ولا يَتَأتّى العُمُومُ في رُؤْيَةِ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جَعْلُ الخِطابِ خاصًّا بِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ، والمُرادُ: ألَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُ حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ، وقَرِيبٌ مِمّا قِيلَ ما حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الآيَةِ عَنْ بَعْضٍ مِن أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ مِنها إلى الصَّخْرَةِ، ثُمَّ يَقْسِمُهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ البِقاعِ، هَذا لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلى ما اخْتَرْناهُ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ، ولَكِنْ عُرُوقٌ في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيَصْعَدْ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ، فَإنْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ، وقُلْنا إنَّهُ في حُكْمِ المَرْفُوعِ فَما عَلَيْنا إذا قُلْنا بِظاهِرِهِ، فالعَقْلُ لا يَأْباهُ، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هَذا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اليَنابِيعُ جَمْعَ يُنْبُوعٍ بِمَعْنى النّابِعِ، فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى المَنبَعِ يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ، والمَعْنى: فَسَلَكَهُ مِياهًا نابِعَةً في الأرْضِ، ولا يَخْلُو مِنَ الكَدَرِ، لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَ هَذا كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: مِنَ الأرْضِ، وعَلى ما هو المَشْهُورُ يَكُونُ ﴿ يَنابِيعَ ﴾ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
واحْتِمالُ كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ في إطْلاقَيْهِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ فَسَلَكَهُ سُلُوكًا في يَنابِيعَ أيْ مَجارِي، فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ ما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، أوْ يَكُونَ الأصْلُ: فَسَلَكَهُ سُلُوكَ يَنابِيعَ أيْ مِياهًا نابِعَةً، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى.
﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ، لا لِتَوَقُّفِ الإخْراجِ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وقالَتِ الأشاعِرَةُ: أيْ يُخْرِجُ عِنْدَهُ بِلا مَدْخَلِيَّةٍ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سِوى المُقارَنَةِ، ﴿ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ﴾ أيْ أنْواعُهُ وأصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ، وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ المُدْرَكَةُ بِالبَصَرِ مِن خُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ مُطْلَقًا مِنَ الألْوانِ والطُّعُومِ وغَيْرِهِما عَلى ما قِيلَ، وشَمَلَ الزَّرْعَ المُقْتاتَ وغَيْرَهُ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، أوِ الزَّمانِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِهِ الصُّورَةَ ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ يَيْبَسُ، وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ هَذا مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلْهَيَجانِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ يَهِيجَ بِمَعْنى يَثُورُ، واسْتِعْمالَهُ بِمَعْنى يَيْبَسُ مِن مَجازِ المُشارَفَةِ، لِأنَّ الزَّرْعَ إذا يَبِسَ وتَمَّ جَفافُهُ يُشْرِفُ عَلى أنْ يَثُورَ، ويَذْهَبَ مِن مَنابِتِهِ ﴿ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ﴾ مِن بَعْدِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ.
وقُرِئَ ”مُصْفارًّا“، ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا ﴾ فُتاتًا مُتَكَسِّرًا، كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ، ولِكَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الآثارِ القَوِيَّةِ عُلِّقَتْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى كالإخْراجِ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ ”ثُمَّ يَجْعَلَهُ“ بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ الكامِلِ: وهو ضَعِيفٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ النَّصْبِ، وكَأنَّهُ إضْمارُ أنْ، كَما في قَوْلِهِ: (إنِّي وقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أعْقِلَهُ)، ولا يَخْفى وجْهُ ضَعْفِهِ هُنا، ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ تَفْصِيلًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الغَرابَةِ، والدِّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بَيانُهُ، ﴿ لَذِكْرى ﴾ لَتَذْكِيرًا عَظِيمًا، ﴿ لأُولِي الألْبابِ ﴾ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الخَلَلِ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، فَلا يَغْتَرُّونَ بِبَهْجَتِها، ولا يُفْتَنُونَ بِفِتْنَتِها، أوْ يَجْزِمُونَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ والتَّصَرُّفِ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قادِرٌ عَلى إجْراءِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وكَأنَّ الأوَّلَ أوْلى لِيَكُونَ ما تَقَدَّمَ تَرْغِيبًا في الآخِرَةِ، وهَذا تَنْفِيرًا عَنِ الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِذَلِكَ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّهُ كائِنٌ عَلى تَقْدِيرٍ وتَدْبِيرٍ لا عَنْ تَعْطِيلٍ وإهْمالٍ، وهو بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، عَلى أنَّ الأنْسَبَ بِإرادَةِ ذَلِكَ ذِكْرُ الآثارِ غَيْرُ مُسْنَدَةٍ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَحَيْثُ ذُكِرَتْ مُسْنَدَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ شُؤُونَهُ تَعالى، أوْ شُؤُونَ آثارِهِ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ لا وُجُودَهُ جَلَّ وعَلا.
<div class="verse-tafsir"
قال عز وجل: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي : ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وسادات قومك يعبدون الأصنام؟
فنزل: قُلْ يا نبي الله إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ يعني: التوحيد، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ من أهل بلدي قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي وعبدت غيره، ينزل علي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: في يوم القيامة قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ يعني: أعبد الله مُخْلِصاً لَهُ دِينِي أي: توحيدي.
فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ من الآلهة.
وهذا كقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون: 6] ويقال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ لفظه لفظ التخيير والأمر، والمراد به التهديد والتخويف، كقوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وكقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ويقال: قد بيّن الله ثواب المؤمنين، وعقوبة الكافرين.
ثم قال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى دينهم، قالوا: خسرت إن خالفت دين آبائك.
فقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: أنتم الخاسرون، لا أنا.
ويقال: الذين خسروا أنفسهم بفوات الدرجات، ولزوم الشركات، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ يعني: الظاهر حيث خسروا أنفسهم، وأهلهم، وأزواجهم، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ يعني: أطباقاً من نار، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ يعني: مهاداً من نار، أو معناه: أن فوقهم نار، وتحتهم نار، ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي: ذلك الذي ذكر، يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ في القرآن، لكي يؤمنوا.
يا عِبادِ فَاتَّقُونِ: أي: فوحِّدون، وأطيعون، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ قال مقاتل: يعني: اجتنبوا عبادة الأوثان.
وقال الكلبي: الطَّاغُوتَ يعني: الكهنة أَنْ يَعْبُدُوها يعني: أن يطيعوها، ورجعوا إلى عبادة ربهم وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ أي: أقبلوا إلى طاعة الله.
ويقال: رجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله لَهُمُ الْبُشْرى يعني: الجنة.
ويقال: الملائكة يبشرونهم في الآخرة، فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ يعني: القرآن فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ يعني: يعملون بحلاله، وينتهون عن حرامه، وقال الكلبي: يعني: يجلس الرجل مع القوم، فيستمع الأحاديث، محاسن ومساوئ، فيتبع أحسنه، فيأخذ المحاسن، فيحدث بها، ويدع مساوئه.
ويقال: يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه، وهو القصاص، والعفو يأخذ العفو لقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: 126] ، (وقال بعضهم: يستمع النداء، فيستجيب، ويسرع إلى الجماعة.
وقال بعضهم: يستمع الناسخ، والمنسوخ، والمحكم من القرآن، فيعمل بالمحكم، ويؤمن بالناسخ والمنسوخ) .
ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي: وفقهم الله لمحاسن الأمور.
ويقال: هَداهُمُ اللَّهُ أي: أكرمهم الله تعالى بدين التوحيد وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: ذوي العقول.
قوله عز وجل: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ يعني: وجب له العذاب.
ويقال: أفمن في علم الله تعالى أنه في النار، كمن لا يجب عليه العذاب.
أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ يعني: تستنقذ من هو في علم الله تعالى، أنه يكون في النار بعمله الخبيث.
ويقال: من وجبت له النار: وقدرت عليه.
ثم ذكر حال المؤمنين المتقين فقال عز من قائل: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعني: وحدوا ربهم، وأطاعوا ربهم، لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ في الجنة، وهي العلالي.
غرف مبنية، مرتفعة بعضها فوق بعض، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ في القرآن، لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ.
<div class="verse-tafsir"
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ بَعْدَ ذلِكَ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: ٢٤٥] فقال: «اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي» حتى نزلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ، قال: «رَضِيتُ يَا رَبِّ» .
وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ من المعلوم أنه ع معصومٌ من العِصْيَانِ، وإنما الخطابُ بالآيةِ لأِمَّتِهِ يَعُمُّهُمْ حكمُهُ، ويحفُّهم وعيدُهُ.
وقوله: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ هذه صيغةُ أَمْرٍ على جِهَةِ التهْدِيدِ، وهذا في القرآنِ كثيرٌ، و «الظُّلَّة» ما غَشِيَ وعَمَّ كالسَّحَابَةِ وَسَقْفِ البيت، ونحوِه.
[وقوله سبحانه: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يريد: جميع العالم] .
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ...
الآية، قال ابن زيد: إن سببَ نزولِها زيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ وأبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ، والإشارةُ إليهم «١» .
ت: سُلَيْمَانُ إنما أسلم بالمدينةِ، فَيَلْزَمُ على هذا التأويلِ أن تكونَ الآيةُ مدنيةً، وقال ابن إسْحَاق: الإشَارةُ بِها إلى عَبْدِ الرحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلك أنه لما أسْلم أَبو بَكْرٍ سَمِعُوا ذلك فَجَاؤُوهُ، فقالوا:
أَأَسْلَمْتَ؟
قال: نَعَمْ وذَكَّرَهُمْ باللَّه سبحانه، فآمَنُوا بأجمعهم، فنزلَتْ فيهم هذه الآية، وهي على كلِّ حالٍ عامَّةٌ في الناس إلى يوم القيامة يتناولهم حكمها، والطَّاغُوتَ: كل ما عبد من دون الله.
وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ: كَلاَمٌ عامٌّ في جميع الأقوال، والمَقْصِدُ الثناءُ على هؤلاءِ في نفوذِ بصائرهم، وقوام نَظَرِهِم، حتى إنهم إذا سمعوا قولاً مَيَّزوه واتبعوا أحْسَنه، قال أبو حيَّان «٢» : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ صفةٌ/ ل عِبادِ، وقيلَ: الوَقْفُ على عباد، وَالَّذِينَ مبتدأٌ خبره أُولئِكَ وما بعده، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: كَلَّ ما في الأرْضِ فَمِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ ﴿ فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أدْخَلَهُ فَجَعَلَهُ يَنابِيعَ، أيْ: عُيُونًا تَنْبُعُ، ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ أيْ: يَيْبَسُ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ لِلثَّبْتِ إذا تَمَّ جَفافُهُ: قَدْ هاجَ يَهِيجُ هَيْجًا.
فَأمّا الحُطامُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو ما يَبِسَ فُتُحاتٍ مِنَ النَّباتِ، ومَثَلُهُ الرُّفاتُ.
قالَ مُقاتِلٌ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَ الدُّنْيا، بَيْنا تَرى النَّبْتَ أخْضَرَ، إذْ تَغَيَّرَ فَيَبِسَ ثُمَّ هَلَكَ،وَكَذَلِكَ الدُّنْيا وزِينَتُها.
وقالَ غَيْرُهُ: هَذا البَيانُ لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النارِ ﴾ ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهِ المِيعادَ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ أسْقَطَ العَلامَةَ الَّتِي في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى الكَلِمَةِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما الحائِلُ الَّذِي بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، والثانِي أنَّ "الكَلِمَةَ" غَيْرُ مُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، وهَذا أخَفُّ وأجْوَدُ مِن قَوْلِهِمْ: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"؛ لِأنَّ التَأْنِيثَ هُنا حَقِيقِيٌّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في هَذا الكَلامِ مَحْذُوفٌ اخْتَصَرَهُ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ تَتَأسَّفُ أنْتَ عَلَيْهِ؟
أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ لِلنَّبِيِّ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النارِ، أيْ: لَيْسَ هَذا إلَيْكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿ "أفَأنْتَ" ﴾ إنَّما هي مُؤَكِّدَةٌ زادَها لِطُولِ الكَلامِ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟
لَكِنَّهُ زادَ الألِفَ الثانِيَةَ تَوْكِيدًا لِلْأمْرِ، وأظْهَرَ الضَمِيرَ العائِدَ تَشْهِيرًا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ، وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ كَقَوْلِ الشاعِرِ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وإنَّما أظْهَرَ الضَمِيرَ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ المَوْتِ، وهَذا كَثِيرٌ.
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ إخْبارًا آخَرَ بِـ"لَكِنِ"، وهَذِهِ مُعادِلَةٌ وتَحْضِيضٌ عَلى التَقْوى لِمَن فَكَّرَ وازْدَجَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ، وعادَلَتْ: ﴿ غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ ﴾ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ ، و"الغُرَفُ": ما كانَ مِنَ المَساكِنِ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ، في الحَدِيثِ: « "إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ الغُرَفَ مِن فَوْقِهِمْ كَما تَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الَّذِي في الأُفُقِ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدَ اللهِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ونَصْبُهُ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وإمّا بِما تَضَمَّنَ الكَلامُ قَبْلُ مِن مَعْنى الوَعْدِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي لِلنُّحاةِ في ذَلِكَ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى مُعْتَبَرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ وكُلُّ بَشَرٍ داخِلٌ مَعَهُ في مَعْناهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أشارَ إلى ماءِ المَطَرِ، وقالُوا: العُيُونُ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تَنْماعُ عِنْدَ وُجُودِهِ وتَيْبَسُ عِنْدَ فَقْدِهِ،.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَنّاقٍ: والإشارَةُ إلى العُيُونِ، ولَيْسَتِ العُيُونُ مِنَ المَطَرِ، ولَكِنْ ماؤُها نازِلٌ مِنَ السَماءِ، قالَ الشَعْبِيُّ: وكُلُّ ماءٍ عَذْبٍ في الأرْضِ فَمِنَ السَماءِ نَزَلَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، و"سَلَكَهُ" مَعْناهُ: أجْراهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجُ وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: نَطْعَنُهم سُلْكى ومَخْلُوجَةً....
∗∗∗ كَرَّكَ لَأْمَيْنِ عَلى نابِلِ وواحِدُ اليَنابِيعِ: يَنْبُوعٌ، وهو العَيْنُ بُنِيَ لَها بِناءٌ، مُبالَغَةٌ مِنَ النَبْعِ.
و"الزَرْعُ" هُنا واقِعٌ عَلى كُلِّ ما يُزْرَعُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ألْوانُهُ": أعْراضُهُ مِنَ الحُمْرَةِ والصُفْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"يَهِيجُ": يَيْبَسُ، هاجَ النَباتُ والزَرْعُ إذا يَبِسَ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الحَدِيثِ الَّذِي في غَرِيبِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: "ذِمَّتِي رَهِينَةٌ، وأنا بِهِ زَعِيمٌ ألّا يَهِيجَ عَلى التَقْوى زَرْعُ قَوْمٍ ولا يَيْبَسَ عَلى التَقْوى....
أصْلَ الحَدِيثِ".
و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ [لَذِكْرى]﴾ [ق: ٣٧] أيْ: لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ وإحْياءِ المَوْتى عَلى ما يُوحِيهِ هَذا المِثالُ المَذْكُورُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي انتُقل به إلى غرض التنويه بالقرآن وما احتوى عليه من هدى الإِسلام، وهو الغرض الذي ابتدئت به السورة وانثنى الكلام منه إلى الاستطراد بقوله تعالى: ﴿ فاعبد اللَّه مخلصاً له الدين ﴾ [الزمر: 2] إلى هنا، فهذا تمهيد لقوله: ﴿ أفَمَن شَرَحَ الله صَدرهُ للإسلامِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلِكَ هُدَى الله يهْدِي به من يشاءُ ﴾ [الزمر: 22، 23] فمُثلت حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعدُ بنماء ذلك الاهتداء، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله.
وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها: فإِنزال الماء من السماء تشبيه لإِنزال القرآن لإِحياء القلوب، وإسلاكُ الماء ينابيع في الأرض تشبيه لِتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طَيِّب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لِتكاثر المؤمنين بين المشركين.
وأما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَجْعلُهُ حُطاماً ﴾ فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواءِ الناس فيها من نافع وضار.
وفي تعقيب هذا بقوله: ﴿ أفَمَن شَرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِل الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: 22، 23] إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل.
وقريب من تمثيل هذه الآية ما في «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقيَّةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشُب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً فذلك مَثَل من فقُه في دين الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومثَل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به " ويجوز أن يكون المعنى أصالةً وإدماجاً على عكس ما بيّنا، فيكونَ عَوْداً إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية بدليل من مخلوقاته التي يشاهدها الناس مشاهدة متكررة، فيكونَ قوله تعالى: ﴿ ألم ترَ أن الله أنزل من السماءِ ماءً ﴾ إلى قوله: ﴿ إن في ذلك لذكرى لأولي الألبابِ ﴾ متصلاً بقوله تعالى: ﴿ خلقكم من نفسسٍ واحدةٍ ثمَّ جعَلَ منها زَوجَهَا ﴾ [الزمر: 6] المتصل بقوله تعالى: ﴿ خَلَق السماواتتِ والأرض بالحققِ يُكورُ الليل على النَّهار ﴾ [الزمر: 5]، ويكونَ ما بيناه من تمثيل حال نزول القرآن وانتفاع المؤمنين إدماجاً في هذا الاستدلال.
وعلى كلا الوجهين أُدمج في أثناء الكلام إيماء إلى إمكان إحياء الناس حياة ثانية.
والكلام استفهام تقريري، والخطاب لكل من يصلح للخطاب فليس المراد به مخاطباً معيَّناً.
والرؤية بصرية.
وقوله: ﴿ أنزلَ مِن السماءِ ماءً ﴾ تقدم نظيره في قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ في سورة [الأنعام: 99].
و ﴿ سلكه ﴾ أدخله، أي جعله سالكاً، أي داخلاً، ففعل سلك هنا متعد وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً ﴾ في سورة [طه: 53]، وذكرنا هنالك أن فعل سلك يكون قاصراً ومتعدّياً، وهذا الإِدخال دليل ثان.
و ﴿ يَنابيعَ ﴾ جمع ينبوع وهو العين من الماء، تقدم في قوله تعالى: ﴿ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ في سورة [الإِسراء: 90].
وانتصب ﴿ ينابيعَ ﴾ على الحال من ضمير ﴿ مَاءً ﴾ .
وتصيير الماء الداخل في الأرض ينابيع دليل ثالث على عظيم قدرة الله.
وعطف ب ﴿ ثم ﴾ قوله: ﴿ ثُمَّ يُخرجُ بهِ زَرعاً ﴾ لإِفادة التراخي الرتبي بحرف ﴿ ثم ﴾ كشأنها في عطف الجمل لأن إخراج الزرع من الأرض بعد إقحالها أوقع في نفوس الناس لأنه أقرب لأبصارهم وأنفع لعيشهم وإذ هو المقصود من المطر.
وهذا الإِخراج دليل رابع.
والألوان: جمع لون، واللون: كيفية لائحة على ظاهر الجسم في الضوء، وتقدم في سورة فاطر [27، 28].
واختلاف ألوان الزرع بالمعنى الأول أن لكل نوع من الزرع لوناً ولنَوْرها ألواناً ولكل صنف من الزرع ألوان مختلفة في أطوار نباته وبلوغه أشُدّه، وهذا الاختلاف مع اتّحاد الأرض التي تنبت فيها واتحاد الماء الذي نبت به آية خامسة على عظيم القدرة والانفراد بالتصرف.
ومعنى ﴿ يهيج ﴾ يغلظ ويرتفع.
وحقيقة الهياج: ثورة الإنسان أو الحيوان، ويستعار الهياج لشدة الشيء من غير الحيوان يقال: هاجت ريِح، ومنه هياج الزرع في الآية لأن الزرع تطول سوقه وسنابله فيتم جفافه فإذا تحرك بمرور الريح عليه صار له حفيف وخشخشة سواء في ذلك الحَب والكَلأ وهذا الطور آية سادسة على الوحدانية.
والحطام: المحطوم، أي المكسور المفتوت، ووزن فُعال (بضم الفاء) يدل على المفعول كالفُتات والدُقاق، ومثله الفُعالة كالصُبابة والقُلامة والقُمامة.
والمعنى: أنه يبلغ من اليبس إلى حد أن يتحطم ويتكسر بحك بعضه بعضاً وتساقُطه وكسر الريح إياه.
وهذا الطور آية سابعة على قدرة الله.
وجميعها آيات على دقة صنعه وكيف أودع الأطوار الكثيرة في الشيء الواحد يخلف بعضها بعضاً من طور وجوده إلى طور اضمحلاله.
وجملة ﴿ إنَّ في ذلك لذكرى لأُولِى الألباب ﴾ مبيّنة للاستفهام التقريري وفذلكة للأطوار المستفهم عنها، فالإِشارة بذلك إلى المذكور من الإِنزال إلى آخر الأطوار.
والمراد: ذكرى بالدلالة على ما يغفل عنه العاقل.
ويجوز أن تكون الذكرى لما يذهل عنه العاقل مما تشتمل عليه هذه الأحوال من مبدئها إلى منتهاها.
فمن ذلك أنها تصلح مثالاً لتقريب البعث فإن إنزال الماء على الأرض وإنباتها بسببه أمر يتجدد بعد أن صار ما عليها من النبات حطاماً، وتخللت زراريعه الأرض فنبتت مرة أخرى بنزول الماء، فكذلك يعود الإِنسان بعد فنائه كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ﴾ [نوح: 17، 18] فتتضمن الآية إدماج تقريب البعث وإمكانه مع الاستدلال على انفراد الله تعالى بالتصرف، ومن ذلك أنها تصلح مثلاً للحياة الدنيا كما في آية سورة يونس وفي سورة الكهف، والمقصود: تشبيه الحالة بالحالة فلا يُعتبر التجوز في مفردات هذا المركب بأن يطلب لكل طور من أطوار الدنيا طور يشتبه به من أطوار النبات.
ومنها أنها مثل لأطوار الإِنسان من طور النطف إلى الشباب إلى الشيخوخة ثم الهلاك، والمقصود تشبيه الحالة بالحالة مع إمكان توزيع تشبيه كل طور من أطوار الحالة المشبهة بطور من أطوار الحالة المشبه بها وهو أكمل أنواع التمثيلية.
و ﴿ أولي الألبَابِ ﴾ هم الذين ينتفعون بألبابهم فيهتدون بما نصب لهم من الأدلة، كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألباب ﴾ [الزمر: 9]، وهم الذين استدلوا فآمنوا.
وفي هذا تعريض بأن الذين لم يستفيدوا من الأدلة بمنزلة مَن عدموا العقول.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاغُوتَ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: الأوْثانُ، قالَهُ الضَّحّاكُ و السُّدِّيُّ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلَ هارُوتَ ومارُوتَ.
الثّانِي: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ.
﴿ وَأنابُوا إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أقْبَلُوا إلى اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: اسْتَقامُوا إلى اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: وأنابُوا إلى اللَّهِ مِن ذُنُوبِهِمْ.
﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: بُشْرى المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها البُشْرى عِنْدَ المُعايَنَةِ بِما يُشاهِدُهُ مِن ثَوابِ عَمَلِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَوْلَ كِتابُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ كِتابٌ مِنَ اللَّهِ ولَكِنْ يَسْتَمِعُونَ أقاوِيلَ الأُمَمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طاعَةُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أحْسَنَ ما أُمِرُوا بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهم إذا سَمِعُوا قَوْلَ المُسْلِمِينَ وقَوْلَ المُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا أحْسَنَهُ وهو الإسْلامُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الخامِسُ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنَ الرَّجُلِ فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما يَسْمَعُ مِنهُ، ويُمْسِكُ عَنْ أسْوَئِهِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهم يَسْتَمِعُونَ عَزْمًا وتَرْخِيصًا فَيَأْخُذُونَ بِالعَزْمِ دُونَ الرُّخَصِ.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ﴾ الآيَةَ.
قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها في جاهِلِيَّتِهِمْ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما صارَ مِنَ العُقُولِ إلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ قال: ما أنزل الله من السماء ولكن عروق في الأرض تغمره فذلك قوله: ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعد.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ أصله من السماء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ قال: عيوناً.
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه قال: العيون والركايا مما أنزل الله من السماء ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾ معنى سلكه أدخله وأجراه، والينابيع: جمع ينبوع وهو العين، وفي هذا دليل على أن ماء العيون من المطر ﴿ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي أصنافه كالقمح والأرز والفول وغير ذلك، وقيل: ألوانه الخضرة والحمرة وشبه ذلك، وفي الوجهين دليل على الفاعل المختار وَرَدٌ على الطبائع الملحدين.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا ﴾ .
اختلف في الطاغوت: قال بعضهم: هو الشيطان، أي: اجتنبوا من أن يأتمروه وأطاعوه.
وقال بعضهم: الطاغوت هم الكهنة، كانوا يأتون الكهنة فيخبرونهم بأمور فيعملون بقولهم ويصدقونهم، يقول: أي: اجتنبوا من أن تطيعوا الكهنة في أمورهم ونهيهم.
وقال بعضهم: كل معبود دون الله فهو طاغوت، وهو من الطغيان وهو المجاوزة عن الحد.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أقبلوا ورجعوا إلى ما أمرهم الله به، أو رجعوا إلى ما به طاعته وتركوا ما به مخالفته، وانتهوا عن مناهيه، والإنابة إلى الله هي الرجوع إلى أمر الله وإلى ما به طاعته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴾ .
وهو ما ذكر في قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ فعلى ما ذكر لهؤلاء من البشرى لهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنهم أولياء الله.
وقوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: الذين يستمعون كلام الناس من الخير والشر والحسن والقبيح فيتبعون أحسنه، أي: يرون ويحكمون منه ما هو خير وحسن، ويتركون ما هو شر وقبيح.
وقال بعضهم: يستمعون القرآن وكلام الناس وأحاديثهم، فيأخذون بالقرآن ويتبعونه ويتركون كلام الناس وأحاديثهم، فهو اتباع الأحسن منه وهو القرآن.
وقال بعضهم: يستمعون [القرآن] وفيه الناسخ والمنسوخ، فيتبعون أحسنه، أي: ناسخه، ويعملون به ويتركون منسوخه لا يعملون به.
وقال بعضهم: يستمعون إلى القرآن وفيه الأمر والنهي فيتبعون أمره وينتهون عما نهى عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ ، أي: يتبعون الحسن منه الأحسن، بمعنى: الحسن، والله أعلم.
وقال قائلون: فيتبعون أحسن ما في القرآن من الطاعة منه؛ كقوله: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا...
﴾ الآية [الأعراف: 145]، وتأويله ما ذكرنا: أن خذوا ما فيه من الأمر وأتمروا به وانتهوا عما فيه من المناهي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
أي: أولئك هم المنتفعون بلبهم وعقولهم؛ حيث اختاروا وآثروا هداية الله ونظروا إليها بالتعظيم والإجلال واهتدوا.
وقوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ﴾ .
ذكر الله - - في هذه السورة أشياء لا يعرف لها أجوبة في الظاهر إلا بالتأمل والاستدلال على غيره، من ذلك ما ذكر: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: أفمن حق عليه العذاب كمن له البشرى في الآخرة؛ لأنه ذكر فيما تقدم للمؤمنين البشرى حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ...
﴾ الآية، على هذا يخرج جوابه: أفمن وجب عليه العذاب كمن وجب له البشرى، لا سواء.
أو أن يقول: أفمن حق ووجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام، أي: ليس الذي وجب عليه العذاب كالذي شرح صدره للإسلام.
أو أن يقول: هذا لنازلة كانت لرسول الله ، لحرصه على إسلام قوم أحب أن يسلموا، فقال هذا له على الإياس من إسلامهم؛ يقول: أفمن وجب عليه العذاب، أفأنت تنقذه وتخلص من النار من قد وجب عليه العذاب، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كان لا يقدر أن يكرههم على الإسلام، لكنه كان يحب ويحرص على إسلامهم ويحزن لتركهم الإسلام؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ونحو ذلك، كان يحزن وكادت نفسه تتلف إشفاقاً عليهم، فيقول: أفمن وجب وحق عليه العذاب، أتقدر أن تنقذه من النار؟
أي: لا تقدر على ذلك، والله أعلم.
ثم بين الذين أنقذوا من النار، وهم الذين اتقوا ربهم، حيث قال - عز وجل -: ﴿ لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ ﴾ .
يحتمل اتقوا مخالفة ربهم، واتقوا سخط ربهم ونقمته.
ثم بين ما أُعد لهم في الآخرة، فقال - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ ﴾ ذكر أن لهم غرفاً في الجنة، والغرف على الغرف في الشاهد إنما تتخذ لضيق المكان، لكن ذلك في الجنة ليس لذلك ولكن لما كان عرف من رغبة الناس في الدنيا في الارتفاع والعلو والكراهية للتسفل والانحدار في الأرض رغبهم في الآخرة على ما رغبوا وأحبوا في الدنيا، ولكن لأهل الجنة الدرجات ولأهل النار الدركات.
ثم قوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .
يخبر أن أمر الجنة على خلاف أهل الدنيا؛ إذ في الدنيا كلما ارتفع وعلا من البنيان كان الماء منها أبعد والوصول إليه أصعب، فأخبر أنهم وإن كانوا في الغرف والدرجات فأبصارهم مما تقع على الماء والماء لا يبعد عنهم ولا يصعب، والله أعلم.
ثم ذكر في الغرف البناء وذكر في السماء أنه بناها، فلم يفهم من بنائه ما ذكر ما فهم من بناء الخلق، فكيف فهم من مجيئه وغير ذلك ما فهم من مجىء الخلق وإتيانهم لولا ما كان فيهم من فساد اعتقادهم، والله أعلم.
ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ ؛ لأن من وعد في الشاهد وعداً ثم أخلفه إنما يخلفه لحاجته، أو لما يبدو له من البدوات فيرجع عما وعد، والله وتعالى - [منزه] عن ذلك كله، لا يحتمل خلف الوعد منه.
<div class="verse-tafsir"
إنكم تعلمون بالمشاهدة أن الله أنزل من السماء ماء المطر، فأدخله في عيونٍ ومجارٍ، ثم يخرج بهذا الماء زرعًا مختلف الألوان، ثم ييبس الزرع، فتراه -أيها المشاهد- مُصْفَرَّ اللون بعد أن كان مُخْضَرًّا، ثم يجعله بعد يبسه متكسِّرًا متهشمًا، إن في ذلك المذكور لتذكيرًا لأصحاب القلوب الحية.
من فوائد الآيات إخلاص العبادة لله شرط في قبولها.
المعاصي توجب عذاب الله وغضبه.
هداية التوفيق إلى الإيمان بيد الله، وليست بيد الرسول .
<div class="verse-tafsir" id="91.nLa41"