تفسير الآية ٢٤ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٢٤ من سورة الزمر

أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ٢٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 53 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٤ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) ، ويقرع فيقال له ولأمثاله من الظالمين : ( ذوقوا ما كنتم تكسبون ) ، كمن يأتي آمنا يوم القيامة ؟

!

كما قال تعالى : ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ) [ الملك : 22 ] ، وقال : ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ) [ القمر : 48 ] ، وقال [ تعالى ] ( أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ) [ فصلت : 40 ] ، واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر ، كقول الشاعر .

فما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير : أيهما يليني ؟

يعني : الخير أو الشر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) اختلف أهل التأويل في صفة اتقاء هذا الضالّ بوجهه سُوء العذاب, فقال بعضهم: هو أن يُرْمى به في جهنم مكبوبا على وجهه, فذلك اتقاؤه إياه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ ) قال: يَخِرّ على وجهه في النار, يقول: هو مثل أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟.

وقال آخرون: هو أن ينطلق به إلى النار مكتوفا, ثم يُرمى به فيها, فأوّل ما تَمس النار وجهه، وهذا قول يُذكر عن ابن عباس من وجه كرهت أن أذكره لضعف سنده، وهذا أيضا مما ترك جوابه استغناء بدلالة ما ذكر من الكلام عليه عنه.

ومعنى الكلام: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة خير, أم من ينعم في الجنان؟.

وقوله: ( وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) يقول: ويقال يومئذ للظالمين أنفسهم بإكسابهم إياها سخط الله.

ذوقوا اليوم أيها القوم وبال ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصي الله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب قال عطاء وابن زيد : يرمى به مكتوفا في النار ، فأول شيء تمس منه النار وجهه .

وقال مجاهد : يجر على وجهه في النار .

وقال مقاتل : هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه ، وفي عنقه صخرة عظيمة كالجبل العظيم من الكبريت ، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه ، فحرها ووهجها على وجهه ، لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال .

والخبر محذوف .

قال الأخفش : أي : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل أم من سعد ، مثل : أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة .وقيل للظالمين أي وتقول الخزنة للكافرين ذوقوا ما كنتم تكسبون أي جزاء كسبكم من المعاصي .

ومثله هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أفيستوي هذا الذي هداه اللّه، ووفقه لسلوك الطريق الموصلة لدار كرامته، كمن كان في الضلال واستمر على عناده حتى قدم القيامة، فجاءه العذاب العظيم فجعل يتقي بوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، وأدنى شيء من العذاب يؤثر فيه، فهو يتقي فيه سوء العذاب لأنه قد غلت يداه ورجلاه، { وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ } أنفسهم، بالكفر والمعاصي، توبيخا وتقريعا: { ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ) أي : شدته ، ( يوم القيامة ) قال مجاهد : يجر على وجهه في النار .

وقال عطاء : يرمى به في النار منكوسا فأول شيء منه تمسه النار وجهه .

قال مقاتل : هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه ، وفي عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت ، فتشتعل النار في الحجر ، وهو معلق في عنقه فخر ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه ؛ للأغلال التي في عنقه ويده .

ومجاز الآية : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب ؟

.

) ( وقيل ) يعني : تقول الخزنة ، ( للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ) أي : وباله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفمن يتقي» يلقى «بوجهه سوء العذاب يوم القيامة» أي أشده بأن يلقى في النار مغلولة يداه إلى عنقه كمن أمن منه بدخول الجنة «وقيل للظالمين» أي كفار مكة «ذوقوا ما كنتم تكسبون» أي جزاءَه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفمن يُلْقى في النار مغلولا- فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه؛ لكفره وضلاله- خير أم من ينعم في الجنة؛ لأن الله هداه؟

وقيل يومئذ للظالمين: ذوقوا وبال ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصي الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نفى - سبحانه - المساواة بين هؤلاء الذين يخشون ربهم ، وبين غيرهم ممن قست قلوبهم ، وانحرفت نفوسهم عن الحق ، فقال - تعالى - : ( أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ) .والاستفهام : للنفى والإِنكار ، و " من " اسم موصول مبتدأ ، والخبر محذوف .أى : أفمن كان يوم القيامة مصيره إلى النار التى يتقيها ويحاول درأها عن نفسه بوجهه الذى هو أشرف أعضائه ، كمن يأتى يوم القيامة آمنا مطمئنا بعيدا عن النار وسعيرها؟وفى الآية الكريمة ما فيها من تهويل عذاب يوم القيامة ، إذ جرت عادة الإِنسان أن يتقى الآلام بيديه وجوارحه ، فإذا ما اتقاها بوجهه الذى هو أشرف أعضائه ، كان ذلك دليلا على أن ما نزل به فى نهاية الفظاعة والشدة .وفى قوله - تعالى - : ( سواء العذاب ) مبالغة أخرى ، إذ نفس العذاب سوء ، فإذا ما وصف بعد ذلك بالسوء ، كان أشد فى الفظاعة والإِهانة والألم .وجملة : ( وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ .

.

.

) عطف على من " يتقى .

.

.

" أى : هذا هو مصير الظالمين ، إنهم يتقون النار بوجوههم التى هى أشرف أعضائهم ، وهذا الاتقاء لن يفيدهم شيئا ، بل ستغشاهم النار بلهبها ، ويقال لهم : ذوقوا العذاب الأليم بسبب ما كنتم تكسبون فى الدنيا من أقوال باطلة ، وأفعال قبيحة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة العظيمة لأولي الألباب فيها وصف الدنيا بصفة توجب اشتداد النفرة عنها، وذلك أنه تعالى بين أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل كل ما كان في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه فيسلكه ينابيع في الأرض، أي فيدخله وينظمه ينابيع في الأرض عيوناً، ومسالك ومجاري كالعروق في الأجسام، يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفاً أصنافه من بر وشعير وسمسم ثم يهيج، وذلك لأنه إذا تم جفافه جاز له أن ينفصل عن منابته، وإن لم تتفرق أجزاؤه، فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن تتفرق ثم يصير حطاماً يابساً ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى ﴾ يعني أن من شاهد هذه الأحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والإنسان كذلك وأنه وإن طال عمره فلابد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء، ثم تكون عاقبته الموت.

فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات تذكره حصول مثل هذه الأحوال في نفسه وفي حياته، فحينئذ تعظم نفرته في الدنيا وطيباتها.

والحاصل أنه تعالى في الآيات المتقدمة ذكر ما يقوي الرغبة في الآخرة، وذكر في هذه الآية ما يقوي النفرة عن الدنيا، فشرح صفات القيامة يقوي الرغبة في طاعة الله، وشرح صفات الدنيا يقوي النفرة عن الدنيا، وإنما قدم الترغيب في الآخرة على التنفير عن الدنيا، لأن الترغيب في الآخرة مقصود بالذات، والتنفير عن الدنيا مقصود بالعرض، والمقصود بالذات مقدم على المقصود بالعرض، فهذا تمام الكلام في تفسير الآية، بقي هاهنا ما يتعلق بالبحث عن الألفاظ، قال الواحدي: والينابيع جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع يقال نبع الماء ينبع وينبع وينبع ثلاث لغات ذكرها الكسائي والفراء، وقوله: ﴿ يَنَابِيعَ ﴾ نصب بحذف الخافض لأن التقدير فسلكه في ينابيع ثم يهيج أي يخضر، والحطام ما يجف ويتفتت ويكسر من النبت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة، فقالوا له: حدثنا فنزلت، وإيقاع اسم الله مبتدأ وبناء ﴿ نَزَّلَ ﴾ عليه: فيه تفخيم لأحسن الحديث، ورفع منه، واستشهاد على حسنه، وتأكيد لاستناده إلى الله وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلاّ عنه، وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث.

و ﴿ كتابا ﴾ بدل من أحسن الحديث.

ويحتمل أن يكون حالاً منه ﴿ متشابها ﴾ مطلق في مشابهة بعضه بعضاً، فكان متناولاً لتشابه معانيه في الصحة والإحكام، والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق، وتناسب ألفاظه وتناصفها في التخير والإصابة، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت، ويجوز أن يكون ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ بياناً لكونه متشابهاً؛ لأن القصص المكررة لا تكون إلاّ متشابهة.

والمثاني: جمع مثنى بمعنى مردّد مكرّر، ولما ثنى من قصصه وأنبائه، وأحكامه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه.

وقيل: لأنه يثنى في التلاوة، فلا يمل كما جاء في وصفه لا يتفه ولا يتشان ولا يخلق على كثرة الرّد.

ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل، من التثنية بمعنى التكرير، والإعادة كما كان قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْن ﴾ [الملك: 4] بمعنى كرّة بعد كرّة، وكذلك: لبيك وسعديك، وحنانيك.

فإن قلت: كيف وصف الواحد بالجمع؟

قلت: إنما صحّ ذلك لأنّ الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس، وسور وآيات، وكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات، ونظيره قولك: الإنسان عظام وعروق وأعصاب، ألا أنك تركت الموصوف إلى الصفة؛ وأصله: كتاباً متشابهاً فصولاً مثاني.

ويجوز أن يكون كقولك: برمة أعشار، وثوب أخلاق.

ويجوز أن لا يكون مثاني صفة، ويكون منتصباً على التمييز من متشابهاً، كما تقول: رأيت رجلاً حسناً شمائل، والمعنى: متشابهة مثانية.

فإن قلت: ما فائدة التثنية والتكرير؟

قلت: النفوس أنفر شيء من حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عوداً عن بدء، لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعاً ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم.

اقشعر الجلد: إذا تقبّض تقبضاً شديداً، وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس، مضموماً إليها حرف رابع وهو الراء، ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد.

يقال: اقشعر جلده من الخوف وقف شعره، وهو مثل في شدّة الخوف، فيجوز أن يريد به الله سبحانه التمثيل، تصويراً لإفراط خشيتهم، وأن يريد التحقيق.

والمعنى: أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده: أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم، ثم إذا ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة: لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة.

فإن قلت: ما وجه تعديه ﴿ لان ﴾ بإلى؟

قلت: ضمن معنى فعل متعدّ بإلى، كأنه قيل: سكنت.

أو اطمأنت إلى ذلك الله لينة غير متقبضة، راجية غير خاشية.

فإن قلت: لم اقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة؟

قلت: لأنّ أصل أمره الرحمة والرأفة، ورحمته هي سابقة غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال قبل كل شيء من صفاته إلا كونه رؤوفاً رحيماً.

فإن قلت: لم ذكرت الجلود وحدها أوّلاً، ثم قرنت بها القلوب؟

ثانياً؟

قلت: إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب، فقد ذكرت القلوب، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد، وتخشى قلوبهم في أوّل وهلة، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة: استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة ليناً في جلودهم ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى الكتاب، وهو ﴿ هُدَى الله يَهْدِى بِهِ ﴾ يوفق به من يشاء يعني: عباده المتقين، حتى يخشوا تلك الخشية ويرجوا ذلك الرجاء، كما قال: ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2] ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ ومن يخذله من الفساق والفجرة ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله، أي: أثر هداه وهو لطفه، فسماه هدى لأنه حاصل بالهدى، ﴿ يَهْدِى بِهِ ﴾ بهذا الأثر ﴿ من يشاء ﴾ من عباده، يعني: من صحب أولئك ورآهم خاشين راجين، فكان ذلك مرغباً لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ : ومن لم يؤثر فيه ألطافه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره، ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ من مؤثر فيه بشيء قط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، رُوِيَ «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا لَهُ حَدِّثْنا فَنَزَلَتْ.» وَفِي الِابْتِداءِ بِاسْمِ اللَّهِ وبِناءِ نَزَلَ عَلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِلْإسْنادِ إلَيْهِ وتَفْخِيمٌ لِلْمُنْزِلِ واسْتِشْهادٌ عَلى حُسْنِهِ.

﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ بَدَلٌ مِن أحْسَنَ أوْ حالٌ مِنهُ، وتَشابُهُهُ تَشابُهُ أبْعاضِهِ في الإعْجازِ وتَجاوُبِ النَّظْمِ وصِحَّةِ المَعْنى والدَّلالَةِ عَلى المَنافِعِ العامَّةِ.

﴿ مَثانِيَ ﴾ جَمْعُ مَثْنى أوْ مُثَنّى أوْ مُثْنٍ عَلى ما مَرَّ في «الحِجْرِ»، وصَفَ بِهِ كِتابًا بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِهِ كَقَوْلِكَ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ، والإنْسانُ: عِظامٌ وعُرُوقٌ وأعْصابٌ، أوْ جُعِلَ تَمْيِيزًا مِن مُتَشابِهًا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلُهُ.

﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ تَشْمَئِزُّ خَوْفًا مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ واقْشِعْرارُ الجِلْدِ تَقَبُّضُهُ وتَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ القَشْعِ وهو الأدِيمُ اليابِسُ بِزِيادَةِ الرّاءِ لِيَصِيرَ رُباعِيًّا كَتَرْكِيبِ أُقَمْطِرُ مِنَ القَمْطِ وهو الشَّدُّ.

﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ بِالرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَغْفِرَةِ، والإطْلاقُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ أصْلَ أمْرِهِ الرَّحْمَةُ وأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، والتَّعْدِيَةُ بِـ إلى لِتَضْمِينِ مَعْنى السُّكُونِ والِاطْمِئْنانِ، وذَكَرَ القُلُوبَ لِتَقَدُّمِ الخَشْيَةِ الَّتِي هي مِن عَوارِضِها.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الكِتابُ أوِ الكائِنُ مِنَ الخَشْيَةِ والرَّجاءِ.

﴿ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ.

﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ ومَن يَخْذُلُهُ.

﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يُخْرِجُهم مِنَ الضَّلالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ العذاب يَوْمَ القيامة} كمن أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره وسوء العذاب شدته ومعناه أن الإنسان إذا لقي مخوفاً من المخاوف استقبله بيده وطلب أن بقى بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه

{وقيل للظالمين} أن تقول لهم خزنة النار {ذُوقُواْ} وبال {مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي كسبكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن تَبايُنِ حالِ المُهْتَدِي، والضّالِّ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ، والفاءِ، والخَبَرِ، كالَّذِي مَرَّ في نَظائِرِهِ، ويُقالُ: هُنا عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ: التَّقْدِيرُ: أكُلُّ النّاسِ سَواءٌ، فَمَن شَأْنُهُ أنْ يَتَّقِيَ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ العَذابَ السَّيِّئَ الشَّدِيدَ لِكَوْنِ يَدِهِ الَّتِي بِها كانَ يَتَّقِي المَكارِهَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ، كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ مَكْرُوهٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فالوَجْهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقَدْ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَدِيثِ كَوْنِ اليَدِ مَغْلُولَةً تَصْوِيرًا لِكَمالِ اتِّقائِهِ وجَدَهُ فِيهِ، وهو أبْلَغُ، وفي هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ: يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ بِمَعْنى الجُمْلَةِ، والمُبالَغَةُ عَلَيْهِ دُونَ المُبالَغَةِ فِيما قَبْلَهُ.

وقِيلَ: الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يُتَّقى بِهِ، إذِ الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّهُ مِمّا لا يُتَّقى بِهِ، ولا يَخْلُو عَنْ خَدْشٍ، وإضافَةُ سُوءٍ إلى العَذابِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، ”ويوم القيامة“ مَعْمُولُ يَتَّقِي كَما أشَرْنا إلى ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ سُوءِ العَذابِ، والمَعْنى: أفَمَن يَتَّقِي عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ كالمُصِرِّ عَلى كُفْرِهِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ والوَجْهُ حِينَئِذٍ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ إمّا الجُمْلَةُ مُبالَغَةً في تَقْواهُ، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ تَصْوِيرًا لِكَمالِ تَقْواهُ، وجَدَهُ فِيها، وهو أبْلَغُ.

والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ المَعْنى السّابِقُ، والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، ﴿ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى يَتَّقِي، أيْ ويُقالُ لَهم مِن جِهَةِ خَزَنَةِ النّارِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والتَّقَرُّرِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَتَّقِي ﴾ بِإضْمارِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أيْ وبالَ ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ في الدُّنْيا عَلى الدَّوامِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي  : ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وسادات قومك يعبدون الأصنام؟

فنزل: قُلْ يا نبي الله إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ يعني: التوحيد، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ من أهل بلدي قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي وعبدت غيره، ينزل علي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: في يوم القيامة قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ يعني: أعبد الله مُخْلِصاً لَهُ دِينِي أي: توحيدي.

فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ من الآلهة.

وهذا كقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون: 6] ويقال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ لفظه لفظ التخيير والأمر، والمراد به التهديد والتخويف، كقوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وكقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ويقال: قد بيّن الله ثواب المؤمنين، وعقوبة الكافرين.

ثم قال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى دينهم، قالوا: خسرت إن خالفت دين آبائك.

فقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: أنتم الخاسرون، لا أنا.

ويقال: الذين خسروا أنفسهم بفوات الدرجات، ولزوم الشركات، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ يعني: الظاهر حيث خسروا أنفسهم، وأهلهم، وأزواجهم، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ يعني: أطباقاً من نار، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ يعني: مهاداً من نار، أو معناه: أن فوقهم نار، وتحتهم نار، ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي: ذلك الذي ذكر، يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ في القرآن، لكي يؤمنوا.

يا عِبادِ فَاتَّقُونِ: أي: فوحِّدون، وأطيعون، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ قال مقاتل: يعني: اجتنبوا عبادة الأوثان.

وقال الكلبي: الطَّاغُوتَ يعني: الكهنة أَنْ يَعْبُدُوها يعني: أن يطيعوها، ورجعوا إلى عبادة ربهم وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ أي: أقبلوا إلى طاعة الله.

ويقال: رجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله لَهُمُ الْبُشْرى يعني: الجنة.

ويقال: الملائكة يبشرونهم في الآخرة، فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ يعني: القرآن فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ يعني: يعملون بحلاله، وينتهون عن حرامه، وقال الكلبي: يعني: يجلس الرجل مع القوم، فيستمع الأحاديث، محاسن ومساوئ، فيتبع أحسنه، فيأخذ المحاسن، فيحدث بها، ويدع مساوئه.

ويقال: يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه، وهو القصاص، والعفو يأخذ العفو لقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: 126] ، (وقال بعضهم: يستمع النداء، فيستجيب، ويسرع إلى الجماعة.

وقال بعضهم: يستمع الناسخ، والمنسوخ، والمحكم من القرآن، فيعمل بالمحكم، ويؤمن بالناسخ والمنسوخ) .

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي: وفقهم الله لمحاسن الأمور.

ويقال: هَداهُمُ اللَّهُ أي: أكرمهم الله تعالى بدين التوحيد وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: ذوي العقول.

قوله عز وجل: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ يعني: وجب له العذاب.

ويقال: أفمن في علم الله تعالى أنه في النار، كمن لا يجب عليه العذاب.

أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ يعني: تستنقذ من هو في علم الله تعالى، أنه يكون في النار بعمله الخبيث.

ويقال: من وجبت له النار: وقدرت عليه.

ثم ذكر حال المؤمنين المتقين فقال عز من قائل: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعني: وحدوا ربهم، وأطاعوا ربهم، لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ في الجنة، وهي العلالي.

غرف مبنية، مرتفعة بعضها فوق بعض، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ في القرآن، لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

صَلاَبَتِهِ وقِلَّةِ انفعاله، للوَعْظِ، وَرَوَى الترمذيُّ عن ابن عمر قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وإنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِي» «١» ، قال الترمذيُّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ.

انتهى وقال مالكُ بن دِينَارٍ: مَا ضُرِبَ عَبْدٌ [بعقوبةٍ] أعْظَمَ من قَسْوَةِ قلبهِ، قال ابن هِشَامٍ: قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «من» هنا: مرادِفَةٌ «عَنْ» ، وقيل: هي للتعليلِ، أي: مِنْ أجْلِ ذكر اللَّه لأنه إذا ذُكِرَ اللَّه، قَسَتْ قلوبُهُمْ عياذاً باللَّه، وقيل: هي للابتداءِ، انتهى من «المغني» .

قال الفَخْرُ «٢» : اعلم أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سببٌ لحصولِ النُّورِ والهدايةِ وزيادةِ الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد يُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عنِ الحَقِّ في النفوسِ الخبيثة الشيطانية، فإذا عَرَفْتَ هذا، فنقول: إنَّ رأسَ الأدْوِيَةِ التي تفيدُ الصحةَ الروحانيةَ ورُتْبَتَها هو ذِكْرُ اللَّهِ، فإذا اتفق لبعضِ النفوسِ أنْ صَارَ ذِكْرُ اللَّهِ سبباً لازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تلكَ النفوسِ مَرَضاً لا يرجى زوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ علاجُهُ، وكانَتْ في نِهَايَةِ الشَّرِّ والرَّدَاءَةِ، فلهذا المعنى قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وهذا كَلاَمُ كامل محقّق، انتهى.

وقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يريد القرآن، وروي عَنِ ابْنِ عبَّاس أن سبَبَ هذه الآيةِ أنَّ قَوْماً من الصحابةِ قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا بِأَحَادِيثَ حِسَانٍ، / وَأَخْبِرْنَا بأخبار الدّهر، فنزلت الآية «٣» .

وقوله: مُتَشابِهاً معناه مُسْتَوِياً لا تَنَاقُضَ فيه ولا تَدَافُعَ، بل يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضاً في رَصْفِ اللَّفْظِ، ووَثَاقَةِ البراهينِ، وشَرَفِ المعاني إذْ هِيَ اليَقِينُ في العقائدِ في اللَّهِ وصفاته وأفعاله وشرعه، ومَثانِيَ معناه: مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ للقصَصِ والأقضيةِ والمَوَاعِظِ تثنى فيهِ ولاَ تُمَلُّ مَع ذلك ولا يَعْرِضُهَا ما يَعْرِضُ الحديثَ المَعَادَ، وقال ابن عباس، ثنى فِيه الأَمْرَ مِرَاراً «١» ، ولا ينصرفُ مَثانِيَ لأنه جمعٌ لا نَظِيرَ له في الواحد.

وقوله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ عبارة عن قفّ شعر الإنسان عند ما يُدَاخِلُهُ خَوْفٌ ولِينُ قَلْبٍ عند سماعِ موعظةٍ أو زَجْرِ قرآن ونحوهِ، وهذه علامةُ وقوعِ المعنى المُخْشِعِ في قلبِ السامعِ، وفي الحديث أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قرأ عند النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فرّقت القلوب فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اغتنموا الدُّعَاءَ عِنْدَ الرِّقَّةِ فإنَّهَا رَحْمَةٌ» «٢» وقال العبّاس بن عبد المطّلب: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنِ اقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى، تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليَابِسَةِ وَرَقُهَا» ، وَقَالَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: «كان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وتقشعرُّ جلودُهم عند سماع القرآن، قيل لها: إن أقواماً اليومَ إذا سَمِعوا القرآن خَرَّ أحدُهم مَغْشِياً عليه، فقالت: أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ» «٣» ، وعن ابن عمر نحوُه، وقال ابن سيرين: بينَنَا وبين هؤلاء الذين يُصْرَعُونَ عند قراءة القرآن أن يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حَائِطٍ [مَادًّا] رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرأُ عَلَيْه القرآن كلُّه/، فإن رمى بِنَفْسِهِ، فهو صَادِقٌ «٤» .

ت: وهذا كله تغليظٌ على المُرَائِينَ والمتصنِّعين، ولا خلاف أعلمهُ بين أربابِ القلوبِ وأئمَّةِ التصوُّفِ أن المُتَصَنِّعَ عندهم بهذه الأمور مَمْقُوتٌ، وأما مَنْ غَلَبَه الحالُ لِضَعْفِهِ وقَوِيَ الوارِدُ عليه حتى أذْهَبَهُ عَنْ حِسِّه فهو إن شاء اللَّهُ مِن السادةِ الأخْيارِ والأولياء الأبرار، وقَد وَقَعَ ذلك لكثير من الأخْيارِ يَطُولُ تَعْدَادُهم كابن وهب وأحمد بن مُعَتِّبٍ المالكيَّيْنِ، ذكرهما عياض في «مداركه» ، وأنهما ماتا من ذلك وكذلك مالك بن دينار مات

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها في أوَّلِ [يُوسُفَ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا في الآَيِ والحُرُوفِ، فالآَيَةُ تُشْبِهُ الآَيَةَ، والكَلِمَةُ تُشْبِهُ الكَلِمَةَ، والحَرْفُ يُشْبِهُ الحَرْفَ.

والثّانِي: أنَّ بَعْضَهُ يُصَدِّقُ بَعْضًا، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُضٌ.

وَإنَّما قِيلَ لَهُ: ﴿ مَثانِيَ ﴾ لِأنَّهُ كُرِّرَتْ فِيهِ القَصَصُ والفَرائِضُ والحُدُودُ والثَّوابُ والعِقابُ.

فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في تَكْرارِ القَصَصِ، والواحِدَةُ قَدْ كانَتْ تَكْفِي؟

فالجَوابُ: أنَّ وُفُودَ العَرَبِ كانَتْ تَرُدُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَيُقْرِئُهُمُ المُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنَ القُرْآَنِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كافِيًا لَهُمْ، وكانَ يَبْعَثُ إلى القَبائِلِ المُتَفَرِّقَةِ بِالسُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنَ الأنْباءُ والقَصَصُ مُثَنّاةً مُكَرَّرَةً، لَوَقَعَتْ قِصَّةُ مُوسى إلى قَوْمٍ، وقِصَّةُ عِيسى إلى قَوْمٍ، وقِصَّةُ نُوحٍ إلى قَوْمٍ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنَّ يُشْهِرَ هَذِهِ القَصَصَ في أطْرافِ الأرْضِ ويُلْقِيَها إلى كُلِّ سَمْعٍ.

فَأمّا فائِدَةُ تَكْرارِ الكَلامِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: " فَبِأيِّ آَلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ " [الرَّحْمَنِ]، وقَوْلُهُ: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ \[الكافِرُونَ\]، وقَوْلُهُ: ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى  ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ  ﴾ فَسَنَذْكُرُها في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ] عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ أيْ: تَأْخُذُهم قَشْعَرِيرَةٌ، وهو تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ مِنَ الوَجَلِ.

ورَوى العَبّاسُ ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ العَبْدِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، تَحاتَّتْ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها" .» وَفِي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: تَقْشَعِرُّ مِن وعِيدِهِ، وتَلِينُ عِنْدَ وعْدِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: تَقْشَعِرُّ مِنَ الخَوْفِ، وتَلِينُ مِنَ الرَّجاءِ.

والثّالِثُ: تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ لِإعْظامِهِ، وتَلِينُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: مَفْعُولُ الذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ؛ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ الجَنَّةَ والثَّوابَ.

قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ، تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم [وَتَلِينُ قُلُوبُهُمْ]، ولَمْ يَنْعِتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ، إنَّما هَذا في أهْلِ البِدَعِ، وهَذا مِنَ الشَّيْطانِ.

وقَدْ رَوى أبُو حازِمٍ، قالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ ساقِطٍ مِن أهْلِ العِراقِ، فَقالَ: ما شَأْنُهُ؟

فَقالُوا: إنَّهُ إذا قُرِئَ عَليْهِ القُرْآَنُ يُصِيبُهُ هَذا، قالَ: إنّا لَنَخْشى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وما نَسْقُطُ.

«وَقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: جِئْتُ أُبَيَّ، فَقالَ لِي: أيْنَ كُنْتَ؟

فَقُلْتُ: وجَدْتُ قَوْمًا، ما رَأيْتُ خَيْرًا مِنهم قَطُّ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَيُرْعِدُ واحِدُهم حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ، فَقالَ: لا تَقْعُدْ مَعَهم بَعْدَها [أبَدًا]، قالَ: فَرَآَنِي كَأنِّي لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ فِيَّ، فَقالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَتْلُو القُرْآَنَ، ورَأيْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَتْلُوانِ القُرْآَنَ فَلا يُصِيبُهم هَذا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أفْتَرى أنَّهم أخْشى لِلَّهِ مِن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ؟

قالَ: فَرَأيْتُ ذَلِكَ كَذَلِكَ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: سُئِلَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: هَلْ كانَ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ؟

قالَتْ: لا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْكُونَ.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَلَتُ لِجَدَّتَيْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، كَيْفَ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  يَفْعَلُونَ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآَنُ؟

قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَعالى، تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم.

فَقُلْتُ لَها: إنَّ ناسًا اليَوْمَ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآَنُ، خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وكانَ جَوابٌ يُرْعِدُ عِنْدَ الذِّكْرِ، فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ: إنْ كُنْتَ تَمْلِكُهُ، فَما أُبالِي أنْ لا أعْتَدَّ بِكَ، وإنْ كُنْتَ لا تَمْلِكُهُ، فَقَدْ خالَفْتَ مَن كانَ قَبْلَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ ما يَنْزِلُ بِالمُؤْمِنِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآَنِ مِنَ اقْشِعْرارِ الجُلُودِ عِنْدَ الوَعِيدِ، ولِينِها عِنْدَ الوَعْدِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللهُ ذَلِكَ هُدى اللهُ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مَن هادٍ ﴾ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأبِي لَهَبٍ وابْنِهِ، هُما اللَذانِ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم.

وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمْرِ اللهِ، و"شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ" اسْتِعارَةٌ لِتَحْصِيلِهِ لِلنَّظَرِ الجَيِّدِ والإيمانِ بِاللهِ، و"النُورُ" هِدايَةُ اللهِ، وهي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالضَوْءِ، «قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ انْشِراحُ الصَدْرِ؟

قالَ: "إذا دَخَلَ النُورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ"، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ؟

قالَ: "الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجافِي عن دارِ الغُرُورِ، والتَأهُّبُ لِلْمَوْتِ"،» و"القَسْوَةُ": شِدَّةُ القَلْبِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافِرِ بِهِ في صَلابَتِهِ، وقِلَّةِ انْفِعالِهِ لِلْوَعْظِ.

وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "ما ضُرِبَ العَبْدُ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ"، ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ عَلى المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ، ورُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وأخْبِرْنا بِأخْبارِ الدَهْرِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقَوْلُهُ: ﴿ "مُتَشابِهًا" ﴾ مَعْناهُ: مُسْتَوِيًا لا تَناقُضَ فِيهِ ولا تَدافُعَ، بَلْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في رَصانَةِ اللَفْظِ، ووَثاقَةِ البَراهِينِ، وشَرَفِ المَعانِي؛ إذْ هي اليَقِينُ في العَقائِدِ في اللهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وشَرْعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "مَثانِيَ" ﴾ مَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ لِلْقَصَصِ والأقْضِيَةِ والمَواعِظِ، تُثَنّى فِيهِ ولا يُمَلُّ مَعَ ذَلِكَ، ولا يَعْرِضُها ما يَعْرِضُ لِلْحَدِيثِ المُعادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُثَنّى فِيهِ الأمْرُ مِرارًا.

ولا يَنْصَرِفُ "مَثانِيَ" لِأنَّهُ جَمْعٌ لا نَظِيرَ لَهُ في الواحِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن وقْفِ شَعْرِ الإنْسانِ عِنْدَ ما يُداخِلُهُ خَوْفٌ، ولِينُ قَلْبٍ عِنْدَ سَماعِ مَوْعِظَةٍ أو زَجْرِ قُرْآنٍ ونَحْوِهُ، وهَذِهِ عَلامَةُ وُقُوعِ المَعْنى المُخْشِعِ في قَلْبِ السامِعِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأ عِنْدَ النَبِيِّ  فَرَقَّتِ القُلُوبُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "اغْتَنِمُوا الدُعاءَ عِنْدَ الرِقَّةِ فَإنَّها رَحْمَةٌ"،» وقالَ العَبّاسُ: قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَحاتَّتْ عنهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها"،» وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ الصَحابَةُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ أقْوامًا اليَوْمَ إذا سَمِعَ أحَدُهُمُ القُرْآنَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أُعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقَدْ رَأى ساقِطًا عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ: إنّا لَنَخْشى اللهَ وما نَسْقُطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ هُدى اللهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى الخَشْيَةِ واقْشِعْرارِ الجِلْدِ، أيْ: ذَلِكَ أمارَةُ هُدى اللهِ، ومَن جَعَلَ ﴿ [تَقْشَعِرُّ]﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لَمْ يَقِفْ عَلى ﴿ "مَثانِيَ"، ﴾ ومَن جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا وإخْبارًا مُنْقَطِعًا وقَفَ عَلى "مَثانِيَ".

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ .

الجملة اعتراض بين الثناء على القرآن فيما مضى وقوله الآتي: ﴿ ولقدَ ضَربْنَا للنَّاسسِ في هذا القُرءَاننِ من كُل مَثَلٍ ﴾ [الزمر: 27].

وجعلها المفسرون تفريعاً على جملة ﴿ ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هادٍ ﴾ [الزمر: 23] بدلالة مجموع الجملتين على فريقين: فريق مهتد، وفريق ضاللٍ، ففرع على ذلك هذا الاستفهام المستعمل في معنى مجازي.

وجعل المفسرون في الكلام حذفاً، وتقدير المحذوف: كمن أمن العذاب أو كمن هو في النعيم.

وجعلوا الاستفهام تقريرياً أو إنكارياً، والمقصود: عدم التسوية بين من هو في العذاب وهو الضالّ ومن هو في النعيم وهو الذي هداه الله، وحُذف حال الفريق الآخر لظهوره من المقابلة التي اقتضاها الاستفهام بناء على أن هذا التركيب نظير قوله: ﴿ أفمَنْ حقَّ عليهِ كلمةُ العذابِ ﴾ [الزمر: 19] وقوله: ﴿ أفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلاَمِ ﴾ [الزمر: 22]، والقول فيه مثل القول في سابقه من الاستفهام وحذف الخبر، وتقديره: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب، لأن الله أضله كمن أمن من العذاب لأن الله هداه، وهو كقوله تعالى: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ﴾ [محمد: 14].

والمعنى: أن الذين اهتدوا لا ينالهم العذاب.

ويجوز عندي أن يكون الكلام تفريعاً على جملة ﴿ وَمَن يُضْلِللِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: 23] تفريعاً لتعيين مَا صْدِق (مَنْ) في قوله: ﴿ ومن يُضْلِل الله فما له من هَادٍ ﴾ ويكون ﴿ من يتقي ﴾ خبراً لمبتدأ محذوف، تقديره: أفهو من يتقي بوجهه سوء العذاب، والاستفهام للتقرير.

والاتقاء: تكلف الوقاية وهي الصون والدفع، وفعلها يتعدى إلى مفعولين، يقال: وقى نفسه ضربَ السيف، ويتعدّى بالباء إلى سبب الوقاية، يقال: وقى بترسه، وقال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه *** فتناولْته واتَّقتنا باليد وإذا كان وجه الإنسان ليس من شأنه أن يُوقى به شيء من الجسد، إذ الوجه أعزّ ما في الجسد وهو يُوقَى ولا يُتقى به فإن من جبلِّة الإِنسان إذا توقع ما يصيب جسده ستر وجهه خوفاً عليه، فتعين أن يكون الاتقاء بالوجه مستعملاً كناية عن عدم الوقاية على طريقة التهكم أو التلميح، فكأنه قيل: من يطلب وقاية وجهه فلا يجد ما يقيه به إلا وجهه، وهذا من إثبات الشيء بما يشبه نفيه، وقريب منه قوله تعالى: ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ﴾ [الكهف: 29].

و ﴿ سُوءَ العَذَابِ ﴾ منصوب على المفعولية لفعل ﴿ يَتَّقِي ﴾ .

وأصله مفعول ثان إذ أصله: وَقَى نفسه سوءَ العذاب، فلما صيغ منه الافتعال صار الفعل متعدياً إلى مفعول واحد هو الذي كان مفعولاً ثانياً.

﴿ القيامة وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ ﴾ يجوز أن يكون ﴿ وَقِيلَ ﴾ عطفاً على الصلة.

والتقدير: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب، وقيل لهم فإن (مَن) مراد بها جمْع، والتعبير ب ﴿ الظالمين ﴾ إظهار في مقام الإِضمار للإِيماء إلى أن ما يلاقونه من العذاب مسبب على ظلمهم، أي شركهم.

والمعنى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب فلا يجد وقاية تنجيه من ذوق العذاب فيقال لهم: ذُوقوا العذاب.

ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ الظالمين ﴾ جميع الذين أشركوا بالله من الأمم غير خاص بالمشركين المتحدث عنهم، فيكون ﴿ الظالمين ﴾ إظهاراً على أصله لقصد التعميم، فتكون الجملة في معنى التذييل، أي ويقال لهؤلاء وأشباههم، ويظهر بذلك وجه تعقيبه بقوله تعالى: ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ﴾ [الزمر: 25].

وجاء فعل ﴿ وَقِيلَ ﴾ بصيغة المضيّ وهو واقع في المستقبل لأنه لتحقق وقوعه نزل منزلة فعل مضَى.

ويجوز أن يكون جملة ﴿ وقِيلَ للظالمين ﴾ في موضع الحال بتقدير (قد) ولذلك لا يحتاج إلى تأويل صيغة المضيّ على معنى الأمر المحقق وقوعه.

والذوق: مستعار لإِحساس ظاهر الجسد لأن إحساس الذوق باللسان أشد من إحساس ظاهر الجلد فوجه الشبه قوة الجنس.

والمذوق: هو العذاب فهو جزاء مَا اكتسبوه في الدنيا من الشرك وشرائعه، فجعل المذوق نفس ما كانوا يكسبون مبالغة مشيرة إلى أن الجزاء وفق أعمالهم وأن الله عادل في تعذيبهم.

وأوثر ﴿ تَكْسِبُونَ ﴾ على (تعملون) لأن خطابهم كان في حال اتقائهم سوءَ العذاب ولا يخلو حال المعذّب من التبرم الذي هو كالإِنكار على معذِّبه.

فجيء بالصلة الدالة على أن ما ذاقوه جزاء ما اكتسبوه قطعاً لتبرمهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، والكَلامُ يُسَمّى حَدِيثًا كَما سُمِّيَ كَلامُ رَسُولِ اللَّهِ  حَدِيثًا.

الثّانِي: لِأنَّهُ حَدِيثُ التَّنْزِيلِ بَعْدَما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ.

وَيَحْتَمِلُ وصْفُهُ بِأحْسَنِ الحَدِيثِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِفَصاحَتِهِ وإعْجازِهِ.

الثّانِي: لِأنَّهُ أكْمَلُ الكُتُبِ وأكْثَرُها إحْكامًا.

﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الآيِ والحُرُوفِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في نُورِهِ وصِدْقِهِ وعَدْلِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يُشْبِهُ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ عَلى أنْبِيائِهِ لِما يَتَضَمَّنُهُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ، وإنْ كانَ أعَمَّ وأعْجَزَ.

ثُمَّ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿ مَثانِيَ ﴾ وفِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ثَنّى اللَّهُ فِيهِ القَضاءَ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: ثَنّى اللَّهُ فِيهِ قَصَصَ الأنْبِياءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: ثَنّى اللَّهُ فِيهِ ذِكْرَ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الرّابِعُ: لِأنَّ الآيَةَ تُثَنّى بَعْدَ الآيَةِ، والسُّورَةُ بَعْدَ السُّورَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: يُثَنّى في التِّلاوَةِ فَلا يُمَلُّ لِحُسْنِ مَسْمُوعِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

السّادِسُ: مَعْناهُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّ المَثانِيَ اسْمٌ لِأواخِرِ الآيِ، فالقُرْآنُ اسْمٌ لِجَمِيعِهِ، والسُّورَةُ اسْمٌ لِكُلِّ قِطْعَةٍ مِنهُ، والآيَةُ اسْمٌ لِكُلِّ فَصْلٍ مِنَ السُّورَةِ، والمَثانِي اسْمٌ لِآخِرِ كُلِّ آيَةٍ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها تَقْشَعِرُّ مِن وعِيدِهِ وتَلِينُ مِن وعْدِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّها تَقْشَعِرُّ مِنَ الخَوْفِ وتَلِينُ مِنَ الرَّجاءِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ لِإعْظامِهِ، وتَلِينُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا فنزل ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ قال: القرآن كله مثاني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مثاني ﴾ قال: القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويرد بعضه إلى بعض.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ كتاباً متشابهاً ﴾ حلاله وحرامه لا يختلف شيء منه.

الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف ﴿ مثاني ﴾ قال: يثني الله فيه الفرائض، والحدود، والقضاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كتاباً متشابهاً ﴾ قال: القرآن كله مثاني.

قال: من ثناء الله إلى عبده.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ متشابهاً ﴾ قال: يفسر بعضه بعضاً، ويدل بعضه على بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي رجاء رضي الله عنه قال: سألت الحسن رضي الله عنه عن قول الله تعالى ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾ قال: ثنى الله فيه القضاء.

تكون في هذه السورة الآية، وفي السورة الآية الأخرى تشبه بها.

وأخرج عبد بن حميد عن أُبي رضي الله عنه قال: سأل عكرمة رضي الله عنه عنها، وأنا أسمع فقال: ثنى الله فيه القضاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ﴾ هذا نعت أولياء الله نعتهم الله تعالى قال: تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى.

ولم ينعتهم الله تعالى بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وإنما هو من الشيطان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم...

﴾ قال: إذا ذكروا سمعوا ذكر الله والوعيد اقشعروا ﴿ ثم تلين جلودهم ﴾ إذا سمعوا ذكر الجنة واللين ﴿ يرجون رحمة الله ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء رضي الله عنها كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأوا القرآن؟

قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم.

قلت: فإن ناساً هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: جئت أمي فقلت وجدت قوماً ما رأيت خيراً منهم قط، يذكرون الله تعالى فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله فقالت: لا تقعد معهم.

ثم قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا.

افتراهم أخشى من أبي بكر وعمر؟

وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن جبير رضي الله عنه قال: الصعقة من الشيطان.

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن إبراهيم رضي الله عنه في الرجل يرى الضوء قال: من الشيطان، لو كان يرى خيراً لأوثر به أهل بدر.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها.

وأخرج الحكيم الترمذي عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: ليس من عبد على سبيل ذكر سنة ذكر الرحمن فاقشعر جلده من مخافة الله تعالى إلا كان مثله مثل شجرة يبس ورقها وهي كذلك فاصابتها ريح تحات ورقها كما تحات عن الشجرة البالية ورقها، وليس من عبد على سبيل وذكر سنة وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبداً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب ﴾ الخبر محذوف كما تقدم في نظائره تقديره: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب ومعنى يتقي يلقى النار بوجهه ليكفها عن نفسه، وذلك أن الإنسان إذا لقي شيئاً من المخاوف استقبله بيديه، وأيدي هؤلاء مغلولة، فاتقوا النار بوجوههم ﴿ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أي ذوقوا جزاء ما كنتم تكسبون من الكفر والعصيان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ونحوه [يخرج] على وجهين: أحدهما: على الخبر ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ أي: قد رأيت.

والثاني على الأمر: أن ره.

ثم الخطاب، وإن كان في الظاهر لرسول الله  فهو لكل أحد يحتمل النظر والتأمل، ثم جهة الحكمة المودعة فيها ما ذكر من إنزال الماء من السماء، وجعله ينابيع في الأرض، والينابيع هي العيون التي تخرج من الأرض، والآبار التي جعلت فيها؛ ليعلم أنّ المياة الخارجة من الأرض والجارية فيها أصلها من السماء، منزلة منها، وهي طهور؛ على ما أخبر أنه أنزله طهوراً، وإن اختلف طبعه لاختلاف جواهر الأرض ما لم يخالطه شيء من جواهر الأرض من القذر والنجاسة وغيرها من الألوان التي تخرجه عن أن يكون طهوراً وتغيره عن جوهره الذي أنزل من السماء، ثم جعل الله - عز وجل - في سِرّية ذلك الماء معنى ولطفاً ما يوافق جميع الأشجار والنبات، وكل خارج من الأرض وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها؛ ليعلم أنّ من قدر على جعل ما جعل في الماء من اللطف، والمعنى الذي يوافق كل شيء من النبات والشجر وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا قوة إلا بالله.

أو أن يقول: إن من تكلف زرع الزراعة في الأرض، ويتحمل المؤن العظام إلى أن بلغ المبلغ الذي ينتفع به وينال منه النفع فتركه لم ينتفع به؛ أليس يوصف بالسفه وبغير الحكمة، فكذلك الله -  - لما أنشأكم صغاراً طفلا وغذاكم بألوان الأغذية والأطعمة حتى كبرتم وبلغتم مبلغ الانتفاع بكم، ثم أتلفكم بلا عاقبة تقصد في ذلك كان غير حكيم، وقد عرفتموه حكيماً؛ فدل أن المقصود في ذلك كله حتى يكون إنشاؤه إياكم صغاراً وتربيته إياكم بألوان الأغذية التي جعل لكم حكمة - هو البعث ما لولا ذلك كان سهفاً غير حكمة؛ على ما ذكر من إخراج الزرع من الأرض بالماء الذي أخرج، ثم تركه فيها حتى صار ياسباً لا ينتفع به كان سفيهاً غير حكيم، فعلى ذلك ما كان عند أولئك الكفرة أن لا بعث كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: فيما يذكر من إنزال الماء من السماء وإدخاله في الأرض وإخراج ما ذكر منها به وما ذكر - موعظة لأولي الألباب؛ أي: لمن انتفع بلبه وعقله؛ لما ذكرنا، وما ذكر لأهل الجنة من الغرف وغير ذلك.

وقوله: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أدخله فيها وجعله ينابيع؛ أي: عيوناً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَهِـيجُ ﴾ أي: ييبس.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ﴾ متكسراً مثل الرفات والفتات، وهو قول أبي عوسجة والقتبي، ويقال: هاجت الأرض: إذا ابتدأت في اليبس، حطاما، أي: متكسرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ قيل: ﴿ شَرَحَ ٱللَّهُ ﴾ : وسع الله.

وقيل: رحب الله.

وقيل: لبى الله، ونحوه؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ فيسلم ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: يجعل الله في صدره النور؛ أي: يجعل إذا أسلم حتى يبصر الحق وحججه وبراهينه بصورة الحق أنه حق، والباطل أنه باطل، وأنه تمويه، يبصر كل شيء بذلك النور على ما هو حقيقة أنه حق وباطل، فيأخذ الحق ويعمل به، ويترك الباطل ويجتنبه، والله أعلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، يكون نوره هو إسلامه الذي هداه شرح صدره لنوره حتى أسلم، وهو ما روي في الخبر "أنّ رسول الله  سئل أنه: هل ينشرح الصدر للإسلام؟

وكيف ينشرح؟

فقال نبي الله  : إذا دخله النور انشرح لذلك الصدر، وانفسح له" ؛ أخبر أن النور إذا دخل الصدر انشرح لذلك الصدر، وانفسح له بذلك النور، والله أعلم.

وجائز - أيضاً - أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ في الدنيا ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ في الآخرة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ...

﴾ الآية [التحريم: 8]، والذين كفروا طبع الله على قلوبهم فتظلم وتفسق لما تبقى في الظلمة أبداً، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ : الإسلام نفسه إذا أسلم ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ كتاب الله، قال: هذا المؤمن به يأخذ، وإليه ينتهي، "وما سئل النبي  : هل لذلك - أي: لانشراح الصدر للإسلام - علامة؟

فقال: نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الموت" ، فهذا في التحقيق ليس في المعاملة في العمل، ولكن في الاعتقاد؛ أي: يتجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود: يتزود من الدنيا للآخرة.

ثم قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ يحتمل أن يكون على الاستفهام؛ على ما ذكر.

ويحتمل ألا يكون على الاستفهام، ولكن على الإيجاب، فإن كان على هذا فهو على إسقاط الألف: فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه...

الآية؛ كقوله في آية أخرى: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً  ﴾ فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الآية على هذا، والله أعلم.

وإن كان على الاستفهام فلابد أن يكون له مقابل يعرف ذلك بدليل أنه جواب.

ثم قال بعضهم: جوابه في قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه يقول: ليس المنشرح صدره للإسلام كالقاسي قلبه بالكفر؛ وهو قول الكسائي.

وجائز أن يكون جوابه ومقابله ما تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ...

﴾ الآية [الزمر: 19]؛ كأنه يقول: أفمن حق عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام؛ أي: ليس من وجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ : أصدقه خبراً، وأعدله حكماً، وهو ما ذكر في آية أخرى، ووصفه بالصدق والعدل؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً  ﴾ أي: صدقاً فيخبره، وعدلا في حكمه، فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ خبراً، وأعدله حكماً، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ ، أي: أتقنه وأحكمه، وهو متقن ومحكم، وهو على ما وصفه بالصدق والعدل في آية أخرى قال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ أخبر أنه لا يأتي القرآن باطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك لإتقانه وإحكامه، والله أعلم.

وهو أحسن الحديث؛ لأن من تأمله ونظر فيه وتفكرّ أنار قلبه، وأضاء صدره، وهداه سبيل الخير والحق، ودفع عنه الوساوس والشبهات وكل شر، وأفضاه إلى كل خير وبرّ فهو أحسن الحديث؛ إذ لا حديث يعمل ما يعمل هو؛ لما ذكرنا، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً ﴾ قوله: ﴿ مُّتَشَابِهاً ﴾ أي: ليس بمختلف ولا متناقض، ليس كحديث الناس وكتبهم مما يختلف ويتناقض حديثهم وكتابهم، وخاصة فيما امتدّ من الأوقات وطال وبعدت مدته، وهو ما ذكر: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً...

 ﴾ دل كونه متفقاً، متشابهاً، غير مختلف في طول نزوله، وتفرق أوقاته، وتباعد أيامه في الإنزال - أنه من عند الله نزل، ومنه جاء؛ إذ لو لم يكن من عنده لخرج مختلفاً متناقضاً على ما يخرج حديث الناس وخبرهم مختلفاً ومتناقضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ قال أهل التأويل: سماه: مثاني؛ لما ثنّى فيه أنباؤه وقصصه مرة بعد مرة، وأصله: أنه سماه: مثاني؛ لأنه ذكر فيه المواعظ والذكرى وكررها في غير موضع، لما لو لم يكررها غفلوا عنها، وسهوا عنها؛ لأن الحكيم إذا وعظ أحداً عظة وزجره وسها عنه [كررها عليه]، وكرر - عز وجل - عليهم المواعظ والزواجر؛ ليكونوا أبداً متعظين متذكرين لذلك - والله أعلم - لكيلا يغفلوا عنها ولا يسهوا.

وقوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عند تلاوة آية الرهبة والخوف، وتلين قلوبهم عند تلاوة آية الرحمة.

وجائز أن يكون ذلك لهم بجميع القرآن بما فيه من الرحمة والرهبة جميعاً يكون فيهما الموعظة: تلين قلوبهم وتقشعر جلودهم وتخاف أنفسهم؛ لأن آية الرحمة ليست بأحق بتليين القلوب من آية الرهبة، بل آية الرهبة أحق بذلك.

وقتادة يقول: كانت جلودهم تقشعر، وعيونهم تبكي، وقلوبهم تطمئن إليه، ولا تذهب عقولهم، ولا يغشى عليهم، كما رأينا أهل البدع يفعلونه، وإنما ذلك من الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ قد بين سبيل الهدى والحق، وحججه وبراهينه، وبين سبيل الضلالة والباطل، فمن سلك سبيل الهدى فبتوفيقه سلك، وبمعونته اهتدى، ومن سلك طريق الكفر والباطل فبخذلانه ضل وزاغ.

وقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أخبر أنّ من أضله الله فلا هادي له، وعلى ما قال في المعيشة والرزق؛ قال - عز وجل -: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ  ﴾ وقال - عز وجل - في الضراء والخير؛ حيث قال: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ  ﴾ ذكر في الضلال والهدى ما ذكر في الرزق والضر والخير، ذلك أنّ الله في فعلهم وصنعهم تدبيراً، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا تدبير لله في ذلك، وأن من اهتدى إنما يهتدي بنفسه، ومن ضل وزاع إنما ذلك بنفسه، لا تدبير لله في ذلك، فالآية تنقض قولهم ومذهبهم.

وقتادة يقول في قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ وإنما يذكر الله أهل الإيمان، فكانت تقشعرّ بذلك جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم، ولا تذهب عقولهم منه، وأما أن يصرع أحدهم فلم يكن، وإنما كان هذا في أصحاب البدع، وربما هو من الشيطان، ولعمري ما كان في هذه الأمة أحد أعلم من نبيه  ومن بعده أصحابه الذين انتخبهم الله - عز وجل -: لصحبة النبي  وإقامة دينه، ولقد سألنا من لقينا من أصحاب رسول الله  وأصحاب أصحابه، فحدثوا أن هذا إنما كان في أهل البدع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أيستوى هذا الذي هداه ووفقه في الدنيا وأدخله الجنة في الآخرة، ومن كفر ومات على كفره فأدخله النار مغلول اليدين والرجلين، لا يستطيع أن يتقي النار إلا بوجهه المُكَب عليه؟!

وقيل للظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي على سبيل التوبيخ: ذوقوا ما كنتم تكسبون من الكفر والمعاصي، فهذا جزاؤكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.MMk4r"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله