تفسير الآية ٢٣ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٢٣ من سورة الزمر

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًۭا مُّتَشَـٰبِهًۭا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ٢٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٣ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا مدح من الله - عز وجل - لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم ، قال الله تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ) قال مجاهد : يعني القرآن كله متشابه مثاني .

وقال قتادة : الآية تشبه الآية ، والحرف يشبه الحرف .

وقال الضحاك : ( مثاني ) ترديد القول ليفهموا عن ربهم - عز وجل - .

وقال عكرمة ، والحسن : ثنى الله فيه القضاء - زاد الحسن : تكون السورة فيها آية ، وفي السورة الأخرى آية تشبهها .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( مثاني ) مردد ، ردد موسى في القرآن ، وصالح وهود والأنبياء ، عليهم السلام ، في أمكنة كثيرة .

وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( مثاني ) قال : القرآن يشبه بعضه بعضا ، ويرد بعضه على بعض .

وقال بعض العلماء : ويروى عن سفيان بن عيينة معنى قوله : ( متشابها مثاني ) أن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد ، فهذا من المتشابه ، وتارة تكون بذكر الشيء وضده ، كذكر المؤمنين ثم الكافرين ، وكصفة الجنة ثم صفة النار ، وما أشبه هذا ، فهذا من المثاني ، كقوله تعالى : ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) [ الانفطار : 14 ، 13 ] ، وكقوله ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ) [ المطففين : 7 ] ، إلى أن قال : ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ) [ المطففين : 18 ] ، ( هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ) ، إلى أن قال : ( هذا وإن للطاغين لشر مآب ) ، ونحو هذا من السياقات فهذا كله من المثاني ، أي : في معنيين اثنين ، وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضا ، فهو المتشابه وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله : ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) [ آل عمران : 7 ] ، ذاك معنى آخر .

وقوله : ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) أي هذه صفة الأبرار ، عند سماع كلام الجبار ، المهيمن العزيز الغفار ، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد .

والتخويف والتهديد ، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف ، ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه ، فهم مخالفون لغيرهم من الكفار من وجوه : أحدها : أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات ، وسماع أولئك نغمات لأبيات ، من أصوات القينات .

الثاني : أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، بأدب وخشية ، ورجاء ومحبة ، وفهم وعلم ، كما قال : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) [ الأنفال : 2 - 4 ] وقال تعالى : ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ) [ الفرقان : 73 ] أي : لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها ، بل مصغين إليها ، فاهمين بصيرين بمعانيها ; فلهذا إنما يعملون بها ، ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم [ أي يرون غيرهم قد سجد فيسجدون تبعا له ] .

.

الثالث : أنهم يلزمون الأدب عند سماعها ، كما كان الصحابة ، رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله من تلاوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقشعر جلودهم ، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله .

لم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم ، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك ; ولهذا فازوا بالقدح المعلى في الدنيا والآخرة .

قال عبد الرزاق : حدثنا معمر قال : تلا قتادة ، رحمه الله : ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) قال : هذا نعت أولياء الله ، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم ، وتبكي أعينهم ، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم ، إنما هذا في أهل البدع ، وهذا من الشيطان .

وقال السدي : ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) أي : إلى وعد الله .

وقوله : ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ) أي : هذه صفة من هداه الله ، ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله ، ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) [ الرعد : 33 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) يقول تعالى ذكره: ( اللَّهُ نـزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا ) يعني به القرآن ( مُتَشَابِهًا ) يقول: يشبه بعضه بعضا, لا اختلاف فيه, ولا تضادّ.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( اللَّهُ نـزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ) الآية تشبه الآية, والحرف يشبه الحرف.

حدثنا محمَّد قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( كِتَابًا مُتَشَابِهًا ) قال: المتشابه: يشبه بعضه بعضا.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جُبَير, في قوله: ( كِتَابًا مُتَشَابِهًا ) قال: يشبه بعضه بعضا, ويصدّق بعضه بعضا, ويدلّ بعضه على بعض.

وقوله: ( مَثَانِيَ ) يقول: تُثنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن عُلَية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله: ( اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ) قال: ثنى الله فيه القضاء, تكون السورة فيها الآية في سورة أخرى آية تشبهها, وسئل عنها عكرمة (1) .

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ) قال: في القرآن كله.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( مَثَانِيَ ) قال: ثَنَى الله فيه الفرائض, والقضاء, والحدود.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( مَثَانِيَ ) قال: كتاب الله مثاني, ثنى فيه الأمر مرارا.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, فى قوله: ( مَثَانِيَ ) قال: كتاب الله مثاني, ثَنى فيه الأمر مرارا.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( مَثَانِيَ ) ثنى في غير مكان.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( مَثَانِيَ ) مردّد, رُدِّد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء في أمكنة كثيرة.

وقوله: ( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) يقول تعالى ذكره: تقشعرّ من سَماعه إذا تلي عليهم جلود الذين يخافون ربهم ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) يعني إلى العمل بما في كتاب الله, والتصديق به.

وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أجل أن أصحابه سألوه الحديث.

ذكر الرواية بذلك: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأودي, قال: ثنا حكام بن سلم, عن أيوب بن موسى, عن عمرو الملئي عن ابن عباس, قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا؟

قال: فنـزلت: ( اللَّهُ نـزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ).

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن, عن عمرو بن قيس, قال: قالوا: يا نبي الله, فذكر مثله.

( ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآن من اقشعرار جلودهم, &; 21-281 &; ثم لينها ولين قلوبهم إلى ذكر الله من بعد ذلك,( هُدَى اللَّهِ ) يعني: توفيق الله إياهم وفَّقهم له ( يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول: يهدي تبارك وتعالى بالقرآن من يشاء من عباده.

وقد يتوجَّه معنى قوله: ( ذَلِكَ هُدَى ) إلى أن يكون ذلك من ذكر القرآن, فيكون معنى الكلام: هذا القرآن بيان الله يهدي به من يشاء, يوفق للإيمان به من يشاء.

وقوله: ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) يقول تعالى ذكره: ومن يخذله الله عن الإيمان بهذا القرآن والتصديق بما فيه, فيضله عنه, فما له من هاد، يقول: فما له من مُوَفِّق له, ومسدد يسدده في اتباعه.

------------------ الهوامش : (1) الذي في الدر: وسئل عنها عكرمة، فقال: ثنى الله فيه القضاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد .فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : الله نزل أحسن الحديث يعني القرآن .

لما قال : " فيتبعون أحسنه " بين أن أحسن ما يسمع ما أنزله الله وهو القرآن .

قال سعد بن أبي وقاص قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو حدثتنا ، فأنزل الله - عز وجل - : الله نزل أحسن الحديث فقالوا : لو قصصت علينا ، فنزل : " نحن نقص عليك أحسن القصص " فقالوا : لو ذكرتنا ، فنزل : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله [ ص: 222 ] الآية .

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملوا ملة فقالوا له : حدثنا فنزلت .

والحديث ما يحدث به المحدث .

وسمي القرآن حديثا ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحدث به أصحابه وقومه ، وهو كقوله : فبأي حديث بعده يؤمنون وقوله : " أفمن هذا الحديث تعجبون " وقوله : إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا وقوله : ومن أصدق من الله حديثا وقوله : فذرني ومن يكذب بهذا الحديث قال القشيري : وتوهم قوم أن الحديث من الحدوث ، فيدل على أن كلامه محدث ، وهو وهم ; لأنه لا يريد لفظ الحديث على ما في قوله : " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " وقد قالوا : إن الحدوث يرجع إلى التلاوة لا إلى المتلو ، وهو كالذكر مع المذكور إذا ذكرنا أسماء الرب تعالى ." كتابا " نصب على البدل من " أحسن الحديث " ويحتمل أن يكون حالا منه .

" متشابها " يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضا ، ليس فيه تناقض ولا اختلاف .

وقال قتادة : يشبه بعضه بعضا في الآي والحروف .

وقيل : يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه ، لما يتضمنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب ، وإن كان أعم وأعجز .ثم وصفه فقال : " مثاني " تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام ، وثني للتلاوة فلا يمل .

" تقشعر " تضطرب وتتحرك بالخوف مما فيه من الوعيد .

" ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " أي عند آية الرحمة .

وقيل : إلى العمل بكتاب الله والتصديق به .

وقيل : إلى ذكر الله يعني الإسلام .الثانية : عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما قالت : كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله ، تدمع أعينهم ، وتقشعر جلودهم .

قيل لها : فإن أناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه .

فقالت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

وقال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي : مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط ، فقال : ما بال هذا ؟

قالوا : إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط .

فقال ابن عمر : إنا لنخشى الله وما نسقط .

ثم قال : إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال عمر بن عبد العزيز : ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن ، فقال : بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق .

وقال أبو عمران الجوني : وعظ موسى [ ص: 223 ] - عليه السلام - بني إسرائيل ذات يوم فشق رجل قميصه ، فأوحى الله إلى موسى : قل لصاحب القميص لا يشق قميصه ؛ فإني لا أحب المبذرين ، يشرح لي عن قلبه .الثالثة : قال زيد بن أسلم : قرأ أبي بن كعب عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أصحابه فرقوا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة .

وعن العباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها .

وعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرمه الله على النار .

وعن شهر بن حوشب عن أم الدرداء قالت : إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة ، أما تجد إلا قشعريرة ؟

قلت : بلى ، قالت : فادع الله ؛ فإن الدعاء عند ذلك مستجاب .

وعن ثابت البناني قال : قال فلان : إني لأعلم متى يستجاب لي .

قالوا : ومن أين تعلم ذلك ؟

قال : إذا اقشعر جلدي ، ووجل قلبي ، وفاضت عيناي ، فذلك حين يستجاب لي .

يقال : اقشعر جلد الرجل اقشعرارا فهو مقشعر والجمع قشاعر ، فتحذف الميم لأنها زائدة ، يقال أخذته قشعريرة .

قال امرؤ القيس :فبت أكابد ليل التما م والقلب من خشية مقشعروقيل : إن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة ، فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته ، اقشعرت الجلود منه إعظاما له ، وتعجبا من حسن ترصيعه وتهيبا لما فيه ، وهو كقوله تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله فالتصدع قريب من الاقشعرار ، والخشوع قريب من قوله : ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ومعنى لين القلب رقته وطمأنينته وسكونه .ذلك هدى الله أي القرآن هدى الله .

وقيل : أي : الذي وهبه الله لهؤلاء من خشية عقابه ورجاء ثوابه هدى الله .ومن يضلل الله فما له من هاد أي من خذله فلا مرشد له .

وهو يرد على القدرية وغيرهم .

وقد مضى معنى هذا كله مستوفى في غير موضع والحمد لله .

ووقف ابن كثير وابن محيصن على قوله : " هاد " في الموضعين بالياء ، الباقون بغير ياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن كتابه الذي نزله أنه { أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } على الإطلاق، فأحسن الحديث كلام اللّه، وأحسن الكتب المنزلة من كلام اللّه هذا القرآن، وإذا كان هو الأحسن، علم أن ألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، وأن معانيه، أجل المعاني، لأنه أحسن الحديث في لفظه ومعناه، متشابها في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف، بوجه من الوجوه.

حتى إنه كلما تدبره المتدبر، وتفكر فيه المتفكر، رأى من اتفاقه، حتى في معانيه الغامضة، ما يبهر الناظرين، ويجزم بأنه لا يصدر إلا من حكيم عليم، هذا المراد بالتشابه في هذا الموضع.وأما في قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } فالمراد بها، التي تشتبه على فهوم كثير من الناس، ولا يزول هذا الاشتباه إلا بردها إلى المحكم، ولهذا قال: { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } فجعل التشابه لبعضه، وهنا جعله كله متشابها، أي: في حسنه، لأنه قال: { أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } وهو سور وآيات، والجميع يشبه بعضه بعضا كما ذكرنا.{ مَثَانِيَ } أي: تثنى فيه القصص والأحكام، والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء اللّه وصفاته، وهذا من جلالته، وحسنه، فإنه تعالى، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب، بمنزلة الماء لسقي الأشجار، فكما أن الأشجار كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقيها حسنت وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام اللّه تعالى عليه، وأنه لو تكرر عليه المعنى مرة واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعا، ولم تحصل النتيجة منه، ولهذا سلكت في هذا التفسير هذا المسلك الكريم، اقتداء بما هو تفسير له، فلا تجد فيه الحوالة على موضع من المواضع، بل كل موضع تجد تفسيره كامل المعنى، غير مراع لما مضى مما يشبهه، وإن كان بعض المواضع يكون أبسط من بعض وأكثر فائدة، وهكذا ينبغي للقارئ للقرآن، المتدبر لمعانيه، أن لا يدع التدبر في جميع المواضع منه، فإنه يحصل له بسبب ذلك خير كثير، ونفع غزير.ولما كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة، أثَّر في قلوب أولي الألباب المهتدين، فلهذا قال تعالى: { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } لما فيه من التخويف والترهيب المزعج، { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } أي: عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر.{ ذَلِكَ } الذي ذكره اللّه من تأثير القرآن فيهم { هُدَى اللَّهِ } أي: هداية منه لعباده، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم، { يَهْدِي بِهِ } أي: بسبب ذلك { مَنْ يَشَاءُ } من عباده.

ويحتمل أن المراد بقوله: { ذَلِكَ } أي: القرآن الذي وصفناه لكم.{ هُدَى اللَّهِ } الذي لا طريق يوصل إلى اللّه إلا منه { يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } ممن حسن قصده، كما قال تعالى { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ } { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه والتوفيق للإقبال على كتابه، فإذا لم يحصل هذا، فلا سبيل إلى الهدى، وما هو إلا الضلال المبين والشقاء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ) يشبه بعضه بعضا في الحسن ، ويصدق بعضه بعضا ليس فيه تناقض ولا اختلاف .

) ( مثاني ) يثنى فيه ذكر الوعد والوعيد ، والأمر والنهي ، والأخبار والأحكام ، ) ( تقشعر ) تضطرب وتشمئز ، ( منه جلود الذين يخشون ربهم ) والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل والخوف ، وقيل : المراد من الجلود القلوب ، أي : قلوب الذين يخشون ربهم .

( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) أي : لذكر الله ، أي : إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله ، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم ، كما قال الله تعالى : " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " ( الرعد - 28 ) .

وحقيقة المعنى : أن قلوبهم تقشعر من الخوف ، وتلين عند الرجاء .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسين بن محمد ، حدثنا موسى بن محمد بن علي ، حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أم كلثوم بنت العباس ، عن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها " .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسين بن محمد ، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا الليث بن سعد ، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد بهذا الإسناد ، وقال : " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار " .

قال قتادة : هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم ، إنما ذلك في أهل البدع ، وهو من الشيطان .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه ، ثنا ابن شيبة ، حدثنا حمدان بن داود ، حدثنا سلمة بن شيبة ، حدثنا خلف بن سلمة ، حدثنا هشيم عن حصين عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر : كيف كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن ؟

قالت : كانوا كما نعتهم الله - عز وجل - تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم ، قال : فقلت لها : إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه ، فقالت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

وبه عن سليمان بن سلمة ثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنا ابن عمر : مر برجل من أهل العراق ساقطا فقال : ما بال هذا ؟

قالوا : إنه إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط ، قال ابن عمر : إنا لنخشى الله وما نسقط !

وقال ابن عمر : إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم ، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وذكر عن ابن سيرين : الذين يصرعون إذ قرئ عليهم القرآن ؟

فقال : بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره ، فإن رمى بنفسه فهو صادق .

) ( ذلك ) يعني : أحسن الحديث ، ( هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله نزَّل أحسن الحديث كتابا» بدل من أحسن، أي قرآنا «متشابها» أي يشبه بعضه بعضا في النظم وغيره «مثانَي» ثني فيه الوعد والوعيد وغيرهما «تقشعر منه» ترتعد عند ذكره وعيده «جلود الذين يخشوْن» «يخافون ربهم ثم تلين» تطمئن «جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله» أي عند ذكر وعده «ذلك» أي الكتاب «هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله تعالى هو الذي نزل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم، متشابهًا في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه، تثنى فيه القصص والأحكام، والحجج والبينات، تقشعر من سماعه، وتضطرب جلود الذين يخافون ربهم؛ تأثرًا بما فيه مِن ترهيب ووعيد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم؛ استبشارًا بما فيه من وعد وترغيب، ذلك التأثر بالقرآن هداية من الله لعباده.

والله يهدي بالقرآن من يشاء مِن عباده.

ومن يضلله الله عن الإيمان بهذا القرآن؛ لكفره وعناده، فما له مِن هاد يهديه ويوفقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدح - سبحانه - كتابه مدحا يليق به ، وبين حال المؤمنين الصادقين عند سماعه ، وسلى نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه .

فقال - تعالى - :( الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً .

.

.

) .قوله - تعالى - : " مثانى " جمع مثنى من التثنية بمعنى التكرار والإِعادة ولذا سميت سورة الفاتحة بالسبع المثانى ، لأنها تكرر وتعاد مع كل صلاة .أى : الله - تعالى - نزل بفضله ورحمته عليك - يا محمد - أحسن الحديث ( كِتَاباً مُّتَشَابِهاً ) أى : يشبه بعضه بعضا فى فصاحته وبلاغته ، وفى نظمه وإعجازه ، وفى صحة معانيه وأحكامه ، وفى صدقه وهداياته وإرشاداته إلى ما يسعد الناس فى دنياهم وآخرتهم .

.

." مثانى " أى : تثنى وتكرر فيه القصص والمواعظ ، والأمثال والأحكام والوعد والوعيد ، كما تثنى وتكرر قراءاته فلا تمل على كثرة الترداد ، وإنما يزداد المؤمنون حبا وتعلقا بتلاوته كلما أكثروا من هذه التلاوة .وسمى - سبحانه - كتابه حديثا ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحدث به قومه ، ويخبرهم بما كان ينزل عليه منه .

فلفظ الحديث هنا بمعنى المحدث به لا بمعنى كونه مقابلا للقديم .ولفظ ( كتابا ) بدل من قوله ( أَحْسَنَ الحديث ) وقوله : ( مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ ) صفتان للكتاب .ووصف بهما وهو مفرد وكلمة ( مثانى ) جمع ، باعتبار اشتماله على الكثير من السور والآيات والقصص والمواعظ والأحكام .أى : الله - تعالى - أنزل أحسن الحديث كتابا مشتملا على السور والآيات والمواعظ .

.

.

التى يشبه بعضها فى الإِعجاز .

.

والتى تثنى وتكرر فلا تمل على كثرة التكرار .

.ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال له ما ملخصه : " وإيقاع اسم مبتدأ ، وبناء ( نزل ) عليه ، فيه تفخيم لأحسن الحديث ورفع منه ، واستشهاد على حسنه ، وتأكيد لاستناده إلى الله ، وأنه من عنده ، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه ، وتنبيه على أنه وحى معجز مباين لسائر الأحاديث .فإن قلت : كيف وصف الواحد بالجمع؟

قلت : إنما صح ذلك لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل ، وتفاصيل الشئ هى جملته لا غير ، ألا تراك تقول : القرآن سور وآيات .

.

.

كما تقول الإِنسان عظام وعروق ، فإن قلت : ما فائدة التثنية والتكرير؟

قلت : النفوس أنفر شئ عن حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم يكرر عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها ، ولم يعمل عمله ، ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات ، ليركزه فى قلوبهم ، كى يغرسه فى صدورهم .

.

.وقوله - تعالى - : ( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله .

.

.

) .استئناف مسوق لبيان آثار هذا القرآن الكريم فى نفوس قارئيه وسامعيه بعد بيان أوصافه فى ذاته .وقوله " تقشعر " من الاقشعرار ، وهو الانقياض الشديد للبدن .

يقال : اقشعر جسد فلان ، إذا انقبض جلده واهتز .

.

.

وهو هنا كناية عن الخوف الشديد من الله - تعالى - .أى : أن هذا الكتاب العظيم عندما يقرؤه أو يسمعه المؤمنون الصادقون الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم من شدة ما اشتمل عليه من زواجر ونذر .

ثم تلين جلودهم وقلوبهم إذا ما قرأوا أو استمعوا إلى آيات الرحمة والمغفرة .قال الجمل : " فإن قلت : لم ذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت القلوب بها ثانيا؟

.قلت : ذكر الخشية التى تحملها القلوب مستلزم لذكر القلوب ، فكأنه قيل : تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم فى أول الأمر ، فإذا ذكروا الله - تعالى - وذكروا رحمته وسعتها ، استبدلوا بالخشية رجاء فى قلوبهم ، وبالقشعريرة لينا فى جلودهم .

.والخلاصة أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين ، أنهم يجمعون عند قراءتهم أو سماعهم للقرآن الكريم بين الخوف والرجاء ، الخوف من عذاب الله - تعالى - والرجاء فى رحمته ومغفرته ، إذ أن إقشعرار الجلود كناية عن الخوف الشديد ، ولين الجلود والقلوب كناية عن السرور والارتياح ، وعدى الفعل " تلين " بإلى لتضمينه معنى تسكن وتطمئن .ومفعول ( ذِكْرِ الله ) محذوف للعلم به ، أى : ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله رحمته وثوابه وجنته .قال ابن كثير ما ملخصه : هؤلاء المؤمنون يخالفون غيرهم من وجوه :أحدها : أن سماع هؤلاء تلاوة الآيات ، وسماع أولئك نغمات الأبيات .الثانى : أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم ، ولم يكونوا - كغيرهم - متشاغلين لاهين عنها .الثالث : أنهم يلزمون الأدب عند سماعها .

.

.

.

ولم يكونوا يتصارخون ويتكلفون ما ليس فيهم .قال قتادة عند قراءة لهذه الآية : هذا نعت أولياء الله ، نعتهم الله بأنهم تقشعر جلودهم وتبكى أعينهم ، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم ، والغشيان عليهم ، إنما هذا فى أهل البدع ، وهذا من الشيطان .

.

.واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : ( ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) يعود إلى الكتاب الذى مرت أوصافه ، وأوصاف القارئين له والمستمعين إليه .أى : ذلك الكتاب العظيم المشتمل على أحسن الإرشادات وأحكمها ، هدى الله الذى يهدى بسببه من يشاء من عباده إلى الصراط المستقيم ، ومن يضلله - سبحانه - عن طريق الحق ، فماله من هاد يهديه إلى هذا الطريق القويم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة العظيمة لأولي الألباب فيها وصف الدنيا بصفة توجب اشتداد النفرة عنها، وذلك أنه تعالى بين أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل كل ما كان في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه فيسلكه ينابيع في الأرض، أي فيدخله وينظمه ينابيع في الأرض عيوناً، ومسالك ومجاري كالعروق في الأجسام، يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفاً أصنافه من بر وشعير وسمسم ثم يهيج، وذلك لأنه إذا تم جفافه جاز له أن ينفصل عن منابته، وإن لم تتفرق أجزاؤه، فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن تتفرق ثم يصير حطاماً يابساً ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى ﴾ يعني أن من شاهد هذه الأحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والإنسان كذلك وأنه وإن طال عمره فلابد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء، ثم تكون عاقبته الموت.

فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات تذكره حصول مثل هذه الأحوال في نفسه وفي حياته، فحينئذ تعظم نفرته في الدنيا وطيباتها.

والحاصل أنه تعالى في الآيات المتقدمة ذكر ما يقوي الرغبة في الآخرة، وذكر في هذه الآية ما يقوي النفرة عن الدنيا، فشرح صفات القيامة يقوي الرغبة في طاعة الله، وشرح صفات الدنيا يقوي النفرة عن الدنيا، وإنما قدم الترغيب في الآخرة على التنفير عن الدنيا، لأن الترغيب في الآخرة مقصود بالذات، والتنفير عن الدنيا مقصود بالعرض، والمقصود بالذات مقدم على المقصود بالعرض، فهذا تمام الكلام في تفسير الآية، بقي هاهنا ما يتعلق بالبحث عن الألفاظ، قال الواحدي: والينابيع جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع يقال نبع الماء ينبع وينبع وينبع ثلاث لغات ذكرها الكسائي والفراء، وقوله: ﴿ يَنَابِيعَ ﴾ نصب بحذف الخافض لأن التقدير فسلكه في ينابيع ثم يهيج أي يخضر، والحطام ما يجف ويتفتت ويكسر من النبت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة، فقالوا له: حدثنا فنزلت، وإيقاع اسم الله مبتدأ وبناء ﴿ نَزَّلَ ﴾ عليه: فيه تفخيم لأحسن الحديث، ورفع منه، واستشهاد على حسنه، وتأكيد لاستناده إلى الله وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلاّ عنه، وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث.

و ﴿ كتابا ﴾ بدل من أحسن الحديث.

ويحتمل أن يكون حالاً منه ﴿ متشابها ﴾ مطلق في مشابهة بعضه بعضاً، فكان متناولاً لتشابه معانيه في الصحة والإحكام، والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق، وتناسب ألفاظه وتناصفها في التخير والإصابة، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت، ويجوز أن يكون ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ بياناً لكونه متشابهاً؛ لأن القصص المكررة لا تكون إلاّ متشابهة.

والمثاني: جمع مثنى بمعنى مردّد مكرّر، ولما ثنى من قصصه وأنبائه، وأحكامه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه.

وقيل: لأنه يثنى في التلاوة، فلا يمل كما جاء في وصفه لا يتفه ولا يتشان ولا يخلق على كثرة الرّد.

ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل، من التثنية بمعنى التكرير، والإعادة كما كان قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْن ﴾ [الملك: 4] بمعنى كرّة بعد كرّة، وكذلك: لبيك وسعديك، وحنانيك.

فإن قلت: كيف وصف الواحد بالجمع؟

قلت: إنما صحّ ذلك لأنّ الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس، وسور وآيات، وكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات، ونظيره قولك: الإنسان عظام وعروق وأعصاب، ألا أنك تركت الموصوف إلى الصفة؛ وأصله: كتاباً متشابهاً فصولاً مثاني.

ويجوز أن يكون كقولك: برمة أعشار، وثوب أخلاق.

ويجوز أن لا يكون مثاني صفة، ويكون منتصباً على التمييز من متشابهاً، كما تقول: رأيت رجلاً حسناً شمائل، والمعنى: متشابهة مثانية.

فإن قلت: ما فائدة التثنية والتكرير؟

قلت: النفوس أنفر شيء من حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عوداً عن بدء، لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعاً ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم.

اقشعر الجلد: إذا تقبّض تقبضاً شديداً، وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس، مضموماً إليها حرف رابع وهو الراء، ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد.

يقال: اقشعر جلده من الخوف وقف شعره، وهو مثل في شدّة الخوف، فيجوز أن يريد به الله سبحانه التمثيل، تصويراً لإفراط خشيتهم، وأن يريد التحقيق.

والمعنى: أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده: أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم، ثم إذا ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة: لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة.

فإن قلت: ما وجه تعديه ﴿ لان ﴾ بإلى؟

قلت: ضمن معنى فعل متعدّ بإلى، كأنه قيل: سكنت.

أو اطمأنت إلى ذلك الله لينة غير متقبضة، راجية غير خاشية.

فإن قلت: لم اقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة؟

قلت: لأنّ أصل أمره الرحمة والرأفة، ورحمته هي سابقة غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال قبل كل شيء من صفاته إلا كونه رؤوفاً رحيماً.

فإن قلت: لم ذكرت الجلود وحدها أوّلاً، ثم قرنت بها القلوب؟

ثانياً؟

قلت: إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب، فقد ذكرت القلوب، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد، وتخشى قلوبهم في أوّل وهلة، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة: استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة ليناً في جلودهم ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى الكتاب، وهو ﴿ هُدَى الله يَهْدِى بِهِ ﴾ يوفق به من يشاء يعني: عباده المتقين، حتى يخشوا تلك الخشية ويرجوا ذلك الرجاء، كما قال: ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2] ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ ومن يخذله من الفساق والفجرة ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله، أي: أثر هداه وهو لطفه، فسماه هدى لأنه حاصل بالهدى، ﴿ يَهْدِى بِهِ ﴾ بهذا الأثر ﴿ من يشاء ﴾ من عباده، يعني: من صحب أولئك ورآهم خاشين راجين، فكان ذلك مرغباً لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ : ومن لم يؤثر فيه ألطافه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره، ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ من مؤثر فيه بشيء قط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، رُوِيَ «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا لَهُ حَدِّثْنا فَنَزَلَتْ.» وَفِي الِابْتِداءِ بِاسْمِ اللَّهِ وبِناءِ نَزَلَ عَلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِلْإسْنادِ إلَيْهِ وتَفْخِيمٌ لِلْمُنْزِلِ واسْتِشْهادٌ عَلى حُسْنِهِ.

﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ بَدَلٌ مِن أحْسَنَ أوْ حالٌ مِنهُ، وتَشابُهُهُ تَشابُهُ أبْعاضِهِ في الإعْجازِ وتَجاوُبِ النَّظْمِ وصِحَّةِ المَعْنى والدَّلالَةِ عَلى المَنافِعِ العامَّةِ.

﴿ مَثانِيَ ﴾ جَمْعُ مَثْنى أوْ مُثَنّى أوْ مُثْنٍ عَلى ما مَرَّ في «الحِجْرِ»، وصَفَ بِهِ كِتابًا بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِهِ كَقَوْلِكَ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ، والإنْسانُ: عِظامٌ وعُرُوقٌ وأعْصابٌ، أوْ جُعِلَ تَمْيِيزًا مِن مُتَشابِهًا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلُهُ.

﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ تَشْمَئِزُّ خَوْفًا مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ واقْشِعْرارُ الجِلْدِ تَقَبُّضُهُ وتَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ القَشْعِ وهو الأدِيمُ اليابِسُ بِزِيادَةِ الرّاءِ لِيَصِيرَ رُباعِيًّا كَتَرْكِيبِ أُقَمْطِرُ مِنَ القَمْطِ وهو الشَّدُّ.

﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ بِالرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَغْفِرَةِ، والإطْلاقُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ أصْلَ أمْرِهِ الرَّحْمَةُ وأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، والتَّعْدِيَةُ بِـ إلى لِتَضْمِينِ مَعْنى السُّكُونِ والِاطْمِئْنانِ، وذَكَرَ القُلُوبَ لِتَقَدُّمِ الخَشْيَةِ الَّتِي هي مِن عَوارِضِها.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الكِتابُ أوِ الكائِنُ مِنَ الخَشْيَةِ والرَّجاءِ.

﴿ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ.

﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ ومَن يَخْذُلُهُ.

﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يُخْرِجُهم مِنَ الضَّلالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث} في إيقاع اسم الله مبتدا أو بناء نَزَّلَ عليه تفخيم لأحسن الحديث {كتابا} بدل من أَحْسَنَ الحديث أو حال منه {متشابها} يشبه بعضه بعضاً في الصدق والبيان والوعظ والحكمة والإعجاز وغير ذلك {مَّثانِىَ} نعت كتابا جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه فهو بيان لكونه متشابهاً لأن القصص المكررة وغيرهما لا تكون إلا متشابهة وقيل لأنه يثنّى في التلاوة فلا يمل وإنما جاز وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل وتفاصيل الشيء هي جملته ألا تراك

تقول القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات أو منصوب على التمييز من متشابها كما تقول رأيت رجلاً حسناً شمائل والمعنى متشابهة مثانية {تَقْشَعِرُّ} تضطرب وتتحرك {مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} يقال اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضاً شديداً والمعنى أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم وفي الحديث إذا اقشعر جلد المؤمن من خشية الله تحاتّت عنا ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله} أي إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة وعدى بالى لتضمنه معنى فعل متعد بالى كأنه قيل اطمأنت إلى ذكر الله لينة غير منقبضة واقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة لأن رحمته سبقت غضبه فلا صالة رحمته إذا ذكر الله لم يخطر بالبال إلا كونه رؤوفا رحيما

الزمر (٢٩ - ٢٣)

وذكرت الجلود وحدها أولاً ثم قرنت بها القلوب ثانياً لأن محل الخشية القلب فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب {ذلك} إشارة إلى الكتاب وهو {هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ} مِنْ عِبَادِهِ وهو من علم منهم اختيار الاهتداء {وَمَن يُضْلِلِ الله} يخلق الضلالة فيه {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} إلى الحق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ، وكَوْنُهُ حَدِيثًا بِمَعْنى كَوْنِهِ كَلامًا مُحَدَّثًا بِهِ، لا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقابِلًا لِلْقَدِيمِ، ومَن قالَ بِالتَّلازُمِ مِنَ الأشاعِرَةِ القائِلِينَ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ جَعَلَ الأوْصافَ الدّالَّةَ عَلى الحُدُوثِ لِذَلِكَ الكَلامِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إطْلاقَ الحَدِيثِ هُنا عَلى القُرْآنِ مِن بابِ المُشاكَلَةِ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَتْ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الصَّحابَةَ مَلُّوا مَلَّةً، فَقالُوا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: حَدِّثْنا فَنَزَلَتْ.

أيْ إرْشادًا لَهم إلى ما يُزِيلُ مَلَلَهُمْ، وهو تِلاوَةُ القُرْآنِ واسْتِماعُهُ مِنهُ  غَضًّا طَرِيًّا.

وفي إيقاعِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى مُبْتَدَأً وبِناءِ ﴿ نَزَّلَ ﴾ عَلَيْهِ تَفْخِيمٌ لِأحْسَنِ الحَدِيثِ واسْتِشْهادٌ عَلى أحْسَنِيَّتِهِ، وتَأْكِيدٌ لِاسْتِنادِهِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأنَّ مِثْلَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، أمّا التَّفْخِيمُ، فَلِأنَّهُ مِن بابِ الخَلِيفَةِ عِنْدَ فُلانٍ، وأمّا الِاسْتِشْهادُ عَلى أحْسَنِيَّتِهِ فَلِكَوْنِهِ مِمَّنْ لا يُتَصَوَّرُ أكْمَلُ مِنهُ بَلْ لا كَمالَ لِشَيْءٍ ما في جَنْبِهِ بِوَجْهٍ، وأمّا تَوْكِيدُ الِاسْتِنادِ إلَيْهِ تَعالى فَمِنَ التَّقْوى، وأمّا أنَّ مِثْلَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَلِمَكانِ التَّناسُبِ، لِأنَّ أكْمَلَ الحَدِيثِ إنَّما يَكُونُ مِن أكْمَلِ مُتَكَلِّمٍ ضَرُورَةً، ومَذْهَبُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ يُفِيدُ الحَصْرَ، وأنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّقْوى جَمْعًا، فافْهَمْ.

﴿ كِتابًا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ إضافَةَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا كَما ظَنَّ أبُو حَيّانَ، فَإنَّ مُطْلَقَ الإضافَةِ كافِيَةٌ في صِحَّةِ الحالِيَّةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى إلْمامٍ بِالعَرَبِيَّةِ، ووُقُوعُهُ حالًا مَعَ كَوْنِهِ اسْمًا لا صِفَةً إمّا لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُتَشابِهًا ﴾ أوْ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ مَكْتُوبًا.

والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُتَشابِهًا هُنا تَشابُهُ مَعانِيهِ في الصِّحَّةِ، والإحْكامِ، والِابْتِناءِ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ، واسْتِتْباعِ مَنافِعِ الخَلْقِ في المَعادِ والمَعاشِ، وتَناسُبِ ألْفاظِهِ في الفَصاحَةِ وتَجاوُبِ نَظْمِهِ في الإعْجازِ، وما أشْبَهَ هَذا بِقَوْلِ العَرَبِ في الوَجْهِ الكامِلِ حُسْنًا: وجْهٌ مُتَناصِفٌ، كَأنَّ بَعْضَهُ أنْصَفَ بَعْضًا في القِسْطِ مِنَ الجَمالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثانِيَ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابًا، أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، وهو جَمْعُ مُثَنًّى، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ النُّونِ المُشَدَّدَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، إذْ قِياسُهُ مُثَنَّياتٌ بِمَعْنى مُرَدَّدٍ ومُكَرَّرٍ لِما كُرِّرَ وثُنِّيَ مِن أحْكامِهِ ومَواعِظِهِ وقِصَصِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُثَنّى في التِّلاوَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ مَثْنًى بِالفَتْحِ مُخَفَّفًا مِنَ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ، كَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ ، بِمَعْنى كَرَّةٍ بَعْدَ كَرَّةٍ، وكَذَلِكَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والمُرادُ أنَّهُ جَمْعٌ لِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما ثَنّى ما ذَكَرَ لِذَلِكَ، لَكِنَّ اسْتِعْمالَ المُثَنّى في هَذا المَعْنى أكْثَرُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّكْرارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ مُثَنًّى بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما أنَّ صَرِيحَ المُثَنّى كَذَلِكَ في نَحْوِ: كَرَّتَيْنِ، ثُمَّ جُمِعَ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: جَمْعُ مَثْنِيَةٍ لِاشْتِمالِ آياتِهِ عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّها تُثْنِي بِبَلاغَتِها وإعْجازِها عَلى المُتَكَلِّمِ بِها، ولا يَخْفى أنَّ رِعايَةَ المُناسَبَةِ مَعَ ﴿ مُتَشابِهًا ﴾ تَجْعَلُ ذَلِكَ مَرْجُوحًا، وأنَّهُ حَسَنٌ إذا حُمِلَ عَلى الثَّناءِ بِاعْتِبارِ الإعْجازِ، وفي الكَشْفِ: الأقْيَسُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ أنَّ ﴿ مَثانِيَ ﴾ اشْتُقَّتْ مِنَ الثَّناءِ، أوِ الثَّنْيِ جَمْعُ مُثَنًّى مُفَعَّلٍ مِنهُما، إمّا بِمَعْنى المَصْدَرِ جَمْعٌ لِما صُيِّرَ صِفَةً أوْ بِمَعْنى المَكانِ في الأصْلِ نُقِلَ إلى الوَصْفِ مُبالَغَةً نَحْوَ: أرْضٌ مَأْسَدَةٌ، لِأنَّ مَحَلَّ الثَّناءِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى الثّانِي والمُثْنى عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَحَلُّ الثَّنْيِ انْتَهى، ووُقُوعُهُ صِفَةً لِكِتابٍ بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِهِ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ هي جُمْلَتُهُ لا غَيْرُ، ألا تَراكَ تَقُولُ: القُرْآنُ أسْباعٌ وأخْماسٌ، وسُوَرٌ وآياتٌ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ: هو أحْكامٌ ومَواعِظُ وأقاصِيصُ مَثانِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: الإنْسانُ عُرُوقٌ وعِظامٌ وأعْصابٌ، إلّا أنَّكَ تَرَكْتَ المَوْصُوفَ إلى الصِّفَةِ، والأصْلُ: كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ، فَحُوِّلَ ونُكِّرَ، لِأنَّ الأكْثَرَ فِيهِ التَّنْكِيرُ وهَذا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وقَرَأ هِشامٌ، وأبُو بِشْرٍ ”مَثانِي“ بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسُكِّنَ الياءُ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُها في كُلِّ الأحْوالِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ قِيلَ: صِفَةٌ لِكِتابًا، أوْ حالٌ مِنهُ، لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وقالَ بَعْضٌ: الأظْهَرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ آثارِهِ الظّاهِرَةِ في سامِعِيهِ بَعْدَ بَيانِ أوْصافِهِ في نَفْسِهِ، ولِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ أحْسَنَ الحَدِيثِ.

والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ الجِلْدُ إذا تَقَبَّضَ تَقَبُّضًا شَدِيدًا، وتَرْكِيبُهُ مِنَ القَشْعِ وهو الأدِيمُ اليابِسُ قَدْ ضُمَّ إلَيْهِ الرّاءُ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ وقَفَ شَعْرُهُ إذا عَرَضَ لَهُ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِن أمْرٍ هائِلٍ دَهَمَهُ بَغْتَةً، والمُرادُ تَصْوِيرُ خَوْفِهِمْ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ المَحْسُوسَةِ، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ، وإنْ كانَ مِن بابِ الكِنايَةِ.

وقِيلَ: هو تَصْوِيرٌ لِلْخَوْفِ بِذِكْرِ آثارِهِ وتَشْبِيهُ حالَةٍ بِحالَةٍ، فَيَكُونُ تَمْثِيلًا حَقِيقَةً، والأوَّلُ أحْسَنُ، لِأنَّ تَشْبِيهَ القِصَّةِ بِالقِصَّةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ها هُنا لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، واسْتُظْهِرَ كَوْنُ المُرادِ بَيانَ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ وعُرُوضَها لَهم بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا سَمِعُوا القُرْآنَ وقَوارِعَ آياتِ وعِيدِهِ أصابَتْهم رَهْبَةٌ وخَشْيَةٌ، تَقْشَعِرُّ مِنها جُلُودُهُمْ، وإذا ذَكَرُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ سَماعِ آياتِ وعْدِهِ تَعالى، وألْطافِهِ تَبَدَّلَتْ خَشْيَتُهم رَجاءً ورَهْبَتُهم رَغْبَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً إلى ذِكْرِ رَحْمَتِهِ تَعالى، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِالرَّحْمَةِ إيذانًا بِأنَّها أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِهِ تَعالى لِأصالَتِها، كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ خَبَرُ: «(سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)،» وذِكْرُ القُلُوبِ لِتَقَدُّمِ الخَشْيَةِ الَّتِي هي مِن عَوارِضِها، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ تُذْكَرْ هُناكَ عَلى طُرُزِ ذِكْرِها هُنا لِأنَّها لا تُوصَفُ بِالِاقْشِعْرارِ، وتُوصَفُ بِاللِّينِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن نَعْتِ أوْلِيائِهِ بِاقْشِعْرارِ الجُلُودِ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ سُكُونُهم إلى رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ فِيها نَعْتُهم بِالصَّعْقِ، والتَّواجُدِ، والصَّفْقِ، كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ النّاسِ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ: كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  إذا قَرَؤُوا القُرْآنَ؟

قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَعالى تَدْفَعُ أعْيُنُهُمْ، وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا ها هُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم غِشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ، وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المُوَفَّقِيّاتِ، عَنْ عامِرٍ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: جِئْتُ أُمِّي، فَقُلْتُ: وجَدْتُ قَوْمًا ما رَأيْتُ خَيْرًا مِنهم قَطُّ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيُرْعِدُ أحَدُهم حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَتْ: لا تَقْعُدْ مَعَهُمْ، ثُمَّ قالَتْ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَتْلُو القُرْآنَ، ورَأيْتُ أبا بَكْرٍ، وعُمَرَ يَتْلُوانِ القُرْآنَ، فَلا يُصِيبُهم هَذا، أفَتُراهم أخْشى مِن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ،» وقالَ ابْنُ عُمَرَ وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لَنَخْشى اللَّهَ تَعالى، وما نَسْقُطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، قالَ: تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَبْكِي أعْيُنُهُمْ، وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَنْعَتْهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَهابِ عُقُولِهِمْ، والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ، إنَّما هَذا في أهْلِ البِدَعِ، وإنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: قالَ الصَّعْقَةُ مِنَ الشَّيْطانِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ، فَهو صادِقٌ، فَهَذِهِ أخْبارٌ ناعِيَةٌ عَلى بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ صَعْقَهُمْ، وتَواجُدَهُمْ، وضَرْبَ رُؤُوسِهِمُ الأرْضَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ويَقُولُ مَشايِخُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ القُلُوبِ عَنْ تَحَمُّلِ الوارِدِ، ولَيْسَ فاعِلُو ذَلِكَ في الكَمالِ كالصَّحابَةِ أهْلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ في قُوَّةِ التَّحَمُّلِ، فَما هو إلّا دَلِيلُ النَّقْصِ بِدَلِيلِ أنَّ السّالِكَ إذا كَمُلَ رَسَخَ وقَوِيَ قَلْبُهُ، ولَمْ يَصْدُرْ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: لَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن إثْباتِ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، ولَيْسَ فِيها نَفْيُ أنْ يَعْتَرِيَهم حالٌ آخَرُ، بَلْ في الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ المَذْكُورَ حالُ الرّاسِخِينَ الكامِلِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ فَعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ ومُقْتَضى مَعْلُومِيَّةِ الصِّلَةِ أنَّ لَهم رُسُوخًا في الخَشْيَةِ حَتّى يُعْلَمُوا بِها، فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ حالِهِمْ ما ذُكِرَ لَيْسَ إلّا عَلى فَرْضِ دِلالَتِها عَلى الحَصْرِ كَوْنُ حالِ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ ضَرُورِيًّا كالعُطاسِ لا اعْتِراضَ عَلى مَن يَتَّصِفُ بِهِ، وفي كَلامِ ابْنِ سِيرِينَ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وهَذا غايَةُ ما يُقالُ في هَذا المَجالِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِما تَفَضَّلَ بِهِ عَلى أصْحابِ نَبِيِّهِ  ، ﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ ﴾ الإشارَةُ إلى الكِتابِ الَّذِي شَرَحَ أحْوالَهُ، ﴿ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ مَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ بِأنْ يُوَفِّقَهُ سُبْحانَهُ لِلتَّأمُّلِ فِيما في تَضاعِيفِهِ مِن شَواهِدِ الحَقِّيَّةِ، ودَلائِلِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ يَشاءُ ﴾ لِمَن، والمَعْنى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ تَعالى مَن يَشاءُ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ أيْ يَخْلُقُ سُبْحانَهُ فِيهِ الضَّلالَ لِإعْراضِهِ عَمّا يُرْشِدُهُ إلى الحَقِّ بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ، ﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يُخَلِّصُهُ مِن ورْطَةِ الضَّلالِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، والمَعْنى ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الخَشْيَةِ والرَّجاءِ أثَرُ هُداهُ تَعالى، يَهْدِي بِذَلِكَ الأثَرِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ومَن يُضْلِلْهُ، أيْ ومَن لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ لِقَسْوَةِ قَلْبِهِ وإصْرارِهِ عَلى فُجُورِهِ، فَما لَهُ مِن هادٍ، أيْ مِن مُؤَثِّرٍ فِيهِ بِشَيْءٍ قَطُّ، وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي  : ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وسادات قومك يعبدون الأصنام؟

فنزل: قُلْ يا نبي الله إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ يعني: التوحيد، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ من أهل بلدي قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي وعبدت غيره، ينزل علي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: في يوم القيامة قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ يعني: أعبد الله مُخْلِصاً لَهُ دِينِي أي: توحيدي.

فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ من الآلهة.

وهذا كقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون: 6] ويقال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ لفظه لفظ التخيير والأمر، والمراد به التهديد والتخويف، كقوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وكقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ويقال: قد بيّن الله ثواب المؤمنين، وعقوبة الكافرين.

ثم قال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى دينهم، قالوا: خسرت إن خالفت دين آبائك.

فقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: أنتم الخاسرون، لا أنا.

ويقال: الذين خسروا أنفسهم بفوات الدرجات، ولزوم الشركات، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ يعني: الظاهر حيث خسروا أنفسهم، وأهلهم، وأزواجهم، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ يعني: أطباقاً من نار، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ يعني: مهاداً من نار، أو معناه: أن فوقهم نار، وتحتهم نار، ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي: ذلك الذي ذكر، يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ في القرآن، لكي يؤمنوا.

يا عِبادِ فَاتَّقُونِ: أي: فوحِّدون، وأطيعون، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ قال مقاتل: يعني: اجتنبوا عبادة الأوثان.

وقال الكلبي: الطَّاغُوتَ يعني: الكهنة أَنْ يَعْبُدُوها يعني: أن يطيعوها، ورجعوا إلى عبادة ربهم وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ أي: أقبلوا إلى طاعة الله.

ويقال: رجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله لَهُمُ الْبُشْرى يعني: الجنة.

ويقال: الملائكة يبشرونهم في الآخرة، فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ يعني: القرآن فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ يعني: يعملون بحلاله، وينتهون عن حرامه، وقال الكلبي: يعني: يجلس الرجل مع القوم، فيستمع الأحاديث، محاسن ومساوئ، فيتبع أحسنه، فيأخذ المحاسن، فيحدث بها، ويدع مساوئه.

ويقال: يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه، وهو القصاص، والعفو يأخذ العفو لقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: 126] ، (وقال بعضهم: يستمع النداء، فيستجيب، ويسرع إلى الجماعة.

وقال بعضهم: يستمع الناسخ، والمنسوخ، والمحكم من القرآن، فيعمل بالمحكم، ويؤمن بالناسخ والمنسوخ) .

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي: وفقهم الله لمحاسن الأمور.

ويقال: هَداهُمُ اللَّهُ أي: أكرمهم الله تعالى بدين التوحيد وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: ذوي العقول.

قوله عز وجل: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ يعني: وجب له العذاب.

ويقال: أفمن في علم الله تعالى أنه في النار، كمن لا يجب عليه العذاب.

أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ يعني: تستنقذ من هو في علم الله تعالى، أنه يكون في النار بعمله الخبيث.

ويقال: من وجبت له النار: وقدرت عليه.

ثم ذكر حال المؤمنين المتقين فقال عز من قائل: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعني: وحدوا ربهم، وأطاعوا ربهم، لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ في الجنة، وهي العلالي.

غرف مبنية، مرتفعة بعضها فوق بعض، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ في القرآن، لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

صَلاَبَتِهِ وقِلَّةِ انفعاله، للوَعْظِ، وَرَوَى الترمذيُّ عن ابن عمر قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وإنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِي» «١» ، قال الترمذيُّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ.

انتهى وقال مالكُ بن دِينَارٍ: مَا ضُرِبَ عَبْدٌ [بعقوبةٍ] أعْظَمَ من قَسْوَةِ قلبهِ، قال ابن هِشَامٍ: قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «من» هنا: مرادِفَةٌ «عَنْ» ، وقيل: هي للتعليلِ، أي: مِنْ أجْلِ ذكر اللَّه لأنه إذا ذُكِرَ اللَّه، قَسَتْ قلوبُهُمْ عياذاً باللَّه، وقيل: هي للابتداءِ، انتهى من «المغني» .

قال الفَخْرُ «٢» : اعلم أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سببٌ لحصولِ النُّورِ والهدايةِ وزيادةِ الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد يُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عنِ الحَقِّ في النفوسِ الخبيثة الشيطانية، فإذا عَرَفْتَ هذا، فنقول: إنَّ رأسَ الأدْوِيَةِ التي تفيدُ الصحةَ الروحانيةَ ورُتْبَتَها هو ذِكْرُ اللَّهِ، فإذا اتفق لبعضِ النفوسِ أنْ صَارَ ذِكْرُ اللَّهِ سبباً لازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تلكَ النفوسِ مَرَضاً لا يرجى زوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ علاجُهُ، وكانَتْ في نِهَايَةِ الشَّرِّ والرَّدَاءَةِ، فلهذا المعنى قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وهذا كَلاَمُ كامل محقّق، انتهى.

وقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يريد القرآن، وروي عَنِ ابْنِ عبَّاس أن سبَبَ هذه الآيةِ أنَّ قَوْماً من الصحابةِ قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا بِأَحَادِيثَ حِسَانٍ، / وَأَخْبِرْنَا بأخبار الدّهر، فنزلت الآية «٣» .

وقوله: مُتَشابِهاً معناه مُسْتَوِياً لا تَنَاقُضَ فيه ولا تَدَافُعَ، بل يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضاً في رَصْفِ اللَّفْظِ، ووَثَاقَةِ البراهينِ، وشَرَفِ المعاني إذْ هِيَ اليَقِينُ في العقائدِ في اللَّهِ وصفاته وأفعاله وشرعه، ومَثانِيَ معناه: مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ للقصَصِ والأقضيةِ والمَوَاعِظِ تثنى فيهِ ولاَ تُمَلُّ مَع ذلك ولا يَعْرِضُهَا ما يَعْرِضُ الحديثَ المَعَادَ، وقال ابن عباس، ثنى فِيه الأَمْرَ مِرَاراً «١» ، ولا ينصرفُ مَثانِيَ لأنه جمعٌ لا نَظِيرَ له في الواحد.

وقوله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ عبارة عن قفّ شعر الإنسان عند ما يُدَاخِلُهُ خَوْفٌ ولِينُ قَلْبٍ عند سماعِ موعظةٍ أو زَجْرِ قرآن ونحوهِ، وهذه علامةُ وقوعِ المعنى المُخْشِعِ في قلبِ السامعِ، وفي الحديث أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قرأ عند النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فرّقت القلوب فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اغتنموا الدُّعَاءَ عِنْدَ الرِّقَّةِ فإنَّهَا رَحْمَةٌ» «٢» وقال العبّاس بن عبد المطّلب: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنِ اقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى، تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليَابِسَةِ وَرَقُهَا» ، وَقَالَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: «كان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وتقشعرُّ جلودُهم عند سماع القرآن، قيل لها: إن أقواماً اليومَ إذا سَمِعوا القرآن خَرَّ أحدُهم مَغْشِياً عليه، فقالت: أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ» «٣» ، وعن ابن عمر نحوُه، وقال ابن سيرين: بينَنَا وبين هؤلاء الذين يُصْرَعُونَ عند قراءة القرآن أن يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حَائِطٍ [مَادًّا] رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرأُ عَلَيْه القرآن كلُّه/، فإن رمى بِنَفْسِهِ، فهو صَادِقٌ «٤» .

ت: وهذا كله تغليظٌ على المُرَائِينَ والمتصنِّعين، ولا خلاف أعلمهُ بين أربابِ القلوبِ وأئمَّةِ التصوُّفِ أن المُتَصَنِّعَ عندهم بهذه الأمور مَمْقُوتٌ، وأما مَنْ غَلَبَه الحالُ لِضَعْفِهِ وقَوِيَ الوارِدُ عليه حتى أذْهَبَهُ عَنْ حِسِّه فهو إن شاء اللَّهُ مِن السادةِ الأخْيارِ والأولياء الأبرار، وقَد وَقَعَ ذلك لكثير من الأخْيارِ يَطُولُ تَعْدَادُهم كابن وهب وأحمد بن مُعَتِّبٍ المالكيَّيْنِ، ذكرهما عياض في «مداركه» ، وأنهما ماتا من ذلك وكذلك مالك بن دينار مات

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها في أوَّلِ [يُوسُفَ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا في الآَيِ والحُرُوفِ، فالآَيَةُ تُشْبِهُ الآَيَةَ، والكَلِمَةُ تُشْبِهُ الكَلِمَةَ، والحَرْفُ يُشْبِهُ الحَرْفَ.

والثّانِي: أنَّ بَعْضَهُ يُصَدِّقُ بَعْضًا، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُضٌ.

وَإنَّما قِيلَ لَهُ: ﴿ مَثانِيَ ﴾ لِأنَّهُ كُرِّرَتْ فِيهِ القَصَصُ والفَرائِضُ والحُدُودُ والثَّوابُ والعِقابُ.

فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في تَكْرارِ القَصَصِ، والواحِدَةُ قَدْ كانَتْ تَكْفِي؟

فالجَوابُ: أنَّ وُفُودَ العَرَبِ كانَتْ تَرُدُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَيُقْرِئُهُمُ المُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنَ القُرْآَنِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كافِيًا لَهُمْ، وكانَ يَبْعَثُ إلى القَبائِلِ المُتَفَرِّقَةِ بِالسُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنَ الأنْباءُ والقَصَصُ مُثَنّاةً مُكَرَّرَةً، لَوَقَعَتْ قِصَّةُ مُوسى إلى قَوْمٍ، وقِصَّةُ عِيسى إلى قَوْمٍ، وقِصَّةُ نُوحٍ إلى قَوْمٍ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنَّ يُشْهِرَ هَذِهِ القَصَصَ في أطْرافِ الأرْضِ ويُلْقِيَها إلى كُلِّ سَمْعٍ.

فَأمّا فائِدَةُ تَكْرارِ الكَلامِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: " فَبِأيِّ آَلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ " [الرَّحْمَنِ]، وقَوْلُهُ: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ \[الكافِرُونَ\]، وقَوْلُهُ: ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى  ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ  ﴾ فَسَنَذْكُرُها في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ] عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ أيْ: تَأْخُذُهم قَشْعَرِيرَةٌ، وهو تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ مِنَ الوَجَلِ.

ورَوى العَبّاسُ ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ العَبْدِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، تَحاتَّتْ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها" .» وَفِي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: تَقْشَعِرُّ مِن وعِيدِهِ، وتَلِينُ عِنْدَ وعْدِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: تَقْشَعِرُّ مِنَ الخَوْفِ، وتَلِينُ مِنَ الرَّجاءِ.

والثّالِثُ: تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ لِإعْظامِهِ، وتَلِينُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: مَفْعُولُ الذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ؛ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ الجَنَّةَ والثَّوابَ.

قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ، تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم [وَتَلِينُ قُلُوبُهُمْ]، ولَمْ يَنْعِتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ، إنَّما هَذا في أهْلِ البِدَعِ، وهَذا مِنَ الشَّيْطانِ.

وقَدْ رَوى أبُو حازِمٍ، قالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ ساقِطٍ مِن أهْلِ العِراقِ، فَقالَ: ما شَأْنُهُ؟

فَقالُوا: إنَّهُ إذا قُرِئَ عَليْهِ القُرْآَنُ يُصِيبُهُ هَذا، قالَ: إنّا لَنَخْشى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وما نَسْقُطُ.

«وَقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: جِئْتُ أُبَيَّ، فَقالَ لِي: أيْنَ كُنْتَ؟

فَقُلْتُ: وجَدْتُ قَوْمًا، ما رَأيْتُ خَيْرًا مِنهم قَطُّ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَيُرْعِدُ واحِدُهم حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ، فَقالَ: لا تَقْعُدْ مَعَهم بَعْدَها [أبَدًا]، قالَ: فَرَآَنِي كَأنِّي لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ فِيَّ، فَقالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَتْلُو القُرْآَنَ، ورَأيْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَتْلُوانِ القُرْآَنَ فَلا يُصِيبُهم هَذا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أفْتَرى أنَّهم أخْشى لِلَّهِ مِن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ؟

قالَ: فَرَأيْتُ ذَلِكَ كَذَلِكَ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: سُئِلَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: هَلْ كانَ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ؟

قالَتْ: لا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْكُونَ.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَلَتُ لِجَدَّتَيْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، كَيْفَ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  يَفْعَلُونَ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآَنُ؟

قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَعالى، تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم.

فَقُلْتُ لَها: إنَّ ناسًا اليَوْمَ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآَنُ، خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وكانَ جَوابٌ يُرْعِدُ عِنْدَ الذِّكْرِ، فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ: إنْ كُنْتَ تَمْلِكُهُ، فَما أُبالِي أنْ لا أعْتَدَّ بِكَ، وإنْ كُنْتَ لا تَمْلِكُهُ، فَقَدْ خالَفْتَ مَن كانَ قَبْلَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ ما يَنْزِلُ بِالمُؤْمِنِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآَنِ مِنَ اقْشِعْرارِ الجُلُودِ عِنْدَ الوَعِيدِ، ولِينِها عِنْدَ الوَعْدِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللهُ ذَلِكَ هُدى اللهُ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مَن هادٍ ﴾ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأبِي لَهَبٍ وابْنِهِ، هُما اللَذانِ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم.

وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمْرِ اللهِ، و"شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ" اسْتِعارَةٌ لِتَحْصِيلِهِ لِلنَّظَرِ الجَيِّدِ والإيمانِ بِاللهِ، و"النُورُ" هِدايَةُ اللهِ، وهي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالضَوْءِ، «قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ انْشِراحُ الصَدْرِ؟

قالَ: "إذا دَخَلَ النُورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ"، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ؟

قالَ: "الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجافِي عن دارِ الغُرُورِ، والتَأهُّبُ لِلْمَوْتِ"،» و"القَسْوَةُ": شِدَّةُ القَلْبِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافِرِ بِهِ في صَلابَتِهِ، وقِلَّةِ انْفِعالِهِ لِلْوَعْظِ.

وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "ما ضُرِبَ العَبْدُ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ"، ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ عَلى المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ، ورُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وأخْبِرْنا بِأخْبارِ الدَهْرِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقَوْلُهُ: ﴿ "مُتَشابِهًا" ﴾ مَعْناهُ: مُسْتَوِيًا لا تَناقُضَ فِيهِ ولا تَدافُعَ، بَلْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في رَصانَةِ اللَفْظِ، ووَثاقَةِ البَراهِينِ، وشَرَفِ المَعانِي؛ إذْ هي اليَقِينُ في العَقائِدِ في اللهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وشَرْعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "مَثانِيَ" ﴾ مَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ لِلْقَصَصِ والأقْضِيَةِ والمَواعِظِ، تُثَنّى فِيهِ ولا يُمَلُّ مَعَ ذَلِكَ، ولا يَعْرِضُها ما يَعْرِضُ لِلْحَدِيثِ المُعادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُثَنّى فِيهِ الأمْرُ مِرارًا.

ولا يَنْصَرِفُ "مَثانِيَ" لِأنَّهُ جَمْعٌ لا نَظِيرَ لَهُ في الواحِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن وقْفِ شَعْرِ الإنْسانِ عِنْدَ ما يُداخِلُهُ خَوْفٌ، ولِينُ قَلْبٍ عِنْدَ سَماعِ مَوْعِظَةٍ أو زَجْرِ قُرْآنٍ ونَحْوِهُ، وهَذِهِ عَلامَةُ وُقُوعِ المَعْنى المُخْشِعِ في قَلْبِ السامِعِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأ عِنْدَ النَبِيِّ  فَرَقَّتِ القُلُوبُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "اغْتَنِمُوا الدُعاءَ عِنْدَ الرِقَّةِ فَإنَّها رَحْمَةٌ"،» وقالَ العَبّاسُ: قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَحاتَّتْ عنهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها"،» وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ الصَحابَةُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ أقْوامًا اليَوْمَ إذا سَمِعَ أحَدُهُمُ القُرْآنَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أُعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقَدْ رَأى ساقِطًا عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ: إنّا لَنَخْشى اللهَ وما نَسْقُطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ هُدى اللهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى الخَشْيَةِ واقْشِعْرارِ الجِلْدِ، أيْ: ذَلِكَ أمارَةُ هُدى اللهِ، ومَن جَعَلَ ﴿ [تَقْشَعِرُّ]﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لَمْ يَقِفْ عَلى ﴿ "مَثانِيَ"، ﴾ ومَن جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا وإخْبارًا مُنْقَطِعًا وقَفَ عَلى "مَثانِيَ".

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ .

استئناف بياني نشأ بمناسبة المضادة بين مضمون جملة ﴿ فَوَيْلٌ للقاسِيةِ قُلوبهم من ذِكر الله ﴾ [الزمر: 22].

ومضمون هذه الجملة وهو أن القرآن يُلين قلوب الذين يخشون ربهم لأن مضمون الجملة السابقة يثير سؤال سائل عن وجه قسوة قلوب الضالين من ذكر الله فكانت جملة ﴿ الله نَزَّلَ أحْسَنَ الحدِيثِ ﴾ إلى قوله: ﴿ مِنْ هَادٍ ﴾ مُبينة أن قساوة قلوب الضالّين من سماع القرآن إنما هي لرَيْن في قلوبهم وعقولهم لا لنقص في هدايته.

وهذا كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿ هدى للمتقين ﴾ ثم قال: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ﴾ [البقرة: 6 7].

وهذه الجملة تكميل للتنويه بالقرآن المفتتح به غرض السورة وسيقفى بثناء آخر عند قوله: ﴿ ولقد ضربْنَا للنَّاسسِ في هذا القُرءَاننِ من كل مَثَل لعلَّهُم يتذَكَّرُونَ ﴾ [الزمر: 27] الآية، ثم بقوله: ﴿ إنَّا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق ﴾ [الزمر: 41] ثم بقولِه: ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ [الزمر: 55].

وافتتاح الجملة باسم الجلالة يؤذن بتفخيم أحسن الحديث المنزل بأن منزّله هو أعظم عظيم، ثم الإِخبار عن اسم الجلالة بالخبر الفعلي يدل على تقوية الحُكم وتحقيقه على نحو قولهم: هو يعطي الجزيل، ويفيد مع التقوية دلالة على الاختصاص، أي اختصاص تنزيل الكتاب بالله تعالى، والمعنى: الله نزّل الكتاب لا غيرُه وضَعه، ففيه إثبات أنه منزّل من عالم القدس، وذلك أيضاً كناية عن كونه وحياً من عند الله لا من وضع البشر.

فدلت الجملة على تقوَ واختصاص بالصراحة، وعلى اختصاص بالكناية، وإذ أخذ مفهوم القصْر ومفهوم الكناية وهو المغاير لمنطوقهما كذلك يؤخذ مغاير التنزيل فعلاً يليق بوضع البشر، فالتقدير: لا غير الله وضَعه، ردّاً لقول المشركين: هو أساطير الأولين.

والتحقيق الذي درج عليه صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ اللَّه يستهزئ بهم ﴾ [البقرة: 15] هو أن التقوى والاختصاص يجتمعان في إسناد الخبر الفعلي إلى المسند إليه، ووافقه على ذلك شرّاح «الكشاف».

ومفاد هذا التقديم على الخبر الفعلي فيه تحقيقٌ لما تضمنته الإِضافة من التعظيم لشأن المضاف في قوله تعالى: ﴿ مِن ذِكرِ الله ﴾ [الزمر: 22] كما علمتَه آنفاً، فالمراد ب ﴿ أحْسَنَ الحدِيثِ ﴾ عين المراد ب ﴿ ذِكرِ الله ﴾ وهو القرآن، عدل عن ذكر ضميره لقصد إجراء الأوصاف الثلاثة عليه.

وهي قوله: ﴿ كِتاباً مُتشابِهاً مثَاني تَقْشَعر منه جلودُ الذين يخشونَ ربَّهُم ﴾ الخ، فانتصب ﴿ كِتاباً ﴾ على الحال من ﴿ أحْسَنَ الحدِيثِ ﴾ أو على البدلية من ﴿ أحْسَنَ الحدِيثِ ﴾ ، وانتصب ﴿ مُتَشَابهاً ﴾ على أنه نعتُ ﴿ كِتَاباً ﴾ .

الوصف الأول: أنه أحسن الحديث.

أي أحسن الخبر، والتعريف للجنس، والحديث: الخبر، سمي حديثاً لأن شأن الإِخبار أن يكون عن أمر حدث وجدّ.

سمي القرآن حديثاً باسم بعض ما اشتمل عليه من أخبار الأمم والوعد والوعيد.

وأما ما فيه من الإِنشاء من أمر ونهي ونحوهما فإنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم مبلغَه للناس آل إلى أنه إخبار عن أمر الله ونهيه.

وقد سُمي القرآن حديثاً في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ في سورة [الأعراف: 185]، وقوله: ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ﴾ في سورة [الكهف: 6].

ومعنى كون القرآن أحسن الحديث أنه أفضل الأخبار لأنه اشتمل على أفضل ما تشتمل عليه الأخبار من المعاني النافعة والجامعة لأصول الإِيمان، والتشريع، والاستدلال، والتنبيه على عظم العوالم والكائنات، وعجائب تكوين الإِنسان، والعقل، وبثّ الآداب، واستدعاء العقول للنظر والاستدلال الحق، ومن فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه البالغَيْن حدّ الإعجاز، ومن كونه مصدقاً لما تقدمه من كتب الله ومهيمناً عليها.

وفي إسناد إنزاله إلى الله استشهاد على حسنه حيث نزّله العليم بنهاية محاسن الأخبار والذكر.

الوصف الثاني: أنه كتاب، أي مجموع كلام مراد قراءته وتلاوته والاستفادة منه، مأمور بكتابته ليبقى حجة على مرّ الزمان فإنّ جعل الكلام كتاباً يقتضي أهمية ذلك الكلام والعناية بتنسيقه والاهتمام بحفظه على حالته.

ولما سمّى الله القرآن كتاباً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر كتَّاب الوحي من أصحابه أن يكتبوا كل آية تنزل من الوحي في الموضع المعيّن لها بَين أخواتها استناداً إلى أمر من الله، لأن الله أشار إلى الأمر بكتابته في مواضع كثيرة من أولها قوله: ﴿ بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ﴾ [البروج: 21 22] وقوله: ﴿ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ﴾ [الواقعة: 77 78].

الصفة الثالثة: أنه متشابه، أي متشابهة أجزاؤه متماثلة في فصاحة ألفاظها وشرف معانيها، فهي متكافئة في الشرف والحسن (وهذا كما قالوا: امرأة متناصفة الحسن، أي أنصفَتْ صفاتُها بعضُها بعضاً فلم يزد بعضها على بعض، قال ابن هرمة إني غَرِضْتُ إلى تناصف وجهها *** غَرَض المحب إلى الحبيب الغائب ومنه: قولهم وجه مقسّم، أي متماثل الحسن، كأن أجزاءه تقاسمت الحسن وتعادلته، قال أرقم بن عِلباء اليَشكُري: ويوماً توافينا بوجه مقسَّم *** كأنْ ظبيةٌ تعطو إلى وَارِق السَّلَمْ أي بوجه قسّم الحسن على أجزائه أقساماً.

فمعانيه متشابهة في صحتها وأحكامها وابتنائها على الحق والصدق ومصادفة المحزّ من الحجة وتبكيت الخصوم وكونها صلاحاً للناس وهدى.

وألفاظه متماثلة في الشرف والفصاحة والإِصابة للأغراض من المعاني بحيث تبلغ ألفاظه ومعانيه أقصى ما تحتمله أشرف لغة للبشر وهي اللغة العربية مفردات ونظماً، وبذلك كان معجزاً لكل بليغ عن أن يأتي بمثله، وفي هذا إشارة إلى أن جميع آيات القرآن بالغ الطرف الأعلى من البلاغة وأنها متساوية في ذلك بحسب ما يقتضيه حال كل آية منها، وأما تفاوتها في كثرة الخصوصيات وقلتها فذلك تابع لاختلاف المقامات ومقتضيات الأحوال، فإن بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال، والطرف الأعلى من البلاغة هو مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال، فآيات القرآن متماثلة متشابهة في الحسن لدى أهل الذوق من البلغاء بالسليقة أو بالعِلم وهو في هذا مخالف لغيره من الكلام البليغ فإن ذلك لا يخلو عن تفاوت ربما بلغ بعضُه مبلغَ أن لا يشبه بقيته، وهذا المعنى مما يدخل في قوله تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ [النساء: 82]، فالكاتب البليغ والشاعر المجيد لا يخلو كلام أحد منهما من ضعف في بعضه، وأيضاً لا تتشابه أقوال أحد منهما بل تجد لكل منهما قِطعاً متفاوتة في الحسن والبلاغة وصحة المعاني.

وبما قررنا تعلم أن المتشابه هنا مراد به معنى غير المراد في قوله تعالى: ﴿ وأُخر متشابهات ﴾ [آل عمران: 7] لاختلاف ما فيه التشابه.

الصفة الرابعة: كونه مثاني، ومثاني: جمع مُثَنَّى بضم الميم وبتشديد النون جمعاً على غير قياس، أو اسم جمع.

ويجوز كونه جمع مَثْنى بفتح الميم وتخفيف النون وهو اسم لِجعل المعدود أزواجاً اثنين، اثنين، وكلا الاحتمالين يطلق على معنى التكرير.

كُنِّي عن معنى التكرير بمادة التثنية لأن التثنية أول مراتب التكرير، كما كُني بصيغة التثنية عن التكرير في قوله تعالى: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ [الملك: 4]، وقول العرب: لَبَّيْك وسَعْديك، أي إجابات كثيرة ومساعدات كثيرة.

وقد تقدم بيان معنى ﴿ مثاني ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ في سورة [الحجر: 87]، فالقرآن مثاني لأنه مكرر الأغراض.

وهذا يتضمن امتناناً على الأمة بأن أغراض كتابها مكررة فيه لتكون مقاصده أرسخ في نفوسها، وليسمعها من فاته سماع أمثالها من قبلُ.

ويتضمن أيضاً تنبيهاً على ناحية من نواحي إعجازه، وهي عدم المَلل من سماعه وأنه كلما تكرر غرض من أغراضه زاده تكرره قبولاً وحَلاوة في نفوس السامعين.

فكأنه الوجه الحسن الذي قال في مثله أبو نواس: يزيدك وجهه حُسناً *** إذا ما زدته نظَرا وقد عدّ عياض في كتاب «الشفاء» من وجوه إعجاز القرآن: أن قارئه لا يَمَلّه وسامعه لا يمجه، بل الإِكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة، لا يزال غضاً طرياً، وغيره من الكلام ولو بلغ من الحسن والبلاغة مبلغاً عظيماً يُمَل مع الترديد ويُعادى إذا أعيد، ولذا وَصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن: " بأنه لا يخلق على كثرة الرد " رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب مرفوعاً.

وذكر عياض أن الوليد بن المغيرة سمِع من النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ [النحل: 90] الآية فقال: «والله إن له لحلاوة وإن عليه لطَلاوة».

وبهذا تعلم أن وصف القرآن هنا بكونه مثاني هو غير الوصف الذي في قوله: ﴿ ولقد أتيناك سبعاً من المثاني ﴾ [الحجر: 78] لاختلاف ما أريد فيه بالتثنية وإن كان اشتقاق الوصف متّحداً.

ووصَف ﴿ كِتاباً ﴾ وهو مفرد بوصف ﴿ مثاني ﴾ وهو مقتض التعدد يعيّن أن هذا الوصف جرى عليه باعتبار أجزائه، أي سوره أو آياته باعتبار أن كل غرض منه يكرر، أي باعتبار تباعيضه.

الصفة الخامسة: أنه تقشعر منه جلود الذين يخشَون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم، وهذا الوصف مرتب على الوصف قبله وهو كون القرآن مثاني، أي مثنَّى الأغراض، وهو مشتمل على ثلاث جهات: أولاها: وصف القرآن بالجلالة والروعة في قلوب سامعيه، وذلك لما في آياته الكثيرة من الموعظة التي تَوْجَل منها القلوب، وهو وصف كمال لأنه من آثار قوة تأثير كلامه في النفوس، ولم يزل شأن أهل الخطابة والحكمة الحرصَ على تحصيل المقصود من كلامهم لأن الكلام إنما يواجه به السامعون لحصول فوائد مرْجوة من العمل به، وما تبارى الخطباء والبلغاء في ميادين القول إلا للتسابق إلى غايات الإِقناع، كما قال قيس بن خارجة، وقد قيل له: ما عندك؟

«عندي قِرى كللِ نازل، ورضى كل سَاخط، وخُطبةٌ من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع».

وقد ذكر أرسطو في الغرض من الخطابة أنه إثارة الأهواء وقال: «إنها انفعالات في النفس تثير فيها حزناً أو مسرة».

وقد اقتضى قوله: ﴿ تَقْشَعر منه جُلُودُ الذين يخشَونَ ربَّهُم ﴾ أن القرآن يشتمل على معان تقشعر منها الجلود وهي المعاني الموسومة بالجَزالة التي تثير في النفوس روعة وجلالة ورهبة تبعث على امتثال السامعين له وعملهم بما يتلقونه من قوارع القرآن وزواجره، وكنّي عن ذلك بحالةٍ تقارِنُ انفعال الخشية والرهبة في النفس لأن الإِنسان إذا ارتاع وخشي اقشعرّ جِلده من أثر الانفعال الرهبني، فمعنى ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ ﴾ تقشعر من سماعه وفهمه، فإن السماع والفهم يومئذٍ متقارنان لأن السامعين أهل اللسان.

يقال: اقشعر الجلد، إذا تقبض تقبضاً شديداً كالذي يحصل عند شدة برد الجسد ورعدته.

يقال: اقشعر جلده، إذا سمع أو رأى مَا يثير انزعاجه ورَوعه، فاقشعرار الجلود كناية عن وجل القلوب الذي تلزمه قشعريرة في الجلد غالباً.

وقد عدّ عياض في «الشفاء» من وجوه إعجاز القرآن: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه والهيبةَ التي تعتريهم عند تلاوته لعلوّ مرتبته على كل كلام من شأنه أن يهابه سامعه، قال تعالى: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية اللَّه وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ﴾ [الحشر: 21].

وعن أسماء بنت أبي بكر كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمَع أعينهم وتقشعرّ جلودهم.

وخص القشعريرة بالذين يخشون ربهم باعتبار ما سيردف به من قوله: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم ﴾ كما يأتي، قال عياض: «وهي، أي الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه، على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه كما قال تعالى: ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولَّوا على أدبارهم نفوراً ﴾ [الإسراء: 46].

وهذه الروعة قد اعْترت جماعة قبل الإِسلام، فمنهم من أسلم لها لأوللِ وهلة.

حُكي في الحديث الصحيح عن جبير بن مطعم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ قوله تعالى: ﴿ أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ﴾ إلى قوله: ﴿ المصيطرون ﴾ [الطور: 35 37] كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وُقر الإِسلام في قلبي».

ومنهم من لم يسلم، روي عن محمد بن كعب القرظي قال: «أخبرت أن عتبة بن ربيعة كلّم النبي صلى الله عليه وسلم في كفّه عن سبِّ أصنامهم وتضليلهم، وعرض عليه أموراً والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلما فرغ قال له النبي صلى الله عليه وسلم اسمع ما أقول، وقَرأ عليه ﴿ حم ﴾ [فصلت: 1] حتى بلغ قوله: ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ [فصلت: 13] فأمسك عتبة على فم النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحِم أن يكفّ» أي عن القراءة.

وأما المؤمن فلا تزال روعته وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذاباً وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه، قال تعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ منه جُلُود الذين يخشَونَ ربَّهُم ثمَّ تَلِينُ جلودُهم وقُلُوبهم إلى ذِكرِ الله ﴾ .

الجهة الثانية من جهات هذا الوصف: لين قلوب المؤمنين عند سماعه أيضاً عقب وجَلها العارض من سماعه قبلُ.

واللين: مستعار للقبول والسرور، وهو ضد للقساوة التي في قوله: ﴿ فويَلٌ للقاسِيَةِ قلوبُهُم من ذِكرِ الله ﴾ ، فإن المؤمن إذا سمع آيات الوعيد والتهديد يخشى ربه ويتجنب ما حذر منه فيقشعرّ جلده فإذا عقب ذلك بآيات البشارة والوعد استبشر وفرِح وعرض أعماله على تلك الآيات فرأى نفسه متحلية بالعمل الذي وعد الله عليه بالثواب فاطمأنت نفسه وانقلب الوجل والخوف رجاءً وترقباً، فذلك معنى لين القلوب.

وإنما يبعث هذا اللينَ في القلوب ما في القرآن من معاني الرحمة وذلك في الآيات الموصوفةِ معانيها بالسهولة نحو قوله تعالى: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنَّه هو الغفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، والموصوفةِ معانيها بالرقة نحو: ﴿ يا عبادِ لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ﴾ [الزخرف: 68 69]، وقد علم في فن الخطابة أن للجزالة مقاماتها وللسهولة والرقة مقاماتهما.

الجهة الثالثة من جهات هذا الوصف: أعجوبة جمعه بين التأثيريْن المتضادَّيْن: مرةً بتأثير الرهبة، ومرة بتأثير الرغبة، ليكون المسلمون في معاملة ربهم جارِين على ما يَقتضيه جلالُه وما يقتضيه حلمه ورحمته.

وهذه الجهة اقتضاها الجمع بين الجهتين المصرح بهما وهما جهة القشعريرة وجهة اللين، مع كون الموصوف بالأمرين فريقاً واحداً وهم الذين يخشون ربهم، والمقصود وصفهم بالتأثريْن عند تعاقب آيات الرحمة بعد آيات الرهبة.

قال الفخر: إن المحققين من أهل الكمال قالوا: «السائرون في مبدأ جلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشُوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا» ا ه.

فالآية هنا ذكرتْ لهم الحالتين لوقوعها بعد قوله: ﴿ مَثَانِيَ ﴾ كما أشرنا إليه آنفاً، وإلا فقد اقتصر على وصف الله المؤمنين بالوجل في قوله تعالى: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ اللَّه وَجلت قلوبهم في سورة ﴾ [الأنفال: 2]، فالمقام هنا لبيان تأثر المؤمنين بالقرآن، والمقام هنالك للثناء على المؤمنين بالخشية من الله في غير حالة قراءة القرآن.

وإنما جُمع بين الجلود والقلوب في قوله تعالى: ﴿ ثم تَلِينُ جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ ولم يُكتف بأحد الأمرين عن الآخر كما اكتُفي في قوله: ﴿ تَقْشعر منه جلودُ الذين يخشونَ ربهم ﴾ لأن اقشعرار الجلود حالة طارئة عليها لا يكون إلا من وجل القلوب وروعتها فكنّي به عن تلك الروعة.

وأما لين الجُلود عقب تلك القشعريرة فهو رجوع الجلود إلى حالتها السابقة قبل اقشعرارها، وذلك قد يحصل عن تناسسٍ أو تشاغل بعد تلك الروعة، فعطف عليه لين القلوب ليعلم أنه لين خاص ناشئ عن اطمئنان القلوب بالذكر كما قال تعالى: ﴿ ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب ﴾ [الرعد: 28] وليس مجرد رجوع الجلود إلى حالتها التي كانت قبل القشعريرة.

ولم يُكتف بذكر لين القلوب عن لين الجلود لأنه قصد أن لين القلوب أفعمها حتى ظهر أثره على ظاهر الجلود.

و ﴿ ذِكْرِ الله ﴾ وهو أحسن الحديث، وعُدل عن ضميره لبعد المعاد، وعدل عن إعادة اسمه السابق لمدحه بأنه ذكر من الله بعد أن مُدِح بأنه أحسن الحديث والمراد ب ﴿ ذِكْرِ الله ﴾ ما في آياته من ذكر الرحمة والبشارة، وذلك أن القرآن ما ذَكَر موعظة وترهيباً إلا أعقبه بترغيب وبشارة.

وعُدّي فعل ﴿ تَلِينُ ﴾ بحرف ﴿ إلى ﴾ لتضمين ﴿ تَلِينُ ﴾ معنى: تطمئن وتسكن.

﴿ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ ﴾ استئناف بياني فإن إجراء تلك الصفات الغُرّ على القرآن الدالةِ على أنه قد استكمل أقصى ما يوصف به كلام بالغ في نفوس المخاطبين كيف سلكت آثاره إلى نفوس الذين يخشون ربهم مما يثير سؤالاً يهجس في نفس السامع أن يقول: كيف لم تتأثر به نفوس فريق المصرِّين على الكفر وهو يقرع أسماعهم يوماً فيوماً، فتقع جملة ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِي بهِ من يَشَاءُ ﴾ جواباً عن هذا السؤال الهاجس.

فالإِشارة إلى مضمون صفات القرآن المذكورة وتأثر المؤمنين بهديه، أي ذلك المذكورُ هدى الله، أي جعله الله سبَباً كاملاً جامعاً لوسائل الهدى، فمن فطر الله عقله ونفسَه على الصلاحية لقبول الهدى سريعاً أو بطيئاً اهتدى به، كذلك ومَن فطر الله قلبه على المكابرة، أو على فساد الفهم ضلّ فلم يهتد حتى يموت على ضلاله، فأطلق على هذا الفَطْر اسم الهُدى واسم الضلال، وأسند كلاهما إلى الله لأنه هو جبَّار القلوب على فطرتها وخالق وسائل ذلك ومدبر نواميسه وأنظمته.

فمعنى إضافة الهدى إلى الله في قوله: ﴿ ذلك هُدَى الله ﴾ راجع إلى ما هيّأه الله للهدى من صفات القرآن فإضافته إليه بأنه أنزله لذلك.

ومعنى إسناد الهدى والإضلال إلى الله راجع إلى مراتب تأثر المخاطبين بالقرآن وعدم تأثرهم بحيث كان القرآن مستوفياً لأسباب اهتداء الناس به فكانوا منهم من اهتدى به ومنهم من ضل عنه.

ويجوز أن تكون الإِشارة إلى ﴿ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ وهو الكتاب، أي ذلك القرآن هدى الله، أي دليل هدى الله.

ومقصده: اهتدى به من شاء الله اهتداءه، وكفر به من شاء الله ضلاله.

فجملة ﴿ ومَن يُضْلِل الله فما لهُ من هَادٍ ﴾ تذييل للاستئناف البياني.

ومعنى ﴿ مَن يشَاءُ ﴾ على تقدير: من يشاء هديه، أي من تعلّقت مشيئته، وهي إرادته بأنه يهتدي فخلقه متأثراً بتلك المشيئة فقدّر له الاهتداء، وفهم من قوله ﴿ مَنْ يَشَاء ﴾ أنه لا يهدي به من لم يشأ هديَه وهو ما دلت عليه المقابلة بقوله: ﴿ ومَن يُضْلِل الله فما لهُ من هَادٍ ﴾ ، أي من لم يشأ هديه فلم يقلع عن ضلاله فلا سبيل لهديه.

والمعنى: إن ذلك لنقص في الضالّ لا في الكتاب الذي من شأنه الهدى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، والكَلامُ يُسَمّى حَدِيثًا كَما سُمِّيَ كَلامُ رَسُولِ اللَّهِ  حَدِيثًا.

الثّانِي: لِأنَّهُ حَدِيثُ التَّنْزِيلِ بَعْدَما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ.

وَيَحْتَمِلُ وصْفُهُ بِأحْسَنِ الحَدِيثِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِفَصاحَتِهِ وإعْجازِهِ.

الثّانِي: لِأنَّهُ أكْمَلُ الكُتُبِ وأكْثَرُها إحْكامًا.

﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الآيِ والحُرُوفِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في نُورِهِ وصِدْقِهِ وعَدْلِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يُشْبِهُ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ عَلى أنْبِيائِهِ لِما يَتَضَمَّنُهُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ، وإنْ كانَ أعَمَّ وأعْجَزَ.

ثُمَّ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿ مَثانِيَ ﴾ وفِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ثَنّى اللَّهُ فِيهِ القَضاءَ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: ثَنّى اللَّهُ فِيهِ قَصَصَ الأنْبِياءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: ثَنّى اللَّهُ فِيهِ ذِكْرَ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الرّابِعُ: لِأنَّ الآيَةَ تُثَنّى بَعْدَ الآيَةِ، والسُّورَةُ بَعْدَ السُّورَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: يُثَنّى في التِّلاوَةِ فَلا يُمَلُّ لِحُسْنِ مَسْمُوعِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

السّادِسُ: مَعْناهُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّ المَثانِيَ اسْمٌ لِأواخِرِ الآيِ، فالقُرْآنُ اسْمٌ لِجَمِيعِهِ، والسُّورَةُ اسْمٌ لِكُلِّ قِطْعَةٍ مِنهُ، والآيَةُ اسْمٌ لِكُلِّ فَصْلٍ مِنَ السُّورَةِ، والمَثانِي اسْمٌ لِآخِرِ كُلِّ آيَةٍ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها تَقْشَعِرُّ مِن وعِيدِهِ وتَلِينُ مِن وعْدِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّها تَقْشَعِرُّ مِنَ الخَوْفِ وتَلِينُ مِنَ الرَّجاءِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ لِإعْظامِهِ، وتَلِينُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا فنزل ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ قال: القرآن كله مثاني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مثاني ﴾ قال: القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويرد بعضه إلى بعض.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ كتاباً متشابهاً ﴾ حلاله وحرامه لا يختلف شيء منه.

الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف ﴿ مثاني ﴾ قال: يثني الله فيه الفرائض، والحدود، والقضاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كتاباً متشابهاً ﴾ قال: القرآن كله مثاني.

قال: من ثناء الله إلى عبده.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ متشابهاً ﴾ قال: يفسر بعضه بعضاً، ويدل بعضه على بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي رجاء رضي الله عنه قال: سألت الحسن رضي الله عنه عن قول الله تعالى ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾ قال: ثنى الله فيه القضاء.

تكون في هذه السورة الآية، وفي السورة الآية الأخرى تشبه بها.

وأخرج عبد بن حميد عن أُبي رضي الله عنه قال: سأل عكرمة رضي الله عنه عنها، وأنا أسمع فقال: ثنى الله فيه القضاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ﴾ هذا نعت أولياء الله نعتهم الله تعالى قال: تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى.

ولم ينعتهم الله تعالى بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وإنما هو من الشيطان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم...

﴾ قال: إذا ذكروا سمعوا ذكر الله والوعيد اقشعروا ﴿ ثم تلين جلودهم ﴾ إذا سمعوا ذكر الجنة واللين ﴿ يرجون رحمة الله ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء رضي الله عنها كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأوا القرآن؟

قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم.

قلت: فإن ناساً هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: جئت أمي فقلت وجدت قوماً ما رأيت خيراً منهم قط، يذكرون الله تعالى فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله فقالت: لا تقعد معهم.

ثم قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا.

افتراهم أخشى من أبي بكر وعمر؟

وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن جبير رضي الله عنه قال: الصعقة من الشيطان.

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن إبراهيم رضي الله عنه في الرجل يرى الضوء قال: من الشيطان، لو كان يرى خيراً لأوثر به أهل بدر.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها.

وأخرج الحكيم الترمذي عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: ليس من عبد على سبيل ذكر سنة ذكر الرحمن فاقشعر جلده من مخافة الله تعالى إلا كان مثله مثل شجرة يبس ورقها وهي كذلك فاصابتها ريح تحات ورقها كما تحات عن الشجرة البالية ورقها، وليس من عبد على سبيل وذكر سنة وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبداً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ يعني القرآن ﴿ كِتَاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال منه ﴿ مُّتَشَابِهاً ﴾ معناه هنا أنه يشبه بعضه بعضاً في الفصاحة والنطق بالحق وأنه ليس فيه تناقض ولا اختلاف ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ جمع مثان أي تثنى فيه القصص وتكرر، ويحتمل أن يكون مشتقاً من الثناء، لأنه يثنى فيه على الله، فإن قيل: مثاني جمع فكيف وصف به المفرد؟

فالجواب: أن القرآن ينقسم فيه إلى سور وآيات كثيرة فهو جمع بهذا الاعتبار، ويجوز أن يكون كقولهم: برمة أعشار، وثوب أخلاق، أو يكون تمييزاً من متشابهاً كقولك: حُسْن شمائل ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ إن قيل: كيف تعدّى تلين بإلى؟

فالجواب أنه تضمن معنى فعل تعدى بإلى كأنه قال تميل أو تسكن أو تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله.

فإن قيل: لم ذكر الجلود أولاً وحدها ثم ذكر القلوب بعد ذلك معها؟

فالجواب: أنه لما قال أولاً تقشعر ذكر الجلود وحدها، لأن القشعريرة من وصف الجلود لا من وصف غيرها، ولما قال ثانياً تلين ذكر الجلود والقلوب، لأن اللبن توصف به الجلود والقلوب: أما لين القلوب فهو ضدّ قسوتها، وأما لين الجلود فهو ضد قشعريرتها فاقشعرت أولاً من الخوف، ثم لانت بالرجاء ﴿ ذَلِكَ هُدَى الله ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة إلى القرآن أو إلى الخشية واقشعرار الجلود.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ونحوه [يخرج] على وجهين: أحدهما: على الخبر ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ أي: قد رأيت.

والثاني على الأمر: أن ره.

ثم الخطاب، وإن كان في الظاهر لرسول الله  فهو لكل أحد يحتمل النظر والتأمل، ثم جهة الحكمة المودعة فيها ما ذكر من إنزال الماء من السماء، وجعله ينابيع في الأرض، والينابيع هي العيون التي تخرج من الأرض، والآبار التي جعلت فيها؛ ليعلم أنّ المياة الخارجة من الأرض والجارية فيها أصلها من السماء، منزلة منها، وهي طهور؛ على ما أخبر أنه أنزله طهوراً، وإن اختلف طبعه لاختلاف جواهر الأرض ما لم يخالطه شيء من جواهر الأرض من القذر والنجاسة وغيرها من الألوان التي تخرجه عن أن يكون طهوراً وتغيره عن جوهره الذي أنزل من السماء، ثم جعل الله - عز وجل - في سِرّية ذلك الماء معنى ولطفاً ما يوافق جميع الأشجار والنبات، وكل خارج من الأرض وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها؛ ليعلم أنّ من قدر على جعل ما جعل في الماء من اللطف، والمعنى الذي يوافق كل شيء من النبات والشجر وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا قوة إلا بالله.

أو أن يقول: إن من تكلف زرع الزراعة في الأرض، ويتحمل المؤن العظام إلى أن بلغ المبلغ الذي ينتفع به وينال منه النفع فتركه لم ينتفع به؛ أليس يوصف بالسفه وبغير الحكمة، فكذلك الله -  - لما أنشأكم صغاراً طفلا وغذاكم بألوان الأغذية والأطعمة حتى كبرتم وبلغتم مبلغ الانتفاع بكم، ثم أتلفكم بلا عاقبة تقصد في ذلك كان غير حكيم، وقد عرفتموه حكيماً؛ فدل أن المقصود في ذلك كله حتى يكون إنشاؤه إياكم صغاراً وتربيته إياكم بألوان الأغذية التي جعل لكم حكمة - هو البعث ما لولا ذلك كان سهفاً غير حكمة؛ على ما ذكر من إخراج الزرع من الأرض بالماء الذي أخرج، ثم تركه فيها حتى صار ياسباً لا ينتفع به كان سفيهاً غير حكيم، فعلى ذلك ما كان عند أولئك الكفرة أن لا بعث كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: فيما يذكر من إنزال الماء من السماء وإدخاله في الأرض وإخراج ما ذكر منها به وما ذكر - موعظة لأولي الألباب؛ أي: لمن انتفع بلبه وعقله؛ لما ذكرنا، وما ذكر لأهل الجنة من الغرف وغير ذلك.

وقوله: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أدخله فيها وجعله ينابيع؛ أي: عيوناً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَهِـيجُ ﴾ أي: ييبس.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ﴾ متكسراً مثل الرفات والفتات، وهو قول أبي عوسجة والقتبي، ويقال: هاجت الأرض: إذا ابتدأت في اليبس، حطاما، أي: متكسرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ قيل: ﴿ شَرَحَ ٱللَّهُ ﴾ : وسع الله.

وقيل: رحب الله.

وقيل: لبى الله، ونحوه؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ فيسلم ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: يجعل الله في صدره النور؛ أي: يجعل إذا أسلم حتى يبصر الحق وحججه وبراهينه بصورة الحق أنه حق، والباطل أنه باطل، وأنه تمويه، يبصر كل شيء بذلك النور على ما هو حقيقة أنه حق وباطل، فيأخذ الحق ويعمل به، ويترك الباطل ويجتنبه، والله أعلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، يكون نوره هو إسلامه الذي هداه شرح صدره لنوره حتى أسلم، وهو ما روي في الخبر "أنّ رسول الله  سئل أنه: هل ينشرح الصدر للإسلام؟

وكيف ينشرح؟

فقال نبي الله  : إذا دخله النور انشرح لذلك الصدر، وانفسح له" ؛ أخبر أن النور إذا دخل الصدر انشرح لذلك الصدر، وانفسح له بذلك النور، والله أعلم.

وجائز - أيضاً - أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ في الدنيا ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ في الآخرة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ...

﴾ الآية [التحريم: 8]، والذين كفروا طبع الله على قلوبهم فتظلم وتفسق لما تبقى في الظلمة أبداً، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ : الإسلام نفسه إذا أسلم ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ كتاب الله، قال: هذا المؤمن به يأخذ، وإليه ينتهي، "وما سئل النبي  : هل لذلك - أي: لانشراح الصدر للإسلام - علامة؟

فقال: نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الموت" ، فهذا في التحقيق ليس في المعاملة في العمل، ولكن في الاعتقاد؛ أي: يتجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود: يتزود من الدنيا للآخرة.

ثم قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ يحتمل أن يكون على الاستفهام؛ على ما ذكر.

ويحتمل ألا يكون على الاستفهام، ولكن على الإيجاب، فإن كان على هذا فهو على إسقاط الألف: فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه...

الآية؛ كقوله في آية أخرى: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً  ﴾ فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الآية على هذا، والله أعلم.

وإن كان على الاستفهام فلابد أن يكون له مقابل يعرف ذلك بدليل أنه جواب.

ثم قال بعضهم: جوابه في قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه يقول: ليس المنشرح صدره للإسلام كالقاسي قلبه بالكفر؛ وهو قول الكسائي.

وجائز أن يكون جوابه ومقابله ما تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ...

﴾ الآية [الزمر: 19]؛ كأنه يقول: أفمن حق عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام؛ أي: ليس من وجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ : أصدقه خبراً، وأعدله حكماً، وهو ما ذكر في آية أخرى، ووصفه بالصدق والعدل؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً  ﴾ أي: صدقاً فيخبره، وعدلا في حكمه، فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ خبراً، وأعدله حكماً، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ ، أي: أتقنه وأحكمه، وهو متقن ومحكم، وهو على ما وصفه بالصدق والعدل في آية أخرى قال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ أخبر أنه لا يأتي القرآن باطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك لإتقانه وإحكامه، والله أعلم.

وهو أحسن الحديث؛ لأن من تأمله ونظر فيه وتفكرّ أنار قلبه، وأضاء صدره، وهداه سبيل الخير والحق، ودفع عنه الوساوس والشبهات وكل شر، وأفضاه إلى كل خير وبرّ فهو أحسن الحديث؛ إذ لا حديث يعمل ما يعمل هو؛ لما ذكرنا، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً ﴾ قوله: ﴿ مُّتَشَابِهاً ﴾ أي: ليس بمختلف ولا متناقض، ليس كحديث الناس وكتبهم مما يختلف ويتناقض حديثهم وكتابهم، وخاصة فيما امتدّ من الأوقات وطال وبعدت مدته، وهو ما ذكر: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً...

 ﴾ دل كونه متفقاً، متشابهاً، غير مختلف في طول نزوله، وتفرق أوقاته، وتباعد أيامه في الإنزال - أنه من عند الله نزل، ومنه جاء؛ إذ لو لم يكن من عنده لخرج مختلفاً متناقضاً على ما يخرج حديث الناس وخبرهم مختلفاً ومتناقضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ قال أهل التأويل: سماه: مثاني؛ لما ثنّى فيه أنباؤه وقصصه مرة بعد مرة، وأصله: أنه سماه: مثاني؛ لأنه ذكر فيه المواعظ والذكرى وكررها في غير موضع، لما لو لم يكررها غفلوا عنها، وسهوا عنها؛ لأن الحكيم إذا وعظ أحداً عظة وزجره وسها عنه [كررها عليه]، وكرر - عز وجل - عليهم المواعظ والزواجر؛ ليكونوا أبداً متعظين متذكرين لذلك - والله أعلم - لكيلا يغفلوا عنها ولا يسهوا.

وقوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عند تلاوة آية الرهبة والخوف، وتلين قلوبهم عند تلاوة آية الرحمة.

وجائز أن يكون ذلك لهم بجميع القرآن بما فيه من الرحمة والرهبة جميعاً يكون فيهما الموعظة: تلين قلوبهم وتقشعر جلودهم وتخاف أنفسهم؛ لأن آية الرحمة ليست بأحق بتليين القلوب من آية الرهبة، بل آية الرهبة أحق بذلك.

وقتادة يقول: كانت جلودهم تقشعر، وعيونهم تبكي، وقلوبهم تطمئن إليه، ولا تذهب عقولهم، ولا يغشى عليهم، كما رأينا أهل البدع يفعلونه، وإنما ذلك من الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ قد بين سبيل الهدى والحق، وحججه وبراهينه، وبين سبيل الضلالة والباطل، فمن سلك سبيل الهدى فبتوفيقه سلك، وبمعونته اهتدى، ومن سلك طريق الكفر والباطل فبخذلانه ضل وزاغ.

وقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أخبر أنّ من أضله الله فلا هادي له، وعلى ما قال في المعيشة والرزق؛ قال - عز وجل -: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ  ﴾ وقال - عز وجل - في الضراء والخير؛ حيث قال: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ  ﴾ ذكر في الضلال والهدى ما ذكر في الرزق والضر والخير، ذلك أنّ الله في فعلهم وصنعهم تدبيراً، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا تدبير لله في ذلك، وأن من اهتدى إنما يهتدي بنفسه، ومن ضل وزاع إنما ذلك بنفسه، لا تدبير لله في ذلك، فالآية تنقض قولهم ومذهبهم.

وقتادة يقول في قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ وإنما يذكر الله أهل الإيمان، فكانت تقشعرّ بذلك جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم، ولا تذهب عقولهم منه، وأما أن يصرع أحدهم فلم يكن، وإنما كان هذا في أصحاب البدع، وربما هو من الشيطان، ولعمري ما كان في هذه الأمة أحد أعلم من نبيه  ومن بعده أصحابه الذين انتخبهم الله - عز وجل -: لصحبة النبي  وإقامة دينه، ولقد سألنا من لقينا من أصحاب رسول الله  وأصحاب أصحابه، فحدثوا أن هذا إنما كان في أهل البدع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله نزَّل على رسوله محمد  القرآن الذي هو أحسن حديث، أنزله متشابهًا يشبه بعضه بعضًا في الصدق والحسن والائتلاف وعدم الخلاف، تتعدد فيه القصص والأحكام، الوعد والوعيد، وصفات أهل الحق، وصفات أهل الباطل وغير ذلك، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم إذا سمعوا ما فيه من الوعيد والتهديد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله إذا سمعوا ما فيه من الرجاء والبشارات، ذلك المذكور من القرآن وتأثيره هداية الله يهدي بها من يشاء، ومن يخذله الله، ولم يوفقه للهداية، فليس له من هاد يهديه.

<div class="verse-tafsir" id="91.k02ye"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله